Полный текст (1 408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يعني النبي ﷺ زوجها مغيثا فقالت أتأمرني يا رسول الله فقال لا إنما أشفع ففرق ﷺ كما ترى بين أمره وشفاعته فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه ﵇ وأن أمره بخلاف ذلك وليس فيه إلا الإيجاب فقط وقال الله ﴿يأيها لرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ولله يعصمك من لناس إن لله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ قال علي في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك في أن من لم يفعل ما أمر به فقد عصى لأنه تعالى بين أن نبيه ﷺ إن لم يبلغ كما أمر فلم يفعل ما أمر به ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم إلا أن خلاف الأمر معصية لا موافقة وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى يأمرهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال تعالى ﴿فصح أنه لم يرد تعالى منا الإقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه وقال تعالى ﴿﴾
قال علي وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال لأن الندب تخيير وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ﷺ فلا اختيار فيه لأحد وإذا بطل الاختيار فقد لزم الوجوب ضرورة لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم
стр. 317
نفعل فأبطل الله الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه ﷺ وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك فقال تعالى ﴿﴾ قال علي وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة وببديهة العقل إما الوجوب وهو قولنا وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله هذا الوجه في قوله تعالى ﴿﴾ وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا فارتفع الإشكال جملة وبطل كل شغب يأتون به وقال تعالى ﴿﴾ فنص تعالى على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة وهذا هو الحكم بالظاهر وحظر الانتقال إلى التأويل وقال تعالى ﴿﴾ وقال تعالى ﴿﴾ فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص كلام رسول الله ﷺ فإن قالوا فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب فقد نقضتم هذا الحكم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق ما فعلنا ما تقولون من النقض لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى حملناه أيضا على وجوبه فإذا نص ربنا في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا فقد أوجب علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة فلم نخرج عن أصلنا ولم يكن لنا خيرة في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط كما أنه تعالى أو نبيه ﷺ إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه فلا خيرة لنا في صرفه عن أمره الذي اقتصر عليه فكل
أمر مفرد فواجب علينا حمله على
стр. 318
انفراده وكل أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ على ظواهرها ولا خيرة لنا في شيء من ذلك والإجماع إذا صح على حمل آية أو خبر على التخيير فقد أيقنا أن أصل الإجماع توقيف من رسول الله ﷺ فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى قال علي أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة الصدقات يقول ﴿﴾ فيقول ليس ذلك فريضة وجائز للإمام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر أو إلى بعض هذه الأصناف ثم يأتي إلى قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير صاعا من تمر أو صاعا من شعير فيقول ليس صدقة الفطر فريضة ولا الشعير ولا التمر فيها أيضا فرضا ولا مستحبا بل البر الذي لم يذكره النبي ﷺ أفضل ثم يأتي إلى قول رسول الله ﷺ من صلى ههنا معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال لا تخيير في ذلك والفرض الوقوف ليلا ولا بد وإلا بطل الحج ويقول في قول الله تعالى ﴿﴾ إنه يفهم منه أن خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام موجب أن يكون الصوم في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به أيكون في عكس الحقائق ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا وقال تعالى ﴿﴾
стр. 319
قال علي فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى ﴿﴾ مقرونا بمخالفة الطاعة فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه وقال تعالى ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فصح بالنص كما ترى أن كل ما أمر به رسول الله ﷺ فهو معروف وكل ما نهى عنه فهو منكر عن المعروف فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله ﷺ فهو منافق وكل من قال في قوله تعالى افعل فقال هو لا تفعل إن شئت فقد أباح تركه والنهي عنه نصا وقال تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقال تعالى ﴿وليحكم أهل لإنجيل بمآ أنزل لله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لفاسقون﴾ قال علي ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن وبنص تسمية الله له فقد نصصنا كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا وبطل بذلك قول من قال على الندب أو الوقف قال علي وقد فرق قوم بين أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ وهذا بين الفساد فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله ﴿من يطع لرسول فقد أطاع لله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا﴾ وإن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم الجمعة فرضا فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا نفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند لله خير من للهو ومن لتجارة ولله خير لرازقين﴾
قال علي وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا
стр. 320
ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها فلا حج لمن لم يصل ولا صلاة لمن أفطر في رمضان ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى فينفسخ نكاحه مع امرأته لأن الله تعالى عطف النكاح على أمر
اليتامى فقال تعالى ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ لأنها كلها معطوف بعضها على بعض ثم قالوا في قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ ليست العمرة فرضا وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الإتمام ولم يعطف الاعتكاف في الصيام ولا الصيام على الاعتكاف وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام عطف جملة على جملة لا عطف اشتراك ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ فقالوا ليس هذا فرضا وللإمام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر ولا ندب وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى
فريضة وقال فيه ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ففرق بيننا وبين لقوم لفاسقين﴾ وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن
стр. 321
بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير﴾ ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة وبين مضارة
الوارث بموروثه فلم يوجبوا فيها النفقة وقد سوى الله بينهما تسوية واحدة ولا ضرر في التمييز والعقل أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا وهو ذو مال يغنيه ويفضل عنه وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله وقال المالكيون أمر تعالى بالمكاتبة ندب وأمره بإتيانهم من مال الله الذي آتاهم ندب وأمره بالمتعة ندب ثم قالوا قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ فرض فلو تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون لكان أولى بهم من معارضة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ بهذيان لا يطردونه بل يتناقضون فيه في كل حين فمرة يقولون في بعض الأوامر ليس فرضا فإذا قيل لهم قد أمر الله تعالى بها قالوا الأوامر موقوفة ولا يحمل على الفرض إلا بدليل ومرة يوجبون الأوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط وبالله تعالى التوفيق قال علي وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي فإنهم يقولون إن لم نجد دليلا على أن الأمر على الندب أمضينا الأوامر على الوجوب قال علي وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف لأنهم راجعون إلى إمضاء الأوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة إذا عدموا دليلا على الندب قال علي وهذا قولنا نفسه ولم نخالفهم في أن الأمر إذا جاء نص أو إجماع على أنه ندب فواجب أن يصار إلى أنه ندب وإنما خالفناهم في الوقف فقط قال علي ونسألهم ألهذا الوقف غاية فإن حدوا حدا كلفوا عليه
стр. 322
البرهان ولا سبيل إليه فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر فبطل العمل بشيء من الأوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة وقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف فقال لو كان الأمر لا يعلم بلفظه أنه على الوجوب لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه إما بأمر آخر أو بشيء يستخرج من الأمر وكلا الأمرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر فالكلام في الأمر الثاني كالكلام في الأمر
الأول وهذا لا إلى غاية فعلى هذا لا يثبت وجوب أمر أبدا وقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف المعصية في اللغة هي مخالفة الأمر
والطاعة هو تنفيذ الأمر وقال الله تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وقال تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن لله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فستغفروا لله وستغفر لهم لرسول لوجدوا لله توابا رحيما﴾ فثبت الوجوب في الأوامر ضرورة بحكم الله تعالى فالنار على من تركها قال علي ويقال لمن قال بالوقف ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله تعالى ومن رسوله ﷺ خالية من قرينة بالجملة ولا دليل هناك يدل على أنها فرض ولا على أنها ندب فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ وهذا هو نفسه ترك الديانة أو يحمل ذلك على الندب فيجمع وجهين أحدهما القول بلا دليل والثاني استجازة مخالفة الله ورسوله ﷺ بلا برهان أو يحمل ذلك على الفرض وهذا قولنا وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالأوامر فرضا بنفس لفظها دون قرينة وبالله تعالى التوفيق قال علي فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم بني قريظة لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر
стр. 323
قبلها وقالوا لم يرد هنا هنا وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم يعنف واحدة من الطائفتين قال علي هذا حجة لهم فيه أيضا ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا فأما احتجاج من حمل الأوامر على غير الوجوب فلا حجة لهم فيه لأنه قد كان تقدم من رسول الله ﷺ أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشيء على مثله إلى أن تصفر الشمس وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين فاقترن على الصحابة في ذلك
اليوم أمران واردان واجب أن يغلب أحدهما على الآخر ضرورة فأخذت إحدى الطائفتين بالأمر المتقدم وأخذت الطائفة الأخرى بالأمر المتأخر إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الأمر الذي أخذت به على الفرض والوجوب وغلبته على الأمر الثاني وقد ذكرنا هذا النوع من الأحاديث فيما خلا وبينا كيفية العمل في ذلك
ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها ولو بعد نصف الليل على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف وهي في الحقيقة متفقة من الأخذ بالزائد ومن استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا فأمره ﵇ في ذلك اليوم بألا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة أمر خاص في صلاة واحدة من يوم واحد في الدهر فقط فكان ذلك مستثنى من عموم أمره بأن يصلى كل عصر من كل يوم في الأبد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس وأما ما لم تغب للمضطر حاشى يوم عرفة وأيضا فإن أمره ﵇ بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في
стр. 324
بني قريظة شريعة زائدة وأمر وارد بخلاف الحكم السالف وبخلاف معهود الأصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده فواجب طاعة ذلك الأمر الحادث والشرع الطارىء لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل ما أمرنا به رسول الله ﷺ عن ربه تعالى وكان أمره بألا يصلى العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج وقد ذكر بصلاة المغرب فقال ﵇ الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة في ذلك المكان خاصة عن وقتها المعهود إلى وقت آخر ولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر يوم بني قريظة وفي المغرب ليلة المزدلفة وهذا بين لمن تأمله قال أبو محمد وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين وقال ترك النبي ﷺ أن يعنف كل واحدة من الطائفتين دليل على أن كل واحدة منهما مصيبة قيل له وبالله التوفيق لا دليل فيه على ما ذكرت ولكنه دليل واضح على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين والأخرى مجتهدة مأجورة أجرا واحدا معذورة في خطئها بالاجتهاد لأنها لم تتعمد المعصية وقد قال ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم
في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ وقال ﵇ لكل امرىء ما نوى وكلا الطائفتين نوت الخير وقد نص ﵇ على أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر وكل متكلم
في مسألة شرعية ممن له أن يتكلم على الوجه الذي أمر به من الاستدلال الذي لا يشوبه تقليد ولا هوى فهو حاكم في تلك المسألة لأنه موجب فيها حكما وكل موجب حكما فهو حاكم وهو داخل في استجلاب الأمر بالحديث المذكور فإن قال قائل فلم يأمر رسول الله ﷺ الطائفة المخطئة
стр. 325
عندكم بالإعادة إن كانت هي التي صلت العصر في وقتها المعهود قبل البلوغ إلى بني قريظة وإنما كان وقتها عندكم في ذلك اليوم بعد البلوغ إلى بني قريظة أي وقت بلغ البالغ إليهم أو لم يعنف الطائفة المؤخرة للعصر إلى بعد نصف الليل إن كانت هي المخطئة على تأخيرهم صلاة فرض عن وقتها قيل له وبالله تعالى التوفيق لسنا ندري في أي وقت بلغ خبر الطائفتين المذكورتين إلى رسول الله ﷺ ولعل ذلك قد بلغه ﵇ في اليوم التالي وبعد خروج وقت العصر جملة ولا إعادة على تارك صلاة بتأول ممن له أن يتأول على الوجه المحمود لا بتقليد ولا بهوى ولا إعادة على تارك صلاة عمدا بلا تأول ولا ضرورة حتى يخرج وقتها وأما المتأول فمعذور ولا يكلف إلا ما علم وأما العامد فذنبه أجل من أن نأمره نحن بكفارة أو بصلاة لم يأمره الله تعالى بها ولا يحل لنا ولا لغيرنا تعدي حدود الله بأن نلزمه فرضا لم يأذن به الله تعالى ونسقط عنه بذلك فرضا قد أمره الله تعالى به ونعوذ بالله تعالى من ذلك وأمره إلى خالقه لا إلينا وسيرد على ذي مغفرة واسعة وذي عقاب أليم حيث لا يضيع له شيء ولا يجمع عنده شيء فعند الموازين يعرف كل امرىء ما له وما عليه نسأل الله عفوه وغفرانه في ذلك الموقف آمين قال علي وقد أنكر رسول الله ﷺ على أبي سعيد بن
المعلى إذ ناداه فلم يستجب له وكان في صلاة فقال له رسول الله ﷺ ألم يقل الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا ستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن لله يحول بين لمرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾
قال علي وفي هذا بيان جلي في حمل أوامر الله تعالى وأوامر نبيه ﷺ على الوجوب وعلى الظاهر منها ومن تلك الأوامر أمره تعالى أن يطاع رسوله ﵇ وفي قوله ﵇ المذكور لأبي سعيد بيان جلي في صحة ما أثبتناه قبل من استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني
стр. 326
واستعمال جميع الأوامر لأنه تعالى قال ﴿يأيها لذين آمنوا ستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن لله يحول بين لمرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ وقال تعالى ﴿لذي جعل لكم لأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون﴾ خص ﵇ دون سائر الناس أن يكلمه المصلون إذا كلمهم ولا يكون ذلك قاطعا لصلاتهم وبهاتين الآيتين والحديث المذكور بطل قول من قال بأن المصلين يكلمون الإمام إذا وهل في صلاته ورام أن يحتج في ذلك بحديث ذي اليدين فبالنصوص التي ذكرنا أيقنا أن ذلك خاص للنبي ﷺ دون من سواه وسبحان من يسر لإخواننا المالكيين أن يجعلوا الخصوص في هذا المكان عموما وأن يجعلوا العموم الذي نص ﵇ على أنه عموم وغضب على من أراد أن يجعله خصوصا من القبلة في صيام رمضان فجعلوه خصوصا كل ذلك بلا دليل وحسبنا الله ونعم الوكيل قال أبو محمد وأما من استجاز أن يكون ورود الوعيد على معنى التهديد لا على معنى الحقيقة فقد اضمحلت الشريعة بين يديه ولعل وعيد الكفار أيضا كذلك ومن بلغ هذا المبلغ فقد سقط الكلام معه لأنه يلزمه تجويز ترك الشريعة كلها إذ لعلها ندب ولعل كل وعيد ورد إنما هو تهديد وهذا مع فراقه المعقول خروج عن الإسلام لأنه تكذيب لله وبالله تعالى التوفيق ومما يبين أن أوامر الله تعالى كلها على الفرض
حتى يأتي نص أو إجماع أنه ليس فرضا قوله تعالى ﴿قتل لإنسان مآ أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم لسبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره * كلا لما يقض مآ أمره﴾
قال علي فعدد الله تعالى في كفر الإنسان أنه لم يقض ما أمره به وكل من حمل الأوامر على غير الفرض واستجاز تركها فلم يقض ما أمره وفيما
стр. 327
ذكرنا كفاية وبالله تعالى التوفيق وقد فرق ﷺ بين أمر الفرض وأمر التخيير بفرق ولا مدخل للشغب فيه بعده وهو ما حدثناه عن عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري ثنا أبو عوانة عن شيبان عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال سأل رجل رسول الله ﷺ أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل قال علي فأورد ﵇ الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير وأورد الآخر بلفظ الأمر فقط ولو كان معناهما واحدا لما كان ﵇ مبينا للسائل ما سأل عنه وهذا ما لا يظنه مسلم والله الهادي إلى سواء السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل
فصل في كيفية ورود الأمر
قال علي الأوامر الواجبة ترد على وجهين أحدهما بلفظ افعل أو افعلوا والثاني بلفظ الخبر إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول وإما بجملة ابتداء وخبر فأما الذي يرد بلفظ افعل أو افعلوا فكثير واضح مثل ﴿وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وركعوا مع لراكعين﴾ ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم﴾ وما أشبه ذلك
стр. 328
وأما الذي يرد بلفظ الخبر وبجملة فعل وما يقتضيه فكقوله تعالى ﴿قل إنما حرم ربي لفواحش ما ظهر منها وما بطن ولإثم ولبغي بغير لحق وأن تشركوا بلله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على لله ما لا
تعلمون﴾ وكقوله تعالى
﴿إن لله يأمركم أن تؤدوا لأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين لناس أن تحكموا بلعدل إن لله نعما يعظكم به إن لله كان سميعا بصيرا﴾ وكقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لصيام كما كتب على لذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ و ﴿كتب عليكم لقتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ و ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ وأمرت أن أسجد على سبعة أعظم وما أشبه ذلك وكثير من الأوامر التي ذكرنا وردت كما ترى بمفعول لم يسم فاعله ولكن لما قال وقوله الحق على نبيه ﷺ ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ علمنا يقينا لا مجال للريب فيه أنه لا ينقل أمرا ولا نهيا إلا عن ربه تعالى فكان السكوت عن تسمية الآمر والناهي وذكره سواء في صحة فهمنا أن المراد بأحكام الشريعة هو الله تعالى وحده لا من سواه وأما ما ورد من هذا بجملة لفظ ابتداء وخبر فكقوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم لله بللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم لأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير
رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحفظوا أيمانكم كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ ﴿يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام﴾ ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ ﴿ولذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بلمعروف ولله بما تعملون خبير﴾ ﴿ولمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق لله في أرحامهن إن كن يؤمن بلله وليوم لآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل لذي عليهن بلمعروف وللرجال عليهن درجة ولله عزيز حكيم﴾ ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ ومثل هذا كثير
قال علي فلا طريق لورود الأوامر والشرائع الواجبة إلا على هذين الوجهين فقط فأما عنصر الأمر والنهي فإنما هو ما ورد بلفظ افعل أو لا تفعل فهذه صيغة لا يشركه فيها الخبر المجرد الذي معناه معنى الخبر المحض ولا يشركه فيها التعجب ولا يشركه فيها القسم وإنما يشركه في هذه الصيغة الطلبية فقط فما كان منها إلى الله فهو الدعاء فقط وما كان منها إلى
стр. 329
من دونه تعالى فهو الرغبة وقد يسمى الدعاء إلى الله أيضا رغبة ولا يسمى الدعاء على الإطلاق إلا ما كان طلبة إلى الله حتى إذا جاز أضيف أن ينسب إلى غير الله تعالى فنقول ادع فلانا بمعنى ناده قال علي وأما المقدمات المأخوذة لإنتاج النتائج في المناظرة فإنما الأصل فيها أن تصاغ بصيغة الخبر مثل قوله ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام النتيجة فكل مسكر حرام إلا أننا في مناظرتنا أهل ملتنا وأهل نحلتنا فيما تنازعنا فيه قد غنينا عن ذلك لاتفاقنا على أن لفظ افعل مقدمة مقبولة تقوم بها الحجة فيما بيننا قياما تاما قال علي ويميز ما جاء في الأوامر بلفظ الأخبار مما جاء بلفظ الخبر ومعناه الخبر المجرد بضرورة العقل فإن قول الله ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب لله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ هو بمنزلة قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ في ظاهر ورود الأمر إلا أن أحد اللفظين خبر مجرد لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الخبر والآخر لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الأمر وإنما علمنا ذلك لأن الجزاء بجهنم لا يجوز أن نؤمن نحن به لأن ذلك ليس في وسعنا وقد أمننا الله من
أن يأمرنا بما ليس في وسعنا قال الله ﴿لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾ وأما التحرير للرقبة وتسليم الدية
فبضرورة العقل علمنا أن ذلك من مقدوراتنا ومما لا يفعله الله دون توسط فاعل منا فبهذا يتميز ما كان الخبر معناه الأمر وما كان منه مجردا للخبر في معناه ولفظه وقد اعترض قوم من الملحدين علينا في قوله ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ وأرادوا أن يحملوا ذلك على أنه خبر في معناه ولفظه
стр. 330
قال علي وهذا خطأ بنص القرآن وبضرورة المشاهدة أما نص القرآن فقوله تعالى ﴿وقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولفتنة أشد من لقتل ولا تقاتلوهم عند لمسجد لحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فقتلوهم كذلك جزآء لكافرين﴾ فارتفع ظن من ظن أن قول الله ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ خبر وكيف يكون ذلك وقد أمر تعالى بقتل من قاتلنا فيه وعنده وأما ضرورة المشاهدة فما قد تيقناه مما وقع فيه من القتل مرة بعد مرة على يدي الحصين بن نمير والحجاج بن يوسف وابن الأفطس العلوي وإخوانهم القرامطة والله تعالى لا يقول إلا حقا فصح أن معنى قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ إنما هو أمر بالبرهانين الضروريين اللذين قدمناهما وكذلك نقول إنه لا يحل أن يقام في شيء من الحرم حد على أحد بوجه من الوجوه ولا بسجن ولا تعزير ولا قطع ولا جلد ولا قصاص ولا رجم ولا قتل لا في ردة ولا في زنى ولا في غير ذلك حاشا من قاتلنا فيه فقط على نص القرآن وبهذا جاء الخبر عن رسول الله ﷺ وأما من أجاز أن يخالف الله تعالى ورسوله ﷺ ويقتدي بعمرو بن سعيد ويزيد والحجاج والحصين بن نمير فيقيم فيه الحدود ويقتل فيه من استحق القتل عنده في غيره
فليفكر فيما يلزمه من تكذيب ربه وله ما اختار من اتباع من اتبع وخلاف الله تعالى ورسوله ﷺ ليتخلص من السؤال الذي ذكرناه آنفا ولو قدر على ذلك لما قدر على التخلص من عصيان نبيه ﷺ في قوله إنها إنما أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لكم ثم عادت كحرمتها بالأمس إلى يوم القيامة لا يسفك فيها دم وبين ﵇ بنص كلامه أنه ليس لأحد أن يترخص في ذلك لأجل قتاله ﵇
ونص على أن ذلك خاص له قال علي وهذا خبر على التأبيد وأمر على التأكيد لا يجوز أن يدخل
стр. 331
فيه نسخ أبدا لنصه ﵇ على أن ذلك باق إلى يوم القيامة فمن أجاز ورود نسخ لهذا فقد أجاز الكذب من الرسول ﷺ ومن أجاز ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال وسبحان من يسر لهؤلاء القوم عكس الحقائق فيجعلون ما قد جاء النص فيه بأنه خاص عاما وما جاء فيه النص بأنه عام خاصا وبالله تعالى نتأيد وإنما سفك ﵇ فيها الدماء المباحة ونهى عن الاقتداء به ذلك جملة وقولنا في هذا هو قول عبد الله بن عمر وعطاء وغيرهما وكان عبد الله بن عمر يقول لو لقيت فيها قاتل عمر ما ندهته قال علي فما ورد من الأوامر والنواهي على الصفتين المذكورتين فهو فرض أبدا ما لم يرد نص أو إجماع على أنه منسوخ أو أنه مخصوص أو أنه ندب أو أنه بعض الوجوه الخارجة عن الإلزام على ما سنفرد لها فصلا في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال علي وأما صورة الندب فهو أن يرد اللفظ أو بمدح الفاعل أو للفعل مثل قوله ﵇ إذ قال يهلك الناس هذا الحي من قريش ثم قال ﵇ لو أن الناس اعتزلوهم فكان هذا ندبا إلى ترك القتال مع التأولين منهم ومثل قوله ﵇ لو اغتسلتم وإنما أوجبنا غسل الجمعة بحديث آخر فيه لفظ الايجاب وأما المدح فمثل قوله تعالى ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على لتقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا ولله يحب لمطهرين﴾ فكان ذلك حضا على مثل فعلهم وهو الاستنجاء بالماء ومثل إخباره ﷺ أن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة وما أشبه ذلك فما جاء باللفظ الذي ذكرنا فهو ندب لا إيجاب يعلم ذلك بصيغة اللغة ومراتبها علم بضرورة لا يفهم سواه قال علي وأما أمر الإباحة فإنه يراد بلفظ أو مثل قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من
لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾
стр. 332
ومثل قوله ﵇ وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو
نهارا وأن العجب ليكثر ممن حمل ما روى النبي ﷺ أنه أمر به الواطىء في رمضان من صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا أو تحرير رقبة على التخيير وقد روى حديث صحيح بالترتيب في ذلك ثم رأى من رأيه أن يحمل قوله ﵇ في الوقوف بعرفة ليلا أو نهارا على إيجاب الوقوف ليلا ولا بد ويكفي هذا القول وصفه وقد يرد أيضا لفظ الإباحة بلا حرج وبلا جناح مثل قوله تعالى ﴿ليس على لأعمى حرج ولا على لأعرج حرج ولا على لمريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند لله مباركة طيبة كذلك يبين لله لكم لآيات لعلكم تعقلون﴾ وقوله ﵇ وقد سئل عن تقديم الرمي على الحلق وعلى النحر وتقديم الحلق على النحر وعلى الرمي لا حرج لا حرج قال علي وبهذا النص صح لنا أن قوله ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ أنه ليس المراد به النحر ولكن بلوغ وقت الإحلال بالنحر مع موافقة قولنا لظاهر الآية دون تكلف تأويل بلا دليل ومثل قوله تعالى ﴿وذكروا لله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن تقى وتقوا لله وعلموآ أنكم إليه تحشرون﴾ ومثل قوله تعالى ﴿إن لصفا ولمروة من شعآئر لله فمن حج لبيت أو عتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن
تطوع خيرا فإن لله شاكر عليم﴾ ومثل قوله ﴿وإن مرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا ولصلح خير وأحضرت لأنفس لشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن لله كان بما تعملون خبيرا﴾ وقوله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات فذكروا لله عند لمشعر لحرام وذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن لضآلين﴾ وقوله تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن بلمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير﴾ يريد تعالى قبل تمام الحولين بنص الآية وقوله تعالى ﴿لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقوله تعالى ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود لله وتلك حدود لله يبينها لقوم يعلمون﴾ وقوله تعالى ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة لنسآء أو أكننتم في أنفسكم علم لله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة لنكاح حتى يبلغ لكتاب أجله وعلموا أن لله يعلم ما في أنفسكم فحذروه وعلموا أن لله غفور حليم﴾
وقوله تعالى ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم لنسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على لموسع قدره وعلى لمقتر قدره متاعا بلمعروف حقا على لمحسنين﴾ وقوله تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن بلمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير﴾ وقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ وقوله تعالى ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح
стр. 333
عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ أو قوله تعالى ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم لصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود لذين
كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن لله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ قال علي وهذا هو المعهود في اللغة ومن أراد أن يجعل قوله تعالى ﴿إن لصفا ولمروة من شعآئر لله فمن حج لبيت أو عتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن لله شاكر عليم﴾ حجة في إيجاب الطواف بين الصفا والمروة فرضا على الحاج وعلى المعتمر فقد أغفل جدا لأنه يلزمه مع مخالفة مفهوم اللغة أن يقول في الآيات التي تلونا آنفا إن كل ما ذكر فيها فرض فإن افتداء المرأة من زوجها فرض وإن مراجعة المطلق ثلاثا للمطلقة بعد طلاق الزوج الثاني لها فرض وإن قصر الصلاة فرض وإن طلاق المرأة قبل أن تمس فرض وإن تصالحهما على فطام الولد قبل الحولين فرض وكذلك سائر ما في تلك الآية قال علي وإنما واجبنا السعي بينهما فرضا لحديث أبي موسى الأشعري إذ أمره ﵇ بالطواف بينهما ولولا ذلك الحديث ما كان السعي بينهما فرضا لا في عمرة ولا في حج وبالله تعالى التوفيق وإنما قلنا أيضا بوجوب القصر فرضا لقوله ﵇ فاقبلوا صدقته وبأحاديث أخر صح بها وجوب قصرها
وكل لفظ ورد بعليكم فهو فرض وكل أمر ورد بلكم أو بأنه صدقة فهو ندب لأن علينا إيجاب ولنا صدقة إنما معناها الهبة وليس قبول الهبة فرضا إلا أن يؤمر بقبولها فيكون حينئذ فرضا ومما تحل به الأوامر على الندب أن يرد استثناء يعقبه في تخيير المأمور مثل قوله تعالى في الديات ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب لله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ وفي وجوب الصداق ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا لذي بيده عقدة لنكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا لفضل بينكم إن لله بما تعملون بصير﴾ وفي قضاء الدين ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ وما أشبه ذلك وهذا معلوم كله بموضوع اللغة ومراتبها وبالله التوفيق
стр. 334
فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها
قال علي ذهب قوم ممن بلح عندما أراد من نصر ما لم يأذن الله تعالى بنصره من التقليد الفاسد واتباع الهوى المضل إلى أن قالوا لا نحمل الألفاظ من الأوامر والأخبار على ظواهرها بل هي على الوقف وقال بعضهم وهو بكر البشري إنما ضلت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره واحتج بعضهم أيضا بأن قال لما وجدنا من الألفاظ ألفاظا مصروفة عن ظاهرها ووجدنا قول القائل إنك سخي وإنك جميل قد تكون على الهزؤ والمراد إنك قبيح وإنك لئيم علمنا أن الألفاظ لا تنبىء عن المعاني بمجردها قال علي هذا كل ما موهوا به وهؤلاء هم السوفسطائيون حقا بلا مرية وقد علم كل ذي عقل أن اللغات إنما رتبها الله ليقع بها البيان واللغات ليست شيئا غير الألفاظ المركبة على المعاني المبينة عن مسمياتها قال الله تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ ﴾ واللسان هي اللغة بلا خلاف ههنا فإذا لم يكن الكلام مبينا عن معانيه فأي شيء يفهم هؤلاء
المخذولون عن ربهم تعالى وعن نبيهم ﷺ بل بأي شيء يفهم به بعضكم بعضا ويقال لهم إذا أمكن ما قلتم فبأي شيء نعرف مرادكم من كلامكم هذا ولعلكم تريدون به شيئا آخر غير ما ظهر منه ولعلكم تريدون إثبات ما أظهرتم إبطاله فبأي شيء أجابوا به فهو لازم لهم في عظيم ما أتوا به من السخف وهؤلاء قوم قد أبطلوا الحقائق جملة ومنعوا من الفهم بالبتة
стр. 335
فيكاد الكلام يكون معهم عناء لولا كثرة من اغتر بهم من الضعفاء وصدق رسول الله ﷺ إذ أنذر باتخاذ الناس رؤساء جهالا فيضلون ويضلون وأما قول بكر إن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر فقد كذب وأفك وافترى وأثم ما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها وتركوا بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم كما تركه بكر أيضا وهو رسول الله ﷺ ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها وكلام النبي ﷺ وجعلوه كله لازما وحكما واحدا ومتبعا كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه وأقل ضلالا لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد وأما هو فالتزم وجوبه ثم أقدم على استحلال عصيانه والقول الصحيح ههنا هو أن الروافض إنما ضلت بتركها الظاهر واتباعها ما اتبع بكر ونظراؤه من التقليد والقول بالهوى بغير علم ولا هدى من الله ولا سلطان ولا برهان فقال الروافض ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ قالوا ليس هذا على ظاهره ولم يرد الله تعالى بقرة قط إنما هي عائشة رضي الله تعالى عنها ولعن من عقها وقالوا الجبت والطاغوت ليسا على ظاهرهما إنما هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما ولعن من سبهما وقالوا ﴿يوم تمور لسمآء مورا * وتسير لجبال سيرا﴾ ليس هذا على ظاهره إنما السماء محمد والجبال أصحابه وقالوا ﴿وأوحى ربك إلى لنحل أن تخذي من لجبال بيوتا ومن لشجر ومما يعرشون﴾
ليس هذا على ظاهره إنما النحل بنو هاشم والذي يخرج من بطونها هو العلم وسلك بكر ونظراؤه طريقهم فقالوا ﴿وثيابك فطهر﴾ ليس الثياب
على ظاهر الكلام إنما هو القلب وقالوا البيعان بالخيار ما لم يفترقا ليس على ظاهره من تفرق الأبدان إنما معناه ما لم يتفقا على الثمن وقالوا ﴿يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم﴾ ليس على ظاهره إنما هو ابن ذكر وأما الأنثى فلا وقالوا ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين
стр. 336
الوصية ثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في لأرض فأصابتكم مصيبة لموت تحبسونهما من بعد لصلاة فيقسمان بلله إن رتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة لله إنآ إذا لمن لآثمين﴾ ليس على ظاهره إنما أراد من غير قبيلتكم قال علي ويسأل هؤلاء القوم أركبت الألفاظ على معان عبر بها عنها دون غيرها أم لا فإن قالوا لا سقط الكلام معهم ولزمنا ألا نفهم عنهم شيئا إذ لا يدل كلامهم على معنى ولا تعبر ألفاظهم عن حقيقة وإن قالوا نعم تركوا مذهبهم الفاسد وكل ما أدخلنا على من قال بالوقف في الأوامر فهو داخل على هؤلاء ويدخل على هؤلاء زيادة إبطال جميع الكلام أوله عن آخره وكذلك يدخل عليهم أيضا ما يدخل على القائلين بالوقف في العموم وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله فإن قالوا بأي شيء تعرفون ما صرف من الكلام عن ظاهره قيل لهم وبالله تعالى التوفيق نعرف ذلك بظاهر آخر مخبر بذلك أو بإجماع متيقن منقول عن رسول الله ﷺ وعلى أنه مصروف عن ظاهره فقط وسنبين ذلك في آخر باب الكلام في العموم والخصوص إن شاء الله وبالله تعالى التوفيق وقد أكذب الله تعالى هذه
الفرقة الضالة بقوله ذاما لقوم يحرفون الكلم عن مواضعه ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم لطور خذوا مآ آتيناكم بقوة وسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم لعجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ لا بيان أجلى من هذه الآية في أنه لا يحل صرف كلمة عن موضعها في اللغة ولا تحريفها عن موضعها في اللسان وأن من فعل ذلك فاسق مذموم عاص بعد أن يسمع ما قاله تعالى قال ﴿كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم لقيامة وزرا﴾ فصح أن الوحي كله من
يترك ظاهره فقد أعرض عنه وأقبل على تأويل ليس عليه دليل وقال تعالى ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام لله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ وكل من صرف لفظا عن مفهومه في اللغة فقد
стр. 337
حرفه وقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس بينهم فقال تعالى ﴿فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على لذين يبدلونه إن لله سميع عليم﴾ وليس التبديل شيئا غير صرف الكلام عن موضعه ورتبته إلى غيرها بلا دليل من نصر أو إجماع متيقن عنه ﷺ وقال تعالى ﴿ياأيها لذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا نظرنا وسمعوا وللكافرين عذاب أليم﴾ فصح أن اتباع الظاهر فرض وأنه لا يحل تعديه أصلا وقال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل لله لكم ولا تعتدوا إن لله لا يحب لمعتدين﴾ والاعتداء هو تجاوز الواجب ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي بها خوطبنا بغير أمر من الله تعالى أو رسوله ﷺ فعداه إلى معنى آخر فقد اعتدى فليعلم أن الله لا يحبه وإذا لم يحبه فقد أبغضه نعوذ بالله من ذلك وقال تعالى ﴿لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقال تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وقد أخبر تعالى أنه ﴿وعلم آدم لأسمآء كلها ثم عرضهم على لملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ فنص نصا جليا لا يحتمل تأويلا على أنه علق كل مسمى اسما مخصوصا به وكذلك من حدود الله تعالى التي قد أخبر أنه من تعداها فهو ظالم وأنه يدخله نارا وأهل ذلك هم لإقدامهم على الباطل الذي لا يخفى على ذي لب وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ونسأله التوفيق فكل شيء يبدله لا إله إلا هو
فلا موفق إلا من هدى
ولا ضال إلا من خذل ولله تعالى في كل ذلك الحجة البالغة علينا ولا حجة لنا عليه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون وحسبنا الله ونعم الوكيل وقال تعالى ﴿تبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن لمشركين﴾ فأمره باتباع الوحي النازل وهو المسموع الظاهر فقط وقال تعالى ﴿أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك لكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ أخبر تعالى أن الواجب علينا أن
стр. 338
نكتفي بما يتلى علينا وهذا منع صحيح لتعديه إلى طلب تأويل غير ظاهره المتلو علينا فقط وقال تعالى آمرا لنبيه ﷺ أن يقول ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون﴾ إلى منتهى قوله تعالى قال علي ولو لم يكن إلا هذه الآية لكفت لأنه ﵇ قد تبرأ من الغيب وأنه إنما يتبع ما يوحى إليه فقط ومدعي التأويل وتارك الظاهر تارك للوحي مدع لعلم الغيب وكل شيء غاب عن المشاهد الذي هو الظاهر فهو غيب ما لم يقم عليه دليل من ضرورة عقل أو نص من الله تعالى أو من رسوله ﷺ أو إجماع راجع إلى النص المذكور وقال تعالى ﴿أفغير لله أبتغي حكما وهو لذي أنزل إليكم لكتاب مفصلا ولذين آتيناهم لكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بلحق فلا تكونن من لممترين﴾ فمن ابتغى حكما غير النصوص الواردة من الله تعالى في القرآن وعلى لسان نبيه ﷺ فقد ابتغى غير الله حكما وبين تعالى أن الحكم هو ما أنزل في الكتاب مفصلا وهذا هو الظاهر الذي لا يحل تعديه وقال تعالى ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ فنص تعالى على أن الباطل إنما يمتحى وأن الحق إنما يصح بكلماته تعالى فثبت يقينا أن الكلمات معبرات عما وضعت له في اللغة وأن ما عدا ذلك باطل فصح اتباع ظاهر اللفظ بضرورة البرهان وقال تعالى ﴿وإن كادوا
ليفتنونك عن لذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا﴾ قال علي ومن ترك ظاهر اللفظ وطلب معاني لا يدل عليها لفظ الوحي فقد
افترى على الله بنص الآية المذكورة وقال تعالى ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا
стр. 339
عليك لكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ وقال تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فنص تعالى على البيان إنما هو القرآن وكلام النبي ﷺ فقد فصح بذلك اتباع ما أوجب القرآن وكلامه ﵇ وبطلان كل تأويل دونهما وقال تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ قال علي ففي هذه الآية كفاية لمن عقل أن لغة النبي ﷺ التي خاطبنا بها لا يحل أن نتعدى بألفاظها عن موضوعاتها إلى ما سواه أصلا أخبرني يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كتابا إلي حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا محمد بن جعفر قال أخبرنا هشام عن عروة عن أبيه قالت عائشة أم المؤمنين ﵂ ما كان رسول الله ﷺ يتأول شيئا من القرآن إلا آيا بعدد أخبره بهن جبريل ﵇ قال علي فإذا كان النبي ﷺ لا يتأول شيئا من القرآن إلا بوحي فيخرجه عن ظاهرة التأويل فمن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله ﷺ وقد نهى تعالى وحرم أن يقال عليه ما لم يعلمه القائل وإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه إلى تأويل لم يأت به ظاهر آخر حرام وفسق ومعصية لله تعالى وقد أنذر الله تعالى وأعذر فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها حدثنا حمام بن أحمد قال حدثنا محمد بن يحيى بن مفرج حدثنا ابن الأعرابي حدثنا إسحاق
بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن جعفر بن برقان قال قال أبو هريرة يا ابن أخي إذا حدثت بالحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال وصدق أبو هريرة ﵁ ونصح وبالله تعالى التوفيق
стр. 340
فصل في الأوامر أعلى الفور هي أم على التراخي
قال القائلون إن الأوامر على التراخي وقال آخرون فرض الأوامر البدار إلا ما أباح التراخي فيها نص آخر أو إجماع قال علي وهذا هو الذي لا يجوز غيره لقول الله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها لسماوات ولأرض أعدت للمتقين﴾ وقال تعالى ﴿ولكل وجهة هو موليها فستبقوا لخيرات أين ما تكونوا يأت بكم لله جميعا إن لله على كل شيء قدير﴾ وقد قدمنا أن أوامر الله تعالى على الوجوب فإذا أمرنا تعالى بالاستباق إلى الخيرات والمسارعة إلى ما يوجب المغفرة فقد ثبت وجوب البدار إلى ما أمرنا به ساعة ورود الأمر دون تأخر ولا تردد وقد شغب بعض المخالفين فقال ليس في قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها لسماوات ولأرض أعدت للمتقين﴾ حجة في أن الأوامر واجب البدار إليها لأنه تعالى أمرنا بالمسارعة إلى المغفرة لا إلى الفعل قال علي وهذا مما يسر فيه هؤلاء القوم لعكس الحقائق وقد أيقنا بقوله تعالى ﴿ومن جآء بلسيئة فكبت وجوههم في لنار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أن أحدا لا يؤتى المغفرة إلا بعمل صالح يقتضي له وعد الله تعالى بالرحمة والمغفرة وعلمنا ذلك يقينا أن مراد الله تعالى بقوله ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها لسماوات ولأرض أعدت للمتقين﴾ إنما هو سارعوا إلى الأعمال الموجبة للمغفرة من ربكم إذ لا سبيل إلى المسارعة إلى المغفرة إلا بذلك وهذا من الحذف الذي دلت عليه الحال وإنما قلنا هذا لوجهين أحدهما النص الجلي الوارد في أنه لا يجزي أحد بمغفرة ولا غيرها إلا بحسب عمله والثاني النص الوارد بأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وليس في وسع أحد المسارعة إلى
المغفرة المجردة دون توسط عمل صالح فهذان الظاهران نصا أن في تلك الآية حذفا دلت عليه الحال فما كان مرتبطا بوقت واحد
стр. 341
كصيام رمضان فقد جاء النص بإيجاب تأخيره إلى وقته
فإذا خرج الوقت فقد ثبت العجز عن تأديته كما أمرنا إلا بأن يأتي في شيء من ذلك نص آخر فيوقف عنده وما كان مرتبطا بوقت فيه مهلة فقد جاء النص بإباحة تأخيره إلى آخر وقته وإيجاب تأخيره إلى أول وقته فإذا خرج الوقت فكل ما قلنا في الذي قبله ولا فرق وذلك كأوقات الصلاة وما لم يأت مرتبطا بوقت ففرضه البدار في أول أوقات الإمكان إلا أن الأمر به لا يسقط عن المأمور به لعصيانه في تأخيره وكذلك ما كان مرتبطا بوقت له أول محدود لم يحد آخره أو ما كان مرتبطا بوقت محدود متكرر فالنوع الأول كقضاء صيام المريض والمسافر لأيام رمضان فذلك لازم في أول أوقات القدرة عليه فإن بادر إليه فقد أدى ما عليه وإن أخره لغير عذر كان عاصيا بالتأخير وكان الأمر عليه ثابتا أبدا والنوع الثاني كوجوب الزكاة فإن لوقتها أولا وهو انقضاء الحول وليس قبل ذلك أصلا وليس لآخر وقتها آخر محدود بل هو باق أبدا إلى وقت العرض على الله لأن النص لم يأت في ذلك بانتهاء والقول في المبادرة إلى أدائها وفي التأخير كما قلنا في النوع الذي قبله والنوع الثالث كالحج فإنه مرتبط بوقت من العام محدود وليس ذلك على الإنسان في عام بعينه بل هو ثابت على كل مستطيع إلى وقت العرض على الله والقول في البدار إليه أو تأخيره كالقول في النوعين اللذين قبله فإن قال قائل فلم أجزتم صيام كفارة اليمين وقضاء رمضان غير متتابع وكذلك صيام متعة الحج وكذلك غسل الأعضاء في الوضوء والغسل من الجنابة والجمعة فأجزتم كل ذلك غير متتابع قيل له وبالله تعالى التوفيق إنا لم نفارق أصلنا الذي ذكرنا ولا خالفنا النص في شيء من ذلك لأن الله تعالى إنما أوجب في الكفارة ثلاثة أيام ومعنى
стр. 342
ثلاثة أيام يوم ويوم ويوم ولكل يوم حكمه فإذا
صام يوما فقد صام بعض فرضه وأدى من ذلك فرضا قائما بنفسه والصيام شيء آخر غير المبادرة فإذا صام غير مبادر فقد أطاع في أداء الصوم وعصى في ترك البدار وهما فرضان متغايران لا يبطل أحدهما ببطلان الآخر وإنما ذلك كمن صلى ولم يزك فعليه معصية ترك الزكاة وله أجر الطاعة
بالصلاة ولا تظلم نفس شيئا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ وإنما كان يبطل أحدهما بترك الآخر ولو جاء النص يربط أحدهما بالآخر كربطه تعالى التتابع في صيام الظهار وفي صيام كفارة القتل فهذان إن لم يتابعا فلم يؤديا كما أمر الله تعالى ولم يشترط التتابع في قضاء رمضان ولا في الكفارات ولا في متعة الحج وأمر الله تعالى بالمسارعة إلى الطاعات هو أمر بأن يكون فعلنا على تلك الصفة من المسارعة فالمسارعة المأمور بها صفة لفعلنا فمن تركها عصى وكان مؤديا لما أداه غير مسارع ما لم يشترط الوقت والتتابع وأمره تعالى بالتتابع في صيام الظهار وكفارة القتل هو أمر بأن يكون ذلك الصيامان على هذه الصفة فالمتابعة المأمور بها هنالك صفة للشهرين فإذا لم يكونا متتابعين فليسا اللذين أمر الله تعالى بهما وكذلك نقول في غسل الأعضاء في الوضوء وغسل الجنابة أنه غير مأمور بذلك إلا إذا قام إلى الصلاة فقط فمتى أراد صلاة تطوع أو صلاة فرض فهو قائم إلى الصلاة ولم يخص تعالى بذلك القيام إلى الصلاة فرض دون القيام إلى صلاة تطوع فله حينئذ أن يغتسل ويتوضأ فإذا أتمها فله أن يؤخر التطوع ما شاء وله تأخير الفرض بمقدار ما يدركها مع الإمام أو كان ممن عليه فرض حضورها في الجماعة أو إلى آخر وقتها إن كان ممن لا يلزمه فرض حضورها في جماعة ثم لا يحل له تأخيرها أصلا أكثر وأما من لا يريد صلاة ولا يمكنه صلاة كالحائض إثر الجماع فقد صح عن
стр. 343
رسول الله ﷺ أنه طاف على جميع نسائه واغتسل بين كل اثنتين منهن فصح بهذا النص أن الغسل جائز تعجيله وإن لم يرد الصلاة
بعده وبالله تعالى نتأيد فلما أبيح لنا ذلك كان المفرق والمتابع يقع على فعلهما اسم وضوء وغسل على السواء وقوعا مستويا وكان في غسله عضوا من أعضائه بنية ما أبيح له من تعجله مؤديا لفرض غسل ذلك العضو ولكل عضو حكمه فمن فرق غسله أو وضوءه ما لم يقم إلى الصلاة فلم يترك مسارعة أمر بها حتى إذا أراد القيام إلى الصلاة إما مع الأمام وإما في آخر وقتها ففرض عليه المسارعة إلى إتمام وضوئه وغسله
وكذلك قلنا في قضاء رمضان إنه إنما أمر تعالى بأيام أخر ولم يشترط فيها المتابعة فمن بادر إلى صيامها فقد أدى فرض الصوم وفرض البدار ومن لم يبادر وصام فقد أدى فرض الصوم وعصى في ترك فرض المسارعة وكذلك نقول فيمن لم يعجل تأدية زكاته في أول أوقات وجوبها وفيمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان أنه إن حج وزكى بعد ذلك فقد أدى فرض الزكاة والحج وعليه إثم المعصية بترك المسارعة لا يسقط ذلك الإثم عنه أداء ما أدى من ذلك إلا في الموازنة يوم القيامة يوم وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا قال علي ومما يوجب أيضا فرض المبادرة إلى الطاعة قول الله تعالى ﴿ولسابقون لسابقون * أولئك لمقربون﴾ وقد قال ﵇ لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى أو كلاما هذا معناه هذا وإن كان إنما أوجب أن يقول ﵇ تأخر قوم عن الصف الأول لبعض الأمر المكروه فهو محمول على ظاهره ومقتضى لفظه على ما قد أثبتنا وجوبه في الفصل الذي قبل هذا
стр. 344
قال علي وقد سأل أبو بكر محمد بن داود رحمة الله عليه من أجاز تأخير الحج فقال متى صار المؤخر للحج إلى أن مات عاصيا أفي حياته فهذا غير قولكم أو بعد موته فالموت لا يثبت على أحد معصية لم تكن لازمة في حياته قال علي ونحن نزيد في هذا السؤال فنقول وبعد الموت لا يأثم أحد إلا من سن سنة سوء يقتدى به فيها فأجابه بعض المجيزين لذلك وهو أبو الحسن القطان الشافعي بأن قال إنما كان له في التأخير بشرط أن يفعل قبل أن يموت فلما مات قبل أن يفعل علمنا أنه لم يكن له مباحا التأخير قال علي ونحن نقول إن أبا الحسن لم يحقق الجواب الشافي وكان أدخل في الشغب لو قال إنه إثم في آخر عام قدر فيه على الحج ولم يحج كما قال الشافعي فيمن حلف بالطلاق إن لم يطلق امرأته إنها لا تطلق إلا آخر أوقات صحته التي كان فيها قادرا على الطلاق
قال علي ونحن نجيب في هذين الجوابين معا ببيان لائح بحول الله وقوته فنقول قال الله تعالى ﴿لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾ وإنما يلزم الله تعالى الإثم من ترك ما لم يعلم أنه ليس له تركه أو قامت عليه بذلك حجة أو عمل ما يعلم أنه ليس له أن يعمله أو قامت عليه حجة بذلك ولم يطلع الله أحدا على وقت منيته ولا عرفه بآخر أوقات قدرته ولا قامت عليه حجة في ذلك الوقت إلا ما قد قام في سائر الأحوال قبل ذلك ولا حدث عليه من الأوامر إلا ما حدث قبل ذلك الوقت فإن كان عاصيا في ذلك الوقت فهو عاص قبل ذلك الوقت وإن لم يكن عاصيا قبل ذلك الوقت فليس عاصيا في ذلك الوقت إلا بنص يخص ذلك الوقت بوقوع المأثم فيه دون غيره ومن فرق بين الأوقات بلا نص ولا إجماع فقد قال بلا علم وذلك حرام وأيضا فإن الله تعالى لم يكلف أحدا أن يعلم هل يموت قبل أن يؤدي ما
стр. 345
عليه فيأثم أو يعلم أنه لا يموت حتى يؤدي فيسقط عنه المأثم وقول القطان يوجب أن الناس مكلفون ذلك ويوجب أيضا أن يكون المستطيعون للحج المؤخرون له بلا عذر مختلفي الأحكام فبعضهم آثم في تأخيره وهذا مع ما فيه من التحكم بلا دليل ومن تكليف المرء علم متى يموت فمخالف لجملة مذاهب أصحابه في الفسخ في تأخير الحج جملة وهو ممن لا يخالفها أصلا ولولا ذلك لشكرناه على خلافها ولم نلمه وبالله تعالى التوفيق فبقي سؤال أبي بكر رحمة الله عليه بحسبه قال أبو محمد ومما يبين أن الأوامر على الفور قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فأوجب تعالى قبول النذارة وقال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق
بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ فأمر تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق واستثناه من قبول النذارة وليس إلا توقف أو بدار ولا سبيل إلى قسم ثالث إلا الترك جملة والتوقف هو أيضا ترك فلما خص خبر الفاسق بالتوقف فيه وأبانه بذلك عن خبر غير الفاسق وجب البدار ضرورة إلى خبر
العدل فوجب الفور بالبرهان الضروري وبطل الوقف إلا في خبر الفاسق قال علي ويكفي من ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف الرجل الصالح قال ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى البغدادي عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج ثنا عبد الله بن معاذ العنبري وقال ثنا أبي ثنا شعبة عن الحكم سمع علي بن الحسين عن ذكوان مولى عائشة أنها قالت قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل علي رسول الله ﷺ وهو غضبان فقلت
стр. 346
من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار قال أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا قال علي فرفع هذا الحديث الشك جملة وبين ﵇ أن أمره كله على الفرض وعلى الفور وإن التردد حرام لا يحل ونعوذ بالله العظيم من كل ما أغضب النبي ﷺ فإن اعترضوا بمن بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ قلنا هو بمنزلة من لم يبلغه الأمر في أنه لم يلزم حكما فلا يلام على تركه حتى يبلغه ولا يعذب على تركه حتى يعمله وبالله تعالى التوفيق بل حكمه الثبات على ما بلغه من المنسوخ لأنه مأمور به جملة حتى يبلغه الناسخ لقوله تعالى ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾ فصح أن الذي بلغه من أمر الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله ﷺ هو اللازم لقوله ﴿وأطيعوا لله وأطيعوا لرسول وحذروا فإن توليتم فعلموا أنما على رسولنا لبلاغ لمبين﴾ حتى يبلغه الأمر الناسخ فحينئذ يسقط عنه المنسوخ ويلزمه الناسخ وأما احتجاجهم بتأخيره ﵇ الحج فقد حج ﵇ قبل الهجرة ورآه جبير بن مطعم واقفا بعرفة فأنكر جبير ذلك لأنه كان عليه
السلام من الخمسة الذين لا يقفون بعرفة ويكفي من هذا كله أنا على يقين من أن الله تعالى أمره بتأخير الحج حتى يعهد إلى المشركين ألا يقربوا المسجد الحرام وإنما قطعنا على ذلك لقول الله تعالى آمرا أن يقول ﴿قل ما كنت بدعا من لرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا إلا نذير مبين﴾ فصح يقينا أنه ﵇
لا يفعل إلا ما يوحي إليه ربه فلما أخر الحج علمنا أنه فعل ذلك عليه السلام
стр. 347
بوحي وكان ﵇ قد أعلمه ربه تعالى أنه لا يقبضه حتى يتم التعليم ويكمل التبليغ ويدخل الناس في دين الله أفواجا وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم وليس غيره ﵇ كذلك وأيضا فلا ندري متى نزل فرض الحج عليه لعله إنما نزل عليه إذ حج ﵇ حجة الوداع وهذا هو الأظهر لأنه لو نزل قبل ذلك لما آخر ﵇ تعليم المناسك إلى حجة الوداع التي قال فيها خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أو كما قال ﵇ ويبين ذلك الحديث الطويل عن جابر ففي أوله ثم أذن رسول الله ﷺ في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فلو فرض الحج قبل ذلك لما أخر الأذان في الناس بوجوبه عليهم والحديث المأثور من طريق ابن عباس وأبي هريرة إذ خطب الناس فقال إن الله فرض عليكم الحج فقال له قائل وقيل إنه الأقرع بن حابس أفي كل عام يا رسول الله وهذا والله أعلم إنما كان في حجة الوداع وقد أخبرت عائشة ﵂ بما يدل على ذلك من خروجهم إلى الحج في ذلك العام ينتظرون أمره ﵇ والوحي ينزل عليه والأحكام التي نزلت في تلك الحجة من نسخ الحج لمن لم يسق الهدي وأن يحل بمتعة ومن إيجاب القران على من ساق الهدي وسائر ما نزل في تلك الحجة من بيان شرائع الحج مما لم يكن نزل قبل ذلك وبالله تعالى التوفيق وصلى الله على محمد نبي الرحمة وهادي الأمة وسلم
فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود الطرفين في الأمر المؤقت بوقت محدود الطرفين متى يجب أفي أوله أم في آخره والأمر المرتبط به بصفة ما والأمر المؤقت بوقت محدود الأول غير محدود الآخر
وفيه زيادات تتعلق بالفصل الذي أتممناه قبل هذا قال علي أما الأمر المرتبط بوقت لا فسحة فيه فغير جائز تعجيل أدائه
стр. 348
قبل وقته
ولا تأخيره عن وقته وذلكم ما ذكرنا قبل هذا من صيام شهر رمضان فإن جاء نص بالتعويض منه وأدائه في وقت آخر وقف عنده وكان ذلك عملا آخر مأمورا به وإن لم يأت بذلك نص ولا إجماع فلا يجوز أن يؤدى بشيء منه في غير وقته وكذلك كل عمل مرتبط بوقت محدود الطرفين كأوقات الصلوات وما جرى هذا المجرى فلا يجوز أداء شيء من ذلك قبل دخول وقته ولا بعد خروج وقته ومن شبه ذلك بديون الآدميين لزمه أن يجيز صيام رمضان في شعبان قياسا على تعجيل ديون الناس قبل حلول أوقاتها ولزمه أن يجيز تقديم الصلوات قبل وقتها قياسا على ذلك وعلى ما أجازوا من تعجيل الزكاة قبل حلول وقتها فبعضهم قال بثلاثة أعوام وبعضهم قال بعام فأقل وبعضهم قال الشهر والشهرين ونحو ذلك وبعضهم فرق متحكما فأجاز تعجيل الزكاة التي في الأموال قبل الحول بشهر أو شهرين ومنع من شهرين ونصف وأجاز في تعجيل زكاة الفطر اليوم واليومين ومنع من ثلاثة أيام وهذا قول يكفي من بطلانه سماعه لأنه حكم بلا إذن من الله وفرق بلا دليل قال علي ولا فرق بين ما أجاز أداء الأمر بعد انقضاء وقته وبين من أجازه قبل دخول وقته هذا على أن بعضهم قد أجاز للمريض الذي يخاف تغير عقله تعجيل الصلاة قبل وقتها فإذا ادعوا أن الإجماع منعهم من ذلك أكذبهم قول ابن عباس فإنه يجيز أداء الصلاة قبل دخول وقتها وصلاة الظهر قبل زوال الشمس ولا فرق في ديون الناس بين أدائها بعد وقتها وحلول أجلها وبين أدائها قبل وقتها وحلول أجلها فليقولوا كذلك في جميع شرائع الله تعالى قال علي وبطلان هذا القياس سهل فلو كان القياس حقا لكان في هذا
стр. 349
المكان باطلا بحتا بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى التوفيق إن ديون الناس التي إلى أجل لا يجوز لأحد أداؤها قبل حلول أوقاتها ولا تأخيرها عن حلول أوقاتها إلا بإذن الذين لهم الديون ورضاهم ولا خلاف في ذلك جملة ولكن تناقض من تناقض في بعض ذلك ولا خلاف في أن من كان له على أحد ثلاثة ديون من
ثلاث معاملات وكلها إلى آجال محددة فأذن الذي له الدين في تعجيل أحد تلك الديون بعينه قبل الأجل ورضي بذلك الغريم ثم أذن في تأخير آخر من تلك الديون بعينه بعد حلول
أجله فليس ذلك بموجب جواز تعجيل الدين الذي لم يأذن بتعجيله ولا بمجيز تأخيره عن أجله هذا ما لا خلاف بين اثنين فيه فإذا لم يكن إذن الناس فيما أذنوا فيه من تعجيل ديونهم أو تأجيلها موجبا أن يقاس ما سكتوا عنه من سائر ديونهم على ما أذنوا فيه من تعجيل ديونهم فذلك أبعد من أن تقاس ديون الله تعالى التي لم يأذن في تأجيلها ولا في تعجيلها على ما أذن الناس فيه من تعجيل ديونهم وتأجيلها قال علي وهذا ما لا خفاء به على من له مسكة عقل وأيضا فلا خلاف بين اثنين في أن من له دين فأسقطه البتة ورضي الغريم بذلك فإن ذلك الدين ساقط فيلزمهم إذا أجازوا تأخير ديون الله تعالى عن أوقاتها وتعجيل بعضها عن أوقاتها وإن لم يأذن الله تعالى في ذلك قياسا على جواز تأخير ديون الناس وجواز تعجيلها إذا أذنوا في ذلك بأن يجيزوا سقوط ديون الله تعالى بالبتة وإن لم يأذن الله تعالى في ذلك قياسا على سقوط ديون الناس بالبتة إذا أذنوا في ذلك وهذا أصح قياس وأشبه بقياسهم الذين حكوا لو كان القياس حقا والقياس بحمد الله تعالى باطل محض قال علي وأيضا فإن الزكوات والكفارات بالصدقات وإن كان الله تعالى قد جعلها للمساكين فليست من حكم ديون الناس في ورد ولا صدر
стр. 350
لأن ديون الناس التي راموا تشبيه الزكوات بها هي لأقوام بأعيانهم فحكمهم جائز فيها لأنها مال متعين لهم وموروث عنهم وأما الزكوات والكفارات فليست لقوم من المساكين بأعيانهم ولا هؤلاء المساكين بأولى بها من غيرهم من المساكين فما كان هكذا فلا إذن لمن حضر من المساكين فيها لا بتعجيل ولا بتأجيل ولا يستحقونها إلا بقبضها في أوقاتها لا قبل ذلك ولا بعده وبيان ذلك أنها لا تورث عنهم قبل قبضهم لها ولا يجوز حكمهم فيها ولا تصرفهم ولا إبراؤهم قبل
قبضها وكل هذا لا خلاف فيه وإنما شبه رسول الله ﷺ ديون الناس بديون الله تعالى في شيئين لا ثالث لهما أحدها بقاء حكمها بعد الموت وبعد العجز والثاني أداء الولي لها عن الميت فعصوا الله تعالى أو من عصاه منهم ورسوله ﷺ في الوجهين اللذين شبه رسول الله ﷺ فيها ديون الناس بديون الله تعالى وتركوهما معا فقالوا من مات وعليه حج أو زكاة أو صيام أو كفارات فقد سقط
وجوبها فيما ترك ولا يقضى عنه إلا أن يأمر بذلك فيقضى عنه الزكاة والحج خاصة من الثلث ويطعم عنه إن أوصى بذلك في الصيام فقط ثم شبهوا ديون الله بديون الناس فيما لا شبه فيه بينهما وفيما لم يأذن به الله ومن شغب منهم بالحديث الذي روي من جمع زكاة الفطر في المسجد ومبيت أبي هريرة عليها فلا حجة لهم فيه لأنه لا يخلو ذلك الجمع المذكور من أحد وجهين لا ثالث لهما أحدهما أن تكون جمعت ولم تفرق حتى يأتي يوم الفطر الذي هو وقت أدائها وليس هذا مخالفا لقولنا ولو جاء وقت أدائها لما حل لمسلم أن يظن بالنبي ﷺ أنه أخر إعطاءها وهو ﵇ إذ بقي عنده دينار لم يستحقه عليه أحد لم يأو إلى نسائه ولا فارق المسجد ليلا ولا نهارا قلقا آسفا حتى يعطيه
стр. 351
فكيف يمنع أحدا حقا وقد وجب أداؤه ومن ظن هذا بالنبي ﷺ فقد هذي أو تكون أخرجت في وقتها ولا يحضر من يستحقها فانتظر النبي ﷺ حضورهم كما كان يفعل بما اجتمع عنده ﵇ من غنم الصدقة ونعمها ولا يحل لمؤمن أن يظن بالنبي ﷺ غير أحد هذين الوجهين وبالله تعالى التوفيق وليس في المذكور أنها أعطيت المساكين قبل يوم الفطر فبطل تشغيبهم به وبالله تعالى التوفيق قال علي فإذا كان حكم الأموال والعبادات ما ذكرنا فلا خلاف في أن الوقت إنما معناه زمان العمل وأنه لا يفهم من قول الله ورسوله ﷺ اعملوا عمل كذا في وقت كذا وصلوا صلاة كذا من حين كذا إلى حين كذا إلا أن هذا الزمان المحدود هو الذي أمرنا فيه بالعمل المذكور فنقول حينئذ للمخالف ما معنى خروج الوقت فلا بد ضرورة من أنه انقضاء زمان العمل فإذا ذهب زمان العمل فلا سبيل إلى العمل إذ لا يتشكل في العقول كون شيء في غير زمانه الذي جعله الله تعالى زمانا له ولم يجعل له زمانا غيره وهذا من أمحل المحال وأشد الامتناع الذي لا يدخل في الإمكان البتة فإن
قال قائل كل وقت فهو لذلك العمل وقت أبطل حكم الله تعالى ورسوله ﷺ في حدهما الوقت وتعدى حدودهما واستحق النار وقد قال تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وتعدي الحدود على
الحقوق هو أن يحد الله تعالى وقتا فيتعداه مخلوق من الناس دون نص ورد إلى وقت آخر وهذا غاية البيان وبالله تعالى التوفيق
стр. 352
وأيضا فإنهم لا يقدمون على إطلاق تمادي الوقت بعد خروج الوقت المنصوص ويقال لهم أيضا أخبرونا عن هذا الذي تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فأمرتموه بإعادتها أفي الوقت الذي رتبه الله تعالى أمرتموه بها أم في وقت لم يرتبه الله تعالى لها وقرنها به فإن قالوا في وقتها الذي رتبه الله تعالى لها كفروا وكذبوا مجاهرة وإن قالوا بل في وقتها أقروا بأنهم أمروا أن تؤدى الصلاة بخلاف ما أمر الله تعالى ومن فعل شيئا بخلاف ما أمر الله تعالى به فلم يفعل الذي أمر بل فعل ما لم يؤمر به فهو عاص في ذلك الفعل مرة ثانية وإنما يأمرونه بمعصية وبأمر غير مقبول لقوله ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح لما ذكرنا صحة جلية أن من أمره الله تعالى بأداء عمل ما في وقت ما فعمله في غير ذلك الوقت فإنما عمل عملا لم يؤمر به ومن أمر بعمله فقد شرع شريعة لم يأذن بها الله تعالى بل قد نهى عنها إذ نهى عن تعدي حدوده ولا يشك ذو حس أن صوم غد هو غير صوم اليوم فمن أمره الله بصيام اليوم فأفطر عامدا للمعصية ثم صام غدا فإنما صام يوما لم يأمره الله تعالى بصيامه فلا يكون ذلك قاضيا ما أمر به ولا يؤدي أحد ما أمر به إلا كما أمر به لا كما نهى ولا فرق بين هذا وبين ما أمره الله تعالى بحركة إلى مكان ما كالحج إلى مكة في ذي الحجة فحج هو إلى المدينة في ذي القعدة فأي فرق بين هذا وبين من أمر بصيام في رمضان فصام هو في شوال أو بصلاة ما بين زوال الشمس إلى زيادة الظل على مثل من يوم بعينه فصلاها هو في وقت
آخر من يوم آخر وأي فرق بين هذا وبين من أمر أن يفعل فعلا في عين ما كنفقة على زوجة له مباح له وطؤها ففعل هو ذلك الفعل في غير تلك المرأة فهل هذا كله إلا غير الذي أمر به وكل ذلك باب واحد وطريق واحدة يجمعه
стр. 353
كلها جمعا مستويا قوله تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وقوله ﵇ من عمل عملا ليس
عليه أمرنا فهو رد وأي فرق بين تعلق الأمر بالأزمان وبين تعلقه بالأعيان أو بمكان دون مكان فإن قالوا إنا قد وجدنا أوامر معلقة بزمان ينوب عنها تأدية ذلك العمل في زمان آخر قيل له وبالله التوفيق إذا جاء بذلك نص أو إجماع فقد علمنا أن الله مد ذلك الوقت وعلق ذلك الأمر بذلك الزمان الثاني وجعله وقتا له ونحن لا ننكر هذا بل نقر به إذا أمرنا به لا إذا نهينا عنه وقد جاء مثل ذلك في الأمكنة كمن نذر صلاة في بيت المقدس فإنه إن صلى بمكة أجزأه للنص في ذلك ولا يجزي ذلك فيما لم يرد فيه نص وكذلك من مات وعليه صيام لزم وليه أن يصوم عنه للأمر الوارد في ذلك وكذلك من لم يحج أحج عنه من رأس ماله للنصوص الواردة في كل ذلك فإن قالوا لنا ما تقولون في الصلاة المنسية أو التي ينام عنها أكل وقت لها وقت قيل له وبالله تعالى التوفيق نعم كل وقت لها ومتى ما صلاها فهو وقتها بنص كلام رسول الله ﷺ وكذلك السكران لقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ فإن قالوا فبأي شيء تأمرون من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها وتعمد ترك صوم رمضان في غير عذر من سفر أو مرض أو غير ذلك مما جاء فيه نص أو إجماع قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق نأمرهم بما أمرهم به ربهم إذ يقول ﴿وأقم لصلاة طرفي لنهار وزلفا من لليل إن لحسنات يذهبن لسيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ وبما يقول لهم نبيهم ﷺ إذ يقول إن من فرط في صلاة فرض جبرت يوم القيامة من تطوعه وكذلك الزكاة وكذلك سائر الأعمال فأمره بالتوبة والندم والاستغفار والإكثار من التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة ويسد ما ثلم منه وأما أن نأمره بأن يصلي صلاة
ينوي بها ظهرا لم يأمره الله به أو عصرا
стр. 354
لم يأت به نص أو نأمره بصيام يوم على أنه من رمضان وهو من غير رمضان فمعاذ الله من ذلك فإذن كنا نكون متعدين بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ وآمرين له بأن يعمل غير ما أمره الله تعالى به بل ما قد نهاه عنه
ثم نسألهم فنقول هذا الذي تعمد ترك صلاة أو صوم ثم أمرتموه بقضائه أقضى ما أمره الله تعالى من ذلك كما أمر أم لا فإن قالوا نعم كذبوا وهم لا يقولون ذلك وإن قالوا لا أقروا بأنهم أمروه أن يؤدي العمل على غير ما أمره الله تعالى به فإن سألونا بمثل ذلك في ناسي الصلاة والنائم عنها والمفطر لسفر أو مرض قلنا لهم قد أدى ما أمره الله تعالى به كما أمره وفي الوقت الذي أمره الله تعالى به ولا ندري أقبل منه أم لا وكذلك كل عمل يعمله في وقته ولا فرق ولو صح الحديث في إيجاب القضاء على عامد الإفطار لقلنا به ولكنه لم يصح إنما رواه عبد الجابر بن عمر ومن هو مثله في الضعف فإن قالوا أنتم تأمرون الولي بأن يصوم عنه إن مات ولا توجبون عليه أن يصوم عن نفسه قال علي فنقول كذبتم إنما قلنا كما قال رسول الله ﷺ من مات وعليه صيام صام عنه وليه ومعنى عليه صيام عليه أن يصوم لأن الصيام مصدر تقول صام يصوم صياما وصوما فإنما هذا فيمن مات وعليه أن يصوم وإنما ذلك النادر والذي فرط في قضاء رمضان أفطره السفر أو مرض فأما العامد للفطر بغير عذر فليس عليه صيام وإنما عليه إثم ترك الصيام وفي هذا كفاية لمن عقل وبالله تعالى التوفيق قال علي وكل أمر علق بوصف ما لا يتم ذلك للعمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر فلم يفعل ما أمر به فهو باق عليه كما كان
стр. 355
وهو عاص بما فعل والمعصية لا تنوب عن الطاعة ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل فمن ذلك من صلى بثوب نجس أو مغصوب وهو يعلم ذلك ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل أو صلى في مكان نهي عن الإقامة فيه كمكان نجس أو مكان
مغصوب أو في عطن الإبل أو إلى قبر أو من ذبح بسكين مغصوبة أو حيوان غيره بغير إذن صاحبه أو توضأ بماء مغصوب أو بآنية فضة أو بإناء ذهب فكل هذا لا يتأدى فيه فرض فمن صلى كما ذكرنا فلم يصل ومن توضأ كما ذكرنا فلم يتوضأ ومن ذبح كما ذكرنا فلم يذبح وهي ميتة لا يحل لأحد أكلها لا لربها ولا لغيره وعلى ذابحها ضمان مثلها حية لأنه فعل كل ذلك بخلاف ما أمر وقال ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
قال علي وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه وعن الإقامة في المكان المغصوب وأمر بالإقامة للصلاة وبتذكية ما يحل أكله وبضرورة العقل علمنا أن العمل المأمور به هو غير العمل المنهي عنه ولا يتشكل في العقل غير ذلك فذبحه حيوان غيره أو بسكين مغصوبة ليس هو التذكية المأمور بها فإذا لم يذك كما أمر فلم يحل بذلك العمل المنهي عنه أكل ما لا يحل أكله إلا بالتذكية المأمور بها ولا شك في أن إقامته في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة ولو كان ذلك لكان الله آمرا بها ناهيا عنها إنسانا واحدا في وقت واحد في حال واحدة وهذا مما قد تنزه الحكيم العليم في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وليس اجتناب الشيء والإتيان به في وقت واحد في وسع أحد فصح ما قلنا وبالله التوفيق وقد عارض في هذا بعض أهل الإغفال بمن طلق أو أعتق في مكان مغصوب أو صبغ لحيته بحناء مغصوبة أو تعلم القرآن في مصحف مغصوب
следующие страницы →