Полный текст (465 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بَابُ ذِكْرِ الْحِجْرِ
قَدْ ذَكَرْنَا فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ» .
فَيَدْخُلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] .
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الطَّوَافُ بِالْحِجْرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِيهِ.
وَقَدْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي الْحِجْرِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاهَدُونَ فِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ صَادِقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَرْذَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَتُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الدُّبَيْلُ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: وَرَدْتُ الْحِجْرَ فَإِذَا أَنَا بِمُحَمَّدِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَعَبَّادٍ الْمِنْقَرِيِّ، وهم يتكلمون بكلام لا أَعْقِلُهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ " رَحِمَكُمُ اللَّهُ، إِنِّي شَابٌّ كَمَا تَرَوْنِي أَصُومُ النَّهَارَ وَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَأَحُجُّ سَنَةً وَأَغْزُو سَنَةً، مَا أَرَى فِي نَفْسِي زِيَادَةً، فَشُغِلَ الْقَوْمُ عَنِّي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامِي، ثُمَّ حَانَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْتِفَاتَةٌ، فَقَالَ: يَا غُلامُ، إِنَّ هَمَّ الْقَوْمِ لَمْ يَكُنْ فِي كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، إِنَّمَا كَانَ هَمُّ الْقَوْمِ فِي نَفَاذِ الأَبْصَارِ حَتَّى أَبْصَرُوا ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
стр. 212
عِيسَى، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذَا بِامْرَأَةٍ جَهِيرَةٍ فِي الْحِجْرِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلَةً لِمَعْرُوفِكَ، فَأَنِلْنِي مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يَا مَعْرُوفًا بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَ: فَعَرَّفْتُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ، فَسَأَلْنَا عَنْ مَنْزِلِهَا وَقَصَدْنَاهَا وَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ: قُولِي خَيْرًا رَحِمَكِ اللَّهُ قَالَتْ: وَمَا أَقُولُ، أَشْكُو إِلَى اللَّهِ قَلْبِي وَهَوَايَ فَقَدْ أَضَرَّا بِي وَشَغَلانِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي، قُومَا فَإِنِّي أُبَادِرُ طَيَّ صَحِيفَتِي.
قَالَ أَيُّوبُ: فَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، فَقُلْتُ لَهَا لَوْ تَزَوَّجْتِ رَجُلا يُعِينُكِ عَلَى مَا أَنْتِ عَلَيْهِ.
قَالَتْ: لَوْ كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، أَوْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَا أَرَدْتُهُ.
قُلْتُ: أَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَهَذَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ.
فَقَالَتْ: أُفٍّ لَكُمَا، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَشْغَلُكُمَا ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ مُحَادَثَةِ النِّسَاءِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى صَلاتِهَا؛ فَسَأَلْنَا عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ مُلَيْكَةُ بِنْتُ الْمُنْكَدِرِ
стр. 213
بَابُ ذِكْرِ الْمِيزَابِ
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَاذَى مِيزَابَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «صَلُّوا فِي مُصَلَّى الأَخْيَارِ، وَاشْرَبُوا شَرَابَ الأَبْرَارِ» .
فَقِيلَ لَهُ: مَا مُصَلَّى الأَخْيَارِ؟ قَالَ: تَحْتَ الْمِيزَابِ.
قِيلَ: وَمَا شَرَابُ الأَبْرَارِ؟ .
قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ ".
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَنْ قَامَ تَحْتَ مَثْعَبِ الْكَعْبَةِ فَدَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
стр. 214
بَابٌ ذِكْرُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ مُقَابِلُ الْكَعْبَةِ
أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَوَالِيقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُسْرِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: الضُّرَاحُ، وَهُوَ مِثْلُ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْهِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا "
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ " فَلَمَّا خَلُصْتُ، يَعْنِي:
стр. 215
إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، إِذَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ ".
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا» .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ
стр. 216
بَابُ تَلْخِيصِ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ، وَتَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ
كَانَ أَبْرَهَةُ الأَشْرَمِ قَدْ بَنَى بَيْعَةً، وَقَالَ: لأُضَيِّفَنَّ إِلَيْهَا حِجُّ الْعَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَدَخَلَهَا لَيْلا، فَأَحْدَثَ فِيهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَيَهْدِمَنَّهَا.
فَسَارَ بِجُنُودِهِ، وَاسْتَصْحَبَ الْفِيلَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْغَارَةِ عَلَى إِبِلِ النَّاسِ، فَأَصَابُوا إِبِلا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقَالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ وَأَخْبِرْهُ أَنِّي لَمْ آتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جِئْتُ لأَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ، فَانْطَلَقَ فَلَقِيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لأُخْبِرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِلا أَنْ تُقَاتِلُوهُ، إِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَا لَهُ عِنْدَنَا قِتَالٌ، وَمَا لَهُ بِهِ يَدٌ، إِنَّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ، فَهُوَ بَيْتُهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ مَالَنَا بِهِ قُوَّةٌ.
قَالَ: فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ، فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى أَبْرَهَةَ وَأَكْرَمَهُ وَأَجَلَّهُ، وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ.
فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا أَصْحَابُكَ.
فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ لَقَدْ كُنْتُ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، وَلَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ لأَهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وَكَلَّمْتَنِي فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ هَذِهِ الإِبِلِ، وَلِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقَالَ
стр. 217
أَبْرَهَةُ: مَا كَانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي.
قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنْتَ وَذَاكَ.
فَأَمَرَ بِإِبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ وَأَخْبَرَ قُرَيْشًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ إِذَا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، وَأَتَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْكَعْبَةَ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، وَجَعَلَ يَقُولُ:
يَا رَبِّ لا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا
إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا
وَقَالَ أَيْضًا:
لاهَمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ ... رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلالَكَ
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكَ
جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ... وَالْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكَ
عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ ... جَهْلا وَمَا رَقَبُوا جَلالَكَ
إِنْ كُنْتَ تَارِكُهُمْ وَكَعْبَتَنَا ... فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ
ثُمَّ إِنَّ أَبْرَهَةَ أَصْبَحَ مُتَهِيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الْفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْيَمِنِ رَاجِعًا، فَهَرْوَلَ، وَإِلَى الْمَشْرِقِ فَكَذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ، فَأَبَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ لَهَا خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الطَّيْرِ، وَأَكُفٌّ كَأَكُفِّ الْكِلابِ.
стр. 218
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ لَهَا رُءُوسٌ كَرُءُوسِ السِّبَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ كَأْمَثَالِ الْخَطَاطِيفِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَلْوَانِهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَانَتْ خَضْرَاءَ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَالثَّانِي: سَوْدَاءُ، قَالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
وَالثَّالِثُ: بَيْضَاءُ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
قَالَ: وَكَانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أَحْجَارٍ، حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْحِجَارَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ كَأَمْثَالِ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانَ الْحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْقَوْمَ أَرْسَلَتْهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الْحِجَارَةُ أَحَدًا إِلا هَلَكَ.
وَكَانَ الْحَجَرُ يَقَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ، فَهَلَكُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ.
وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَبْرَهَةَ دَاءً فِي جَسَدِهِ، فَتَسَاقَطَتْ أَنَامِلُهُ، وَانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ.
وَرَأَى أَهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ، ثُمَّ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى فَرَسٍ لِيَنْظُرَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْقَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ فَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ.
وَقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلا أَبَا يَكْسُومَ، فَسَارَ، وَطَائِرٌ يَطِيرُ مِنْ فَوْقِهِ، وَلا يَشْعُرُ بِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أَصَابَ الْقَوْمَ، فَلَمَّا أَتَمَّ كَلامَهُ رَمَاهُ الطَّيْرُ فَمَاتَ.
стр. 219
بَابُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلا، وَالْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ، وَقَدْ جِئْنَاكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ.
стр. 220
بَابٌ فَضْلُ النَّظَرِ إِلَى الْكَعْبَةِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ عِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ» .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِبَادَةٌ»
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، قَالَ: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَاسِينُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ مَحْضُ الإِيمَانِ»
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا خَرَجَ مِنَ الْخَطَايَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: النَّاظِرُ إِلَى الْبَيْتِ كَمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الْمُخْبِتِ الْمُجَاهِدِ
стр. 221
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَنَظَرُهُ إِلَى الْبَيْتِ يَعْدِلُ عِبَادَةَ سَنَةٍ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا.
وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا تَحَاتَّتْ عَنْهُ الذُّنُوبُ كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ.
стр. 222
بَابٌ انْزِعَاجُ الْعَارِفِينَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ
كَانَ أَرْبَابُ الْمَعْرِفَةِ يَنْزَعِجُونَ إِذَا دَخَلُوا مَكَّةَ وَلاحَتْ لَهُمُ الْكَعْبَةُ، لأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَنْزِلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهِ.
حَجَّتِ امْرَأَةٌ عَابِدَةٌ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي؟ أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي؟ فَقِيلَ لَهَا: الآنَ تَرَيْنَهُ.
فَلَمَّا لاحَ الْبَيْتُ قَالُوا: هَذَا بَيْتُ رَبِّكِ.
فَاشْتَدَّتْ نَحْوَهُ، فَأَلْصَقَتْ جَبِينَهَا بِحَائِطِ الْبَيْتِ، فَمَا رُفِعَتْ إِلا مَيْتَةً.
وَحَجَّ الشِّبْلِيُّ ﵀ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ جَعَلَ يَقُولُ:
أَبَطْحَاءُ مَكَّةَ هَذَا الَّذِي ... أَرَاهُ عِيَانًا وَهَذَا أَنَا
ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ:
هَذِهِ دَرَاهِمُ وَأَنْتَ مُحِبٌّ ... فَمَا بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الآمَاقِ
وَقَالَ الرَّضِيُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
إِذَا هَزَّنَا الشَّوْقُ اضْطَرَبْنَا لِذِكْرِهَا ... عَلَى شُعَبِ الرَّحْلِ اضْطِرَابَ الأَرَاقِمِ
فَمِنْ صَبَوَاتٍ تَسْتَقِيمُ بِمَائِلٍ ... وَمِنْ أُرَيْحِيَاتٍ تَهُبُّ بِنَائِمِ
وَاسْتَشْرِفِ الأَعْلامَ حَتَّى يَدُلَّنِي ... عَلَى طِيبِهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ
وَمَا أَنْسَمُ الأَرْوَاحَ إِلا لأَنَّهَا ... تَمُرُّ عَلَى تِلْكَ الرُّبَى وَالْمَعَالِمِ
стр. 223
أَبْوَابٌ ذِكْرُ الطَّوَافِ
بَابُ الأَمْرِ فِي الطَّوَافِ
أَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ، فَقَدْ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، فَقَالَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ظَنَّتِ الْمَلائِكَةُ أَنَّ مَا قَالُوا رَدًّا عَلَى رَبِّهِمْ، فَلاذُوا بِالْعَرْشِ وَطَافُوا بِهِ إِشْفَاقًا مِنَ الْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ لَهُمُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، فَطَافُوا بِهِ، ثُمَّ بَعَثَ مَلائِكَةً، فَقَالَ: ابْنُوا لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ بِمَثَالِهِ، وَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ، كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ لِيَاذٌ بِالْمَخْدُومِ وَخِدْمَةٌ لَهُ.
стр. 224
بَابٌ أَقْسَامُ الطَّوَافِ، وَمَا يُقَالُ فِيهِ
الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ فِي الْحَجِّ عَلَى أَقْسَامٍ: مَسْنُونٌ: وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَفَرْضٌ: وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَوَاجِبٌ: وَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَمُسْتَحَبٌّ: وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ.
وَالنِّيَّةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الأَطْوِفَةِ.
فَإِذَا ابْتَدَأَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ فَجَعَلَ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، وَيَطْرَحُ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَيَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيَسْتَلِمُهُ بِيَدِهِ وَيُقَبِّلُهُ، وَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلا اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَطُوفُ، فَإِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَلَمْ يُقَبِّلْهُ، وَظَاهِرُ كَلامِ الْخِرْقِيِّ أَنَّهُ يُقَبِّلُهُ.
وَيَقُولُ عِنْدَ اسْتِلامِ الْحَجَرِ فِي الطَّوَافِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَيَطُوفُ سَبْعًا يُرْمِلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنْهَا، وَالرَّمْلُ: إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا، وَيَمْشِي فِي الأَرْبَعَةِ الأُخُرَ، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الأَسْوَدَ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ الرَّمْلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ الأَرْبَعَةِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] .
وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَلا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلا تَضْطَبِعُ، وَلا يَرْمُلُ أَهْلُ مَكَّةَ.
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَ رَاجِلا، فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا أَجَزَأَهُ وَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
стр. 225
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُكْرَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يُجْزِئُهُ إِلا لِعُذْرٍ.
وَإِنْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ وَنَوَيَا جَمِيعًا: نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ بِالْمَحْمُولِ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٍ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا الْحَامِلُ فَلا يُجِزْهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَيَلْزَمُ الطَّائِفُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَّهِرًا، فَإِنَّ طَوَافَ الْمُحْدِثِ وَالنَّجَسِ عِنْدَنَا لا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَهَوُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ إِنْ طَافَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا لا يَصِحُّ، وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُهُ، وَيَجْبُرُهُ دَمٌ.
فَإِنْ نَكَّسَ الطَّوَافَ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ، أَوْ عَلَى شَاذَرُوَانِ الْكَعْبَةِ، أَوْ تَرَكَ مِنَ الطَّوَافِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
стр. 226
بَابٌ مَا وَرَدَ فِي ثَوَابِ الطَّوَافِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَاكِمُ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُدَبَّرُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ النّقورِ، أَخْبَرَنَا حُبَابَةُ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا هَدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ»
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ هُوَ ابْنُ السَّفَرِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ»
стр. 227
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَنْبَأنَا ابْنُ الْعَلافِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحِ بْنِ السِّمَّاكِ، عَنْ عَائِذِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِالطَّائِفِينَ»
وَبِالإِسْنَادِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا وَلَمْ يَضَعْ أُخْرَى إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» .
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ أَحْصَى أُسْبُوعًا كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَانَجَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي أَبُو أُمِّي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَوَابِ الْحَجِّ، وَمَا لَهُ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَكَ
стр. 228
بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ دَرَجَةٌ تُرْفَعُ، وَحَسَنَةٌ تُكْتَبُ، وَسَيِّئَةٌ تُكَفَّرُ، فَإِذَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَعَدْلُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ تَعْتِقُهَا، وَمَلَكٌ يَضْرِبُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ كُفِيتَ مَا مَضَى فَاعْمَلْ مَا بَقِيَ»
وَبِهِ حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الرُّكْنَ لِيَسْتَلِمَهُ، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَحَطَّ عَنْهُ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ دَرَجَةٍ، وَشُفِّعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِتْقَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُحَرَّرًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ "
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ يُرِيدُ الطَّوَافَ، أَقْبَلَ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا دَخَلَهُ غَمَرَتْهُ، ثُمَّ لا يَرْفَعُ قَدَمًا وَلا يَضَعُ قَدَمًا إِلا كَتَبَ اللَّهُ بِكُلِّ قَدَمٍ خَمْسَ مِائَةِ حَسَنَةٍ، وَحَطَّ عَنْهُ خَمْسَ مِائَةِ سَيِّئةٍ، أَوْ قَالَ: خَطِيئَةٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ خَمْسُ مِائَةِ دَرَجَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُبُرَ الْمَقَامِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَشْرِ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ﵇، وَاسْتَقْبَلَهُ مَلَكٌ عَلَى الرُّكْنِ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ فِيمَا بَقِيَ فَقَدْ كُفِيتَ مَا مَضَى، وَشُفِّعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ "
стр. 229
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: «وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ فَإِنَّكَ تَصْدُرُ حِينَ تَصْدُرُ، وَأَنْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» .
وَحَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَنْ رَآهُ طَائِفًا غَفَرَ لَهُ، وَمَنْ رَآهُ مُصَلِّيًا غَفَرَ لَهُ، وَمَنْ رَآهُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ غَفَرَ لَهُ، وَأَنَّهُ لا يَغْرُبُ شَمْسُ يَوْمٍ إِلا وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ رَجُلٌ مِنَ الأَبْدَالِ، وَلا يَطْلُعُ فَجْرُ لَيْلَةٍ إِلا طَافَ بِهِ وَاحَدٌ مِنَ الأَوْتَادِ، فَإِذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ كَانَ سَبَبُ رَفْعِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفْرَ يَعُودُ مُسْتَوْلِيًا عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَنْتَقِضُونَ الْبَيْتَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عِيسَى السِّجْزِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْعَزِيزُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةَ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 230
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الإِكْثَارِ مِنَ الطَّوَافِ
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّهُ أَثْقَلُ شَيْءٍ تَجِدُونَهُ فِي صُحُفِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَغْبَطُ عَمَلٍ تَجِدُونَهُ» .
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُسْرِيِّ، أَنْبَأنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَانَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ طَارِقٍ فِي الطَّوَافِ قَدِ انْفَرَجَ لَهُ الطَّوَافُ، وَعَلَيْهِ نَعْلانِ مُطْرَفَتَانِ، فَحَرَّرُوا طَوَافَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَإِذَا هُوَ يَطُوفُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَشْرَ فَرَاسِخَ»
стр. 231
بَابُ الأَدَبِ فِي الطَّوَافِ
يَنْبَغِي لِلطَّائِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ اسْتِعْمَالُ حُسْنِ الأَدَبِ فَإِنَّهُمْ فِي صَلاةٍ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلا يَتَكَلَّمُ إِلا بِخَيْرٍ» .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنْدِيُّ، حَدَّثَنَا صَامِتُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ يَعْنِي: ابْنُ أَبِي رُوَّادٍ، قَالَ: " كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ خَاشِعِينَ ذَاكِرِينَ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ وَقَعَ، يَسْتَبِينُ لِمَنْ رَآهُمْ أَنَّهُمْ فِي نُسُكٍ وَعِبَادَةٍ قَالَ أَبِي: وَكَانَ طَاوُسٌ مِمَّنْ يُرَى فِي ذَلِكَ النَّعْتِ ".
وَبِهِ حَدَّثَنَا الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَزْةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: " كُنْتُ أَطُوفُ أَنَا وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَيْلا، فَانْقَلَبَ سُفْيَانُ وَبَقِيتُ
стр. 232
فِي الطَّوَافِ، فَدَخَلْتُ الْحِجْرَ، فَصَلَّيْتُ تَحْتَ الْمِيزَابِ، فَبَيْنَا أَنَا سَاجِدٌ إِذَا سَمِعْتُ كَلامًا بَيْنَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَالْحِجَارَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ، أَشْكُو إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مَا يَفْعَلُ هَؤُلاءِ الطَّائِفُونَ حَوْلِي، مِنْ تَفَكُّهِهِمْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَغَطِهِمْ، وَسَهْوِهِمْ.
قَالَ وُهَيْبٌ: فَأَوَّلْتُ أَنَّ الْبَيْتَ شَكَى إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ ".
وَبِهِ حَدَّثَنَا الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْبَرْذَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ رَقَدَ فِي الْحِجْرِ فَسَمِعَ الْبَيْتَ يَقُولُ: «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الطَّائِفُونَ حَوْلِي عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ لأَصْرُخَنَّ صَرْخَةً أَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جِئْتُ مِنْهُ»
стр. 233
بَابُ غَضِّ الْبَصَرِ فِي الطَّوَافِ
اعْلَمْ أَنَّ غَضَّ الْبَصَرِ عَنِ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَلَكَمْ جَلَبَ إِطْلاقُهُ مِنْ آفَةٍ خُصُوصًا فِي زَمَنِ الإِحْرَامِ وَكَشْفِ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَزْجُرَ هَوَاهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ تَعْظِيمًا لِلْمَقْصُودِ، وَقَدْ فَسَدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِإِطْلاقِ أَبْصَارِهِمْ هُنَالِكَ.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُبَرِّدُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالاتِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ بَصُرَ بِرَمْلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَعَشِقَهَا عِشْقًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْقُفُولَ هَمَّ خَالِدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: رَمْلَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، قَدْ أَذْهَلَتْ عَقْلِي، وَاللَّهِ مَا أَبْدَيْتُ لَكَ مَا بِي حَتَّى عِيلَ صَبْرِي، وَلَقَدْ عَرَضْتُ النَّوْمَ عَلَى عَيْنِي فَلَمْ تَقْبَلْهُ، وَالسُّلُوَّ عَلَى قَلْبِي فَامْتَنَعَ مِنْهُ.
فَأَطَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّعَجُّبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى يَسْتَأْسِرُ مِثْلَكَ، فَقَالَ: وَإِنِّي لأَشَدُّ تَعَجُّبًا مِنْ تَعَجُّبِكَ مِنِّي، وَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى لا يَتَمَكَّنُ إِلا مِنْ ضَعِيفَيْنِ: الشُّعَرَاءِ وَالأَعْرَابِ، فَأَمَّا الشُّعَرَاءُ فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوا قُلُوبَهُمُ الْفِكْرَ فِي النِّسَاءِ وَالْغَزَلَ، فَمَالَ طَبْعُهُمْ إِلَى النِّسَاءِ، فَضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ دَفْعِ الْهَوَى فَاسْتَسْلَمُوا لَهُ مُنْقَادِينَ.
وَأَمَّا الأَعْرَابُ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَخْلُو بِامْرَأَتِهِ فَلا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ غَيْرَ حُبِّهِ لَهَا.
وَجُمْلَةُ أَمْرِي مَا رَأَيْتُ نَظْرَةً
стр. 234
حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَزْمِ وَحَسَّنَتْ عِنْدِي رُكُوبَ الإِثْمِ، مِثْلَ نَظْرَتِي هَذِهِ.
فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَقَالَ: أَوَكُلُّ هَذَا قَدْ بَلَغَ بِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُنِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ قَبْلَ وَقْتِي هَذَا، فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ رَمْلَةَ عَلَى خَالِدٍ.
، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ لا وَاللَّهِ أَوْ يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ.
فَطَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، وَظَعَنَ بِهَا إِلَى الشَّامِ، وَفِيهَا يَقُولُ:
أَلَيْسَ يَزِيدُ السُّوقُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ... وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ حَبِيبَتِنَا قُرْبَا
خَلِيلَيَّ مَا مِنْ سَاعَةٍ تَذْكُرَانِهَا ... مِنَ الدَّهْرِ إِلا فُرِّجَتْ عَنِّي الْكُرَبَا
أُحِبُّ بَنِي الْعَوَّامِ طُرًا لِحُبِّهَا ... وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا
تَجُولُ خَلاخِيلُ النِّسَاءِ وَلا أَرَى ... لِرَمْلَةَ خَلْخَالا يَجُولُ وَلا قُلْبَا
وَقَالَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ الْفَضْلِ، فِي هَذَا الْمَعْنَى:
النَّجَاءَ النَّجَاءَ مِنْ أَرْضِ نَجْدَ ... قَبْلَ أَنْ يَعْلَقَ الْفُؤَادُ بِوَجْدِ
كَمْ خَلِيٍّ غَدَا إِلَيْهِ وَأَمْسَى ... وَهُوَ يَهْذِي بِعُلْوَةَ وَبِهِنْدِ
стр. 235
بَابٌ عُقُوبَةُ قَوْمٍ أَسَاءُوا الأَدَبَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا ابْنُ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ بَرِقَ لَهُ سَاعِدُ امْرَأَةٍ، فَوَضَعَ سَاعِدَهُ عَلَى سَاعِدِهَا يَتَلَذَّذُ بِهِ، فَلَصَقَتْ سَاعِدَاهُمَا، فَأَتَى بَعْضُ الشُّيُوخِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلْتَ فِيهِ، فَعَاهِدْ رَبَّ الْبَيْتِ أَنَّ لا تُعَودَ، فَفَعَلَ، فَخَلَّى عَنْهُ ".
وَبِالإِسْنَادِ، حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: «أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ حَجَّا مِنَ الشَّامِ، فَقَبَّلَهَا وَهُمَا يَطُوفَانِ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، فَلَمْ يَزَالا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلامِ فَأُخْرِجَا» .
وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ، عَنْ عَمِّهِ، «أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ كَانَا رَجُلا وَامْرَأَةً، فَإِسَافُ مِنْ جُرْهُمَ، وَنَائِلَةُ مِنْ قَنْطُورَاءَ، كَانَا فِي الْبَيْتِ، فَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ»
стр. 236
وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى الْبَيْتِ تَعُوذُ مِنْ زَوْجِهَا، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَيَبَسَتْ يَدُهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي الإِسْلامِ وَإِنَّهُ لأَشَلُّ»
стр. 237
بَابُ ذِكْرِ مَنْ ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فِي الطَّوَافِ فَوَلَدَتْ فِي الْكَعْبَةِ
رَوَى ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ حِزَامٍ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَأَعْجَلَهَا، فَأَخْلَتْهَا قُرَيْشٌ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَوَلَدَتْ حَكِيمًا، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الإِسْلامِ.
وَبِهِ رَوَى أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ ﵂ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَفُتِحَتْ لَهَا الْكَعْبَةُ، فَوَلَدَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ» ، إِلا أَنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ لا يَثْبُتُ.
стр. 238
بَابُ ذِكْرِ الإِشَارَةِ فِي الطَّوَافِ
يَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ بِقَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ يَطُوفُ بِبَيْتِهِ، وَلِيَعْلَمْ أَنَّ خُلاصَةَ الْمُرَادِ مِنْ طَوَافِ الْبَدَنِ بِالْبَيْتِ طَوَافُ الْقَلْبِ بِحَضْرَةِ الرَّبِّ، وَعَلَى هَذَا كَانَ طَوَافُ الْعَارِفِينَ.
وَقَدْ حَجَّ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الشِّبْلِيِّ، قَالَ لَهُ: عَقَدْتَ الْحَجَّ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ يُخَالِفُ هَذَا الْعَقْدَ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَمَا عَقَدْتَ.
قَالَ: تَجَرَّدْتَ مِنْ ثِيَابِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: تَجَرَّدْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَمَا نَزَعْتَ، قَالَ: لَبَّيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَجَدْتَ جَوَابَ التَّلْبِيَةِ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: مَا لَبَّيْتَ، قَالَ: رَأَيْتَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: رَأَيْتَ مَنْ قَصَدْتَ، قَالَ: لا.
قَالَ: مَا رَأَيْتَ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَقْرِئُ أَحْوَالَ الْحَجِّ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: مَا حَجَجْتَ، عَلَيْكَ الْعَوْدَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأُرْدِسْتَانِيُّ، أَنْبَأنَا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ الطُّوسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَرْذَعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ ﵀ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَوَصَفَ صِفَةً لَمْ يَضْبِطْهَا أَهْلُ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ يَقُولُ:
لَسْتُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحِبِّينَ إِنْ لَمْ ... أَدَعِ الْقَلْبَ بَيْتَهُ وَالْمَقَامَا
وَطَوَافِي إِجَالَةُ السِّرِّ فِيهِ ... وَهُوَ رُكْنِي إِذَا أَرَدْتُ اسْتِلامَا
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ، يَقُولُ: «الْعَجَبُ مِمَّنْ يَقْطَعُ الأَوْدِيَةَ وَالْقِفَارَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ؛ لأَنَّ فِيهِ آثَارَ أَنْبِيَائِهِ، كَيْفَ لا يَقْطَعُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَلْبِهِ فَإِنَّ فِيهِ آثَارَ رَبِّهِ»
стр. 239
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَطَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: حَجَجْتُ عَلَى الْوِحْدَةِ، فَجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ دَخَلْتُ الطَّوَافَ، فَإِذَا بِجَارِيَةٍ تَطُوفُ وَتَقُولُ:
أَبَى الْحُبُّ أَنْ يَخْفَى وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُهُ ... فَأَصْبَحَ عِنْدِي قَدْ أَنَاخَ وَطَنَّبَا
إِذَا اشْتَدَّ شَوْقِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِهِ ... وَإِنْ رُمْتُ قُرْبًا مِنْ حَبِيبِي تَقَرَّبَا
وَيَبْدُو فَأَفْنَى ثُمَّ أَحْيَا بِهِ لَهُ ... وَيُسْعِدُنِي حَتَّى أَلَذَّ وَأَطْرَبَا
قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا جَارِيَةُ، أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ تَعَالَى، فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ تَتَكَلَّمِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلامِ.
فَالْتَفَتَتْ إِلَيَّ، وَقَالَتْ: يَا جُنَيْدُ:
لَوْلا التُّقَى لَمْ تَرَنِي ... أَهْجُرُ طِيبَ الْوَسَنِ
إِنَّ التُّقَى شَرَّدَنِي ... كَمَا تَرَى عَنْ وَطَنِي
أَفِرُّ مِنْ وَجْدِي بِهِ ... فَحُبُّهُ تَيَّمَنِي
ثُمَّ قَالَتْ: يَا جُنَيْدُ، تَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَمْ بِرَبِّ الْبَيْتِ؟ فَقُلْتُ: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَشِيئَتَكَ فِي خَلْقِكَ، خَلْقٌ كَالأَحْجَارِ يَطُوفُونَ بِالأَحْجَارِ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
إِلَيْكَ قَصْدِي لا لِلْبَيْتِ وَالأَثَرِ ... إِلَيْكَ وَهُمْ أَقْسَى قُلُوبًا مِنَ الصَّخْرِ
وَتَاهُوا فَلَمْ يَدْرُوا مِنَ التِّيهِ مَنْ هُمُ ... وَحَلُّوا مَحَلَّ الْقُرْبِ فِي بَاطِنِ الْفِكْرِ
فَلَوْ أَخْلَصُوا فِي الْوُدِّ غَابَتْ صِفَاتُهُمُ ... وَقَامَتْ صِفَاتُ الْوُدِّ لِلْحَقِّ بِالذِّكْرِ
قَالَ الْجُنَيْدُ: فَغُشِّيَ عَلَيَّ مِنْ قَوْلِهَا، فَلَمَّا أَفَقْتُ لَمْ أَرَهَا.
وَأَنْشَدُوا لأَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشِّيرَازِيِّ:
إليك قصدي لا لِلْبَيْتِ وَالأَثَرِ ... وَلا طَوَافِي بِأَرْكَانٍ وَلا حَجَرِ
صَفَّى دَمْعِي الصَّفَا لِي حِينَ أَعْبُرُهُ ... وَزْمَزِمِي دَمْعَةٌ تَجْرِي مِنَ الْبَصَرِ
стр. 240
وَفِيكَ سَعْيِي وَتَعْمِيرِي وَمُزْدَلِفِي ... وَالْهَدْيُ جِسْمِي الَّذِي يُغْنِي عَنِ الْجُزُرِ
عَرَفَاتُهُ عَرَفَاتِي إِذْ مِنًى مِنَنِي ... وَمَوْقِفِي وَقْفَةٌ فِي الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ
وَجَمْرُ قَلْبِي جِمَارٌ نَبْذُهُ شَرَرُ ... وَالْحَرَمُ تَحْرِيمِيَ الدُّنْيَا عَنِ الْفِكَرِ
وَمَسْجِدُ الْخَيْفِ خَوْفِي مِنْ تَبَاعُدِكُمْ ... وَمَشْعَرِي وَمَقَامِي دُونَكُمْ خَطَرِي
زَادِي رَجَائِي لَهُ وَالشَّوْقُ رَاحِلَتِي ... وَالْمَاءُ مِنْ عَبَرَاتِي وَالْهَوَى سَفَرِي
стр. 241
بَابٌ ذِكْرُ كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عَنِ الطَّائِفِينَ وَأَدْعِيَةٌ، وَأَحْوَالٌ جَرَتْ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الأْزَرْقُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمِيلٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذَا رَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، يَقُولُ: يَا مَنْ لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لا تَغْلُطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ، أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلاوَةَ رَحْمَتِكَ.
قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَعِدِ الْكَلامَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ الْخَضِرِ بِيَدِهِ، وَكَانَ الْخَضِرُ، لا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ إِلا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجَ، وَعَدَدِ الْمَطَرِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ "
стр. 242
أَخْبَرَنَا ابْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ الْقُضَاعِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ، أَنْبَأنَا ابْنُ دُرَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الرِّيَاشِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًا، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ بِبَابِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَائِلُكَ بِبَابِكَ مَضَتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ، وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، فَارْضَ عَنْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّمَا يُعْفَى عَنِ الْمُسِيءِ، وَيُثَابُ الْمُحْسِنِ، وأنت أفضل من دعوت، وأكرم من رجوت.
أخبرنا عمر بن ظفر، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: " بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ نَظَرْتُ إِلَى أَعْرَابِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ وَفَدَ الْعِبَادُ إِلَيْهِ، ذَهَبَتْ أَيَّامِي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَقَدْ وَرَدْتُ إِلَى بَيْتِكَ الْمُعَظَّمِ الْمُكَرَّمِ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ لا تَسَعُهَا الأَرْضُ وَلا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ، مُسْتَجِيرًا بِعَفْوِكَ مِنْهَا، وَحَطَطْتُ رَحْلِي بِفِنَائِكَ، وَأَنْفَقْتُ مَالِي فِي رِضَاكَ، فَمَا أَدْرِي مَا يَكُونُ مِنْ جَزَائِكَ يَا مَوْلاي؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، ادْعُوا لِمَنْ وَكَزَتْهُ الْخَطَايَا، وَغَمَرَتْهُ الْبَلايَا، ارْحَمُوا أَسِيرَ ضُرًّ وَغَرِيبَ فَاقَةٍ، سَأَلْتُكُمْ بِالَّذِي قَدْ عَمَّتْكُمُ الرَّغْبَةُ إِلَيْهِ، إِلا سَأَلْتُمُ اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لِي جُرْمِي، وَيَغْفِرَ لِي ذَنْبِي.
ثُمَّ عَادَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي، عَظِيمُ الذَّنْبِ مَكْرُوبٌ، وَعَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ مَطْرُودٌ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ ذَا فَاقَةٍ إِلَى رَحْمَتِكَ يَا مَوْلاي.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ وَضَعَ يَسَارَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، يَصْرُخُ وَيَبْكِي وَيَشْهَقُ، وَيَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي، أُضْحِكَتِ الأَرْضُ بِالزَّهْرَةِ، وَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ بِالرَّحْمَةِ، وَالَّذِي أَعْطَيْتَ الْمُوَحِّدِينَ إِنَّ نَفْسِي لَوَاثِقَةٌ لِي وَلَهُمْ مِنْكَ بِالرِّضَى، وَكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَأَنْتَ حَبِيبُ
стр. 243
مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ، وَقُرَّةُ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ، وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ، يَا مَوْلاي حَقًّا حَقًّا أَقُولُ، لَقَدْ أَمَرْتَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ فَاجْعَلْ وُفُودِي إِلَيْكَ عِتْقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ ".
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا سُفَيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: " سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: السَّائِلُ بِبَابِكَ انْقَضَتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَضَتْ شَهَوَاتِهِ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُهُ، وَلِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ "
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: " تَعَلَّقَ شَابٌّ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِلَهِي لا لَكَ شَرِيكٌ فَيُؤْتَى، وَلا وَزِيرٌ فَيُرْشَى، إِنْ أَطَعْتُكَ فَبِفَضْلِكَ، وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِنْ عَصَيْتُكَ فَبِجَهْلِي وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ، فَبِإِثْبَاتِ حُجَّتِكَ وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي لَدَيْكَ إِلا غَفَرْتَ لِي.
فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: الْفَتَى عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ ".
أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الظَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ مَنْدَهْ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ مُرَّةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ اللُّنْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَامِلٍ، أَنْبَأنَا عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ طَاوُسٌ: " بَيْنَا أَنَا بِمَكَّةَ بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ فَأَجْلَسَنِي إِلَى جَنْبِهِ، وَاتَّكَأَنِي عَلَى وِسَادَتِهِ، إِذْ سَمِعَ مُلَبِيًا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ، رَافِعًا صَوْتَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: لَيْسَ عَنِ الإِسْلامِ سَأَلْتُ.
قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدِ، قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ.
قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ؟ يُرِيدُ أَخَاهُ.
قَالَ: تَرَكْتُهُ عَظِيمًا جَسِيمًا كَبَّاشًا رَكَّابًا خَرَّاجًا وَلاجًا.
قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ؟ قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ
стр. 244
عَنْ سِيرَتِهِ.
قَالَ: تَرَكْتُهُ ظَلُومًا غَشُومًا، مُطِيعًا لِلْمَخْلُوقِ، عَاصِيًا لِلْخَالِقِ.
قَالَ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَكَانَهُ مِنِّي؟ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَرَاهُ بِمَكَانِهِ مِنْكَ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَانِي مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَا وَافِدٌ بَيْتَهُ، وَمُصَدِّقٌ نَبِيَّهُ، وَقَاضِيَ دَيْنَهُ، فَسَكَتَ الْحَجَّاجُ، وَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ.
قَالَ طَاوُسٌ: فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ.
وَقُلْتُ: الرَّجُلُ حَكِيمٌ.
فَأَتَى الْبَيْتَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَعُوذُ وَبِكَ أَلُوذُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِضَمَانِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ، وَغِنًى عَنْ مَا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَكَ الْقَرِيبَ، وَمَعْرُوفَكَ الْقَدِيمَ، وَعَادَتَكَ الْحَسَنَةَ.
ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ فَرَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ حَجِّي وَتَعَبِي وَنَصَبِي فَلا تَحْرِمْنِي الأَجْرَ عَلَى مُصِيبَتِي بِتَرْكِكَ الْقَبُولَ مِنِّي.
ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَرَأَيْتُهُ غَدَاةَ جَمْعٍ، يَقُولُ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ وَاللَّهِ وَإِنْ عَفَوْتَ، يُرَدِّدُ ذَلِكَ ".
أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سِوَارٍ الْمُقْرِي، قَالَ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ، يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذْ لَكَزَنِي رَجُلٌ بِمِرْفَقِهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا صَالِحٍ.
فَقَلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ.
قَالَ: إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّهُ شَهِدَ الْمَوْسِمَ شَرٌّ مِنِّي وَمِنْكَ فَبِئْسَ مَا ظَنَنْتَ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَاتَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ سَيِّدٍ حَمْدَوَيْهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ قَاسِمَ بْنَ عُثْمَانَ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رَجُلا لا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: إِلَهِي قَضَيْتَ حَوَائِجَ الْمُحْتَاجِينَ وَحَاجَتِي
стр. 245
لَمْ تُقْضَ.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ لا تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْكَلامِ؟ قَالَ: أُحَدِّثُكَ: كُنَّا سَبْعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، تَرَافَقْنَا وَغَزَوْنَا أَرْضَ الْعَدُوِّ، وَاسْتَأْسَرَنَا كُلَّنَا، فَاعْتَزَلَ بِنَا بِطَرِيقٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِيَضْرِبَ رِقَابَنَا، فَنَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مَفْتُوحَةٌ، عَلَيْهَا سَبْعُ جَوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ بَابٍ جَارِيَةٌ.
فَقُدِّمَ رَجُلٌ مِنَّا، فَضُرِبَ عُنُقُهُ، فَرَأَيْتُ جَارِيَةً فِي يَدِهَا مِنْدِيلٌ قَدْ هَبَطَتْ إِلَى الأَرْضِ، حَتَّى ضُرِبَتْ أَعْنَاقُ السِّتَّةِ، وَبَقِيتُ أَنَا، وَبَقِي بَابٌ وَاحِدٌ، فَلَمَّا قَدِمْتُ لِتُضْرَبَ رَقَبَتِي اسْتَوْهَبَنِي بَعْضُ رِجَالِهِ، فَوَهَبَنِي لَهُ، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ فَاتَكَ يَا مَحْرَومُ؟ وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ.
فَأَنَا يَا أَخِي مُتَحَسِّرٌ عَلَى مَا فَاتَنِي ".
قَالَ قَاسِمٌ الْجُوعِيُّ: أَرَاهُ أَفْضَلَهُمْ؛ لأَنَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا وَتُرِكَ يَعْمَلُ عَلَى الشَّوْقِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ، قَالَ: " رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ رَجُلا بِغَيْرِ عَيْنٍ وَهُوَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ؟ فَقَالَ: إِنِّي مُجَاوِرٌ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً فَنَظَرْتُ إِلَى شَخْصٍ يَوْمًا فَاسْتَحْسَنْتُهُ، فَإِذَا بِلَطْمَةٍ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنِي، فَسَالَتْ عَيْنِي عَلَى خَدِّي، فَقُلْتُ: آهٍ، فَوَقَعَتْ أُخْرَى، وَقَالَ قَائِلً: لَوْ زِدْتَ لَزِدْنَاكَ ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْجَوْزِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ غَرِيبًا، تَقَدَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ، فَقَالَ:
стр. 246
يَا رَبِّ، مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ وَغَابَتْ ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ، قَالَ: " حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِي عَلَى الْفَقْرِ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ، وَأَنَا أَقُولُ: يَا حَبِيبِي يَا حَبِيبِي، فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي: لَيْسَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِسْكِينًا حَتَّى تَكُونَ حَبِيبًا، فَغُشِّيَ عَلَيَّ، ثُمَّ كُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقُولُ: مِسْكِينُكَ، وَأَنَا تَائِبٌ عَنْ قَوْلِي حَبِيبِي "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالا: أَنْبَأنَا رِزْقُ اللَّهِ، وَطَرَّادٌ، قَالا: أَنْبَأنَا ابْنُ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: قَالَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: " بَيْنَمَا امْرَأَةٌ فِي الطَّوَافِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَبِّ، ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ، يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ، وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، يَا رَبِّ، مَا لَكَ عُقُوبَةٌ إلا النَّارَ.
فَقَالَتْ صُاحْبَةٌ لَهَا كَانَتْ مَعَهَا: يَا أُخَيَّةُ، دَخَلْتِ بَيْتَ رَبِّكِ الْيَوْمَ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَى هَاتَيْنِ الْقَدَمَيْنِ أَهْلا لِلطَّوَافِ حَوْلَ بَيْتِ رَبِّي، فَكَيْفَ أَرَاهُمَا أَهْلا أَطَأُ بِهِمَا بَيْتَ رَبِّي ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ حَيْثُ مَشَتَا وَأَيْنَ مَشَتَا "
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا أَبُو السَّرَّاجِ، أَنْبَأنَا التَّوَّزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي
стр. 247
مِيمِي، حَدَّثَنَا الْبَرْذَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْعَى لِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ وَلا أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، لَقَدْ رَأَيْتُ جَارِيَةً مِنْهُمْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُتَعَلِّقَةً بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، تَدْعُو وَتَتَضَرَّعُ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْجَبَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ السَّائِحُ، قَالَ: " بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ: يَا وَحْشَتِي بَعْدَ الأُنْسِ، وَيَا ذِلَّتِي بَعْدَ الْعِزِّ، وَيَا فَقْرِي بَعْدَ الْغِنَى.
فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ؟ أَذَهَبَ لَكِ مَالٌ أَوْ أُصِبْتِ بِمُصِيبَةٍ؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ كَانَ لِي قَلْبٌ فَقَدْتُهُ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ مُصِيبَتُكِ؟ قَالَتْ: وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْقُلُوبِ وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْمَحْبُوبِ.
فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ حُسْنَ صَوْتِكِ قَدْ عَطَّلَ عَلَى سَامِعِيهِ الطَّوَافَ.
فَقَالَتْ: يَا شَيْخُ، الْبَيْتُ بَيْتُكَ أَمْ بَيْتُهُ؟ قُلْتُ: بَلْ بَيْتُهُ.
قَالَتِ: الْحَرَمُ حَرَمُكَ أَمْ حَرَمُهُ؟ قُلْتُ: بَلْ حَرَمُهُ.
قَالَتْ: فَدَعْنَا نَتَدَلَّلُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَزَارَنَا إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَتْ: بِحُبِّكَ لِي إِلا رَدَدْتَ عَلَيَّ قَلْبِي.
فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ يُحِبُّكِ؟ قَالَتْ: لِعِنَايَتِهِ الْقَدِيمَةِ جَيَّشَ مِنْ أَجْلِي الْجُيُوشَ، وَأَنْفَقَ الأَمْوَالَ، وَأَخْرَجَنِي مِنْ بِلادِ الشِّرْكِ، وَأَدْخَلَنِي فِي التَّوْحِيدِ، وَعَرَّفَنِي نَفْسَهُ بَعْدَ جَهْلِي إِيَّاهُ، فَهَلْ هَذَا إِلا لِعِنَايَتِهِ بِي؟ قُلْتُ: كَيْفَ حُبُّكِ لَهُ؟ قَالَتْ: أَعْظَمُ شَيْءٍ وَأَجَلُّهُ.
قُلْتُ: وَتَعْرِفِينَ الْحُبَّ؟ قَالَتْ: فَإِذَا جَهِلْتُ الْحُبَّ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْرِفُ.
قُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَتْ: أَرَّقُ مِنَ الشَّرَابِ.
قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَتْ: مِنْ طِينَةٍ عُجِنَتْ بِالْحَلاوَةِ، وَخُمِّرَتْ فِي إِنَاءِ
стр. 248
الْجَلالَةِ، حُلْوُ الْمُجْتَنَى مَا اقْتُصِرَ، فَإِذَا أُفْرِطَ عَادَ خَبَلا قَاتِلا، وَفَسَادًا مُعَطَّلا، وَهُوَ شَجَرَةٌ عَرْشُهَا كَرِيهٌ، وَمَجْنَاهَا لَذِيذٌ، ثُمَّ وَلَّتْ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:
وَذِي قَلَقٍ مَا يَعْرِفُ الصَّبْرَ وَالْعِزَّا ... لَهُ مُقْلَةٌ عَبْرَى قَدْ أَضَرَّ بِهَا الْعَنَا
وَجِسْمٌ نَحِيلٌ مِنْ شَجًى لاعِجِ الْهَوَى ... فَمَنْ ذَا يُدَاوِي الْمُسْتَهَامَ مِنَ الضَّنَا
وَلا سِيَّمَا وَالْحُبُّ صَعْبٌ مَرَامُهُ ... إِذَا عَطَفَتْ مِنْهُ الْعَوَاطِفُ وَالْفَنَا "
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بُنُ دِينَارٍ الْفَقَيهُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْيَقْفِيَّ يَحْكِي عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الطَّوَافِ إِذْ طَلَعَ نُورٌ لَحِقَ عَنَانَ السَّمَاءِ، فَتَعَجَّبْتُ، وَأَتْمَمْتُ طَوَافِي، وَقُمْتُ أَتَفَكَّرُ فِي ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا حَزِينًا، فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِجَارِيَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ:
أَنْتَ تَدْرِي يَا حَبِيبِي ... يَا حَبِيبِي أَنْتَ تَدْرِي
وَنُحُولُ الْجِسْمِ وَالدَّمْعُ ... يَبُوحَانِ بِسِرِّي
يَا عَزِيزُ قَدْ كَتَمْتُ الْحُبَّ ... حَتَّى ضَاقَ صَدْرِي
قَالَ ذُو النُّونِ: فَشَجَانِي مَا سَمِعْتُ حَتَّى انْتَحَبْتُ وَبَكَيْتُ.
ثُمَّ قَالَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي، بِحُبِّكَ لِي إِلا غَفَرْتَ لِي.
قَالَ: فَتَعَاظَمَنِي ذَلِكَ، وَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ، أَمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي: بِحُبِّي لَكَ، حَتَّى تَقُولِي بِحُبِّكَ لِي؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا ذَا النُّونِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ قَوْمًا يُحِبُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحِبُّوهُ؟ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فَسَبَقَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ مَحَبَّتَهُمْ لَهُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ أَنِّي ذُو النُّونِ؟ فَقَالَتْ: يَا بَطَّالُ، جَالَتِ الْقُلُوبُ فِي مَيْدَانِ الأَسْرَارِ فَعَرَفْتُكَ بِمَعْرِفَةِ الْجَبَّارِ.
ثُمَّ قَالَتِ: انْظُرْ مِنْ خَلْفِكَ؟ فَأَدَرْتُ وَجْهِي، فَلا أَدْرِي السَّمَاءُ اقْتَلَعَتْهَا أَمِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهَا
стр. 249
وَقَالَ ذُو النُّونِ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ، وَإِذَا بِشَخْصٍ قَدْ حَاذَى بَابَ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، عَبْدُكَ الْمِسْكِينُ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ يَسْأَلُكَ بِالْعُصْبَةِ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيَّ بِرُؤْيَتِي لَهُمْ، إِلا أَعْطَيْتَنِي مَا أَعْطَيْتَهُمْ، وَسَقَيْتَنِي مَا سَقَيْتَهُمْ، بِكَأْسِ حُبِّكَ، وَكَشَفَّتَ عَنْ قَلْبِي أَغْطِيَةَ الْجَهَالَةِ، حَتَّى تَرْقَى رُوحِي بِأَجْنِحَةِ الشَّوْقِ إِلَيْكَ، فَأُنَاجِيكَ بِرِيَاضِ بَهَائِكَ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَمِعْتُ لِدُمُوعِهِ وَقْعًا عَلَى الْحَصَى، ثُمَّ ضَحِكَ وَقَهْقَهَ.
وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ وَأَنَا أَقُولُ: إِمَّا عَارِفًا، وَإِمَّا مَخْبُولا.
فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَخَذَ نَاحِيَةَ خَرَابَاتِ مَكَّةَ، فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا ذَا النُّونِ.
قُلْتُ: نَاشَدْتُكَ لِمَحْبُوبِكَ إِلا وَقَفْتَ إِلَيَّ.
فَوَقَفَ، وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ذَا النُّونِ، أَمَا لَكَ شُغُلٌ؟ قُلْتُ: مَنِ الْقَوْمُ الَّذِينَ سَأَلْتَ بِحُرْمَتِهِمْ؟ فَقَالَ: قَوْمٌ سَارُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرَ مَنْ نَصَبَ الْمَحْبُوبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَجَرَّدُوا تَجَرُّدَ مَنْ أَخَذَتِ الزَّبَانِيَةُ بِحِقْوَيْهِ، وَأُجِّجَتِ النَّارُ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَةُ الشَّقَاءِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَرْدَبِيلِيُّ، عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ أَنْ أَصْحَبَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: عَلَى شَرِيطَةٍ، عَلَى أَنَّكَ لا تَنْظُرُ إِلا لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ.
فَشَرَطْتُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي الطَّوَافِ إِذَا بِغُلامٍ قَدِ افْتُتِنَ النَّاسُ بِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ، وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَلَيْسَ شَرَطْتَ عَلَيَّ أَنْ لا أَنْظُرَ إِلا لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ.
قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَإِنِّي أَرَاكَ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى هَذَا الْغُلامِ.
فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ وَلَدِي،
стр. 250
وَهَؤُلاءِ غِلْمَانِي وَخَدَمِي الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَكِنِ انْطَلِقْ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ مِنِّي، وَعَانِقْهُ عَنِّي، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَجَاءَ إِلَى وَالِدِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَرَفَهُ مَعَ الْخَدَمِ، وَقَالَ: ارْجِعِ انْظُرْ أَيْشِ يُرَادُ بِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
هَجَرْتُ الْخَلْقَ طُرًا فِي رِضَاكَا ... وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَي أَرَاكَا
فَلَوْ قَطَّعْتَنِي فِي الْحُبِّ إِرَبًا ... لَمَا حَنَّ الْفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ شُجَاعِ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: أَنْبَانَا هَنَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الرِّقِّيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الشَّيْطِيِّ، قَالَ: حَجَجْتُ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا بَصُرْتُ بِجَارِيَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، تَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي، هَا أَنَا أَمَتُكَ الْغَرِيبَةُ، وَسَائِلَتُكَ الْفَقِيرَةُ، حَيْثُ لا يَخْفَى عَلَيْكَ مَكَانِي، وَلا يُسْتَرُ عَنْكَ سُوءُ حَالِي، وَقَدْ هَتَكَتِ الْحَاجَةُ حِجَابِي، وَكَشَفَتِ الْفَاقَةُ نِقَابِي، فَكَشَفْتَ لَهَا وَجْهًا رَقِيقًا عِنْدَ الذُّلِ، وَذَلِيلا عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ، طَالَ وَعِزَّتِكَ مَا حَجَبَهُ عَنْهُ الْفَنَاءُ، وَصَانَهُ عَنْهُ مَاءُ الْحَيَاءِ، قَدْ خَمَدَتْ عَنِّي أَكُفُّ الْمَرْزُوقِينَ، وَضَاقَتْ بِي صُدُورُ الْمَخْلُوقِينَ، فَمَنْ حَرَمَنِي لَمْ أَلُمْهُ، وَمَنْ وَصَلَنِي وَكَلْتُهُ إِلَى مُكَافَأَتِكَ.
فَدَنَوْتُ مِنْهَا، فَبَرَزْتُهَا، وَقُلْتُ لَهَا: مَنْ أَنْتِ، وَمِمَّنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، مَنْقَلَّ مَالُهُ وَذَهَبَ رِجَالُهُ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
بَعْضُ بَنَاتِ الرِّجَالِ أَبْرَزَهَا ... الدَّهْرُ كَمَا قَدْ تَرَى وَأَحْوَجَهَا
أَبْرَزَهَا مِنْ جَلِيلِ نِعْمَتِهَا ... وَأَبْتَرَهَا مُلْكَهَا وَأَخْرَجَهَا
إِنْ كَانَ قَدْ سَاءَهَا وَأَحْزَنَهَا ... فَطَالَمَا سَرَّهَا وَأَبْهَجَهَا
وَطَالَمَا كَانَتِ الْعُيُونُ إِذَا ... مَا خَرَجَتْ تَسْتَشِفُّ هَوْدَجَهَا
следующие страницы →