← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فكيف يمنع أحدا حقا وقد وجب أداؤه ومن ظن هذا بالنبي ﷺ فقد هذي أو تكون أخرجت في وقتها ولا يحضر من يستحقها فانتظر النبي ﷺ حضورهم كما كان يفعل بما اجتمع عنده ﵇ من غنم الصدقة ونعمها ولا يحل لمؤمن أن يظن بالنبي ﷺ غير أحد هذين الوجهين وبالله تعالى التوفيق وليس في المذكور أنها أعطيت المساكين قبل يوم الفطر فبطل تشغيبهم به وبالله تعالى التوفيق قال علي فإذا كان حكم الأموال والعبادات ما ذكرنا فلا خلاف في أن الوقت إنما معناه زمان العمل وأنه لا يفهم من قول الله ورسوله ﷺ اعملوا عمل كذا في وقت كذا وصلوا صلاة كذا من حين كذا إلى حين كذا إلا أن هذا الزمان المحدود هو الذي أمرنا فيه بالعمل المذكور فنقول حينئذ للمخالف ما معنى خروج الوقت فلا بد ضرورة من أنه انقضاء زمان العمل فإذا ذهب زمان العمل فلا سبيل إلى العمل إذ لا يتشكل في العقول كون شيء في غير زمانه الذي جعله الله تعالى زمانا له ولم يجعل له زمانا غيره وهذا من أمحل المحال وأشد الامتناع الذي لا يدخل في الإمكان البتة فإن قال قائل كل وقت فهو لذلك العمل وقت أبطل حكم الله تعالى ورسوله ﷺ في حدهما الوقت وتعدى حدودهما واستحق النار وقد قال تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وتعدي الحدود على الحقوق هو أن يحد الله تعالى وقتا فيتعداه مخلوق من الناس دون نص ورد إلى وقت آخر وهذا غاية البيان وبالله تعالى التوفيق

стр. 352

وأيضا فإنهم لا يقدمون على إطلاق تمادي الوقت بعد خروج الوقت المنصوص ويقال لهم أيضا أخبرونا عن هذا الذي تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فأمرتموه بإعادتها أفي الوقت الذي رتبه الله تعالى أمرتموه بها أم في وقت لم يرتبه الله تعالى لها وقرنها به فإن قالوا في وقتها الذي رتبه الله تعالى لها كفروا وكذبوا مجاهرة وإن قالوا بل في وقتها أقروا بأنهم أمروا أن تؤدى الصلاة بخلاف ما أمر الله تعالى ومن فعل شيئا بخلاف ما أمر الله تعالى به فلم يفعل الذي أمر بل فعل ما لم يؤمر به فهو عاص في ذلك الفعل مرة ثانية وإنما يأمرونه بمعصية وبأمر غير مقبول لقوله ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح لما ذكرنا صحة جلية أن من أمره الله تعالى بأداء عمل ما في وقت ما فعمله في غير ذلك الوقت فإنما عمل عملا لم يؤمر به ومن أمر بعمله فقد شرع شريعة لم يأذن بها الله تعالى بل قد نهى عنها إذ نهى عن تعدي حدوده ولا يشك ذو حس أن صوم غد هو غير صوم اليوم فمن أمره الله بصيام اليوم فأفطر عامدا للمعصية ثم صام غدا فإنما صام يوما لم يأمره الله تعالى بصيامه فلا يكون ذلك قاضيا ما أمر به ولا يؤدي أحد ما أمر به إلا كما أمر به لا كما نهى ولا فرق بين هذا وبين ما أمره الله تعالى بحركة إلى مكان ما كالحج إلى مكة في ذي الحجة فحج هو إلى المدينة في ذي القعدة فأي فرق بين هذا وبين من أمر بصيام في رمضان فصام هو في شوال أو بصلاة ما بين زوال الشمس إلى زيادة الظل على مثل من يوم بعينه فصلاها هو في وقت آخر من يوم آخر وأي فرق بين هذا وبين من أمر أن يفعل فعلا في عين ما كنفقة على زوجة له مباح له وطؤها ففعل هو ذلك الفعل في غير تلك المرأة فهل هذا كله إلا غير الذي أمر به وكل ذلك باب واحد وطريق واحدة يجمعه

стр. 353

كلها جمعا مستويا قوله تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وقوله ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وأي فرق بين تعلق الأمر بالأزمان وبين تعلقه بالأعيان أو بمكان دون مكان فإن قالوا إنا قد وجدنا أوامر معلقة بزمان ينوب عنها تأدية ذلك العمل في زمان آخر قيل له وبالله التوفيق إذا جاء بذلك نص أو إجماع فقد علمنا أن الله مد ذلك الوقت وعلق ذلك الأمر بذلك الزمان الثاني وجعله وقتا له ونحن لا ننكر هذا بل نقر به إذا أمرنا به لا إذا نهينا عنه وقد جاء مثل ذلك في الأمكنة كمن نذر صلاة في بيت المقدس فإنه إن صلى بمكة أجزأه للنص في ذلك ولا يجزي ذلك فيما لم يرد فيه نص وكذلك من مات وعليه صيام لزم وليه أن يصوم عنه للأمر الوارد في ذلك وكذلك من لم يحج أحج عنه من رأس ماله للنصوص الواردة في كل ذلك فإن قالوا لنا ما تقولون في الصلاة المنسية أو التي ينام عنها أكل وقت لها وقت قيل له وبالله تعالى التوفيق نعم كل وقت لها ومتى ما صلاها فهو وقتها بنص كلام رسول الله ﷺ وكذلك السكران لقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ فإن قالوا فبأي شيء تأمرون من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها وتعمد ترك صوم رمضان في غير عذر من سفر أو مرض أو غير ذلك مما جاء فيه نص أو إجماع قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق نأمرهم بما أمرهم به ربهم إذ يقول ﴿وأقم لصلاة طرفي لنهار وزلفا من لليل إن لحسنات يذهبن لسيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ وبما يقول لهم نبيهم ﷺ إذ يقول إن من فرط في صلاة فرض جبرت يوم القيامة من تطوعه وكذلك الزكاة وكذلك سائر الأعمال فأمره بالتوبة والندم والاستغفار والإكثار من التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة ويسد ما ثلم منه وأما أن نأمره بأن يصلي صلاة ينوي بها ظهرا لم يأمره الله به أو عصرا

стр. 354

لم يأت به نص أو نأمره بصيام يوم على أنه من رمضان وهو من غير رمضان فمعاذ الله من ذلك فإذن كنا نكون متعدين بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ وآمرين له بأن يعمل غير ما أمره الله تعالى به بل ما قد نهاه عنه ثم نسألهم فنقول هذا الذي تعمد ترك صلاة أو صوم ثم أمرتموه بقضائه أقضى ما أمره الله تعالى من ذلك كما أمر أم لا فإن قالوا نعم كذبوا وهم لا يقولون ذلك وإن قالوا لا أقروا بأنهم أمروه أن يؤدي العمل على غير ما أمره الله تعالى به فإن سألونا بمثل ذلك في ناسي الصلاة والنائم عنها والمفطر لسفر أو مرض قلنا لهم قد أدى ما أمره الله تعالى به كما أمره وفي الوقت الذي أمره الله تعالى به ولا ندري أقبل منه أم لا وكذلك كل عمل يعمله في وقته ولا فرق ولو صح الحديث في إيجاب القضاء على عامد الإفطار لقلنا به ولكنه لم يصح إنما رواه عبد الجابر بن عمر ومن هو مثله في الضعف فإن قالوا أنتم تأمرون الولي بأن يصوم عنه إن مات ولا توجبون عليه أن يصوم عن نفسه قال علي فنقول كذبتم إنما قلنا كما قال رسول الله ﷺ من مات وعليه صيام صام عنه وليه ومعنى عليه صيام عليه أن يصوم لأن الصيام مصدر تقول صام يصوم صياما وصوما فإنما هذا فيمن مات وعليه أن يصوم وإنما ذلك النادر والذي فرط في قضاء رمضان أفطره السفر أو مرض فأما العامد للفطر بغير عذر فليس عليه صيام وإنما عليه إثم ترك الصيام وفي هذا كفاية لمن عقل وبالله تعالى التوفيق قال علي وكل أمر علق بوصف ما لا يتم ذلك للعمل المأمور به إلا بما علق به فلم يأت به المأمور كما أمر فلم يفعل ما أمر به فهو باق عليه كما كان

стр. 355

وهو عاص بما فعل والمعصية لا تنوب عن الطاعة ولا يشكل ذلك في عقل ذي عقل فمن ذلك من صلى بثوب نجس أو مغصوب وهو يعلم ذلك ويعلم أنه لا يجوز له ذلك الفعل أو صلى في مكان نهي عن الإقامة فيه كمكان نجس أو مكان مغصوب أو في عطن الإبل أو إلى قبر أو من ذبح بسكين مغصوبة أو حيوان غيره بغير إذن صاحبه أو توضأ بماء مغصوب أو بآنية فضة أو بإناء ذهب فكل هذا لا يتأدى فيه فرض فمن صلى كما ذكرنا فلم يصل ومن توضأ كما ذكرنا فلم يتوضأ ومن ذبح كما ذكرنا فلم يذبح وهي ميتة لا يحل لأحد أكلها لا لربها ولا لغيره وعلى ذابحها ضمان مثلها حية لأنه فعل كل ذلك بخلاف ما أمر وقال ﵇ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد قال علي وقد نهاه الله تعالى عن استعمال تلك السكين وعن ذبح حيوان غيره بغير إذن مالكه وعن الإقامة في المكان المغصوب وأمر بالإقامة للصلاة وبتذكية ما يحل أكله وبضرورة العقل علمنا أن العمل المأمور به هو غير العمل المنهي عنه ولا يتشكل في العقل غير ذلك فذبحه حيوان غيره أو بسكين مغصوبة ليس هو التذكية المأمور بها فإذا لم يذك كما أمر فلم يحل بذلك العمل المنهي عنه أكل ما لا يحل أكله إلا بالتذكية المأمور بها ولا شك في أن إقامته في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة ولو كان ذلك لكان الله آمرا بها ناهيا عنها إنسانا واحدا في وقت واحد في حال واحدة وهذا مما قد تنزه الحكيم العليم في إخباره تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وليس اجتناب الشيء والإتيان به في وقت واحد في وسع أحد فصح ما قلنا وبالله التوفيق وقد عارض في هذا بعض أهل الإغفال بمن طلق أو أعتق في مكان مغصوب أو صبغ لحيته بحناء مغصوبة أو تعلم القرآن في مصحف مغصوب

стр. 356

قال علي وهذا الاعتراض يبين جهل المعترض به لأن الطلاق والعتاق والبيع والعطايا والصدقات لفظ لا يقتضي إقامة مأمورا بها بل مباح له أن يطلق ويفعل كل ذلك وهو يمشي أو وهو يسبح في الماء فليس مرتبطا بالإقامة في المكان والصلاة لا بد لها من إقامة إلا في حالة المسابقة أو الضرورة فمن اضطر إلى الإقامة في مكان مغصوب فصلاته فيه تامة لأنه ليس مختارا للإقامة هناك والصابغ بالحناء بعد إزالة الحناء ليس هو مستعملا في تلك الحال لشيء مغصوب وأما لو صلى وهو مختضب بها لبطلت صلاته لفعله فيها ما لا يحل له وأما تعلم القرآن فليس مرتبطا بجنس المصحف وقد يتعلم المرء تلقينا ثم أيضا هو في حال حفظه غير مستعمل لشيء مغصوب وكذلك في قراءاته ما حفظ في صلاته وبالله التوفيق

стр. 357

وبالجملة فلا يتأدى عمل إلا كما أمر الله تعالى أو كما أباح لا كما نهى عنه وبالله تعالى التوفيق وكل عمل لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فإن ذلك العمل لا يصح أبدا وكل ما لا يوجد إلا بعد وجود ما لا يوجد فهو غير موجود أبدا وكل ما لا يتوصل إليه إلا بعمل حرام فهو حرام أبدا وكل شيء بطل سببه الذي لا يكون إلا به فهو باطل أبدا وهذه براهين ضرورية معلومة بأول الحس وبديهة العقل ومن خالف فيها فهو سوفسطائي مكابر للعيان وبالله التوفيق قال علي وقد أشار قوم من إخواننا إلى أنه لا يقبل تطوع من عليه فرض قال علي وهذا إذا أجمل دون تفسير أو خطأ وذلك أن الحديث قد صح عن النبي ﷺ أن الله تعالى يجيز صلاة من لم يتم فرض صلاته بتطوع إن كان له وكذلك الزكاة وكذلك سائر الأعمال قال علي والصحيح في هذا الباب أن كل فرض تعين في وقت لا فسحة فيه فإنه لا يجزي أحدا أداه غيره في ذلك الوقت وذلك كإنسان أراد صيام نذر عليه أو تطوع في شهر رمضان وهو مقيم صحيح فهذا لا يجزيه أو كإنسان لم يبق عليه من وقت الصلاة إلا مقدار ما يدخل فيها فقط فهذا حرام عليه أن يتطوع أو يقضي صلاة عليه أو يصلي صلاة نذر عليه حتى تتم التي حضر وقتها بلا مهلة ولا فسحة فإن قضى حينئذ صلاة فاتته لم تجزئه وعليه قضاؤها ثانية وكذلك إن صلى صلاة نذر عليه وليس كذلك من لزمته زكاة ولم يبق من ماله إلا قدر ما يؤدي ما وجب عليه منها فقط إلا أن له غنى بعد ذلك فهذا يجزئه أن يتصدق بما شاء منه تطوعا وأن يؤدي منه نذرا بخلاف ما ذكرنا قبل لأن الزكاة في ذمته لا في عين ما بيده وكذلك من أحاطت بماله ديون الناس حاشا بعد الموت لأن النص منع من ذلك ولم يجعل وصية ولا ميراثا إلا بعد الدين ولكن من حضره وقت الحج وهو

стр. 358

مستطيع فلا يجزئه أن يحج تطوعا ولا نذرا قبل أداء الفرض وكذلك العمرة لأن النبي ﷺ قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فالمستطيع للحج مأمور بأدائه حينئذ ومن حضر رمضان فهو مأمور بصيامه لرمضان ومن لم يبق عليه من وقت صلاته إلا مقدار ما يدخل فيها فهو مأمور بالدخول فيها فإذا فعل غير ما أمر به فهو رد بنص كلام رسول الله ﷺ وليس كذلك من لم يبق بيده من ماله إلا مقدار الزكاة أو مقدار ديون الناس لأنه ليس مأمورا بأداء ذلك مما بيده ولا بد لأنه لو استقرض مالا فأدى منه الزكاة التي عليه وديون الناس التي عليه أجزأه ذلك بلا خلاف ولم يجز للقاضي أن يلزمه الأداء من ماله ولا بد والصلاة والحج والصيام في أوقاتها بخلاف ذلك وأما إذا دخل وقت الصلاة وفيه مهلة بعد فلا خلاف بين أحد من المسلمين في جواز التطوع حينئذ وبهذا جاءت النصوص وأما من سافر في رمضان أو مرض فهو غير مأمور بصيامه لرمضان وغير منهي عن صيامه لغير رمضان فله أن يصومه لما شاء من نذر أو تطوع أو قضاء واجب وأما من عليه صلوات نسيها أو نام عنها وعليه قضاء رمضان سافر فيه أو مرض فأفطر فإن وقت هذه الصلوات ووقت قضاء هذا الصوم ممتدا أبدا فإن أخر قضاء ذلك وهو قادر غير معذور فهو عاص بالتأخير فقط وذلك لا يسقط عنه قضاء ما لزمه قضاؤه من ذلك فهذا والصلاة التي دخل وقتها سواء فإن تطوع بصلاته أو صيام لم يضع له ذلك عند الله تعالى لأن وقت ما لزمه ممتد بعد فلا يفوته وبالله تعالى التوفيق ومما يبين هذا حديث عائشة ﵂ أنها قالت كانت تكون على الأيام من قضاء رمضان يعني من قضاء أيام حيضها ولا أستطيع أن أقضيها إلا في شعبان لشغلي برسول الله ﷺ أو كلاما هذا معناه

стр. 359

قال علي وهذا مما قد أيقنا أن رسول الله ﷺ علمه وأقر عليه لأنه لا يجوز أن تحيض إلا وهو يعلم ذلك لأنها كانت لها ليلتان من تسع ولا يمكن أن يغفل ﵇ أمرها بتعجيل القضاء لو كان الفرض لا يجزىء إلا بتعجيله وقولها لا أستطيع أوضح عذر وهذا نص ما قلنا وبيانه ومما يبين صحة ما قلنا آنفا من أن الزكاة وديون الناس وسائر فرائض الأموال إنما هي واجبة في ذمة المرء لا في عين ما بيده من المال أنه لو كانت واجبة في عين ما بيده من المال ثم تلف ذلك المال لسقطت عنه تلك الحقوق وهذا باطل وأيضا فإنه مما لا يقوله مسلم فلما لم تسقط الحقوق المذكورة بذهاب جميع عين المال صح يقينا أنها في ذمته وإنما يصير ما له لغيره بأحد وجوه أربعة أوجبها النص وهي أداؤه من ماله أو قبض من له حق حقه مما ظفر منه من ماله أو قضاء الحاكم بما له للغرماء فيما لزمه من الحقوق أو بموته فقط وكان يكفي من هذا الحديث الصحيح عن النبي ﷺ بأمره بإكفاء القدور وهي تفور باللحم الذي عجل أصحابه ﵃ فذبحوا من المغنم قبل القسمة فلو جاز أكل ذلك اللحم لما أمر ﵇ بإكفاء القدور وهي تفور وقد روي من طريق أخرى أنه ﵇ جعل يرمله بالتراب ويقول إن النهبة ليست بأحل من الميتة أو كلاما هذا معناه فإن اعترضوا بحديث الشاة التي روي أنه ﵇ قال فيها إني لأجد طعم لحم أخذ بغير إذن أهله أو كلاما هذا معناه قال ثم أمر ﵇ بإطعامه للأسارى فهذا حديث لا يصح لأنه إنما روي من طريق رجل من الأنصار ولم يأت من غير هذه الطريق أصلا فسقط الاحتجاج به وهرقه ﵇ اللحم من القدور في الأرض مع نهيه ﵇ عن إضاعة المال دليل واضح على أنه لا يحل أكله وهذا نص قولنا وبالله تعالى التوفيق

стр. 360

قال علي وأما العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين قد ورد النص بالفسحة في تأخيره فإنه يجب بأول الوقت إلا أنه قد أذن له في تأخيره وكان مخيرا في ذلك وفي تعجيله فأي ذلك أدى فقد أدى فرضه إلا أنه يؤجر على التعجيل لتحصيله العمل واتهمه به ولا يأثم على التأخير لأنه فعل ما أبيح له وذلك مثل تأخير المرء الصلاة إلى آخر وقتها الواسع ولذلك أسقطنا الملامة والقضاء عن المرأة تؤخر الصلاة عن أول وقتها فتحيض فعلت ما أبيح لها ومن فعل ما أبيح له فقد أحسن وقال تعالى ﴿ليس على لضعفآء ولا على لمرضى ولا على لذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على لمحسنين من سبيل ولله غفور رحيم﴾ فسقطت الملامة وقد أخر ﵇ الصلاة إلى آخر وقتها فصح بذلك أن ذلك جائز مباح حسن وإن كان التعجيل أحسن وسقط القضاء عنها لخروج الوقت لأنه يؤدي عمل إلا في وقته المأمور به كما أسقط خصومنا موافقين لنا القضاء عن المغمى عليه أكثر من خمس صلوات وبعضهم أسقطها عن المغمى عليه صلاة فما فوقها وأما كل عمل محدود الطرف الأول غير محدود الطرف الآخر فإن الأمر به ثابت متجدد وقتا بعد وقت وهو ملوم في تأخيره لأنه لم يفسح له ذلك وكلما أخره حصل عليه اسم التضييع وإثم الترك لما أمر به فإن أداه سقط عنه إثم الترك وقد استقر عليه إثم ترك البدار ولا يسقطه عنه إلا ربه تعالى بفضله إن شاء لا إله إلا هو كسائر ذنوبه التي لا بد من الموازنة فيها لأن الأداء والتعجيل فعلان متغايران كما قدمناه وقد يؤدي من لا يعجل فصح أنهما شيئان متغايران وكذلك القول في ديون الناس فإن المماطل الغني آثم بالمطل وآثم بمنع الحق فإذا أدى الحق يوما ما سقط عنه المنع وقد استقر إثم المطل عليه فلا يسقط عنه بالأداء لأن المنع والمطل شيئان متغايران وقد يؤدي ولا يمنع من قد مطل ولذلك قلنا فيمن غصب مالا فلم يؤده إلى صاحبه حتى مات المغصوب منه ثم أداه إلى ورثته إنه باق عليه إثم الغصب

стр. 361

من الميت وإنما سقط عنه إثم الغصب من الوارث وهو الثاني لأنه لا شك عند كل ذي عقل أن ظلمه لزيد الموروث غير ظلمه لعمرو الحي الوارث وقد انتقل ملك المال إلى الوارث وملك الوارث لذلك المال غير ملك المورث له هذا شيء يعلم بضرورة العقل وبديهة الحس فإن أحدث الغاصب ظلما ثانيا لهذا الحي فهو عمل آخر وإثم متجدد فإن رد إليه ماله فقد سقط عنه إثم ظلمه إياه ولا يسقط ما وجب لزيد من الحق في حياته إنصاف هذا الغاصب لعمرو بعد موت زيد وكذلك لو مات الغاصب فصرف المال وارثه فإنما سقط ال ٩ إثم عن الوارث الصارف لا عن الميت الغاصب لأن عمل زيد لا يلحق عمرا إلا بنص أو إجماع قال الله ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وقال تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ اللهم إلا أن يرد نص بأن عمل زيد يلحق عمرا بعد موته أو في حياته فنقر بذلك سامعين طائعين كالصيام عن الميت والحج عنه وأداء ديونه فلو أمر الميت أن يرد ما غصب في حياته كان قد تبرأ أو سقط عنه إثم الإمساك وبقي عليه إثم المطل لأن كل ذلك أعمال متغايرة فلو تطوع امرؤ برد دين أو غصب عن ميت وجعل الأجر للميت لكان ذلك لاحقا بالميت ومرد عنه على حديث أبي قتادة وإنما نقول ما قال لنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه

стр. 362

وسلم ونعلم ما علمناه ولا مزيد وبالله التوفيق وأصحاب القياس يتناقضون في المسائل التي ذكرنا أقبح تناقض فيجيزون قضاء الحج إذا وصى به ولا يجيزون قضاء الصوم إذا أوصى به ويجيزون تقديم الصلاة قبل وقتها للمريض إذا خشي على عقله وفي ليلة المطر ولا يقيسون على تقديم العتمة قبل ليلة المطر تقديم العصر قبل وقتها يوم المطر ولا تقديم الظهر قبل وقتها فإن قالوا الوقت مشترك بين العتمة والمغرب لزمهم أن يجيزوا تقديم العتمة إلى وقت المغرب لغير ضرورة لأنه وقتها ومن صلى الصلاة في وقتها فقد أحسن ولزمهم تقديم العصر إلى الظهر بغير ضرورة لذلك أيضا وقد قال بذلك ابن عباس وجماعة من السلف ﵃ ولسنا نقول بذلك إلا في يوم عرفة فقط لأنه لم يأت في ذلك نص غيره فظهر عظم تناقضهم ولقد شاهدت بعض أهل مساجد الجانب الشرقي بقرطبة أيام تغلب البربر عليها يستفتون شيوخ المالكيين في تعجيل العتمة قبل وقتها خوف القتل إذ كان متلصصة البرابر يقفون لهم في الظلام في طرق المسجد فربما أوذوا إيذاء شديدا فما فسحوا لهم في ذلك ولم يقيسوا ضرورة خوف الموت على ضرورة خوف بلل الثياب في الطين وهذا كما ترى وبالله تعالى التوفيق وقال قوم إن العمل المأمور به في وقت محدود الطرفين هو في أول الوقت ندب وفي آخره فرض قال علي وهذا خطأ فاحش لأنه لو كانت تأديته في أول الوقت ندبا لما أجزأه ذلك لأن الندب غير الفرض ولا ينوب عمل عن عمل آخر غيره من غير نوعه إلا بنص ولكن هذا بمنزلة الأشياء المخير فيها في الكفارات أيها أدى فهو فرضه وكذلك من صلى أول الوقت فقد أدى فرضه وإن صلى في وسطه فقد أدى فرضه وإن صلى في آخره فقد أدى فرضه فإن قال

стр. 363

الآمرون من تعمد ترك صلاة حتى خرج وقتها بالقضاء إنما فعلنا ذلك قياسا على قضاء الصلاة المنسية والتي نيم عنها قيل لهم وبالله تعالى التوفيق أكثركم لا يرى على الحالف على الحنث عمدا كفارة ولا على القاتل عمدا كفارة قياسا على المخطىء غير المعتمد وهذا تناقض منكم وحتى لو طردتم خطأكم لكان ذلك زيادة في الخطأ لأن القياس عن القائلين به إنما هو الحكم للشيء بحكم شيء آخر لعلة جامعة بينهما ولا علة تجمع بين الناسي والعامد وهذا هو قياس الشي على ضده لا على نظيره وهذا خطأ عندكم وعند جميع الناس وبالله تعالى التوفيق فصل في موافقة معنى الأمر لمعنى النهي قال علي النهي مطابق لمعنى الأمر لأن النهي أمر بالترك وترك الشيء ضد فعله وليس عن الشيء أمرا بخلافه الأخص ولا بضده الأخص وتفسير الضد الأخص أنه المضاد في النوع وتفسير الضد الأعم أنه المضاد في الجنس فإذا قلت للإنسان لا تتحرك فقد ألزمته السكون ضرورة لأنه لا واسطة بين الضد الأعم وبين ضده فمن خرج من أحدهما دخل في الآخر وهذا الذي سميناه في كتاب التقريب المنافي وأما من نهيته عن نوع من أنواع الحركة فليس ذلك أمرا بضده مثال ذلك لو قلت لآخر لا تقم فإنك لم تأمره بالجلوس ولا بد لأن بين الجلوس والقيام وسائط من الاتكاء والركوع والسجود والانحناء والاضطجاع فأيها فعل فليس عاصيا لك في نهيك إياه عن القيام وكذلك لو قيل لإنسان لا تلبس السواد فليس في ذلك إيجاب لباسه البياض ولا بد بل إن لبس الحمرة والصفرة أو الخضرة لم يكن بذلك عاصيا بل مؤتمرا في تركه السواد وبالله تعالى التوفيق وأما الأمر فهو نهي عن فعل كل ما خالف العمل المأمور وعن كل

стр. 364

ضد له خاص أو عام فإنك إذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والاتكاء والانحناء والسجود وعن كل هيئة حاشا القيام وإنما كان هكذا لأن ترك أفعال كثيرة مختلفة في وقت واحد واجب موجود ضرورة لأن من قام فقد ترك كل فعل خالف القيام كما أخبرنا في حال قيامه وأما الإتيان بأفعال كثيرة في وقت واحد وهي مختلفة متنافية ومتضادة فمحال لا سبيل إليه ألا ترى من سافر فإنما يمشي إلى جهة واحدة وهو تارك لكل جهة غير التي توجه نحوها ولا يمكنه أن يتوجه إلى جهتين في وقت واحد بفعله نفسه وتخالف أيضا بنية النهي بنية الأمر في وجه آخر وهو أن ما ورد نهيا بلفظ أو فهو نهي عن الجميع مثل قوله تعالى ﴿فصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ ومثل قولك لا تقتل زيدا أو عمرا أو خالدا فهو يقتضي النهي عن قتلهم كلهم وما ورد أمرا بلفظ أو فهو تخيير في أحد الأقسام المذكورة مثل قولك كل خبزا أو تمرا أو لحما وخذ هذا أو هذا والنهي يقتضي اجتناب المنهى عنه كما أن الأمر يقتضي إتيان المأمور به وقد بينا أن النهي عن الشيء أمر بتركه والأمر بالترك يقتضي وجوب الترك وبينا أن الأمر بالشيء نهي عن تركه فالنهي عن الترك يقتضي الفعل الذي بوقوعه يرتفع تركه وبالله تعالى التوفيق وقد اعترض في هذا بعض أهل الشغب فقال لو كان الأمر بالشيء نهيا عن تركه أو كان النهي عن الشيء أمرا بتركه لكان العلم بالشيء جهلا بضده قال علي وحكاية هذا الكلام الساقط تغني عن تكلف الرد عليه لأنه رام التشبيه بين ما لا تشابه بينه وهو بمنزلة من قال لو كان الموت ضد الحياة لكان السمع ضد البصر ومثل هذا من الغثائث ينبغي لمن كان به رمق

стр. 365

أن يرغب بنفسه عنه ولكن من لم يعد كلامه من عمله كثرت أهذاره ومن لم يستح فعل ما شاء وأما العلم بالشيء فهو على الحقيقة عدم العلم بضده لأن علمك بأن زيدا حي وهو عدم العلم وبطلان العلم بأنه ميت وقول القائل لا نأكل لا شك عند كل ذي حس أن معناه اترك الأكل ولا فرق وهذا من المتلائمات وقد أفردنا لهذا بابا في كتاب التقريب وبطل مما ذكرنا قول من قال النهي نوع من أنواع الأمر وقول من قال الأمر نوع من أنواع النهي وصح أن كل أمر فهو أيضا نهي وكل نهي فهو أيضا أمر فإن قال قائل قد يرد أمر ليس فيه نهي عن شيء أصلا وهو أمر الإجابة وقال آخر قد يرد نهي ليس فيه معنى من الأمر أصلا وهو نهي عن الاختيار للترك قال علي كلاهما مخطىء أما الأمر بالإباحة فإنما معناه إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل فليس مائلا إلى الأمر إلا كميله إلى النهي ولا فرق وكذلك القول في نهي الاختيار للترك وهو الكراهية ولا فرق وهكذا أمر الندب ولا فرق وفيه معنى إباحة الترك موجود وبالله تعالى التوفيق فصل في الأمر هل يتكرر أبدا أو يجري منه ما يستحق به المأمور اسم فاعل لما أمر به قال علي اختلف الناس في الأمر إذا ورد بفعل ما هل يخرج من فعله مرة عن اسم المعصية أو يتكرر عليه الأمر أبدا فيلزمه التكرار له ما أمكنه فبكلا القولين قال القائلون قال علي والصواب أن المطيع غير العاصي ومحال أن يكون الإنسان مطيعا عاصيا من وجه واحد فمن أمر بفعل ما ولم يأت نص بإيجاب تكراره

стр. 366

ففعله فقد استحق اسم مطيع وارتفع عنه اسم عاص بيقين وكل شيء بطل فلا يعود إلا بيقين من نص أو إجماع وإنما تكلم في هذه المسألة القائلون بقول الشافعي ﵀ في تكرار الصلاة على النبي ﷺ في كل صلاة لأجل قوله تعالى ﴿إن لله وملائكته يصلون على لنبي يأيها لذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ قال علي ولو كان ما احتجوا به من وجوب التكرار صحيحا لما كان موضع الجلوس الآخر من الصلاة أحق به من القيام والسجود وسائر أحوال الإنسان وهم إنما أوجبوا ذلك بعد التشهد الأخير من الصلاة فقط وقد ورد حديث في لفظه إبعاد لمن ذكر عنده رسول الله ﷺ فلم يصل عليه فإن صح لقلت هو فرض متى ذكر ﵇ وإن لم يصح فقد صح أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا ولا يزهد في هذا إلا محروم والذي يوقن فهو أنه من يرغب عن الصلاة على رسول الله ﷺ وعن السلام عليه فهو كافر مشرك ومن صلى عليه وسلم ثم ترك غير راغب عن ذلك ولكن عالم بأنه مقصر باخس نفسه حظا جليلا فلا أجر له في ذلك ولا إثم عليه فإن قالوا فما تقولون في الجهاد قلنا قد صح أن الجهاد فرض علينا إلى ألا يبقى في الدنيا إلا مؤمن أو كتابي يغرم الجزية صاغرا بأمر الله تعالى لنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويؤمن المشركون كلهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويعطي أهل الكتاب الجزية وهم صاغرون فالقتال ثابت علينا أبدا حتى يكون ما ذكرنا وحسبنا أنه فرض على الكفاية وتركه للمطبق مكروه ما لم يقو للعدو أو لم يستنفر الإمام فأي ذلك كان فالجهاد فرض على كل مطيق في ذات نفسه متعين عليه ويبطل قول من قال بالتكرار أنه لو كان قوله صحيحا للزم من سلم

стр. 367

عليه أن يرد أبدا ولا يمسك عن تكرار الرد لقوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ إن لله كان على كل شيء حسيبا﴾ ولا خلاف في أن بمرة واحدة يخرج من فرض الرد وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمنكر الذي يرى غدا غير المنكر الذي يرى اليوم وفرض علينا تغيير كل منكر وكذلك القول في الأمر بالمعروف لأن المعروف الذي يأمر به غدا غير الذي أمر به اليوم وقد جاء النص مبينا بقوله ﷺ من رأى منكم منكرا فليغيره ومما يبطل قول من قال بالتكرار قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ وأمره تعالى بأداء الزكاة وما أشبه ذلك لا يلزم تكراره إلا ما جاء النص مبينا بإيجاب تكراره وإلا فوفاء واحد يجزي ودية واحدة ورقبة واحدة قال علي وقد احتج على القائلين بالتكرار بعض من سلف ممن يقول بأنه يخرج المأمور بذلك بفعله مرة واحدة بأن قال لما أجمع الناس على أن التكرار لا يلزم حتى يمتنع المرء من الأكل والنوم والنظر في أسبابه فلما صح ذلك لم يكن من حد في ذلك حدا أولى ممن حد حدا آخر فوجب أنه يخرج من المعصية بفعل ما أمر بفعله مرة واحتجوا أيضا بقوله ﵇ إذ سئل عن الحج أفي كل عام فقال ﵇ دعوني ما تركتكم قالوا فلو كان الأمر يجب تكراره لما أنكر ﵇ على السائل عن الحج أفي كل عام لأنه كان يكون واضعا للسؤال موضعه أو سائلا تخفيفا عما يقتضيه اللفظ ولكن رسول الله ﷺ خشي أن يكون سؤاله موجبا لنزول زيادة على ما اقتضاه لفظ الأمر بالحج فيدخل ذلك السائل في جملة من ذم رسول الله ﷺ بقوله أعظم الناس جرما في الإسلام من

стр. 368

سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته قال علي وهذا احتجاج صحيح ظاهر قال علي وقد تعلق بالتكرار من قال بإيجاب التيمم لكل صلاة قال أبو محمد وهذا خطأ لأن نص الآية لا يوجب التيمم إلا على من أحدث بقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ فلو تركنا ظاهر هذه الآية لوجب الوضوء فرضا على كل قائم إلى الصلاة ولما وجب ذلك في التيمم لأن نص الآية بإيجاب الوضوء على قائم إلى الصلاة وليس فيه إيجاب التيمم إلا على من أحدث فقط ولكن لما صلى ﵇ الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد علمنا أن المأمور بالوضوء هو المحدث فقط وأما تكرار التيمم فنص الآية يبطله قال علي واحتج القائلون بالتكرار بأن قالوا وافقتمونا على أن النهي متكرر ثابت أبدا وأنه متجدد كل وقت فهلا قلتم إن المنهي يخرج عن النهي بترك ما نهي عنه ساعة من الدهر فقط كما قلتم إن يفعل مرة واحدة يخرج عن الأمر وإن الأمر لا يعود عليه قال علي هذه شغبة دقيقة وقد قدمنا فيما خلا أن النهي هو أمر بالترك وأن الترك ممكن لكل أحد وليس يمتنع الترك على مخلوق والفعل بخلاف ذلك منه ممكن ومنه ما لا يقدر عليه وقدمنا أن ترك المرء لأفعال كثيرة في وقت واحد موجود واجب وأن فعله بخلاف ذلك وأن المرء في حال نومه وأكله وصلاته ونظره في أسبابه تارك لكل ما نهي عن تركه إن أراد الترك وليس الأمر كذلك بل لا يقدر على أداء أكثر الأوامر في الأحوال التي ذكرنا وقد أمرنا ﵇ أن نجتنب ما نهانا عنه وأمرنا

стр. 369

أن نفعل ما أمرنا به ما استطعنا ولم يقل ﵇ فأتوه ما استطعتم وكان حينئذ يلزم التكرار وإنما قال ﵇ فأتوا منه ما استطعتم ومن إنما هي للتبعيض المقدور فلما امتنع تكرار الأمر بما قدمنا قبل من أن التكرار لوازم لكان تكليفا لما لا يطاق وأنه لما بطل ذلك كان من اقتصر في ذلك على حد ما يجده أو عدد من التكرار يوجبه أو على وقت ما متحكما بلا دليل لم يلزم منه إلا ما اتفق عليه وهو مرة واحدة يقع عليه بها اسم فاعل مطيع ويرتفع بها عنه اسم عاص وكان ذلك فرقا صحيحا بين ما لا يقدر عليه مما ذكرنا وبين ما يقدر عليه من الترك في كل وقت وفي كل حال ومن أدى من الأمر ما استطاع فقد فعل ما أمر به ومن فعل ما أمر فقد سقط عنه الأمر وبالله تعالى التوفيق والقائلون بالتكرار إنما اضطروا إليه في مسألتين أو ثلاث وهم في سائر مسائلهم تاركون له وقد قدمنا أن القوم إنما حسبهم نص المسألة الحاضرة بما لا يبالون أن يهدموا به سائر مسائلهم وبالله تعالى التوفيق قال علي وصحيح القول في هذه المسألة هو ما قلنا من أن يفعل مرة واحدة يؤدي المرء ما عليه ولا يلزمه تكرار الفعل لما ذكرنا إلا أن ترتفع تلك الحال التي فيها ذلك الأمر ثم تعود فإن الأمر يعود ولا بد كمرض المسلم تجب عيادته فبمرة واحدة يخرج من الفرض ما دام في تلك العلة فإن أفاق ثم مرض عاد حكم العيادة أيضا وفك العاني متى صار عانيا وجب فكه كإطعام الجائع متى عاد جوعه عاد وجوب إطعامه وكالتعوذ متى قطع الإنسان القراءة ثم ابتدأ القراءة وكالوضوء متى أحدث وكالصلاة في كل يوم ولا يلزم تكرار شيء من ذلك بعد فعله في حال واحدة وبالله تعالى التوفيق والقول بالتكرار باطل لأنه تكليف ما لا يطاق أو القول بلا برهان

стр. 370

وكلاهما باطل لأننا نسألهم عن تكرار الأوامر المختلفة وبعضها يقطع عن فعل بعض فلا بد ضرورة من ترك جميعها إلا واحدا فأيها هو الواحد وهذا هو القول بلا برهان وكل ما كان هكذا فهو باطل بلا شك وبالله تعالى التوفيق فصل في التخيير قال علي واختلفوا في الأشياء إذا خير الله بينها وأوجب على المخير أن يقصد أيها شاء فيفعله ككفارة الأيمان وكفارة الحلق في الحج قبل يوم النحر لمرض أو أذى من الرأس وفي العمرة كذلك قبل تمامها وفي جزاء الصيد وما أشبه ذلك فقال قوم هي كلها واجبة فإذا فعل أحدها سقط سائرها قال علي وهذا خطأ فاحش لوجهين أحدهما أن أو لا توجب تساوي ما عطف بها واجتماعه وإنما يوجب ذلك الواو والفاء وثم هذا ما لا يجهله من له أدنى بصر باللغة العربية والثاني أنها لو وجبت كلها لما سقطت بفعل بعضها وما لزم فرضا فإنما يسقط بأن يفعل لا بأن يفعل غيره وهذا شيء يعلم بالضرورة لأن ما أوجب الله تعالى عليك عمله فلم يرد منك أن تقيم مقامه غيره إلا بنص وارد في ذلك وإلا فأنت عاص إن لم تفعل الذي أمرت به فلو أوجب تعالى عليه عتق رقبة لم يخرج منها بكسوة وهذا الذي لا يعقل سواه وذهب قوم إلى أنه تعالى إنما أوجب في ذلك شيئا واحدا مما خير فيه تعالى لا بعينه ولكن أيها شاء المخير ونحن لا ننكر هذا لأن عقولنا ليست عيارا على ربنا ولا في العقل ما يمنع من أن يريد الله تعالى إيجاب

стр. 371

ما شاء إلى الموجب عليه فإذا فعل المخير المكفر أي الكفارات التي خوطب بها شاء فقد أدى فرضه وهو الذي سبق في علم الله أنه به يسقط عنه الإثم والتخيير ينقسم قسمين أحدهما الذي ذكرنا وهو أن يلزم المرء أحد وجهين أو أحد وجوه لا بد من أن يأتي ببعضها أيها شاء فهذا فرضه الذي يأتي به مما خير فيه والقسم الثاني أن يقال للمرء إن شئت أن تفعل كذا وإن شئت ألا تفعله أصلا وهذا النوع لا يجوز أن يكون فرضا أصلا ولا يكون إلا تطوعا لأن كل شيء أبيح للمرء تركه جملة أو فعله فهو تطوع بلا خلاف من أحد وهذا لازم لمن قال إن المرء مخير في السفر بين إتمام الصلاة أو قصرها لأن من قول هذا القائل أن الركعتين الزائدتين أن من تركهما لم يأثم فهي إذن تطوع وإذا كانتا تطوعا فغير جائز أن يصليهما بركعتي الفرض اللتين لا بد له من أن يأتي بهما وليس يلزمهم هذا في قولهم في الصيام إن شاء صام في رمضان في السفر وإن شاء أفطر لأنهم لا يسقطون عنه الصيام جملة كما يسقطون عنه الركعتين اللتين تتم بهما الصلاة أربعا لكن يقولون إن شاء صام رمضان فيه وإن شاء صامه في أيام أخر ولا بد عندهم من صيامه فإنما هذا تخيير في أحد الوقتين لا في ترك الصيام أصلا وهناك خيروه في الإتيان بالركعتين أو تركهما البتة فافهم فصل في الأمر بعد الحظر ومراتب الشريعة قال علي قد بينا في غير موضع أن مراتب الشريعة خمسة حرام وفرض وهذان طرفان ثم يلي الحرام المكروه ويلي الفرض الندب وبين الندب والكراهة واسطة وهي الإباحة فالحرام ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا

стр. 372

مطيعا وفاعله آثما عاصيا والفرض ما لا يحل تركه ويكون فاعله مأجورا مطيعا ويكون تاركه آثما والمكروه هو ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر وإن تركه أجر والندب هو ما إن فعله المرء أجر وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر والإباحة هي ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر كصبغ المرء ثوبه أخضر أو أصفر فإذا نسخ الحظر نظرنا فإن جاء نسخه بلفظ الأمر فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما وإن كان أتى فعل لشيء تقدم فيه النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط والنهي باق على الاختيار وكذلك الأمر إذا أتى بعده فعل بخلافه فهو منتقل إلى الإباحة والأمر باق على الندب كما قلنا في أمره ﵇ الناس إذا صلى إمامهم جالسا أن يصلوا وراءه جلوسا ثم صلى ﵇ في مرضه الذي توفي فيه جالسا والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم فعلمنا أن نهيه ﵇ عن القيام للمذكر خاصة ندب واختيار إلا أن يفعل ذلك تعظيما للإمام فهو حرام وعلمنا أن الوقوف له مباح وإنما هذا فيما تيقنا فيه للمتقدم والمتأخر وأما ما لم يعلم أي الخبرين كان قبل فالعمل بذلك الأخذ بالزائد والاستثناء على ما قدمناه وبالله تعالى التوفيق قال علي وقد ادعى بعض من سلف أنه تقرأ الأوامر كلها الواردة بعد الحظر فوجدها كلها اختيارا أو إباحة وذكر من ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿ويسألونك عن لمحيض قل هو أذى فعتزلوا لنسآء في لمحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم لله إن لله يحب لتوابين ويحب لمتطهرين﴾ ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾

стр. 373

قال علي وقد أغفل هذا القائل قد قال الله تعالى ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ فكان الفطر بالأكل والشرب فرضا لا بد منه بين ذلك النهي عن الوصال وكذلك قوله تعالى لله الآية إلى قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تدخلوا بيوت لنبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فدخلوا فإذا طعمتم فنتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي لنبي فيستحيي منكم ولله لا يستحيي من لحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول لله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند لله عظيما﴾ فالانتشار المذكور في هذه الآية هو الخروج عن بيوت النبي ﷺ وهو فرض لا يحل لهم القعود فيها بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه وأما الأوامر التي ذكرنا قبل فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب ونحن لا نأبى الإقرار بما أتى به نص بل نبادر إلى قبوله وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائغة بغير برهان من الله أما قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ فإن رسول الله ﷺ حل من عمرته ومن حجه ولم يصطد فعلمنا أنه ندب وإباحة وأما قوله تعالى ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ فقد صح عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث ولم يخص صلاة من صلاة فصح أن الانتشار مباح إلا للحدث والنظر في مصالح نفسه وأهله فهو فرض وأما قوله ﵇ في القبور فزوروها فإن الفرض لا يكون إلا محدودا وإما موكولا إلى المرء ما فعل منه أو محمولا على الطاقة والمعروف وليس في زيارة القبور نص بشيء من هذه الوجوه ثم لو كان فرضا لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك لما قدمنا في إبطال التكرار وأما قوله ﵇ فانتبذوا فإنه ﵇ لم ينتبذ لكن كان ينتبذ له فصح أن الانتباذ ليس فرضا لكنه إباحة وأما قوله تعالى ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ والمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد ولا يحل له هجرها في المضجع ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك على ما بينا في كتاب النكاح من كلامنا في الأحكام والحمد لله رب العالمين

стр. 374

قال علي وقد ذهب بعض المالكيين إلى أن ههنا واجبا ليس فرضا ولا تطوعا قال علي وهذا هذيان فاسد لا يعقل أصلا لأن الواجب هو الذي لا بد من فعله وغير الواجب هو ما إن شاء فعله المرء وإن شاء تركه ولا يعرف ههنا شيء يتوسط هذين الطرفين فإن راعوا ما ورد به لفظ الفرض في الشريعة فهم أول عاص لما ورد فيها لأن الله يقول ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ فقالوا هم هذه القسمة ليست فريضة بل جائز أن يعطى من الصدقات غير هؤلاء وجائز أن توضع في بعض هذه الأصناف دون بعض وقال ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل صغير أو كبير ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير فقالوا ليس هذا فرضا ولا الشعير أيضا ولا التمر فيها فرضا فما نعلم أحدا ترك لفظ الفرض الوارد في الشريعة منهم ثم احتجوا في البرسام الذي ادعوه من وجوه أنه شيء واجب ليس فرضا ولا تطوعا فقالوا ذلك مثل الأذان والوتر وركعتي الفجر وصلاة العيدين والصلاة في جماعة ورمي الجمار للمبيت ليالي منى بمنى قال علي وكل هذا فدعوى فاسدة أما الصلاة في جماعة والأذان ورمي الجمار ففرائض واجبة يعصي من تركها لأمر النبي ﷺ بها وأما صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر والمبيت ليالي منى بمنى فليست فرائض ولكنها تطوع يكره تركها فلو تركها تارك دهره كله متعمدا ما أثم ولا عصى الله ولا قدح ذلك في عدالته وقد قال ﵇ في الذي حلف ألا يزيد على الصلوات الخمس الفرائض أفلح والله إن صدق دخل الجنة إن صدق وقد سأل هذا القائل النبي ﷺ إذ وصف له الصلوات الخمس فقال يا رسول الله هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع فسمى النبي صلى

стр. 375

الله عليه وسلم تارك كل صلاة ما عدا الخمس مفلحا ولم يعنفه وأخبر ﵇ أن كل صلاة ما عدا الخمس فهي تطوع فحرام على كل أحد خلاف النبي ﷺ ولولا أن الأمر ورد بصلاة الجنائز فصارت فرضا لا بد منه لكانت تطوعا ولكن من هذه الخلال أشياء يكره تركها فمن تركها لم يأثم ولم يؤجر ومن فعلها أجر فبطلت بما ذكرنا قسمتهم الفاسدة والحمد لله رب العالمين فصل في ورود الأمر بلفظ خطاب الذكور قال علي اختلف الناس فقالت طائفة إذا ورد الأمر بصورة خطاب الذكور فهو على الذكور دون الإناث إلا أن يقوم دليل على دخول الإناث فيه واحتجوا بأن قالوا إن لكل معنى لفظا يعبر عنه فخطاب النساء افعلن وخاطب الرجال افعلوا فلا سبيل إلى إيقاع لفظ على غير ما علق عليه إلا بدليل قال علي وبهذا نأخذ وهو الذي لا يجوز غيره والدليل الذي استدلت به الطائفة الأولى هو أعظم الحجة عليهم وهو دليلنا على إبطال قولهم لأن لكل معنى لفظا يعبر به كما قالوا ولا بد ولا خلاف بين أحد من العرب ولا من حاملي لغتهم أولهم عن آخرهم في أن الرجال والنساء وأن الذكور والإناث إذا اجتمعوا وخوطبوا أخبر عنهم أن الخطاب والخبر يردان بلفظ الخطاب والخبر عن الذكور إذا انفردوا ولا فرق وأن هذا أمر مطرد أبدا على حالة واحدة فصح بذلك أنه ليس لخطاب الذكور خاصة لفظ مجرد

стр. 376

في اللغة العربية غير اللفظ الجامع لهم وللإناث ألا أن يأتي بيان زائد بأن المراد الذكور دون الإناث فلما صح لم يجز حمل الخطاب على بعض ما يقتضيه دون بعض إلا بنص أو بإجماع فلما كانت لفظة افعلوا والجمع بالواو والنون وجمع التكسير يقع على الذكور والإناث معا وكان رسول الله ﷺ مبعوثا إلى الرجال والنساء بعثا مستويا وكان خطاب الله تعالى وخطاب نبيه ﷺ للرجال والنساء خطابا واحدا لم يجز أن يخص بشيء من ذلك الرجال دون النساء إلا بنص جلي أو إجماع لأن ذلك تخصيص الظاهر وهذا غير جائز وكل ما لزم القائلين بالخصوص فهو لازم لهؤلاء وسيأتي ذلك مستوعبا في بابه إن شاء الله تعالى فإن قالوا فأوجبوا الجهاد فرضا على النساء قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لولا قول رسول الله ﷺ لعائشة إذ استأذنته في الجهاد لكن أفضل الجهاد حج مبرور لكان الجهاد عليهن فرضا ولكن بهذا الحديث علمنا أن الجهاد على النساء ندب لا فرض لأنه ﵇ لم ينهها عن ذلك ولكن أخبرها أن الحج لهن أفضل منه ومما يبين صحة قولنا أن عائشة وهي حجة في اللغة لما سمعت الأمر بالجهاد قدرت أن النساء يدخلن في ذلك الوجوب حتى بين النبي ﷺ لها أنه عليهم ندب لا فرض وأن الحج لهن أفضل منه ونحن لا ننكر صرف اللفظ عن موضوعه في اللغة بدليل من نص أو إجماع أو بضرورة طبيعة تدل على أنه مصروف عن موضوعه وإنما يبطل دعوى من ادعى صرف اللفظ عن موضوعه في اللغة بلا دليل فلم ينكر النبي ﷺ عليها حملها الخطاب بلفظ خطاب الذكور على عموم دخول النساء في ذلك وفي هذا كفاية لمن عقل فإن قالوا فأوجبوا عليهن النفار للتفقه في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قلنا وبالله تعالى التوفيق نعم هذا واجب عليهن كوجوبه على

стр. 377

الرجال وفرض على كل امرأة النفقة في كل ما يخصها كما ذلك فرض على الرجال ففرض على ذات المال منهن معرفة أحكام الزكاة وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة والصلاة والصوم وما يحل وما يحرم من المآكل والمشارب والملابس وغير ذلك كالرجال ولا فرق ولو تفقهت امرأة في علوم الديانة للزمنا قبول نذارتها وقد كان ذلك فهؤلاء أزواج النبي ﷺ وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين وقامت الحجة بنقلهن ولا خلاف بين أصحابنا وجميع أهل نحلتنا في ذلك فمنهن سوى أزواجه ﵇ أم سليم وأم حرام وأم عطية وأم كرز وأم شريك وأم الدرداء وأم خالد وأسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت قيس ويسرة وغيرهن ثم في التابعين عمرة وأم الحسن والرباب وفاطمة بنت المنذر وهند الفراسية وحبيبة بنت ميسرة وحفصة بنت سيرين وغيرهن ولا خلاف بين أحد من المسلمين قاطبة في أنهن مخاطبات بقوله تعالى ﴿وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وركعوا مع لراكعين﴾ ﴿شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ و ﴿يأيها لذين آمنوا تقوا لله وذروا ما بقي من لربا إن كنتم مؤمنين﴾ و ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ و ﴿وليستعفف لذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم لله من فضله ولذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال لله لذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على لبغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض لحياة لدنيا ومن يكرههن فإن لله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ و ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ و ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ و ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض لناس وستغفروا لله إن لله غفور رحيم﴾ و ﴿إنما يريد لشيطان أن يوقع بينكم لعداوة ولبغضآء في لخمر ولميسر ويصدكم عن ذكر لله وعن لصلاة فهل أنتم منتهون﴾ و ﴿وبتلوا ليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فدفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بلمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بلله حسيبا﴾ وسائر أوامر القرآن وإنما من لجأ إلى هذه المضايق في مسألة أو مسألتين تحكموا فيها وقلدوا فاضطروا إلى مكابرة العيان ودعوى خروج النساء من الخطاب بلا دليل ثم رجعوا إلى عمومهن مع الرجال بلا رقبة ولا حياء

стр. 378

قال علي وقد قال الله تعالى ﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ وقال أيضا ﴿وأنذر عشيرتك لأقربين﴾ فنادى ﵇ بطون قريش بطنا بطنا ثم قال يا صفية بنت عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد فأدخل النساء مع الرجال في الخطاب الوارد كما نرى فإن قال قائل فقد قال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بلألقاب بئس لاسم لفسوق بعد لإيمان ومن لم يتب فأولئك هم لظالمون﴾ وقال زهير وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن اللفظ إذا جاء مرادا به بعض ما يقع تحته في اللغة وبين ذلك دليل فلسنا ننكره فقد قال تعالى ﴿يأيها لناس تقوا ربكم إن زلزلة لساعة شيء عظيم﴾ فلا خلاف بين لغوي وشرعي أن هذا الخطاب متوجه إلى كل آدمي من ذكر أو أنثى ثم قال تعالى ﴿لذين قال لهم لناس إن لناس قد جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا لله ونعم لوكيل﴾ فقام الدليل على أن المراد ههنا بعض الناس لا كلهم فوجب الوقوف عند ذلك لقيام الدليل عليه ولولا ذلك لما جاز أن يكون محمولا إلا على عموم الناس كلهم قال أبو محمد وقد سأل عمرو بن العاص رسول الله ﷺ أي الناس أحب إليك فقال عائشة قال ومن الرجال قال أبوها ثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج أنبأ يحيى ثنا خالد بن عبد الله عن خالد هو الحذاء عن أبي عثمان هو النهدي قال أخبرني عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ أعلم الناس باللغة التي بعث بها فحمل اللفظ على عمومه في دخول النساء مع الرجال حتى أخبره السائل أنه أراد بعض من يقع عليه الاسم الذي خاطب به فقبل ذلك منه ﵇ وهذا هو نص مذهبنا وهو أن نحمل الكلام

стр. 379

على عمومه فإذا قام دليل على أنه أراد به الخصوص صرنا إليه ولا خلاف بين المسلمين في أن قوله تعالى ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ واقع على إناث الخنازير كوقوعها على ذكورها بنفس اللفظ للنوع كله وقد اعترض بعضهم بحديث ذكروه من طريق أم سلمة ﵂ فيه أن النساء شكون وقلن ما نرى الله تعالى يذكر إلا الرجال فنزلت ﴿إن لمسلمين ولمسلمات ولمؤمنين ولمؤمنات ولقانتين ولقانتات ولصادقين ولصادقات ولصابرين ولصابرات ولخاشعين ولخاشعات ولمتصدقين ولمتصدقات ولصائمين ولصائمات ولحافظين فروجهم ولحافظات ولذاكرين لله كثيرا ولذاكرات أعد لله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ قال علي وهذا حديث لا يصح البتة ولا روي من طريق يثبت حدثنا محمد بن سعيد بن نبات قال أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن إصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار بندار ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن حصين قال سمعت عكرمة يقول قالت أم عمار يا رسول الله يذكر الرجال في القرآن ولا يذكر النساء قال فنزلت ﴿إن لمسلمين ولمسلمات ولمؤمنين ولمؤمنات ولقانتين ولقانتات ولصادقين ولصادقات ولصابرين ولصابرات ولخاشعين ولخاشعات ولمتصدقين ولمتصدقات ولصائمين ولصائمات ولحافظين فروجهم ولحافظات ولذاكرين لله كثيرا ولذاكرات أعد لله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ قال علي وهذا مرسل كما نرى لا تقوم به حجة وثناه أيضا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا محمد بن المثنى حدثنا مؤمل ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال قالت أم سلمة يذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر فنزلت ﴿فستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فلذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها لأنهار ثوابا من عند لله ولله عنده حسن لثواب﴾ وقالت أم سلمة يا رسول الله لا نقطع الميراث ولا نغزو في سبيل الله فنقتل فنزلت ﴿ولا تتمنوا ما فضل لله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما كتسبوا وللنسآء نصيب مما كتسبن وسألوا لله من فضله إن لله كان بكل شيء عليما﴾ وقالت أم سلمة يذكر الرجال ولا نذكر فنزلت ﴿ورد لله لذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى لله لمؤمنين لقتال وكان لله قويا عزيزا﴾ قال علي ويقال إن التفسير لم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد ثنا بذلك يحيى بن عبد الرحمن عن أحمد بن دحيم عن إبراهيم بن حماد عن إسماعيل بن إسحاق ولم يذكر مجاهد سماعا لهذا الخبر عن أم سلمة ولا يعلم له منها سماع أصلا وإنما صح أنهن قلن يا رسول الله غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما فجعل لهن

стр. 380

عليه السلام يوما وعظهن فيه وأمرهن بالصدقة وكذلك صح ما روي في خطبته ﵇ في العيد وأمره النساء أن يشهدن ثم رأى ﵇ أنه لم يسمعهن فأتاهن فوعظهن قائما أتاهن ﵇ إذ خشي أنهن لم يسمعن وإلا فقد كان يكفيهن جملة كلامه على المنبر قال أبو محمد والصحيح من هذا ما حدثناه عبد الله بن يوسف بالسند المتقدم ذكره إلى مسلم حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي وأبو معن الرقاشي وأبو بكر نافع وعبد الله بن حميد قال هؤلاء الثلاثة ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ثنا أفلح بن سعيد حدثنا عبد الله بن رافع وقال يونس بن عبد الأعلى ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو هو ابن الحارث أن بكيرا حدثه عن القاسم بن عباس الهاشمي عن عبد الله بن رافع مولى ابن أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله ﷺ فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني فسمعت رسول الله ﷺ يقول أيها الناس فقلت للجارية استأخري عني قالت إنما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت إني من الناس ثم ذكرت الحديث قال علي في هذا بيان دخول النساء مع الرجال في الخطاب الوارد بصيغة خطاب الذكور قال أبو محمد واحتج بعضهم بقوله تعالى ﴿إن لمسلمين ولمسلمات ولمؤمنين ولمؤمنات ولقانتين ولقانتات ولصادقين ولصادقات ولصابرين ولصابرات ولخاشعين ولخاشعات ولمتصدقين ولمتصدقات ولصائمين ولصائمات ولحافظين فروجهم ولحافظات ولذاكرين لله كثيرا ولذاكرات أعد لله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ فالجواب وبالله التوفيق أنه لا ينكر التأكيد والتكرار وقد ذكر الله تعالى الملائكة ثم قال ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن لله عدو للكافرين﴾ وهما من الملائكة ويكفي من هذا ما قدمناه من أوامر القرآن المتفق على أن المراد بهذا الرجال والنساء معا بغير نص آخر ولا بيان زائد إلا اللفظ وكذلك قوله ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ بيان جلي على أن المراد بذلك الرجال

стр. 381

والنساء معا لأنه لا يجوز في اللغة أن يخاطب الرجال فقط بأن يقال لهم ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ وإنما كان يقال من أنفسكم فإن قالوا قد تيقنا أن الرجال مرادون بالخطاب الوارد بلفظ الذكور ولم نوقن ذلك في النساء فالتوقف فيهن واجب قيل له قد تيقنا أن رسول الله ﷺ مبعوث إليهن كما هو إلى الرجال وإن الشريعة التي هي الإسلام لازمة لهن كلزومها للرجال وأيقنا أن الخطاب بالعبادات والأحكام متوجه إليهن كتوجهه إلى الرجال إلا ما خصهن أو خص الرجال منهن دليل وكل هذا يوجب ألا يفرد الرجال دونهن بشيء قد صح اشتراك الجميع فيها إلا بنص أو إجماع وبالله تعالى التوفيق قال علي وإن العجب ليكثر ممن قال بخلاف قولنا من الحنفيين والمالكيين ثم هم يأتون إلى خطاب النبي ﷺ للرجل الواطىء في رمضان بالكفارة فقالوا الواجب على المرأة من مثل ذلك ما على الرجل فأي مجاهرة أشنع من مجاهرة من يأتي إلى خطاب عام لجميع أهل الإسلام فيريد إخراج النساء منه ثم يأتي إلى خطاب لرجل منصوص عليه لم يذكر معه غيره فيريدون إلزامه النساء بلا دليل ثم تناقضوا في ذلك فألزموا الموطوءة الواطىء ولا نص في الموطوءة ولم يلزموا المظاهرة ما ألزموا المظاهر والعلة على قولهم واحدة وهي قوله ﴿لذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا للائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من لقول وزورا وإن لله لعفو غفور﴾ والمظاهرات قد قالت ذلك وقد أوجب عليها مثل ما يجب على المظاهر قوم كثير من العلماء وهكذا أحكام من تعدى حدود الله واتبع الرأي والقياس وبالله تعالى التوفيق فصل في الخطاب الوارد هل يخص به الأحرار دون العبيد أم يدخل فيه العبيد معهم قال علي ذهب قوم إلى أن قوله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا﴾

стр. 382

أنه للأحرار دون العبيد واحتجوا بقوله تعالى ﴿وأنكحوا لأيامى منكم ولصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم لله من فضله ولله واسع عليم﴾ قال ما ندري أيهما أشد إقداما على الله وجرأة أتخصيصهم الأحرار في الآية الأولى دون العبيد أم استشهادهم بالآية الثانية في ذلك فأول إبطال قولهم إن النبي ﷺ بعث إلى العبيد والأحرار بعثا مستويا بإجماع جميع الأمة ففرض استواء العبيد مع الأحرار إلا ما فرق فيه النص بينهم كوجوب استواء العرب والعجم من قريش إلا ما فرق فيه النص بينهم من كون الخلافة لقريش دون العرب ومن تحريم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب دون سائر قريش والعرب وكوجوب خمس الخمس لهم دون سائر قريش والعرب وإنما خاطبنا الله تعالى في آية الإنكاح لأنه لم يجعل للعبد أن ينكح نفسه وجعله للحر وهذا مكان نص فيه على الفرق ثم نعارضهم بقول الله تعالى ﴿وتقوا فتنة لا تصيبن لذين ظلموا منكم خآصة وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ وبقوله ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتخذوا ليهود ولنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن لله لا يهدي لقوم لظالمين﴾ وبقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن ستحبوا لكفر على لإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم لظالمون﴾ وبقوله تعالى ﴿ومنهم لذين يؤذون لنبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بلله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ولذين يؤذون رسول لله لهم عذاب أليم﴾ وبقوله تعالى ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ وبقوله تعالى ﴿كلذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كلذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في لدنيا ولآخرة وأولئك هم لخاسرون﴾ وبقوله تعالى ﴿سوآء منكم من أسر لقول ومن جهر به ومن هو مستخف بلليل وسارب بلنهار﴾ وبقوله تعالى ﴿ولقد علمنا لمستقدمين منكم ولقد علمنا لمستأخرين﴾ وبقوله تعالى ﴿ثم إذا كشف لضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون﴾ وبقوله تعالى ﴿ولله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن لله عليم قدير﴾ وبقوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ هل خص بهذا الخطاب الأحرار دون

стр. 383

العبيد أو عم الجميع فلا بد من أنه عموم للأحرار والعبيد فكل خطاب ورد فهو هكذا ولا فرق إلا ما فرق النص فيه بين الأحرار والعبيد وكذلك قالوا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ فقالوا هذا للأحرار دون العبيد قال علي وهذه أعجوبة شنيعة أترى العبيد ليسوا من رجالنا إن هذا الأمر كان ينبغي أن يستحيى منه وأن من جاهر بأن العبيد ليسوا من رجالنا الواجب أن يرغب عن الكلام معه وأيضا فإن أول الآية المذكورة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ والآية الأخرى من قوله ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الآية ولا خلاف بين أحد في أنهما متوجهتان إلى الأحرار والعبيد وأن هذا حكم عام للمتبايعين من الأحرار والعبيد وللمطلقين من الأحرار والعبيد فإذا قد صح ذلك فكيف يسوغ لذي عقل ودين أن يقول إن قوله تعالى ﴿من رجالكم﴾ وقوله تعالى ﴿منكم﴾ مخصوص به الأحرار دون العبيد والآيتان كلتاهما لا خلاف منهم مخاطب بهما والأحرار والعبيد سواء فصل في أمره ﵇ واحدا هل يكون أمرا للجميع قال علي قد أيقنا أنه ﷺ بعث إلى كل من كان حيا في عصره في معمور الأرض من إنسي أو جني وإلى من ولد بعده إلى يوم القيامة وليحكم في كل عين وعرض يخلقهما تعالى إلى يوم القيامة فلما صح ذلك بإجماع الأمة المتيقن المقطوع به المبلغ إلى النبي ﷺ وبالنصوص الثابتة بما ذكرنا من بقاء الدين إلى يوم القيامة ولزومه الإنس والجن وعلمنا بضرورة الحس أنه لا سبيل إلى مشاهدته ﵇ من يأتي بعده كان أمره

стр. 384

صلى الله عليه وسلم لواحد من النوع وفي واحد من النوع أمرا في النوع كله وللنوع كله وبين هذا أن ما كان من الشريعة خاصا لواحد أو لقوم فقد بينه ﵇ نصا وأعلم أنه خصوص كفعله في الجذعة بأبي بردة بن نيار وأخبره عليه السلام أنها لا تجزي عن أحد بعده وكان أمره ﵇ للمستحاضة أمرا لكل مستحاضة وإقامته ابن عباس وجابرا عن يمينه في الصلاة حكما على كل مصل وحده مع إمام ولا خلاف بين أحد في أن أمره لأصحابه ﵃ وهم حاضرون أمر لكل من يأتي إلى يوم القيامة وأما إخواننا فاضطربوا في هذا اضطرابا شديدا فقالوا في فتياه ﵇ للواطىء في رمضان إن ذلك الحكم جار على كل واطىء وأصابوا في ذلك ثم لم يقنعوا بالصواب حتى تعدوه إلى الخطأ فقالوا وذلك الحكم أيضا جار على كل مفطر بغير الوطء ثم لم يقنعوا بذلك حتى قالوا هو على النساء كما هو على الرجال ثم أتوا إلى حكم النبي ﷺ في محرم مات فأمر ﵇ ألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه وأن يكفن في ثوبه فقالوا هو خصوص لذلك الواحد وليس هذا حكم من مات وهو محرم أفسمع السامعون بأعجب من هذا التحكم واحتجوا في ذلك بابن عمر وقد تركوا ابن عمر في أزيد من مائة قضية وتركوا في ذلك قول من خالف ابن عمر في ذلك من أصحابه واحتجوا بانقطاع عمل الميت تمويها وشغبا وليس هذا للميت ولكنه عمل الأحياء المأمورين بذلك كما أمروا بغسله ومواراته ولا عمل للميت في ذلك ولا فرق فإن احتجوا في ذلك بقول علي ﵁ نهاني رسول الله ﷺ ولا أقول نهاكم فقد قال كعب بن عجرة في أمر فدية حلق الرأس نزلت في خاصة وهي لكم عامة وأيضا فقد بينا في آخر كتابنا أنه لا يجوز التقليد وقد بين علي ﵁ أن قوله هذا ليس على ما ظن الظان

стр. 385

من أن ذلك النهي لا يتعداه ذلك إذ سئل أعهد إليك رسول الله ﷺ بشيء لم يعهده إلى غيرك فقال لا ما خصني رسول الله ﷺ بشيء إلا ما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل وأشياء من الجراحات ولا يقتل مؤمن بكافر فصح أن قول علي نهاني إنما هو تحر للفظه ﵇ فقط وبالله تعالى التوفيق وهو الموفق للصواب فصل في أوامر ورد فيها ذكر حكمه ﵇ ولم يأت فيها من لفظه ﵇ السبب المحكوم فيه قال علي وإذا ورد خبر صحيح وفيه أن رسول الله ﷺ رأى أمرا كذا فحكم فيه بكذا فإن الواجب أن نحكم في ذلك الأمر بمثل ذلك الحكم ولا بد لأنه كسائر أوامره التي قدمنا وجوبها وذلك مثل ما روي أنه ﷺ رأى رجلا يصلي منفردا خلف الصفوف فأمره بالإعادة ورأى رجلا يحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم وأتي بشارب فجلده فاعترض قوم فقالوا لعله ﵇ إنما أمره بالإعادة ليس من أجل انفراده ولكن لغير ذلك وأن الحجام والمحجوم كانا يغتابان الناس قال علي وهذا لا يجوز لوجوه خمسة أحدها أنه ﵇ مأمور بالتبليغ فلو أمر إنسانا بإعادة صلاة أبطلها عليه ولم يبين ﵇ وجه بطلانها لكان ﵇ غير مبلغ وقد نزهه الله تعالى عن ذلك ولكان غير مبين ومن نسب هذا إلى النبي ﷺ فقد كفر والوجه الثاني أن يقول القائل لعله ﵇ قد بين ذلك ولم يصل إلينا قال علي فمن قال ذلك أكذبه الله بقوله ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ وبقوله تعالى عن نبيه ﵇ ﴿وما ينطق عن الهوى *

стр. 386

إن هو إلا وحي يوحى﴾ فصح أن كلامه كله ﷺ وحي وأن الوحي محفوظ لأنه ذكر فلو بينه ﵇ ولم ينقل إلينا لكان غير محفوظ وقد أكذب الله تعالى هذا القول لأنه لم ينقل أحد أنه أمره بالإعادة لغير الانفراد والوجه الثالث أن أحاديث كثيرة ثبتت بفرض تسوية الصفوف فيها وفيها إبطال صلاة من صلى منفردا وقد ذكرناها في الفصل الذي فيه ترجيح الأحاديث في باب الأخبار من كتابنا هذا والرابع إن نقل الناقل الثقة أنه صلى منفردا فأعاد نقل وإنذار ببطلان صلاة المنفرد عنه ﵇ فواجب قبوله والخامس أن قول القائل لعله كان هنالك سبب لم ينقل إلينا ظن وقد قال تعالى ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا﴾ وقال ﵇ الظن أكذب الحديث ولا يحل ترك نقل الثقات لظنون زائفات وأما تخريج من خرج منهم أن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان الناس فإنهم استجاروا من الرمضاء بالنار وهم لا يرون إفطار الصائم بالغيبة فقد عصوا على كل حال ولولا أن الرخصة وردت صحيحة من الحجامة للصائم لأوجبنا الإفطار بها ولكن استعمال الأحاديث يوجب قبول الرخصة لأنها متيقنة بعد النهي إذ لا تكون لفظة الرخصة إلا عن شيء تقدم التحذير منه ولهذا الحديث أجزنا الحجامة للصائم وأن يكون حاجما ومحجوما على ظاهر لفظ الأحاديث لا بالحديث الذي يقول احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم لأنه ليس في ذلك الحديث دليل على أنه كان بعد النهي فهو موافق لمعهود الأصل ولا فيه بيان أيضا أنه كان في صيام فرض لا يجوز الإفطار فيه بل لعله كان في تطوع يجوز الإفطار فيه أو في سفر كما جاء في بعض تلك الأحاديث أنه كان صائما محرما ﵇ وبالله تعالى التوفيق

стр. 387

فصل في ورود حكمين بنقل يدل لفظه على أنهما في أمر واحد لا أمرين قال علي روي أن رجلا أتى رسول الله ﷺ في رمضان وهو يقول احترقت وأنه وصف أنه وطأ امرأته وهو صائم فأمره رسول الله ﷺ بكفارة موصوفة وروي من تلك الطريق بعينها أن رجلا أفطر في رمضان فأمره ﵇ بتلك الكفارة بعينها وذكر باقي الحديث الأول فعلمنا بذلك أنهما حديث واحد لأن الرواة لهذا هم أولئك الذين رووا بأي شيء كان الإفطار وسياق الحديثين واحد فصح أن بعض الرواة عن الزهري فسر القصة وهم سفيان ومعمر والليث والأوزاعي ومنصور بن المعتمر وعراك بن مالك وأن بعضهم عن الزهري أجملها وهم مالك وابن جريج إلا أنهم كلهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال علي وليس هكذا حديث السارقة والمستعيرة لأن الوطء في حال الصوم إفطار صحيح يقع عليه في الشريعة اسم إفطار على الحقيقة ولا يقع على السارق اسم مستعير جاحدا البتة ولا يقع على المستعير الجاحد اسم البتة وأيضا فقد روى حديث قطع المستعيرة ابن عمر ولم يذكر سرقة وإنما ذكر أمر السرقة عن عائشة فصح أنهما حديثان متغايران وهذا أيضا ما تعلق به المانعون من المسح على العمامة في حديث المغيرة فقالوا ذكره المسح على العمامة هو حديث واحد مع الذي فيه ذكر المسح على الناصية والعمامة قال علي وهذا خطأ لأن الوضوء لم يكن مرة واحدة منه ﵇ بل كانت آلافا من المرار فمن ادعى أن ذلك كله وضوء واحد في وقت واحد فقد دخل تحت الكذب والقول بما لا يعلم وهذا لا يحل لمسلم وأيضا فقد

стр. 388

روى المسح على العمامة والخمار من لم يذكر مسحا على الناصية أصلا وهم سلمان وبلال وكعب بن عجرة وعمرو بن أمية الضمري لا سيما المالكيين المانعين من الاقتصار على المسح للناصية فقط فإنهم لا متعلق لهم بحديث المغيرة أصلا وكل ما تعلقوا به بهذا الباب فهو حجة عليهم فصح بما ذكرنا أن حديث المغيرة وحديث من ذكرنا متغايران وبالله تعالى التوفيق فينبغي مراعاة هذا في النصوص ومثل ذلك من القرآن قول الله ﴿برآءة من لله ورسوله إلى لذين عاهدتم من لمشركين * فسيحوا في لأرض أربعة أشهر وعلموا أنكم غير معجزي لله وأن لله مخزي لكافرين﴾ ثم قال تعالى في تلك السورة نفسها بعد يسير ﴿وأذان من لله ورسوله إلى لناس يوم لحج لأكبر أن لله بريء من لمشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فعلموا أنكم غير معجزي لله وبشر لذين كفروا بعذاب أليم * إلا لذين عاهدتم من لمشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن لله يحب لمتقين * فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ قال علي فوجدناه تعالى قد جعل مدة من عاهدوا من المشركين أربعة أشهر ثم وجدناه تعالى قد جعل مدة المشركين من يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر بنص تسمية رسول الله ﷺ بذلك انسلاخ الأشهر الحرم فليس بين الأمدين إلا خمسون يوما فعلمنا يقينا أن هؤلاء المشركين الذين جعل أمدهم شهرين غير عشرة أيام هم غير المشركين الذين عوهدوا أربعة أشهر وهذا ينبغي أن يتفقد جدا فإنه برفع الإشكال كثير وبالله تعالى التوفيق

стр. 389

فصل في عطف الأوامر بعضها على بعض قال علي وقد يعطف أوامر مفروضات على غير مفروضات ويعطف غير مفروضات على مفروضات والأصل في ذلك أن كل أمر فهو فرض إلا ما خرج عن ذلك بضرورة حس أو بنص أو إجماع فإذا كانت أوامر معطوفات فخرج بعضها بأحد الدلائل التي ذكرنا عن الوجوب بقي سائرها على حكم المفهوم من الأوامر في الجملة ولا نبالي كان الخارج عن معهود حكمه هو الأول في الذكر أو الآخر أو الأوسط كل ذلك سواء وهو بمنزلة ما لو خرج بنسخ فإن سائرها يبقى على حكم الوجوب والطاعة فمن ذلك قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ فلولا الإجماع على أن الأكل من الثمر ليس فرضا لقلنا إنه فرض ولكن لما خرج عن أن يكون فرضا بدليل الإجماع بقي الفعل المعطوف عليه على حكم الوجوب وهو قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ قال علي وإنما آتينا بما يوافقنا عليه أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وإلا فقد تناقضوا في مثل هذا إلا أن الحقيقة ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق ومن ذلك أيضا فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا وزوروها يعني القبور ولا تقولوا هجرا الأمر الأول ندب الإجماع والثاني فرض وبالله تعالى التوفيق وكذلك قوله ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ كان السعي

стр. 390

خاصا للرجال دون النساء ولم يمنع ذلك الأمر بترك البيع من أن يكون فرضا فرضا على ظاهره وعاما لكل أحد من رجل أو امرأة ووافقنا على ذلك أصحاب مالك ومثل هذا كثير وبالله تعالى التوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل فصل في تناقض القائلين بالوقف هاك نبذ من تناقض القائلين بالوقف وحملهم أوامر كثيرة على وجوبها وعن ظاهرها بغير قرينة ولا دليل إلا مجرد الأمر وصيغة اللفظ فقط وما تعدوا فيه طريق الحق إلى أن أوجبوا فرائض لا دليل على إيجابها يدل على كثير تناقضهم وفساد قولهم قال علي إن القائلين بالوقف من المالكيين والشافعيين والحنفيين قد أوجبوا أحكاما كثيرة بأوامر وردت لا قرينة معها فكان نقضا لمذهبهم في الوقف وما قنعوا بذلك حتى أوجبوا فرائض بلا أوامر أصلا فمن أعجب ممن لم يوجب بأمر الله تعالى إنفاذ ما أمر به وأوجب أحكاما بغير أمر من الله تعالى فمن ذلك أن المالكيين قالوا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ فأبطلوا البيع بمجرد هذا الأمر ولم يقنعوا بذلك حتى أبطلوا ما لم يبطل الله من النكاح والإجازة تعديا لحدوده تعالى وقد تعلل بعضهم في هذا بأن لفظة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ لا يقع إلا للفرض قال علي وهذا ما لا يعرفه حامل لغة من العرب وقد قال تعالى ﴿وما قدروا لله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل لله على بشر من شيء قل من أنزل لكتاب لذي جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل لله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ أفترى ذر في هذا المكان موجبة ترك الكفارة دون وعظ ودعاء إلى الإيمان وقتل موسى وإغرام جزية وصغار وقال في قوله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ و ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم
следующие страницы →