Полный текст (1 408 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إن هو إلا وحي يوحى﴾ فصح أن كلامه كله ﷺ وحي وأن الوحي محفوظ لأنه ذكر فلو بينه ﵇ ولم ينقل إلينا لكان غير محفوظ وقد أكذب الله تعالى هذا القول لأنه لم ينقل أحد أنه أمره بالإعادة لغير الانفراد والوجه الثالث أن أحاديث كثيرة ثبتت بفرض تسوية الصفوف فيها وفيها إبطال صلاة من صلى منفردا وقد ذكرناها في الفصل الذي فيه ترجيح الأحاديث في باب الأخبار من كتابنا هذا والرابع إن نقل الناقل الثقة أنه صلى منفردا فأعاد نقل وإنذار ببطلان صلاة
المنفرد عنه ﵇ فواجب قبوله والخامس أن قول القائل لعله كان هنالك سبب لم ينقل إلينا ظن وقد قال تعالى ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا﴾ وقال ﵇ الظن أكذب الحديث ولا يحل ترك نقل الثقات لظنون زائفات وأما تخريج من خرج منهم أن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان الناس فإنهم استجاروا من الرمضاء بالنار وهم لا يرون إفطار الصائم بالغيبة فقد عصوا على كل حال ولولا أن الرخصة وردت صحيحة من الحجامة للصائم لأوجبنا الإفطار بها ولكن استعمال الأحاديث يوجب قبول الرخصة لأنها متيقنة بعد النهي إذ لا تكون لفظة الرخصة إلا عن شيء تقدم التحذير منه ولهذا الحديث أجزنا الحجامة للصائم وأن يكون حاجما ومحجوما على ظاهر لفظ الأحاديث لا بالحديث الذي يقول احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم لأنه ليس في ذلك الحديث دليل على أنه كان بعد النهي فهو موافق لمعهود الأصل ولا فيه بيان أيضا أنه كان في صيام فرض لا يجوز الإفطار فيه بل لعله كان في تطوع يجوز الإفطار فيه أو في سفر كما جاء في بعض تلك الأحاديث أنه كان صائما محرما ﵇ وبالله تعالى التوفيق
стр. 387
فصل في ورود حكمين بنقل يدل لفظه على أنهما في أمر واحد لا أمرين
قال علي روي أن رجلا أتى رسول الله ﷺ في رمضان وهو يقول احترقت وأنه وصف أنه وطأ امرأته وهو صائم فأمره رسول الله ﷺ بكفارة موصوفة وروي من تلك الطريق بعينها أن رجلا أفطر في رمضان فأمره ﵇ بتلك الكفارة بعينها وذكر باقي الحديث الأول فعلمنا بذلك أنهما حديث واحد لأن الرواة لهذا هم أولئك الذين رووا بأي شيء كان الإفطار وسياق الحديثين واحد فصح أن بعض الرواة عن الزهري فسر القصة وهم سفيان ومعمر والليث والأوزاعي ومنصور بن المعتمر وعراك بن مالك وأن بعضهم عن الزهري أجملها وهم مالك وابن
جريج إلا أنهم كلهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال علي وليس هكذا حديث السارقة والمستعيرة لأن الوطء في حال الصوم إفطار صحيح يقع عليه في الشريعة اسم إفطار على الحقيقة ولا يقع على السارق اسم مستعير جاحدا البتة ولا يقع على المستعير الجاحد اسم البتة وأيضا فقد روى حديث قطع المستعيرة ابن عمر ولم يذكر سرقة وإنما ذكر أمر السرقة عن عائشة فصح أنهما حديثان متغايران وهذا أيضا ما تعلق به المانعون من المسح على العمامة في حديث المغيرة فقالوا ذكره المسح على العمامة هو حديث واحد مع الذي فيه ذكر المسح على الناصية والعمامة قال علي وهذا خطأ لأن الوضوء لم يكن مرة واحدة منه ﵇ بل كانت آلافا من المرار فمن ادعى أن ذلك كله وضوء واحد في وقت واحد فقد دخل تحت الكذب والقول بما لا يعلم وهذا لا يحل لمسلم وأيضا فقد
стр. 388
روى المسح على العمامة والخمار من لم يذكر مسحا على الناصية أصلا وهم سلمان وبلال وكعب بن عجرة وعمرو بن أمية الضمري لا سيما المالكيين المانعين من الاقتصار على المسح للناصية فقط فإنهم لا متعلق لهم بحديث المغيرة أصلا وكل ما تعلقوا به بهذا الباب فهو حجة عليهم فصح بما ذكرنا أن حديث المغيرة وحديث من ذكرنا متغايران وبالله تعالى التوفيق فينبغي مراعاة هذا في النصوص ومثل ذلك من القرآن قول الله ﴿برآءة من لله ورسوله إلى لذين عاهدتم من لمشركين * فسيحوا في لأرض أربعة أشهر وعلموا أنكم غير معجزي لله وأن لله مخزي لكافرين﴾ ثم قال تعالى في تلك السورة نفسها بعد يسير ﴿وأذان من لله ورسوله إلى لناس يوم لحج لأكبر أن لله بريء من لمشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فعلموا أنكم غير معجزي لله وبشر لذين كفروا بعذاب أليم * إلا لذين عاهدتم من لمشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن لله يحب لمتقين * فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث
وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾
قال علي فوجدناه تعالى قد جعل مدة من عاهدوا من المشركين أربعة أشهر ثم وجدناه تعالى قد جعل مدة المشركين من يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر بنص تسمية رسول الله ﷺ بذلك انسلاخ الأشهر الحرم فليس بين الأمدين إلا خمسون يوما فعلمنا يقينا أن هؤلاء المشركين الذين جعل أمدهم شهرين غير عشرة أيام هم غير المشركين الذين عوهدوا أربعة أشهر وهذا ينبغي أن يتفقد جدا فإنه برفع الإشكال كثير وبالله تعالى التوفيق
стр. 389
فصل في عطف الأوامر بعضها على بعض
قال علي وقد يعطف أوامر مفروضات على غير مفروضات ويعطف غير مفروضات على مفروضات والأصل في ذلك أن كل أمر فهو فرض إلا ما خرج عن ذلك بضرورة حس أو بنص أو إجماع فإذا كانت أوامر معطوفات فخرج بعضها بأحد الدلائل التي ذكرنا عن الوجوب بقي سائرها على حكم المفهوم من الأوامر في الجملة ولا نبالي كان الخارج عن معهود حكمه هو الأول في الذكر أو الآخر أو الأوسط كل ذلك سواء وهو بمنزلة ما لو خرج بنسخ فإن سائرها يبقى على حكم الوجوب والطاعة فمن ذلك قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ فلولا الإجماع على أن الأكل من الثمر ليس فرضا لقلنا إنه فرض ولكن لما خرج عن أن يكون فرضا بدليل الإجماع بقي الفعل المعطوف عليه على حكم الوجوب وهو قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ قال علي وإنما آتينا بما يوافقنا عليه أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وإلا فقد تناقضوا في مثل هذا إلا أن
الحقيقة ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق
ومن ذلك أيضا فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا وزوروها يعني القبور ولا تقولوا هجرا الأمر الأول ندب الإجماع والثاني فرض وبالله تعالى التوفيق وكذلك قوله ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ كان السعي
стр. 390
خاصا للرجال دون النساء ولم يمنع ذلك الأمر بترك البيع من أن يكون فرضا فرضا على ظاهره وعاما لكل أحد من رجل أو امرأة ووافقنا على ذلك أصحاب مالك ومثل هذا كثير وبالله تعالى التوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل
فصل في تناقض القائلين بالوقف
هاك نبذ من تناقض القائلين بالوقف وحملهم أوامر كثيرة على وجوبها وعن ظاهرها بغير قرينة ولا دليل إلا مجرد الأمر وصيغة اللفظ فقط وما تعدوا فيه طريق الحق إلى أن أوجبوا فرائض لا دليل على إيجابها يدل على كثير تناقضهم وفساد قولهم قال علي إن القائلين بالوقف من المالكيين والشافعيين والحنفيين قد أوجبوا أحكاما كثيرة بأوامر وردت لا قرينة معها فكان نقضا لمذهبهم في الوقف وما قنعوا بذلك حتى أوجبوا فرائض بلا أوامر أصلا فمن أعجب ممن لم يوجب بأمر الله تعالى إنفاذ ما أمر به وأوجب أحكاما بغير أمر من الله تعالى فمن ذلك أن المالكيين قالوا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ فأبطلوا البيع بمجرد هذا الأمر ولم يقنعوا بذلك حتى أبطلوا ما لم يبطل الله من النكاح والإجازة تعديا لحدوده تعالى وقد تعلل بعضهم في هذا بأن لفظة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ لا يقع إلا للفرض قال علي وهذا ما لا يعرفه حامل لغة من العرب وقد قال تعالى ﴿وما قدروا لله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل لله على بشر من شيء قل من أنزل لكتاب لذي جآء به موسى نورا
وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل لله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ أفترى ذر في هذا المكان موجبة ترك الكفارة دون
وعظ ودعاء إلى الإيمان وقتل موسى وإغرام جزية وصغار وقال في قوله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ و ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم
стр. 391
القصاص في لقتلى لحر بالحر ولعبد بلعبد ولأنثى بلأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن عتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ و ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لصيام كما كتب على لذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ هذه فرائض وقالوا في قوله ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم لموت إن ترك خيرا لوصية للوالدين ولأقربين بلمعروف حقا على لمتقين﴾ فقالوا ليس هذا فرضا مع أمره ﵇ من عنده شيء يوصي فيه أن لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ففرقوا بلا دليل وقالوا في قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ هذا فرض وفي قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾
قالوا هذا فرض وكذلك قالوا في هدي العمرة وجزاء الصيد وقالوا بفرض التكبير في أول الصلاة والتسليم منها ذلك فرض وقالوا في حكم المصراة ذلك فرض وقالوا في التقويم على الشريك المعتق ذلك فرض وأوجبوا الزكاة في أموال الصغار بعموم قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم﴾ وبقوله ﵇ إن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ولم يوجبوا صدقة الفطر فرضا وقد جاء النص بأنه ﵇ فرضها وهي داخلة في جملة قوله ﵇ إن عليهم صدقة وفي جملة قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ وأجبوا الزكاة في الزيتون بقوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ ولم يروها في الرمان وقد ذكرهما تعالى في الآية ذكرا واحدا وأوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا لو ورد الأمر بذلك فقط
وأما الحنفيون فإنهم رأوا ألا تقف المرأة مع الرجل في الصلاة فرضا ورأوا الاستسعاء فرضا ولم يروا الإيتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولا مكاتبة من دعا إلى المكاتبة فرضا وكل ذلك مأمور به ورأوا تمتيع المطلقة التي لم تمس ولم يفرض لها صداق فرضا بقوله ﴿فمتعوهن﴾ ولم يروا ذلك فرضا لسائر المطلقات وقد قال تعالى ﴿وللمطلقات متاع بلمعروف حقا على لمتقين﴾ ومثل هذا كثير
стр. 392
ورأى الشافعيون الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فرضا ولم يروا التكبير في الركوع والرفع فرضا وقد جاء به الأمر ورأوا النية في الوضوء فرضا ولم يروا فعل الاستنثار فرضا وبكل ذلك جاء الأمر سواء ورأوا الخيار قبل التفرق في البيع فرضا ولم يروا الإشهاد فيه فرضا وبكل ذلك جاء الأمر ومثل هذا كثير ورأوا الإيتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولم يروا كتابة من دعا إلى المكاتبة مما ملكت أيمانكم فرضا وكلاهما جاء به الأمر مجيئا مستويا وفيم ذكرنا طرف يستدل به على تناقض من قال بالوقف وبالله تعالى التوفيق وقد ذكرنا أقسام الأوامر في كتاب التقريب فأغنى عن إعادتها وسنذكر إن شاء الله تعالى الدلائل المخرجة للأمر عن موضوعه في الإيجاب إلى سائر أقسامه في فصل آخر باب العموم التالي لكلامنا في هذا إن شاء الله وبالله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله الموفق للصواب
الباب الثالث عشر في حمل الأمر وسائر الألفاظ كلها على العموم وإبطال قول من قال في كل ذلك بالوقفأو الخصوص إلا ما أخرجه عن العموم دليل حق
قال علي اختلف الناس في هذا الباب فقالت طائفة لا تحمل الألفاظ إلا على الخصوص ومعنى ذلك حملها على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض وقال بعضهم بل نقف فلا نحملها على عموم ولا خصوص إلا بدليل فالقول الأول هو لبعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين والثاني لبعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين وقالت طائفة الواجب حمل كل لفظ على عمومه وهو كل ما يقع عليه لفظه المرتب في اللغة
стр. 393
للتعبير عن المعاني الواقعة تحته ثم اختلفوا على قولين فقالت طائفة منهم إنما يفعل ذلك بعد أن ينظر هل خص ذلك اللفظ شيء أم لا فإن وجدنا دليلا على ذلك صرنا إليه وإلا حملنا اللفظ على عمومه دون أن نطلب على العموم دليلا وهذا قول بعض الشافعيين وبعض الحنفيين وقالت طائفة الواجب حمل كل لفظ على عمومه وكل ما يقتضيه اسمه دون توقف ولا نظر لكن إن جاءنا دليل يوجب أن نخرج عن عمومه بعض ما يقتضيه لفظه صرنا إليه حينئذ وهذا قول جميع أصحاب الظاهر وبعض المالكيين وبعض الشافعيين وبعض الحنفيين وبهذا نأخذ وهو الذي لا يجوز غيره وإنما اختلف من ذكرنا على قدر ما بحضرتهم من المسائل على ما قدمنا من أقوالهم فيما خلا فإن وافقهم القول بالخصوص قالوا به وإن وافقهم القول بالعموم قالوا به فأصولهم معكوسة على فروعهم ودلائلهم مرتبة على ما توجبه مسائلهم وفي هذا عجب أن يكون الدليل على القول مطلوبا بعد اعتقاد القول وإنما فائدة الدليل وثمرته إنتاج ما يجب اعتقاده من الأقوال فمتى يهتدي من اعتقد قولا بلا دليل ثم جعل يطلب الأدلة بشرط موافقة قوله وإلا فهي مطرحة عنده قال علي وكل ما ذكرنا أنه يدخل على القائلين بالوقف أو التأويل في صرف
الأوامر عن الوجوب وصرف الألفاظ عن ظواهرها فهو أدخل على من قال بالوقف أو الخصوص ههنا ويدخل عليهم أيضا أشياء زائدة قال علي فما احتج به من ذهب إلى أن اللفظ لا يحمل على عمومه إلا بعد طلب دليل على الخصوص أو إلا بدليل على أنه على العموم أن قالوا ليست الألفاظ مقتضية للعموم بصيغها لما وجدت أبدا إلا كذلك كما لا يوجد اسم السواد على البياض فلما وجدنا ألفاظا ظاهرها العموم والمراد بها
стр. 394
الخصوص علمنا أنها لا تحمل على العموم إلا بدليل قال علي وقد تقدم إفسادنا لهذا الاستدلال فيما خلا من القول بالوجوب وبالظاهر ونقول ههنا إنه ليس وجودنا ألفاظا منقولة عن موضوعها في اللغة بموجب أن يبطل كل لفظ ويفسد وقوع الأسماء على مسمياتها ولو كان ذلك لكان وجودنا آيات منسوخة لا يجوز العمل بها موجبا لترك العمل بشيء من سائر الآيات كلها إلا بدليل يوجب العمل بها من غير لفظها ومن قال هذا فقد كفر بإجماع ومن لم يقله فقد تناقض ودل على فساد مذهبه وأما قولهم كما لا يوضع اسم السواد على البياض فقد يوضع أسود على غير اللون فيقال فلان أسود من فلان من معنى السيادة وليس ذلك بمبطل أن يكون السواد موضوعا لعدم الألوان وقد يقال للأسود أبو البيضاء وليس ذلك بمبطل أن يكون البياض موضوعا للون المفرق للبصر وقد احتج عليهم بعض من تقدم من القائلين بالعموم فقال ليس إلى وجود لفظ عام يراد به الخصوص سبيل البتة إلا بدليل وارد يبين أنه منقول عن مرتبته إلى غيرها كالدليل على تخصيص قوله تعالى ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي لقوم لمجرمين﴾ فصح بالنص وبالظاهر وبمقتضى اللفظ أنها لم تدمر من الأشياء إلا ما أمرت بتدميره وهذا لفظ خصوص لبعض الأشياء لا لفظ عموم لجميعها لكنه عموم لما قصد به قال وكذلك كل لفظ عموم أريد به الخصوص قال فلما صح ذلك بطل ما احتجوا به من وجودهم لفظا ظاهره العموم المطلق ويراد به الخصوص قال علي واحتجوا أيضا
فقالوا لم نجد قط خطابا إلا خاصا لا عاما فصح أن كل خطاب فإنما قصد به من بلغه الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم
قال علي هذا تشغيب جاهل متكلم بغير علم ليت شعري أين كان عن
стр. 395
قوله ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ وأيضا فإن الذي ذكر من توجه الخطاب إلى البالغين العقلاء العالمين بالأمر دون غيرهم فإنما ذلك بنص وارد فيهم فهو عموم لهم كلهم ولم نعن بقولنا بالعموم كل موجود في العالم وإنما عنينا كل من اقتضاه اللفظ الوارد وكل ما اقتضاه الخطاب فعلى هذا قلنا بالعموم وإنما أردنا حمل كل لفظ أتى على ما يقتضي ولو لم يقتض إلا اثنين من النوع فإن ذلك عموم لهما وإنما أنكرنا تخصيص ما اقتضاه اللفظ بلا دليل أو التوقف فيه بلا دليل مثل قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في لقتل إنه كان منصورا﴾ فقلنا هذا عموم لكل نفس حرمها الله من إنسان ملي أو ذمي لم يأتنا ما يوجب القتل لهما ومن قتل حيوانا نهي عن قتله إما لتملك غيرنا له أو لبعض الأمر ومثل قوله تعالى ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من لنسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا﴾ فإنما أنكرنا استباحة نفس بلا دليل ونكاح ما نكح الآباء ومن خالفنا لزمه ألا ينفذ تحريم قتل نفس إلا بدليل وألا يحرم كثيرا مما نكح الآباء إلا بدليل من غير هذه الآية مبين لكل عين في ذاتها وهذا يخرج إلى الوسواس وإلى إبطال التفاهم وبطلان اللغة وبطلان الدين ومثل قول رسول الله ﷺ البر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والملح بالملح ربا إلا هاء وهاء والذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء فوجب حمل كل ذلك على كل بر وكل شعير وكل تمر وكل ملح وكل ذهب وكل فضة وكقوله ﵇
كل مسكر حرام فوجب أن يحمل على كل مسكر وكل من تعدى هذا فقد أبطل حكم اللغة وحكم الديانة قال علي وشغبوا أيضا بآيات الوعيد مثل قوله تعالى ﴿وإن لفجار لفي جحيم﴾ ﴿إنآ أنزلنا لتوراة فيها هدى ونور يحكم بها لنبيون لذين أسلموا للذين هادوا ولربانيون ولأحبار بما ستحفظوا من كتاب لله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا لناس وخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لكافرون﴾ قالوا وهي
стр. 396
غير محمولة على عمومها
قال علي ولولا النصوص الواردة بقبول التوبة وبالموازنة وبغفران السيئات باجتناب الكبائر لوجب ضرورة حمل آيات الوعيد على ظاهرها وعمومها ولكن صرنا إلى بيان خطاب آخر وكذلك القول في الآية الأخرى وفي كل آية وخطاب حديث وخبر ونحن لا ننكر تخصيص العموم بدليل نص آخر أو ضرورة حس وإنما أنكرنا تخصيصه بلا دليل قال علي وسألونا أيضا فقالوا تعتقدون في أول سماعكم الآية والحديث قبل تفهمكم فالجواب إننا نعتقد العموم ولا بد من ذلك وإلا أننا في أول سماعنا وقبل تفقهنا لسنا مفتين ولا حكاما ولا منذرين حتى نتفقه فإذا تفقهنا حملنا حينئذ كل لفظ على ظاهره وعمومه وحكمنا بذلك وأفتينا وتدينا إلا ما قام عليه دليل أنه ليس على ظاهره وعمومه فنصير إليه ولو أن حاكما أو مفتيا لم يبلغه تخصيص ما بلغه من العموم لكان الفرض عليهما الحكم بالذي بلغهما من العموم والفتيا به وإلا فهما فاسقان حتى يبلغهما الخصوص فيصير إليه ثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول ماذا تعتقدون في الآية والحديث إذا سمعتموها قبل تفقهكم أتعتقدون في بطلان الطاعة لهما وأنهما منسوخان أو تعتقدون وجوب الطاعة لهما وأنهما مستعملان محكمان ما لم يقم دليل على نسخهما فإن قالوا نعتقد أنهما منسوخان وأنهما على الوقف فارقوا قول جميع المسلمين وأدى ذلك إلى إبطال جميع الشرائع ومفارقة الإسلام لأن الدليل الذي يطلب على بطلان النسخ ليس إلا آية أخرى أو نصا أو إجماعا ويلزمهم من الوقف في الآية الأخرى وفي الحديث الآخر أو من القول بأنهما منسوخان ما لزم في الخطاب الأول ولا فرق وهكذا أبدا ولزمهم الوقف أيضا في دعواهم الإجماع لعل ههنا خلافا فبطلت الديانة على
стр. 397
قولهم ووجب بهذا القول ألا يعمل أحد بشيء من الدين إذ لعل ههنا شيئا خصه أو شيئا نسخه وهذا خلاف دين الإسلام ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كل قول أدى إلى هذا وإن قالوا بل على أنهما محكمان حتى يقوم دليل على أنهما منسوخان رجعوا إلى الحق وهذا
يلزمهم في القول بالوقف أو الخصوص ولا فرق قال علي وشغبوا أيضا فقالوا نحن في الخطاب الوارد كالحاكم شهد عنده شاهدان فلا بد له من السؤال عنهما والتوقف حتى تصح عدالتهما
قال علي وهذا تشبيه فاسد لأن الشاهدين لو صح عندنا قبل شهادتهما أنهما عدلان فهما على تلك العدالة ولا يحل التوقف على شهادتهما والفرض إنفاذ الحكم بها ساعة يشهدان وكذلك ما أيقنا أنه خطاب الله تعالى أو خطاب رسوله ﷺ لنا وإنما نتوقف في الشاهدين إذا لم نعلمهما وكذلك نتوقف في الخبر إذا لم يصح عندنا أنه عن النبي ﷺ فلا نحكم بشيء من ذلك قال علي ومما احتجوا به أن قالوا قال الله تعالى ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي لقوم لمجرمين﴾ قال تعالى ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كلرميم﴾ وقال تعالى ﴿إني وجدت مرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم﴾ وقد علمنا أن الريح تدمر كل شيء في العالم وأن بلقيس لم تؤت كل شيء لأن سليمان ﵇ أوتي ما لم تؤت هي قال علي وهذا كله لا حجة لهم فيه أما قوله تعالى ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي لقوم لمجرمين﴾ فإنا قد قلنا إن الله تعالى لم يقل ذلك وأمسك بل قال تعالى ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي لقوم لمجرمين﴾ فصح بالنص عموم هذا اللفظ لأنه تعالى إنما قال إنها دمرت كل شيء على العموم من الأشياء التي أمرها الله تعالى بتدميرها فسقط احتجاجهم بهذه الآية وأما قوله ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا
стр. 398
جعلته كلرميم﴾ فهذه الآية مبطلة لقولهم لأنه إنما أخبر أنها دمرت كل شيء أتت عليه لا كل شيء لم تأت عليه فبطل تمويههم وأما قوله تعالى ﴿إني وجدت مرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم﴾ فإنما حكى تعالى هذا القول عن الهدهد ونحن لا نحتج بقول الهدهد وإنما نحتج بما قاله الله تعالى مخبرا به
لنا عن علمه أو ما حققه الله تعالى من خبر من نقل إلينا خبره وقد نقل تعالى إلينا عن اليهود والنصارى أقوالا كثيرة ليست مما تصح فإن قال قائل فإن سليمان ﵇ قال للهدهد ﴿قال سننظر أصدقت أم كنت من لكاذبين﴾ قلنا نعم ولكن لم يخبرنا الله تعالى أن الهدهد صدق في كل ما ذكر فلا حجة لهم في هذه الآية أصلا
ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق إذا احتججتم بهذه الآيات في حمل القرآن وكلام النبي ﷺ على الخصوص لا على العموم فالتزموا ذلك ولسنا نبعدكم عن هذه الآية التي احتججتم بها فنقول لكم قول الله تعالى ﴿ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات لله وحاق به ما كانوا به يستهزئون﴾ فأخبرونا على قوله تعالى في هذه الآية إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا أهو على عمومه أم يقولون إنها أغنت عنهم شيئا فإن قلتم كذبتم ربكم وإن لم تقولوا تركتم مذهبكم الفاسد ومثل هذا في القرآن كثير جدا بل هو الذي لا يوجد غيره أصلا في شيء من القرآن والكلام إلا في مواضع يسيرة قد قام الدليل على خصوصها ولولا قيام الدليل على خصوصها لم يحل لأحد أن يحملها إلا على العموم وبالله تعالى التوفيق قال علي وموهوا أيضا بما هو عليهم لا لهم وهو تردد بني إسرائيل في أمره تعالى لهم بذبح البقرة قال علي ومن كان هذا مقداره في العلم فحرام عليه الكلام فيه لأن الله تعالى ذمهم بذلك التوقف أشد الذم أفيسوغ لمسلم أن يقوي مذهبه بأنه
стр. 399
موافق لأمر ذمه الله ولو لم يكن في ترددهم إلا قولهم لموسى ﵇ ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ جوابا لقوله ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ ومن خاطبه نبي عن الله بأمر ما فجعله المخاطب هزوا فقد كفر قال علي فحسبهم وحسبنا لهم اقتداؤهم باليهود الحاملين كلام ربهم تعالى على أنه هزء واحتجوا بقوله ﴿بديع لسماوات ولأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ وهو غير مخلوق وبقوله تعالى ﴿لذين قال لهم لناس إن لناس قد
جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا لله ونعم لوكيل﴾ قال علي وإنما قال ذلك لهم بعض الناس وإنما كان الجامعون لهم بعض الناس لا كلهم
قال علي نحن لا ننكر أن يرد دليل يخرج بعض الألفاظ عن موضوعها في اللغة بل أجزنا ذلك وهاتان الآيتان قد قام البرهان الضروري على أن المراد بخلقه تعالى كل شيء أن ذلك في كل ما دونه على العموم وهذا مفهوم من نص الآية لأنه لما كان تعالى هو الذي خلق كل شيء ومن المحال أن يحدث أحد نفسه لضرورات براهين أحكمناها في كتاب الفصل صح أن اللفظ لم يأت قط لعموم الله تعالى فيما ذكر أنه خلقه وكذلك لما كان المخبرون لهؤلاء بأن ﴿لذين قال لهم لناس إن لناس قد جمعوا لكم فخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا لله ونعم لوكيل﴾ ناسا غير الناس الجامعين وكان الناس الجامعون لهم غير الناس المخبرين لهم وكانت الطائفتان معا غير المجموع لها علمنا أن اللفظ لم يقصد به إلا ما قام في العقل وإنما ننكر دعوى إخراج الألفاظ عن مفهومها بلا دليل وكذلك لا ننكر نسخ الأمر كله بدليل يقوم على ذلك وإنما ننكر دعوى النسخ بلا دليل قال علي وموهوا أيضا بأن قالوا لو كان للعموم صيغة تقتضيه ولفظ موضوع له لما كان لدخول التأكيد عليه معنى لأنه كان يكتفى في ذلك باللفظ الدال على العموم قال علي وهذا تعليم منهم لربهم أشياء استدركوها لا ندري ما ظنهم فيها
стр. 400
أنسيان أم فوات أم عمد وكل هذا كفر وهذا جري منهم على عادتهم في الحكم بالقياس في أشياء ادعوا أن ربهم تعالى لم يذكرها ولا حكم فيها ونحن نبرأ إلى الله تعالى من ذلك ونقول إنه لا علم لنا إلا ما علمنا وأن التأكيد في اللغة موجود كثير كتكراره تعالى ما كرر من الأخبار وكتكراره سورة واحدة ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وغيرها إحدى وثلاثين مرة ﴿يثبت لله لذين آمنوا بلقول لثابت في لحياة لدنيا وفي لآخرة ويضل لله لظالمين ويفعل لله ما يشآء﴾ و ﴿لا يسأل عما يفعل وهم
يسألون﴾ ولهذا أعظم الفائدة لأنه تعالى علم أنه سيكون في خلقه قوم أمثالهم يرومون إبطال الحقائق فحسم من دعاويهم ما شاء بالتأكيد وليقيم بذلك الحجة عليهم وترك التأكيد فيما شاء
ليضلوا فيها ويستحق منهم من قلد وعاند العذاب الأليم ويؤجر من أطاع وسلم الأجر الجزيل بمنه وطوله لا إله إلا هو ولو أنه تعالى لم يكرر ما كرر من أخبار الأمم السالفة ومن أمره فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة في غير ما موضع ومن أمره تعالى بالإيمان واجتناب الكفر في غير ما سورة ومن ذكر النار والجنة في غير ما سورة فما كان ذلك مسقطا لوجوب ما وجب من ذلك كله إذ كرره ولكان ذلك واجبا بذكره مرة واحدة كوجوبه إذا ذكر ألف ألف مرة ولا فرق ولكان الشك في خبر ذكر مرة واحدة أو تكذيبه يوجب الكفر كوجوب الكفر بالشك فيما كرره ألف مرة وكوجوب الكفر بتكذيبه ولا فرق وقد ذكر تعالى قصة موسى ﵇ في مواضع كثيرة من القرآن ولم يذكر قصة يوسف ﵇ إلا مرة واحدة ولا فرق عند أحد من الأمة بين صحة قصة يوسف وبين صحة قصة موسى ﵉ ومن شك في ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال فالتأكيد كالتكرار ولا فرق ولو لم يؤكد تعالى ما أكد لكان واجبا وعاما لا يقتضيه اسمه كوجوبه مع التأكيد ولا فرق وإنما معنى التأكيد كمعنى قول القائل أنا شهدت فلانا
стр. 401
ونظرت إليه بعيني هاتين وهو يفعل أمر كذا وقد علمنا أن النظر لا يكون إلا بالعينين وكذلك يقول سمعت بأذني والسمع لا يكون إلا بالأذنين ولو سكت عن ذلك لعلمنا من خبره كالذي علمنا إذا ذكر العينين والأذنين ولا فرق وأيضا فإن الاستثناء جائز بعد التأكيد كجوازه قبل التأكيد فنقول رأيت الوجوه إلا فلانا فلو كان التأكيد مخرجا للكلام عن الخصوص إلى العموم لما جاز فيه الاستثناء فصح أنه بمنزلة التكرار ولا فرق قال علي ثم نعكس عليهم سؤالهم الفاسد فنقول لهم لو جاز أن تكون صيغة العموم للخصوص لما جاز أن يدخل عليها للتأكيد
فينقلها إلى العموم وهذا لهم لازم لأنهم صححوا هذا السؤال فكل من صحح القضية فهي لازمة له وليست لازمة لمن يصححها ولا ابتدأ السؤال قال علي ولو صح قولهم لوجب أن يكون كل شيء انتقل عن حاله باطلا وأن يكون ذلك الانتقال دليلا على أن المنتقل لم يكن حقا لأنه يلزمهم أن الشيء لو كان
حقا لما صار باطلا ولما قام دليل على بطلانه ونحن نجد الحياة للإنسان باتصال النفس في الجسد ثم تذهب تلك الحياة وتبطل بيقين فيلزمهم إذ قالوا لو كان العموم حقا لما انتقل لفظه إلى خصوص أن يقولوا لو كانت الحياة حقا لما انتقل حاملها إلى الموت هذا مع افتقار دليلهم هذا إلى دليل وأنه دعوى مجردة ساقطة لأن دعواهم أن انتقال الشيء عن مرتبته مبطل لكونها مرتبة لها دعوى ساقطة يشبه سؤال السوفسطائية واليهود وقد أبطلنا استدلالهم في ذلك في كتاب الفصل بحمد الله تعالى قال علي وقالوا أيضا لو كان العموم حقا لما حسن الاستثناء منه وصرفه بذلك إلى الخصوص قال علي وهذا غاية التمويه لأن العموم صيغة ورود اللفظ الجامع
стр. 402
لأشياء ركب ذلك اللفظ عليها فإذا جاء الاستثناء كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معا صيغة للخصوص وهذا نص قولنا فورود الاستثناء عبارة عن الخصوص وعدم الاستثناء عبارة عن العموم قال علي ثم يعكس عليهم هذا السؤال نفسه فيقال لهم لو كان للخصوص صيغة لما كان للاستثناء معنى لأنه لم يكن يستفاد به فائدة أكثر مما يفهم من اللفظ قبل ورود الاستثناء وقد قدمنا أنه إنما يلزم القضية من صححها وسأل بها وأما نحن فهذه كلها سؤالات فاسدة ولكنها لهم لازمة إذا ابتدؤوا بالسؤال بها وقالوا أيضا لو كان اللفظ يقتضي العموم ما حسن فيه الاستفهام أخصوصا أراد أم عموما فلما حسن فيه الاستفهام علمنا أنه لا يقتضي العموم بنص لفظه قال علي وهذا كالأول وإنما يحسن الاستفهام من جاهل بحدود الكلام واستفهام المستفهم عن الآية أو الحديث مذموم وقد أنكر ذلك رسول الله ﷺ وقال
اتركوني ما تركتكم ثم نعكس عليهم هذا السؤال نفسه فنقول لهم لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص لما كان للاستفهام معنى قالوا ألا ترى أن السؤال والاستفهام لا يحسن في الخبر عن الواحد لأنه مفهوم من نص لفظه قال علي وهذا خطأ لأن الاستفهام يحسن في الواحد كحسنه في العموم وذلك
أن يقول القائل أتاني اليوم زيد فيقول السامع أجاءك زيد نفسه إما على سبيل الإكبار وإما على سبيل السرور أو على بعض الوجوه المشاهدة وهذا أمر معلوم لا ينكره ذو عقل وقد يحسن ذلك الشريعة أيضا من طالب راحة أو تخفيف كما سأل ابن أم مكتوم إذ نزلت آية المجاهدين فطلب أن يخرج له عذر من عموم اللفظ الوارد وقد كان له كفاية في غير هذه
стр. 403
الآية في قوله تعالى ﴿ليس على لضعفآء ولا على لمرضى ولا على لذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على لمحسنين من سبيل ولله غفور رحيم﴾ وما أشبه ذلك وكسؤال العباس في الإذخر فاستثنى من العموم في النهي عن أن يختلى خلا الحرم بمكة وقد يحسن أيضا الاستفهام في العدد كقول القائل أتاني عشرة من الناس في أمر كذا فيقول له السامع أعشرة فيقول نعم وذلك نحو قول الله ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ فقد كنا نعلم لو لم يذكر تعالى العشرة إن ثلاثة وسبعة عشرة وقد كنا نعلم بقوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن
لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ إنها عشرة ولكنه تعالى ذكر ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ ٢ كما شاء فلما صح كل ما ذكرناه وحسن الاستفهام عن اسم واحد وعن العدد وهو لا يحتمل صرفا عن وجهه أصلا ولم يكن ذلك مجيزا لوقوع اسم الواحد على أكثر من واحد وكذلك في العدد لم يكن أيضا وقوع الاستفهام في العموم موجبا لإسقاط حمله على العموم وبالله تعالى التوفيق وقالوا أيضا أرأيتم قولكم بالعموم أبعموم قلتموه وعلمتم صحته أم بغير عموم قال علي وهذا من الهذيان الذي قد تقدم إبطالنا إياه في كلامنا في حجة العقل وهو سخف أتى به بعض السوفسطائيين القاصدين إبطال الحقائق وهو ينعكس عليهم في قولهم بالخصوص وفي قولهم بالوقف فيقال لهم أرأيتم قولكم بالوقف أبوقف قلتموه وعلمتموه أم بغير وقف وأرأيتم قولكم بالخصوص أبخصوص قلتموه وعلمتموه أم بغير خصوص والجواب الصحيح المبين لجهلهم هو أننا نقول وبالله تعالى التوفيق إنما قلنا
بالعموم استدلالا بضرورة العقل الحاكم بأن اللغة إنما هي رتبت لكل معنى في العالم عبارة مبينة عنه موجبة للتفاهم بين المخاطب والمخاطب ولأننا وجدنا الأجناس العامة للأنواع الكثيرة ووجدنا الأنواع العامة للأشخاص الكثيرة يخبر
стр. 404
عنها بأخبار وترد فيها شرائع لوازم فلا بد ضرورة من لفظ يخبر به عن الجنس كله وهذا لا بد منه وإلا بطل الخبر عن الأجناس وهذا ما لا سبيل إليه أصلا ولا بد أيضا من لفظ يحضر به عن بعض ما تحت الجنس ليفهم المخاطب بذلك ما يريد ومبطل هذا مبطل للعيان جاحد للضرورات وسألوا أيضا فقالوا إن كان قولكم بالعموم والظاهر حقا فما قولكم فيمن سمع آية قطع يد السارق وآية جلد الزناة وآية تحريم المرضعات لنا والراضعات معنا ولم يسمع أحاديث التخصيص لكل ذلك ولا آية التخصيص للإماء أتأمرونه بقطع يد من سرق فلسا من ذهب وبجلد الأمة والعبد مائة مائة إذا زنيا وتحرمون من أرضعت رضعتين وتقولون إنه مأمور من عند الله تعالى بذلك فلزمكم القول بأنه مأمور بما لم يأمر به والقول بأنه مأمور بالباطل أو تأمرونه بألا ينفذ شيئا من ذلك حتى يطلب الدليل فيتركون القول العموم بالظاهر قال علي فنقول وبالله تعالى التوفيق إن الله تعالى لم يأمر قط بقطع سارق أقل من ربع دينار ذهبا ولا حرم قط من أرضعت أقل من خمس رضعات ولا أمر قط بجلد العبد والأمة أكثر من خمسين لأن الرسول ﵇ قد بين كل ذلك وكلامه ﵇ وكلام ربه سواء في أنه كله وحي وفي أنه كله لازمة طاعته فالآيات التي ذكروا والأحاديث المبينة لها مضموم كل ذلك بعضه إلى بعض غير مفصول منه شيء عن آخر بل هو كله كآية واحدة أو كلمة واحدة ولا يجوز لأحد أن يأخذ ببعض النص الوارد دون بعض وهذه النصوص وإن فرقت في التلاوة فالتلاوة غير الحكم ولم تفرق في الحكم قط بل بين النبي ﷺ ذلك مع ورود الآي معا ولا يفرق بين قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
стр. 405
أيديهما جزآء بما
كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ مع قوله ﵇ لا قطع في أقل من ربع دينارفصاعدا وبين قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم لطوفان وهم ظالمون﴾
وكذلك لا فرق بين قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ وبين نزول خمس رضعات محرمات ناسخة لعشر محرمات وبين قول القائل لا إله إلا الله فلا يجوز أن يفصل شيء من ذلك في الحكم عن بيانه كما لا يحل لأحد أن يأخذ القائل لا إله إلا الله في بعض كلامه دون بعض فيقضي عليه بقوله لا إله بالكفر لكن نضم كلامه كله بعضه إلى بعض فنأخذه بكلامه وكذلك إذا نزلت الآية المجملة أتى بعقبها الأحاديث المفسرات فكان ذلك مضمونا بعضه إلى بعض ومستثنى بعضه من بعض ومعطوفا بعضه على بعض فبطل ما راموا أن يموهوا به وصح أنه سؤال فاسد وأن الذين خوطبوا بالآيات المذكورات خوطبوا ببيانها معا وأما نحن فكل إنسان منا فلا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون لم يتفقه في الدين أو يكون قد تفقه في الدين ولا سبيل إلى وجه ثالث فالذي لم يتفقه في الدين وليس من الذين خاطبهم الله بقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ ولا من الذين خوطبوا بالفتيا والحكم في تحريم المرضعات ولا من المأمورين بجلد الزناة وإنما أمر بذلك كله الفقهاء والحكام العالمون باللغة والفقه بلا خلاف من أحد من المسلمين في ذلك وقد بين تعالى ذلك بقوله ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
لعلهم يحذرون﴾ فصح بالنص أنه ليس كل أحد مأمورا بالتفقه في غير ما يخصه في نفسه فصح بما ذكرنا أن المأمورين بتنفيذ الأحكام والفتيا في الدين الفقهاء الذين قد سمعوا النصوص كلها وعرفوها وعرفوا الإجماع والاختلاف وأن كل من كان بخلاف هذه الصفة فلم يأمر قط بقطع من سرق جبالا من ذهب ولا بأن يفتي في تحريم من أرضعت ألف رضعة ولا بجلد زان
стр. 406
حرا أو عبدا وكل متفقه فقبل أن يكمل تعلم النصوص والإجماع فهو غير مأمور ولا مخاطب بالحكم في شيء ولا بالفتيا في شيء لكنه مأمور بالطلب
والتعليم فإذا فقه فحينئذ لزمه تنفيذ ما سمع على عمومه وظاهره ما لم يأت نص بنسخ أو تخصيص أو تأويل فبطل سؤالهم بطلانا ظاهرا والحمد لله تعالى ولكنا نقول لو أن امرأ سمع هذه الآيات ولم يسمع ما خصصها لكان حكى العمل بما يبلغه التخصيص فيلزمه حينئذ كما قلنا في المنسوخ سواء بسواء وليس بعد النبي ﷺ من أحاط بجميع العلم وإنما يلزم كل واحد ما بلغه وقد رجم عثمان التي ولدت لستة أشهر وقد أمر عمر برجم مجنونة حتى نهاه علي عن ذلك وأخبره بأن النبي ﷺ أخبر أن القلم مرفوع عن المجنون قال علي وهم تناقضوا في هذه الآيات بلا دليل فحملوا بعضها على العموم وبعضها على الخصوص فتركوا قولهم بالوقف وحملوا على العموم ما قد صح الخصوص فيه واعترضوا أيضا بأن قالوا لما كان المعهود أن يقول القائلون جاءني بنو تميم وفسد الناس ولا خير في واحد وذهب الخلق وذهب الوفاء ولا يكون ذلك كذبا وقد تيقنا أنه لم يرد بذلك جميع بني تميم ولا جميع الناس ولا جميع الأحدين ولا جميع الخير ولا جميع الخلق ولا الوفاء كله صح الخصوص قال علي وهؤلاء القوم لا ندري مع من يتكلمون ونحن لم ننكر أن يكون في اللغة ألفاظ يقوم الدليل على أنها مخصوصات وكل ما ذكروا فقد قام الدليل على أنه ليس على عمومه كما قام الدليل على أن آيات كثيرة أنها منسوخة لا يحل العمل بها فلما لم يكن كل ذلك واجبا أن تحمل النسخ من أجله على سائر الآيات لم يكن أيضا واجبا أن نحمل التخصيص على كل لفظ من
стр. 407
أجل وجودنا ألفاظا كثيرة قد قام الدليل على أنها مخصوصة ولكن القوم يسوموننا إذا وجدنا لفظا منقولا عن موضوعه في اللغة أن نحكم بذلك في كل لفظ وفي هذا إبطال اللغة كلها وإبطال التفاهم وإيجاب للحكم بلا دليل والدليل الذي قام على تخصيص ما ذكروا علمنا أنه لو أراد به العموم لكان كاذبا وأما لو أمكن أن يكون صادقا لما انتقل عن عمومه إلا بدليل قال علي وقالوا أيضا قد اتفقنا
على وجوب استعمال الخطاب على بعض ما اقتضاه واختلفنا في سائره فلا يلزمنا إلا ما اتفقنا عليه قيل لهم وبالله تعالى التوفيق هذا اعتراض فاسد من وجوه كثيرة أحدها أنه خلاف النصوص والعقول والإجماع لأن الأمة مجمعة والعقول قاضية والنصوص من
القرآن والسنن واردة كل ذلك متفق أن ما قام عليه دليل برهاني فواجب المصير إليه وإن اختلف الناس فيه وواجب ألا نقتصر على ما أجمع عليه دون ما اختلف فيه إلا في المسائل التي لا دليل عليها إلا الإجماع المجرد المنقول إلى النبي ﷺ وأيضا فقد قال تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فأمر تعالى عند التنازع بالرد إلى القرآن والسنة ودلائلهما قد قامت بوجوب حمل الألفاظ على موضوعها في اللغة وأيضا فإن هذا من سؤالات اليهود إذ قالوا قد وافقتمونا على نبوة موسى ﵇ وخالفناكم في نبوة محمد ﷺ وهذا سؤال فاسد لأن الدلائل التي أوجبت تصديق موسى ﵇ هي التي أوجبت تصديق محمد ﷺ فإن لم يجب بها تصديق نبوة محمد ﷺ لم يجب بها تصديق نبوة موسى ﵇ وكذلك الدلائل التي دلت
стр. 408
على حمل لفظ الخصوص هي التي دلت على حمل العموم على العمل والدلائل التي دلت على حمله على سائره الذي خالفتمونا فيه ولا فرق وأيضا فإنهم مناقضون لهذا القول لأنه كان يلزمهم على ذلك ألا يقتلوا مشركا إلا مشركا اتفقوا على قتله وهم لا يفعلون لأن قائل هذا إن كان مالكيا فقد ناقض لأنه لم يقتل المرأة المرتدة ولم يتفق على قتلها ويقتل ولد المرتد الحادث له الردة إذا بلغ ولم يسلم وابن ابنه كذلك ولم يتفق على قتلهم ويقتل المشرك إذا سب النبي ﷺ ولم يتفق على قتله وإن كان شافعيا فكذلك أيضا ويقتل زائدا على من ذكرنا
من خرج من اليهودية إلى النصرانية ومن خرج من النصرانية إلى اليهودية إلا أن يسلم وإن كان حنفيا فهم يقتلون المسلم المختلف في قتله إذا قتل كافرا بعموم قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ وأن من تورع عن قتل كافر قد أباح الله تعالى قتله وجاء النص بقتله وأقدم على قتل مسلم قد حرم الله دمه عموما وخصوصا بعموم آية لم نخاطب بها ولا ألزمنا الحكم بما فيها لعظيم الجرم قليل الورع مقدم على أكبر الكبائر وبالله تعالى التوفيق
وكذلك إن قال لا أقطع إلا سارقا اتفق على قطعه فهم أيضا ينكرون ذلك لأنهم نعني المالكيين يقطعون في أقل من عشرة دراهم وليس متفقا عليه ويقطعون في الزرنيخ والنورة والفاكهة واللحم وليس القطع في ذلك إجماعا والحنفيون يقطعون من سرق شيئا مغصوبا من مال الغاصب وليس قطعهم إجماعا ويلزمهم بهذا القول إلا يقولوا إلا بما أجمع عليه قال علي وهم لا يفعلون ذلك البتة فقد أفسدوا دليلهم وبالله تعالى التوفيق فإنه يقال لهم أبنص صح عندكم هذا القول أم بإجماع فإن قالوا
стр. 409
بنص أو ذكروا دليلا ما كذبوا وادعوا ما لا يجدون أبدا وكانوا مع كذبهم قد تركوا قولهم بألا يقولوا إلا بما أجمع عليه لأنهم يقولون بالنص وإن خالف الإجماع وإن قالوا قلنا ذلك بإجماع كذبوا وجاهروا وبالجملة فهذا مذهب لم يخلق له معتقد قط وهو ألا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع بل قد أصبح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدا له كافل بلا خوف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها قال علي وقالوا أيضا إن على المراد بالكلام دلائل تدل على الرضا والسخط من تغيير اللون وحدة الأمر والنجه والبشر قيل لهم وبالله تعالى التوفيق ليس هذا مما نحن فيه ولا كون هذه الأحوال مما يمنع من إخراج الأمر على العموم ثم نعكس عليهم هذا في قولهم بالخصوص والوقف فيلزمهم الوقف إلى أن يجتمعوا بالنبي ﷺ يوم القيامة وفي هذا إبطال الدين والخروج عن الإسلام وتشبه هذه التساؤلات أن تكون سؤالات ملحد جاهل قليل الحياء وقالوا أيضا إنكم اعتقدتم العموم فيما أراد الله تعالى به الخصوص فقد خالفتموه قيل لهم وأنتم إن أردتم الخصوص فيما أراد الله ﵎ العموم فقد خالفتموه وإن اعتقدتم الوقف فيها حكم الله تعالى فيه بما حكم من عموم أو خصوص فلا بد من أحدهما فقد خالفتم الله بيقين لا شك فيه ولا شك في أن الله تعالى لم يرد قط في شيء من أحكامه وقفا
بل أنفذ تعالى الحكم بما أنفذ
وأيضا فنحن قاطعون على أن كل أمر لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على عمومه فهو على
стр. 410
عمومه بلا شك ولا مرية نقطع على ذلك عند الله ونقطع أيضا بأن كل من بلغه العموم ولم يبلغه الخصوص أو بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ فإن الله تعالى لم يلزمه قط إلا ما بلغه لا ما لم يبلغه قال تعالى ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾ ونقطع بأن هذا كله هو الحق عند الله لنصه تعالى على أن عليه بيانه فما لم يبين على غير وجهه فقد تيقنا على أنه مراد منا على اقتضاء لفظه ولا بد قال علي فهذه اعتراضاتهم كلها قد استوعبناها ونقضناها وبينا فسادها كلها وانعكاسها عليهم من فسادها بحمد الله تعالى ونحن الآن شارعون بتوفيق الله تعالى لنا وعونه إيانا في إيراد البراهين على بطلان قولهم ووجوب حمل الألفاظ على عمومها وبالله تعالى التوفيق قال علي واحتج من سلف من القائلين بالعموم المخالفين في ذلك فقال لو كان الخطاب على الوقف أو الخصوص حتى يقوم الدليل على العموم لكان ذلك الدليل لا ينفك ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما وإما أن يكون لفظا بخطاب أو معنى مستخرجا من خطاب فإن كان خطابا فالخطاب الثاني كالأول ولا فرق إن كان يدل بنفسه على العموم فالأول مثله وإن كان الأول لا يدل بنفسه على أنه على العموم فالثاني لا يدل أيضا وإن كان معنى مستخرجا من خطاب فلا يجوز أن يكون المعنى المستخرج من الخطاب أقوى من الخطاب الذي منه استخرج وهذا يقتضي وجوب خطابات لا نهاية لها وهذا ممتنع لا سبيل إليه ويؤدي أيضا إلى إبطال فهم كل خطاب أصلا وقالوا أيضا إننا وجدنا في اللغة أسماء للواحد لا تتعداه كزيد وكرجل من شأنه وصفته فلا يعقل منه أكثر من واحد ووجدنا فيها أسماء التثنية لا تقع على
واحد ولا على أكثر من اثنين ووجدنا أيضا لفظا للجمع الزائد على الاثنين فكان ذلك واقفا على كل ما يقتضيه الجمع إلا أن
стр. 411
يأتي بيان باستثناء أو بصفة أو بعدد يختص بذلك بعض الجمع دون بعض فتصير إليه
وقالوا يقال لمن قال بالخصوص ما معنى قولكم هذا خصوص فلا جواب لهم إلا أن يقولوا هو حمل للاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض مثل قوله تعالى ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ فيقولون هذا على بعض المشركين دون بعض فيقال لهم فبأي شيء استحق عندكم هذا البعض الذي حملتم اللفظ عليه أن يكون محمولا عليه ذلك اللفظ دون سائر من أخرجتم عنه وما الفرق بينكم وبين من قال بل اللفظ محمول على الذي أخرجتم عنه أنتم وغير محمول على الذين حملتموه أنتم عليه فإن قالوا الدليل كذا صاروا إلى أن التخصيص إنما كان بدليل غير حمل اللفظ على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل وهذا الأمر لا ننكره بل نقول متى قام الدليل على التخصيص صرنا إليه وبطل بهذا حمل الاسم على بعض ما يقتضيه دون بعض بغير دليل فذلك ما أردنا أن نبين وهذا ترك منهم لمذهبهم الفاسد وإن لم يكن بأيديهم إلا الاقتصار على التخصيص لمن خصوا بلا دليل حصلوا على التحكم والدعوى وكل دعوى بلا دليل فهي ساقطة وبالله تعالى التوفيق احتجوا على القائلين بالوقف فقالوا هذا القول إلى متى يكون فإن حدوا حدا كانوا متحكمين بلا دليل وإن قالوا حتى ننظر في دلائل القرآن والسنة سألناهم فقلنا لهم فإن لم تجدوا دليلا على عموم ولا خصوص ولم تجدوا غير اللفظ الوارد ماذا تصنعون فإن قالوا نقف أبدا أقروا بالعصيان ومخالفة الأوامر وأدى قولهم إلى أن الله يبين مراده وأن الرسول ﷺ لم يبين ولم يبلغ وهذا كفر وإن قالوا
стр. 412
إن لم نجد دليل على الخصوص صرنا إلى العموم فقد رجعوا إلى ما نكروا وأقروا
بأنهم إنما حملوا الكلام على العموم بصيغته ولفظه وبعدم الدليل على الخصوص وهذا هو نفس قولنا الذي أبوه أولا عادوا إليه من قريب فإن قال قائل إن هذا لا يوجد لزمهم السؤال الذي سألنا به أولا من قولنا لهم هل يخلو الدليل من أن يكون لفظا آخر أو معنى مستخرجا من لفظ وألزمهم إيقاظ التفاهم أبدا وأيضا فإن ذلك موجود وقد قال تعالى ﴿إن لله يأمركم أن تؤدوا لأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين لناس أن تحكموا بلعدل إن لله نعما يعظكم به إن لله كان سميعا بصيرا﴾ ولم تؤكد بشيء أصلا وهذا عندهم محمول على عمومه وقد قال
تعالى ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من لنسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا﴾ ولم يأت بتوكيد زائد فحملوه على عمومه دون دليل غيره وارد اللفظ فقط ومثل هذا كثير جدا بل هو الأكثر في القرآن والسنة وإنما ادعوا الخصوص في مسائل يسيرة وليس هذا مكان احتجاجهم بقرينة الوعيد لأننا إنما نكلمهم في عموم كل ما اقتضاه اللفظ لا في الوجوب وقد حمل مالك قوله تعالى ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ على عموم جميع المساجد بنص اللفظ لا بدليل زائد ولا بيان وارد وحمل قوله تعالى ﴿ولذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بلله إنه لمن لصادقين﴾ على جميع الأزواج بلا دليل زائد وليس شيء من ذلك إجماعا وحمل هو وأبو حنيفة قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ على عمومه في النكاح والوطء بملك اليمين وحملوا كلهم أيضا قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا
بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ على عموم بلا دليل بل الدليل قام على خصوص ذلك فأبوا من قبوله فبان تناقضهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق قال علي ويلزمهم أيضا ألا يحكموا بالإجماع إذ لعل ههنا خلافا لم يبلغهم ولا يحكموا بنص إذ لعله منسوخ ولا يقاس لأن القياس لا يكون إلا على نص أو إجماع والوقف واجب في النقص والإجماع فبطل الدين كله
стр. 413
على قول هؤلاء القوم قال علي ويقال لهم ما الفرق بينكم وبين من خص بالخطاب بعض الأزمان دون بعض كما خصصتم أنتم بعض الأعيان دون بعض فإن قالوا إن محمدا ﷺ إنما بعث ليحكم في كل زمان قيل لهم وكذلك أيضا بعث ﵇ ليحكم على كل أحد في كل عين ولا فرق
قال علي وقد بينا في غير ما مكان أن اللغة إنما وضعت ليقع بها التفاهم فلا بد لكل معنى من اسم مختص به فلا بد لعموم الأجناس من اسم ولعموم كل نوع من اسم وهكذا أبدا إلى أن يكون لكل شخص اسمه ومن سعى في إبطال هذا فهو سوفسطائي على الحقيقة عاكس للأمور على وجوهها مفسد للحقائق ويأبى الله إلا أن يتم نوره قال علي ولا فرق بين الأخبار بالأوامر في كل ذلك وكل اسم فهو يقتضي عموم ما يقع تحته ولا يتعدى إلى غير ما يقع تحته والوعد والوعيد في كل ذلك كسائر الخطاب ولا فرق والحديث والقرآن كله كاللفظة الواحدة فلا يحكم بآية دون أخرى ولا بحديث دون آخر بل بضم كل ذلك بعضه إلى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل ويقال لهم ما الفرق بينكم وبين من قال لعل الخطاب الوارد إنما خص به الصحابة دون غيرهم فكل ما قالوا ههنا فهو مردود عليهم في دعواهم خصوص بعض ما يقع عليه الخطاب دون بعض ويقال لهم بأي شيء استجزتم قتل من قتلتم من المشركين وقطع من قطعتم من السراق وجلدتم من جلدتم من الزناة وحد من حددتم من القذفة وخصصتموهم بإيقاع هذه الأحكام عليهم دون سائر من يقع عليه اسم زان أو قاتل أو قاذف أو سارق فهل ههنا إلا أنهم سرقوا وقتلوا وزنوا
стр. 414
وقذفوا فهكذا فعل غيركم ممن أخرجتموه من الخطاب وأسقطتم عنه ما حملتم على هؤلاء فلأي معنى خصصتم من أمضيتم عليه الحكم دون من لم تمضوه عليه فإن قالوا بدلائل دلت على ذلك لم نأب ذلك وقلنا لهم هذا قولنا وحسبنا أننا قد أزلناكم عن الحكم بالخصوص المجرد الذي هو الافتراء على الله في الحكم عنه تعالى بما لم يأذن به وقد رام قوم أن يفرقوا بين الأوامر والأخبار واحتجوا بأنهم مضطرون إلى العمل بالأوامر وليست الأخبار كذلك وقال علي وهذا فرق فاسد لأننا مضطرون إلى وجوب اعتقاد صحة الأخبار وإلى الإقرار بها وهي التي وردت بها النصوص كما نحن مضطرون إلى العمل بالأوامر ولا فرق
والاعتقاد الصحيح فعل الله تعالى في النفس والإقرار بالمعتقد فعل النفس
بتحريكها آلات الكلام من اللسان والحنك ومخارج الحروف فلا بد لها من أن تخص بالإقرار بما اعتقدت أو تعم وخوف الخطأ في العمل في الأوامر كخوف الخطأ في الاعتقاد للأخبار على ما لا يجوز واعتقاد الباطل لا يجوز كما لا يجوز العمل بالباطل فصح أن الأخبار كالأوامر ولا فرق واحتج بعض من سلف من القائلين بالعموم على القائلين بالخصوص فقال ما تقولون في قوله تعالى ﴿لله وخاتم﴾ للنبيين من العرب دون غيرهم أم عموم بنفس اللفظ فإن قالوا خصوص كفروا وإن قالوا عموم بنفس اللفظ تركوا لمذهبهم الفاسد فإن ادعوا أن ذلك إجماع لزمهم ألا يقولوا إلا بما أجمع عليه فقط وقد قدمنا إفساد هذا القول فإنهم لو قالوا لكانوا بذلك خارجين عن الإجماع لأن الأمة مجمعة على أن الاقتصار على القول بالإجماع فقط دون الائتمار للنصوص وإن وقع فيها اختلاف حرام لا يفعله مسلم ولا يسع مسلم فعله والنص من القرآن والسنن جاء بوجوب طاعة النبي
стр. 415
صلى الله عليه وسلم وتحكيمه عند التنازع والاختلاف وأيضا فهم لا يفعلون ذلك فسقط تعلقهم بكل وجه بحمد الله تعالى فإن قالوا علمنا أنه ﵇ آخر النبيين بقوله ﷺ لا نبي بعدي قيل لهم وبالله تعالى التوفيق وهذا يحتمل من الخصوص ما تحمله سائر النصوص ولا فرق ولعله أنه أراد لا نبي بعدي من العرب أو في الحجاز أو إلى مائة عام أو ما أشبه ذلك كما زعمت العيسوية من اليهود والجرمدانية القائلون بتواتر الرسل والغالية التي قالت بنبوة علي ونزيع والمغيرة ومنصور الكسف بالكوفة وبيان وأبي الخطاب وأيضا فإن الإجماع إذ قد صح على ذلك فهو أعظم الحجج عليهم لإجماع الأمة على حمل هذا الخطاب على عمومه وكذلك يسألون عن قوله ﷺ بعثت إلى الأحمر والأسود وهذا يحتمل من الخصوص ما احتمله ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وما احتمله قوله
﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾
فلأي معنى خصصتم أحد الخطابين بلا دليل وحملتم الآخر على عمومه بلا دليل إلا نفس اللفظ فقط واحتج عليهم بعض من سلف من القائلين بالعموم بأن قال إنكم متفقون على أن اللفظ إذا ورد فيه تأكيد فإنه محمول على عمومه قال فيقال لهم إن التأكيد يحتمل من الخصوص مثل ما يحتمل الخطاب المؤكد ولا فرق وقد جاء النص بذلك فقال تعالى ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ فجاء الاستثناء بعد تأكيدين اثنين
стр. 416
قال علي قال تعالى ﴿ولكن حق لقول مني لأملأن جهنم من لجنة والناس أجمعين﴾ ثم جاء الاستثناء بقوله ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون﴾ وقال تعالى مخاطبا لإبليس ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ثم جاء الاستثناء فيمن تاب عن اتباع إبليس وفيمن تساوت حسناته وسيئاته التي اتبع فيها إبليس فجاء التخصيص كما ترى بعد التأكيد فبطل احتجاجهم بالتأكيد ولزمهم ألا يحملوا خطابا على عمومه أبدا أكد أو لم يؤكد ولزمهم الوقف أبدا وألا ينتفعوا بتأكيد ولا غيره فإن قالوا إنه يلزمهم إذا ورد الاستثناء أن تقرروا بأن ذلك الخطاب أريد به الخصوص قلنا لهم وكذلك نقول ولسنا معترضين على ربنا تعالى ولا على نبينا ﷺ ولا نعلم إلا ما علمنا تعالى ولا ننكر صرفهما الألفاظ عن وجوهها ولا شرعهما الشرائع علينا ولا تحريم ما حرما ولا تحليل ما حللا ولو أمرانا بقتل آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا لسارعنا إلى ذلك مبادرين أو أمسكنا مقرين بالمعصية غير داعين إلى ضلالة ولا مصوبين لذنوبنا بل مستغفرين الله تعالى من ذلك راغبين في التوبة قال علي وما أخوفني أن يكون ملقي هاتين النكتتين من القول بالوقف في اتباع الظاهر وفي الوجوب وفي العموم وفي الفور ومن القول بصرف الألفاظ الواردة عن الله
تعالى ورسوله ﷺ إلى تأويل بلا دليل وإلى سقوط الوجوب بلا دليل وإلى الخصوص بلا دليل وإلى التراخي بلا دليل كافرا مشركا زنديقا مدلسا على المسلمين ساعيا في إبطال الديانة فإن هذه الملة الزهراء الحنيفية السمحة كيدت من وجوه خمسة وبغيت الغوائل من طرق شتى ونصبت لها الحبائل من سبل خفية وسعي عليها بالحيل الغامضة وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم وتسمى باسمهم ودس لهم سم الأساود في
стр. 417
الشهد والماء البارد فلطف لهم في مخالفة القرآن والسنة فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه وبه تعالى نستعيذ من البلاء ونسأله العصمة بمنه لا إله إلا هو فلتسؤ ظنونكم أيها الناس بمن يحسن لكم مفارقة ظاهر كلام ربكم تعالى أو كلام نبيكم ﷺ بغير بيان منها أو إجماع من جميع الأمة وبمن يزين لكم التأخر عن طاعتها ويسهل عليكم ترك الانقياد لهما ويقرب لديكم التحكم في خطابهما والفرق بينهما بطاعة بعض ومعصية بعض وهذا هو التخصيص الذي يدعونه بلا دليل وبالله نعتصم قال علي ويلزمهم إذا أجازوا تخصيص ألفاظ القرآن والسنن بلا دليل أو الوقف فيها أن يجيزوا مثل ذلك في الأعداد ولا فرق فيقفوا فيما أوجب الله تعالى من صيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار وكفارة القتل وكفارة الواطىء في شهر رمضان فلعله تعالى قد استثنى من الشهرين عشرة أيام في حديث لم يبلغهم أو بقياس لم ينتبهوا له بعد كما استثنى تعالى من مدة نوح ﵇ في قومه خمسين عاما بعد ذكره ألف سنة ومثل هذا لازم لهم في جميع ما خوطبوا به وهذا قول كما قدمنا ليس فيه إلا إبطال الديانة مع فاحش تناقضهم وأنه دعوى بأيديهم بلا دليل فإن قالوا هذا لا يجوز في الأعداد لأنه لو لم يكن الاستثناء متصلا بها لكانت كذبا قيل لهم وكذلك الأخبار إن لم يكن على عمومها ولم يأت نص آخر أو إجماع بتخصيصها كانت كذبا ولا فرق وكذلك الأوامر إن كان المراد بها الخصوص ولم يأت نص آخر
ولا إجماع بتخصيصها كانت تعنيتا تعالى الله عن ذلك كله قال لهم بعض من سلف القائلين بالعموم فإذا لم يفهم من كل خطاب بمجرده ما اقتضاه لفظه فلعل قولك نقول بالوقف وقول من قال منكم نقول بالخصوص
إنما أردتم به في بعض المواضع دون بعض ولعلكم أردتم
стр. 418
غير ما ظهر إلينا من كلامكم فإنكم تناظرونا دأبا في ألا نحمل الألفاظ على ظواهرها ولا على عمومها فأول ما ينبغي أن يستعمل هذا فيه ففي كلامكم فتجعلون في نصاب من لا يفهم عنهم مرادهم ولا يصح خطابهم وصحت السفسطة بعينها عليهم قال علي وكذلك يقال أيضا للقائلين بالوقف أو الندب أموجبون أنتم لحمل الأشياء الواردة من الله تعالى ونبيه ﷺ على أنها غير واجبة وعلى الوقف فيها أم أنتم نادبون إلى ذلك فإن قالوا نحن موجبون لذلك قيل لهم فما الذي جعل كلامكم محمولا على الوجوب وكلام ربكم تعالى محمولا على غير الوجوب وهذا كفر شديد ممن اعتقده وضلال عظيم ممن تقلده وإن قالوا بل نحن نادبون إلى ذلك أقروا أنهم لا يلزمنا قبول قولهم وبالله تعالى التوفيق وأيضا قال علي قولهم بحمل الألفاظ على الخصوص إنما معناه بحملها على بعض ما يقتضيه لفظها قال علي وهذا أمر ليس في طاقة أحد فهمه والوقوف على حقيقته أبدا لأنه لا ندري أي أبعاض تلك الجملة يقبل ولا أيها يرد وليس بعضها أولى بحمل الحكم عليه من بعض فصار ذلك تكليفا لما ليس في الوسع وهذه هي السفسطة نفسها وإبطال الحقائق جملة وقد أكذبهم تعالى بقوله ﴿لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾ ويقال لهم أيضا أرأيتم قول الله تعالى ﴿وعلم آدم لأسمآء كلها ثم عرضهم على لملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ لهذا التعليم الذي امتن
الله تعالى به على أبينا آدم ﵇ فائدة أم لا فائدة له فإن قالوا لا فائدة له كفروا وكذبتم الملائكة في إقرارهم بأن ذلك علم عظيم لم يكن عندهم حتى علمهم إياه الخالق وإن قالوا إن لذلك التعليم فائدة سئلوا ما هي ولا سبيل إلى أن تكون تلك الفائدة إلا إيقاع الأسماء على مسمياتها والفصل بين المسميات بالأسماء ومعرفة صفات المسميات التي باختلافها وجب تخالف
стр. 419
الأسماء ليقع بذلك التفاهم بين النوع الذي أسكنه الله أرضه وأرسل إليهم الأنبياء بالشرائع ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
وإذ قد ثبت هذا وصح فكل من أراد أن يثبت أن الأسماء لا تفهم منها مسمياتها على عموم ما يقتضيه اللفظ ولا يعرف بها ما علقت عليه فهو مبطل للعقل والشريعة معا وبالله تعالى التوفيق وله الحمد على جميع نعمه لا إله إلا هو ويلزمهم في قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ أن يكون لعل ذلك في بعض الأمهات دون بعض وفي بعض الأخوات والبنات دون بعض أو لعل الذي حرم هو بيعه أو أكلهن دون جماعهن كما حملتم قوله تعالى ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ عن بعض المشركين دون بعض فلم تبيحوا قتل الرهبان ولا قتل المرتدات ولا أولاد المرتدين إذا بلغوا كفارا وكما فعلتم في القذف فلم تحدوا قاذف الكافرة والأمة المسلمة وسائر ما حملتموه على الخصوص ومثل هذا لازم لهم في كل خطاب في القرآن والسنن وبالله تعالى التوفيق ويقال لمن قال منهم إن الذي يدل على حمل الألفاظ على عمومه إنما هو للتأكيد الوارد قال علي يقال لهم لو كان التأكيد ما ذكرتم لكان كلامهم متناقضا لأنا نجد التأكيد يأتي مرتين وثلاثا الأول يأتي لإخراج اللفظ من الخصوص إلى العموم الثاني مثله أيضا ولو وجب أن يكون مخرجا للكلام المؤكد والتأكيد الأول عن الخصوص إلى العموم فكان يكون التأكيد الأول خصوصا وعموما معا وهذا ولا يعلل الصحيح في ذلك ما قدمناه من أن التأكيد إنما هو حسم لشغب أمثالهم فقط وليس التأكيد مخرجا للكلام المؤكد عن خصوص إلى عموم أصلا وقد قال الله تعالى
стр. 420
﴿
فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ وقد أجاب بعض القائلين بالوقف عن هذه المسألة فقال معنى قوله تعالى ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ ي بعد ذكر ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ ى هو غير المعنى في ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ ى لأن ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ ى هو مخرج لقوله تعالى ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ وعن الخصوص إلى العموم و ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون﴾ ي دال على أنهم سجدوا مجتمعين لا مفترقين
قال علي وهذا جهل شديد وكذب مفرط لأن جميعا ليس معناه الاجتماع ولا هو من بابه وهذه مجاهرة في اللغة ولا يعرفها أهل اللغة ولا يعرف أحد من أهل اللسان أن قول القائل أتاني القوم أجمعون أنه أراد مجتمعين بل جائز أن يكون الذين أتوا أفرادا مفترقين وهذه هي السفسطة التي حذر منها الأوائل وجملة الأمران أن هؤلاء قوم تعلقوا بأنهم وجدوا ألفاظا خارجة عن موضوعها في اللغة إما إلى مجاز وإما إلى معان مشتركة فرأوا بذلك إبطال الحقائق كلها وإبطال وقوع الأسماء على مسمياتها واختصاص كل اسم بمنعها وعمومه لكل ما علق عليه كانوا بمنزلة من قال لما وجدت في الكلام كذبا كثيرا فأنا أحمله كله على الكذب ووجدت في الشريعة منسوخا كثيرا لا يحل العمل به إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه ووجدنا العمل بجميعه ولا فرق بين هذا وبين قولهم وجدنا ألفاظا على غير ظاهرها فنحن نقف في كل لفظ فلا نستعمله على مفهومه إذ لعله قصد به غير ما يعقل منه ووجدنا ألفاظا لا يراد بها عمومها فنحن نقف في كل لفظ فلا نمضيه على ما علق عليه قال علي وقد قال بعض أهل الوقف إذ سئل فأي شيء نعرف بأن اللفظ على عمومه بلفظ أم بمعنى وألزم أن احتمال التخصيص داخل في الثاني كدخوله في الأول وهكذا أبدا وكلف والفرق بين اللفظ الثاني والأول فبلح
стр. 421
عند ذلك إذ لا سبيل إلى فرق فقال إن الأشياء التي بها يلوح العموم لا تحد ولا تحصر ولا سبيل إلى بيانها قال علي وهذه ثنية الانقطاع التي من بلغها سقط حسيرا وعلم أنه لا حيلة عنده ولا قوة لديه وهو دليل من دلائل العجز والضعف وكل من أقر بأنه لا يقدر على بيان قوله فقد حصل في محل لا يعجز عن مثله ذو لسان إذا استجاز لنفسه الفضائح فلا يعجز أحد عن أن يدعي ما شاء من المحالات والدعاوى فإذا كلف بيانا أو دليلا قال هذا لا يطاق عليه قال علي ونظر ذلك هذا المبلح بأن قال كما أن العدد الذي وجب ضرورة العلم في الأخبار لا سبيل إلى حده
قال علي وقد كذب بل ذلك محدود وقد بينا فيما خلا وهو أنه إذا ورد اثنان من جبهتين مختلفتين فحدثا غير مجتمعين وقد تيقن أنهما لم يلتقيا ولا توطآ فأخبرا بحديث طويل لا يمكن اتفاق خاطر اثنين على توكيده ولم يكن هناك لهما ولا لمن حدثا رغبة فيما حدثا به وعنه ولا رهبة ولا هوى وذكرا مشاهدة أو سماعا من اثنتين فصاعدا كما وصفنا أيضا أنهما شاهدا فهو خبر ضروي يوجب العلم واليقين بلا شك وأن عشرات الألوف إذا حشدوا وكلفوا خبرا ما ولهم في ذلك رغبة أو رهبة أو هوى فجائز اجتماعهم على فعل الكذب وقد شاهدنا ذلك في شكر الولاة وذمهم إلا أن هذا لا يخفى بل هو معلوم ضرورة من قبلهم لأنهم وإن اجتمعوا على ما جمعوا له
стр. 422
فكلهم يخبر صديقه وامرأته وجاره قبل أن يجمع وبعد أن ينفض من ذلك الجمع بحقيقة الأمر وجلية الخبر وهذا مشاهد كل يوم من أحوال الناس ونقل أخبارهم من موت أو ولادة أو نكاح أو طلاق أو عزلة أو ولاية أو وقفة أو ما شبه ذلك وإنما أغفل الناس هذا لقلة المتفقدين لمثل هذا وشبهه ولكثرة من ينسى ما يمر عليه من ذلك وأصيخوا رحمكم الله إلى ما نقول لكم
فصل في بيان العموم والخصوص
قال علي الكلام ينقسم ثلاثة أقسام فمنه خصوص يراد به الخصوص بقوله زيد وعمرو وما أشبه ذلك وعموم يراد به العموم ومعنى ذلك
стр. 423
حمله على كل ما يقتضيه لفظه فمنه ما يكون اسما لجنس يعم أنواعا كثيرة كقوله تعالى ﴿أولم ير لذين كفروا أن لسماوات ولأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من لمآء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾ فيقع تحت الحي المذكور الإنس وأنواع الطير كلها وأنواع ذوات الأربع كلها وأنواع الهوام كلها وقد خرج من هذا العموم الملائكة لإخبار الرسول ﷺ أنهم خلقوا من نور وأما الجن فمن النار بنص القرآن إلا أننا نبعد أن يكون في تركيبهم شيء من الماء وإن كان العنصر هو النار كما في تركيبنا الماء والنار والهواء وإن كان عنصرنا التراب ومنها ما يكون اسما لنوع ما كقوله تعالى ﴿ولخيل ولبغال ولحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون﴾ فهذا عموم لجميع الخيل ولجميع البغال والحمير دون سائر الأنواع وليس هذا خصوصا لأن معنى قولنا عموم وإنما هو ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما تقتضيه فمن سمى هذا خصوصا فقد شغب وشبك وإنما يسمى ما بقي من الجملة بعد أن يستثنى منها خصوصا وما استثني منها مما بقي خصوصا لأن العموم الذي ذكرنا قد ارتفع ضرورة لأن اللفظ حينئذ ليس محمولا على كل ما يقتضيه لفظه فلما بطل أن يسمى ذلك عموما سمي خصوصا لأنه خص منه بعضه دون بعض بالاستثناء وبالإبقاء ومنه ما يقع لأهل صفة ما من النوع كقوله تعالى ﴿ولذي لقربى﴾ فلما كان هذا عموما لذوي القربى كلهم دون غيرهم وكان شاملا لكل ما وقعت عليه هذه التسمية بهذه الصفة وكقوله تعالى ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ الآية فكان ذلك عموما لكل صدقة فرض بدليل أخرج منها ما ليس فرضا وكان ذلك عموما لكل مسكين ولكل فقير ولكل عامل عليها ولكل مؤلف
قلبه ولكل ما سمي رقبة إلا أن
يخص شيئا من ذلك نص أو إجماع وكذلك قوله ﷺ الأئمة من قريش
стр. 424
فهذا عموم لكل قرشي إلا من خصه نص أو إجماع من النساء والصبيان وكذلك سائر النصوص والقسم الثالث عموم دل نص القرآن والسنة على أنه قد استثني منه شيء فخرج ذلك المستثنى مخصوصا من الحكم الوارد بذلك اللفظ قال علي ومن العموم أن يكون لفظه مشتركا يقع على معان شتى وقوعا مستويا في اللغة ومعنى قولنا مستو أنه وقوع حقيقي وتسمية صحيحة لا مجازية فإذا كان ذلك فحملها واجب على كل معنى وقعت عليه ولا يجوز أن يخص بها بعض ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي أثبتنا آنفا في إيجاب القول بالعموم قال علي ومن خالف هذا من أصحاب الظاهرين فقد تناقض ولا فرق بين وقوع اسم على ثلاثة من نوع فصاعدا إلى تمام جميع النوع كقولك مساكين وفقراء وبين وقوع اسم على ثلاثة أشياء فصاعدا مختلفة الحدود يقع عليها كلها وقوعا مستويا ليس بعضها أحق به من بعض ولهذا قلنا في قوله تعالى ﴿لزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ولزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على لمؤمنين﴾ إن الآية على عمومها ولا يحل لمسلم زان أو عفيف أن ينكح زانية مسلمة لا بوطء ولا بعقد زواج فإن وقع فسخ أبدا ما لم تتب قبل أن يعقد معها النكاح ولا يحل لمسلمة زانية أو عفيفة أن تنكح زانيا ما لم يتب فإن وقع الزواج فسخ أبدا وأبحنا للزاني خاصة نكاح الذمية العفيفة فقط لأن النص لم يأت إلا بتحريم ذلك على المؤمنين خاصة والزناة والزواني مؤمنون فقد حرم ذلك عليهم بالنص ولم يأت في ذلك تحريم على المشركين وهذه كرامة المسلم والمسلمة لا يدخل فيها المشركون لأن حكمهم الصغار وقد تناقض في هذا أصحابنا فحملوا النكاح ههنا على الوطء خاصة وحملوه في قوله تعالى ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من لنسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا﴾ على العموم لكل ما يقع عليه اسم نكاح وهذا كما ترى
بلا دليل وأما من ادعى أن
стр. 425
قوله
﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ الآية منسوخة بقوله تعالى ﴿وأنكحوا لأيامى منكم ولصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم لله من فضله ولله واسع عليم﴾ فمغفل لوجهين أحدهما إجماع الأمة على أنه لا يحل لأحد أن يقول في آية أو حديث إنهما منسوخان لا يجوز العمل بهما إلا بنص جلي أو إجماع والثاني أن قوله تعالى ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون﴾ ليس فيه ما يرد قوله تعالى ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون﴾ كما ليس فيها إباحة نكاح الأخت والبنت المحرمتين وإن كانتا من الأيامى ولكن إحدى الآيتين مضمومة إلى الأخرى فننكح الأيامى منا ما لم يكن زواني مع أنه يبعد عندنا في اللغة وقوع اسم أيم على الزانية فالواجب استعمال الآيتين معا لأن استثناء بعضها من بعض ممكن وقد قدمنا أنه لا يحل ترك آية لأخرى أصلا قال علي وكذلك قلنا نحن وسائر أصحابنا إن قوله تعالى ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون﴾ فأوجبنا كلنا معشر القائلين بالظاهر إلا قوما توقفوا دون قطع وقلنا بإيجاب حد القذف كاملا على كل قاذف محصنة بأي معنى وقع عليها اسم محصنة من عفاف أو إسلام أو زواج فأوجبنا الحد على قاذف الأمة والكافرة والصغيرة وكذلك أوجبنا الزكاة في القمح والشعير والتمر دون سائر الحبوب والثمار لقول رسول الله ﷺ ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر صدقة ولفظة دون في اللغة التي بها خوطبنا تقع على معنيين وقوعا مستويا حقيقيا لا مجازيا وهما بمعنى أقل وبمعنى غير كما قال تعالى ﴿أم تخذوا من دون لله شفعآء
قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون﴾ يريد غير الله تعالى وقوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة ومن رباط لخيل ترهبون به عدو لله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم لله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل لله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ فذكر تعالى المجاهرين بالعداوة للمسلمين وآخرين من غيرهم مكاتمين بها فلم يكن حمل لفظة دون في الحديث المذكور على معنى أقل أولى من حملها على معنى غير فوجب حملها على كلا المعنيين جميعا
وقد تناقض في ذلك أصحابنا فلم يحملوها إلا
следующие страницы →