Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْعِظَامَ الْمُحْرَقَةَ، وَكَانُوا يَخَافُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ سَرَايَاهُ.
وَالْقَرْيَةُ: اسْمٌ لِمَا يَجْمَعُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْعِ، يُقَالُ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، إِذَا جَمَعْتُهُ فِيهِ، وَيُسَمَّى لِذَلِكَ الْحَوْضُ: مِقْرَاةً.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِأُمِّ الْقُرَى، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] يَعْنِي: مَكَّةَ.
وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لأَنَّهَا أَقْدَمُهَا.
وَالثَّانِي: لأَنَّهَا قِبْلَةٌ يَؤُمُّهَا جَمِيعُ النَّاسِ.
وَالثَّالِثُ: لأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا.
وَالرَّابِعُ: لأَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ ، وَلَمَّا اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ أَنَّ بَلَدَ الْمَلِكِ وَبَيْتَهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الأَمَاكِنِ سُمِّي أُمًّا؛ لأَنَّ الأُمَّ مُتَقَدِّمَةٌ.
стр. 177
بَابُ فَضْلِ مَكَّةَ
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِي وَفْدٍ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا ذَكَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَتَتْهُ الأَنْصَارُ فَجَلَسُوا حَوْلَهُ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَيَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمُهاُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ»
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْضَرِيبِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّفَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِّي بْنِ الْحَمَرَاءِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزُورَةِ مِنْ سُوقِ مَكَّةَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ ﵎ إِلَيْهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْعَلافِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَامِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ،
стр. 178
قَالَ: «اخْتَارَ اللَّهُ الْبِلادَ فَأَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّهِ الْبَلَدُ الْحَرَامُ»
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حُدِّثْنَا أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدَتْ فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسِّرْيَانِيَّةِ، فَلَمْ تَدْرِ مَا فِيهِ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَإِذَا فِيهِ أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلاكٍ، حُنَفَاءَ، وَلا تَزُولُ مَكَّةُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ.
وَالأَخْشَبَانِ: الْجَبَلانِ، وَهُمَا: أَبُو قُبَيْسٍ، وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الأَحْمَرُ، وَكَانَ يُسَمَّى الأَعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ وَجْهُهُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ، وَمَكَّةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا لِمَ قِيلَ لِلْجَبَلِ أَبُو قُبَيْسٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَهَضَ بِبِنَائِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو قُبَيْسٍ، فَلَمَّا صَعِدَ بِالْبِنَاءِ فِيهِ سُمِّيَ جَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ اقْتُبِسَ مِنْهُ الرُّكْنُ فَسُمِّيَ لِذَلِكَ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُحِلَّ الْقِتَالَ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يُحِلَّ لِي إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعَضَّدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ.
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهُ، إِلا الإِذْخَرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
стр. 179
فَقَالَ: إِلا الإِذْخَرَ ".
الْخَلا مَقْصُورٌ: هُوَ الْحَشِيشُ، فَإِذَا مُدَّ فَهُوَ الْمَكَانُ الْخَالِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مُضَاعَفَةَ الْحَسَنَاتِ بِهَا وَالسَّيِّئَاتِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ هَمَّ الإِنْسَانُ بِسَيِّئَةٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ بِخِلافِ غَيْرِهَا مِنَ الْبِقَاعِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ الْبَيْتِ وَهُوَ بَعَدَنَ أَبْيَنَ، أَذَاقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا الْعَذَابَ الأَلِيمَ» .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ الرَّجُلَ يَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِأَرْضٍ أُخْرَى فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لا إِلا بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: صَوْمُ يَوْمٍ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ يَوْمٍ، وَصَدَقَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، كَانَ يُعْجِبُهُمْ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ أَنْ لا يَخْرُجُوا حَتَّى يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «لا تَحْتَكِرُوا الطَّعَامَ بِمَكَّةَ فَإِنَّ احْتِكَارَ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ بِظُلْمٍ»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا
стр. 180
جَعْفَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مُخَالَطَةُ الْوَلِيِّ لِلنَّاسِ ذُلٌّ، وَتَفَرُّدُهُ عِزٌّ، وَقَلَّمَا رَأَيْتُ وَلِيًّا لِلَّهِ إِلا مُنْفَرِدًا، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ كَانَ رَجُلا لَهُ سَابِقَةٌ جَلِيلَةٌ، وَكَانَ يَفِرُّ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَطَالَ مُقَامُهُ بِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ طَالَ مُقَامُكَ بِهَا.
فَقَالَ لِي: لِمَ لا أُقِيمُ بِهَا وَلَمْ أَرَ بَلَدًا تَنْزِلُ فِيهَا الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ؟ وَالْمَلائِكَةُ تَغْدُو فِيهِ وَتَرُوحُ، وَإِنِّي أَرَى فِيهِ أَعَاجِيبَ كَثِيرَةً: أَرَى الْمَلائِكَةَ يَطُوفُونَ بِهِ عَلَى صُوَرٍ لا يَقْطَعُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ قُلْتُ لَكَ كُلَّ مَا رَأَيْتُ لَصَغُرَتْ عَنْهُ عُقُولُ قَوْمٍ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ إِلا أَخْبَرْتَنِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ وَلِيٍّ لِلَّهِ تَعَالَى صَحَّتْ وِلايَتُهُ إِلا وَهُوَ يَحْضُرُ هَذَا الْبَلَدَ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، لا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، فَمُقَامِي هَاهُنَا لأَجْلِ مَنْ أَرَاهُ مِنْهُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلا يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الْقَاسِمِ، جَبَلِيٌّ، وَقَدْ جَاءَ وَيَدُهُ غَمِرَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرِيبُ عَهْدٍ بِأَكْلٍ؟ فَقَالَ لِي: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَإِنِّي مُنْذُ أُسْبُوعٍ لَمْ آكُلْ، وَلَكِنْ أَطْعَمْتُ وَالِدَتِي وَأَسْرَعْتُ لأَلْحَقَ صَلاةَ الْفَجْرِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ سَبْعُ مِائَةِ فَرْسَخٍ، فَهَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِي مُؤْمَنًا مُوقِنًا وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ: جَاءَ وَيَدُهُ غَمِرَةٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ اللَّحْمِ خَاصَّةً
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرَقَنْدِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْغَافِرِ، حَدَّثَنَا الْخَطَّابِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ، حَدَّثَنَا ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: يَدِي مِنَ اللَّحْمِ غَمِرَةٌ، وَمِنَ الْوَحْلِ لَثِقَةٌ، وَمِنَ السَّمَكِ صَمِرَةٌ، وَمِنَ اللَّبَنِ وَالزُّبْدِ شَتِرَةٌ، وَمِنَ الْعَجِينِ وَرِخَةٌ، وَمِنَ الدَّمِ سَلِطَةٌ وَطَلِسَةٌ، وَمِنَ الثَّرِيدِ مَرِدَةٌ، وَمِنَ الْحَمَأَةِ رَدِغَةٌ، وَمِنَ الأَشْنَانِ قَضِضَةٌ، وَمِنَ
стр. 181
الْمِدَادِ وَحِدَه، وَمِنَ الْمَاءِ بَلِلَة، وَمِنَ الْبَزَرِ وَالنَّفْطِ نَمِسَةٌ، وَنَسِمَةٌ، وَمِنَ الزَّعْفَرَانِ رَدِعَةٌ، وَمِنَ الْمِسْكِ عَبِقَةٌ
стр. 182
بَابٌ بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَهْلُ اللَّهِ
لَمَّا اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ، قَالَ: «يَا عَتَّابُ، أَتَدْرِي عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلْتُكَ؟ عَلَى أَهْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا» ، يَقُولُهَا ثَلاثًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ فِيمَا مَضَى يُلْقَوْنَ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ أَهْلِ اللَّهِ.
وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَرْوِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «مَنْ أَمَّنَ أَهْلَ الْحَرَمِ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ أَمَانِي، وَمَنْ أَخَافَهُمْ فَقَدْ أَخْفَرَنِي فِي ذِمَّتِي، وَلِكُلِّ مَلِكٍ حِيَازَةٌ مِمَّا حَوَالَيْهِ، وَبَطْنُ مَكَّةَ حَوْزَتِي الَّتِي اخْتَرْتُ لِنَفْسِي، أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، أَهْلُهَا جِيرَتِي، وَجِيرَانُ بَيْتِي، وَعُمَّارُهَا وَزُوَّارُهَا وَفْدِي وَأَضْيَافِي، وَفِي كَنَفِي وَأَمَانِي، ضَامِنُونَ عَلَيَّ وَفِي ذِمَّتِي وَجِوَارِي» .
стр. 183
بَابٌ في ذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ لِلْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَسَاقَ بُدْنًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، جَلَّلَ الْبُدْنُ، وَأَشْعَرَهَا، وَقَلَّدَهَا، وَأَحْرَمَ وَلَبَّى.
وَبَلَغَ الْمُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأَجْمَعُوا عَلَى صَدِّهِ وَخَرَجُوا فَعَسْكَرُوا بِبَلْدَحٍ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَفَتْ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ، يَزْجُرُونَهَا، فَأَبَتْ.
فَقَالُوا: خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ.
فَقَالَ: «مَا خَلأَتْ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، أَمَا وَاللَّهِ لا يَسْأَلُونِي الْيَوْمَ خُطَّةً فِيهَا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» ، ثُمَّ زَجَرَهَا، فَقَامَتْ، فَوَلَّى رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ عَلَى ثَمَدٍ مِنْ أَثْمَادِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَصَالَحُوهُ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وَشَرَطُوا أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَيَدْخُلَ مَكَّةَ، وَيُقِيمَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.
فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَغَارَتْ قُرَيْشٌ بَعْدُ عَلَى خُزَاعَةَ، ثُمَّ نَدِمُوا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِذَلِكَ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَدَخَلَهَا عَنْوَةً فِي رَمَضَانَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، قَالَ: " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ كَانَ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
стр. 184
زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] .
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، يُصَلِّي بِهِمْ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَالْفِقْهَ.
وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَجَمِيعِ بَنِي كِنَانَةَ، وَهِيَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ.
قَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ صَنَمٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا شَجَرَةٌ كَانَتْ لِغَطْفَانَ يَعْبُدُونَهَا.
وَبَعَثَ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ، صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ.
وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وَخُزَاعَةَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلْ كَانَتْ مَنَاةُ لِلأَنْصَارِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيَدَةَ: كَانَتِ: اللاتُ، وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ أَصْنَامًا مِنْ حِجَارَةٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَعْبُدُونَهَا.
стр. 185
بَابٌ أَذَانُ بِلالٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، قَالَ: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ الأَزْرَقِيُّ، أَخْبَرَنِي جَدِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: حَانَ الظُّهْرُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالا أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَقُرَيْشٌ فَوْقَ الْجِبَالِ، وَقَدْ فَرَّ وُجُوهُهُمْ وَتَغَيَّبُوا خَوْفًا أَنْ يُقْتَلُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ طَلَبَ الأَمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ أُومِنَ.
فَلَمَّا أَذَّنَ بِلالٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ، فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَقُولُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ: قَدْ لَعَمْرِي رَفَعَ لَكَ ذِكْرَكَ، أَمَّا الصَّلاةُ فَسَنُصَلِّي وَوَاللَّهِ مَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الأَحِبَّةَ.
وَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ أَبِي فَلَمْ يَسْمَعْ بِهَذَا الْيَوْمَ، وَكَانَ أُسَيْدٌ مَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِيَوْمٍ.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: وَاثَكْلاهُ لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَ بِلالا يَنْهَقُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: هَذَا وَاللَّهِ الْحَدَثُ الْجَلِيلُ أَنْ يَصِيحَ عَبْدُ بَنِي جُمَحٍ يَنْهَقُ عَلَى بِنْيَةِ بَنِي طَلْحَةَ.
وَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: وَإِنْ كَانَ هَذَا سَخَطُ اللَّهِ فَسَيُغَيِّرُهُ.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَمَّا أَنَا فَلا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ قُلْتُ شَيْئًا لأَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْحَصَى.
فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﵊ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ يَا فُلانُ فَقُلْتَ كَذَا، وَأَمَّا أَنْتَ يَا فُلانُ فَقُلْتَ كَذَا» .
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَمَّا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْتُ شَيْئًا.
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "
стр. 186
بَابٌ كَيْفِيَةُ دُخُولِ مَكَّةَ لِلْحَاجِّ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَهَا مِنْ أَعْلاهَا مِنْ ثَنِيَةِ كَدَاءَ، فَإِذَا خَرَجَ، خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَةِ كُدَى، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا» .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا وَرُبَّمَا خَلَطُوا فِي ذَلِكَ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنِّي أَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ أَمْكِنَةٍ أَسْمَاؤُهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ فَلِذَلِكَ تَشْتَبِهُ: فَالأَوَّلُ: كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ مَعَ الْمَدِّ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ إِذَا صَعَدَ فِيهِ الآتِي مِنْ طَرِيقِ الْعُمْرَةِ، وَمِنْهَا يَنْحَدِرُ إِلَى الْمَقَابِرِ وَإِلَى الْمَحْصَبِ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: كُدَى بِضَمِّ الْكَافِ مَعَ الْقَصْرِ وَالتَّنْوِينِ، وَهُوَ أَسْفَلُ مَكَّةَ يَدْخُلُ فِيهِ الدَّاخِلُ بَعْدَ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْ ذِي طُوَى، وَهُوَ بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّافِعِيِّينَ عِنْدَ قُعَيْقِعَانَ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ.
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: كُدَيٌّ بِضَمِّ الْكَافِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ مُصَغَّرًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْيَمَنِ فَهُوَ فِي طَرِيقِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي شَيْءٍ.
وَهَذَا ضَبْطُ الْمُحَقِقِّينَ، مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا، حَكَاهُ عَنْهُ الْحُمَيْدِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 187
أَبْوَابُ ذِكْرِ الْكَعْبَةِ
بَابٌ فِي ذِكْرِ أَسْمَائِهَا
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْكَعْبَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: لأَنَّهَا مُرَبَّعَةٌ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ.
وَيُقَالُ: بُرْدٌ مُكَعَّبٌ إِذَا طُوِيَ مُرَبَّعًا.
وَالثَّانِي: لِعُلُوِّهَا وَنُتُوئِهَا.
يُقَالُ: كَعَبَتِ الْمَرْأَةُ كَعَابَةً فَهِيَ كَاعِبٌ إِذَا نَتَأَ ثَدْيُهَا.
وَسُمِّيَ الْبَيْتُ حَرَامًا لأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ، فَلا يُصَادُ عِنْدَهُ وَلا حَوْلَهُ، وَلا يُخْتَلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْحَشِيشِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَأَرَادَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرَ الْحَرَمِ كَمَا قَالَ : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَرَادَ الْحَرَمَ.
وَالْقِيَامُ بِمَعْنَى الْقِوَامُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا قِوَامُ دِينٍ، وَقِيَامُ دُنْيَا، فَلا يَزَالُ فِي الأَرْضِ دِينٌ مَا حُجَّتْ، وَعِنْدَهَا الْمَعَاشُ وَالْمَكَاسِبُ.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ.
رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى
стр. 188
أَعْتَقَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ» .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَتِيقَ: بِمَعْنَى الْقَدِيمِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالرَّابِعُ: لأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الْغَرَقِ زَمَنَ الطُّوفَانِ، قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ.
стр. 189
بَابٌ بَيَانُ أَنَّهَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ افْتَخَرُوا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهِ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ كَانَ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ كَيْفَ كَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ، خَلَقَهُ قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ خَشْفَةً عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَبْلَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ السَّمَاوَاتِ، بَعَثَ رِيحًا فَصَفَقَّتِ الْمَاءَ، فَأَبْرَزَتْ عَنْ خَشْفَةٍ فِي مَوْضِعِ الْمَاءِ كَأَنَّهَا قُبَّةٌ، فَدَحَى الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا، فَمَادَتْ، فَأَوْتَدَهَا بِالْجِبَالِ.
стр. 190
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ.
وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الأَرْضُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلى.
وَالثَّانِي: أَنَّ آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَنَاهُ.
رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ، فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ، فَصَارَ مَعْمُورًا فِي السَّمَاءِ، وَبَنَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى أَثَرِهِ.
قَالَهُ قَتَادَةُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي، مِنَ الْقَوْلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ: أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، قَالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
стр. 191
بَابُ تَلْخِيصِ قِصَّةِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ
فِي الْمُبْتَدِئِ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ وَضَعَهُ لا بِبِنَاءِ أَحَدٍ، وَفِي زَمَنِ وَضْعِهِ إِيَّاهُ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَضَعَهُ قَبْلَ خَلْقِ الدُّنْيَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرُ آبَادِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، أَنْبَأنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي غَسَّانَ الثُّمَالِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَانَ الْبَيْتُ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ ﵇ يَاقُوَتَةً مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ لَهُ بَابَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ، بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ، وَفِيهِ قَنَادِيلُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حِذَاءَ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ ﵇ إِلَى مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ مِثْلُ الْفُلْكِ مِنْ شِدَّةِ رَعْدَتِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَهُوَ يَتَلأْلأُ كَأَنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ بَيْضَاءُ، فَأَخَذَهُ آدَمُ ﵇، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ اسْتِئْنَاسًا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِيثَاقَهُمْ، فَجَعَلَهُ فِي الْحَجَرِ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى آدَمَ الْعَصَا، ثُمَّ قَالَ: يَا آدَمُ تَخَطَّ، فَتَخَطَّا فَإِذَا هُوَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، فَمَكَثَ هُنَالِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ يَا آدَمُ، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى، فَصَارَ فِي مَوْضِعِ كُلِّ قَدَمٍ قَرْيَةً، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مَفَاوِزَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَلَقِيَتْهُ الْمَلائِكَةُ، فَقَالُوا: بِرَّ حَجَّكَ يَا آدَمُ، لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ.
قَالَ: فَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ؟
стр. 192
قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
فَكَانَ آدَمُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ قَالَ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، فَكَانَ آدَمُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَسَابِيعَ بِاللَّيْلِ، وَخَمْسَةَ أَسَابِيعَ بِالنَّهَارِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِهَذَا الْبَيْتِ عُمَّارًا يَعْمُرُونَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي مُعَمِّرُهُ بِنَبِيٍّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، أتَّخِذُهُ خَلِيلا، أَقْضِي عَلَى يَدَيْهِ عِمَارَتَهُ، وَأَنْبِطُ لَهُ سِقَايَتَهُ، وَأُرِيهِ حِلَّهُ وَحَرَمَهُ وَمَوَاقِفَهُ، وَأُعَلِّمُهُ مَشَاعِرَهُ، وَمَنَاسِكَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ، نَادَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِلَّهِ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأَسْمَعَ مَنْ فِي الْخَافِقَيْنِ.
فَقَالَ آدَمُ: أَسْأَلُكَ يَا رَبِّ مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ ذُرِّيَّتِي لا يُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا أَنْ تُلْحِقَهُ بِي فِي الْجَنَّةِ.
فَقَالَ: يَا آدَمُ مَنْ مَاتَ فِي الْحَرَمِ لا يُشْرِكْ بِي شَيْئًا بَعَثْتُهُ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ المْلائِكَةَ بَنَتْهُ،
فَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، فَعَاذُوا بِالْعَرْشِ، فَطَافُوا حَوْلَهُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: ابْنُوا فِي الأَرْضِ بَيْتًا يَعُوذُ بِهِ كُلُّ مَنْ سَخِطْتُ عَلَيْهِ، وَيَطُوفُ بِهِ كَمَا فَعَلْتُمْ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَنَوْا هَذَا الْبَيْتَ
وَالثَّالِثُ أَنَّ آدَمَ بَنَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ
стр. 193
آدَمَ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ لُبْنَانَ، وَطُورِ سِينَا، وَطُورِ زِيتَا، وَالْجُودِيِّ، وَحِرَاءَ.
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَاجٍ: حَدِيثُ إِنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ أَجْرًا وَإِنَّ لِي أَجْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: تَرُدَّنِي مِنْ حَيْثُ أَخْرَجْتَنِي.
قَالَ: ذَلِكَ لَكَ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ مِنْ ذُرِّيَّتِي يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمِثْلِ الَّذِي أَقْرَرْتُ بِهِ مِنْ ذُنُوبِي أَنْ تَغْفِرَ لَهُ، قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَكَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ الْخَيْمَةَ الَّتِي وَضَعَهَا اللَّهُ لآدَمَ ﵇ مَكَانَ الْبَيْتِ، وَمَاتَ آدَمُ، بَنَى بَنُو آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ بَيْتًا بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ، فَلَمْ يَزَلْ مَعْمُورًا، يَعْمُرُونَهُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، حَتَّى كَانَ زَمَنُ نُوحٍ ﵇ فَنَسَفَهُ الْغَرَقُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ بَعْدَ الْغَرَقِ أَكَمَةً حَمْرَاءَ، لا يَعْلُوهَا السَّيْلُ، وَكَانَ يَأْتِيهَا الْمَظْلُومُ، وَيَدْعُو عِنْدَهَا الْمَكْرُوبُ، فَقَلَّ مَنْ دَعَا عِنْدَهَا إِلا اسُتُجِيبَ لَهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَحُجُّونَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، حَتَّى بَوَّأَ اللَّهُ مَكَانَهُ لإِبْرَاهِيمَ ﵇.
قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: لَمَّا وَلَدَ الْخَلِيلُ إِسْمَاعِيلَ، أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ بَيِّنْ لِي صِفَتَهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً عَلَى قَلْبِ الْكَعْبَةِ، فَسَارَتْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَقَفَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ، وَنُودِيَ: ابْنِ عَلَى ظِلِّهَا، لا تَزِدْ وَلا تَنْقُصْ، فَكَانَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] .
فَقَالَ: يَا رَبِّ،
стр. 194
وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ الأَذَانُ، وَعَلَيَّ الْبَلاغُ.
فَعَلا وَنَادَى: يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَبَّى كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَأُسْمِعَ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَأَجَابُوهُ مِنْ أَصْلابِ الرِّجَالِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَإِنَّمَا يَحُجُّ الْيَوْمَ مَنْ أَجَابَ يَوْمَئِذٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَيْتَ انْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَبَنَتْهُ جُرْهُمٍ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ، وَكَانَ بِنَاءُ قُرَيْشٍ لِلْبَيْتِ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ غُلامٌ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُلُمَ، أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ فَأَحْرَقَتْ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ، فَوَهَى الْبَيْتُ، فَنَقَضَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَنَتْهُ، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الرُّكْنِ، اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَرْفَعُهُ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى أَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ نَبِيُّنَا ﷺ وَهُوَ غُلامٌ، فَحَكَّمُوهُ، فَقَالَ: هَاتُوا ثَوْبًا، فَأَخَذَ الرُّكْنَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ أَنْ يَأْخُذَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ قَالَ: ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَلَمَّا رَفَعُوهُ وَضَعَهُ بِيَدِهِ.
قَالَ الْحَرِيري: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا ابْنُ دَوْسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ،
стр. 195
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ السِّنْبَاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ، يَقُولُ: لَمَّا هُدِمَتِ الْكَعْبَةُ أَصَابُوا فِي طُوبَةٍ، يَعْنِي آجُرَةٍ، مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ: احْذَرُوا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَاعْمَلُوا لِمَا بَعْدَهُ؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ لا يُغْلَبُ، وَسَاكِنَ الأَمْوَاتِ لا يَرْجِعُ؛ وَمَلَكَ الْمَوْتِ مأمور لا يَعْصِي.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ هَدَمَ الْكَعْبَةَ، وَبَنَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ قَصَّرَتْ عِنْ ذَلِكَ، وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ في البيت، وجعل لها بابين شرقيا وغربيا، ثم نقضها الحجاج بعد ذلك وأعادها إلى البناء الأول.
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لَهَا: «أَلا تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟» فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلا حَدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ» .
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجَرَ إِلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لَيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا» .
وَفِي لَفْظٍ: " لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْهُ ".
فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
стр. 196
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رُومَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ﵇، حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لَهَا: «لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، وَأَلْزَقْتُهَا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ» .
وَفِي لَفْظٍ: «خَمْسَ أَذْرُعٍ» .
وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: «هَلُمِّي لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ» .
стр. 197
بَابٌ كَيْفِيَةُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ صَغِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جِدَارٌ، إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةٌ بِهِ، وَبَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابٌ، يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ الْمَسْجِدُ، فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ دُورًا، فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِيهِ، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا.
ثُمَّ وَسَّعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ وَاشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ، ثُمَّ زَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَاشْتَرَى دُورًا فَأَدْخَلَهَا فِيهِ.
وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ إِلَيْهِ أَسَاطِينَ الرُّخَامِ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ الْمُزَخْرَفِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ زَادَ الْمَنْصُورُ فِي شِقِّهِ الشَّامِيِّ، ثُمَّ زَادَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي جَانِبٍ فَأَحَبَّ أَنْ تَكُونَ وَسَطًا، فَاشْتَرَى مِنَ النَّاسِ الدُّورَ وَوَسَّطَهَا.
стр. 198
بَابُ فَضْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّلْمَاسِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَارِئُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَخُو الإِمَامِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةٍ أَلْفِ صَلاةٍ» .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ: فَحَسَبْتُ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَبَلَغَتْ صَلاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عُمْرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَصَلاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، عُمْرُ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرِ لَيَالٍ
стр. 199
بَابُ ذِكْرِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «نَهَى عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ، وَهُوَ تُبَّعٌ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ»
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَهَا، فَكَسَاهَا الأَنْطَاعَ، ثُمَّ رَأَى أَنِ اكْسُهَا فَكَسَاهَا الْوَصَائِلَ: ثِيَابٌ حِبرَةٌ مِنْ عَصْبِ الْيَمَنِ.
فَلَمَّا نَشَأَ أَبُو زَمْعَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَنَا أَكْسُو وَحْدِيَ الْكَعْبَةَ سَنَةً، وَجَمِيعُ قُرَيْشٍ سَنَةً، فَكَانَ يَأْتِي بِالْحِبْرَةِ مِنَ الْجُنَدِ فَيَكْسُوهَا، إِلَى أَنْ مَاتَ فَسَمَّتْهُ بِهَا قُرَيْشٌ الْعَدْلَ، لأَنَّهُ عَدَلَ فِعْلُهُ بِفِعْلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا.
وَأَوَّلُ عَرَبِيَّةٍ كَسَتِ الْكَعْبَةَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ: نُتَيْلَةُ بِنْتُ جَنَابٍ أُمُّ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
стр. 200
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُسَيَ الْبَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأَنْطَاعَ، ثُمَّ كَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، ثُمَّ كَسَاهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ كَسَاهُ الْحَجَّاجُ الدِّيبَاجَ.
وَقَالَ: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهُ الدِّيبَاجَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيُقَالُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الْمَلِكِ.
وَأَوَّلُ مَنْ خَلَّقَ جَوْفَ الْكَعْبَةِ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَرَوَى ابْنُ نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَسَا الْكَعْبَةَ الْقَبَاطِيَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَجْرَى لَهَا مُعَاوِيَةُ وَظِيفَةَ الطِّيبِ كُلَّ صَلاةٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهَا عَبِيدًا يَخْدِمُونَهَا.
أَنْبَانَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو الوليد الأَزْرَقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ تُكْسَى فِي كُلِّ سَنَةٍ كِسْوَتَيْنِ: كِسْوَةَ دِيبَاجٍ، وَكِسْوَةَ قَبَاطِيٍّ، فَأَمَّا الدِّيبَاجُ فَتُكْسَاهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَيُعَلَّقُ الْقَمِيصُ؛ وَيُدَلَّى وَلا يُخَاطُ، فَإِذَا صَدَرَ النَّاسُ مِنْ مِنًى خِيطَ الْقَمِيصُ، وَتُرِكَ الإِزَارُ حَتَّى يَذْهَبَ الْحَاجُّ، لِئَلا يَخْرِقُوهُ، فَإِذَا كَانَ الْعَاشُورَاءُ عُلِّقَ الإِزَارُ، فَوُصِلَ بِالْقَمِيصِ، وَلا تَزَالُ هَذِهِ الْكِسْوَةُ كِسْوَةُ الدِّيبَاجِ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَتُكْسَى الْقَبَاطِيَّ إِلَى الْفِطْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلافَةُ الْمَأْمُونِ، رُفِعَ إِلَيْهِ أَنَّ الدِّيبَاجَ يَبْلَى وَيَتَخَرَّقُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ عِيدَ الْفِطْرِ، وَيُرَقَّعُ حَتَّى يَسْمُجَ.
فَسَأَلَ مُبَارَكًا الطَّبَرِيَّ مَوْلاهُ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى بَرِيدِ مَكَّةَ وَصَوَافِيهَا، فِي أَيِّ كِسْوَةٍ الْكَعْبَةُ أَحْسَنُ؟ فَقَالَ لَهُ: فِي الْبَيَاضِ، فَأَمَرَ بِكِسْوَةٍ مِنْ دِيبَاجٍ أَبْيَضَ فَعُمِلَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَصَارَتِ الْكَعْبَةُ تُكْسَى ثَلاثَ كُسِيًّ: الدِّيبَاجُ الأَحْمَرُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَالْقَبَاطِيُّ يَوْمَ هِلالِ رَجَبٍ، وَجُعِلَتْ كِسْوَةُ الدِّيبَاجِ
стр. 201
الأَبْيَضِ يَوْمَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لِلْفِطْرِ.
ثُمَّ رُفِعَ إِلَى الْمَأْمُونِ أَنَّ إِزَارَ الدِّيبَاجِ الأَبْيَضِ يَنْخَرِقُ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، مِنْ مَسِّ الْحَاجِّ قَبْلَ أَنْ يُخَاطَ عَلَيْهَا إِزَارُ الدِّيبَاجِ الأَحْمَرِ الَّذِي يُخَاطُ فِي الْعَاشُورَاءِ، فَبَعَثَ بِفُضَلِ إِزَارٍ أَبْيَضَ تُكْسَاهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، أَوْ يَوْمَ سَابِعٍ فَيُسْتَرُ بِهِ مَا تَخَرَّقَ مِنَ الإِزَارِ الَّذِي كُسِيَتْهُ لِلْفِطْرِ، إِلَى أَنْ يُخَاطَ عَلَيْهَا إِزَارُ الدِّيبَاجِ الأَحْمَرِ فِي الْعَاشُورَاءِ.
ثُمَّ رُفِعَ لِلْمُتَوَكِّلِ أَنَّ إِزَارَ الدِّيبَاجِ الأَحْمَرِ يَبْلَى قَبْلَ هِلالِ رَجَبٍ مِنْ مَسِّ النَّاسِ وَتَمَسُّحِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، فَزَادَهَا إِزَارَيْنِ مَعَ الإِزَارِ الأَوَّلِ، فَأَزَالَ قَمِيصَهَا الدِّيبَاجَ الأَحْمَرَ وَأَسْبَلَهُ حَتَّى بَلَغَ الأَرْضَ، ثُمَّ جَعَلَ الإِزَارَ فَوْقَهُ، كُلَّ شَهْرَيْنِ إِزَارٌ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ كَتَبَ الْحَجَبَةُ إِلَيْهِ أَنَّ إِزَارًا وَاحِدًا مَعَ مَا أُزِيلَ مِنْ قَمِيصِهَا يُجْزِئُ، فَصَارَ يَبْعَثُ بِإِزَارٍ وَاحِدٍ، وَأَمَرَ بِإِزَالَةِ الْقَمِيصِ الْقَبَاطِيِّ، حَتَّى بَلَغَ الشَّاذُورَانَ
стр. 202
بَابُ سَدَانَةِ الْكَعْبَةِ
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: إِنَّهُ كَانَ وُلاةُ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَكُمْ طَسْمٌ، فَاسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ وَلِيَتْهُ بَعْدَهُمْ جُرْهُمُ، فَاسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ .
قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: لَمَّا اسْتَخَفَّتْ جُرْهُمُ بِحَقِّهِ شَرَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَلِيَتْهُ خُزَاعَةُ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ خُزَاعَةَ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، وَوَلِيَ حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ السَّدَانَةَ وَهِيَ الْحِجَابَةُ، وَدَارَ النَّدْوَةِ وَاللِّوَاءَ، وَسُمِّيَتْ دَارُ النَّدْوَةِ لاجْتِمَاعِ النَّدَى فِيهَا، يَجْلِسُونَ لإِبْرَامِ أُمُورِهِمْ وَمُشَاوَرَتِهِمْ، وَأَعْطَى عَبْدَ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، ثُمَّ جَعَلَ عَبْدُ الدَّارِ الْحِجَابَةَ إِلَى ابْنِهِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَزَلِ الأَمْرُ يَنْتَقِلُ إِلَى الأَوْلادِ حَتَّى وَلِيَ الْحِجَابَةَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ.
قَالَ عُثْمَانُ: كُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ، فَنِلْتُ مِنْهُ، وَحَلُمَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُثْمَانُ، لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ» .
فَقَلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ.
قَالَ: «بَلْ عَزَّتْ» .
وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، وَأَرَدْتُ الإِسْلامَ، فَإِذَا قَوْمِي يَزْبُرُونِي زَبْرًا شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ، غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي، وَدَخَلَنِي الإِسْلامُ، وَلَمْ يُعْزِمْ إِلَى أَنْ آتِيهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ
стр. 203
عَزَمَ لِي الْخُرُوجَ إِلَيْهِ، فَأَدْلَجْتُ فَلَقِيتُ خَالَدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَاصْطَحَبْنَا، فَلَقِينَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَاصْطَحَبْنَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَايَعْتُهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: «يَا عُثْمَانُ ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ» ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ مِنِّي، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظَالِمٌ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " لَمَّا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ، فَهَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَةِ، فَكَفَّ عُثْمَانُ يَدَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَاتِ الْمِفْتَاحِ، فَأَعَادَ الْعَبَّاسُ قَوْلَهُ، وَكَفَّ عُثْمَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرِنِي الْمِفْتَاحَ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ".
فَقَالَ: هَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ، وَفَتَحَ الْبَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يَلِيَ فَتْحَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَبَقِيَتِ الْحِجَابَةُ فِي وَلَدِ شَيْبَةَ ﵃.
стр. 204
بَابٌ فَضْلُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ
أَخْبَرَنَا الْكَروْخِيُّ، أَخْبَرَنَا الْغُورَجِيُّ، أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَدَّتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا شَاذُ بْنُ الْفَيَّاضِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنْ حِجَارَةِ الْجَنَّةِ»
стр. 205
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحَمَّامِيُّ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الأَدَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا رَجَاءٌ أَبُو يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُسَافِعُ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ ثَلاثًا، وَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْلا أَنْ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا لأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَخْبَرَنَا بْنُ حُبَابَةَ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحَجَرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَاقُوتَةً مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ ".
وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّضَهُ تَوْحِيدُ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، ثُمّ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ، أَنَّ السَّوَادَ يَصْبِغُ وَلا يَنْصَبِغُ، وَالْبَيَاضُ يَنْصَبِغُ وَلا يَصْبِغُ، هَذَا قَوْلُ ابْنُ قُتَيْبَةَ
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَا مِنَ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَثَرُ الْخَطَايَا فِيهِ وَهُوَ السَّوَادُ أَبْلَغُ فِي بَابِ الْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ مِنْ تَغَيُّرِ ذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَرَّتْ فِي الْحَجَرِ،
стр. 206
فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقُلُوبِ أَعْظَمُ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ تُجْتَنَبَ.
وَقَدْ أَنْبَأنَا عَبْدُ الْحَافِظِ، أَنْبَأنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْهُزَيْلُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَيْفٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ أَبْيَضَ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَحَرُوا بُدْنَهُمْ لَطَخُوهُ بِالْفَرْثِ وَالدَّمِ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَقَالَ: «إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ، أَنَّ عُمَرَ نَبَّهَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ الأَحْجَارِ، وَأَخْبَرَ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِلسُّنَّةِ لا لِعَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِيهِ بَيَانُ مُتَابَعَةِ السُّنَنِ وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهَا عَلَى عِلَلٍ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَلَمْسِهِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ» ،
стр. 207
وَكَانَ ذَلِكَ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ، كَمُصَافَحَةِ الْمُلُوكِ لِلْبَيْعَةِ، وَتَقْبِيلِ الْمَمْلُوكِ يَدَ الْمَالِكِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ خَلْدُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ الْحَجَرَ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي لَفْظٍ آخَرَ، قَالَ: «الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ كَمَا يُصَافِحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ» .
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ، كَتَبَ كِتَابًا عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ، وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
стр. 208
قَالَ العْلُمَاءُ: وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ يَقُولُ لامَسَهُ: إِيمَانًا بِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ السُّكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيُبْعَثَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يَبْصُرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ»
стр. 209
بَابُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ شَاذَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ كُرْزِ بْنِ وَبَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: آمِينَ "
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَنْبَأنَا ابْنُ الْعَلافِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، أَنْبَأنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ هَاشِمٍ، يَسْأَلُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ، قَالُوا: آمِينَ "
стр. 210
أَخْبَرَنَا ابْنُ عِيسَى الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَرَابٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنْبَأنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو غَزْيَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ إِلا الْيَمَانِيَّ وَالأَسْوَدَ»
وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِلامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَسْنُونٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يُسَنُّ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
стр. 211
بَابُ ذِكْرِ الْحِجْرِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ» .
فَيَدْخُلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] .
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الطَّوَافُ بِالْحِجْرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِيهِ.
وَقَدْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْحِجْرِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاهَدُونَ فِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ صَادِقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَرْذَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَتُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الدُّبَيْلُ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: وَرَدْتُ الْحِجْرَ فَإِذَا أَنَا بِمُحَمَّدِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَعَبَّادٍ الْمِنْقَرِيِّ، وهم يتكلمون بكلام لا أَعْقِلُهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ " رَحِمَكُمُ اللَّهُ، إِنِّي شَابٌّ كَمَا تَرَوْنِي أَصُومُ النَّهَارَ وَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَأَحُجُّ سَنَةً وَأَغْزُو سَنَةً، مَا أَرَى فِي نَفْسِي زِيَادَةً، فَشُغِلَ الْقَوْمُ عَنِّي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامِي، ثُمَّ حَانَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْتِفَاتَةٌ، فَقَالَ: يَا غُلامُ، إِنَّ هَمَّ الْقَوْمِ لَمْ يَكُنْ فِي كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، إِنَّمَا كَانَ هَمُّ الْقَوْمِ فِي نَفَاذِ الأَبْصَارِ حَتَّى أَبْصَرُوا ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
стр. 212
عِيسَى، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذَا بِامْرَأَةٍ جَهِيرَةٍ فِي الْحِجْرِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلَةً لِمَعْرُوفِكَ، فَأَنِلْنِي مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يَا مَعْرُوفًا بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَ: فَعَرَّفْتُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ، فَسَأَلْنَا عَنْ مَنْزِلِهَا وَقَصَدْنَاهَا وَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ: قُولِي خَيْرًا رَحِمَكِ اللَّهُ قَالَتْ: وَمَا أَقُولُ، أَشْكُو إِلَى اللَّهِ قَلْبِي وَهَوَايَ فَقَدْ أَضَرَّا بِي وَشَغَلانِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي، قُومَا فَإِنِّي أُبَادِرُ طَيَّ صَحِيفَتِي.
قَالَ أَيُّوبُ: فَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، فَقُلْتُ لَهَا لَوْ تَزَوَّجْتِ رَجُلا يُعِينُكِ عَلَى مَا أَنْتِ عَلَيْهِ.
قَالَتْ: لَوْ كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، أَوْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَا أَرَدْتُهُ.
قُلْتُ: أَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَهَذَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ.
فَقَالَتْ: أُفٍّ لَكُمَا، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَشْغَلُكُمَا ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ مُحَادَثَةِ النِّسَاءِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى صَلاتِهَا؛ فَسَأَلْنَا عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ مُلَيْكَةُ بِنْتُ الْمُنْكَدِرِ
стр. 213
بَابُ ذِكْرِ الْمِيزَابِ
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَاذَى مِيزَابَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «صَلُّوا فِي مُصَلَّى الأَخْيَارِ، وَاشْرَبُوا شَرَابَ الأَبْرَارِ» .
فَقِيلَ لَهُ: مَا مُصَلَّى الأَخْيَارِ؟ قَالَ: تَحْتَ الْمِيزَابِ.
قِيلَ: وَمَا شَرَابُ الأَبْرَارِ؟ .
قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ ".
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَنْ قَامَ تَحْتَ مَثْعَبِ الْكَعْبَةِ فَدَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
стр. 214
بَابٌ ذِكْرُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ مُقَابِلُ الْكَعْبَةِ
أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَوَالِيقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُسْرِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، وَهُوَ مِثْلُ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْهِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا "
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ " فَلَمَّا خَلُصْتُ، يَعْنِي:
стр. 215
إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، إِذَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ ".
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا» .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ
следующие страницы →