Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
يَا رَبِّ، مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ وَغَابَتْ ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ، قَالَ: " حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِي عَلَى الْفَقْرِ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ، وَأَنَا أَقُولُ: يَا حَبِيبِي يَا حَبِيبِي، فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي: لَيْسَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِسْكِينًا حَتَّى تَكُونَ حَبِيبًا، فَغُشِّيَ عَلَيَّ، ثُمَّ كُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقُولُ: مِسْكِينُكَ، وَأَنَا تَائِبٌ عَنْ قَوْلِي حَبِيبِي "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالا: أَنْبَأنَا رِزْقُ اللَّهِ، وَطَرَّادٌ، قَالا: أَنْبَأنَا ابْنُ بِشْرَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: قَالَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: " بَيْنَمَا امْرَأَةٌ فِي الطَّوَافِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَبِّ، ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ، يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ، وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، يَا رَبِّ، مَا لَكَ عُقُوبَةٌ إلا النَّارَ.
فَقَالَتْ صُاحْبَةٌ لَهَا كَانَتْ مَعَهَا: يَا أُخَيَّةُ، دَخَلْتِ بَيْتَ رَبِّكِ الْيَوْمَ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَى هَاتَيْنِ الْقَدَمَيْنِ أَهْلا لِلطَّوَافِ حَوْلَ بَيْتِ رَبِّي، فَكَيْفَ أَرَاهُمَا أَهْلا أَطَأُ بِهِمَا بَيْتَ رَبِّي ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ حَيْثُ مَشَتَا وَأَيْنَ مَشَتَا "
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا أَبُو السَّرَّاجِ، أَنْبَأنَا التَّوَّزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي
стр. 247
مِيمِي، حَدَّثَنَا الْبَرْذَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَرْعَى لِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ وَلا أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، لَقَدْ رَأَيْتُ جَارِيَةً مِنْهُمْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُتَعَلِّقَةً بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، تَدْعُو وَتَتَضَرَّعُ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْجَبَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ السَّائِحُ، قَالَ: " بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ: يَا وَحْشَتِي بَعْدَ الأُنْسِ، وَيَا ذِلَّتِي بَعْدَ الْعِزِّ، وَيَا فَقْرِي بَعْدَ الْغِنَى.
فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ؟ أَذَهَبَ لَكِ مَالٌ أَوْ أُصِبْتِ بِمُصِيبَةٍ؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ كَانَ لِي قَلْبٌ فَقَدْتُهُ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ مُصِيبَتُكِ؟ قَالَتْ: وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْقُلُوبِ وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْمَحْبُوبِ.
فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ حُسْنَ صَوْتِكِ قَدْ عَطَّلَ عَلَى سَامِعِيهِ الطَّوَافَ.
فَقَالَتْ: يَا شَيْخُ، الْبَيْتُ بَيْتُكَ أَمْ بَيْتُهُ؟ قُلْتُ: بَلْ بَيْتُهُ.
قَالَتِ: الْحَرَمُ حَرَمُكَ أَمْ حَرَمُهُ؟ قُلْتُ: بَلْ حَرَمُهُ.
قَالَتْ: فَدَعْنَا نَتَدَلَّلُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَزَارَنَا إِلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَتْ: بِحُبِّكَ لِي إِلا رَدَدْتَ عَلَيَّ قَلْبِي.
فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ يُحِبُّكِ؟ قَالَتْ: لِعِنَايَتِهِ الْقَدِيمَةِ جَيَّشَ مِنْ أَجْلِي الْجُيُوشَ، وَأَنْفَقَ الأَمْوَالَ، وَأَخْرَجَنِي مِنْ بِلادِ الشِّرْكِ، وَأَدْخَلَنِي فِي التَّوْحِيدِ، وَعَرَّفَنِي نَفْسَهُ بَعْدَ جَهْلِي إِيَّاهُ، فَهَلْ هَذَا إِلا لِعِنَايَتِهِ بِي؟ قُلْتُ: كَيْفَ حُبُّكِ لَهُ؟ قَالَتْ: أَعْظَمُ شَيْءٍ وَأَجَلُّهُ.
قُلْتُ: وَتَعْرِفِينَ الْحُبَّ؟ قَالَتْ: فَإِذَا جَهِلْتُ الْحُبَّ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْرِفُ.
قُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَتْ: أَرَّقُ مِنَ الشَّرَابِ.
قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَتْ: مِنْ طِينَةٍ عُجِنَتْ بِالْحَلاوَةِ، وَخُمِّرَتْ فِي إِنَاءِ
стр. 248
الْجَلالَةِ، حُلْوُ الْمُجْتَنَى مَا اقْتُصِرَ، فَإِذَا أُفْرِطَ عَادَ خَبَلا قَاتِلا، وَفَسَادًا مُعَطَّلا، وَهُوَ شَجَرَةٌ عَرْشُهَا كَرِيهٌ، وَمَجْنَاهَا لَذِيذٌ، ثُمَّ وَلَّتْ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ:
وَذِي قَلَقٍ مَا يَعْرِفُ الصَّبْرَ وَالْعِزَّا ... لَهُ مُقْلَةٌ عَبْرَى قَدْ أَضَرَّ بِهَا الْعَنَا
وَجِسْمٌ نَحِيلٌ مِنْ شَجًى لاعِجِ الْهَوَى ... فَمَنْ ذَا يُدَاوِي الْمُسْتَهَامَ مِنَ الضَّنَا
وَلا سِيَّمَا وَالْحُبُّ صَعْبٌ مَرَامُهُ ... إِذَا عَطَفَتْ مِنْهُ الْعَوَاطِفُ وَالْفَنَا "
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بُنُ دِينَارٍ الْفَقَيهُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْيَقْفِيَّ يَحْكِي عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الطَّوَافِ إِذْ طَلَعَ نُورٌ لَحِقَ عَنَانَ السَّمَاءِ، فَتَعَجَّبْتُ، وَأَتْمَمْتُ طَوَافِي، وَقُمْتُ أَتَفَكَّرُ فِي ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا حَزِينًا، فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِجَارِيَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ تَقُولُ:
أَنْتَ تَدْرِي يَا حَبِيبِي ... يَا حَبِيبِي أَنْتَ تَدْرِي
وَنُحُولُ الْجِسْمِ وَالدَّمْعُ ... يَبُوحَانِ بِسِرِّي
يَا عَزِيزُ قَدْ كَتَمْتُ الْحُبَّ ... حَتَّى ضَاقَ صَدْرِي
قَالَ ذُو النُّونِ: فَشَجَانِي مَا سَمِعْتُ حَتَّى انْتَحَبْتُ وَبَكَيْتُ.
ثُمَّ قَالَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي، بِحُبِّكَ لِي إِلا غَفَرْتَ لِي.
قَالَ: فَتَعَاظَمَنِي ذَلِكَ، وَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ، أَمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي: بِحُبِّي لَكَ، حَتَّى تَقُولِي بِحُبِّكَ لِي؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا ذَا النُّونِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ قَوْمًا يُحِبُّهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحِبُّوهُ؟ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فَسَبَقَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ مَحَبَّتَهُمْ لَهُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ أَنِّي ذُو النُّونِ؟ فَقَالَتْ: يَا بَطَّالُ، جَالَتِ الْقُلُوبُ فِي مَيْدَانِ الأَسْرَارِ فَعَرَفْتُكَ بِمَعْرِفَةِ الْجَبَّارِ.
ثُمَّ قَالَتِ: انْظُرْ مِنْ خَلْفِكَ؟ فَأَدَرْتُ وَجْهِي، فَلا أَدْرِي السَّمَاءُ اقْتَلَعَتْهَا أَمِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهَا
стр. 249
وَقَالَ ذُو النُّونِ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ، وَإِذَا بِشَخْصٍ قَدْ حَاذَى بَابَ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، عَبْدُكَ الْمِسْكِينُ الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ يَسْأَلُكَ بِالْعُصْبَةِ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيَّ بِرُؤْيَتِي لَهُمْ، إِلا أَعْطَيْتَنِي مَا أَعْطَيْتَهُمْ، وَسَقَيْتَنِي مَا سَقَيْتَهُمْ، بِكَأْسِ حُبِّكَ، وَكَشَفَّتَ عَنْ قَلْبِي أَغْطِيَةَ الْجَهَالَةِ، حَتَّى تَرْقَى رُوحِي بِأَجْنِحَةِ الشَّوْقِ إِلَيْكَ، فَأُنَاجِيكَ بِرِيَاضِ بَهَائِكَ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَمِعْتُ لِدُمُوعِهِ وَقْعًا عَلَى الْحَصَى، ثُمَّ ضَحِكَ وَقَهْقَهَ.
وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ وَأَنَا أَقُولُ: إِمَّا عَارِفًا، وَإِمَّا مَخْبُولا.
فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَخَذَ نَاحِيَةَ خَرَابَاتِ مَكَّةَ، فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا ذَا النُّونِ.
قُلْتُ: نَاشَدْتُكَ لِمَحْبُوبِكَ إِلا وَقَفْتَ إِلَيَّ.
فَوَقَفَ، وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ذَا النُّونِ، أَمَا لَكَ شُغُلٌ؟ قُلْتُ: مَنِ الْقَوْمُ الَّذِينَ سَأَلْتَ بِحُرْمَتِهِمْ؟ فَقَالَ: قَوْمٌ سَارُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرَ مَنْ نَصَبَ الْمَحْبُوبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَجَرَّدُوا تَجَرُّدَ مَنْ أَخَذَتِ الزَّبَانِيَةُ بِحِقْوَيْهِ، وَأُجِّجَتِ النَّارُ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَةُ الشَّقَاءِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَرْدَبِيلِيُّ، عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ أَنْ أَصْحَبَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: عَلَى شَرِيطَةٍ، عَلَى أَنَّكَ لا تَنْظُرُ إِلا لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ.
فَشَرَطْتُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي الطَّوَافِ إِذَا بِغُلامٍ قَدِ افْتُتِنَ النَّاسُ بِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ، وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَلَيْسَ شَرَطْتَ عَلَيَّ أَنْ لا أَنْظُرَ إِلا لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ.
قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَإِنِّي أَرَاكَ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى هَذَا الْغُلامِ.
فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ وَلَدِي،
стр. 250
وَهَؤُلاءِ غِلْمَانِي وَخَدَمِي الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَكِنِ انْطَلِقْ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ مِنِّي، وَعَانِقْهُ عَنِّي، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَجَاءَ إِلَى وَالِدِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَرَفَهُ مَعَ الْخَدَمِ، وَقَالَ: ارْجِعِ انْظُرْ أَيْشِ يُرَادُ بِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
هَجَرْتُ الْخَلْقَ طُرًا فِي رِضَاكَا ... وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَي أَرَاكَا
فَلَوْ قَطَّعْتَنِي فِي الْحُبِّ إِرَبًا ... لَمَا حَنَّ الْفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ شُجَاعِ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: أَنْبَانَا هَنَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الرِّقِّيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الشَّيْطِيِّ، قَالَ: حَجَجْتُ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا بَصُرْتُ بِجَارِيَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، تَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي، هَا أَنَا أَمَتُكَ الْغَرِيبَةُ، وَسَائِلَتُكَ الْفَقِيرَةُ، حَيْثُ لا يَخْفَى عَلَيْكَ مَكَانِي، وَلا يُسْتَرُ عَنْكَ سُوءُ حَالِي، وَقَدْ هَتَكَتِ الْحَاجَةُ حِجَابِي، وَكَشَفَتِ الْفَاقَةُ نِقَابِي، فَكَشَفْتَ لَهَا وَجْهًا رَقِيقًا عِنْدَ الذُّلِ، وَذَلِيلا عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ، طَالَ وَعِزَّتِكَ مَا حَجَبَهُ عَنْهُ الْفَنَاءُ، وَصَانَهُ عَنْهُ مَاءُ الْحَيَاءِ، قَدْ خَمَدَتْ عَنِّي أَكُفُّ الْمَرْزُوقِينَ، وَضَاقَتْ بِي صُدُورُ الْمَخْلُوقِينَ، فَمَنْ حَرَمَنِي لَمْ أَلُمْهُ، وَمَنْ وَصَلَنِي وَكَلْتُهُ إِلَى مُكَافَأَتِكَ.
فَدَنَوْتُ مِنْهَا، فَبَرَزْتُهَا، وَقُلْتُ لَهَا: مَنْ أَنْتِ، وَمِمَّنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، مَنْقَلَّ مَالُهُ وَذَهَبَ رِجَالُهُ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
بَعْضُ بَنَاتِ الرِّجَالِ أَبْرَزَهَا ... الدَّهْرُ كَمَا قَدْ تَرَى وَأَحْوَجَهَا
أَبْرَزَهَا مِنْ جَلِيلِ نِعْمَتِهَا ... وَأَبْتَرَهَا مُلْكَهَا وَأَخْرَجَهَا
إِنْ كَانَ قَدْ سَاءَهَا وَأَحْزَنَهَا ... فَطَالَمَا سَرَّهَا وَأَبْهَجَهَا
وَطَالَمَا كَانَتِ الْعُيُونُ إِذَا ... مَا خَرَجَتْ تَسْتَشِفُّ هَوْدَجَهَا
стр. 251
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ مُعْسِرَةٍ ... قَدْ ضَمِنَ أَنْ يُفَرِّجَهَا
قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ صَخْرٍ الأَزْدِيُّ: تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَأَنْشَدَ:
سُتُورُ بَيْتِكَ ذَيْلُ الأَمْنِ مِنْكَ وَقَدْ ... عَلَقْتُهَا مُسْتَجِيرًا أَيُّهَا الْبَارِي
وَمَا أَظُنُّكَ لَمَّا إِنْ عَلِقْتُ بِهَا ... خَوْفًا مِنَ النَّارِ تُدْنِينِي مِنَ النَّارِ
وَهَا أَنَا جَارُ بَيْتٍ أَنْتَ قُلْتَ لَنَا: ... حُجُّوا إِلَيْهِ، وَقَدْ أَوْصَيْتَ بِالْجَارِ
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَرَجْتُ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدُونَ الْمَجْنُونِ وقد تعلق بأستار الكعبة يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَيَقُولُ: مَنْ أَوْلَى بِالتَّقْصِيرِ مِنِّي، وَقَدْ خَلَقْتَنِي ضَعِيفًا، وَمَنْ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْكَ عَنِّي وَأَنْتَ مَوْلاي قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَإِذَا عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مُرَقَّعَةٌ بِالأَدَمِ، وَإِذَا عَلَى كُمِّهِ الأَيْمَنِ مَكْتُوبٌ:
تَعْصِي مَوْلاكَ يَا سَعِيدُ ... مَا هَكَذَا تَفْعَلُ الْعَبِيدُ
فَرَاقِبِ اللَّهَ وَاخْشَ مِنْهُ ... يَا عَبْدَ سُوءٍ غَدًا الْوَعِيدُ
وَعَلَى كُمِّهِ الأَيْسَرِ مَكْتُوبٌ:
يَا مَنْ يَرَى بَاطِنَ اعْتِقَادِي ... وَمُنْتَهَى الأَمْرِ مِنْ فُؤَادِي
أَصْلِحْ فَسَادَ الأُمُورِ مِنِّي ... وَلا تَدَعْ مَوْضِعَ الْفَسَادِ
فَقُلْتُ: يَا سَعْدُونُ، أَنَّى لَكَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ، وَالنَّاسُ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ؟ فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ:
زَعَمَ النَّاسُ أَنَّنِي مَجْنُونُ ... كَيْفَ أَصْحُو وَلِي فُؤَادٌ مَصُونُ
أَلِفَ الْحُزْنَ وَالْبُكَا فِي الدَّيَاجِي ... فَهُوَ بِاللَّهِ مُشْغَفٌ مَحْزُونُ
ثُمَّ غَابَ عَنِّي
стр. 252
بَابٌ طَوَافُ الْحَشَرَاتِ بِالْبَيْتِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا الْعُشَارِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْبَرْدَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَجْلَحِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: بَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ قَرِيبًا مِنَ الْبَيْتِ إِذْ أَقْبَلَتْ حَيَّةٌ مِنْ بَابِ الْعِرَاقِ، حَتَّى طَافَتْ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَتَتِ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَتْهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْجَانُّ إِنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ عُمْرَتَكَ، وَإِنَّنَا نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ صِبْيَانِنَا، فَانْصَرِفِي، فَخَرَجَتْ رَاجِعَةً مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ
стр. 253
بَابٌ طَوَافُ سَفِينَةِ نُوحٍ ﵇ بِالْبَيْتِ زَمَنَ الْغَرَقِ
أَخْبَرَنَا الْحَرَيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ أَبِي الْمَهْدِيِّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «٠ إِنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ، فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وَجَّهَهَا إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ»
стр. 254
بَابُ دُخُولِ الْبَيْتِ
قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُخُولُ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى فِيهِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ دُخُولُهُ حَافِيًا.
وَأَوَّلُ مَنْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فِي الإِسْلامِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ النَّوَافِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَلِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْكَاتِبُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّهَ، حَدَّثَنَا مُحَشِّي بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ، فَأُجِيفَ الْبَابُ عَلَيْهِمْ، فَمَكَثُوا طَوِيلا، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَزَاحَمْتُ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَى أَثَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجِدُ بِلالا عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: يَا بِلالُ، أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ:
стр. 255
بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي بَعْضِ الأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: " فَسَأَلْتُ بِلالا حِينَ خَرَجَ، مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ".
وَلِي لَفْظُ: «عِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ»
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُخُولُ الْكَعْبَةِ دُخُولٌ فِي حَسَنَةٍ وَخُرُوجٌ مِنْ سَيِّئَةٍ.
بَابُ مَا يَصْنَعُ الطَّائِفُ بَعْدَ الطَّوَافِ
إِذَا قَضَى الطَّائِفُ طَوَافَهُ سُنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا بِالإِخْلاصِ، وَالأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ.
стр. 256
بَابُ ذِكْرِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الْحِجْرُ.
وَفِي سَبَبِ وُقُوفِهِ عَلَيْهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَاءَ يَطْلُبُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: انْزِلْ، فَأَبَى.
فَقَالَتْ: فَدَعْنِي أَغْسِلُ رَأْسَكَ.
فَأَتَتْهُ بَحَجَرٍ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ثُمَّ رَفَعَتْهُ وَقَدْ غَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الآخَرِ وَغَسَلَتْهُ، فَغَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّعَائِرِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَامَ عَلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ".
стр. 257
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ مِنَ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا جَوْهَرَتَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الْجَنَّةِ وَلَوْلا مَا مَسَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مَا مَسَّهُمَا ذُو عَاهَةٍ إِلا شَفَاهُ اللَّهُ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ»
قَالَ بَعْضُ سَدَنَةِ الْبَيْتِ: ذَهَبْنَا نَرْفَعُ الْمَقَامَ فِي خِلافَةِ الْمَهْدِيِّ فَانْثَلَمَ، وَهُوَ مِنْ حَجَرٍ رِخْوٍ، فَخَشِينَا أَنْ يَتَفَتَّتَ، فَكَتَبْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَضببنا بِهَا الْمَقَامَ، أَسْفَلَهُ وَأَعْلاهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ ذَهَبٌ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ، فَفَعَلُوا.
وَذَرْعُ الْمَقَامِ ذِرَاعٌ، وَالْقَدَمَانِ دَاخِلانِ فِيهِ سَبْعَ أَصَابِعَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي صَالِحُ الْمُرِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ " أَنَّهُ كَانَ خَلْفَ الْمَقَامِ جَالِسًا فَسَمِعَ دَاعِيًا دَعَا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَعَجِبَ مِنْهُنَّ وَحَفِظَهُنَّ فَالْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا: اللَّهُمَّ فَرِّغْنِي لِمَا خَلْقَتَنِي لَهُ، وَلا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ، وَلا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ، وَلا تُعَذِّبْنِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ "
стр. 258
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأنَا حَفْصُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: " رَأَيْتُ شَابًّا فِي الطَّوَافِ، مُتَّزِرًا بِعَبَاءَةٍ، مُتَّشِحًا بِأُخْرَى، كَثِيرَ الطَّوَافِ وَالصَّلاةِ، فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِي مَحَبَّتُهُ، فَفُتِحَ عَلَيَّ بِأَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَجِئْتُ بِهَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ خَلْفَ الْمَقَامِ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى طَرَفِ عَبَاءَتِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَخِي، اصْرِفْ هَذِهِ الْقُطَيْعَاتِ فِي بَعْضِ حَوَائِجِكَ.
فَقَامَ وَبَدَّدَهَا، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ بِسَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، تُرِيدُ أَنْ تَخْدَعَنِي عَنِ اللَّهِ بِهَذَا الْوَسَخِ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَا رَأَيْتُ أَذَلَّ مِنْ نَفْسِي وَأَنَا أَجْمَعُهَا مِنْ بَيْنِ الْحَصَى، وَمَا رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ، ثُمَّ ذَهَبَ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَائِذِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: " حَضَرْتُ مَعَ أَصْحَابِنَا فِي مَوْضِعٍ فَقَدَّمُوا اللَّبَنَ، وَقَالُوا لِي: كُلْ.
فَقُلْتُ: لا آكُلُ، فَإِنَّهُ يَشْرِنِي، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً صَلَّيْتُ يَوْمًا خَلْفَ الْمَقَامِ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا أَشْرَكْتُ بِكَ قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي، وَيَقُولُ: وَلا يَوْمَ اللَّبَنِ "
стр. 259
بَابُ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ الصَّلاةِ عِنْدَ الْمَقَامِ
إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، عَادَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَسَعَى.
стр. 260
بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
قَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّفَا فِي اللُّغَةِ: الْحِجَارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لا تُنِبْتُ شَيْئًا.
وَهُوَ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ: صَفَاةٌ.
وَصَفَا، مِثْلُ: حَصَاةٍ وَحَصَى.
وَالْمَرْوَةُ: الْحِجَارَةُ اللَّيِّنَةُ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، " أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِمَ سُمِّيَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: لأَنَّ آدَمَ لَمَّا حَجَّ رَقَا عَلَى الصَّفَا رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَقَدْ أَصْفَاهَا، وَقَامَتِ امْرَأَتُهُ حَوَّاءُ عَلَى الْمَرْوَةِ لِيَقْبَلَ تَوْبَتَهَا ".
فَصْلٌ
وَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَهُمَا فَسَيَأْتِي فِي قِصَّةِ زَمْزَمَ أَنَّ هَاجَرَ سَعَتْ بَيْنَهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلُ السَّعْيِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا: فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لا يَنُوبُ عَنْهُ الدَّمُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ.
فَصْلٌ
فَإِذَا أَرَادَ السَّعْيَ، بَدَأَ بِالصَّفَا، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَرَقَا وَيُكَبِّرَ ثَلاثًا، وَيَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ نَحْوَ سِتَّةٍ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحِذَاءِ دَارِ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصْعَدَ الْمَرْوَةَ، وَيَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا.
стр. 261
وَالْمَرْأَةُ تَمْشِي وَلا تَسْعَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَسْعَى إِلا مُتَطَهِّرًا مُسْتَتِرًا، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي السَّعْيِ كَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ.
وَالْمُوَالاةُ شَرْطٌ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَإِنْ قَطَعَ الْمُوَالاةَ لِحَاجَةٍ قَصِيرَةٍ فِي الْمُدَّةِ بَنَى، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ ابْتَدَأَ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنَّ الْمُوَالاةَ سُنَّةٌ.
стр. 262
بَابُ مَا يَصْنَعُ بَعْدَ السَّعْيِ
إِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ عَادَ إِلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا ثَلاثَ لَيَالٍ إِلا أَنْ يَخْتَارَ التَّعْجِيلَ فِي يَوْمَيْنِ، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلاثَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، كَمَا وَصَفْنَا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الأُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُ الْجَمَرَاتِ مِنْ مَكَّةَ وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَرْمِيهَا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إِلَى مَوْضِعٍ لا يُصِيبُهُ الْحَصَى، وَيَقِفُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَدْعُو اللَّهَ ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَقِفُ وَيَدْعُو كَمَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا.
فَصْلٌ
وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
فَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً فَفِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ: يَلْزَمُهُ دَمٌ.
وَالثَّانِيَةُ: مُدٌّ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلاثَةٍ دَمٌ.
الثَّالِثَةُ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وَالرَّابِعَةُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ لَيْلَةً وَاحِدَةً: فَفِيهَا الرِّوَايَاتُ الأَرْبَعُ.
وَجُوِّزَ لأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَرُعَاةِ الإِبِلِ أَنْ يَدَعُوا الْمَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى، وَأَنْ يَرْمُوا فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ أَقَامُوا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَ الرُّعَاةَ الْبَيْتُوتَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ أَهْلَ السِّقَايَةِ.
وَمَنْ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ دَفَنَ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْحَصَى، فَإِنْ أَقَامَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَتْهُ الْبَيْتُوتَةُ مِنَ الْغَدِ.
وَإِذَا نَفَرَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الأَبْطَحَ، وَهُوَ الْمُحَصَّبُ، وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ يَهْجَعُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
стр. 263
بَابُ ذِكْرِ زَمْزَمَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ عِيسَى، أَنْبَأنَا الدَّاوُدِيُّ، أَنْبَأَنَا السَّرْخَسِيُّ، أَنْبَأنَا الْفَرَبْرِيُّ، أَنْبَأنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: " جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ زَرْعٌ لأَحَدٍ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَشَنًا فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَا مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلا شَيْءَ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.
فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَتْ: إِذًا لا يُضَيِّعُنَا اللَّهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [البقرة: ٣٧] .
стр. 264
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى نَفِدَ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ فَاسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ، هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَانْهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا» .
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أُسْمِعْتُ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ غُوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ حَتَّى أَظْهَرَ الْمَاءَ، فَجَعَلَتْ تَحُوضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا ".
فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا.
فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتُ اللَّهِ ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ بَانَ فِيهِ مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا بِزَمْزَمَ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَمَّا فَاضَ زَمَّتْهُ هَاجَرُ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: وَزَمْزَمُ مِنْ قَوْلِكَ: زَمَمْتُ النَّاقَةَ، إِذَا جَعَلْتَ لَهَا زِمَامًا تَحْبِسُهَا بِهِ.
فَصْلٌ
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْرَ زَمْزَمَ دُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَوَلِيَ
стр. 265
سِقَايَةَ الْبَيْتِ وَرِفَادَتَهُ، فَأُتِيَ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ طَيْبَةَ.
قَالَ: وَمَا طَيْبَةُ؟ فَأُتِيَ فِي الْغَدِ، فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ بَرَّةَ، قَالَ: وَمَا بَرَّةُ؟ فَأُتِيَ مِنَ الْغَدِ، قِيلَ لَهُ: احْفُرِ الْمَضْنُونَةَ.
فَقَالَ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْفُرْ زَمْزَمَ.
قَالَ: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ: لا تُزَحُ وَلا تُذَمُّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ، وَهِيَ شَرَفٌ لَكَ وَلِوَلَدِكَ.
وَكَالْغُرَابِ الأَعْصَمِ، لا يَبْرَحُ عِنْدَ الذَّبَائِحِ، مَكَانَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ.
فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِمِعْوَلِهِ وَمِسْحَاةٍ، وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَجَعَلَ يَحْفُرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى بَدَا لَهُ الطُّوَى، فَكَبَّرَ، وَقَالَ: هَذَا طُوَى إِسْمَاعِيلَ.
فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: أَشْرِكْنَا فِيهِ.
فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ دُونِكُمْ، فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إِلَيْهِ.
فَقَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ، فَخَرَجُوا إِلَيْهَا، فَعَطِشُوا فِي الطَّرِيقِ حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْمَوْتِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا الْعَجْزُ، أَلا نَضْرِبُ فِي الأَرْضِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً، فَارْتَحَلُوا، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا انْبَعَثَت بِهِ انْفَجَرَ تَحْتَ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَشَرِبُوا جَمِيعًا، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ قَضَى لَكَ عَلَيْنَا الَّذِي سَقَاكَ، فَوَاللَّهِ لا نُخَاصِمُكَ فِيهَا أَبَدًا، فَرَجَعُوا وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ
стр. 266
بَابُ فَضْلِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» .
وَقَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا هَاهُنَا مِنْ بَيْنِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَيَوْمٍ.
قَالَ: «مَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قَالَ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ.
فَقَالَ ﵇: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» .
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «التَّضَلُّعُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» .
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ، أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا
стр. 267
عِلْمًا نَافَعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟ فَعِنْدَ الأَكْثَرِينَ لا يُكْرَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ، وَالأُخْرَى: يُكْرَهُ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ ﵁: «لا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، لَكِنْ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ»
قَرَأَ عَلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا ابْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ الأَرْغِيَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ مِنْ هَرَاةَ، يُكَنَّى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، شَيْخُ صِدْقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ وَقَدْ سَدَلَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَتَى الْبِئْرَ، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا سُوَيْقُ لَوْزٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَجَلَسْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ، فَنَزَعَ بِالدَّلْوِ فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا، فَإِذَا مَاءٌ مَضْرُوبٌ بِعَسَلٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ فِي السَّحَرِ، فَإِذَا الشَّيْخُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِ زَمْزَمَ، فَأَتَى الْبِئْرَ، فَنَزَعَ الدَّلْوَ، فَشَرِبَ، فَأَخَذْتُ فَضْلَتَهُ فَشَرِبْتُهَا فَإِذَا سُكَّرٌ مَضْرُوبٌ بِلَبَنٍ لَمْ أَذُقْ قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ طَرَفَ مِلَحَفَتِهِ فَلَفَفْتُهَا عَلَى يَدِي، فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ، بِحَقِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ عَلَيْكَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: تَكْتُمُ عَلَيَّ؟
стр. 268
قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: حَتَّى أَمُوتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ.
أَنْبَأنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ الضَّرَّابُ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثِ زَمْزَمَ «إِنَّهَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» .
فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَلَيْسَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا الَّذِي حَدَّثْتَنَا فِي زَمْزَمَ «إِنَّهُ لِمَا شُرِبَ لَهُ» ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَإِنِّي قَدْ شَرِبْتُ الآنَ دَلْوًا مِنْ زَمْزَمَ عَلَى أَنَّكَ تُحَدِّثُنِي بِمِائَةِ حَدِيثٍ.
فَقَالَ سُفْيَانُ: اقْعُدْ، فَحَدَّثَهُ بِمِائَةِ حَدِيثٍ
стр. 269
بَابُ ذِكْرِ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ
وَهَذَا قَدْ يَشْكُلُ فَلْنَشْرَحْهُ: كَانَ أَصْلُ السِّقَايَةِ حِيَاضًا مِنْ أَدَمٍ تُوضَعُ عَلَى عَهْدِ قُصَيٍّ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَيُسْقَى فِيهَا الْمَاءُ لِلْحَاجِّ، وَالرِّفَادَةُ: خَرْجٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُخْرِجُهُ مِنْ أَمْوَالِهَا إِلَى قُصَيٍّ، يَصْنَعُ بِهَا طَعَامًا لِلْحَاجِّ، يَأْكُلُهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَعَةٌ؛ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ اسْتَوْلَى عَلَى الْحَرَمِ، وَجَمَعَ بَنِي كِنَانَةَ، وَقَالَ: أَرَى أَنْ تَجْتَمِعُوا فِي الْحَرَمِ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ خَرَجُوا عَنِ الْحَرَمِ لا يَسْتَحِلُّونُ أَنْ يَبِيتُوا فِيهِ، وَقَالُوا: هَذَا عَظِيمٌ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَخْرُجُ عَنْهُ، فَثَبَتَ فِيهِ مَعَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَوْسِمُ، قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ، وَأَهْلُ حَرَمِهِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ زُوَّارُ اللَّهِ وَأَضْيَافُهُ، فَتَرَفَّدُوا، وَاجْعَلُوا طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ حَتَّى يَصْدُرُوا، وَلَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ ذَلِكَ لَقُمْتُ بِهِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ مِنْ أَمْوَالِهَا، فَجَمَعَ ذَلِكَ، وَنَحَرَ عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ جَزُورًا، وَنَحَرَ بِمَكَّةَ جُزُرًا كَثِيرَةً، وَأَطْعَمَ النَّاسَ، وَسَقَى اللَّبَنَ الْمَحْضَ، وَالْمَاءَ، وَالزَّبِيبَ، وَكَانَ قُصَيٌّ يَحْمِلُ رَجْلَ الْحَاجِّ، وَيَكْسُو عَارِيَهُمْ، وَمَازَالَ ذَلِكَ الأَمْرُ حَتَّى قَامَ بِهِ هَاشِمٌ، ثُمَّ أَخُوهُ الْمُطَّلِبُ، ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ قَامَ بِهِ الْعَبَّاسُ ﵁.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، أَنْبَأنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ دُحَيْمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَرَزَةَ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ،
стр. 270
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ لَيَالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ إِلا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لأَجْلِ سِقَايَتِهِ»
وَرَوَى ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَطْعَمَ الْحَاجَّ الْفَالَوْذَجَ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَفَدَ ابْنُ جُدْعَانَ عَلَى كِسْرَى فَأَكَلَ عِنْدَهُ الْفَالَوْذَجَ، فَسَأَلَ عَنْهُ.
فَقَالُوا: لُبَابُ الْبُرِّ مَعَ الْعَسَلِ، فَقَالَ: ابْغُونِي غُلامًا يَصْنَعُهُ، فَأَتَوْهُ بِغُلامٍ، فَابْتَاعَهُ، وَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ وَأَمَرَهُ فَصَنَعَهُ لِلْحَاجِّ، وَوَضَعَ الْمَوَائِدَ مِنَ الأَبْطَحِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِ: أَلا مَنْ أَرَادَ الْفَالَوْذَجَ فَلْيَحْضُرْ، فَحَضَرَ النَّاسُ.
وَمَازَالَ إِطْعَامُ الْحَاجِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الإِسْلامِ، وَكَانَتِ الْخُلَفَاءُ تُقِيمُهُ وَلا يُكَلِّفُونَ أَحَدًا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اشْتَرَى دَارًا بِمَكَّةَ، وَسَمَّاهَا دَارَ الْمَرَاجِلِ، وَجَعَلَ فِيهَا قُدُورًا، وَرَسَمَ لَهَا مِنْ مَالِهِ، وَكَانَتِ الْجُزُرُ وَالْغَنَمُ تُنْحَرُ وَتُطْبَخُ فِيهَا، وَيُطْعَمُ الْحَاجُّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي أَفْرَادِهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى النَّاسَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ
стр. 271
إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْقِنِي.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ.
فَقَالَ: اسْقِنِي.
فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ، وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ يَعْنِي عَاتِقَهُ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزَعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» .
стр. 272
بَابُ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ
أَصْلُ الْعُمْرَةِ وَالاعْتِمَارِ: الزِّيَارَةُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُمْرَةِ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَنْصُورِ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: هِيَ سُنَّةٌ.
وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمِنَ النَّقْلِ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي مَجِيءِ جِبْرِيلَ ﵇، وَسُؤَالِهِ النَّبِيَّ ﷺ : مَا الإِسْلامُ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَعْتَمِرَ» .
ذَكَرَ الْجَوْزَجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ: «وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَعْتَمِرَ» .
فَصْلٌ
وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَوَاجِبَاتُهَا: الْحِلاقُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا سُنَنُهَا: فَالْغُسْلُ لِلإِحْرَامِ، وَالأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.
فَمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ خَرَجَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى، وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَقَدْ حَلَّ.
فَإِنْ فَعَلَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ شَيْئًا قَبْلَ الْحِلاقِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
فَإِنْ تَرَكَ الْحِلاقَ وَالتَّقْصِيرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
стр. 273
بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، وَسَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالا: أَنْبَأنَا ابْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنَا الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ، قَالَ: أَرَادَتْ أُمِّي الْحَجَّ، فَكَانَ جَمَلُهَا أَعْجَفَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً»
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: أَنْبَأنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ السُّكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: حَجَّ أَبُو طَلْحَةَ وَابْنُهُ، وَتَرَكَانِي.
فَقَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عُمَرْةٌ فِي رَمَضَانَ تُجْزِيكِ عَنْ حَجَّةٍ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ فِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً» ، أَوْ قَالَ: «حَجَّةً مَعِي»
стр. 274
بَابٌ أَسْوَاقُ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُقَامُ فِي الْمَوْسِمِ
كَانَ لِلْعَرَبِ أَسْوَاقٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْظَمُهَا وَأَكْثَرُهَا جَمْعًا سُوقُ عُكَاظٍ، وَكَانَ كِسْرَى يَبْعَثُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالسَّيْفِ الْقَاطِعِ، وَالْفَرَسِ الرَّائِعِ، وَالْحُلَّةِ الْفَاخِرَةِ، فَتُعْرَضُ فِي ذَلِكَ السُّوقِ، وَيُنَادِي مُنَادِيهِ: إِنَّ هَذَا بَعَثَهُ الْمَلِكُ إِلَى سَيِّدِ الْعَرَبِ، فَلا يَأْخُذُهُ إِلا مِنْ أَذْعَنَتْ لَهُ الْعَرَبُ بِالسُّؤْدُدِ، فَكَانَ آخِرُ مَنْ أَخَذَهُ بِعُكَاظٍ: حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَكَانَ كِسْرَى يُرِيدُ بِذَلِكَ مَعْرِفَةَ سَادَاتِهِمْ، لِيَعْتَمِدَ عَلَيْهِمْ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ، فَيَكُونُونَ عَوْنًا لَهُ عَلَى إِعْزَازِ مُلْكِهِ، وَحِمَايَتِهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ إِلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَبَيْنَهُمَا قُرْبٌ، فَيُقِيمُونَ بِهِ إِلَى آخَرِ التَّرْوِيَةِ.
стр. 275
أَبْوَابٌ فِيهَا نُبَذٌ مِمَّا كَانَ يَجْرِي لِلْعَرَبِ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ بِعُكَاظٍ وَغَيْرِهَا
بَابٌ خُطَبُ الْفُصَحَاءِ بِمَكَّةَ
خُطْبَةُ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍ بِعُكَاظٍ
رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍ، كَانَ يَقِفُ بِعُكَاظٍ فِي الْمَوْسِمِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاسْمَعُوا وَافْهَمُوا وَتَعَلَّمُوا، اللَّيْلُ سَاجٍ، وَالنَّهَارُ وَهَّاجٌ، وَالأَرْضُ مِهَادٌ، وَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ، وَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَالنُّجُومُ أَعْلامٌ، صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ، وَثَمِّرُوا أَمْوَالَكُمْ، وَالدَّارُ أَمَامَكُمْ، وَالظَّنُّ عَيْنُ مَا تَقُولُونَ، زَيِّنُوا حَرَمَكُمْ، وَعَظِّمُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، ثُمَّ يَقُولُ:
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ نَجْوِي لِدَعْوَتِهِ ... خَيْرُ الْعَشِيرَةِ يَأْتِي الْحَقَّ خَذْلانَا
ثُمَّ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ ذَا سَمْعٍ وَذَا بَصَرٍ، لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ، وَلأَرْقَلْتُ إِرْقَالَ الْفَحْلِ فَرَحًا بِدَعْوَتِهِ.
стр. 276
خُطْبَةُ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ بِسُوقِ عُكَاظٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الزَّوْزَنِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو يَعْلَى الْفَرَّاءُ، أَنْبَأنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانٍ السَّمْتِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَعْرِفُ الْقُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الإِيَادِيَّ؟» فَقَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «فَمَا فَعَلَ؟» قَالُوا: هَلَكَ.
قَالَ: " مَا أَنْسَاهُ بِعُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ أَوْرَقَ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لا تَغُورُ، أَقْسَمَ قُسٌّ
стр. 277
قَسَمًا حَقًّا، لَئِنْ كَانَ فِي الأَمْرِ رِضًى لَيَكُونَنَّ سُخْطٌ، إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ وَلا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا فَأَقَامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟ " ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ؟» فَأَنْشَدُوهُ:
فِي الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ ... يَهِبْنَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الأَصَاغِرُ وَالأَكَابِرْ
لا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ ... وَلا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ لا مَحَالَةَ أَنِّي ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
قَوْلُهُ: إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَبَيَّنَ أَنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَرًا غَيْرَ مَا يَعْلَمُونَ، وَالْعِبْرَةُ تَعَرُّفُ مَا بَطَنَ بِمَا ظَهَرَ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِكَ: عَبَرْتُ النَّهْرَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُسٍّ: «إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ»
стр. 278
خُطْبَةُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَظَرْتُ إِلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ لَعَبَدْتُكَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ وَلَكِنْ لا أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ:
إِنِّي نَصَحْتُ لأَقْوَامٍ وَقُلْتُ لَهُمْ ... أَنَا النَّذِيرُ فَلا يَغْرُرْكُمْ أَحَدُ
لا تَعْبُدُونَ إِلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ ... وَإِنْ سُئِلْتُمْ فَقُولُوا مَا لَهُ أَحَدُ
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ ... مِنْ قَبْلِ مَا شَجَّ الْجُودِي وَالْجَمَدُ
لا شَيْءَ فِيمَا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الإِلَهُ وَيُودَى الْمَالُ وَالْوَلَدُ
لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ ... وَالْخُلْدُ قَدْ حَاوَلَ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا
وَلا سُلَيْمَانُ إِذْ دَانَ الشُّعُوبُ لَهُ ... وَالإِنْسُ وَالْجِنُّ يَجْرِي بَيْنَهَا الْبُرَدُ
مُسَخَّرًا دُونَ أَسْبَابِ السَّمَاءِ لَهُ ... فَلا يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدُ
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ لَخْمٍ قُتِلَ، فَرَثَاهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، فَقَالَ:
رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا ... تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيَا
دُعَاؤُكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ ... وَتَرْكُكَ أَوْثَانَ الْجِبَالِ كَمَا هِيَا
وَقَدْ تُدْرِكُ الإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الأَرْضِ سِتِّينَ وَادِيَا
стр. 279
بَابٌ ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ خُطَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ
الْخُطْبَةُ الأُولَى: يَوْمَ الْفَتْحِ
لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ خَطَبَ النَّاسَ، فَرَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِالْمِحْجَنِ فِي يَدِهِ، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِهَا وَقَدِ اسْتَكَفَّ لَهُ النَّاسُ، فَقَامَ قَائِمًا عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلا كُلُّ مَأْثَرَةٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ دَمٍ يُدَّعَى فَهُو تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ، أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَأِ وَشِبْهَ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» .
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] إِلَى آخَرِهَا.
ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» .
ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : «أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ؟»
стр. 280
فَدُعِيَ بِهِ، فَقَالَ: «هَاكَ مِفْتَاحَكَ» .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ
رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ عَدْتُ خُزَاعَةَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلُوهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، وَلَمْ تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ مِنْ قَبْلِي، وَلا لأَحَدٍ يَكُونُ مِنْ بَعْدِي، وَلَمْ تَجُزْ لِي إِلا قَدْرُ سَاعَةٍ غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا، ثُمَّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءُوا فَدَمُ قَاتِلِهِمْ، وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُهُ» ، ثُمَّ وَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
стр. 281
الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ غَدًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حِينَ تَعْتَمُّ بِهَا رُءُوسُ الْجِبَالِ، وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِهَا، هَدْيُنَا مُخَالِفُ هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ» .
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ، فَخَالَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ".
الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا
رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، كُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكُمْ
стр. 282
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنْه لا رِبَا، وَأَنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وَأَنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ.
أَمَّا بَعْدُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .
ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لا يَمْلِكْنَ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلَمَةِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَاعْقِلُوا تَعِيشُوا، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلا تَظْلِمُوا وَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بلغت ".
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْضَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
стр. 283
الْخُطْبَةُ الْخَامِسَةُ: بِعَرَفَةَ أَيْضًا
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَاتٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي سَنَتِكُمْ هَذِهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ نَصَحْتُهُمْ وَأَبْلَغْتُهُمْ كَمَا عَهِدْتَ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِيهِمْ» .
الْخُطْبَةُ السَّادِسَةُ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ ، قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ الأَضْحَى: «أَلَيْسَ هَذَا الْيَوْمُ حَرَامٌ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «فَإِنَّ حُرْمَتَكُمْ بَيْنَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ، ثُمَّ أُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمِ؟ مَنْ سَلِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُؤْمِنُ؟ مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُهَاجِرُ؟ الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَهَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
وَالْمُؤْمِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ، لَحْمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَحْرِقَهُ، وَوَجْهُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَلْطِمَهُ، وَدَمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَسْفِكَهُ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّيهِ» .
стр. 284
الْخُطْبَةُ السَّابِعَةُ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَلْحَةَ، أَنْبَأنَا أَبُو عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نُصْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَ: " يَأَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرِبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، أَلا لا فَضْلَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى، أَلا قَدْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ "
الْخُطْبَةُ الثَّامِنَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا
أَخْبَرَنَا الْكَرْخِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، أَنْبَأنَا الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
стр. 285
بَابُ ذِكْرِ اجْتِمَاعِ الشُّعَرَاءِ بِسُوقِ عُكَاظٍ وَتَنَاشُدِهِمُ الأَشْعَارَ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ تُضْرَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ بِسُوقِ عُكَاظٍ، فَتَأْتِيهِ الشُّعَرَاءُ فَتَعْرِضُ عَلَيْهِ أَشْعَارَهَا، فَأَوَّلُ مَنْ أَنْشَدَهُ الأَعْشَى، ثُمَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الْخَنْسَاءُ أَبْيَاتَهَا الَّتِي تَقُولُ فِيهَا:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ أَنْشَدَنِي آنِفًا لَقُلْتُ إِنَّكِ أَشْعَرُ أَهْلِ زَمَانِكِ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
فَقَامَ حَسَّانٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، لأَنَا أَشْعَرُ مِنْهَا وَمِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ.
فَقَالَ لَهُ النَّابِغَةُ: حَيْثُ تَقُولُ مَاذَا؟ فَقَالَ حَسَّانٌ، حَيْثُ أَقُولُ:
لَنَا الَجَفَنَاتُ الْغُرُّ تَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرْنَ مِنْ مَجْدِهِ دَمَا
وُلِدْنَا بَيْنَ الْعَيْقَاءِ وَابْنِ مَخْرَقٍ ... فَأَكْرِمْ بِنَا خَالا وَأَكْرِمْ بِنَا أُمَّا
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ قُلْتَ: لَنَا الْجَفَنَاتُ، فَقَلَّلْتَ عَدَدَكَ، وَقُلْتَ: يَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى، وَلَوْ قُلْتَ فِي الدُّجَا لَكَانَ فَخْرًا؛ لأَنَّ الضِّيفَانَ يَكْثُرْنَ بِاللَّيْلِ، وَقَلَّلْتَ عَدَدَ أَسْيَافِكَ فَقُلْتَ: يَقْطُرْنَ، وَلَوْ قُلْتَ: يَجْرِينَ لَكَانَ أَكْثَرَ لِلدِّمَاءِ، وَفَخَرْتَ بِمَنْ وَلَدَتْكَ، وَلَمْ تَفْخَرْ بِمَنْ وَلَدَكَ.
وَقَدْ كَانَ الزَّجَّاجُ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ: إِنَّ الأَلِفَ وَالتَّاءَ تَأْتِي لِلْكَثْرَةِ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] .
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وَقَالَ: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ [التوبة: ٧٢] .
следующие страницы →