← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10437

مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ط دار الحديث

ابن الجوزي

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بَابُ مَا رُوِيَ مِنَ الصَّلاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ قَدْ رُوِيَتْ لَنَا صَلاتَانِ. إِحْدَيْهِمَا لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَقْتٌ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعَابِدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وَأَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄، قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى يَوْمَ عَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ، يَعْنِي: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَبْدَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَيَخْتِمُ آخِرَهَا بِآمِينَ، ثُمَّ يَقْرَأُ: قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مِائَةَ مَرَّةٍ يَبْدَأُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلا قَالَ اللَّهُ : أُشْهِدُكُمْ أَنَّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ "

стр. 142

الصَّلاةُ الثَّانِيَةُ مُعَيَّنَةُ الْوَقْتِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أَنْبَأَنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ وَاصِلٍ، أَنْبَأَنَا النَّهَّاسُ بْنُ قَهْمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى يَوْمَ عَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ مَرةً، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسِينَ مَرَّةً، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ، وَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ حَوْرَاءَ، مَعَ كُلِّ حَوْرَاءَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَائِدَةٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ خُضْرٍ، بَرَدُهُ بَرَدُ الثَّلْجِ، وَحَلاوَتُهُ حَلاوَةُ الْعَسَلِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، لَمْ تَمَسَّهُ نَارٌ، وَلا يَجِدُ لِآخِرِهِ طَعْمًا كَمَا يَجِدُ لِأَوَّلِهِ، ثُمَّ يَأْتِيهِمْ طَيْرٌ جَنَاحَاهُ مِنْ يَاقُوتَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَمِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ لَذِيذٍ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ: مَرْحَبًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ. قَالَ: وَيَسْقُطُ ذَلِكَ الطَّيْرُ فِي صَفْحَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ، فَيَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ جَنَاحٍ مِنْ أَجْنِحَتِهِ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَيَطِيرُ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَضَاءَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ نُورٌ حَتَّى يَرَى الطَّائِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، مِمَّا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ "

стр. 143

بَابُ تَعْرِيفِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فِي الْمَسَاجِدِ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا الْأَزْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، يَعْنِي: اجْتِمَاعَ النَّاسِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْمَسَاجِدِ " أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ نُحَيْتٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْصٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا الْأَثْرَمُ، قَالَ: " سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ: الْحَسَنُ، وَبَكْرٌ، وَثَابِتٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسَجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ "

стр. 144

بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دُفِعَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزَمَيْنِ، وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ: مَا بَيْنَ الْمَأْزَمَيْنِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ. وَيَسِيرُ وَعَلَيْهِ السَّكَيِنَةُ وَالْوَقَارُ، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ صَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ أَجْزَأَهُ. ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، وَيَأْخُذُ مِنْهَا حَصَى الْجِمَارِ، وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَ جَازَ، وَيَكُونُ الْحَصَى أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً. وَهَلْ يُسَنُّ غَسْلُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. فَإِنْ دَفَعَ بَعْدَ نِصْفِ الْلَيْلِ، جَازَ وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ الْلَيْلِ لَزِمَهُ دَمٌ. فَإِنْ وَافَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ الْلَيْلِ فَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.

стр. 145

بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ النَّحْرِ قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا الْلَيَالِي الْأَرْبَعَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. . .» فَذَكَرَ مِنْهُنَّ لَيْلَةَ النَّحْرِ. وَرَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ الْخَيْرَ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ فَتْحًا. . .» فَذَكَرَ مِنْهُنَّ لَيْلَةَ الْأَضْحَى. وَقَدْ سَبَقَ إِسْنَادُ الْحَدِيثَيْنِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي طَيبٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبْدِكَ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَيَّادُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ الْمَكِّيُّ، أَنْبَأَنَا عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْلَةُ جَمْعٍ تَعْدِلُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ» وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، " أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ: لِمَ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: لازْدِلافِ النَّاسِ إِلَيْهَا مِنْ عَرَفَاتٍ. قَالَ: فَلِمَ سُمِّيَتْ جَمْعُ جَمْعًا؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا هَبَطَ آدَمُ وَحَوَّاءُ مِنَ الْجَنَّةِ فَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَاجْتَمَعَا بِالْمَشْعَرِ ". وَقَالَ مِهْيَارٌ فِي ذِكْرِ جَمْعٍ: يَا هَلْ لِلَيْلاتٍ بِجَمْعٍ عَوْدَةٌ؟ ... أَمْ هَلْ إِلَى وَادِي مِنًى مِنْ نَظْرَةِ؟ أَبْغِي الشِّفَاءَ بِذِكْرِ مَنْ هُوَ مُسْقِمِي ... عَجَبًا لِمَنْ هُوَ عِلَّتِي وَتَعِلَّتِي

стр. 146

بَابُ ذِكْرِ صَلاةٍ رُوِيَتْ لَيْلَةُ النَّحْرِ اعْلَمْ أَنَّهَا مِنَ الْلَيَالِي الَّتِي تُحْيَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُحْيِيهَا. وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ فيه الْقُلُوبُ» . فَأَمَّا الصَّلاةُ الْمُخْتَصَّةُ بِهَا. فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْجَرَّاحُ الْقَطَوَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ النَّحْرِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، فَإِذَا سَلَّمَ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، جَعَلَ اللَّهُ اسْمَهُ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَ السِّرِّ وَذُنُوبَ الْعَلانِيَةِ، وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ آيَةٍ قَرَأَهَا حَجَّةً وَعُمْرَةً، وَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ سِتِّينَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَإِنْ مَاتَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى مَاتَ شَهِيدًا»

стр. 147

وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ: كُنْتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ أُحْيِي اللَّيْلَ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ تُصَلِّي إِلَى الصَّبَاحِ وَمَعَهَا شَيْخٌ، فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكَ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، وَحَجَجْنَا كَمَا أَمَرْتَنَا، وَوَقَفْنَا كَمَا دَلَلْتَنَا، وَقَدْ رَأَيْنَا أَهْلَ الدُّنْيَا إِذَا شَابَ الْمَمْلُوكُ فِي خِدْمَتِهِمْ تَذَمَّمُوا أَنْ يَعْتِقُوهُ، وَقَدْ شِبْنَا فِي خِدْمَتِكَ فَأَعْتِقْنَا.

стр. 148

بَابُ فَضْلِ يَوْمِ النَّحْرِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ رِزْقَوُيْهِ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، أَنْبَأَنَا أَيَّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لِأُمَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا عَدَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخِذٌ لِلمَظْلِومِ مِنْهُ، قَالَ: «أَيْ رَبِّ! إِنَّ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْخَيْرِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ» ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: فَتَبَسَّمَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي، أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَى رَأْسِهِ وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، أَضْحَكُ مِمَّا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ»

стр. 149

بَابُ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ فَجْرِ النَّحْرِ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَيَرْقَا عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلا وَقَفَ عِنْدَهُ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُهَلِّلُهُ وَيُكَبِّرُهُ، وَيَدْعُو وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ يَقْرَأُ إِلَى رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] . فَإِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا بَلَغَ وَادِي مُحَسِّرٍ سَعَى إِنْ كَانَ مَاشِيًا، وَحَرَّكَ دَابَّتَهُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ.

стр. 150

بَابُ ذِكْرِ مِنًى حَدُّ مِنًى مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، " أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ لِمَ سُمِّيَتْ مِنًى؟ فَقَالَ: لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ دِمَاءِ الذَّبَائِحِ وَشُعُورِ النَّاسِ، تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ ، وَتَمَنِّيًا لِلأَمَانِ مَنِ عَذَابِهِ ". وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنًى مِنْ قَوْلِكَ: مَنَى الشَّيْءَ قَدَّرَ، كَأَنَّهُ قَدَّرَ فِيهَا النَّحْرَ. فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِي إِلَيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يَكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَعْلَمُ حُصُولَهَا فَي الْمَرْمَى، فَإِنْ رَمَى بِغَيِرِ الْحَصَى مِثْلَ الْكُحْلِ، وَالرُّخَامِ، وَالْبِرَامِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، أَوْ أَخَذَ حَجْرًا مِنَ الْمَرْمَى قَدْ رَمَى بِهِ، لَمْ يُجْزِهِ. وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الْمَرْمَى حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَهُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، فَإِذَا رَمَى السَّبْعَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا. وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ. وَمِمَّا قَالَ الشُّعَرَاءُ فِي ذِكْرِ مِنًى، قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَبِثُوا ثَلاثَ مِنًى بِمَنْزِلَ قَلْعَةٍ فَهُمْ عَلَى غَرَضٍ لَعَمْرُكَ مَا هُمُ

стр. 151

مُتَجَاوِرِينَ بِغَيْرِ دَارِ إِقَامَةٍ ... لَوْ قَدْ أَجَدَّ رَحِيلُهُمْ لَمْ يَنْدَمُوا وَلَهُنَّ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ لُبَانَةٌ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُنَّ لَوْ يَتَكَلَّمُ لَوْ كَانَ حَيَّا قَبْلَهُنَّ ظَعَائِنًا ... حَيَّا الْحُطَيْمُ وُجُوهَهُنَّ وَزَمْزَمُ وَقَالَ الْعَرْجِيُّ: عُوجِي عَلَيَّ فَسَلِّمِي خَبَرُ ... فِيمَ الْوُقُوفُ وَأَنْتُمُ سَفْرُ مَا نَلْتَقِي إلا ثَلاثَ مِنًى ... حَتَّى يُفَرِّقُ بَيْنَنَا النَّفْرُ الشَّهْرُ ثُمَّ الْحَوْلُ يَتْبَعُهُ ... مَا الدَّهْرُ إِلا الْحَوْلُ وَالشَّهْرُ وَلابْنِ الْمُعْتَزِّ: لِلَّهِ دَرُّ مِنًى وَمَا جَمَعَتْ مِنًى ... وَبُكَاءُ الْأَحِبَّةِ لَيْلَةَ النَّفْرِ ثُمَّ اغْتَدَوْا فِرَقًا هُنَا وَهُنَا ... يَتَلاحَظُونَ بِأَعْيُنِ الذِّكْرِ مَا لِلمَضَاجِعِ لا تُلائِمُنِي ... وَكَأَنَّ قَلْبِي لَيْسَ فِي صَدْرِي وَلِلرَّضِيِّ: أَعَادَ لِي عِيدُ الضَّنَى ... جِيرَانَنَا عَلَى مِنًى كَمْ كَبِدٍ مَعْقُورَةٍ ... لِلعَاقِرِينَ الْبُدْنَا تُخْفِي تَبَارِيحَ الْهَوَى ... وَقَدْ عَنَّانَا مَا عَنَا وَبَارَقَ أَشِيمَهُ ... كَالطَّرَفِ أَغْضَى وَرَنَا ذَكَّرَنِي الأَحَبَابَ وَالذِّكْرَى ... تُهَيِّجُ الْحُزْنَا مِنْ بَطْنِ مُرٍّ وَالسُّرَى ... تَؤُمُّ عُسْفَانَ بِنَا وَبِالْعِرَاقِ وَطَرَى ... يَا بُعْدَ مَا لاحَ لَنَا

стр. 152

وَلِمِهْيَارٍ: وَمَا بِنَا إِلا هَوًى ... حَيَّ عَلَى خَيْفِ مِنًى يَا حُسْنَ ذَاكَ مَوْقِفًا ... إِنْ كَانَ شَيْئًا حَسَنَا مَنْ لَعَيْنِي أَنْ تَرَى ... تِلْكَ الثَّلاثَ مِنْ مِنًى يَا قَلْبُ مِنْ مَوَاطِنَ ... لَمْ يَرْضَ مِنْهَا وَطَنَا وَيَوْمَ سَلْعٍ لَمْ يَكُنْ ... يَوْمِي بِسَلْعٍ هَيِّنَا وَقَفْتُ أَسْتَسْقِي الظَّمَا ... فِيهِ وَأَسْتَشْفِي الضَّنَا وَفَضَحَتْ سِرَّ الْهَوَى ... عَيْنِي فَصَارَ عَلَنًا وَيَوْمَ ذِي الْبَانِ تَبَايَعْنَا ... فَحُزْتُ الْغَبَنَا كَانَ الْغَرَامُ الْمُشْتَرَى ... وَكَانَ قَلْبِي الثَّمَنَا أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ حَيويه، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: " لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْجُنُونِ مَا ظَهَرَ، وَرَأَى قَوْمَهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ، اجْتَمَعُوا إِلَى أَبِيهِ، وَقَالُوا: لَوْ خَرَجْتَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَاذَ بِبَيْتِ اللَّهِ، وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ. فَخَرَجَ بِهِ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَجَعَلَ يَطُوفُ بِهِ، وَيَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: دَعَا الْمُحْرِمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بِمَكَّةَ وَهَنًا أَنْ تُمْحَى ذُنُوبُهَا وَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلَ سُؤْلَتِي ... لِنَفْسِي لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِي لا يَتُبْ ... إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لا أَتُوبُهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِمِنًى نَادَى مُنَادٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْخِيَامِ: يَا لَيْلَى، فَخَرَّ مَغْشِيًا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ، وَنَضَحُوا عَلَى وَجْهِهِ الْمَاءَ، وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، وَهُوَ يَقُولُ: وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... فَهَيَّجَ أَطْرَابَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي "

стр. 153

بَابُ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنَ الْبَيْتِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَرَاهُ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ ﵇ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، ثُمَّ غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَفَعَلا كَذَلِكَ. هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ، سَعِيِ هَاجَرَ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ زَمْزَمَ. وَكَذَلِكَ أَصْلُ الرَّمْلِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: «إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ لِيَرَى الْمُشْرِكِينَ جَلَدَهُمْ» . وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. ثُمَّ زَالَتْ تِلْكَ الأَشْيَاءِ، وَبَقِيَتْ آثَارُهَا وَأَحْكَامُهَا، وَرُبَّمَا أُشْكِلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ عَلَى مَنْ يَرَى صُورَهَا وَلَمْ يَعْرِفْ أَسْبَابَهَا، فَيُقُولُ: هَذَا لا مَعنَى لَهُ، فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ الأَسْبَابَ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ، وَهَا أَنَا أُمَهِّدُ لَكَ مِنَ الْمَعْنَى قَاعِدَةً تَبْنِي عَلَيْهَا مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا: اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ مَعْقُولٌ، وَهُوَ ذُلُّ الْعَبْدِ لِمَوْلاهُ بِطَاعَتِهِ، فَإِنَّ الصَّلاةَ فِيهَا مِنَ التَّوَاضُعِ وَالذُّلِّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعَبُّدُ، وَفِي الزَّكَاةِ إِرْفَاقٌ وَمُوَاسَاةٌ يُفْهَمُ

стр. 154

مَعْنَاهُ، وَفِي الصَّوْمِ كَسْرُ شَهْوَةِ النَّفْسِ لِتَنْقَادَ طَائِعَةً لِمَخْدُومِهَا، وَفِي تَشْرِيفِ الْبَيْتِ وَنَصْبِهِ مَقْصِدًا وَجَعْلِ مَا حَوَالَيْهِ حَرَمًا تَفْخِيمًا لَهُ، وَإِقْبَالُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ شُعُثًا غُبُرًا كَإِقْبَالِ الْعَبْدِ إِلَى مَوْلاهُ ذَلِيلا مُعْتَذِرًا أَمْرٌ مَفْهُومٌ، وَالنَّفْسُ تَأْنَسُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِمَا تَفْهَمُهُ، فَيَكُونُ مَيْلُ الطَّبْعِ إِلَيْهِ مُعِينًا عَلَى فِعْلِهِ وَبَاعِثًا، فَوُظُّفَتْ لَهَا وَظَائِفُ لا تَفْهَمُهَا فَيَتِمُّ انْقِيَادُهَا كَالسَّعِي وَالرَّمْيِ، فَإِنَّهُ لا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلنَّفْسِ، وَلا أُنْسَ فِيهِ لِلطَّبْعِ، وَلا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى مَعْنَاهُ، فَلا يَكُونُ الْبَاعِثُ إِلَى امْتِثَالِ الأَمْرِ فِيهِ سِوَى مُجَرَّدِ الأَمْرِ وَالانْقِيَادِ الْمَحْضِ، وَبِهَذَا الإِيضَاحِ تُعْرَفُ أَسْرَارُ الْعِبَادَاتِ الْغَامِضَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَانَحَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَبُو أُمِّي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، أَنْبَأنَا أَبُو شَيْبَةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَجِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَإِذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ تَرْمِي بِهَا يُغْفَرُ لَكَ بِهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوجِبَاتِ الْمُوبِقَاتِ» فَصْلٌ وَرَبَّمَا قَالَ قَائِلٌ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْحُجَّاجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَيَحْتَاجُ كُلُّ مِنْهُمْ أَنْ يَرْمِيَ سَبْعِينَ حَصَاةً، وَهَذَا مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، وَالْمَرْمَى مَكَانٌ صَغِيرٌ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى بِحَصَاةٍ قَدْ رُمِيَ بِهَا، وَتَرَى الْحَصَى فِي الْمَرْمَى قَلِيلا فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ؟ فَالْجَوَابُ: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَنَّانٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ شَاذَانَ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْحَكَمِ، أَنْبَأنَا الْكَدِيمِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: الْحَصَى قُرْبَانٌ، فَمَا قُبِلَ مِنْهُ رُفِعَ، وَمَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَ.

стр. 155

أَبْوَابُ الأَضَاحِي بَابٌ فِي بَيَانِ فَضْلِ الأَضَاحِي أَخْبَرَنَا ابْنُ عِيسَى الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَتْنَا أُمُّ عَرِبِيٍّ بِنْتُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَرْثَمِيِّ، قَالَتْ: أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أُنْفِقَتُ الْوَرِقُ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ نَحِيرَةٍ فِي يَوْمِ عِيدٍ» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنْبَأنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْعُكْبَرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَامِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَبِي قَيْسٍ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، أَنْبَأنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ إِلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا»

стр. 156

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الزَّوْزَنِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَنْبَأنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ، أَنْبَأنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَنْبَأنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمَلائِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ لَكَ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا أَنْ يُغْفَرَ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ» . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهَذَا لَنَا خَاصَّةً أَهْلَ الْبَيْتِ، أَمْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الأَضَاحِي؟ قَالَ: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» . قَالُوا: فَمَا لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ» . قَالُوا: فَالصُّوفُ؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ» . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ كَانَ لا يُمَاكِسُ فِي ثَمَنِ الأُضْحِيَةِ، وَيَقُولُ: لا يُمَاكَسُ فِي شَيْءٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ .

стр. 157

! ٢٠٩ أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَلِيٍّ الْبُسْرِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التُّورَنِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهُجَيْمِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: " خَرَجَ أَبُو نُوَاسٍ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُرِيدُ شِرَاءَ أُضْحِيَةٍ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْمِرْبَدِ إِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْخَلَ شَاةً يَقْدُمُهَا كَبْشٌ، فَقَالَ: لأُجَرِّبَنَّ هَذَا الأَعْرَابِيَّ فَأَنْظُرُ مَا عِنْدَهُ، فَإِنِّي أَظُنُّهُ عَاقِلا، فَقَالَ أَبُو نُوَاسَ: أَيَا صَاحِبَ الشَّاةِ الَّذِي قَدْ يَسُوقُهَا ... بِكَمْ ذَاكَ الْكَبْشُ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَا؟ فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَبِيعُكَ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يُرِيدُهُ ... وَلَمْ تَكُ مَزَّاحًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمَا فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: أَجَدْتَ رَعَاكَ اللَّهُ رَدَّ جَوَابِنَا ... فَأَحْسِنْ إِلَيْنَا إِنْ أَرَدْتَ التَّكَرُّمَا فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَحُطُّ مِنَ الْعِشْرِينَ خَمْسًا فَإِنَّنِي ... أَرَاكَ ظَرِيفًا فَاقْبِضْ مُسَلِّمَا قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَخَذَ كَبْشًا يُسَاوِي ثَلاثَينَ دِرْهَمًا "

стр. 158

بَابٌ بَيَانُ أَنَّ الأَضَاحِيَ سُنَّةٌ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ الأُضْحِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بَوَاجِبَةٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْغَنِيِّ الْحَاضِرِ. وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا قَوْلُهُ ﵇: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظَافِرِهِ» . وَسَنَذْكُرُ الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَوَجْهُ الْحُجَّةِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا عَلَّقَهَا بِالإِرَادَةِ.

стр. 159

بَابٌ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُنَّتِ الأَضَاحِي وَهُوَ مَا جَرَى لِلْخَلِيلِ ﵇ وَوَلَدِهِ، وَتَلْخِيصُ الْقِصَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْخَلِيلَ ﵇ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ نُقَرِّبُ قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ ، فَأَخَذَ سِكِّينًا وَحَبْلا ثُمَّ انْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا ذَهَبَا بَيْنَ الْجِبَالِ قَالَ لَهُ الْغُلامُ: أَيْنَ قُرْبَانَكَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فَقَالَ لَهُ: اشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لا أَضْطَرِبَ، وَاكْفُفْ عَنِّي ثِيَابَكَ حَتَّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإِذَا أَتَيْتَ أُمِّي، فَاقْرَأْ ﵍ مِنِّي. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: نِعْمَ الْعَوْنُ أَنْتَ يَا بُنَيَّ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ . ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَحُكَّ شَيْئًا وَانْقَلَبَتْ، فَقَالَ لَهُ: اطْعَنْ بِهَا طَعْنًا، فَطَعَنَ بِهَا فَنَبَتْ. وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمَا الصِّدْقَ فِي التَّسْلِيمِ، فَنُودِيَّ: يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، هَذَا فِدَاءُ ابْنِكَ. فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ مَعَهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَذَبَحَهُ، فَهَذَا كَانَ الأَصْلُ فِي سُنَّةِ الذَّبْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 160

بَابُ ذِكْرِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِي الذَّبِيحِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَعْبُ الأَحْبَارِ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ أَصْحَابُنَا. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: أَنْبَأنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْوَارِثُ، عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ» وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ سَابِطٍ إِلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فَرَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْحَوْرَاءِ، وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ. وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْقَوْلَيْنِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.

стр. 161

بَابٌ بَيَانُ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُضَحِّي مِنَ الأَدَبِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ بَشْرَتِهِ شَيْئًا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالا: أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ، أَنْبَأنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّارُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَن ّالنَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» وَأَخْبَرَنَا عَالِيًا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالا: أَنْبَأنَا الصَّيْرَفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو حَفْصٍ الْكَتَّانِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَنْبَأنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂، تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ ذَبْحٌ يَذْبَحُهُ فإِذَا أَهَلَّ هِلالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلا يُأَخَذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ وَمِنْ ذَلِكَ ذَبْحُهَا بِيَدِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَنْبَأنَا ابْنُ

стр. 162

حُبَابَةَ، أَنْبَأنَا الْبَغَوِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، أَنْبَأنَا أَبُو زَيْدِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ «ذَبَحَ أُضْحِيَتَهُ بِيَدِهِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا» أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأنَا هِشَامٌ، أَنْبَأنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنْبَأنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، وَكَانَ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ وَاضِعًا عَلَى صِفَاحَهُمَا قَدَمَهُ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَالأَمْلَحُ فِي اللُّغَةِ: الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، غَيْرَ أَنَّ الْبَيَاضَ فِيهِ أَكْثَرُ قَالَ الشَّاعِرُ: بِكُلِّ دَهْرٍ قَدْ لَبِسْتَ أَثْوُبَا حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا أَمْلَحَ لا لَذًّا وَلا مُحَبَّبَا فَصْلٌ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الذَّبْحَ فَالأَفضْلُ أَنْ يَشْهَدَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂: «قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا» . وَالأَفْضَلُ فِي الأَضَاحِي عِنْدَنَا: الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْغَنَمَ. وَالأَفْضَلُ فِي الْهَدَايَا وَالأَضَاحِي: الشُّهُبُ، ثُمَّ الصُّفُرُ، ثُمَّ السُّودُ. وَتُجْزِئُ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَلا فَرْقَ

стр. 163

بَيْنَ أَنْ يُرِيدُوا الْقُرْبَةَ أَوْ يُرِيدُ بَعْضُهُمُ الْقُرْبَةَ، وَبَعْضُهُمُ اللَّحْمَ، فَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ صَحَّ الاشْتِرَاكُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ لَمْ يَصِحَّ. وَيُجْزِئ فِي الأَضَاحِي مَا يُجْزِئ في الدماء الواجبة في الجبران، وقد بيناه في باب الإحرام. ولا يجزي في الهدى والأضحية مَا فِيهِ عَيْبٌ يُنْقِصُ اللَّحْمَ، وَهِيَ خَمْسٌ: الْقَرْنُ، وَالأُذُنُ، وَهِيَ الَّتِي قَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: هِيَ الَّتِي ذَهَبَ ثُلُثُ قَرْنِهَا وَأُذُنِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمَقْطُوعَةُ الأُذُنِ تَجُوزُ، وَالْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إِذَا لَمْ يُدْمِ قَرْنُهَا جَازَ. وَأَمَّا الْجَمَّاءُ فَهَلْ تُجْزِئُ؟ لأَصْحَابِنَا فِيهَا وَجْهَانِ. وَالْعَوْارَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا: وَهِيَ الَّتِي قَدِ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا. وَالْعَجْفَاءُ وَهِيَ الْهَزِيلَةُ الَّتِي لا نَقَى لَهَا، وَهُوَ الْمُخُّ. وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضِلَعُهَا فَلا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ، وَلا عَلَى مُشَارَكَتِهِنَّ فِي الْعَلَفِ. وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا: وَهِيَ الْجَرْبَاءُ؛ لأَنَّ جَرَبَهَا يُفْسِدُ اللَّحْمَ. فَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: «لا يُضَحَّى بِمُقَابِلَةٍ وَلا بِمُدَابِرَةٍ وَلا خَرْقَاءَ، وَلا شَرْقَاءَ» فَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَالإِجْزَاءُ يَقَعُ. وَالْمُقَابِلَةُ: الَّتِي يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْ مَقْدَمِ أُذُنِهَا وَبَقِيَ مُعَلَّقًا. وَالْمُدَابِرَةُ: الَّتِي يُقْطَعُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهَا. وَالْخَرْقَاءُ: الَّتِي قَدْ ثَقَبَ الْكَيُّ أُذُنَهَا، وَيُجْزِئ الْخَصِيُّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ الإِبِلُ قَائِمَةً مُعَقَلَّةً وَتُذْبَحَ مَا سِوَاهَا مُضَجَعَةً، وَلا تُنْحَرُ.

стр. 164

وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ: يَوْمُ الْعِيدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيدِ أَوْ قَدْرَ الصَّلاةِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ النَّحْرِ ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، فَإِنْ ذَبَحَ التَّطُوُّعَ كَانَ صَدَقَةً بِلَحْمٍ لا أُضْحِيَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيَّامَ النَّحْرِ إِلَى آخَرِ أَيَّامِ مِنًى إِلَى الْمَغِيبِ. وَهَلْ يَجُوزُ ذَبْحُ الأَضَاحِي وَالْهَدْيِ بِاللَّيْلِ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهَا الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ: لا تُجْزِئُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَلا يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ الْهَدَايَا وَالأَضَاحِي، وَلا جِلالِهَا، بَلْ يُتَصَدَّقُ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُشْتَرَى بِهِ مَتَاعُ الْبَيْتِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: كَالْغُرْبَالِ وَالْمُنْخُلِ، وَلا يُشْتَرَى بِهِ مَا يُؤْكَلُ. وَالْمَشْرُوعُ فِي الأُضْحِيَةِ عِنْدَنَا أَنْ يَأْكُلَ الثُّلُثَ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ.

стр. 165

بَابٌ ذِكْرُ الْهَدْيِ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ نَحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ. وَأَوَّلُ مَنْ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ إِلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ: قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: الْهَدْيُ لِمَا يُهْدَى لِبَيْتِ اللَّهِ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الْهَدْيُ: جَمْعٌ وَاحِدُهُ هَدْيَةٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: هُوَ الْهَدِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمَطَايَا ... وَأَعْنَاقِ الْهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْهَدْيُ يُجْمَعُ أَهْدَاءُ، وَهَدَيًا، وَهَدَايَا. وَيُسْتَحَبُّ إِشْعَارُ الْهَدْيِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَفِي صِفَةِ الإِشْعَارِ قَوْلانِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: الأَيْسَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْقَوْلَيْنِ، وَلَهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي شَقِّ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ. وَتَقْلِيدُ الْغَنَمِ مَسْنُونٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلا أَوْ أُذُنَ قِرْبَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ.

стр. 166

بَابٌ كَلامُ أَهْلِ الإِشَارَةِ فِي الأَضَاحِي وَالْعِيدِ ! ٢١٠ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَانَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ الْفَتْحِ الْحَلَبِيُّ يَوْمَ الْنَحْرِ فَرَأَى النَّاسَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَرَى النَّاسُ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْكَ بِأَلْوَانِ الذَّبَائِحِ، وَإِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِحُزْنِي، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ، ثُمَّ قَالَ: إِلَهِي إِلَى مَتَى تَرُدَّنِي فِي دَارِ الدُّنْيَا مَحْزُونًا، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، فَوَقَعَ مِنْ سَاعَتِهِ مَيْتًا ! ٢١١ أَنْبَأنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَابِتٍ الْحَطَّابَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: رَأَيْتُ فَتْحَ الْمَوْصِلِيَّ فِي يَوْمِ عِيدٍ أَضْحَى وَقَدْ شَمَّ رِيحَ الْقَتَارَ، فَدَخَلَ إِلَى زُقَاقٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِقُرْبَانِهِمْ، وَأَنَا أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِطُولِ حُزْنِي، يَا مَحْبُوبُ، كَمْ تَتْرُكُنِي فِي أَزِقَّةِ الدُّنْيَا مَحْزُونًا، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ، وَحُمِلَ فَدَفَنَّاهُ بَعْدَ ثَلاثٍ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: ضَحَّى الْحَبِيبُ بِقَلْبِي يَوْمَ عِيدِهِمُ ... وَالنَّاسُ ضَحُّوا بِمِثْلِ الشَّاءِ وَالنَّعَمِ إِنَّ الْحَبِيبَ الَّذِي يُرْضِيهِ سَفْكُ دَمِي ... دَمِي حَلالٌ لَهُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِلنَّاسِ حِجٌّ وَلِي حِجٌّ إِلَى سَكَنِي ... تُهْدَى الأَضَاحِي وَأُهْدِي مُهْجَتِي وَدَمِي يَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَوْمٌ لَوْ بِجَارِحَةٍ ... بِالْحُبِّ طَافُوا لأَلْهَاهُمُ عَنِ الْحَرَمِ

стр. 167

يَا لائِمِي لا تَلُمْنِي فِي هَوَاهُ فَلَوْ ... عَانَيْتَ مِنْهُ الَّذِي عَانَيْتُ لَمْ تَلُمِ ! ٢١٢ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يُنْشِدُ يَوْمَ عِيدٍ: لَيْسَ عِيدَ الْمُحِبِّ قَصْدُ الْمُصَلَّى ... وَانْتِظَارُ الْجُلُوسِ وَالسُّلْطَانِ إِنَّمَا الْعِيدُ أَنْ يَكُونَ لَدَى الْمُحِبِّ ... كَرِيمًا مُقَرَّبًا فِي أَمَانِ وَيُرْوَى عَنِ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ يَوْمَ عِيدٍ: عِيدِي مُقِيمٌ وَعِيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ ... وَالْقَلْبُ مِنِّي عَنِ اللَّذَّاتِ مُنْحَرِفُ وَلِي قَرِينَانِ مَالِي مِنْهُمَا خُلْفٌ ... طُولُ الْحَنِينِ وَعَيْنٌ دَمْعُهَا يَكْفُ ! ٢١٣ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا هَنَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ، يَقُولُ: كَانَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ الْعِيدِ يَنُوحُ وَيَصِيحُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ وَزُرْقٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: تَزَيَّنَ النَّاسُ يَوْمَ الْعِيدِ لِلْعِيدِ ... وَقَدْ لَبِسْتُ ثِيَابَ الزُّرْقِ وَالسُّودِ وَأَصْبَحَ الْكُلُّ مَسْرُورًا بِسَيِّدِهِمْ ... وَرُحْتُ فِيكُمْ إِلَى نَوْحٍ وَتَعْدِيدِ وَالنَّاسُ فِي فَرَحٍ وَالْقَلْبُ فِي تَرَحٍ ... شَتَّانَ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فِي الْعِيدِ ! ٢١٤ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الأُرْدِسْتَانِيُّ، أَنْبَأنَا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يُنْشِدُ يَوْمَ عِيدٍ:

стр. 168

النَّاسُ يَوْمَ الْعِيدِ قَدْ سُرُّوا وَقَدْ فَرِحُوا ... وَمَا سُرِرْتُ بِهِ هُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ لَمَّا تَيَقَّنْتُ أَنِّي لا أُعَايِنُكُمْ ... غَمَّضْتُ طَرْفِي فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى أَحَدِ وَأَنْشَدَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ عِيدٍ: إِذَا مَا كُنْتَ لِي عِيدًا ... فَمَا أَصْنَعُ بِالْعِيدِ جَرَى حُبُّكَ فِي قَلْبِي ... كَجَرْيِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ ! ٢١٥ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الأُرْدِسْتَانِيُّ، أَنْبَأنَا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلاءِ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لأَبِي عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيِّ: غَدًا الْعِيدُ فَغَيِّرْ مِنْ زِيِّكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: قَالُوا: غَدًا الْعِيدُ مَاذَا أَنْتَ لابِسُهُ ... فَقُلْتُ: خُلْعَةَ سَاقٍ حُبَّهُ جَرَعَا فَقْرٌ وَصَبْرٌ هُمَا ثَوْبَايَ تَحْتَهُمَا ... قَلْبٌ يَرَى إِلْفَهُ الأَعْيَادَ وَالْجُمُعَا أَحْرَى الْمَلابِسِ أَنْ تَلْقَى الْحَبِيبَ بِهَا ... يَوْمَ التَّزَاوُرِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي خُلِعَا الدَّهْرُ لِي مَا تَمَّ إِنْ غِبْتَ يَا أَمَلِي ... وَالْعِيدُ مَا كُنْتَ لِي مَرْءًا وَمُسْتَمَعَا

стр. 169

بَابُ الْحِلاقِ وَالتَّقْصِيرِ إِذَا ذَبَحَ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، لا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَعْرًا اسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، وَالْمَرَأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الأُنْمُلَةِ وَلا تَحْلِقُ. وَمَنْ قَدَّمَ الْحِلاقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ عَلَى النَّحْرِ جَاهِلا بِالسُّنَّةِ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَهْلَ عَلَيْهِ دَمٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَرَّ الْحِلاقَ عَنْ أَيَّامِ مِنًى فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَأَمَّا حَلْقُ رَأْسِكَ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُورٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «إِذَا أَنْتَ حَلَقْتَ رَأْسَكَ تَنَاثَرَتِ الذُّنُوبُ كَمَا يَتَنَاثَرُ الشَّعْرُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ ذَنْبٌ» . أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعْمَرِ الأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ جَابِرٍ الْقَاضِي، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: أَخْطَأْتُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ، فَعَلَّمَنِيهَا حَجَّامٌ، وَذَلِكَ أَنِّي حِينَ أَرَدْتُ أَنْ أَحْلِقَ رَأْسِي وَقَفَ عَلَيَّ حَجَّامٌ، فَقُلْتُ لَهُ: بِكَمْ تَحْلِقُ رَأْسِي؟ فَقَالَ:

стр. 170

أَعِرَاقِيٌّ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: النُّسُكُ لا يُشَارَطُ عَلَيْهِ، اجْلِسْ. فَجَلَسْتُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ لِي: حَوِّلْ وَجْهَكَ إِلَى الْقِبْلَةِ. فَحَوَّلْتُهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَحْلِقَ مِنَ الْجَانِبِ الأَيْسَرِ، فَقَالَ: أَدِرِ الشِّقَّ الأَيْمَنَ مِنْ رَأْسِكَ، فَأَدَرْتُهُ، وَجَعَلَ يَحْلِقُ وَأَنَا سَاكِتٌ، فَقَالَ: كَبِّرْ. فَجَعَلْتُ أُكَبِّرُ حَتَّى قُمْتُ لأَذْهَبَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: رَحْلِي. قَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ امْضِ. فَقُلْتُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا رَأَيْتَ مِنْ عَقْلِ هَذَا الْحَجَّامِ. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَفْعَلُ هَذَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصِيبِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ سُوَيْدٍ، أَنْبَانَا ابْنُ الأَنْبَارِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُحَيْمِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَجَّ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَطَلَبَ حَلاقًا، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَتَحَيَّرَ وَدُهِشَ، وَقَالَ: هَذِهِ الأَلْفُ لِي، أَمْضِ إِلَى أُمِّ فُلانٍ أُبَشِّرُهَا. فَقَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفًا آخَرَ. فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إِنْ حَلَقَ رَأْسَ أَحَدٍ بَعْدَكَ. فَقَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفَيْنِ آخَرَيْنِ فَصْلٌ وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلانِ: فَالأَوَّلُ يَحْصُلُ بِشَيْئَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ: بِالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ، أَوْ بِالرَّمْيِ وَالْحِلاقِ، أَوْ بِالْحِلاقِ وَالطَّوَافِ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ سَائِرُ مَحُظَورَاتِ الإِحْرَامِ إِلا النِّسَاءَ، فَإِذَا وُجِدَ الثَّالِثُ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ.

стр. 171

بَابُ مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: الْخَيْفُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْوَادِي وَانْحَدَرَ مِنَ الْجَبَلِ. أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، أَنْبَأنَا الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، أَنْبَانَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًا كُلُّهُمْ مَخْطُمُونَ بِاللِّيفِ» . قَالَ مَرْوَانُ: يَعْنِي: رَوَاحِلَهُمْ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي، أَنْبَأنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: كَانَ يَلْتَقِي هُوَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي الْمَوْسِمِ كُلَّ عَامٍ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ إِذَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ، وَنَامَتِ الْعَيْنُ، وَمَعَهُمَا جُلاسٌ لَهُمَا يَتَحَدَّثُونَ إِلَيْهِمَا، فَبَيْنَمَا هُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ يَتَحَدَّثَانِ مَعَ جُلَسَائِهِمَا إِذْ أَقْبَلَ طَائِرٌ لَهُ حَفِيفٌ، حَتَّى وَقَعَ إِلَى جَانِبِ وَهْبٍ فِي الْحَلَقَةِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ وَهْبٌ ﵇، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ، مِنْ مُسْلِمِيهِمْ، قَالَ: فَمَا حَاجَتُكَ: قَالَ: وَتُنْكِرُ أَنْ نُجَالِسَكُمْ وَنَحْمِلَ عَنْكُمْ؛ إِنَّ لَكُمْ فِينَا رُوَاةٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنُحَاضِرُكُمْ فِي أَشْيَاءَ، مِنْ صَلاةٍ وَجِهَادٍ وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَنَحْمِلُ عَنْكُمُ الْعِلْمَ، فَقَالَ وَهْبٌ: فَأَيُّ رُوَاةِ الْجِنِّ عِنْدَكُمْ أَفْضَلُ؟ قَالَ: رُوَاةُ هَذَا الشَّيْخِ، وَأَشَارَ إِلَى الْحَسَنِ

стр. 172

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمِمَّا قَالَتِ الشُّعَرَاءِ فِي ذِكْرِ الْخَيْفِ قَوْلُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: قُلْ لِلْمَنَازِلِ بِالْكَدِيدِ تَكَلَّمِي ... دَرَسَتْ وَعَهْدُ جَدِيدِهَا لَمْ يَقْدَمِ وَإِذَا الَّتِي تَبَّلَتْ فُؤَادُكَ غُدْوَةً ... بِالْخَيْفِ لَمَّا الْتَفَّ أَهْلُ الْمَوْسِمِ وَلِمِهْيَارٍ: لَيْتَ بَيْتًا بِالْخَيْفِ أَمْسَ اسْتَضَفْنَاهُ ... قِرَانًا وَلَوْ غَرَامًا وَوَجْدَا لا عَدَا الرُّوحَ مِنْ تِهَامَةَ أَنْفَاسًا ... إِذَا اسْتَرْوَحَتْ تَمَنَيَّتْ نَجْدَا وَلَهُ: يَا مَنْ رَأَى بِالْعَقِيقِ بَارِقَةً ... يَحْتَسِرُ مِنْهَا الرُّبَى وَيَعْتَمُّ يَقْدَحُ زِنْدُ الْجَنُوبِ جَذْوَتَهَا ... وَشَدْوَةُ اللَّيْلِ تَحْتَهَا فَحْمُ تُذَكِّرُنِي لَمْحَةٌ زَمَانًا عَلَى الْخَيْفِ ... فَقَضَى كَأَنَّهُ الْحُلْمُ هَلْ لَكَ بِالنَّازِلِينَ أَرْضَ مِنًى ... يَا عَلَمَ الشَّقِّ بَعْدَنَا عِلْمُ؟ جَرَتْ مَعَ الرَّسْمِ مُحَاوِرَةٌ ... فَهِمْتُ مِنْهَا مَا قَالَهُ الرَّسْمُ وَلِعَلِيِّ بْنِ أَفْلَحَ: هَذِهِ الْخَيْفُ وَهَاتِيكَ مِنًى ... فَتَرَفَّقْ أَيُّهَا الْحَادِي بِنَا وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنَا سَاعَةً ... نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكِي الدِّمَنَا فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا ... وَلِذَا الْيَوْمِ الدُّمُوعُ تُقْتَنَى زَمَنًا كَانَ وَكُنَّا جِيرَةً ... يَا أَعَادَ اللَّهُ ذَاكَ الزَّمَنَا بَيْنَنَا يَوْمَ أُثَيْلاتِ النَّقَا ... كَانَ عَنْ غَيْرِ تَرَاضٍ بَيْنَنَا

стр. 173

بَابُ ذِكْرِ التَّكْبِيرِ أَمَّا الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ عُقَيْبَ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلاةً، أَوَّلُهَا صَلاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَآخِرُهَا صَلاةُ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَمَّا الْمُحِلُّ فَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَقْطَعُ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ. وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ. وَهَلْ يُكَبِّرُ الْمُنْفَرِدُ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: يُكَبِّرُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لا يُكَبِّرُ عُقَيْبَ النَّوَافِلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُكَبِّرُ. وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْمُسَافِرُ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 174

أَبْوَابُ ذِكْرِ مَكَّةَ بَابٌ فِي ذِكْرِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَسْمَائِهَا قَدْ سَمَّى اللَّهُ مَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءَ: مَكَّةُ، وَالْبَلَدُ، وَالْقَرْيَةُ، وَأُمُّ الْقُرَى. فَأَمَّا مَكَّةُ، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] . وَأَمَّا الْكَلامُ فِي هَذَا الاسْمِ فَقَالَ الزَّجَّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهَا كَاشْتِقَاقِ بَكَّةَ؛ لأَنَّ الْمِيمَ تُبْدَلُ عَنِ الْبَاءِ. يُقَالُ: ضَرَبَهُ لازِمٌ وَلازِبٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: امْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ النَّاقَةِ: إِذَا امْتَصَّ مَصًّا شَدِيدًا لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ ازْدِحَامِ النَّاسِ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: تَمَكَّكْتَ الْعَظْمَ: إِذَا أَخْرَجْتَ مُخَّهُ. وَفِي تَسْمِيَةِ مَكَّةَ بِهَذَا الاسْمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لأَنَّهَا مَثَابَةٌ يَؤُمُّهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، فَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَجْذِبُهُمْ إِلَيْهَا، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: امْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ النَّاقَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: مَكَكْتُ الرَّحْلَ، إِذَا أَرَدْتَ نَحْوِيَةً، فَكَأَنَّهَا تَمَكُّ مَنْ ظَلَمَ فِيهَا أَيْ تُهْلِكُهُ، وَأَنْشَدُوا: يَا مَكَّةُ الْفَاجِرَ مُكِّي مَكًّا ... وَلا تَمُكِّي مُذْحِجًا وَعَكَّا

стр. 175

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا سُمِيِّتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أَهْلِهَا. وَالرَّابَعُ: لِقِلَّةِ الْمَاءِ بِهَا. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَكَّةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْبَلَدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَكَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَعْبَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَا حَوْلَ الْبَيْتِ، وَمَكَّةُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمَسْجِدُ وَالْبَيْتُ. وَمَكَّةُ: اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ بَكَّةَ هِيَ مَكَّةُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَاحَتَّجَ لِتَصْحِيحِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّ الْبَاءَ تُبْدَلُ مِنَ الْمِيمِ، يُقَالُ: سَبَدَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ وَسَمَدَهُ: إِذَا اسْتَأْصَلَهُ. وَشَرٌّ لازِمٌ وَلازِبٌ. فَأَمَّا اشْتِقَاقُ بَكَّةَ فَمِنَ الْبَكِّ. يُقَالُ: بَكَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَيْ: دَفَعَ. وَفِي تَسْمِيَتِهَا بَكَّةَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لازْدِحَامِ النَّاسِ بِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: لأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، أَيْ: تَدُقُّهَا، فَمَا قَصَدَهَا جَبَّارٌ إِلا وَقَصَمَهُ اللَّهُ، قَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَالثَّالِثُ: لأَنَّهَا تَضَعُ مِنْ نَخْوَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْبَلَدِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] يَعْنِي مَكَّةَ، وَالْبَلَدُ فِي اللُّغَةِ: صَدْرُ الْقُرَى. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْقَرْيَةِ، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] أَيْ: يُشِيرُ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ أَمْنٍ يَأْمَنُ أَهْلُهَا مِنْ أَنْ يُغَارَ عَلَيْهِمْ، ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] أَيْ: سَاكِنَةً بِأَهْلِهَا لا يَحْتَاجُونَ إِلَى الانْتِقَالِ عَنْهَا لِخَوْفٍ أَوْ ضِيقٍ. ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ [النحل: ١١٢] وَالرَّغَدُ: الرِّزْقُ الْوَاسِعُ الْكَثِيرُ، يُقَالُ: أَرْغَدَ فُلانٌ، إِذَا صَارَ فِي خَصْبٍ. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] أَيْ: كَذَّبَتْ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] وَأَصْلُ الذَّوْقِ بِالْفَمِّ، وَلَكِنَّهُ اسْتِعَارَةٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ كُفَّارَ مَكَّةَ بِالْجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ

стр. 176

حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْعِظَامَ الْمُحْرَقَةَ، وَكَانُوا يَخَافُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ سَرَايَاهُ. وَالْقَرْيَةُ: اسْمٌ لِمَا يَجْمَعُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْعِ، يُقَالُ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، إِذَا جَمَعْتُهُ فِيهِ، وَيُسَمَّى لِذَلِكَ الْحَوْضُ: مِقْرَاةً. وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِأُمِّ الْقُرَى، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] يَعْنِي: مَكَّةَ. وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لأَنَّهَا أَقْدَمُهَا. وَالثَّانِي: لأَنَّهَا قِبْلَةٌ يَؤُمُّهَا جَمِيعُ النَّاسِ. وَالثَّالِثُ: لأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا. وَالرَّابِعُ: لأَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ ، وَلَمَّا اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ أَنَّ بَلَدَ الْمَلِكِ وَبَيْتَهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الأَمَاكِنِ سُمِّي أُمًّا؛ لأَنَّ الأُمَّ مُتَقَدِّمَةٌ.

стр. 177

بَابُ فَضْلِ مَكَّةَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِي وَفْدٍ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا ذَكَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَتَتْهُ الأَنْصَارُ فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَيَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمُهاُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ» أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْضَرِيبِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّفَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِّي بْنِ الْحَمَرَاءِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزُورَةِ مِنْ سُوقِ مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ ﵎ إِلَيْهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْعَلافِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَامِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ،

стр. 178

قَالَ: «اخْتَارَ اللَّهُ الْبِلادَ فَأَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ الْبَلَدُ الْحَرَامُ» قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حُدِّثْنَا أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدَتْ فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسِّرْيَانِيَّةِ، فَلَمْ تَدْرِ مَا فِيهِ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَإِذَا فِيهِ أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلاكٍ، حُنَفَاءَ، وَلا تَزُولُ مَكَّةُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ. وَالأَخْشَبَانِ: الْجَبَلانِ، وَهُمَا: أَبُو قُبَيْسٍ، وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الأَحْمَرُ، وَكَانَ يُسَمَّى الأَعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ وَجْهُهُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ، وَمَكَّةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا لِمَ قِيلَ لِلْجَبَلِ أَبُو قُبَيْسٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَهَضَ بِبِنَائِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو قُبَيْسٍ، فَلَمَّا صَعِدَ بِالْبِنَاءِ فِيهِ سُمِّيَ جَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ. وَالثَّانِي أَنَّهُ اقْتُبِسَ مِنْهُ الرُّكْنُ فَسُمِّيَ لِذَلِكَ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُحِلَّ الْقِتَالَ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يُحِلَّ لِي إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعَضَّدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهُ، إِلا الإِذْخَرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.

стр. 179

فَقَالَ: إِلا الإِذْخَرَ ". الْخَلا مَقْصُورٌ: هُوَ الْحَشِيشُ، فَإِذَا مُدَّ فَهُوَ الْمَكَانُ الْخَالِي. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مُضَاعَفَةَ الْحَسَنَاتِ بِهَا وَالسَّيِّئَاتِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ هَمَّ الإِنْسَانُ بِسَيِّئَةٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ بِخِلافِ غَيْرِهَا مِنَ الْبِقَاعِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ الْبَيْتِ وَهُوَ بَعَدَنَ أَبْيَنَ، أَذَاقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا الْعَذَابَ الأَلِيمَ» . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ الرَّجُلَ يَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِأَرْضٍ أُخْرَى فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لا إِلا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: صَوْمُ يَوْمٍ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ يَوْمٍ، وَصَدَقَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، كَانَ يُعْجِبُهُمْ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ أَنْ لا يَخْرُجُوا حَتَّى يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «لا تَحْتَكِرُوا الطَّعَامَ بِمَكَّةَ فَإِنَّ احْتِكَارَ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ بِظُلْمٍ» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا

стр. 180

جَعْفَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مُخَالَطَةُ الْوَلِيِّ لِلنَّاسِ ذُلٌّ، وَتَفَرُّدُهُ عِزٌّ، وَقَلَّمَا رَأَيْتُ وَلِيًّا لِلَّهِ إِلا مُنْفَرِدًا، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ كَانَ رَجُلا لَهُ سَابِقَةٌ جَلِيلَةٌ، وَكَانَ يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَطَالَ مُقَامُهُ بِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ طَالَ مُقَامُكَ بِهَا. فَقَالَ لِي: لِمَ لا أُقِيمُ بِهَا وَلَمْ أَرَ بَلَدًا تَنْزِلُ فِيهَا الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ؟ وَالْمَلائِكَةُ تَغْدُو فِيهِ وَتَرُوحُ، وَإِنِّي أَرَى فِيهِ أَعَاجِيبَ كَثِيرَةً: أَرَى الْمَلائِكَةَ يَطُوفُونَ بِهِ عَلَى صُوَرٍ لا يَقْطَعُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ قُلْتُ لَكَ كُلَّ مَا رَأَيْتُ لَصَغُرَتْ عَنْهُ عُقُولُ قَوْمٍ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ إِلا أَخْبَرْتَنِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ وَلِيٍّ لِلَّهِ تَعَالَى صَحَّتْ وِلايَتُهُ إِلا وَهُوَ يَحْضُرُ هَذَا الْبَلَدَ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، لا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، فَمُقَامِي هَاهُنَا لأَجْلِ مَنْ أَرَاهُ مِنْهُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلا يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الْقَاسِمِ، جَبَلِيٌّ، وَقَدْ جَاءَ وَيَدُهُ غَمِرَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرِيبُ عَهْدٍ بِأَكْلٍ؟ فَقَالَ لِي: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَإِنِّي مُنْذُ أُسْبُوعٍ لَمْ آكُلْ، وَلَكِنْ أَطْعَمْتُ وَالِدَتِي وَأَسْرَعْتُ لأَلْحَقَ صَلاةَ الْفَجْرِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ سَبْعُ مِائَةِ فَرْسَخٍ، فَهَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِي مُؤْمَنًا مُوقِنًا وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ: جَاءَ وَيَدُهُ غَمِرَةٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ اللَّحْمِ خَاصَّةً أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرَقَنْدِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْغَافِرِ، حَدَّثَنَا الْخَطَّابِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ، حَدَّثَنَا ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: يَدِي مِنَ اللَّحْمِ غَمِرَةٌ، وَمِنَ الْوَحْلِ لَثِقَةٌ، وَمِنَ السَّمَكِ صَمِرَةٌ، وَمِنَ اللَّبَنِ وَالزُّبْدِ شَتِرَةٌ، وَمِنَ الْعَجِينِ وَرِخَةٌ، وَمِنَ الدَّمِ سَلِطَةٌ وَطَلِسَةٌ، وَمِنَ الثَّرِيدِ مَرِدَةٌ، وَمِنَ الْحَمَأَةِ رَدِغَةٌ، وَمِنَ الأَشْنَانِ قَضِضَةٌ، وَمِنَ
следующие страницы →