← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

يغفر له ما قد سلف وإنما يغفر له الشرك الذي انتهى عنه فقط ولو انتهى عن سائر إساءاته لغفرت له أيضا وهذا نص الآية التي احتجوا بها واعترضوا أيضا بما رويناه بالسند المتقدم إلى مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين قال أبو محمد وهذا حجة لنا عليهم قوية جدا لأن النبي ﷺ إنما جعل السبب في أن ما فعل لا ينفعه أنه لم يسلم فصح أنه لو أسلم لنفعه ذلك كما نفع حكيما وهذا نص قولنا ونحن لم نقل قط إن الله تعالى يأجر كافرا مات على كفره وعلى ما عمل من خير وإنما قلنا من أسلم بعد كفره أجر على كل خير عمل في كفره واعترضوا بقول الله تعالى ﴿ولقد أوحي إليك وإلى لذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من لخاسرين﴾ قال أبو محمد وهذا حجة لنا لأن الشرك يحبط الأعمال والإسلام يزكيها ويبين ذلك قوله تعالى ﴿فستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فلذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها لأنهار ثوابا من عند لله ولله عنده حسن لثواب﴾ وإنما شرطنا أنه ينتفع بما عمل في كفره من خير إن أسلم لا إن لم يسلم واعترضوا أيضا بما رويناه عن مسلم بالسند المذكور قال ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد نا حيوة بن شريح ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة المهري قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فحدثنا أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إن الإسلام يهدم ما كان قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله قال أبو محمد وإنما يهدم الإسلام الكفر الذي هو مضاده وحديث ابن مسعود زائد على ما في حديث عمرو غير مضاد له بل هو مبين بيانا زائدا وكلام رسول الله ﷺ لا يضاد بعضه بعضا ففي حديث ابن مسعود

стр. 807

زيادة حكم على ما في حديث عمرو من أنه من أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الجاهلية ومن أحسن في الإسلام سقط عنه ما عمل في الجاهلية فإنما معنى حديث عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله بشرط الإحسان فيه وبالله تعالى التوفيق واعترضوا أيضا بما حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن محمد بن عيسى عن عمرويه عن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم ثنا زهير بن حرب ثنا يزيد بن هرون أنبأ همام بن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الأخرى وأما الكافر فيعطى بحساب ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لم نقل إن الكافر ينعم في الآخرة إذا مات على كفره وإنما قلنا إن بعض أهل النار أشد عذابا من بعض وهذا إجماع الأمة ونص القرآن والسنة الذي من خالفه كفر وهذا الحديث حجة لنا عليهم لأن الكافر إذا أسلم فهو مؤمن فقد نص النبي ﷺ أنه لا يظلمه حسنة مما عمل من حسنة في حال كفره ثم أسلم فهي داخلة تحت هذا الوعد الصادق المضمون إنجازه فصح أنه يجازى بها في الآخرة فصح قولنا يقينا وبالله تعالى التوفيق وكذلك قوله تعالى ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بلله وبرسوله ولا يأتون لصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ قال أبو محمد وهذا بيان جلي على أن السبب المانع من قبول نفقاتهم هو الكفر فإذا ارتفع ذلك ارتفع السبب المانع من قبول نفقاتهم فإذا ارتفع ذلك السبب فقد وجب قبول النفقات وهذا نص القرآن والسنة وبالله تعالى التوفيق

стр. 808

وأما وقت لزوم الشريعة فإنها تنقسم قسمين شريعة تعتقد ويلفظ بها وشريعة تعمل وتنقسم هذه الشريعة قسمين قسم في المال وقسم على الأبدان فأما شريعة الأموال فهي لازمة لكل صغير وكبير وجاهل بها وعارف ومجنون وعاقل لدلائل من النص وردت على العموم في الزكاة والإجماع على وجوب النفقات عليهم وأما شرائع الأبدان والاعتقاد فإنها تجب بوجهين أحدهما البلوغ مبلغ الرجال والنساء وهو البلوغ المخرج عن حد الصبا والثاني بلوغ الشريعة إلى المرء وأما الحدود فإنها تلزم من عرف أن الذي فعل حرام وسواء علم أن فيه حدا أم لا وهذا لا خلاف فيه وأما من لم يعرف أن ما عمل حرام فلا حد عليه فيه وبرهان ذلك قول الله تعالى ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾ فإنما جعل الله تعالى وجوب الحجة ببلوغ النذارة إلى المرء وقال تعالى ﴿خذ لعفو وأمر بلعرف وأعرض عن لجاهلين﴾ فأمر أن يهدر فعل الجاهل وقال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تخونوا لله ولرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ فإنما نهى الله تعالى عن وجوب ذلك عليه وحدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا يونس بن الأعلى ثنا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار قال أبو محمد فإنما أوجب النبي ﷺ الإيمان به على من سمع بأمره ﷺ فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك فسمع بذكره ﷺ ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به أما من لم يبلغه ذكره ﷺ فإن كان موحدا فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه

стр. 809

في الآخرة وهو من أهل الجنة وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار فيؤمرون بالدخول فيها فمن دخلها نجا ومن أبى هلك قال الله ﴿من هتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ فصح أنه لا عذاب على كافر أصلا حتى يبلغه نذارة الرسول ﷺ وأما من بلغه ذكر النبي محمد ﷺ وما جاء به ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرىء فيها الحقائق ولولا إخباره ﷺ أنه لا نبي بعده للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة ولكنا قد أمنا ذلك والحمد لله وأخبرنا الصادق إن كل من يدعي النبوة بعده كذاب ولا سبيل إلى أن يأتي بآية معجزة فإن ظهر من أحد منهم ذلك فهي نيرنجات وحيل وجوهها معروفة لمن بحث عنها ومن أهل هذه الصفة كان مسيلمة والجلاح ومن أهلها الدجال لا حقيقة لكل ما ظهر من هؤلاء وأشباههم وإنما هي حيل كما ذكرنا يبين ذلك حديث المغيرة بن شعبة في الدجال وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيها فقيها يعلمهم دينهم أو أن يرحلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم قال الله تعالى ﴿دع إلى سبيل ربك بلحكمة ولموعظة لحسنة وجادلهم بلتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بلمهتدين﴾ وبعث ﷺ معاذا وأبا موسى إلى اليمن وأبا عبيدة إلى البحرين معلمين للناس أمور دينهم ففرض ذلك على الأئمة وقال تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ قال أبو محمد والبلوغ عندنا ينقسم أقساما فهو في الرجل والمرأة الاحتلام بنص ما روي عنه ﷺ من ذلك حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق القاضي عن ابن الأعرابي عن سليمان بن الأشعث ثنا موسى بن

стр. 810

إسماعيل حدثنا وهيب عن خالد الحذاء عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق قال أبو محمد الصبي يقع على الجنس ويدخل فيه الذكر والأنثى وقد أخبر ﵇ في حديث عائشة أن المرأة تحتلم فصار الإحتلام بلوغا صحيحا في المرأة والرجل وسواء احتلما من أحد عشر عاما أو أقل أو أكثر ويكون البلوغ أيضا في المرأة بالحيض كما حدثنا عبد الله بن ربيع عن عمر بن عبد الملك الخولاني عن محمد بن بكر البصري ثنا سليمان بن الأشعث ثنا محمد بن عبيد ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أن عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها فقالت إن رسول الله ﷺ دخل وفي حجرتي جارية فألقى لي حقوه فقال شقيه شقتين فأعط هذه نصفا والفتاة التي عند أم سلمة نصفا وإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا وبه إلى أبي داود ثنا المثنى ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد هو ابن زيد عن قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار قال أبو محمد والإنبات بلوغ صحيح كما روينا عن عبد الله بن ربيع عن محمد بن إسحاق عن ابن الأعرابي عن أبي داود ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان ثنا عبد الملك بن عمير ثنا عطية القرظي قال كنت فيمن سبي من قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت قال أبو محمد ومن المحال الممتنع أن تقتل الناس بحضرة النبي ﷺ وهو لا يعلم أبحق أم بباطل هذا ما لا يظنه مسلم البتة وقتلى قريظة قتلوا بحضرة النبي ﷺ وبأمره وقال لسعد بن معاذ حكمت فيهم بحكم الملك كما حدثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن معاوية عن أحمد بن شعيب

стр. 811

عن محمود بن غيلان ثنا وكيع ثنا سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير قال سمعت عطية القرظي يقول عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي قال أبو محمد فمن لم ينبت ولا احتلم من رجل أو امرأة أو لم تحض المرأة فإذا تجاوزا تسعة عشر عاما قمرية بساعة فقط لزمهم حكم البلوغ لأنه إجماع وأما من جعل إكمال خمسة عشر عاما بلوغا وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقول لا دليل عليه وأما حجتهم بحديث ابن عمر عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربعة عشر عاما فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشر عاما فأجازني فلا حجة لهم في ذلك لأن النبي ﷺ لم يقل إني أجزته لسنه وكان عام الخندق بالمدينة لا خروج عليهم فيه فالله أعلم لماذا أجازه إما لأنهم لم يسافروا عن موضعهم أو لأنه قد بلغ فلا حجة في ذلك أصلا وبالله تعالى التوفيق ولا نهى ﵇ عن غزو الأشداء من الصبيان فتكون إجازته دليلا على أنه قد كان بلغ ومما يدل على أن الشرائع لا تلزم إلا من عرفها ما صح عن النبي ﷺ من أنه لم يزجر عدي بن حاتم عما تأوله في العاقلين لكن علمه وسقط اللوم عن عدي لأنه تأول جاهلا وأنه ﷺ لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة إذ تكلم فيها عامدا وأنه ﷺ أمر الذي لم يتم صلاته مطمئنا في ركوعه وسجوده بالإعادة مرارا فلما أعلمه أنه لا يدري أكثر علمه ولم يذكر الراوي أنه أمره بإعادة إلا أن أمره ﷺ بأن يعمل ما علمه أمر له بعمله وكذلك ما نص من صلاة أهل قباء إلى بيت المقدس وقد كان نسخ ذلك وأنه ﷺ لم يقد من أسامة إذ قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله وأعلمه ﷺ أنه قد فعل في ذلك ما لا يحل وكذلك لم يقد

стр. 812

صلى الله عليه وسلم بني جذيمة ممن قتلهم مع خالد بن الوليد فهذا يبطل قول من أوجب إعادة صلاة أو إقامة حد أو قضاء صوم على جاهل متأول وبذلك قضى عمر وعثمان إذ درء الحد عن السوداء المعترفة بالزنى لجهلها بتحريمه وهذا بين وبالله تعالى التوفيق الباب الحادي والثلاثون في صفة التفقه في الدين وما يلزم كل امرىء طلبه من دينه وصفة المفتيالذي لم يفت في الدين وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام قال أبو محمد قال الله تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فبين الله في هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم قسمين أحدهما يخص المرء في نفسه وذلك مبين في قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه والثاني تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه وطبقته قال تعالى ﴿ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل لذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه وقد بينا أن الاجتهاد هو افتعال من الجهد فهو في الدين إجهاد المرء نفسه في طلب ما تعبده الله تعالى به في القرآن وفيما صح عن النبي ﷺ لأنه لا دين غيرهما فأقلهم في ذلك درجة من هو في غمار العامة ومن حدث عهده بالجلب من بلاد الكفر وأسلم من الرجال والنساء وقد ذكرنا كيف يطلب هؤلاء علم ما يلزمهم من شرائع الإسلام في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده ونذكر منه ههنا ما لا بد من ذكره وهو أن كل

стр. 813

مسلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى حر أو عبد يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين وتلزم الطهارة والصلاة المرضى والأصحاء ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته وكيف يؤدي كل ذلك وكذلك يلزم كل من ذكرنا أن يعرف ما يحل له ويحرم من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأقوال والأعمال فهذا كله لا يسع جهله أحدا من الناس ذكورهم وإناثهم أحرارهم وعبيدهم وإمائهم وفرض عليهم أن يأخذوا في تعلم ذلك من حين يبلغون الحلم وهم مسلمون أو من حين يسلمون بعد بلوغهم الحلم ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهم ما ذكرنا إما بأنفسهم وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك وأن يراتب أقواما لتعليم الجهال ثم فرض على كل ذي مال تعلم حكم ما يلزمه من الزكاة وسواء الرجال والنساء والعبيد والأحرار فمن لم يكن له مال أصلا فليس تعلم أحكام الزكاة عليه فرضا ثم من لزمه فرض الحج ففرض عليه تعلم أعمال الحج والعمرة ولا يلزم ذلك من لا صحة لجسمه ولا مال له ثم فرض على قواد العساكر معرفة السير وأحكام الجهاد وقسم الغنائم والفيء ثم فرض على الأمراء والقضاة تعلم الأحكام والأقضية والحدود وليس تعلم ذلك فرضا على غيرهم ثم فرض على التجار وكل من يبيع غلته تعلم أحكام البيوع وما يحل منها وما يحرم وليس ذلك فرضا على من لا يبيع ولا يشتري ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة وهي المجشرة عندنا أو حلة أعراب أو حصن أن ينتدب منهم لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها ولتعلم القرآن كله ولكتاب كل ما صح عن النبي ﷺ من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها وضبطها بنصوص ألفاظها وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه ما اختلفوا فيه من يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث

стр. 814

والإجماع يكتفي بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا في أول هذا الكتاب بحسب ما يقدر أن يعمهم بالتعليم ولا يشق على المستفتي قصده فإذا انتدب لذلك من يقوم بما ذكرنا فقط سقط عن باقيهم إلا ما يلزمه خاصة نفسه فقط على ما ذكرنا آنفا ولا يحل للمفقه أن يقتصر على آراء الرجال دون ما ذكرنا فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم وإن بعدت ديارهم ولو أنهم بالصين لقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل ومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط كما كان الصحابة يفعلون مع النبي ﷺ وهكذا القول في حفظ القرآن كله وتعليمه ففرض على كل مسلم حفظ أم القرآن وقرآن ما وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه الناس ويقرئه إياهم لأمر رسول الله ﷺ بقراءاته فصح بكل ما ذكرنا أن النفار المذكور فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين وأما من قال إنه ليس فرضا على الجماعة لكنه فرض على بعضهم بغير أعيانهم فنكتفي من إبطال قوله بأنه يحمل خطاب الله تعالى واقعا على لا أحد لأنه إذا لم يعين تعالى من يخاطب ولا خاطب الجميع فلم يخاطب أحدا عن ذلك وفي هذا سقوط الفرض عن كل من لم يخاطب فهو ساقط على كل أحد إذ كل أحد لم يخاطب وفي هذا بطلان الدين وبالله تعالى التوفيق فالناس في ذلك على مراتب فمن ارتفع فهمه عن فهمهم أغتام المجلوبين من بلاد العجم منذ قريب وعن فهم أغتام العامة فإنه لا يجزيه في ذلك ما يجزي

стр. 815

من ذكرنا لكن يجتهد هذا على حسب ما يطيق في البحث عما نابه من نص الكتاب والسنة ودلائلهما ومن الإجماع ودلائله ويلزم هذا إذا سأل الفقيه فأفتاه أن يقول له من أين قلت هذا فيتعلم من ذلك مقدار ما انتهت إليه طاقته وبلغه فهمه وأما المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم المتأهبون لنذارة قومهم ولتعلم المتعلم وفتيا المستفتي وربما للحكم بين الناس ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم ومن أحكام القرآن وحديث النبي ﷺ ورتب النقل وصفات النقلة ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل ضعيف هذا فرضه اللازم له فإن زاد إلى ذلك معرفة الإجماع والاختلاف ومن أين قال كل قائل وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة فحسن وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التي يتميز بها الحق من الباطل وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص في القرآن قال تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن وأحكام أوامر النبي ﷺ لأن هذين أصل الدين وقال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ فوجب بذلك تعرف عدول النقلة من فساقهم وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم وأما معرفة الإجماع والاختلاف فقد زعم أن هذا يجب بقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قال ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولو الأمر منا لأننا مأمورون بطاعتهم ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه وأما معرفة الاختلاف ومعرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة فبقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك

стр. 816

إلى الكتاب والسنة لأننا إن لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة فنخطىء ونعصي الله تعالى إذ أخذنا قولا نهينا عن اتباعه قال أبو محمد وهذا خطأ لأننا إنما أمرنا تعالى بطاعة أولي الأمر فيما نقلوه إلينا عن رسول الله ﷺ فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لأحد أن يفعله ولا حل لأحد قط أن يطيع من فعله وقد توعد الله تعالى ورسوله ﷺ على هذا أشد الوعيد فكيف على من دونه قال تعالى ﴿ولو تقول علينا بعض لأقاويل * لأخذنا منه بليمين * ثم لقطعنا منه لوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ فصح أن من قال في الدين بقول أضافه إلى الله تعالى فقد كذب وتقول على الله تعالى الأقاويل وأن من لم يضفه إلى الله تعالى فليس من الدين أصلا لكن معرفة الاختلاف علم زائد قال سعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف وصدق سعيد لأنه علم زائد وكذلك معرفة من أين قال كل قائل فأما معرفة كيفية إقامة البرهان فبقوله تعالى ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فلم نقل شيئا إلا ما قاله ربنا وأوجبه علينا والحمد لله رب العالمين وإنما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى وموقفون على مواضع الأوامر التي مر عليها من يمر غافلا أو معرضا ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه ونفرنا لتعلمه بمن الله علينا كما أمرنا تعالى إذ يقول ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ولا نقول من عند أنفسنا شيئا ونعوذ بالله من ذلك ولم يبح الله تعالى ذلك لأحد لا قديما ولا حديثا وبالله تعالى نتأيد وقال تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير﴾ ففرض علينا معرفة الناسخ من المنسوخ وفرض على من قصد التفقه في الدين كما ذكرنا

стр. 817

أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه ﷺ قال تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله وعن النبي ﷺ ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وبقوله تعالى ﴿ومن لناس من يجادل في لله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد﴾ وبقوله تعالى ﴿هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وبقوله تعالى ﴿هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وقال تعالى ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند لله عظيم﴾ وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبي ﷺ ليعلم آخر أوامره وأولها وحربه ﷺ لمن حارب وسلمه لمن سالم وليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحرب وحرم الدم بعد تحليله وأحكامه ﷺ التي حكم بها فمن كانت هذه صفته وكان ورعا في فتياه مشفقا على دينه صليبا في الحق حلت له الفتيا وإلا فحرام عليه أن يفتي بين اثنين أو أن يحكم بين اثنين وحرام على الإمام أن يقلده حكما أو يتيح له فتيا وحرام على الناس أن يستفتوه لأنه إن لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه في الدين وإن لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق وإن لم يكن صليبا لم يأمر بمعروف ولا نهى عن منكر والأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 818

المنكر فرضان على الناس قال تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى لخير ويأمرون بلمعروف وينهون عن لمنكر وأولئك هم لمفلحون﴾ وهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر لأنه لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من يميزه فإن كان مع ما ذكرنا قويا على إنفاذ الأمور حسن السياسة حل له القضاء والإمارة وإلا فلا قال رسول الله ﷺ المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وقال ﷺ لأبي ذر يا أبا ذر إني أحب إليك ما أحب لنفسي إنك ضعيف فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وكان أبو ذر ﵁ ممن له أن يفتي ولم يكن ممن له أن يقضي لأنه لم يكن له حسن التأتي في تناول ما يريد بل كانت فيه عجرفة ومهاجمة ربما صار بها منذرا وقد أمر ﷺ معاذا وأبا موسى إذ بعثهما قاضيين على اليمن ومعلمين للدين وأميرين بأن ييسرا ولا ينفرا هذا على عظيم فضل أبي ذر وكريم سوابقه في الإسلام وزهده وورعه ورفضه للدنيا وثباته على ما فارق عليه نبيه ﷺ وصدعه بالحق وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم وتقدمه على أكثر الصحابة فحد الفقه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن ومن كلام المرسل بها الذي لا تؤخذ إلا عنه وتفسير هذا الحد كما ذكرنا المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها والمعرفة بأحكام كلام رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه وما صح نقله مما لو يصح ومعرفة ما أجمع العلماء عليه وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف إلى القرآن وكلام الرسول ﷺ فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا أجاز له أن يفتي بها وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتي بما علم ولا علمه بما علم بمبيح

стр. 819

له أن يفتي فيما جهل وليس أحد بعد النبي ﷺ إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره فلو لم يفت إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يفتي أصلا وهذا لا يقوله مسلم وهو إبطال للدين وكفر من قائله وفي بعثه النبي ﷺ الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام بيان صحيح بأن العلماء وإن فاتهم كثير من العلم فإن لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا وهذا الباب أيضا بيان جلي على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا فله أن يفتي به وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك ومن علم أن في المسألة التي نزلت حديثا قد فاته لم يحل له أن يفتي في ذلك حتى يقع على ذلك الحديث ومن لم يعلم الأحكام على الصفة التي ذكرنا قبل لكن إنما أخذ المسائل تقليدا فإنه لا يحل لمسلم أن يستفتيه ولا يحل له أن يفتي بين اثنين ولا يحل للإمام أن يوليه قضاء ولا حكما أصلا ولا يحل له إن قلد ذلك أن يحكم بين اثنين وليس أحد بعد النبي ﷺ إلا وهو يخطىء ويصيب فليس خطأه بمانع من قبول صوابه وبالله تعالى التوفيق فلا يوجد مفت في الديانة وفي الطب أبدا إلا أحد ثلاثة أناسي إما عالم يفتي بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصي كما يلزمه فهذا مأجور أخطأ وأصاب وواجب عليه أن يفتي بما علم وإما فاسق يفتي بما يتفق له مستديما لرياسة أو لكسب مال وهو يدري أنه يفتي بغير واجب وإما جاهل ضعيف العقل ويفتي بغير يقين علم وهو يظن أنه مصيب ولم يبحث حق البحث ولو كان عاقلا لعرف أنه جاهل فلم يتعرض لما لا يحسن حدثني أبو الزناد سراج بن سراج وخلف

стр. 820

بن عثمان البحام وأبو عثمان سعيد بن محمد الضراب كلهم يقولون سمعت عبد الله بن إبراهيم الأصيلي يقول قال لي الأبهري أبو بكر محمد بن صالح كيف صفة الفقيه عندكم بالأندلس فقلت له يقرأ المدونة وربما المستخرجة فإذا حفظ مسائلهما أفتى فقال لي هذا ما هو فقلت له نعم فقال لي أجمعت الأمة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتي قال أبو محمد علي بن أحمد وحدثني أبو مروان عبد الملك بن أحمد المرواني قال سمعت أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكري ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة وقد سأله سائل فقال له ما المقدار الذي بلغه المرء حل له أن يفتي ثم أخبرني أحمد بن الليث الأنسري أنه حمل إليه وإلى القاضي أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن واقد كتاب الاختلاف الأوسط لابن المنذر فلما طالعاه قالا له هذا كتاب من لم يكن عنده في بيته لم يشم رائحة العلم قال وزادني ابن واقد أن قال ونحن ليس في بيوتنا فلم نشم رائحة العلم قال أبو محمد لم نأت بما ذكرنا احتجاجا لقولنا ولكن إلزاما لهم ما يلتزمونه فإن قول أكابر أهل بلادنا عندهم أثبت من العيان وأولى بالطاعة مما رووا في حديث النبي ﷺ وبالله تعالى نعوذ من الخذلان قد بينا صفة الطلب والمفتي والاجتهاد الذي نأمر به ونصوب من فعله وهو طلب الحكم في المسألة من نص القرآن وصحيح الحديث وطلب الناسخ من المنسوخ وبناء الحديث بعضه مع بعض ومع القرآن وبناء الآي بعضها مع بعض على ما بينا فيما سلف من كتابنا هذا ليس عليه غير هذا البتة وإن طالع أقوال الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عصرا عصرا ففرض

стр. 821

عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا ويحكم فيها القرآن والسنة فلأيها حكم اعتقده وأفتى به واطرح سائرها وإن لم يجد شيئا مما بلغه منها بل عليه أن يأخذ بالنص وإن لم يبلغه أن قائلا قال به لما قد بيناه في كلامنا في الإجماع من امتناع الإحاطة بأقوال العلماء السالفين ومن قيام البرهان على أنه لا يخلو عصر من قائل الحق فهذا هو الاجتهاد الصحيح الذي يؤجر من فعله على كل حال فإن وافق الحق عند الله أجر أجرا ثانيا على الإصابة فحصل له أجران وإن لم يوافق لإدراك الحق لم يأثم وقد حصل له أجر الطلب للحق وإرادته كما قال الشاعر وما كل موصوف له الحق يهتدي ولا كل من أم الصوى يستبينها وكل ما سمي اجتهادا من غير ما ذكرنا فهو باطل وإفك وزين بأن سمي اجتهادا كما سمي اللديغ سليما والمهلكة مفازة والأسود السخامي أبا البيضاء والأعمى بصيرا وكما سمى قوم المسكر نبيذا وطلاء وهو الخمر بعينها ويبين ما قلنا قوله ﷺ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران أو كما قال ﷺ واعتراضها ههنا أمر نحتاج إلى تفسيره لغلط أكثر الناس فيه وهو إيقاع اسم الحفظ واسم العلم واسم الفقه على كل ما يستحق شيئا من هذه الأسماء لأنها أسماء واقعة على صفات متغايرة فوجب بيانها فنفسر ذلك في علم الشريعة التي عرضنا في ديواننا هذا الكلام فيها وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد لا إله إلا هو فنقول وبالله تعالى نستعين الحفظ اسم واقع على وصفه المرء وهي ذكره لأكثر سواد ما صنف وجمع وذكر في علمه وغرضه الذي قصد كحافظ سواد القرآن وحافظ سواد الحديث ونصوصه أو حافظ نصوص مسائل مذهبه الذي يقصد

стр. 822

وينتحل فهذا معنى الحفظ وأما اسم العلم فهو واقع على صفة في المرء وهو اتساعه على الإشراف على أحكام القرآن وروى الحديث صحيحه وسقيمه فقط فإن أضاف إلى ذلك الوقوف على أقوال الناس كان ذلك حسنا كلما اتسع باع المرء في هذه المعاني زاد استحقاقه لاسم العلم وهكذا في كل علم من العلوم ويكون مع ذلك ذاكرا لأكثر ما عنده وليس هذا حقيقة معنى لفظة العلم في اللغة لكنه معناه في قولهم فلان عالم وفلان أعلم من فلان وأما تفسير لفظة العلم في اللغة فقد فسرناه في كتابنا هذا وفي كتابنا الموسوم بالفصل وأما اسم الفقه فهو واقع على صفة في المرء وهي فهمه لما عنده وتنبهه على حقيقة معاني ألفاظ القرآن والحديث ووقوفه عليها وحضور كل ذلك في ذكره متى أراده ويزيد القياسيون علينا ههنا زيادة وهي معرفته بالنظائر في الأحكام والمسائل وتمييزه لها فهذه معاني الأسماء المذكورة في قولهم فلان حافظ وفلان عالم وفلان فقيه فإن قال قائل أيجوز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ فالجواب أنه فيما لم يؤمروا به ولا نهوا عنه ولكنه مباح لهم جائز كاجتهادهم فيما يجعلونه علما للدعاء إلى الصلاة ولم يكن ذلك على إيجاب شريعة تلزم وإنما كان إنذارا من بعضهم لبعض كقول أحدنا لجاره إذا نهض للصلاة قم بنا إلى الصلاة حتى إذا نزل الوحي على النبي ﷺ بما وافق رؤيا عبد الله بن زيد الأنصاري أبطل كل ما كانوا تراضوا به وقد اجتهد قوم بحضرته ﷺ فيمن هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر فأخطؤوا في ذلك حتى بين لهم النبي ﷺ من هم ولم يعنفهم في اجتهادهم وقد أخطؤوا فيه ولكن بين

стр. 823

صلى الله عليه وسلم أنهم لم يصيبوا وأن الحق في خلاف ما قالوا كلهم فإنما يجوز الاجتهاد في تأويل مثل هذا وفيما يعرف به بعضهم بعضا بحضور الصلاة وما أشبه ذلك وأما في إيجاب فرض أو تحريم شيء أو ضرب حد فحرام أن يجوز فيه لأحد اجتهاد برأيه فقط أو قول بوجه من الوجوه لأنهم كانوا يكونون بذلك شارعين ما لم يأذن به الله ومفترين على الله تعالى وقد نزههم الله تعالى عن ذلك وكل ما جاز لهم رضوان الله عليهم أن يجتهدوا فيه فهو جائز لنا ولكل إلى يوم القيامة وما حرم علينا من ذلك وغيره فقد كان حراما عليهم ولا فرق وقد أفتى أبو السنابل باجتهاده في المتوفى عنها زوجها وهي حامل فأخذ بآية الأربعة أشهر وعشرا فأخطأ وهو مجتهد فله أجر واحد لأنه لم يصب حكم الله تعالى وأما حديث معاذ فيما روي من قوله أجتهد رأيي وحديث عبد الله بن عمر وفي قوله أجتهد بحضرتك يا رسول الله فحديثان ساقطان أما حديث معاذ فإنما روي عن رجال من أهل حمص لم يسموا وحديث عبد الله منقطع أيضا لا يتصل فإن قال قائل أيجوز للأنبياء ﵈ الاجتهاد فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن من ظن أن الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم ويكفي من إبطال ذلك أمره تعالى نبيه ﷺ أن يقول ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون﴾ وقوله ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقوله تعالى ﴿ولو تقول علينا بعض لأقاويل * لأخذنا منه بليمين * ثم لقطعنا منه لوتين﴾ وأنه ﷺ كان يسأل عن الشيء فينتظر الوحي ويقول ما أنزل علي في هذا شيء ذلك في حديث في زكاة الحمير وميراث البنتين مع العم والزوجة وفي أحاديث جمة وإن كان السائل عن هذا يعني أيجوز عليه الاجتهاد في قبول شاهدين لعلهما مغفلان فهذا

стр. 824

جائز والحكم بيمين لعلها كاذبة فهذا جائز لأنه ﷺ بهذا أمر نصا وهو ﷺ لم يؤت علم الغيب في كل موضوع وإنما أمر بقبول الشاهدين العدلين عنده من المسلمين أو العدل كذلك مع يمين الطالب أو المرأة الواحدة في الرضاع أو الكافرين في الوصية في السفر أو الواحد على رؤية الهلال أو الأربعة العدول في الزنى أو المرأتين مكان الرجل أو يمين المدعى عليه إن مبطلا وإن محقا ما لم يعلم هو ببطلان الشهادة أو قوله ويسلط الله من يشاء على ظلم من يشاء حتى ينصف كل مظلوم يوم الحشر و ﴿ووضع لكتاب فترى لمجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا لكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ ولا مثقال ذرة إلا جازى عليها إلا ما أسقط من ذلك بالتوبة أو باجتناب الكبائر وهذا الذي قلنا هو نص جلي وقد بين ذلك ﷺ بقوله فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله ﵇ من حلف على منبري هذا بيمين كاذبة حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار وبقوله ﵇ إذا قال له الحضرمي في خصمه يا رسول الله إنه فاجر لا يرع عن شيء وكان ﵇ قد أوجب عليه اليمين فقال ﷺ للحضرمي ليس لك إلا ذلك وإذ قال له أصحابه حين قتل عبد الله بن سهل يا رسول الله أتقبل أيمان يهودي فلم يجعل لهم ﷺ غير ذلك وبقوله ﷺ للمتلاعنين إن أحدكما كاذب فهل منكم تائب فبين ﵇ أنه إنما يفعل ما أمره به ربه تعالى ولم يكلف قط أن يعطي الحق صاحبه بيقين ولا أن يعلم عيب الشهود ولا كلفنا نحن شيئا من ذلك أيضا وإنما أمر أن يقضي بالبينة العدلة عنده ولا يقدر على أكثر من أن يحكم بالعدالة الظاهرة إليه وبظاهر العلم عنده وكما أمر بقبول

стр. 825

اليمين من المنكر وهما شيئان متغايران أحدهما بما شهدت به البينة وألا يقضي على من حلف في قضية ألزم فيها اليمين فهذا هو الذي ألزم النبي ﷺ وألزمنا نحن بعده ﷺ والثاني أن يمكن صاحب الحق في علم الله تعالى من حقه وهذا لا سبيل إلى علمه في كل موضع فإن حرمنا هذا وحرمنا وفاق العدل عند الله فلا إثم ولا حرج لأنه لا سبيل إلى علم ذلك بيقين ولا كلفناه وهذا لا يسمى اجتهادا على الإطلاق ولكنه يقين اتباع ما أمر به ﵇ من الحكم بالعدول على حسب ما يطيق على معرفته وهو الظاهر وبقبول يمين المنكر ولا سبيل إلى اجتهاد النبي ﷺ في شرع الشرائع والأوامر عنده واردة متيقنة ولا إشكال فيها يعمل خاصها من عامها وناسخها من منسوخها ومستثناها من المستثنى منه علم يقين ومشاهدة في جميع ما أنزل عليه وأما الاجتهاد الذي كلفناه نحن فهو طلب هذه المعاني ولم نشاهدها كلها فنعلمها لكن نقبلها من الثقات الذين أمرنا الله تعالى بقبول نذارتهم إلى أن يبلغونا إلى الذين شهدوها وهم ونحن لا نعلم كل ذلك علم يقين فإن اعترض معترض بفعله ﵇ في أخذ الفداء فنزل من عتابه على ذلك ما نزل فالجواب أننا لا ننكر أن يفعل ﵇ ما لم يتقدم نهي من ربه تعالى له عنه إلا أنه لا يترك وذلك ولا بد من أن ينبه عليه وأما الوهم من النبي ﷺ وهو يقصد بذلك فعل الخير فلسنا ننكره إلا أنه لا يقر عليه البتة وهذا لا يجوز أن يكون في شرع شريعة ولا إيجاب فرض ولا تحريم وإنما هو فيما قدره مباحا له إذ لم ينه عنه قبل ذلك لكن كفعله بابن أم مكتوم إذ نزلت ﴿عبس وتولى﴾ وقد احتج بعضهم ممن أجاز الاجتهاد بالرأي في الدين بأمر سليمان وداود

стр. 826

عليهم السلام ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في لحرث إذ نفشت فيه غنم لقوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ قال أبو محمد وهذه مسألة اختلف الناس فيها على وجوه فقوم قالوا نسخ الله حكم داود بحكم سليمان ﵉ قال أبو محمد وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لكان داود مفهما لها لأنه كان يكون حاكما بأمر أمر به قبل أن ينسخ ولما كان سليمان أولى بالإفهام منه وقال بعضهم حكم بدليل منصوب لم يوافق فيه الحقيقة وحكم سليمان فوافق الحقيقة قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إن داود ﵇ حكم بظاهر الأمر مثل ما لو حكمنا نحن بشهادة شاهدين عدلين عندنا وهما في علم الله المغيب عنا مغفلان فأطلع الله تعالى على غيب تلك المسألة سليمان ﵇ فأوحى إليه بيقين من هو صاحب الحق فيها بخلاف شهادة الشهود أو نحو ذلك مما أفهم الله تعالى سليمان فيه بيقين عين صاحب الحق فهذا وجه تلك الآية الذي لا يجوز خلافه لبطلان كل تأويل غيره ولقوله تعالى في الآية نفسها ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود لجبال يسبحن ولطير وكنا فاعلين﴾ فصح أن داود بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى في تلك المسألة وأن سليمان عليهما جميعا السلام حكم فيها بالحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى فيها بالفهم الزائد لحقيقتها وأما ادعاء المرأتين في الولد ودعاء سليمان ﵇ بالسكين ليشقه بينهما فإن سليمان ﵇ إنما أراد اختبار صبرهما ولم يهم قط بشق الصبي وإنما دعا بالسكين موهما لهما بذلك وقد يكون الله تعالى أمره بذلك كما أمر إبراهيم ﵇ بذبح إسماعيل ﵇ ولم يرد قط تعالى ذبحه وإنما أراد اختبار صبر إبراهيم ﵇ واختبار صبر المرأتين فقط ثم نهاه عن شقه إذ لاح أيتهما أمه كما نهى إبراهيم عن ذبح إسماعيل فهذا أيضا وجه ظاهر حسن والله أعلم

стр. 827

وأما أمر موسى والخضر ﵉ فإن الخضر نبي موحى إليه ولم يفعل شيئا من كل ما فعل باجتهاد كما يظن من لا عقل له وإنما فعل كل ذلك بوحي أوحاه الله إليه وبيان ذلك نص الله تعالى بأن حكى عنه أنه قال لموسى ﴿وأما لجدار فكان لغلامين يتيمين في لمدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾ وأما سؤال موسى ﵇ له عن ذلك فإنما فعله ناسيا لعهده ولسنا ننكر أن تنسى الأنبياء ﵈ وقد صلى نبينا ﷺ خامسة ناسيا وسلم من ثلاث ومن اثنين ناسيا وهذا الذي قلنا هو نص القرآن في قوله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال للخضر ﴿قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا﴾ قال أبو محمد فإن احتجوا بما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي عن عمر بن عبد الملك الخولاني عن محمد بن بكر البصري عن سليمان بن الأشعث نا إبراهيم بن موسى ثنا عيسى نا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة تقول قال رسول الله ﷺ إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه فهذا حديث ساقط مكذوب لأن أسامة بن زيد هذا ضعيف لا يحتج بحديثه متفق على أنه كذلك ويبين كذبه ما ذكرنا في أول هذا الباب من الأحاديث التي فيها تركه ﵇ الحكم فيما لم ينزل عليه فيه شيء وانتظاره الموحى في كل ذلك ويكفي من ذلك قول الله تعالى آمرا له أن يقول ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي لأعمى ولبصير أفلا تتفكرون﴾ وقوله تعالى ﴿وما ينطق

стр. 828

عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ وأمر الله تعالى له أن يقول ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ فلو أنه ﷺ شرع شيئا لم يوح إليه به لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه وكل من أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الإسلام وبالله تعالى نعوذ من الخذلان فإن احتج فيها معترض بقوله تعالى ﴿إنآ أنزلنا إليك لكتاب بلحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما﴾ فإن الذي أراه الله تعالى هو الذكر والوحي بنص الآية لأن أولها ﴿إنآ أنزلنا إليك لكتاب بلحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما﴾ وقال تعالى ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن لذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا﴾ ثم توعده على ذلك فقال ﴿إذا لأذقناك ضعف لحياة وضعف لممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا﴾ فبين تعالى أنه ﵇ لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي لكان مفتريا على ربه تعالى وقد عصمه الله من ذلك وكفر من أجازه عليه فصح أنه ﷺ لا يفعل شيئا إلا بوحي فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة وقال تعالى ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ فصح بهذه الآية أن كل نبي كان قبله فهكذا كانوا أيضا إنما اتبع كل نبي شرعته التي أوحي إليه بها فقط وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب ما لم يتقدم نهي عن شيء من ذلك وأباح ﷺ تعالى له التصرف فيه كيف شاء فلسنا ننكر أن يدبر ﵇ كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد وأما في التحريم والإيجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة وذلك مثل ما أراد النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح

стр. 829

لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه وكذلك منازله ﷺ في حروبه له أن ينزل من الأرض حيث شاء ما لم ينه عن مكان بعينه أو يؤمر بمكان بعينه وكذلك قوله ﷺ في تلقيح ثمار أهل المدينة لأنه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك وقد أخبرني محمد بن عبد الله الهمداني عن أبيه أنه ترك تينه سنين دون تذكير فاستغنى عن التذكير فلعل النخل كذلك لو توبع عليه ترك التلقيح سنة بعد سنة لاستغنى عن ذلك وهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شيء إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش من شاء فعل ومن شاء ترك وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والإيجاب فقط بغير نص وقد نص النبي ﷺ في حديث التلقيح على قولنا وقال ﷺ أنتم أعلم بأمور دنياكم وقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وكلاهما عن أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة وثابت وهشام عن أبيه عن عائشة وثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم فقالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمور دنياكم قال أبو محمد فهذا بيان جلي مع صحة سنده في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين وأنه ﷺ لا يقول الدين إلا من عند الله تعالى

стр. 830

وأن سائر ما يقول فيه برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ ﵇ به لأن كل ذلك مباح مطلق له وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل وهو أعلم منا بأمر الله تعالى وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي وهذا نص قولنا وبالله تعالى التوفيق وفي هذا كفاية والحمد رب العالمين ومن ذلك ما قال أبو بكر يوم الحديبية لرسول الله ﷺ إذ قال له بعض من حضر أرى أن نميل على عيال هؤلاء فقال أبو بكر نرى أن نمضي لوجهنا فهذا كله مباح للإمام أن يغزو وله أن يؤخر الغزو ويومه ذلك وشهره ذلك ويغزو بعد ذلك فاعلم الآن أن الاجتهاد إنما هو طلب الحقيقة من الوجوه المؤدية إليها لا من حيث لا يؤدي إليها والطلب كما ذكرنا هو الاستدلال فالاستدلال والاجتهاد شيء واحد وقد يستدل من لا يقع على حقيقة الدليل وكون الشيء في نفسه حقا هو شيء آخر لأنه قد يكون الشيء حقا ولا يوافق له طالبه ولا يضر ذلك الحق كما أن في منازلنا أشياء لا يعلمها غيرنا من الناس وليس جهل من جهلها أو ظن فيها غير ما فيها مما يحيل الحق عن وجهه كما لا نريده علم من علمه درجة في أنه حق والحق المعلوم والحق المجهول سواء في أنهما حق واقعان تحت جنس الحق وكل شيئين وقعا تحت نوع واحد أو تحت جنس واحد فإنهما متساويان في ذلك النوع وذلك الجنس مساواة صحيحة نعني فيما أوجبه لهما تلك الجنسية أو تلك النوعية وكل من بلغه عن النبي ﷺ خبر فقد لزمه البحث عنه فإن لم يفعل فقد عصى الله تعالى وكل من قامت عليه حجة من أصول صححها وأقر بأنها حق فلاحت له وفهمها ثم لم يرجع إلى موجبها لتقليد أو لأنه ظن أن

стр. 831

ههنا حجة أخرى لا يعلمها فهو فاسق وذلك نحو من أقر بخبر الواحد فأتاه حديث صحيح مسند فتركه لقياس أو لهوى أو تقليدا لمالك أو للشافعي أو لأبي حنيفة أو لأحمد أو لداود أو لصاحب من الصحابة أو تابع أو فقيه قديم أو حديث معتقدا أن ذلك الفقيه أو الصاحب كان عنده فضل علم جهله هو أو أن النص الذي قاس عليه أحق أن يتبع فهو فاسق ساقط العدالة عاص لله وأما من تعلق بحديث آخر معارض للحديث الذي بلغه فما دام لا يحقق أصلا في بناء الأحاديث بعضها على بعض فهو مأجور على اجتهاده وإن كان مخطئا ولا إثم عليه في خطئه وهكذا القول في الآي وفي الأحاديث والآي ولا فرق وأما من ذكرنا قبل فبخلاف ذلك لأنه ترك الحق وهو يعلمه فدخل فيمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى وأما إذا حقق أصلا في بناء الأحاديث أو الآي أو الأحاديث مع الآي فالتزمه ثم لم يعتقد موجبه فهو فاسق كما قدمنا للآية التي قال تعالى فيها ﴿ومن يشاقق لرسول من بعد ما تبين له لهدى ويتبع غير سبيل لمؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا﴾ وهذا الذي فعل ما ذكرنا فقد ترك ما أقر بلسانه أنه هدى وأنه أمر الله تعالى ورسوله ﵇ وصار فيمن شهد على نفسه وكذلك من أبى قبول خبر الواحد أو أبى قبول وجه العمل في البناء الصحيح في النصوص فأقيمت الحجة عليه في ذلك كله من براهين راجعة إلى النصوص وفهمها ولاحت له فلم يرجع إلى الحق في ذلك وإنما يعذر من لم تقم عليه حجة بجهله فقط وكذلك من قامت عليه البراهين في إبطال القياس فتمادى عليه وأما من أجاز أن يكون صاحب فمن دونه ينسخ أمرا أمر به رسول الله صلى

стр. 832

الله عليه وسلم أو يحدث شريعة فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال بمنزلة اليهود والنصارى وعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين ونحن برآء منه وهو بريء منا فإن لم تقم عليه الحجة فهو مخطىء مأجور مرة لقصده إلى الخير وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل الباب الثاني والثلاثون في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذي لم يتعمد فعله وبين العمل المصحوب بالقصد إليه وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو إثم وحيث لا يلحق قال أبو محمد قال الله ﴿ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة﴾ وقال تعالى ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين لناس ومن يفعل ذلك بتغآء مرضات لله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ وقال ﴿ولا أقول لكم عندي خزآئن لله ولا أعلم لغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم لله خيرا لله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن لظالمين﴾ وقال تعالى ﴿لقد رضي لله عن لمؤمنين إذ يبايعونك تحت لشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل لسكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ وقال تعالى ﴿أفلم يسيروا في لأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى لأبصار ولكن تعمى لقلوب لتي في لصدور﴾ وقال تعالى ﴿إذا جآءك لمنافقون قالوا نشهد إنك لرسول لله ولله يعلم إنك لرسوله ولله يشهد إن لمنافقين لكاذبون﴾ حدثنا حمام بن أحمد حدثنا عبد الله بن إبراهيم ثنا أبو زيد المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو نعيم ثنا زكريا عن عامر هو الشعبي سمعت النعمان بن بشير سمعت النبي ﷺ يقول فذكر الحديث وفيه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله

стр. 833

وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب نا داود يعني ابن قيس عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات حدثنا القاضي حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن إبراهيم الأصيلي ثنا أبو زيد المروزي نا محمد ابن يوسف الفربري نا محمد بن إسماعيل البخاري نا الحميدي نا سفيان نا يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر سمعت رسول الله ﷺ يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا عمرو الناقد نا كثير بن هشام نا جعفر بن برفان عن يزيد الأصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم قال أبو محمد فصح بكل ما ذكرنا أن النفس هي المأمورة بالأعمال وأن الجسد آلة لها فإن نوت النفس بالعمل الذي تصرف فيه الجسد وجها ما فليس لها غيره وصح أن الله تعالى لا يقبل إلا ما أمر به بالإخلاص له فكل عمل لم يقصد به الوجه الذي أمر الله تعالى به فليس ينوب عما أمر الله تعالى به فبطل قول من قال إن من توضأ تبردا أو تعليما أو تيمم بغير نية أو لم يأكل ولا شرب ولا وطأ بغير نية أو مشى في المناسك بغير نية إنه يجزيه عن الوضوء المأمور به للصلاة وعن التيمم المأمور به للصلاة وعن الصيام المأمور به أو المتطوع به لله وعن الحج المأمور به أو المتطوع به لله

стр. 834

عز وجل لأنه لم يخلص في كل ذلك لله ولا فعله ابتغاء مرضاته تعالى ولا نوى به ما أمر به وقد أخبر الله تعالى على لسان نبيه ﵇ أنه لا ينظر إلى الصور فإذا لم ينظر إلى الصور فقد بطل أن يجزي عمل الصورة المنفرد على عمل القلب الذي هو النية وصح أنه تعالى إنما ينظر إلى القلب وما قصد به فقط ولا بيان أكثر من تكذيب الله لمنافقين في شهادتهم أن محمدا رسول الله وهذا عين الحق وعنصره الذي لا يتم حق إلا به فلما كانوا غير ناوين لذلك القول بقلوبهم صاروا كاذبين فيه وهذا بيان جلي في بطلان كل قول وعمل لم ينو بالقلب ونحن نحكي أقوال الكفار ونتلوها في القرآن ولكنا لم ننوها بقلوبنا لم يضرنا ذلك شيئا وصح بنص الحديث على رسول الله ﷺ أن التقوى في القلب فكل عمل لم يقصده القلب فليس تقوى وكل عمل لم يقصد بالمضغة التي بها يصلح الجسد فهو باطل وإن عمله الجسد وفي هذا كفاية على أن القائلين بخلاف قولنا يتناقضون أقبح تناقض فمن مفرق بين التيمم والوضوء ومن مفرق في النية في الصوم بين أول النهار وآخره ومن مفرق في الحج بين الإحرام وبين سائر فرائضه كل ذلك استطالة في الدين بالآراء الفاسدة والأهواء المضلة بلا دليل من الله تعالى فإن قال قائل منهم إنما أمر الله تعالى بغسل أعضاء الوضوء فغاسلها وإن لم تكن له نية قد غسلها قيل له وبالله تعالى التوفيق ما أمر الله تعالى قط بغسلها مجردا عن النية بذلك للصلاة وبيان ذلك في الآيتين اللتين ذكرنا وفي الحديثين اللذين نصصنا وأيضا فإن الصلاة حركات من وقوف وانحناء ووضع رأس بالأرض فإن فعل ذلك إنسان متمددا ومتأملا شيئا بين يديه ومستريحا حتى أتم بذلك ركعتين في وقت صلاة الصبح لا ينوي بذلك صلاة الصبح أتروه يجزيه ذلك من صلاة الصبح المفترضة عليه وهذا ما لا يقولونه

стр. 835

فقد حصلوا على التناقض فإن احتجوا في الصيام بما روي أنه ﷺ كان يدخل على عائشة فيقول أعندكم طعام فإن قالت لا قال إني صائم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لا حجة لكم في ذلك لأنه ليس فيه نص على أنه ﷺ استأنف الصوم من حينئذ وجائز أن يكون ﷺ سأل هل عندكم طعام وهو قد نوى الصيام فلو وجد طعاما أفطر عليه وترك الصوم كما روى من طريق عائشة أنها قربت إليه طعاما فأكل وقال ﷺ إني كنت أصبحت صائما وهذا جائز لنا نحن أيضا وأما عمل بلا نية فلا سبيل إليه لما قدمنا قبل فإن قالوا فإنكم تجيزون غسل النجاسة بلا نية فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن كل نجاسة أمر رسول الله ﷺ بإزالتها بعمل موصوف وبعدد محدود فلا بد في إزالتها من النية ولا تجزى إلا بالقصد إليه تأدية العمل المأمور به فيها وإلا فلا وأما كل نجاسة أمرنا باجتنابها فقط دون أن يجد لنا فيها عمل أو عدد فكيف ما زالت فقد زالت وقد اجتنبناها وأيضا فإنه لولا الإجماع ما أجزنا ذلك ههنا وأيضا فإن لباس الثوب النجس حلال إلا في الصلاة وفرض الصلاة أن يصلي قاصدا بنيته إلى لباس وثياب طاهرة عنده لا نجاسة فيه فإذا صلى في ثوب هذه صفته ناويا لذلك فقد أدى فرضه كما أمر بالنية التي أمر بها وليس غسلها فرضا لا يجزي سواه بل لو قطعها أو انقطع موضعها من ثوبه أو لبس ثوبا آخر أجزأه فحسبنا أن يكون الثوب طاهرا لا نجاسة فيه ولا نبالي كيف زالت النجاسة عنه ولا فرق بين إجازة مالك النية للصوم لرمضان في أول ليلة منه ويجزي ذلك عنده من تحديد النية كل ليلة وبين إجازة أبي حنيفة إحداث النية لصيام كل يوم من رمضان قبل زوال الشمس وإن لم ينوه من الليل ولا فرق بين تقديم النية قبل وقت العمل وبين تأخيرها

стр. 836

عن وقت العمل وفي كلا الوجهين يحصل العمل المأمور به مؤدى بلا نية مصاحبة له ولا يجوز أن يؤدى عمل إلا بنية متقدمة يتصل بها ومعها الدخول فيه بلا مهلة ولا يعرى الابتداء به منها ولو أمكن ذلك في الصوم حتى تكون النية متصلة بطلوع الفجر لما أجزأ غير ذلك ولكن لما كان ذلك غير ممكن في كل وقت أجزأ ذلك على قدر الطاقة هذا مع الحديث الوارد في هذا المعنى من طريق حفصة لا صيام لمن لم يبيته من الليل وبالله تعالى التوفيق ولا بد لكل عمل من نية وكل شيء يتصرف فيه المرء فلا يخلو من أحد وجهين إما حركة وإما إمساك عن حركة وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين وبين المعصية منهما وبين اللغو منهما النيات فقط ولا فرق بين الطاعة والمعصية واللغو في الحركات والإمساك عن الحركات إلا بالنيات فقط وإلا فكل واحد فهو إما واقع تحت جنس الحركة وإما واقع تحت جنس الإمساك عن الحركة فوجب بالضرورة أن لا يتم عمل ولا يصح أن يكون حركة أو إمساك متوجهين إلى الطاعة المأمور بها خارجين عن المعصية وعن اللغو إلا بنية هذا أمر لا محيد عنه أصلا إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور فمن صلى بنية رياء ففاسق عاص ومن صلى بنية الطاعة التي أمر بها فمطيع فاضل ومن ركع وسجد وقام وقعد لا بنية رياء ولا بنية الطاعة فذلك لغو وليس مطيعا ولا عاصيا ومن توضأ بنية الرياء ففاسق عاص ومن توضأ بنية الطاعة كما أمر فمطيع فاضل ومن غسل أعضاءه تبردا بلا نية طاعة ولا بنية رياء فليس مطيعا ولا عاصيا وإذا لم يكن مطيعا فلم توضأ الوضوء الذي هو طاعة الله مأمور به وكذلك الصوم والحج والجهاد والزكاة لأن الصوم إنما هو إمساك عن الأكل والشرب والوطء والقيء والكذب والغيبة ومباشرة من لا يحل للمرء مباشرته فإن أمسك عن كل ذلك

стр. 837

بنية الرياء فهو عاص لله فاسق غير صائم وإن أمسك عن كل ذلك بنية الطاعة في تركه كما أمر فهو مطيع فاضل صائم وإن أمسك عن كل ذلك لا بنية الرياء ولا بنية الطاعة كما أمر فليس مطيعا ولا عاصيا وإذا لم يكن كذلك فليس صائما وإذا لم يمسك بنية الطاعة عن ذلك في صوم الفرض في الوقت الذي أمر فيه بالإمساك عن كل ما ذكرنا فهو عاص لأنه خالف ما أمر به وهكذا القول في رمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة والطواف والسعي وكذلك سائر الأشياء كلها فمن أكل الشعير مؤثرا بالبر المساكين ناويا للبر في ذلك ففاضل محمود ومن أكله لؤما وبخلا وخزن البر مستكثرا للمال فمذموم آثم ومن مشى راجلا وحمل متاعه بيده تواضعا لله تعالى لا بخلا ولا دناءة وتصاون عن الخسائس مع ذلك وتصدق ناويا بكل ذلك ما ذكرنا فهو فاضل محمود ومن فعل ذلك بخلا ودناءة فمذموم وإن فعل بنية رياء ففاسق ومن أنكح بنته عبده أو علجا كما فعل ضرار بن عمرو تواضعا ونيته التسوية بين المسلمين وهو مع ذلك عزيز النفس غير طمع ولا جشع ففاضل محمود عند أهل العقول رائض لنفسه الغضبية ومن فعل ذلك طمعا أو مهانة نفس فمذموم ساقط ومن لبس الوشي المرتفع الذي ليس حريرا بنية الاقتداء بالنبي ﷺ فمأجور فاضل ومن لبسه بنية التخنث والأشر والإعجاب ففاسق مذموم وهكذا جميع الأعمال أولها عن آخرها فصح أن لا عمل أصلا إلا بنية كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل أنتم تقولون فيمن أعتق في نفسه أمته أو عبده ونوى عتقهما وأمضاه نية صحيحة إلا أنه لم يلفظ بعتقهما أنهما لا يكونان بذلك حرين ولا يكون هو معتقا لا عند الله ولا في الحكم فإن العبد والأمة باقيان مملوكين له كما كانا وتقولون فيمن طلق في نفسه ونوى الطلاق إلا أنه لم يلفظ

стр. 838

بلفظ من ألفاظ الطلاق إنه لا يكون مطلقا بذلك لا عند الله ولا في الحكم وإنما امرأته حلال له كما كانت حتى أنكم تقولون إنه إن لفظ بلفظ ليس من ألفاظ الطلاق ونوى به الطلاق إنه لا يلزمه بذلك طلاق وإنها امرأته كما كانت حلال له في الحكم والفتيا معا وتقولون إن من وهب نيته أو تصدق بنيته بشيء من ماله مسمى ولكنه لم يلفظ بلفظ من ألفاظ الهبة أو الصدقة إنه بذلك غير واهب ولا متصدق ولا يلزمه شيء لا في الفتيا ولا في القضاء وإن اعترف بذلك وأقر بأنه نواه ثم تقولون إن من نوى في حال صيامه أنه تارك للصوم عامدا بذلك ذاكرا لصومه إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا وطىء ولا فعل فعلا ينقض الصوم فإن صومه قد بطل وأنه قد أفطر وتقولون فيمن نوى في حال صلاته إنه تارك الصلاة خارج عنها إلا أنه لم يفارق ما هو فيه من هيئتها أنه قد بطلت صلاته إذا تعمد ذلك وهو ذاكر أنه في صلاة وتقولون فيمن نوى في حال إعطائه زكاة ماله أنه ليس ذلك عن زكاته المفترضة عليه إنه كذلك غير مؤد فرض زكاته وأن عليه أداءها ثانية وتقولون فيمن نوى في حال تذكيته ما يذكي أنه عابث غير قاصد إلى التذكية المأمور بها إنها ميتة لا يحل أكلها وتقولون فيمن نوى في حال عمرته وحجه إنه رافض لهما وهو مع ذلك متماد في عملهما فإن حجه وعمرته قد بطلا وتقولون فيمن نوى في حال وضوئه وغسله إن بعض عمله لهما لا ينوي به أداء الغسل الوضوء المفترضين عليه إن ذلك الغسل والوضوء ناقصان لا بد من إعادة ما عمل بغير نية وتقولون فيمن أتم كل هذه الأعمال بنية لها فلما أتمها نوى بطلانها إنه لا يبطل شيء منها بذلك وأنها ماضية جازية جائزة فما الفرق بين ما جوزتموه وبين ما أبطلتموه من ذلك وهل كل ذلك إلا سواء وما الفرق بين استغناء النية في بعض هذه الوجوه عن مضامة العمل إليها وبين افتقارها إلى مضامة العمل

стр. 839

إليها في بعضها فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن جميع الأعمال المأمور بها هي مفتقرة إلى نية تصحبها كما قدمنا لما ذكرنا في أول هذا الباب من وجوب القصد إلى الله تعالى والإخلاص له بالعمل فمتى قصد المرء إلى إبطال تلك النية فقد بطل ذلك العمل إذ لم يأت به كما أمر من إصحاب النية إياه فلذلك بطل ما ذكرنا من الوضوء والغسل والصوم والحج لأنه ليس إلا صائم أو غير صائم أو مصل أو غير مصل ومتوضىء أو غير متوضىء وهكذا في الزكاة والحج وغير ذلك فإذا لم يكن صائما ولا مصليا ولا متوضئا كما أمر فهو غير صائم ولا متوضىء ولا مصل وهكذا سائر الأعمال وهكذا القول عندنا فيمن طلق أو عتق أو تصدق بغير نية إن كل ذلك لا يلزمه عند الله تعالى وإن كنا نقضي عليه بإمضائه لأنا لا نعلم نيته في ذلك ولو علمنا أنه بغير نية لما حكمنا عليه بشيء من ذلك أصلا فلو وصل قوله كله فقال عبدي حر بغير نية مني لعتقه أو قال ذلك في الطلاق والنكاح والصدقة والهبة لما أنفذنا عليه شيئا من ذلك أصلا وكل ما ذكرنا وما لم نذكر من سائر الأعمال فلا تجزىء فيه النية دون العمل ولا العمل دون النية ولا بد من اقترانهما معا لأنه مأمور من الله تعالى بهما معا فلا بد في الصلاة من حركات محدودة معمولة مع النية ولا بد في الوضوء من مثل ذلك أيضا ولا بد في الحج من مثل ذلك ولا بد في الصوم من إمساك عن كل ما أمر بالإمساك عنه مع النية أيضا ولا بد في العتق والطلاق والنكاح والهبة والصدقة من نطق ولفظ مع النية في كل ذلك لأنه لا يعلم شيء من ذلك إلا بالألفاظ المعبرة عنه وإن انفرد في كل ما ذكرنا عمل دون نية فهو باطل وإن انفرد نية فيه دون عمل فهي باطل أيضا فمن نوى أن يصلي أو يتوضأ أو يحج أو يصوم ولم يصل ولا توضأ ولا

стр. 840

حج ولا صام فلا شيء له فلا يظن الظان أن قولنا اختلف في شيء مما ذكرنا بل هو كله باب واحد وهو أنه لا بد من عمل ونية لا حكم لأحدهما دون الآخر ومن خالفنا في هذا فإنه يتناقض فمرة يقول بقولنا في بعض المواضع ومنها الصلاة ومرة لا يقول بقولنا دون دليل لكن اتباعا للهوى والتقليد الذي لا يحل فإن قال فإنكم تقولون فيمن أفطر ناسيا غير ذاكر لصومه أو تكلم أو عمل أو أكل ناسيا في صلاته غير ذاكر أنه في صلاة أو قتل صيدا وهو محرم غير معتمد لقتله إنه لا شيء عليه في كل ذلك ثم تقولون من أحدث بشيء يخرج من مخرجيه من غائط أو بول أو ريح أو مذي أو ودي أو مني ناسيا أو نام مغلوبا فقد بطلت طهارته وتقولون إن من ذبح أو نحر أو تصيد فلم يسم الله تعالى ناسيا أو عامدا فكلاهما سواء لا يحل أكل شيء من ذلك فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن الأصل الذي تجري عليه الفتيا أنه لا شيء على الناس لقوله تعالى ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ فلا يخرج عن هذا النص إلا ما أخرجه نص أو إجماع فلهذا النص ولما أخبرنيه أبو العباس أحمد بن عمر العذري أنا الحسين بن عبد الله الجرجاني ثنا عبد الرزاق بن أحمد بن عبد الحميد الشيرازي أخبرتنا فاطمة بنت الحسن بن الريان المخزومي وراق القاضي أبي بكار بن قتيبة قالت ثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ففي هذا الحديث نص التسوية

стр. 841

بين العمل المقصود نسيانا بغير نية وبين الخطأ الذي لم يقصد فلهذا ولنصوص أخر لم يبطل الصوم بفطر نسيان ولا بطلت الصلاة لعمل نسيان وهكذا كل نسيان إلا نسيانا استثناه من هذا النص نص آخر أو إجماع كما صح من الإجماع المتيقن المقطوع به في الأحداث المذكورة أنها تنقض الطهارة على كل حال بالنسيان والعمد وبالضرورة ندري أنه لم يزل الناس يحدثون في كل يوم من عهد رسول الله ﷺ وكلهم يوجب الوضوء من ذلك فصح أنه إجماع منقول إلى رسول الله ﷺ وكذلك النوم لأنه لا يكون إلا بغلبة أبدا لا بقصد ولو قصد المرء دهره كله أن ينام لم يقدر إلا أن يغلبه النوم وأما سائر الأحداث التي لا إجماع فيها فإنها لا تنقض الطهارة عندنا إلا بالقصد والعمد لا بالنسيان كاللمس للنساء وكمس الفرج وأما الذكاة فإن النص ورد بألا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وقال تعالى ﴿يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم لطيبات وما علمتم من لجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم لله فكلوا ممآ أمسكن عليكم وذكروا سم لله عليه وتقوا لله إن لله سريع لحساب﴾ فلما كان ما ذكاه الناس للتسمية مما لم يذكر اسم الله عليه بلا شك كان مما نهينا عن أكله بالنص وأما الإثم فساقط عن الناسي جملة وقد رام قوم أن يتوصلوا إلى إباحة ما نسي ذكر اسم الله عليه بقوله في الآية المذكورة ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وقالوا الفسق لا يقع إلا على النسيان قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف لأننا لم نقل إن الله تعالى أوقع اسم الفسق على نسيان الناسي للتسمية وإنما قلنا ما في نص الآية إن ذلك الشيء المذبوح أو المنحور أو المتصيد الذي لم يسم الله تعالى عليه عمدا أو نسيانا هو نفسه المسمى فسقا كما سمى الله تعالى الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان فبطل تمويههم وكان الناس لذكر اسم الله تعالى على التذكية غير مذك وغير المذكى لا يحل أكله وكذلك من نسي أن يذكي ففك الرقبة وكذلك من

стр. 842

نسي النية في مدخل صلاته ومدخل صومه ومدفع زكاته فهؤلاء كلهم غير مصل ولا صائم ولا مزك إلا أن الزكاة ليست مرتبطة بوقت محدود الطرفين فهي تقضى أبدا وقد جاء النص بوجوب قضاء الصلاة على الناسي وأما الصيام فهو مرتبط بوقت محدود الطرفين فلا سبيل إلى نقله إلا بنص آخر وكذلك المذكي إنما هو عمل في شيء بعينه لا يقدر على استرجاعه بعد موته فلما لم يسم الله عليه بنسيان أو عمد فهو ميتة لا يحل أكله والتسمية في اللغة لا تقع إلا على ما ذكرنا باللسان لا على ما استقر في القلب دون ذكر باللسان والعجب كل العجب ممن يرى على المفطر ناسيا القضاء ولا يعذره وقد جاء النص بأنه صائم تام الصوم ثم يرى أكل ما نسي ذكر اسم الله تعالى عليه من المذبوحات وغيرها ويعذر ههنا بالنسيان حيث عم النص بالمنع منه وهذا كما ترى وبالله تعالى التوفيق وكذلك من افتتح العمل الذي أمر به بنية قصد إليه كما أمر ثم نسي النية في درج ذلك العمل وكان العمل متصلا غير منقطع فهذا لا يبطل عمله بالنسيان للنص الذي ذكرنا فبطل بكل ما ذكرنا ما ظنه الظان من أن قولنا إن كون الفطر بنية الفطر عمدا في الصوم دون الأكل واقع أنه مخالف لقولنا إن العتق والطلاق بالنية دون النطق غير واقعين بل هو كله باب واحد وذلك أن الإمساك عما ينقض الصوم بغير نية قصد بذلك إلى أداء الصوم فاسد باطل وكذلك نية الصوم دون الإمساك عما ينقض الصوم عمدا باطل فاسد وكذلك العتق والطلاق دون نية لهما باطل وكذلك النية لهما دون إظهارهما بما لا يكونان إلا به فاسدة باطل ولاح أن الشك إنما وقع لمن وقع في هذا لاختلاف الأجوبة وبيان تحقيق رفع الإشكال في هذا الباب هو أن يسأل السائل فيقول ما تقولون فيمن طلق في نيته دون قول وفيمن أعتق في نيته دون قول

стр. 843

وفيمن أفطر في نيته دون عمل يفسد به الصوم وفيمن نوى إبطال صلاته التي هو فيها بنيته دون عمل مضاد للصلاة أو نوى تبردا في خلال وضوئه ولم يحدث حدثا ينقض الوضوء وفعل كل ذلك عامدا ذاكرا لما هو فيه فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن نقول له كل من ذكرت لا عتق له ولا طلاق له ولا صوم له ولا وضوء له ولا صلاة له ومثل هذا الإيمان فإنه قول ونية فمن عدم النية ولفظ بالإيمان فهو إيمان له ومن عدم القول ونوى بالإيمان فلا إيمان له وإذا كان لا إيمان له فهو كافر لأنه ليس إلا مؤمن أو كافر وأما من أتم العمل الذي أمر به كما أمر به من عمل ونية ثم نوى بعد انقضائه نقضه وإبطاله لم يكن ذلك العمل منتقضا لأنه قد كمل وتأدى كما أمر الله تعالى وانقضى وقته فلا ينقضه نية مستأنفة وكذلك لا تصلح العمل الفاسد نية غير مضامة له إما متقدمة وإما متأخرة وقد أقمنا البراهين على أن كل ما صح في وقت لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وما بطل في وقت لم يصح في ثان إلا بنص أو إجماع وهذا القول فيمن طلق بنية وأعتق بنيته دون لفظ إن الملك والنكاح قد صحا في أول فلا يبطلان في ثان إلا بنص ولا نص ولا إجماع في بطلانهما بالنية دون الألفاظ الموضوعة لنقضهما وبطل بما ذكرنا قول من أراد أن يحقق جواز العمل بنية متقدمة له غير متصلة به لأنه لو جاز أن يكون بين النية والعمل دقيقة لجاز أن يكون بينهما مائة عام ولا فرق وقد قال المالكيون إن في أول ليلة من شهر رمضان تجزىء النية لصيام باقيه وهذا باطل لأنه لو جاز ذلك لأجزت نية واحدة في أول رمضان يصومه المرء عن إحداث نية لكل رمضان يأتي وهم لا يقولون ذلك فإن قالوا إنه يحول بين رمضان ورمضان شهور لا صيام فيها قيل لهم وكذلك يحول بين كل يومين من أيام رمضان ليل لا صيام فيه ولكل يوم حكمه وقد

стр. 844

يمرض ويسافر فيفطر ولا يبطل لذلك صيام ما سلف ومن قولهم إن انتقاض صيام يوم من رمضان بطاعة أو بمعصية لا ينقض صيام ما سلف فيه وهذا هدم لقولهم فإن ادعوا في ذلك إجماعا أكذبهم سعيد بن المسيب عميد أهل المدينة لأنه يقول من أفطر في رمضان يوما عمدا فعليه قضاء الشهر كله لأنه عنده كيوم واحد وكصلاة واحدة إن انتقضت منها ركعة تعمدا انتقضت كلها فاستبان بكل ما ذكرنا أن كل هذا نوع واحد لا خلاف بين شيء منه ولم نقل هذا على أننا حاكمون لبعض ما ذكرنا بمثل حكمنا لسائره قياسا ومعاذ الله من ذلك ولكنا أرينا أصحاب القياس تناقضهم في ذلك حيث يرتضونه ويصححونه ويحكمون به من القياس الفاسد وأما نحن فإنما معتمدنا في كل ما ذكرنا على ما قد بيناه من أن كل عمل خلا من نية أو كل نية خلت من عمل فكل ذلك فاسد لقوله تعالى ﴿ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة﴾ فأمرنا بشيئين كما ترى العبادة وهي العمل والإخلاص وهو النية فلا يجزىء أحدهما دون الآخر وبقوله ﵇ إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى فصح بهذا النص أنه لا عمل إلا بنية مقترنة معه غير متقدمة ولا متأخرة وقوله تعالى ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ إلا أن يأتي نص باستثناء شيء من هذه النصوص فنصير إليه وإلا فلا وقد سألني بعضهم فقال ما تقول فيمن أفطر ناسيا لصومه فقلت له صومه تام قال فما تقول فيمن ترك ركعة من صلاته ناسيا فقلت يصليها ما لم ينتقض وضوءه أو يعيد الصلاة كلها إن انتقض وضوءه فقال لي لم فرقت بين الأمرين وهلا أجزت الصلاة مع نسيان بعضها كما أجزت الصيام مع نسيان بعضه بإفطار في بعض نهاره فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لسنا من أصحاب القياس فيلزمنا هذا

стр. 845

السؤال وإنما اتبعنا النص الوارد فيمن أفطر ناسيا أنه يتم صومه واتبعنا فيمن نسي صلاته أو بعضها أن يصليها لأننا مأمورون بالصلاة بالنص وبعض الصلاة صلاة فمن لم يصل ناسيا قيل له بالنص أقم الصلاة التي نسيت إذا ذكرتها ولا مزيد ولكنا نتطوع ونريه فساد ما أراد إلزامنا إياه من طريق القياس الذي يدعونه وهم أترك الناس لطرده فنقول وبالله تعالى التوفيق ليس يشبه تارك ركعة ناسيا من أفطر ناسيا وإنما يشبه من أفطر ناسيا من تكلم في صلاته ناسيا ويشبه تارك الركعة ناسيا من نسي أنه صائم فنوى الفطر في باقي نهاره إلا أن النص فرق بين حكميهما وذلك أن النبي ﷺ يقول من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولم يأمر في نسيان الصوم بذلك والصوم له وقت محدود حده الله تعالى فلا سبيل إلى نقله إلى وقت آخر أصلا إلا حيث جاء النص بنقله فقط ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى قال الله ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ نعوذ بالله من الظلم والظلم حرام وأما من نوى أن يفطر ولو بعد ساعة ولم ينو أنه مفطر في وقته ذلك فلا يكون بذلك مفطرا أصلا فإن جازت تلك الساعة ولم يحدث فيها نية للفطر مجددة لم يضر صومه تلك شيئا وصومه تام وهكذا من نوى أن يزني ولم يزن أو أن يشرب ولم يشرب أو أن يتصدق ولم يتصدق لا يكتب له ولا عليه ما لم يفعل من كل ذلك شيئا وهو كله باب واحد ولا عمل إلا بنية مصحبة للدخول فيه يكون أول الدخول فيه بعد إحداثها والخطأ يكون على ضربين أحدهما فعل لم يقصده الإنسان أصلا وذلك كرجل رمى غرضا فأصاب إنسانا لم يقصده وكإنسان جر نفسه فاستجر ذبابا فدخل حلقه وهو صائم أو أراد حك فخذه فمس ذكره فهذا وجه وهو الذي يسميه أهل الكلام التولد لأنه تولد عن فعله ولم يقصد هو فعله والوجه
следующие страницы →