Полный текст (1 408 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
بين العمل المقصود نسيانا بغير نية وبين الخطأ الذي لم يقصد فلهذا ولنصوص أخر لم يبطل الصوم بفطر نسيان ولا بطلت الصلاة لعمل نسيان وهكذا كل نسيان إلا نسيانا استثناه من هذا النص نص آخر أو إجماع كما صح من الإجماع المتيقن المقطوع به في الأحداث المذكورة أنها تنقض الطهارة على كل حال بالنسيان والعمد
وبالضرورة ندري أنه لم يزل الناس يحدثون في كل يوم من عهد رسول الله ﷺ وكلهم يوجب الوضوء من ذلك فصح أنه إجماع منقول إلى رسول الله ﷺ وكذلك النوم لأنه لا يكون إلا بغلبة أبدا لا بقصد ولو قصد المرء دهره كله أن ينام لم يقدر إلا أن يغلبه النوم وأما سائر الأحداث التي لا إجماع فيها فإنها لا تنقض الطهارة عندنا إلا بالقصد والعمد لا بالنسيان كاللمس للنساء وكمس الفرج وأما الذكاة فإن النص ورد بألا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وقال تعالى ﴿يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم لطيبات وما علمتم من لجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم لله فكلوا ممآ أمسكن عليكم وذكروا سم لله عليه وتقوا لله إن لله سريع لحساب﴾ فلما كان ما ذكاه الناس للتسمية مما لم يذكر اسم الله عليه بلا شك كان مما نهينا عن أكله بالنص وأما الإثم فساقط عن الناسي جملة وقد رام قوم أن يتوصلوا إلى إباحة ما نسي ذكر اسم الله عليه بقوله في الآية المذكورة ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر سم لله عليه وإنه لفسق وإن لشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وقالوا الفسق لا يقع إلا على النسيان قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف لأننا لم نقل إن الله تعالى أوقع اسم الفسق على نسيان الناسي للتسمية وإنما قلنا ما في نص الآية إن ذلك الشيء المذبوح أو المنحور أو المتصيد الذي لم يسم الله تعالى عليه عمدا أو نسيانا هو نفسه المسمى فسقا كما سمى الله تعالى الخمر والميسر رجسا من عمل الشيطان فبطل تمويههم وكان الناس لذكر اسم الله تعالى على التذكية غير مذك وغير المذكى لا يحل أكله وكذلك من نسي أن يذكي ففك الرقبة وكذلك من
стр. 842
نسي النية في مدخل صلاته ومدخل صومه ومدفع زكاته فهؤلاء كلهم غير مصل ولا
صائم ولا مزك إلا أن الزكاة ليست مرتبطة بوقت محدود الطرفين فهي تقضى أبدا وقد جاء النص بوجوب قضاء الصلاة على الناسي وأما الصيام فهو مرتبط بوقت محدود الطرفين فلا سبيل إلى نقله إلا بنص آخر وكذلك المذكي إنما هو عمل في شيء بعينه لا يقدر على استرجاعه بعد موته فلما لم يسم الله عليه بنسيان أو عمد فهو ميتة لا يحل أكله والتسمية في اللغة لا تقع إلا على ما ذكرنا باللسان لا على ما استقر في القلب دون ذكر باللسان
والعجب كل العجب ممن يرى على المفطر ناسيا القضاء ولا يعذره وقد جاء النص بأنه صائم تام الصوم ثم يرى أكل ما نسي ذكر اسم الله تعالى عليه من المذبوحات وغيرها ويعذر ههنا بالنسيان حيث عم النص بالمنع منه وهذا كما ترى وبالله تعالى التوفيق وكذلك من افتتح العمل الذي أمر به بنية قصد إليه كما أمر ثم نسي النية في درج ذلك العمل وكان العمل متصلا غير منقطع فهذا لا يبطل عمله بالنسيان للنص الذي ذكرنا فبطل بكل ما ذكرنا ما ظنه الظان من أن قولنا إن كون الفطر بنية الفطر عمدا في الصوم دون الأكل واقع أنه مخالف لقولنا إن العتق والطلاق بالنية دون النطق غير واقعين بل هو كله باب واحد وذلك أن الإمساك عما ينقض الصوم بغير نية قصد بذلك إلى أداء الصوم فاسد باطل وكذلك نية الصوم دون الإمساك عما ينقض الصوم عمدا باطل فاسد وكذلك العتق والطلاق دون نية لهما باطل وكذلك النية لهما دون إظهارهما بما لا يكونان إلا به فاسدة باطل ولاح أن الشك إنما وقع لمن وقع في هذا لاختلاف الأجوبة وبيان تحقيق رفع الإشكال في هذا الباب هو أن يسأل السائل فيقول ما تقولون فيمن طلق في نيته دون قول وفيمن أعتق في نيته دون قول
стр. 843
وفيمن أفطر في نيته دون عمل يفسد به الصوم وفيمن نوى إبطال صلاته التي هو فيها بنيته دون عمل مضاد للصلاة أو نوى تبردا في خلال وضوئه ولم يحدث حدثا ينقض الوضوء وفعل كل ذلك عامدا ذاكرا لما هو فيه فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن نقول له كل من ذكرت لا عتق له ولا طلاق له ولا صوم له ولا وضوء له ولا صلاة له ومثل هذا الإيمان فإنه قول ونية فمن عدم النية ولفظ بالإيمان فهو إيمان له ومن عدم القول ونوى بالإيمان فلا إيمان له وإذا كان لا إيمان له فهو كافر لأنه ليس إلا مؤمن أو كافر وأما من أتم العمل الذي أمر به كما أمر به من عمل ونية ثم نوى بعد انقضائه نقضه وإبطاله لم يكن ذلك العمل منتقضا لأنه قد كمل وتأدى كما أمر الله تعالى وانقضى وقته فلا
ينقضه نية مستأنفة وكذلك لا تصلح العمل الفاسد نية غير مضامة له إما متقدمة وإما متأخرة وقد
أقمنا البراهين على أن كل ما صح في وقت لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وما بطل في وقت لم يصح في ثان إلا بنص أو إجماع وهذا القول فيمن طلق بنية وأعتق بنيته دون لفظ إن الملك والنكاح قد صحا في أول فلا يبطلان في ثان إلا بنص ولا نص ولا إجماع في بطلانهما بالنية دون الألفاظ الموضوعة لنقضهما وبطل بما ذكرنا قول من أراد أن يحقق جواز العمل بنية متقدمة له غير متصلة به لأنه لو جاز أن يكون بين النية والعمل دقيقة لجاز أن يكون بينهما مائة عام ولا فرق وقد قال المالكيون إن في أول ليلة من شهر رمضان تجزىء النية لصيام باقيه وهذا باطل لأنه لو جاز ذلك لأجزت نية واحدة في أول رمضان يصومه المرء عن إحداث نية لكل رمضان يأتي وهم لا يقولون ذلك فإن قالوا إنه يحول بين رمضان ورمضان شهور لا صيام فيها قيل لهم وكذلك يحول بين كل يومين من أيام رمضان ليل لا صيام فيه ولكل يوم حكمه وقد
стр. 844
يمرض ويسافر فيفطر ولا يبطل لذلك صيام ما سلف ومن قولهم إن انتقاض صيام يوم من رمضان بطاعة أو بمعصية لا ينقض صيام ما سلف فيه وهذا هدم لقولهم فإن ادعوا في ذلك إجماعا أكذبهم سعيد بن المسيب عميد أهل المدينة لأنه يقول من أفطر في رمضان يوما عمدا فعليه قضاء الشهر كله لأنه عنده كيوم واحد وكصلاة واحدة إن انتقضت منها ركعة تعمدا انتقضت كلها فاستبان بكل ما ذكرنا أن كل هذا نوع واحد لا خلاف بين شيء منه ولم نقل هذا على أننا حاكمون لبعض ما ذكرنا بمثل حكمنا لسائره قياسا ومعاذ الله من ذلك ولكنا أرينا أصحاب القياس تناقضهم في ذلك حيث يرتضونه ويصححونه ويحكمون به من القياس الفاسد وأما نحن فإنما معتمدنا في كل ما ذكرنا على ما قد بيناه من أن كل عمل خلا من نية أو كل نية خلت من عمل فكل ذلك فاسد لقوله تعالى ﴿ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له لدين حنفآء ويقيموا لصلاة
ويؤتوا لزكاة وذلك دين لقيمة﴾ فأمرنا بشيئين كما ترى العبادة وهي العمل والإخلاص وهو النية فلا يجزىء أحدهما دون الآخر وبقوله ﵇ إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى فصح بهذا النص أنه لا عمل إلا بنية
مقترنة معه غير متقدمة ولا متأخرة وقوله تعالى ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ إلا أن يأتي نص باستثناء شيء من هذه النصوص فنصير إليه وإلا فلا وقد سألني بعضهم فقال ما تقول فيمن أفطر ناسيا لصومه فقلت له صومه تام قال فما تقول فيمن ترك ركعة من صلاته ناسيا فقلت يصليها ما لم ينتقض وضوءه أو يعيد الصلاة كلها إن انتقض وضوءه فقال لي لم فرقت بين الأمرين وهلا أجزت الصلاة مع نسيان بعضها كما أجزت الصيام مع نسيان بعضه بإفطار في بعض نهاره فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لسنا من أصحاب القياس فيلزمنا هذا
стр. 845
السؤال وإنما اتبعنا النص الوارد فيمن أفطر ناسيا أنه يتم صومه واتبعنا فيمن نسي صلاته أو بعضها أن يصليها لأننا مأمورون بالصلاة بالنص وبعض الصلاة صلاة فمن لم يصل ناسيا قيل له بالنص أقم الصلاة التي نسيت إذا ذكرتها ولا مزيد ولكنا نتطوع ونريه فساد ما أراد إلزامنا إياه من طريق القياس الذي يدعونه وهم أترك الناس لطرده فنقول وبالله تعالى التوفيق ليس يشبه تارك ركعة ناسيا من أفطر ناسيا وإنما يشبه من أفطر ناسيا من تكلم في صلاته ناسيا ويشبه تارك الركعة ناسيا من نسي أنه صائم فنوى الفطر في باقي نهاره إلا أن النص فرق بين حكميهما وذلك أن النبي ﷺ يقول من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولم يأمر في نسيان الصوم بذلك والصوم له وقت محدود حده الله تعالى فلا سبيل إلى نقله إلى وقت آخر أصلا إلا حيث جاء النص بنقله فقط ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى قال الله
﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ نعوذ بالله من الظلم والظلم حرام وأما من نوى أن يفطر ولو بعد ساعة ولم ينو أنه مفطر في وقته ذلك فلا يكون بذلك مفطرا أصلا فإن جازت تلك الساعة ولم يحدث فيها نية للفطر مجددة لم يضر صومه تلك شيئا وصومه تام
وهكذا من نوى أن يزني ولم يزن أو أن يشرب ولم يشرب أو أن يتصدق ولم يتصدق لا يكتب له ولا عليه ما لم يفعل من كل ذلك شيئا وهو كله باب واحد ولا عمل إلا بنية مصحبة للدخول فيه يكون أول الدخول فيه بعد إحداثها والخطأ يكون على ضربين أحدهما فعل لم يقصده الإنسان أصلا وذلك كرجل رمى غرضا فأصاب إنسانا لم يقصده وكإنسان جر نفسه فاستجر ذبابا فدخل حلقه وهو صائم أو أراد حك فخذه فمس ذكره فهذا وجه وهو الذي يسميه أهل الكلام التولد لأنه تولد عن فعله ولم يقصد هو فعله والوجه
стр. 846
الثاني فعل قصد الإنسان عمله إلا أنه لم ينو بذلك طاعة ولا معصية ولا نوى بذلك ما حدث من فعله ولا قصد إلى بعض ما أمر به ولا إلى خلاف ما أمر به كإنسان لطم آخر فوافق منية الملطوم أو كإنسان صائم عمد الأكل وهو غير ذاكر لصومه ولا قاصد إفساد صومه أو نسي أنه في صلاة فقصد إلى الأكل أو إلى الكلام أو إلى المشي غير عامد لإفساد صلاته أو نسي أنه على طهارة فقصد إلى مس ذكره غير قاصد بذلك إلى نقض وضوئه أو سقاه إنسان بحضرة عدول من إناء أخبره أن فيه نبيذا غير مسكر فلما جرع منه قاصدا إلى شربه علم أنه خمر فأزاله عن فيه بعد أن شرب منه أو وطىء امرأة لقيها في فراشه عامدا لوطئها وهو يظنها امرأته فإذا بها أجنبية أدخلت عليه أو قرأ آية قاصدا إلى الألفاظ التي قرأ يظنها من القرآن وهي بخلاف ذلك في القرآن أو قتل صيدا عامدا لقتله غير ذاكر لإحرامه وهو محرم فهذا وجه ثان وكلاهما مرفوع لا ينقض شيء من ذلك عملا ولا إيمانا ولا يوجب إثما ولا حكما إلا حيث جاء النص بأنه يوجب حكما مما ذكرنا فيوقف عنده ويكون مستثنى من الجملة التي ذكرنا منها طرفا كالنص الوارد في إيجاب الدية على العاقلة لأنه في كلا الوجهين المذكورين لم ينو معصية وكذلك من فعل أي فعل كان ولم ينو به الطاعة لله تعالى فهو غير موجب له أجرا ولا أدى ما أمر به وأما العمد المرتبط بالقصد إلى ما يحدث من ذلك العمد أو إلى
بعض ما هو فيه كقصد الصائم إلى الأكل وهو ذاكر لأنه صائم فرض وكضربه إنسانا بما يمات منه قاصدا لضربه به عالما بأنه قد يمات من مثله وكتبديله القرآن عامدا عالما بأنه ليس
كذلك في المصحف وكشربه الخمر وهو يعلمها خمرا وكوطئه أجنبية وهو يعلم أنها ليست له زوجا ولا ملك يمين فهذا كله يوجب الحكم بالإثم وبما أتى به النص وإنما قلنا في قاتل الصيد عامدا لقتله غير ذاكر لإحرامه
стр. 847
إنه لا جزاء عليه لقوله تعالى في آخر الآية ﴿يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام﴾ والنقمة لا تقع إلا على عاص ولا يكون عاصيا بقتل الصيد أصلا إلا حتى يعمد قتله وهو مع ذلك ذاكر لإحرامه عالم بأنه منهي عن قتله في تلك الحال هذا ما لا خلاف فيه أعني أنه لا يأثم إلا في هذه الحال وكذلك من قصد بنيته إلى فعل الطاعة فهو مؤد لما أمر به من ذاك والنفس هي الفعالة وفعلها المعرفة بما نفعله وغرضها فيه وهي المحركة للجسد فلا بد من توفيتها فعلها الذي أمرت به بتمامه ومما ذكرنا من لقي رجلا في صف المشركين فظنه مشركا فقتله عمدا وهو لا يعلم أنه مسلم فإذا هو مسلم فلا خلاف في أنه لا قود عليه ولا إثم وكذلك سقط الإثم والقود عن المتأول من الحكام وإن كان عامدا ليس ذلك إلا لأنه لم يقصد خلاف ما أمر به وهو يعلمه معصية وكذلك من أكل لحم خنزير وهو يظنه لحم كبش أو حنث غير ذاكر ليمينه فكل هذا لا شيء عليه فيه ولا قضاء ولا إثم ولا تعزير ولا حد فإن جاء نص في شيء ما من ذلك كان مستثنى كمن صلى وهو يظن أنه متوضىء فإذا به غير متوضىء فذكر بعد ذلك فهذا لم يصل فليصل لقوله ﵇ لا صلاة إلا بطهور وهذا لم يصل كما أمر وأما من صلى وفي ثوبه شيء فرض اجتنابه على من بلغه أو
صلى إلى غير القبلة فإن كان ممن لم يبلغه فرض اجتناب ذلك الشيء ولا فرض القبلة فصلاته تامة لأنه لم يكلف ما لم يبلغه فإن كان ممن بلغه كل ذلك فعليه أن يعيد الصلاة ما دام وقتها لأنه علم ووقتها قائم إذ لم يصل تلك الصلاة كما أمر ففرض عليه أن يصليها كما أمر وأما بعد الوقت فلا لأنه لا يصلي صلاة إلا في وقتها حاشا النائم والناسي والسكران فإنهم خصوا بالنص فيهم وكالدية وعتق الكفارة في قتل الخطأ فهذا مستثنى بالنص من سائر ما لم يقصده المرء
واعلم أن خصومنا يتناقضون في كل ما ذكرنا تناقضا لا يرجعون فيه إلى أصل لكن مرة يلزمونه ومرة لا يلزمونه دون برهان من الله تعالى في كل
стр. 848
ذلك ومما يؤيد ما قلنا ما حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا وائل هو شقيق بن سلمة يقول ثنا أبو موسى الأشعري أن رجلا أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله فقال له رسول الله ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقد روى الأعمش هذا الحديث فذكر فيه الذي يقاتل شجاعة وحمية وغضبا ورياء وأنه ﷺ لم يجعل في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله العليا فلو أجزأ عمل بغير نية لأجزأ الجهاد الذي هو أفضل الأعمال بعد الإيمان ولكن لا سبيل إلى أن يجزىء عمل بغير نية ومن هذا الباب أيضا المكره على الكفر فإن عبد بلسانه ولم يعبد بقلبه فلم يخرج بذلك عن الإيمان قال الله تعالى ﴿من كفر بلله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بلإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من لله ولهم عذاب عظيم﴾ فإنما راعى تعالى عمل القلب فقط وقد بين ذلك النبي ﷺ إذ سئل عمن أكل ناسيا فأخبر ﵇ أنه لم ينتقض صومه بذلك ولا شك في أن هذا الصائم عمد الأكل ولكنه كان ذاكرا لصيامه فصح ما قلنا نصا وبالله تعالى التوفيق وقال تعالى ﴿فقاتل في سبيل لله لا تكلف إلا نفسك وحرض لمؤمنين عسى لله أن يكف بأس لذين كفروا ولله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾ احتج بهذا قوم في إبطال أن يحج أحد عن غيره أو يصلي أحد عن غيره أو يصوم أحد عن غيره وقد أخطؤوا في ذلك خطأ فاحشا وليس في هذه الآية معارضة لأمر النبي صلى الله
عليه وسلم بالحج عن الشيخ الكبير وبالصيام عن الولي الميت وبقضاء النذر عن
стр. 849
الميت لأن كل ما ذكرنا فالحي
المؤدي هو المكلف ذلك في نفسه وهي شريعة ألزمه الله تعالى إياها وافترضها عليه كالصلوات الخمس وسائر صيامه في رمضان فقد تعين في ذلك فرضا على الولي زائدا كلفه في نفسه هو مأجور على أدائه لأنه أدى فرضا كلفه والله تعالى متفضل على الميت والمحجوج عنه بأجر آخر زائد وخزائن الله لا تنفد وفضله تعالى لا ينقطع فبطل ظن من جهل ولم يفهم وقدر أن بين الآية التي ذكرنا والأحاديث التي وصفنا تعارضا وقد تناقضوا فأجازوا أن يؤدي المرء الدين عن غيره وجعلوا له أجرا بذلك وللميت المؤدى عنه حطيطة الدين الذي عليه وهكذا قلنا نحن في سائر ما أمرنا بأدائه من الصوم والحج والصلاة المنذورة ولا فرق وأوجبوا غرم بني عم المرء الدية عن القاتل خطأ فنقضوا قولهم فإن قالوا الإجماع أوجب ذلك كذبوا لأن عثمان البتي لا يرى ذلك يعني غرم العاقلة الدية عن قاتل الخطأ قال أبو محمد ﵀ واحتج مخالفنا أيضا في ذلك بقوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ قال أبو محمد وقد بينا فيما خلا أن يضاف كل ما قاله ﷺ إلى ما قال ربه تعالى فصح أنه تعالى قد يتفضل على المرء بأن يلحقه دعاء ولده بعد موته وليس بما سعى وأنه تلحقه صدقة وليه عنه وليس مما سعى وكذلك سائر ما نص ﵇ على أنه يلحقه وقال تعالى ﴿وقال لذين كفروا للذين آمنوا تبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم لقيامة عما كانوا يفترون﴾ وقال تعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم لقيامة ومن أوزار لذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون﴾ وأخبر ﵇ أن من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجر من عمل
стр. 850
بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها
إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا
قال أبو محمد وكل هذا متفق لا تعارض فيه أصلا لأن معنى قوله تعالى ﴿وقال لذين كفروا للذين آمنوا تبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون﴾ أي أنهم لا يسقطون عنهم بتقليدهم إياهم إثما ولكن للعامل إثمه وللسان مثل ذلك أيضا وهذا بين وبالله تعالى التوفيق وكذلك ما أمر به رسول الله ﷺ من ألا يحنط الميت المحرم ولا يمس طيبا ولا يغطى وجهه ولا رأسه وأن يكفن في ثوبه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وما أمر به ﷺ في الشهيد ألا يغسل ولا يكفن وأن يدفن في ثيابه وأخبر ﷺ أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك فكلا الأمرين عمل كلفناه نحن وألزمناه فمن فعله أطاع الله تعالى ومن لم يفعله عصى الله فتخيل أهل الجهل والاستخفاف بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ فقالوا إن عمل الميت قد انقطع فيا ليت شعري من قال لهم إن هذا عمل أمر به الميت وإنما قيل لهم إنه عمل أمرنا نحن به في الميت كما أمرنا بغسل سائر موتانا وتحنيطهم بالسدر والكافور والصلاة عليهم فهذا كله سواء ولا فرق وتلبية المحرم يوم القيامة فضل له حينئذ وجزاء كثعب جرح الشهيد ولا فرق فبطل تمويه أهل الجهل والحمد لله وقوله تعالى ﴿يأيها لناس تقوا ربكم وخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد لله حق فلا تغرنكم لحياة لدنيا ولا يغرنكم بلله لغرور﴾ وقوله تعالى ﴿وتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ وقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر لذين يخشون ربهم بلغيب وأقاموا لصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى لله لمصير﴾ وقوله تعالى ﴿ومن يكسب إثما فإنما
يكسبه على نفسه وكان لله عليما حكيما﴾ وقوله تعالى ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾
стр. 851
قال أبو محمد ﵀ فهذا كله لا يعارض ما ذكرنا البتة وإنما معناه أن أحدا لا يحمل إثم غيره ولا وزره إلا أن يكون سن ذلك العمل السوء فله مثل إثم صانعيه أبدا لأن الآي مضاف بعضها إلى بعض وقد قال تعالى ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان لله على كل شيء مقيتا﴾ وأخبر ﵇ أن كل قتيل يقتل فعلى ابن آدم الأول كفل منه لأنه أول من سن القتل فمعنى الآي الأول أن الله لا يلقي إثم أحد على بريء منه وأما من استن الشر ورتبه فله حظ من كل فعل يوافق ما سبق وكذلك من سن الخير أبدا فلا يلحق عمل أحد أحدا أبدا إلا ما جاء به النص فيصير حينئذ فعلا مأمورا به من كلف أداه يؤجر على فعله ويأثم بتركه كسائر ما أمر به ولا فرق وبالله تعالى التوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل
الباب الثالث والثلاثون في شرائع الأنبياء ﵈ قبل محمد ﷺ أيلزمنا اتباعها ما لم ننه عنها أم لا يجوز لنا اتباع شيء منها أصلا إلا ما كان منها في شريعتنا وأمرنا نحن به نصا باسمه فقط
قال أبو محمد ﵀ قد ذكرنا الوجوه التي تعبدنا الله تعالى بها والتي لا حكم في شيء من الدين إلا منها وهذا حين نذكر إن شاء الله تعالى الوجوه التي غلط بها قوم في الديانة فحكموا بها وجعلوها أدلة وبراهين وليست كذلك والصحيح أنه لا يحل الحكم بشيء منها في الدين وهي سبعة أشياء شرائع الأنبياء السالفين قبل نبينا محمد ﷺ والاحتياط والاستحسان والتقليد والرأي ودليل الخطاب والقياس وفيه العلل ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون هذه الأوجه بابا بابا ومبينون وجه سقوطها
стр. 852
وتحريم الحكم بها وبالله تعالى نتأيد فأما شرائع الأنبياء ﵈ الذين كانوا قبل نبينا محمد ﷺ فالناس فيها على قولين فقوم قالوا هي لازمة لنا ما لم ننه عنها وقال آخرون هي ساقطة عنا ولا يجوز العمل بشيء منها إلا أن نخاطب في ملتنا بشيء موافق لبعضها فنقف عنده ائتمارا لنبينا ﷺ لا اتباعا للشرائع الخالية قال أبو محمد وبهذا نقول وقد زاد قوم بيانا فقالوا إلا شريعة إبراهيم ﷺ قال أبو محمد أما شريعة إبراهيم ﵇ فهي هذه الشريعة التي نحن عليها نفسها والبراهين على ذلك قائمة سنذكرها إن شاء الله تعالى وإنما الاختلاف الذي ذكرنا في ما كان من شرائع الأنبياء ﵈ موجودا نصه في القرآن أو عن النبي ﷺ وأما ما ليس في القرآن ولا صح عن النبي ﷺ فما نعلم من يطلق إجازة العمل بذلك إلا أن قوما أفتوا بها في بعض مذاهبهم فمن ذلك تحريم بعض المالكيين لما وجد في ذبائح اليهود ملتصق الرئة بالجنب وهذا مما لا نص في القرآن ولا في السنة على أنه
حرم على اليهود نعم ولا هو أيضا متفق عليه عند اليهود وإنما هو شيء انفردت به الربانية منهم وأما العانانية والعيسوية والسامرية فإنهم متفقون على إباحة أكله لهم فتحرى هؤلاء القوم وفقنا الله وإياهم ألا يأكلوا شيئا من ذبائح اليهود فيه بين أشياخ اليهود لعنهم الله اختلاف وأشفقوا من مخالفة هلال وشماي شيخ الربانية وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن طريف ما وقع لبعضهم في هذا الباب وسمجه وشنعه الذي ينبغي لأهل العقول أن يستجيروا بالله من مثله أن إسماعيل بن إسحاق قال في رجم النبي ﷺ اليهوديين الزانيين إنما فعل ذلك
стр. 853
صلى الله عليه وسلم تنفيذا لما في التوراة ورأى هو من رأيه الفاسد أن يرفع نفسه عن تنفيذ ما فيها من الرجم على اليهود الزناة المحصنين إذا زنوا فصان نفسه عما وصف به نبيه ﷺ ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول الفاسد ومن هذا الاعتقاد فلو كفر جاهل بجهله لكان قائل هذا القول أحق الناس بالكفر لعظيم ما فيه واحتج أيضا في ألا يقول الإمام آمين إذا قال ﴿بسم الله لرحمن لرحيم﴾ بأن موسى ﵇ إذا دعا لم يؤمن وأمن هارون ﵉ فسماهما تعالى داعيين بقوله تعالى ﴿قال قد أجيبت دعوتكما فستقيما ولا تتبعآن سبيل لذين لا يعلمون﴾ قال أبو محمد وفي هذا الاحتجاج من الغثاثة والبرد والسقوط والمجاهرة بالقبيح ما فيه لأنه يقال له قبل كل شيء من أخبرك أن موسى ﵇ دعا ولم يؤمن وأن هارون أمن ولم يدع وهذا شيء إنما قاله بعض المفسرين بغير إسناد إلى النبي ﷺ ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي ﷺ أو عن كافة تنقل عن مثلها إلى ما هنالك فمن فاته هذان الوجهان فقد فاته الحق ولم يبق بيده إلا المجاهرة بالكذب وأن يقفو ما ليس له به علم أو أن يروى ذلك عن إبليس الملعون فإنه قد أدرك لا محالة تلك المشاهد كلها إلا أنه غير ثقة ثم يقال له هذا لو صح لك ما
ادعيت من أن موسى
دعا ولم يؤمن وأن هارون أمن ولم يدع فأي شيء في هذا مما يبطل قول النبي ﷺ عن الإمام وإذا أمن فأمنوا وقول الراوي أن النبي ﷺ وهو الإمام كان يقول إذا فرغ من أم القرآن في الصلاة آمين هذا ولعل موسى قد أمن إذ دعا ولعل هارون دعا إذ دعا موسى وأمنا أو أمن أحدهما أو لم يؤمن واحد منهما ونص القرآن يوجب أنهما دعوا معا بقوله تعالى ﴿قال قد أجيبت دعوتكما فستقيما ولا تتبعآن سبيل لذين لا يعلمون﴾ وليس في القرآن دليل على تأمين وقع منهما ولا من أحدهما فهل سمع بأغث من هذا الاحتجاج أو أسقط منه أو أقل حيلة أو أبرد تمويها ممن يحتج بمثله
стр. 854
في إبطال السنن الثابتة ثم قال له من عجائب الدنيا أنك جعلت فعل موسى وهارون الذي لم يصح قط ناسخا لقول محمد ﷺ الصحيح في التأمين وهذا عكس الحقائق وقد كنا نعجب من قول شيخ من شيوخهم أدركناه مقدما في مشاورة القضاة له على جميع مفتيهم فإن ذلك الشيخ قال في كتاب ألفه وقد رأيناه ووقفنا عليه وناولناه بيده وهو مكتوب كله بخطه وأقر لنا بتألفه وقرأه غيرنا عليه فكان في بعض ما أورد فيه أن قال روينا بأسانيد صحاح إلى التوراة أن السماء والأرض بكتا على عمر بن عبد العزيز أربعين سنة قال أبو محمد هذا نص لفظه فلا أعجب من الشيخ المذكور في أن يروي عن التوراة شيئا من أخبار عمر بن عبد العزيز وهذا إسماعيل يبطل قول النبي ﷺ إذا أمن يعني الإمام فأمنوا وتأمينه ﵇ وهو الإمام بما لم يصح من ترك موسى للتأمين وترك هارون للدعاء واحتجوا أيضا في إباحة قتل المسلمين وسفك الدماء المحرمة بدعوى المريض أن فلانا قتله ورسول الله ﷺ يقول لو أعطي قوم بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم فأباحوا ذلك بدعوى المريض واحتجوا بما ذكر بعض المفسرين من أن المقتول من بني إسرائيل لما ضرب ببعض البقرة حيي وقال فلان قتلني
قال أبو محمد وهذا ليس في نص القرآن وإنما فيه ذكر قتل النفس والتدارىء فيها وذبح البقرة وضربه ببعضها وكذلك يحيي الله الموتى فمن زاد على ما ذكرنا في
تفسير هذه الآية فقد كذب وادعى ما لا علم لديه فكيف أن يستبيح بذلك دما حراما ويعطي مدعيا بدعواه وقد حرم الله تعالى ذلك فمن أعجب ممن يحتج بخرافات بني إسرائيل التي لم تأت في نص ولا في نقل كافة ولا في خبر مسند إلى رسول الله ﷺ في مثل هذه العظائم
стр. 855
هذا مع أن تلك الخرافة ليس فيها ذكر قسامة أصلا ولا أنه لا يحلف في القسامة إلا اثنان فصاعدا فهذه الزوائد من أين خرجت وحسبنا الله ونعم الوكيل ثم أتى إلى قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ فقال لا نأخذ بها ولا نقتل مؤمنا بكافر ولا حرا بعبد لأن هذا من شرائع من كان قبلنا ونسي أخذه في القسامة بخرافة مروية عن بني إسرائيل وترك لها فعل النبي ﷺ في القسامة ثم ترك ههنا نص الله تعالى في أنه كتب عليهم أن النفس بالنفس وأعلى ما روي في حديث بقرة بني إسرائيل فحديث حدثناه أحمد بن عمر ثنا عبد الله بن حسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن الجهم ثنا أبو بكر الوراق نا علي بن عبد الله هو ابن المديني وعياش بن الوليد قال علي نا يحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة قال يحيى نا ربيعة بن كلثوم حدثني أبي عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قال إن أهل المدينة من بني إسرائيل وجدوا شيخا قتيلا في أصل مدينتهم فأقبل أهل مدينة أخرى فقالوا قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي فأتوا موسى ﵇ فأوحى الله إليه ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ فذكر حديث البقرة بطوله وفي آخره فأقبلوا بالبقرة حتى
انتهوا بها إلى قبر الشيخ وابن أخيه قائم عند قبره فذبحوها فضرب ببضعة من لحمها القبر فقام الشيخ ينفض رأسه ويقول قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أكل مالي ومات وقال سفيان ثنا ابن سوقة سمعت عكرمة يقول كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا فوجدوا قتيلا قد قتل على باب فجروه إلى باب آخر فتحاكموا
إلى موسى ﵇ فقال ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ فذبحوها فضربوه بفخذها فقام فقال قتلني فلان وكان رجلا له مال كثير وكان ابن أخيه قتله وقال عياش بن الوليد نا يزيد
стр. 856
بن زريع نا سعيد عن قتادة قال كان قتيل في بني إسرائيل فأوحى الله إلى موسى أن اذبح بقرة فاضربوه ببعضها فذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها فأحياه الله فأنبأ بقاتله وتكلم ثم مات وذكر لنا أنهم وليه الذي كان يطلب بدمه هو قتله من أجل ميراث كان بينهم فلا يورث قاتل بعده وبه إلى ابن الجهم ثنا محمد بن مسلمة ثنا يزيد بن هارون أنبأ هشام عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلا حتى أتى به في آخرين فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يدعيه عليهم فأتوا موسى ﵇ فقال ﴿وإذ قال موسى لقومه إن لله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بلله أن أكون من لجاهلين﴾ فذبحوها فضربوه ببعضها فقام فقالوا من قتلك فقال هذا لابن أخيه ثم مال ميتا فلم يعط ابن أخيه من ماله شيئا ولم يورث قاتل بعده وبه إلى ابن الجهم حدثنا محمد الفرج وإبراهيم بن إسحاق الحربي قال محمد واللفظ له ثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل قتله رجل ثم ذكر معناه وقال الحربي نا حسين بن الأسود نا عمرو بن محمد نا أسباط عن السدي نحوه وروينا أيضا نحوه من طريق إسماعيل بن إسحاق عن عبد الله بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أبو محمد وهذه مرسلات وموقوف لو أتت فيما أنزل علينا ما جاز الاحتجاج بها أصلا فكيف فيما أنزل في غيرنا وليس في القرآن نص بشيء مما ذكر في هذه الأخبار أكثر من أنهم تدارؤوا في نفس مقتولة منهم فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ﴿فقلنا
ضربوه ببعضها كذلك يحيي لله لموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ ولم يقل تعالى في القرآن إن الميت قال فلان قتلني ولا أنه
стр. 857
صدق في ذلك ولا أنه أقيد به وكل من زاد على ما في القرآن شيئا
بغير نص من الرسول ﷺ فقد أتى عظيمة وحتى لو صح كل هذا لما كانت فيه حجة أصلا لأن ذلك كان يكون معجزة وإحياء ميت ومن عاد من الآخرة فلا شك في أنه لا يقول إلا الحق وأما الأحياء فيما بيننا فالكذب غير مأمون عليهم ودعوى الباطل وهم لا يصدقونه في درهم يدعيه ولا في درهم يقر به لوارث ويصدقونه في الدم الذي يوجب قتل عدوه عندهم أو أخذ ماله في الدية ونحن الآن إن شاء الله تعالى نذكر كل ما في القرآن من شرائع النبيين ﵈ قبلنا ونبين ما اتفق على تركه منها وما اختلف في الأخذ منها ثم نذكر إن شاء الله تعالى حجج الآخذين بها والمانعين منها وبالله تعالى التوفيق فمن شرائع سليمان ﵇ قول الله تعالى ﴿قال أبو محمد وهذا لا خلاف بيننا في سقوط عقاب الطير وإن أفسدت علينا ومنها قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد هذا مما اختلف فيه فادعى قوم فيها دعاوى من أن سليمان ﵇ كلف أصحاب الغنم جبر ما أفسدت من الزرع أو الكرم ليلا وهذا باطل لأنه ليس ذلك في الآية ولا صح عن النبي ﷺ وإنما ذكر في بعض التفاسير التي لا تصح وذلك من نحو ما ذكر فيها أن ملكين زنيا وقتلا النفس التي حرم الله تعالى وشربا الخمر وقد نزه الله تعالى الملائكة عن ذلك وأن الزهرة كانت زانية فمسخت كوكبا مضيئا يهتدى به في البر والبحر حتى أدت هذه الروايات الفاسدة بعض أهل الإلحاد إلى أن قال لو كان هذا لما
стр. 858
بقيت محصنة إلا زنت لتمسخ كوكبا والتي ذكر فيها أن يوسف ﵇ قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من امرأته وقد نزه الله تعالى أنبياءه عن ذلك وهذا كثير جدا
وقد أخبر رسول الله ﷺ أن جرح العجماء جبار ولا ينسند حديث ناقة البراء أصلا وإنما هو منقطع من جميع جهاته ومن شريعة زكريا ﵇ قوله تعالى ﴿﴾ وهذا ساقط بما روي عن النبي ﷺ من قوله لأصمت يوما إلى الليل وبالجملة فلم نؤمر بالصمت ومن صمت عن غير الواجب من الكلام والمستحب من الذكر فقد أحسن ومنها قوله تعالى ﴿﴾ فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة ثم جعلوا ذلك حكما في المستلحق من الأولاد وفي المشكوك في طلاقها من النساء وفي غير ذلك وهذا لا يلزم بل يبطل من وجهين أحدهما أن هذا قياس والقياس باطل والثاني أنه غير مأمور به في شريعتنا ومن شرائع موسى ﵇ قوله تعالى ﴿﴾ ونحن لا نخلع نعالنا في الأرض المقدسة ومنها قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا لا خلاف في أنه منسوخ وأن الله تعالى قد أحل لهم كل ذلك على لسان محمد ﷺ بقوله ﴿﴾
стр. 859
وهذه الشحوم من طعامنا فهن حل لهم وإن رغمت أنوفهم وأنوف المجتنبين لها اتباعا لدعوى اليهود في تحريم ذلك
ومنها قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد أما نحن فلا نأخذ بهذا لأننا لم نؤمر به وإنما أمر به غيرنا وإنما أوجبنا القود في كل هذا وفيما دونه بين المسلمين فيما بينهم وساوينا في كل ذلك بين الحر والعبد والذكر والأنثى بقوله تعالى مخاطبا لنا ﴿﴾ وبقوله تعالى مخاطبا لنا ﴿﴾ وبقوله تعالى ﴿﴾ ويقول رسول الله ﷺ المؤمنون تتكافأ دماؤهم فأقدنا في كل ذلك من الحر للحر والعبد للحرة والأمة وأقدنا من العبد للعبد وللحر وللحرة وللأمة وكذلك من الحرة والأمة ولا فرق وأقدنا لكل من ذكرنا من الكافر ولم نقد كافرا من مؤمن أصلا لقول الله تعالى ﴿﴾ وبقوله ﷺ ولا يقتل مؤمن بكافر ومنها قوله تعالى ﴿﴾ وهذا منسوخ بإجماع ومنها قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا منسوخ بإجماع ومنها الأمر بذبح بقرة صفراء فاقع لونها وهذا لا يلزم في شيء من الأحكام بإجماع ومن شريعة لوط ﵇ ﴿﴾ ولا يحل في شريعتنا رجم المكذب بالنذر وقد احتج قوم في رجم من فعل فعل لوط بهذه الآية
стр. 860
قال أبو علي ونسوا أن فاعل ذلك من قوم لوط كان كافرا وذلك منصوص في القرآن في الآية نفسها إذ أخبر تعالى أنهم كذبوا بالنذر وأن صبيانهم ونساءهم رجموا معهم ولم يكونوا ممن فعل ذلك الفعل ونسوا أيضا قوله تعالى ﴿﴾ فكان يلزمهم إذا طردوا أصلهم الفاسد أن يسلموا عينهم كل من راود ذكرا عن نفسه لأن الله تعالى طمس أعين قوم لوط إذ راودوا ضيفه كما رجمهم لما أتوا الذكور وكفروا فمن فرق بين شيء من ذلك فقد تحكم في دين الله بلا برهان ولا هدى من الله تعالى ومن شريعة يوسف ﵇ ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا مما لا خلاف فيه أنه لا يجوز أن نحكم به الآن بين الناس في تداعيهم الزنى ومنها ﴿﴾ قال أبو محمد فاحتج قوم بهذا في إثبات الجعل وهذا لا يلزم لأن قول رسول الله ﷺ أموالكم عليكم حرام مبطل للجعل إلا أن يوجبه نص في شريعتنا أو تطيب به نفس الجاعل ومنها قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا لا خلاف بيننا وبين خصومنا في أنه لا يحكم به بيننا وأنه لا يسترق السارق لأجل سرقته وكان يلزمهم القول به لأنه ليس مجمعا على تركه بل قد روينا عن زرارة بن أوفى القاضي أنه باع حرا في دين وروينا أيضا عن الشافعي من طريق غريبة وقد كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى ﴿﴾
ومن شريعة أيوب ﵇ ﴿﴾
стр. 861
فاحتج بهذا قوم في إباحة جلد الزاني والقاذف والشارب إذا كانوا مرضى يعرجون فيه مائة أو ثمانون أو أربعون شمراخا وفي بر يمين من حلف ليجلدن غلامه كذا وكذا جلدة قال أبو محمد والذين احتجوا بدعواهم في كلام الميت في أمر بقرة بني إسرائيل أن فلانا قتلني يأبون ههنا من أن يبرأ الحالف إذا ضرب بضغث ويكفي هذا من قبيح التناقض وفاحشة ونحن وإن كنا نرى الجلد بالضغث للمريض فإنما نجيزه من غير هذه الآية لكن من الحديث المأثور عن رسول الله ﷺ أنه أمر أن يجلد المريض الذي زنى بعثكول فيه مائة شمراخ ونرى البر يقع بما يقع عليه اسم جلد واسم ضرب ومن شريعة موسى وصهره ﵉ ﴿﴾ قال أبو محمد وبهذا يحتج من يبيح النكاح على إجارة إلى أحد أجلين لم يوقت أحدهما بعينه وهذا عندنا وعند خصومنا لا يجوز لأن الإجارة المجهولة الأجل فاسدة لأنها أكل مال بالباطل والنكاح على شيء فاسد لأن كل ما لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فلا شك في أنه لا يصح لا سيما وتلك الإجارة للمنكح لا حظ فيها للمنكحة والصداق في ديننا إنما هو للمنكحة بنص قول الله تعالى ﴿﴾ ولا حظ فيها للأب ولا للولي ومن عجائب الدنيا ما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا سحنون ثنا ابن القاسم قال احتج مالك في جواز فعل الرجل
بإنكاح ابنته البكر بغير رضاها بقول الله تعالى عن صهر موسى ﴿﴾
стр. 862
قال علي فأي عجب أعجب من احتجاجه بهذه الآية فيما لا يوجد في الآية أصلا وفي الممكن أنها رضيت فلم يذكر ثم يخالف الآية نفسها في أربعة مواضع أحدهما إنكاح إحدى ابنتي بغير عينها والثاني إنكاحه بإجارة الثالث الإجارة إلى أحد أجلين أيهما أوفى فالنكاح ثابت والرابع إنكاح امرأة بخدمة أبيها ثم بعد هذا كله من له بأنها كانت بكرا ولعلها ثيب أليس في هذا الاحتجاج عبرة لمن اعتبر ولعلها بكر عانس وهو لا يرى إنكاح هذه إلا بإذنها ورضاها فكيف والاحتجاج بالآية لا يصح لما قدمنا من أن شرائع الأنبياء ﵈ لا تلزمنا ومن شرائع الخضر ﵇ قوله تعالى ﴿﴾ ثم قال ﴿﴾ قال أبو محمد ولا خلاف في شريعتنا أنه لا يحل قتل غلام خوف أن يرهقهما طغيانا وكفرا ومن شريعة نوح ﵇ ﴿﴾ قال أبو محمد فأخذ بهذا الأزارقة واستباحوا قتل الأطفال وغاب عنهم أن قول نوح ﵇ إنما كان فيمن كان في عصره من الكفار فقط الذين أهلكهم الله تعالى ولم يبق لهم نسلا بقوله تعالى ﴿﴾ وبقوله تعالى
﴿﴾ ولم يحمل نوح مع نفسه ﵇ إلا المؤمنين فقط من قومه وولده وغاب عنهم بجهلهم أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم هو ولد كافر وكافرة وأن عمر كذلك وقد قال ﵇ أو ليس خياركم أولاد المشركين ونحن نترك الكفار ولا نقتلهم بل نأخذ منهم الجزية وننكح إليهم ونعاملهم ونأكل ذبائحهم ولا نستحل قتل طفل من أطفال أهل الحرب عمدا بل يهديهم
стр. 863
الله بنا ولا يضلوننا والحمد لله رب العالمين وقد نقل كافة بني إسرائيل أن موسى ﵇ قتل صبيان أهل مدين وقتل يوشع صبيان أهل أريحا الأطفال بأمر الله تعالى بذلك وهذا في شريعتنا غير جائز ومن شريعة يونس ﵇ قوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد فاحتج بهذا قوم في الحكم بالقرعة وقد مضى الكلام في ذلك ولا خلاف بين أحد منا أنه لا يجوز أن يلقى أحد في البحر بالقرعة ومن شريعة مريم ﵍ ﴿﴾ وليس هذا من شرط الصوم عندنا ومن شرائع الله تعالى في بني إسرائيل قوله تعالى ﴿﴾ ونحن نعتدي كثيرا فلا نمسخ ولله الحمد ومن شريعة أهل زمان زكريا ﵇ قول أم مريم ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا غير جائز عندنا أصلا ومن شريعة يعقوب ﵇ ﴿﴾
قال أبو محمد وهذا لا يحل عندنا وليس لأحد أن يحرم على نفسه ما لم يحرم الله عليه إلا أن طوائف من علمائنا اختلفوا في تحريم الزوجة والأمة فقال به قوم ومنع منه آخرون وبالمنع منه نقول ولا يحل لأحد أن يحرم زوجة ولا غيرها ولا تكون بذلك حراما ولا طلاقا ولا كفارة في ذلك وهي حلال له كما كانت وكذلك سائر ماله ومن شرائع بني إسرائيل ﴿﴾
стр. 864
قال أبو محمد وهذا لا يلزمنا ومن شريعة آدم ﵇ قوله ﴿﴾ قال أبو محمد ولا خلاف في أنه لا يجوز عندنا التحاكم بالقرابين ولا يحل عندنا الاستسلام للقتل ظلما بل المقتول دون نفسه شهيد ومن شريعة الكتابيين في زمان أصحاب الكهف ﴿﴾ قال أبو محمد وهذ حرام في شريعتنا وقد قال ﵇ إن أولئك كانوا إذا مات فيهم رجل صالح بنوا على قبره مسجدا أولئك شرار الخلق قال أبو محمد فهذه شرائع يلزم من قال باتباع شرائع الأنبياء ﵈ أن يقول بها وإلا فقد نقضوا أصلهم واحتج الموجبون للأخذ بشرائع الأنبياء ﵈ بقوله تعالى ﴿﴾
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام واحتجوا بقوله تعالى ﴿﴾ قال أبو محمد وهذا إنما عني الله تعالى به أنبياء بني إسرائيل لا محمدا ﷺ لأنه تعالى يقول ﴿﴾
стр. 865
وبيان ذلك قوله تعالى ﴿﴾ ونحن ليس لنا نبيون وإنما لنا نبي واحد والأنبياء كلهم مسلمون وقد حكى الله تعالى عن أنبياء سالفين أنهم قالوا أمرنا بأن نكون من المسلمين وأيضا فقد قال تعالى حاكيا عن أهل الكتاب أنهم قالوا لنا ﴿﴾ فصح أن الله تعالى نهى عن دين اليهود والنصارى وأمرنا بدين إبراهيم ﵇ وقال تعالى ﴿﴾ فصح يقينا أن إبراهيم كانت شريعته قبل التوراة وأن شريعته لازمة لنا فمن المحال الممتنع أن نؤمر باتباع شيء نزل بعد شريعتنا وهذا متناقض فبطل تأويل من ظن الخطأ في قوله تعالى ﴿﴾ وصح أنهم أنبياء بني إسرائيل فقط فإن قالوا لا خلاف بين التوراة وبين شريعة إبراهيم ﵇ ولا بين
شريعتنا واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد قلنا لهم هذا حجة عليكم لا لكم إن تأولتم فيه اتفاق أحكام شرائعهم أكذبهم القرآن في قوله تعالى ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وأكذبهم قوله تعالى عن عيسى ﵇ ﴿ومصدقا لما بين يدي من لتوراة ولأحل لكم بعض لذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فتقوا لله وأطيعون﴾ وأكذبهم أمر السبت وتحريم كل ذي ظفر وما حرم إسرائيل على نفسه ولكن معنى قوله ﷺ ودينهم واحد إنما يعني التوحيد الذي لم يختلفوا فيه أصلا واحتجوا بقوله تعالى ﴿أولئك لذين هدى لله فبهداهم قتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾
стр. 866
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن الذي أمرنا أن نقتدي بهم فيه هو ما اتفقت فيه شريعتنا وشريعتهم مثل قوله تعالى ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا لله وبلوالدين إحسانا وذي لقربى واليتامى ولمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ فأما باقي الآية في قوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ فلم نأخذه من هذه الآية لكن من أمر الله تعالى لنا بذلك في آية أخرى ومثل قوله ﴿شرع لكم من لدين ما
وصى به نوحا ولذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا لدين ولا تتفرقوا فيه كبر على لمشركين ما تدعوهم إليه لله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب﴾ فنص تعالى على أنهم كلهم أمروا ألا يتفرقوا في الدين وهذا هو نفس إخباره ﵇ أن دين الأنبياء ﵈ واحد وقد نص الله تعالى على أنه أمر بعضهم بترك العمل في السبت ولم يأمرنا نحن بذلك وأحل الخمر مدة وحرمها بعد ذلك فصح يقينا أن الذي نهوا عن التفرق فيه وأن الذي شرع لجميعهم من الدين الواحد إنما هو التوحيد وأن الذي فرق فيه بينهم هي الشرائع والأعمال الواجبات والمحرمات وهذا هو نفس قولنا
وقد قال تعالى ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن ستطعت أن تبتغي نفقا في لأرض أو سلما في لسمآء فتأتيهم بآية ولو شآء لله لجمعهم على لهدى فلا تكونن من لجاهلين﴾ وقال ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ قال تعالى ﴿ولكل وجهة هو موليها فستبقوا لخيرات أين ما تكونوا يأت بكم لله جميعا إن لله على كل شيء قدير﴾ فصح بالنص أنه تعالى فرق بين الشرائع وبين منهاج كل واحد منهم وبين وجهة كل واحد منهم وقد قال تعالى ﴿يريد لله ليبين لكم ويهديكم سنن لذين من قبلكم ويتوب عليكم ولله عليم حكيم﴾ فصح أن الله تعالى لا يتناقض كلامه وصح أن الذي أمرنا أن نتبع فيه سننهم هو غير الشرائع التي فرق بيننا وبينهم فيها فصح أنه التوحيد الذي سوى فيه بينهم كلهم في التزامه فصح أنه هو الهدى الذي أمر ﷺ بأن يقتدي بهم ويبين ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن رسوله يوسف ﵇ أنه قال ﴿واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل لله علينا وعلى لناس ولكن أكثر لناس لا يشكرون﴾
стр. 867
قال أبو محمد فبين نصا أنهم اتفقوا في التوحيد خاصة وإلا فقد نص تعالى على أن إسرائيل وهو يعقوب ﵇ حرم على نفسه أشياء كانت له حلالا وليس هذا في شريعة إبراهيم ﵇ فصح يقينا أنه كان مباحا لإسرائيل أن يحرم على نفسه بعض الطعام وأما شريعة إبراهيم ﵇ فهي شريعتنا نفسها على ما نبين في آخر هذا الباب إن شاء الله وليس في شريعتنا أن يحرم أحد على نفسه طعاما أحله الله له وقد جمع يعقوب بين الأختين وهذا لا يحل في شريعتنا التي هي شريعة إبراهيم فلما سوى
يوسف ﵇ بين ملة إبراهيم ويعقوب وشرائعهما مفترقة علمنا أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه فاعترض بعض خصومنا بأن قال إذا حملتم قوله تعالى على أن ذلك في التوحيد وحده لا فيما سواه عريتم الآية من الفائدة لأن التوحيد مأخوذ بالعقل
قال أبو محمد هذا من أغث احتجاج يورده مشغب ويلزم من قال بهذا أن يحذف من القرآن كل آية مكررة مثل ﴿وغيرها والتوحيد عرف بالعقل ضرورة ولكن ما يجب الإقراء به فرضا ولا صح الوعيد على جاحده بالقتل والنار في الآخرة بالعقل وإنما وجب ذلك كله بإنذار الرسل فقط فالآية المذكورة أوجبت اعتقاد التوحيد وأوجبت الإقرار به ولم يجب ذلك قط بالعقل لأن العقل لا يشرع ولا يخبر بمن يعذب الله تعالى في الآخرة ولا بمن ينعم وإنما العقل مميز بين الممتنع والواجب والممكن ومميز بين الأشياء الموجودات وبين الحق الموجود المعقول والباطل المعدوم المعقول فهذا ما في العقل ولا مزيد وقال بعضهم نحمل قوله تعالى ﴿أولئك لذين هدى لله فبهداهم قتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ على ما لم يأتنا فيه نص أنه نسخ من شرائعهم ونحمل قوله ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ على ما نسخ من شرائعهم
стр. 868
قال أبو محمد هذا تأويل منهم مجرد من الدليل وما تجرد عن الدليل فهو دعوى ساقطة وقد بينا الدلائل على أن الذي أمرنا بالاقتداء بهم فيه إنما هو التوحيد وحده فقط واحتجوا بقول الله تعالى ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة
ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ قال أبو محمد وقد بين الله تعالى في آية أخرى غير هذه الآية بقوله تعالى ﴿وأنزلنآ إليك لكتاب بلحق مصدقا لما بين يديه من لكتاب ومهيمنا عليه فحكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من لحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء لله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ ﴿ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين﴾ واحتجوا بقول رسول الله ﷺ في أمر ثنية الربيع أو الجرح الذي جرحت على حسب اختلاف الروايات في ذلك كتاب الله القصاص
قال أبو محمد إنما عنى رسول الله ﷺ قوله تعالى ﴿لشهر لحرام بلشهر لحرام ولحرمات قصاص فمن عتدى عليكم فعتدوا عليه بمثل ما عتدى عليكم وتقوا لله وعلموا أن لله مع لمتقين﴾ وهذا الذي خوطبنا به نحن هو اللازم لنا ولم يأت نص عن أنه ﵇ عنى غير هذه الآية أصلا فإن قال قائل فلعله ﵇ إنما عنى بذلك قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ الآية وما علمكم بأنه عنى ﵇ الآية التي تلوتم دون هذه فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن البرهان على أنه ﷺ لم يعن بقوله كتاب الله القصاص قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ أنه ليس في سورة التوراة قبول أرش وإنما الأرش في حكم الإسلام وفي الحديث المذكور أنهم قبلوا الأرش فصح أنه ﷺ لم يعن قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾
стр. 869
واحتجوا بقوله ﷺ إذا رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء نحن أولى بموسى منهم قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه ﷺ قد أمر بصيامه ولولا أن الله تعالى أمره بصيامه ما اتبع اليهود في ذلك وقد صح أنه كان يوما تصومه قريش في الجاهلية فصامه ﷺ تبررا واحتجوا أيضا بأن قالوا لما كانت شريعة الأنبياء ﵈ حقا وجب اتباع الحق حتى يأتي ما ينقلنا عنه قال أبو محمد والجواب وبالله تعالى التوفيق إن تلك الشرائع وإن كانت حقا على الذين
خوطبوا بها فلم تكتب قط علينا وليس ما كان حقا على واحد كان حقا على غيره إلا أن يوجبه الله تعالى عليه وإنما كتب علينا الإقرار بالأنبياء السالفين وبأنهم بعثوا إلى قومهم بالحق لا إلى كل أحد ولم يكتب علينا العمل بشرائعهم واحتجوا بدعائه ﷺ بالتوراة يوم رجم اليهوديين وأنه ﵇ سألهم ما تجدون في التوراة فلما أخبروه بالرجم وأنهم تركوه قال ﷺ أنا أول من أحيا أمر الله تعالى
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل هو تأويل سوء ممن تأوله لأنه ﷺ بلا شك في شريعته المنزلة عليه قد أمر برجم من أحصن من الزناة وإنما دعا ﷺ بالتوراة حسما لشغب اليهود وتبكيتا لهم في تركهم العمل بما أمروا به وإعلاما لهم بأنهم خالفوا كتابهم الذي يقرون أنه أنزل عليهم ومن قال إنه ﷺ رجم اليهوديين اتباعا للتوراة لا لأمر الله تعالى له برجم كل من أحصن من الزناة في شريعته المنزلة عليه فقد كفر وفارق الإسلام وحل دمه لأنه ينسب إلى النبي ﷺ عصيان ربه فيما أمره به في شريعته المنزلة عليه إذ تركها واتبع ما أنزل في التوراة
стр. 870
وقد أخبر تعالى أن اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه فمن الكفر العظيم أن يقول من يدعي أنه مسلم إن النبي ﷺ حكم بكتاب قد أخبر أنه محرف ووالله إن العجب ليعظم ممن ينسب إلى رسول الله ﷺ الحكم بما في التوراة في رجم يهوديين زنيا وهو يرفع نفسه الخسيسة عن هذا فيقول إن قدم إلي يهوديان زنيا لم أقم عليهما الحد ورددتهما إلى أهل دينهما فهو يترفع عما يصف به نبيه ﷺ نبرأ إلى الله تعالى من نصر كل مذهب يؤدي إلى مثل هذه البوائق والكبائر وحسبنا الله ونعم الوكيل واحتجوا بما روي أنه ﷺ سدل ناصيته كما يفعل أهل الكتاب ثم فرقها بعده وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء قال أبو محمد وهذا الحديث من أقوى الحجج عليهم لأنه نص فيه على أنه ﷺ إنما كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه شيء فصح أنه ﷺ إنما كان يفعل ذلك في المباح له فعله وتركه مما لم ينه عنه ولا أمر به وهذا غير ما نحن فيه وإنما كلامنا في وجوب شرائعهم ما لم ننه عنها وفي سقوطها حتى نؤمر بها وأما الزي المباح وفرق الشعر وسدله فكل ذلك مباح حتى الآن فعله وتركه هذا
كل ما احتجوا به قد أبطلنا شغبهم فيه وبالله تعالى التوفيق ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون البراهين المبينة قولنا المبطلة قولهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى
стр. 871
واللفظ له قال أبو بكر نا هشيم ثنا سيار ثنا يزيد الفقير ثنا جابر وقال يحيى أنا هشيم عن
سيار عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وذكر باقي الحديث وبه إلى مسلم ثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالا ثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال فضلت على الأنبياء بست فذكرهن وفيها أرسلت إلى الخلق كافة قال أبو محمد هذا الحديث يكفي من كل شغب موه به المبطلون ويبين أن كل نبي قبل نبينا ﷺ إنما بعث إلى قومه خاصة وإذا كان ذلك صح بيقين أن غير قومه لم يلزموا بشريعة نبي غير نبيهم فصح بهذا يقينا أنه لم يبعث إلينا أحد من الأنبياء غير محمد ﷺ وإذ قد صح ذلك فقد قال تعالى ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من لأرض وستعمركم فيها فستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾ ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم عبدوا لله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا لكيل ولميزان ولا تبخسوا لناس أشياءهم ولا تفسدوا في لأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ وقال تعالى في نبينا ﷺ ﴿ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر لناس لا يعلمون﴾ وقال تعالى آمرا له أن يقول ﴿قل يأيها لناس إني رسول لله إليكم جميعا لذي له ملك لسماوات ولأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بلله ورسوله لنبي لأمي لذي يؤمن بلله وكلماته وتبعوه لعلكم تهتدون﴾ مخاطبا للناس كلهم وأمره تعالى أن يدعو الإنس والجن إلى الإيمان وقال تعالى ﴿لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون﴾ فصح أنهم لم يكونوا ملزمين شريعة أحد من الأنبياء وقال تعالى ﴿يا أهل لكتاب قد جآءكم رسولنا يبين
لكم على فترة من لرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ولله على كل شيء قدير﴾ فعلمنا أن الشرائع التي بعث بها موسى ﵇ لم تلزم غير بني إسرائيل حاشا التوحيد وحده على ما بينا قبل وعلى ما بينه تعالى إذ يقول ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين﴾ ﴿قولوا آمنا بلله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولأسباط ومآ أوتي موسى
стр. 872
وعيسى وما أوتي لنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد هتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم لله وهو لسميع لعليم﴾
قال أبو محمد فصح بهذه الآية أيضا أن الذي تساوى فيه كل من ذكر الله من النبيين هو اللازم لنا وليس ذلك إلا التوحيد وحده وإلا فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أن شرائعهم كانت مختلفة فسقط عنا بذلك جميع شرائعهم إلا الذي سوى بينهم فيه وهو التوحيد فقط ومن ألزمنا شرائع الأنبياء قبلنا فقد أبطل فضيلة النبي ﷺ وأكذبه في إخباره أنه لم يبعث نبي إلا إلى قومه خاصة حاشا لأن خصومنا يريدون منا اتباع شرائع من قبلنا فيوجبون بذلك أنهم مبعوثون إلينا وهذا الباطل والكذب ويبين هذا أيضا قوله تعالى ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم﴾ وهذه صفة فعل الله تعالى الذي لم يزل حكمه موصوفا بها في خلقه في علمه وقال تعالى ﴿أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب لموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ قال أبو محمد هذه كافية في هذا الباب لأنه تعالى ما سوى بينهم فيه وهو عبادة الله تعالى وحده والإقرار بأنه الإله وحده ثم أخبرنا تعالى أنه لا يسألنا عما كان أولئك الأنبياء يعملون وإذا لم نسأل عن عملهم فقد تيقن كل ذي حس سليم أن ما لا نسأل عنه فإنه غير لازم لنا ولو كان لنا لازما لسئلنا عنه
فصح بهذا كله ما ذكرنا وهي براهين ضرورية لا محيد عنها وأعمالهم هي شرائعهم التي بعثوا بها فقد سقط عنا بالنص طلبها وإذ سقط عنا طلبها
стр. 873
فقد سقط عنا حكمها إذ لا سبيل إلى التزام حكم شيء إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بعد طلبه وبالله تعالى التوفيق وأما شريعة إبراهيم ﵇ فهي شريعتنا هذه بعينها ولسنا نقول إن إبراهيم بعث إلى الناس كافة وإنما نقول إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة بالشريعة التي بعث تعالى بها إبراهيم ﵇ إلى قومه خاصة دون سائر أهل عصره وإنما لزمتنا ملة إبراهيم لأن محمدا ﷺ بعث بها إلينا لا لأن إبراهيم ﵇ بعث بها قال تعالى ﴿ثم أوحينآ إليك أن تبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين﴾ وقال تعالى ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من لمشركين﴾ قال أبو محمد فانبلجت المسألة والحمد لله رب العالمين ونسخ الله تعالى عنا بعض شريعة إبراهيم كما نسخ أيضا عنا بعض ما كان يلزمنا من شريعة محمد ﷺ فمن ذلك ذبح الأولاد نسخ عنه ﵇ كما نسخ عنا أيضا بقوله تعالى ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبلوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا لفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ وبقوله تعالى ﴿وإذا لموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت﴾ وبقوله تعالى ﴿قد خسر لذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم لله فترآء على لله قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾ ونسخ الاستغفار للمشركين بقوله تعالى ﴿وما كان ستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم﴾ وبقوله تعالى ﴿ما كان للنبي ولذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي
قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب لجحيم﴾ وقد وعد النبي ﷺ عمه أبا طالب بالاستغفار كما وعد إبراهيم ﵇ أباه بالاستغفار حتى نهى الله تعالى كليهما عن ذلك
стр. 874
وأما قول إبراهيم ﵇ لقومه إذ رأى الكوكب ﴿فلمآ رأى لقمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من لقوم لضالين﴾ فإنما كانت تقريرا لهم تبكيتا لا استدلالا ومعاذ الله أن يقول إبراهيم بالعبودية لأحد دون الله تعالى ومن كان مثل إبراهيم سبقت له من الله تعالى سابقة علم في انتخابه للرساله والخلة لا يستدل بكبر الشمس على ربوبيتها وهو يرى الفلك أكبر منها فصح أن ذلك توبيخ لهم على فساد استدلالهم في عبادتهم للنجوم وأن هذا إنما هو كما قال ﴿ذق إنك أنت لعزيز لكريم﴾ أي عند نفسك في الدنيا وعند قومك المغرورين وإلا فهو في تلك الحال الدليل المهان وقال قوم متكلفون متنطعون ماذا كانت شريعة النبي ﷺ قبل أن ينبأ قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن يقال لهم في نفس سؤالكم جوابكم وهو قولكم أن ينبأ وأن لم يكن نبيا فلم يكن مكلفا شيئا من الشرائع التي لم يؤمر بها ومن الهذيان أن يكون مأمورا بما لم يؤمر به فصح أنه لم يكن ألزم شيئا من الشريعة حاشا التوحيد اللازم لقومه من عهد إبراهيم ﵇ لولده ونسله حتى غيره عمرو بن لحي وحاشا ما صانه الله تعالى عنه من الزنى وكشف العورة والكذب والظلم وسائر الفواحش والرذائل التي سبق في علم الله تعالى أنه سيحرمها عليه وعلى الناس لا إله إلا هو وقد قال قوم إن نوحا بعث إلى أهل الأرض كلهم قال أبو محمد وهذا خطأ لأنه تكذيب لقوله ﷺ إن كل نبي حاشاه إنما بعث إلى قومه خاصة فصح أن نوحا ﵇ كذلك ولا فرق وإنما غرق تعالى من غرق من غير قومه كما غرق الأطفال حينئذ وسائر الحيوان ويفعل ربنا تعالى ما شاء لا معقب لحكمه وقد قيل للنبي صلى الله
عليه وسلم أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث وذكر صلى الله عليه وسلم
стр. 875
جيشا يخسف بهم فقيل له يا رسول الله ﷺ وفيهم المكره وغيره فأخبر ﷺ أنهم وإن عمهم العذاب في الدنيا فكل أحد يبعث على نيته يوم القيامة أو كلاما هذا معناه فليس في إهلاك الله تعالى من أهلك بالطوفان دليل على أن جميعهم بعث إليهم نوح بل نص القرآن مثبت أن نوحا ﵇ لم يبعث إلى غير قومه البتة بقوله تعالى ﴿إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم﴾ فمن ادعى أن قومه كانوا جميع أهل الأرض فقد كذب وقفا ما ليس له به علم
وقد حرم ذلك بقوله ﴿وآت ذا لقربى حقه ولمسكين وبن لسبيل ولا تبذر تبذيرا﴾ ولا في النص أيضا أن جميع أهل الأرض هلكوا بالطوفان لا في القرآن ولا في الحديث الصحيح والله أعلم ولا علم لنا إلا ما علمنا والكذب والقول بغير علم لا يستسهله فاضل نعوذ بالله من الخذلان فإن تعلق متعلق بما حدثناه عن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا أبو إسحاق المستملي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسحاق بن نضر ثنا محمد بن عبيد ثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال كنا مع النبي ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة ثم ذكر ﷺ صفة القيامة وفيه أن الناس يأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وذكر باقي الحديث قيل له وبالله تعالى التوفيق ليس لك في هذا حجة لأنه لم يقل إلى جميع أهل الأرض وبعض أهل الأرض يقع عليه اسم أهل
стр. 876
الأرض وما كنا لنستجيز تخصيص هذا العموم لولا ما ذكرنا قبل من رواية جابر وأبي هريرة وشهادتهما على رسول الله ﷺ بأن كل نبي قبله إنما بعث إلى قومه خاصة حاشاه ﵇ فإنه بعث إلى الناس كافة وفضل على جميع الأنبياء بذلك وقد قال قوم إن آدم ﵇ بعث إلى ولده وهم أهل الأرض قاطبة في وقتهم بلا شك قال أبو محمد وهذا شغب لا يصح لأن الحديث الذي ذكرنا آنفا يبطل هذه الدعوى وقد أخبر ﵇ في هذا الحديث أن نوحا أول من بعث إلى أهل الأرض وقد روى أن شيثا كان نبيا وإذا كان ذلك فليس آدم مبعوثا إليه فإن قال قائل ومن أين استجزت الاحتجاج في دفع بعث آدم إلى أهل الأرض بنبوة شيث ولم يأت في نص صحيح ولا في إجماع وأنت تنكر مثل هذا على غيرك قال أبو محمد فنقول له وبالله تعالى التوفيق وإنما قلنا ذلك لأنه قد صح عندنا بيقين أنه لم يبعث قط نبي إلى جميع الناس حاشا محمدا ﷺ فمن قال إن آدم ونوحا
أو غيرهما بعث إلى جميع الناس في زمانه فهو كاذب بلا شك مخالف لمحمد ﷺ مبطل
لفضيلته فلما صح ذلك عندنا علمنا أن آدم لا يخلو من أحد وجهين ضرورة لا ثالث لهما إما أن يكون معه نبي آخر لم يبعث آدم إليه أو يكون ولده لم يلزموا شريعة أبيهم آدم وقد ينبأ المرء في مهده كما نبىء عيسى ﵇ فلعله قد ولد لآدم ولد نبىء في حين خروجه إلى الدنيا فلا يكون آدم مبعوثا إليه والله أعلم إلا أن اليقين الذي لا شك فيه أن آدم لم يبعث إلى جميع ناس عصره ولا ناس هنالك إلا هو وامرأته حواء وولده فقط وبالله تعالى التوفيق
стр. 877
وأما قوله ﷺ في الحديث الذي ذكرنا آنفا إن نوحا أول الرسل إلى أهل الأرض ولا شك في آدم رسول الله فإن معناه عندنا والله أعلم أن رسالة آدم ﵇ إنما كانت لأهل السماء قائلا لهم عن الله ﴿وعلم آدم لأسمآء كلها ثم عرضهم على لملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ ومنبئا لهم بأسمائهم ومسلما عليهم على ما جاء في القرآن والحديث الصحيح وإنه لم يبعث إلى أهل الأرض أصلا وأن أولاده وامرأته أوحي إليهم التوحيد ثم بعث إلى كل طائفة نبي منها ثم بعث نوح إلى قومه خاصة بشريعة كما أخبر رسول الله ﷺ وأرسل إلى أهل الأرض بالعذاب العام لهم ولجميع الحيوان بلا شك لا شريعة ألزموها فهذا موافق لما صح في القرآن من خبره ﵇ وكل ما أرسله تعالى فبلا شك أنه إنما أرسله بأمر ما هذا ما لا بد منه فوجب أن يعرف بماذا أرسل إلى أهل الأرض فلم نجده إلا العذاب العام لكل من في الأرض ووجدنا النص قد جاء بإرساله إلى قومه خاصة بشريعته فصح الأمر ولله الحمد وبهذا تتألف الأحاديث كلها والقرآن وقد روينا في هذا الحديث تأويلا آخر عن قتادة والحكم وهو ما حدثناه أحمد بن عمر العذري ثنا أبو ذر عبد بن السرخسي قال ثنا إبراهيم بن خزيم قال ثنا عبد بن حميد قال حدثني يونس
عن شيبان عن قتادة قال بعث نوح حين بعث الشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام
وبه إلى عبد قال حدثنا أبو نعيم ثنا ابن أبي غنية عن الحكم
стр. 878
قال جاء نوح بالشريعة بتحريم الأخوات والأمهات والبنات قال أبو محمد فتأول هذان الإمامان أن نوحا أول من بعث بالتحريم والتحليل والذي يظهر إلينا فالذي قدمنا أولا والله أعلم سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
стр. 879
الباب الرابع والثلاثون في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه
قال أبو محمد علي بن أحمد ﵀ ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت واحتجوا في ذلك بما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني ثنا أبي نا زكريا عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال سمعته يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله محارمه وذكر باقي الحديث قال أبو محمد هذا الحديث روي بألفاظ كما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن كثير أنا سفيان عن أبي فروة عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال النبي ﷺ الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شبه عليه في الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن
стр. 880
يواقعه حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا خالد بن الحارث ثنا ابن عون الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الحلال بين وإن الحرام بين وإن بين ذلك
أمورا مشتبهات وسأضرب لكم في ذلك مثلا إن الله ذكره حمى وإن حمى الله ما حرم وإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يرع فيه وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر قال أبو محمد هذا هو أبو فروة الأكبر وأما أبو فروة الأصغر فهو مسلم بن سالم الجهني وكلاهما كوفي ثقة فهذا حض منه ﷺ على الورع ونص جلي على أن ما حول الحمى ليست من الحمى وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام وإذا لم تكن مما فصل من الحرام فهي على حكم الحلال بقول تعالى ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر سم لله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بلمعتدين﴾ فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى ﴿هو لذي خلق لكم ما في لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ وبقوله ﷺ أعظم الناس جرما في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرمه فحرم من أجل مسألته وقد بين النبي ﷺ في الحديث الذي رويناه آنفا من طريق أبي فروة عن الشعبي أن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن حكم من استبان له الأمر بخلاف ذلك وكذلك بين رسول الله ﷺ في الحديث الذي روينا آنفا من طريق ابن عون عن الشعبي بيانا جليا أن المخوف على من واقع الشبهات إنما هو أن يجسر بعدها على الحرام فصح بهذا البيان صحة ظاهره أن معنى رواية زكريا عن الشعبي التي يقول فيها وقع في الحرام أنه إنما هو على معنى آخر وهو كل فعل أدى إلى أن يكون فاعله متيقنا أنه راكب حرام في حالته تلك وذلك نحو ماءين كل واحد منها مشكوك في طهارته متيقن نجاسة أحدهما بغير عينه فإذا توضأ بهما جميعا كنا موقنين بأنه إن صلى صلى
следующие страницы →