Полный текст (465 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ غَدًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حِينَ تَعْتَمُّ بِهَا رُءُوسُ الْجِبَالِ، وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِهَا، هَدْيُنَا مُخَالِفُ هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ» .
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ، فَخَالَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ".
الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا
رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، كُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكُمْ
стр. 282
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنْه لا رِبَا، وَأَنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وَأَنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ.
أَمَّا بَعْدُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .
ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لا يَمْلِكْنَ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلَمَةِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَاعْقِلُوا تَعِيشُوا، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلا تَظْلِمُوا وَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بلغت ".
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْضَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
стр. 283
الْخُطْبَةُ الْخَامِسَةُ: بِعَرَفَةَ أَيْضًا
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَاتٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي سَنَتِكُمْ هَذِهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ نَصَحْتُهُمْ وَأَبْلَغْتُهُمْ كَمَا عَهِدْتَ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِيهِمْ» .
الْخُطْبَةُ السَّادِسَةُ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ ، قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ الأَضْحَى: «أَلَيْسَ هَذَا الْيَوْمُ حَرَامٌ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «فَإِنَّ حُرْمَتَكُمْ بَيْنَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ، ثُمَّ أُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمِ؟ مَنْ سَلِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُؤْمِنُ؟ مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُهَاجِرُ؟ الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَهَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
وَالْمُؤْمِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ، لَحْمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَحْرِقَهُ، وَوَجْهُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَلْطِمَهُ، وَدَمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَسْفِكَهُ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّيهِ» .
стр. 284
الْخُطْبَةُ السَّابِعَةُ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَلْحَةَ، أَنْبَأنَا أَبُو عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نُصْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَ: " يَأَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرِبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، أَلا لا فَضْلَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى، أَلا قَدْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ "
الْخُطْبَةُ الثَّامِنَةُ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا
أَخْبَرَنَا الْكَرْخِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، أَنْبَأنَا الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
стр. 285
بَابُ ذِكْرِ اجْتِمَاعِ الشُّعَرَاءِ بِسُوقِ عُكَاظٍ وَتَنَاشُدِهِمُ الأَشْعَارَ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ تُضْرَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ بِسُوقِ عُكَاظٍ، فَتَأْتِيهِ الشُّعَرَاءُ فَتَعْرِضُ عَلَيْهِ أَشْعَارَهَا، فَأَوَّلُ مَنْ أَنْشَدَهُ الأَعْشَى، ثُمَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ الْخَنْسَاءُ أَبْيَاتَهَا الَّتِي تَقُولُ فِيهَا:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ أَنْشَدَنِي آنِفًا لَقُلْتُ إِنَّكِ أَشْعَرُ أَهْلِ زَمَانِكِ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
فَقَامَ حَسَّانٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، لأَنَا أَشْعَرُ مِنْهَا وَمِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ.
فَقَالَ لَهُ النَّابِغَةُ: حَيْثُ تَقُولُ مَاذَا؟ فَقَالَ حَسَّانٌ، حَيْثُ أَقُولُ:
لَنَا الَجَفَنَاتُ الْغُرُّ تَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرْنَ مِنْ مَجْدِهِ دَمَا
وُلِدْنَا بَيْنَ الْعَيْقَاءِ وَابْنِ مَخْرَقٍ ... فَأَكْرِمْ بِنَا خَالا وَأَكْرِمْ بِنَا أُمَّا
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ قُلْتَ: لَنَا الْجَفَنَاتُ، فَقَلَّلْتَ عَدَدَكَ، وَقُلْتَ: يَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى، وَلَوْ قُلْتَ فِي الدُّجَا لَكَانَ فَخْرًا؛ لأَنَّ الضِّيفَانَ يَكْثُرْنَ بِاللَّيْلِ، وَقَلَّلْتَ عَدَدَ أَسْيَافِكَ فَقُلْتَ: يَقْطُرْنَ، وَلَوْ قُلْتَ: يَجْرِينَ لَكَانَ أَكْثَرَ لِلدِّمَاءِ، وَفَخَرْتَ بِمَنْ وَلَدَتْكَ، وَلَمْ تَفْخَرْ بِمَنْ وَلَدَكَ.
وَقَدْ كَانَ الزَّجَّاجُ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ: إِنَّ الأَلِفَ وَالتَّاءَ تَأْتِي لِلْكَثْرَةِ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] .
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وَقَالَ: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ [التوبة: ٧٢] .
стр. 286
بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَإِجَازَةَ الْحَاجِّ
، كَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ عَامِرُ بْنُ الظِّرِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْحِلْمِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
لَذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا ... وَمَا عُلِّمَ الإِنْسَانُ إِلا لِيَعْلَمَا
وَكَانَ لَهُ أَعْوَادٌ يَجْلِسُ عَلَيْهَا فَيَحْكُمُ بَيْنَ الْعَرَبِ، وَيَخْطُبُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ عَلَيْهَا، فَيَحُثُّ النَّاسَ عَلَى مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ، وَيُقَبِّحُ لَهُمُ الْعُذْرَ، وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحَلِفِ، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَضَى فِي الْخُنْثَى مِنْ حَيْثُ يَبُولُ، فَلَمَّا مَاتَ رَثَاهُ الأَسْوَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَوْ أَنَّ عِلْمِي نَافِعِي ... أَنَّ السَّبِيلَ سَبِيلُ ذِي الأَعْوَادِ
ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بَعْدَهُ ذَلِكَ بِعُكَاظٍ إِلا بِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَحْلَ السَّعْدِيُّ، فَقَالَ:
لَيَالِي سَعْدٍ فِي عُكَاظٍ يَسُوقُهَا لَهُ ... كُلُّ مَشْرِقٍ مِنْ عُكَاظٍ وَمَغْرِبِ
ثُمَّ اجْتَمَعَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ بِحَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، ثُمَّ وَلِيَهُ بَعْدَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ الأَضْبَطُ بْنُ فُرَيْعِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ، وَمَا زَالَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ نَشَبٌ، الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ.
стр. 287
بَابُ إِيثَارِ طَاعَةِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الأَمَاكِنِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْحَرَمَ وَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمَ الْوَفْدُ بِمَنْ حَلُّوا لاسْتَبْشَرُوا.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، أَنْبَأنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الشَّوَّاءَ، يَقُولُ: كُنْتُ مَعَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ الْعَابِدَةِ بِمِنًى، فَلَمَّا صِرْنَا عِنْدَ الْجِمَارِ، رَأَتِ النَّاسَ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: حَبِيبِي أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا وَتَرَكُوكَ، ثُمَّ صَاحَتْ وَسَقَطَتْ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَغَطَّيْتُهَا بِثَوْبِي، ثُمّ قُلْتُ لِلنَّاسِ: أَصَابَهَا شَيْءٌ وَأَوْهَمْتُهُمْ أَنَّ بِهَا عِلَّةً، ثُمَّ أَقَمْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَفَاقَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ إِبْرَاهِيمَ مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ؟ فَقَالَتْ: يَا بَطَّالُ، إِذَا كَانَ هُوَ يُقْسِمُ إِلَيْنَا فَلِمَنْ نَتَصَنَّعُ؟
стр. 288
بَابُ ذِكْرِ أَمَاكِنَ بِمَكَّةَ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلاةُ وَالدُّعَاءُ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا
الْمَكَانُ الأَوَّلُ: الْبَيْتُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَخَذَهُ حِينَ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ بِيَدِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى بَاعُوهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ، فَأَدْخَلَهُ فِي دَارِهِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْبَيْضَاءُ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِدَارِ ابْنِ يُوسُفَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَيْتُ فِي الدَّارِ حَتَّى حَجَّتِ الْخَيْزُرَانُ، جَارِيَةُ الْمَهْدِيِّ، فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ، وَأَخْرَجَتْهُ مِنَ الدَّارِ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: زُقَاقُ الْمَوْلِدِ.
الْمَكَانُ الثَّانِي: مَنْزِلُ خَدِيجَةَ ﵂، وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ، وَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ مُقِيمًا بِهِ حَتَّى هَاجَرَ، فَأَخَذَهُ عَقِيلٌ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَجَعَلَهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ، وَبَنَاهُ، وَفَتَحَ فِيهِ مُعَاوِيَةُ بَابًا مِنْ دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» .
الْمَكَانُ الثَّالِثُ: مَسْجِدٌ فِي دَارِ الأَرْقَمِ بن الأرقم، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: دَارُ الْخَيْزُرَانُ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَتِرًا فِيهِ فِي بِدَايَةِ الإِسْلامِ.
الْمَكَانُ الرَّابِعُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الرَّدْمِ، عِنْدَ بِئْرِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ.
стр. 289
الْمَكَانُ الْخَامِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْجِنِّ، وَهُوَ فِيمَا يُقَالُ مَوْضِعُ الْخَطِّ الَّذِي خَطَّهُ لابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ إِذٍ، وَيُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْبَيْعَةِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِنَّ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُنَالِكَ.
الْمَكَانُ السَّادِسُ: مَسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ، يُقَابِلُ مَسْجِدَ الْجِنِّ، يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا شَجَرَةً كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَتْ تَخُطُّ الأَرْضَ، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَرَجَعَتْ.
الْمَكَانُ السَّابِعُ: مَسْجِدٌ تُسَمِّيهِ أَهْلُ مَكَّةَ: مَسْجِدُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ لأَنَّهُ بَنَاهُ.
الْمَكَانُ الثَّامِنُ: مَسْجِدٌ عَنْ يَمِينِ الْمَوْقِفِ، يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْجِدِ عَرَفَةَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَامُ.
الْمَكَانُ التَّاسِعُ: مَسْجِدٌ بِمِنًى، يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْكَبْشِ، لأَنَّ الْكَبْشَ الَّذِي فَدَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَلَدَهُ نَزَلَ هُنَالِكَ.
الْمَكَانُ الْعَاشِرُ: مَسْجِدٌ بِأَجْيَادٍ، وَفِيهِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُتَّكَأُ، يُقَالُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّكَأَ هُنَالِكَ.
الْمَكَانُ الْحَادِي عَشَرَ: وَمَسْجِدٌ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مَسْجِدٌ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ وَلَيْسَ بِالْخَلِيلِ.
الْمَكَانُ الثَّانِي عَشَرَ: مِسْجِدٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ سُوقِ الْغَنَمِ، يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَايَعَ النَّاسَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ.
الْمَكَانُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَسْجِدُ الْعَقَبَةِ، حَيْثُ بَايَعَ الأَنْصَارُ.
الْمَكَانُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَسْجِدٌ بِذِي طُوَى، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْزِلُ هُنَالِكَ حِينَ يَعْتَمِرُ وَحِينَ يَحُجُّ، تَحْتَ سَمُرَةَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ، وَبَنَتْهُ زُبَيْدَةُ بَازِجٍ.
стр. 290
الْمَكَانُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ.
الْمَكَانُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَسْجِدُ التَّنْعِيمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: «عَمِّرْ أُخْتَكَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِذَا أَهْبَطْتَ بِهَا الأَكَمَةَ فَمُرْهَا فَلْتُحْرِمْ» .
الْمَكَانُ السَّابِعَ عَشَرَ: مِسْجِدٌ فِي جَبَلِ حِرَاءَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ.
الْمَكَانُ الثَّامِنَ عَشَرَ: مَسْجِدٌ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁.
стр. 291
بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَأُلْهِمَ الْخُرُوجَ لِمَصْلَحَةٍ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأُرْدِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ثمك بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلَّوْشَ الدَّيْنَوَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُزَنِيُّ، يَقُولُ: «كُنْتُ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ فَخَطَرَ لِي خَاطِرٌ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ يَنْزَعُ، فَشَهِقَ شَهْقَةً كَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، فَكَفَّنْتُهُ فِي أَطْمَارِهِ وَرَجَعْتُ»
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ نُودِيَ فِي سِرِّي: سِرْ إِلَى الرُّومِ.
فَقُلْتُ: يَا عَجَبًا، أَكُونُ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَأَتْرُكُهُ وَأَمْضِي إِلَى بِلادِ الرُّومِ، ثُمَّ هَمَمْتُ بِالطَّوَافِ فَلَمْ أَسْتَطِعْ، فَخَرَجْتُ إِلَى بِلادِ الرُّومِ، فَلَمَّا دَخَلْتُهَا سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ: بِنْتُ مَلِكِنَا قَدْ عُرِضَتْ عَلَى كُلِّ الأَطِبَاءِ فَمَا عَرَفُوا لَهَا دَوَاءً.
فَقُلْتُ: يَحْمِلُونِي إِلَيْهَا فَأَنَا غُلامُ الطَّبِيبِ، فَحُمِلْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ: مَرْحَبًا يَا خَوَّاصُ.
فَقُلْتُ: مَا لَكِ؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى الْبَارِحَةِ، فَإِنِّي نِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي عَرْشَ رَبِّي بَارِزًا، فَانْتَبَهْتُ كَمَا تَرَى، لا يَنْطَلِقُ لِسَانِي إِلا بِقَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَوْنِي هَكَذَا نَسَبُونِي إِلَى الْجُنُونِ.
فَقُلْتُ: لَعَلَّ اللَّهَ
стр. 292
يُخُلِّصُكِ مِنْهُمْ، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفْتِ اسْمِي؟ قَالَتْ: نُودِيتُ سَنَبْعَثُ لَكِ مِنْ تُسْلِمِينَ عَلَى يَدَيْهِ، وَأُلْهِمْتُ ذِكْرَكَ.
فَهَمَمْتُ بِالنُّهُوضِ، فَقَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إِلَى مَكَّةَ.
فَقَالَتْ: هَا هِيَ مَكَّةُ.
فَنَظَرْتُ، فَإِذَا مَكَّةَ، فَسِرْتُ قَلِيلا فَإِذَا أَنَا بِالْبَيْتِ.
بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ إِلا الْحَائِضَ، فَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ.
وَإِذَا طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَمْ يَقَرَّ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَقَامَ أَعَادَهُ.
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلْيَقِفْ فِي الْمُلْتَزَمِ وَلْيَدْعُ.
стр. 293
بَابُ ذِكْرِ الْمُلتَزَمِ
هُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَهُوَ مِقْدَارُ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَقُومُ عَبْدٌ ثُمَّ فيَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلا اسْتَجَابَ لَهُ.
! ٢١٦ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، قَالَ: " طُفْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْبَيْتِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مَطِيرَةً شَدِيدَةَ الظُّلْمَةِ، وَقَدْ خَلا الطَّوَافُ، فَوَقَفْتُ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ أَدْعُو وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي حَتَّى لا أَعْصِيَكَ.
فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ تَسْأَلُنِي أَنْ أَعْصِمَكَ، وَكُلُّ عِبَادِي يَسْأَلُونِي الْعِصْمَةَ، فَإِذَا عَصَمْتُهُمْ فَعَلَى مَنْ أَتَفَضَّلُ، وَلِمَنْ أَغْفِرُ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَبَقِيتُ لَيْلَتِي إِلَى الصَّبَاحِ مُسْتَغْفِرًا لِلَّهِ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ تَعَالَى "
فَصْلٌ
وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَاءِ الطَّائِفِ لِلْوَدَاعِ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًى، وَإِلا فَمِنَ الآنِ قَبْلَ أَنْ يَنْأَى عَنْ
стр. 294
بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ أَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِنْ شَاءَ زَادَ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، لَدَى جَمِيعِ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ مَا عَلِمْتُ مِنْهُمْ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ.
ثُمَّ قَفَلَ إِلَى بَلَدِهِ فَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَذَهَبَ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَنُودِيَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتْعَبْتَ الْحَفَظَةَ مِنْ عَامِ أَوَّلَ إِلَى الآنَ فَمَا فَرَغُوا مِمَّا قُلْتَ.
стр. 295
بَابُ ذِكْرِ أَمَاكِنَ بِمَكَّةَ وَمَا وَالاهَا وَقَرُبَ مِنْهَا
مِثْلُ الْحَجُونِ، وَالْمُحَصَّبِ، وَالْحِجَازِ، وَنَجْدَ ذَكَرَهَا الشُّعَرَاءُ فِي أَشْعَارِهِمْ فَأَطْرَبَ ذِكْرُهَا السَّامِعَ قَالَ بَعْضُهُمْ:
قِفَا وَدِّعَا نَجْدًا وَمَنْ حَلَّ بِالْحِمَى ... وَقَلَّ لِنَجْدٍ عِنْدَنَا أَنْ يَوَدَّعَا
وَلَيْسَ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... عَلَيْكَ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي ... عَلَى كَبِدِي مِنْ خَشْيَةِ أَنْ تَصَدَّعَا
وَقَالَتِ امْرَأَةٌ:
فَمَا وَجْدُ أَعْرَابِيَّةٍ قَذَفَتْ بِهَا صُرُوفُ ... النَّوَى مِنْ حَيْثُ لَمْ تَكُ ظَنَّتِ
تَمَنَّتْ أَحَالِيبَ الرِّعَاءِ وَخَيْمَةً ... بِنَجْدٍ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهَا مَا تَمَنَّتِ
إِذَا ذَكَرَتْ نَجْدًا وَطِيبَ تُرَابِهِ ... وَبَرْدَ حَصَاهُ آخِرَ اللَّيْلِ حَنَّتِ
بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْدِ بَرِيَا وَجَدْتُهُ ... غَدَاةَ غَدَتْ أَظْعَانُهُمْ فَاسْتَقَلَّتِ
وَقَالَ جَمِيلٌ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذًا لَسَعِيدُ
стр. 296
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ: أَنْشَدَنِي أَبِي:
هَيَّجَتْنِي إِلَى الْحَجُونِ شُجُونُ ... لَيْتَهُ قَدْ بَدَا لِعَيْنَيَّ الْحَجُونُ
حَلَّ فِي الْقَلْبِ سَاكِنُوهُ مَحَلا ... مِنْ فُؤَادِي يَحِلُّ فِيهِ الْمَكِينُ
كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ ... وَدَاءُ الْحُبِّ دَاءٌ دَفِينُ
لَيْتَ شِعْرِي عَمَّنْ أُحِبُّ يُمْسِي ... عِنْدَ ذُرًى لِمَا يَكُونُ أَكُونُ
وَلِقَيْسٍ الْمَجْنُونِ:
أَلا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ ... وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ عَوَارِضَتِي قَنًا ... بِطُولِ اللَّيَالِي هَلْ تَغَيَّرَتَا بَعْدِي
وَعَنْ جَارَتَيْنَا بِالأَثِيلِ إِلَى الْحِمَى ... عَلَى عَهْدِنَا أَمْ لَمْ تَدُومَا عَلَى الْعَهْدِ
وَعَنْ أُقْحُوَانَ الرَّمْلِ مَا هُوَ صَانِعٌ ... إِذَا هُوَ يُثَوَّى لَيْلَةً بِثَرَى نَجْدِ
وَقَالَ كَثِيرٌ:
وَقَدْ حَلَّفْتُ نَجْدًا بِمَا نَحَرَتْ لَهُ ... قُرَيْشٌ غَدَاةَ الْمَأْزَمَيْنِ وَصَلَتْ
وَكَانَتْ لِقَطْعِ الْحَبْلِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... كَنَاذِرَةٍ نَذْرًا فَأَوْفَتْ وَحَلَّتْ
فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ... إِذَا وَطَّنْتُ يَوْمًا لَهَا النَّفْسَ ذَلَّتْ
وَلابْنِ الدُّمَيْنَةَ:
أَلا يَا صَبَا نَجْدٍ مَتَى هِجْتَ مِنْ نَجْدِ ... لَقَدْ زَادَنِي مَسْرَاكَ وَجْدًا عَلَى وَجْدِ
стр. 297
أَإِنْ هَتَفَتْ وَرْقَاءُ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى ... عَلَى فَنَنٍ غَضِّ النِّبَاقِ مِنَ الرَّنْدِ
بَكَيْتَ كَمَا يَبْكِي الْوَلِيدُ وَلَمْ يَكُنْ جَلِيدًا ... وَأَبْدَيْتَ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تُبْدِي
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُحِبَّ إِذَا دَنَى ... يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يُشْفِي مِنَ الْوَجْدِ
بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يُشْفَ مَا بِنَا ... عَلَى أَّنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ
وَلِلرَّضِيِّ:
يَا قُلْبُ مَا أَنْتَ مِنْ نَجْدٍ وَسَاكِنِهِ ... خَلَّفْتَ نَجْدًا وَرَاءَ الْمُدْلَجِ السَّارِي
أَهْفُو إِلَى الرَّكْبِ تَعْلُو لِي رَكَائِبُهُمْ ... مِنَ الْحِمَى فِي أُسَيْحَاقٍ وَأَطْمَارِ
تَفُوحُ أَرْوَاحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيَابِهِمْ ... عِنْدَ النُّزُولِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالدَّارِ
يَا رَاكِبَانِ قِفَا لِي وَاقْضِيَا وَطَرِي ... وَخَبِّرَانِي عَنْ نَجْدٍ بِأَخْبَارِ
هَلْ رُوِّضَتْ قَاعَةُ الْوَعْسَاءِ أَمْ مُطِرَتْ ... دَارِي وَسُمَّارُ ذَاكَ الْحَيِّ سُمَّارِي
فَلَمْ يَزَالا إِلَى أَنْ نَمَّ بِي نَفْسِي ... وَحَدَّثَ الرَّكْبَ عَنِّي دَمْعِيَ الْجَارِي
стр. 298
وَلَهُ:
فَيَا بَانَتَيْ بَطْنِ الْعَقِيقِ سُقَيْتُمَا ... بِمَاءِ الْغَوَادِي بَعْدَ مَاءِ شُؤونِ
أُحِبُّكُمَا وَالْمُسْتَجَنُّ بِطَيْبَةَ ... مَحَبَّةَ ذُخْرٍ بَاتَ عِنْدَ ضَنِينِ
وَلابْنِ حَيُّوسٍ:
أَسُكَّانُ نَعْمَانَ إِنَّ الأَرَاكَ تَيَقَّنُوا ... بِأَنَّكُمْ فِي رَبْعِ قَلْبِي سُكَّانُ
وَدُومُوا عَلَى حُسْنِ الْوِدَادِ فَإِنَّنِي ... بُلِيتُ بِأَقْوَامٍ إِذَا حَفِظُوا خَانُوا
سَلُوا اللَّيْلَ عَنِّي مُذْ نَأَتْ بِي دِيَارُكُمْ ... هَلِ اكْتَحَلَتْ بِالنَّوْمِ لِي فِيهِ أَجْفَانُ
وَهَلْ جُرِّدَتْ أَسْيَافُ بَرْقِ دِيَارِكُمْ ... فَكَانَ لَهَا إِلا جُفُونِيَ أَجْفَانُ
وَلِمِهْيَارٍ:
وَإِذَا هَبَّتْ صَبَا أَرْضِكُمْ ... حَمَلَتْ تُرْبَ الْغَضَا بَانًا وَرِنْدَا
لامَ فِي نَجْدٍ وَمَا اسْتَنْصَحْنَهُ ... بَابِلِيٌّ لا أَرَاهُ اللَّهُ نَجْدَا
رُدَّ لِي يَوْمًا عَلَى وَادِي مِنًى ... إِنْ قَضَى اللَّهُ لأَمْرٍ فَاتَ رَدَّا
عَجَبًا لِي كَيْفَ أَبْقَى بَعْدَهُمْ ... غَيْرَ أَنْ قَدْ خُلِقَ الإِنْسَانُ جَلْدَا
وَلِمِهْيَارٍ:
مِنْ نَاظِرٍ لِي بَيْنَ سَلْعٍ وَقِبَا ... كَيْفَ أَضَاءَ الْبَرْقُ أَمْ كَيْفَ خَبَا؟
نَبَّهَنِي وَمِيضُهُ وَلَمْ تَنَمْ ... عَيْنِي وَلَكِنْ رَدَّ عَقْلا عَزْبَا
стр. 299
قَرَّتْ لَهُ بَنَاتُ قَلْبِي خَافِقًا ... وَاسْتَبْرَدَتْهُ أَضْلُعِي مُلْتَهِبَا
يَا لَبَعِيدٍ مِنْ مِنًى دَنَا بِهِ ... يُوهِمُنِي الصِّدْقَ بُرِيقٌ كَذِبَا
وَلَنَسِيمُ سَحَرٍ بِحَاجِرٍ ... رَدَّتْ بِهِ عَهْدَ الصِّبَا رِيحُ الصَّبَا
أُلَيَّةٌ، مَا فَتَحَ الْعَطَّارُ عَنْ ... أَعْبَقَ مِنْهُ نَفْسًا وَأَطْيَبَا
سَلْ مَنْ يَدُلُّ النَّاشِدِينَ بِالْغَضَا ... عَلَى الطَّرِيدِ وَيَرُدُّ السَّلَبَا؟
أَرَاجِعٌ لِي؟ وَالْمُنَى هَلْهَلَةٌ ... فَطَالِعٌ نَجْمُ زَّمَانِ غَرْبَا
وَطَوْفَةٌ بَيْنَ الْقِبَابِ بِمِنًى ... لا خَائِفًا عَيْنًا وَلا مُرْتَقِبَا
وَلَهُ:
يَا صَبَا نَجْدٍ وَيَا بَانَ الْغَضَا ... ارْفُقَا بِي فِي التَّثَنِّي وَالْهُبُوبِ
وَاسْلَمَا، لا مِثْلَ مَا طَاحَ دَمِي ... مِنْكُمَا بَيْنَ نَسِيمٍ وَقَضِيبِ
فَفُؤَادِي يَشْتَكِي جَوْرَ النَّوَى ... وَعِذَارِي يَشْتَكِي جَوْرَ الْمَشِيبِ
أَلُقْيَكُمْ وَالْهَوَى يَقْدُمُ بِي ... وَأَغُضُّ الطَّرْفَ وَالدَّمْعُ يَشِي بِي
لا يَكُنْ آخِرُ عَهْدِي بِكُمُ ... يَا وُلاةَ الْقَلْبِ لَيْلاتِ الْقَلِيبِ
وَلَهُ:
هَبَّتْ بِأَشْوَاقِكَ نَجْدِيَّةٌ ... مُطْمَعَةٌ، أَنْتَ لَهَا وَاجِبُ؟
مَا أَنْتَ يَا قَلْبِي وَأَهْلَ الْحِمَى ... وَإِنَّمَا هُمْ أَمْسَكَ الذَّاهِبُ
فَأَرْدُدُ عَلَى الرِّيحِ أَحَادِيثَهَا ... فَفِي صِبَاهَا نَاقِلٌ كَاذِبُ
وَدُونَ نَجْدٍ وَظِبَاءِ الْحِمَى ... أَنْ يُقْرَعَ الْمَنْسَمُ وَالْغَارِبُ
وَلَهُ:
وَبِجَرْعَاءِ الْحِمَى قَلْبِي فَعُجْ ... بِالْحِمَى وَاقْرَأْ عَلَى قَلْبِي السَّلامَا
وَتَرَجَّلْ فَتَحَدَّثْ عَجَبًا ... إِنَّ قَلْبًا سَارَ عَنْ جِسْمٍ أَقَامَا
قُلْ لِجِيرَانِ الْغَضَا: آهٍ عَلَى ... طِيبِ عَيْشٍ بِالْغَضَا لَوْ كَانَ دَامَا
стр. 300
حَمِّلُوا رِيحَ الصَّبَا نَشْرَكُمُ ... قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ شِيحًا وَثُمَامَا
وَابْعَثُوا أَشْبَاحَكُمْ لِي فِي الْكَرَى ... إِنْ أَذِنْتُمْ لِجُفُونِي أَنْ تَنَامَا
وَلَهُ:
تَظُنُّ لَيَالِينَا عَوَّدَا ... عَلَى الْعَهْدِ مَنْ تُرَى تَهَمَّدَا
وَيَا صَاحِبَيَّ، أَيْنَ وَجْهُ الصَّبَاحِ؟ ... وَأَيْنَ غَدٌ؟ صِفْ لِعَيْنِي غَدَا
أَسَدُّوا مَسَارِحَ لَيْلِ الْغَرَامِ ... أَمْ صَبَغُوا فَجْرَهُ أَسْوَدَا
وَخَلَّفَ الضُّلُوعَ زَفِيرُ أَبِي ... وَقَدْ بَرَّدَ اللَّيْلُ أَنْ يُبَرَّدَا
خَلِيلَيَّ، لِي حَاجَةٌ مَا أَخَفَّ ... بِرَامَةٍ لَوْ حُمِّلَتْ مُسْعِدَا
أُرِيدُ لأَكْتُمَ وَابْنُ الأَرَاكِ ... يَفْضَحُهَا كُلَّمَا غَرَّدَا
أُحِبُّ وَإِنْ أَخْصَبَ الْحَاضِرُونَ ... بِبَادِيَةِ الرَّمْلِ أَنْ أَخْلُدَا
أَرَى كَبِدِي قُسِمَتْ شُعْبَتَيْنِ ... مَعَ الشَّوْقِ غُوِّرَ أَوْ أَنْجُدَا
وَلَهُ:
يَا طَرَبًا لِنَفْحَةٍ نَجْدِيَّةٍ ... أَعْدِلُ حَرَّ الْقَلْبِ بِاسْتِبْرَادِهَا
وَمَا الصَّبَا رِيحِي لَوْلا أَنَّهَا ... إِذَا جَرَّتْ مَرَّتْ عَلَى بِلادِهَا
وَلَهُ:
حَلَفْتُ بِالْمُقَصِّرِينَ ... رَكِبُوا فَأَوْجَفُوا
لانُوا عَلَى الْعِيسِ ... وَخَافُوا فَوْتَهَا فَعَنَّفُوا
رَجَوْا لأَثْقَالِ الذُّنُوبِ ... سَاعَةً تُخَفَّفُوا
فَاسْتَنْفَدُوا جُهْدَهُمْ ... سَارِينَ حَتَّى وَقَفُوا
فَلَثَمُوا وَمَسَحُوا ... وَجَمَّرُوا وَطَوَّفُوا
стр. 301
وَلَهُ:
لَنَا مِنْ لَيْلِنَا بِلِوَى الصَّرِيمِ ... قِرَاعُ الْهَمِّ أَوْ عَدُّ النُّجُومِ
فَإِنْ تَكُ صَاحِبًا وَعَزَمْتَ رُشْدًا ... غَدًا وَحَمَلْتَ شَطْرًا مِنْ هُمُومِي
فَقُلْ لِمُلاعِبِ الْعَلَمَيْنِ سَيَرَى ... مَعَ الْحَيِّ الْمُقَوَّضِ أَوْ أُقِيمِي
إِذَا عَرِيَ اللِّوَى مِنْ شَجْوِ قَلْبِي ... وَمِنْ طَرَبٍ أُصِيبَ بِهِ سَقِيمِي
فَلا نَامَتْ بِحَاجِرَةَ عُيُونٌ ... وَلا بَصُرَتْ بِرَامَةَ أُمُّ رِيمِ
وَلابْنِ الشِّبْلِ:
مَنْ رَأَى الْبَرْقَ بِنَجْدٍ إِذْ تَرَاءَى ... أَسْلَبَ النَّوْمَ وَأَهْدَى الْبَرْحَاءَ
فَاضَ فَيْضًا كَجُفُونِي مَاؤُهُ ... وَالْتَظَى وَهَنًا كَأَنْفَاسِي الْتِظَاءَ
نَامَ سُمَّارُ الدُّجَى عَنْ سَاهِرٍ ... تَخَدُّ الْهَمَّ سَمِيرًا وَالْبُكَاءَ
أَسْعَدَتْهُ أَدْمُعٌ تَفْضَحُهُ ... وَإِذَا مَا أَحْسَنَ الدَّمْعُ أَسَاءَ
يَا خَلِيلَيَّ وَلَمْ أُشْعِرْكُمَا ... بِالْهَوَى حَتَّى تَبَيَّنْتُ الإِخَاءَ
عَلِّلا قَلْبِي بِذِكْرَى قَاتِلِي ... رُبَّ دَاءٍ قَادَ لِلنَّفْسِ دَوَاءَ
وَلأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطِ:
خُذَا مِنْ صَبَا نَجْدٍ أَمَانًا لِقَلْبِهِ ... فَقَدْ كَادَ رِيَّاهَا يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وَإِيَّاكُمَا ذَاكَ النَّسِيمُ فَإِنَّهُ ... مَتَى هَبَّ كَانَ الْوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ
خَلِيلَيَّ لَوْ أَحْبَبْتُمَا لَعَلِمْتُمَا ... مَحَلَّ الْهَوَى مِنْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِهِ
стр. 302
وَلأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعِ:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى الرَّمْلِ فَاسْأَلا ... عَنِ الْحَيِّ بِالْجَرْعَا هَاتِيكُمَا الْكُثُبَا
وَعُوجَا عَلَى وَادِي الأَرَاكِ فَحَيِّيَا ... هُنَالِكَ أَطْلالا رَدَدْتُ بِهَا الْقَلْبَا
وَحُطَّا بِذَاكَ الشِّعْبِ رَحْلِي وَأَعْقِلا ... قُلُوصَكُمَا آلَيْتُ أَبْرَحُهُ شِعْبَا
وَلا تُنْكِرَا لَثْمِي ثَرَاهُ فَإِنَّنِي ... بِهِ ذَاكِرٌ عَهْدًا فَمُسْتَلِمٌ تُرْبَا
نَشَدْتُكُمَا أَنْ تَمْنَحَانِي وَقْفَةً ... أَبَلُّ بِهَا شَوْقِي وَأَقْضِي بِهَا نَحْبَا
! ٢١٧ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ لِنَفْسِهِ:
بَيْنَ الْحَطِيمِ وَزَمْزَمَ ... وَالرُّكْنِ وَالْحَجَرِ الْمُقَبَّلْ
لِلْعَاشِقِينَ بَنَى الْهَوَى ... أَبَدًا مَصَارِعَ لَيْسَ تُجْهَلْ
كَمْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ عَلِيلِ ... هَوًى طَرِيحٍ لا يُعَلَّلْ
وَقَتِيلٍ بَيْنَ خَيْفِ مِنًى ... وَجَمْعٍ لَيْسَ يُعْقَلْ
وَقَالَ آخَرُ:
رَأَى الْبَرْقُ نَجْدِيًا فَحَنَّ إِلَى نَجْدٍ ... وَبَاتَ أَسِيرَ الشَّوْقِ فِي قَبْضَةِ الْبُعْدِ
يُعَالِجُ قَلْبًا قَلَبَتْهُ يَدُ الْهَوَى ... عَلَى جَمْرَةِ التَّوْدِيعِ فِي لَهَبِ الْوَجْدِ
وَلا مُسْعَدًا لانَ فَيَرْوَانَهُ ... يَقَدُّ شَغَافَ الْقَلْبِ مِنْهُ وَلا يُجْدِي
وَمَا أَنْطَقَتْهُ الْبَارِقَاتُ تَشَوُّقًا ... لِنَجْدٍ وَلَكِنْ لِلْمُقِيمِينَ فِي نَجْدِ
وَلابْنِ الْبَيَاضِيِّ:
يَا لَيْلَتِي بِذَاتِ الشِّيحِ وَالضَّالِّ ... وَمَنْبَتِ الْبَانِ مِنْ نَعْمَانَ عُودَا لِي
وَيَا مَرَاتِعَ أَطْلالٍ بِذِي سَلَمِ ... لَهْفِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عَصْرِكِ الْخَالِي
مَا لِي أُعَلِّلُ قَلْبِي بِالْوُقُوفِ عَلَى ... مَنَازِلَ أَقْفَرَتْ مِنْكُمْ وَأَطْلالِ
стр. 303
وَلأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْخَفَاجِيِّ:
أَتَظُنُّ الْوَرَقَ فِي الأَيْكِ تُغَنِّي ... إِنَّهَا تُضْمِرُ حُزْنًا مِثْلَ حُزْنِي
لا أَرَاكَ اللَّهُ نَجْدًا بَعْدَهَا ... أَيُّهَا الْحَادِي بِهَا إِنْ لَمْ تُجِبْنِي
هَلْ تُبَارِينِي إِلَى بَثِّ الْجَوَى ... فِي دِيَارِ الْحَيِّ نَشْوَى ذَاتُ غُصْنِ
هَبْ لَهَا الشَّوْقَ وَلَكِنْ زَادَنَا ... أَنَّنَا نَبْكِي عَلَيْهَا وَتُغَنِّي
يَا زَمَانَ الْخَيْفِ هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ ... يَسْمَحُ الدَّهْرُ بِهَا مِنْ بَعْدِ ضَنِّ
أَرَضِينَا بِثَنِيَّاتِ اللِّوَى ... عَنْ زَرُودٍ يَا لَهَا صَفْقَةُ غَبْنِ
سَلْ أَرَاكَ الْجَزَعَ هَلْ جَادَتْ بِهِ ... مُزْنَةٌ رَوَتْ ثَرَاهُ غَيْرُ جَفْنِي
وَأَحَادِيثُ الْغَضَا هَلْ عَلِمْتَ ... أَنَّهَا تَمْلِكُ قَلْبِي قَبْلَ أُذْنِي
وَقَالَ السَّرِيُّ الرَّفَّاءُ:
مَرَرْنَا بِالْعَقِيقِ فَمِنْ عَقِيقٍ ... تَرَقْرَقَ فِي مَحَاجِرِنَا فَذَابَا
وَمِنْ مَغْنًى جَعَلْنَا الشَّوْقَ ... فِيهِ سُؤَالا وَالدُّمُوعَ لَهُ جَوَابَا
وَقَالَ:
تَذَكَّرَ نَجْدًا فَحَنَّ ادِّكَارًا ... وَأَرَّقَهُ الْبَرْقُ لِمَّا اسْتَنَارَا
أَمَاتَتْ صَبَابَتُهُ صَبْرَهُ ... وَكَانَ يَرَى أَنْ يَمُوتَ اصْطِبَارَا
وَجَارَ الْهَوَى فَاسْتَجَارَ الدُّمُوعَ ... إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا مُسْتَجَارَا
وَلأَبِي الْحَسَنِ بْنِ طَاهِرٍ الْحَبَّارِ:
إِلَيَّ أَنْ رَأَيْتُ بِالْكَثِيبِ رِيمَا ... يَرْتَادُ مِنْهُ الشِّيحَ وَالْقَيْصُومَا
стр. 304
تَجَدَّدَتْ لِي طَرْبَةٌ إِلَى الصِّبَا ... وَذَكَّرَتْنِي عَهْدَهُ الْقَدِيمَا
وَوَكَلَتْنِي أَنْشُدُ الْبُرُوقَ عَنْ ... أَهْلِ الْحِمَى وَأَسْأَلُ الرُّسُومَا
هَا إِنَّهَا مَنَازِلٌ تَعَوَّدَتْ ... مِنِّي إِذَا شَارَفْتُهَا التَّسْلِيمَا
وَقَفْتُ فِيهَا سَالِمًا رَأْدَ الضُّحَى ... وَبِتُّ مِنْ وَجْدٍ بِهَا سَلِيمَا
شَجَيَّةٌ عُذْرِيَّةٌ إِنَّ الْهَوَى ... الْعُذْرِيَّ لا يُفَارِقُ الْكَرِيمَا
يَا نَفْحَةَ الشَّمَالِ مِنْ تِلْقَائِهَا ... رُدِّي عَلَى ذَلِكَ التَّسْلِيمَا
يَا طَيْفَ مَنْ يَسْكُنُ بَطْنَ وَجْرِهِ ... وَكَيْفَ عَرَفْتَ الْجِسْرَ وَالْحَرِيمَا؟
إِنِّي اهْتَدَيْتُ بَابِلا وَأَنْتَ لا ... تَعْرِفُ إِلا رُجُوعَ الصَّرِيمَا
نَمَتْ عَلَيْكَ نَفْحَةٌ نَجْدِيَّةٌ ... حَمَلَتْ مِنْ عَرَارِهَا شَمِيمَا
زُرْتُ فَلَمْ تَمْنَعْ وَذَنْبُ مُقْلَتِي ... أَنَّ الْكَرَى يَعْتَادُهَا تَهْوِيمَا
وَلأَبِي الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزِ:
ضَحَى كُلُّ عُذْرِي الْغَرَامَ عَنِ الْهَوَى ... وَأَنْتَ عَلَى حُكْمِ الصَّبَابَةِ نَازِلُ
نَزَلْنَا إِلَى التَّوْدِيعِ مِنْ دَارَةَ الْحِمَى ... فَضَنَّتْ عَلَيْنَا بِالسَّلامِ الْمَنَازِلُ
وَلأَبِي مَنْصُورِ بْنِ الْفَضْلِ:
تَزَاوَرْنَ عَنْ أَذْرِعَاتٍ يَمِينًا ... نَوَاشِزُ لَسْنَ يُطِعْنَ الْبُرِينَا
كَلَفْنَ بِنَجْدٍ كَأَنَّ الرِّيَاضَ ... أَخَذْنَ لِنَجْدٍ عَلَيْهَا يَمِينَا
إِذَا جِئْتُمَا بَانَةَ الْوَادِيَيْنِ ... فَأَرْخُوا النُّسُوعَ وَحُلُّوا الْوَضِينَا
فَثَمَّ عَلائِقُ مِنْ أَجْلِهَا ... مُلاءُ الدُّجَى وَالضُّحَى قَدْ طُوِينَا
وَقَدْ أَنْبَأَتْهُمْ مِيَاهُ الْجُفُونِ ... أَنَّ بِقَلْبِكَ دَاءً دَفِينَا
стр. 305
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ عَارَضْتُ بِهَا قَوْلَ ابْنِ الْفَضْلِ:
إِذَا جُزْتَ بِالْغُورِ عَرِّجْ يَمِينًا ... فَقَدْ أَخَذَ الشَّوْقُ مِنَّا يَمِينَا
وَسَلِّمْ عَلَى بَانه الْوَادِيَيْنِ ... فَإِنْ سَمِعْتَ أَوْشَكَتْ أَنْ تُبِينَا
وَمِلْ نَحْوَ غُصْنٍ بِأَرْضٍ النَّقَا ... وَمَا تُشْبِهُ الأَيْكُ تِلْكَ الْغُصُونَا
وَرَوِّ ثَرَى أَرْضِهِمْ بِالدُّمُوعِ ... وَخَلِّ الضُّلُوعَ عَلَى مَا طُوِينَا
وَصِحْ فِي مَغَانِيهِمُ أَيْنَ هُمْ؟ ... وَهَيْهَاتَ أَمُّوا طَرِيقًا شَطُونَا
أَرَاكَ يَشُوقُكَ وَادِي الأَرَاكِ ... ألدَّارُ تَبْكِي أَمُ السَّاكِنِينَا
سَقَى اللَّهُ مَرْتَعَنَا بِالْحِمَى ... وَإِنْ كَانَ أَوْرَثَ دَاءً دَفِينَا
وَعَاذِلَةٌ فَوْقَ دَاءِ الْمُحِبِّ ... رُوَيْدًا رُوَيْدًا بِنَا قَدْ بُلِينَا
لِمَنْ تَعْذِلِينَ أَمَا تَعْذُرِينَ ... فَلَوْ قَدْ نَفَعْتِ دَفَعْتِ الأَنِينَا
إِذَا غَلَبَ الْحُبُّ صَحَّ الْعِتَابُ ... تَعِبْتُ وَأَتْعَبْتُ لَوْ تَعْلَمِينَا
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
عَرِّجُوا بِالرِّفَاقِ نَحْوَ الرَّكْبِ ... وَقِفُوا وَقْفَةً لأَنْشُدَ قَلْبِي
وَخُذُوا لِي مِنَ النِّقَابِ لِمَاظًا ... أَوْرُدُّونِي إِلَى الْعُذَيْبِ وَحَسْبِي
فَهُبُوبُ الرِّيَاحِ مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ ... قُوتُ قَلْبِي وَحَبَّذَا مِنْ مَهَبِّ
يَا نَسِيمَ الصَّبَا تَرَنَّمَ عَلَى الدَّوْحِ ... بِصَوْتٍ يُشْجِي وَإِنْ طَارَ لُبِّي
مَنْ مُعِيدُ أَيَّامَنَا بِلِوَى الْجَزَعِ ... وَهَيْهَاتَ أَيْنَ مِنِّي صَحْبِي؟
يَا غُصُونَ النَّقَا سَأَسْقِيكِ دَمْعِي ... وَكَفُّ عَيْنِي يَكْفِي عُيُونَ السُّحُبِ
стр. 306
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
عَثُرْتُ بِرِيحِكُمُ الصَّبَا سِحْرًا ... فَارْتَاحَ قَلْبِي الْمُدَنَّفُ الْحَرِضُ
مَا لِي أَرَاكِ سَقِيمَةً بِهِمْ ... يَا رِيحُ عِنْدِي لا بِكِ الْمَرَضُ
أَتْبَعْتُهَا نَفْسًا أُشَيِّعُهَا ... فَإِذَا جُرُوحُ الْقَلْبِ تُنْتَقَضُ
قِفْ صَاحِبِي إِنْ كُنْتَ تُسْعِدُنِي ... عِنْدَ الْكَثِيبِ فَثَمَّ لِي غَرَضُ
وَانْشُدْ فُؤَادِي عِنْدَ كَاظِمَةٍ ... فِي كُلِّ رَكْبٍ رَاحَ يَعْتَرِضُ
فَرَضُوا عَلَى الأَجْفَانِ أَنْ لا ... تَلْتَقِي فَاصْبِرْ لِمَا فَرَضُوا
كَيْفَ اصْطِبَارِي بَعْدَ فُرْقَتِهِمْ ... وَاشَدْهُ مَا عَنْهُمْ عِوَضُ
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
وَدِّعُوا يَوْمَ النَّوَى وَاسْتَقِلُّوا ... لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَهَا أَيْنَ حَلُّوا
يَا نَسِيمَ الرِّيحِ بَلِّغْ إِلَيْهِمْ ... أَّنَّ عَقْدِي مَعَهُمْ لا يُحَلُّ
لِي مِنَ الرِّيحِ الشَّمَالِ انْتِهَالٌ ... فَإِذَا هَبَّتْ سُحَيْرًا فَعَلُ
عَرَّضُوا قَلْبِي لِسُقْمٍ طَوِيلٍ ... بَاطِنٍ يُظْهِرُ مِنْهُ الأَقَلُّ
أَيُّهَا الرَّكْبُ إِنْ جُزْتَ عَرِّجْ ... فَعَلِيلُ الْغُورِ مَا يُسْتَبْلُ
ثُمَّ إِيَّاكَ وَحَبْلَيْ زَرُودٍ ... فَدَمَ الْمَقْتُولُ ثَمَّ يُطَلُّ
قَيَّدُوا الأَسْرَى فَلَمْ يُغْنِهِمْ ... بَعْدَهَا أَنْشَاطُ عَقْدٍ وَحِلُّ
لَوْ بَكَتْ عَيْنِي عَلَى قَدْرِ وَجْدِي ... صَارَ وَادِيهِمْ دَمًا لا يَحِلُّ
مَرِضَ الْقَلْبُ، زَرْوَدُ جَنَّتُهُ ... أَبِذَاكَ الرَّمْلِ يَا قَوْمِ صِلُّ؟
أَيَا عُرَيْبَ الْبَرِّ أَنْتُمْ حِمَاهُ ... فَلِمَاذَا جَارُكُمْ يُسْتَذَلُّ؟
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
قِفْ بِالرِّيَاضِ عَلَى الْغَدِيرْ ... وَانْدُبْ بِهَا نَدْبَ الأَسِيرْ
ذَكِّرْ أَثِيلاتِ النَّقَا ... مَا كَانَ مِنْ عَيْشٍ قَصِيرْ
وَأَفِضْ دُمُوعَكَ رُبَّمَا ... سَكَنَتْ بِهَا نَارُ السَّعِيرْ
وَاحْبِسْ زَفِيرًا إِنْ بَدَا ... هَاجَ النَّبَاتُ مِنَ الزَّفِيرْ
يَا بَانَةَ الْوَادِي أَنْعِمِي ... فِي مَوْطِنِ الرَّمْلِ الْوَثِيرْ
وَتَمَايَلِي بِالْوَرَقِ تَشْدُو ... بِالْغِنَاءِ وَبِالزَّمِيرِ
стр. 307
حَاشَاكِ مِنْ حَرِّ الْهَوَى ... وَسَلِمْتِ مِنْ عَيْشٍ مَرِيرْ
أَيْنَ الَّذِينَ عَهِدْتُهُمْ ... بِفِنَائِكِ الرَّحْبِ الْغَزِيرْ
للَّهِ أَيَّامًا مَضَتْ لانَتْ ... لَنَا لِينَ الْحَرِيرْ
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
هَلْ عِنْدَ رَبْعٍ عَفَا خَبَرٌ مِنَ الْخَبَرِ ... مِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ قَفْرٌ دَارَسُ الأَثَرِ
وَقَفْتَ تَسْأَلُ وَرْدًا إِذْ وَرَدَّتْ بِهِ ... وَمَا شَفَيْتَ غَلِيلَ الصَّدْرِ فِي الصَّدْرِ
دَعْ مَاءَ عَيْنِكَ وَاحْلُلْ مِنْ مَزَادَتِهِ ... فَإِنَّمَا خُلِقْتَ لِلدَّمْعِ وَالسَّهَرِ
خَلَّفْتَ قَلْبَكَ فِي الأَظْعَانِ إِذْ نَزَلْتَ ... فِي الْمَأْزَمَيْنِ زَمَانَ النَّفْرِ فِي النَّفْرِ
وَرُحْتَ تَطْلُبُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ ضُحًى ... مَا ضَاعَ عِنْدَ مِنًى فَاعْجَبْ لِذَا الْخُورِ
لَمَّا طَرَقْنَا النَّقَا كَانَ الْفُؤَادُ مَعِي ... فَضَلَّ عَنِّي بَيْنَ الضَّالِّ وَالسَّحَرِ
يَا أَرْجُلَ الْعِيسِ تُهِنْكَ الرِّمَالُ فَمَا ... أَغْدُو بِوَجْدِي غَدًا إِلا عَلَى الأَبَرِ
عَجِبْتُ مِنْ بَارِقٍ فِي الْحَيِّ أَزْعَجَنِي ... فَجَادَ جَفْنِي قَبْلَ الْغَيْمِ بِالْمَطَرِ
قَصَايِدِي بَدَوِيَّاتٌ وَقَدْ نَزَلْتُ ... رِيفَ الْعِرَاقِ فَنَالَتْ رِقَّةَ الْحَضَرِ
طَبْعُ الرِّضَى وَعِلْمُ الْمُرْتَضَى جُمِعَا ... مَعًا لِشِعْرِي وَفَحْوَاهُ إِلَى عُمَرِ
стр. 308
وَلِي فِي أُخْرَى:
يَا صَاحِبِي، إِنْ كُنْتَ لِي أَوْ مَعِي ... فَعُدْ إِلَى أَرْضِ الْحِمَى نَرْتَعْ
وَسَلْ عَنِ الْوَادِي وَأَرْبَابِهِ ... وَانْشُدْ فُؤَادِي فِي رُبَى الْمَجْمَعْ
حَيِّ كَثِيبَ الرَّمْلِ رَمْلِ الْحِمَى ... وَقِفْ وَسَلِّمْ لِي عَلَى لَعْلَعْ
وَاسْمَعْ حَدِيثًا قَدْ رَوَتْهُ الصَّبَا ... تُسْنِدُهُ عَنْ بَانَةِ الأَجْرَعْ
وَانْزِلْ عَلَى الشِّيحِ بِوَادِيهِمْ ... وَاشْمُمْ عُشَيْبَ الْبَلَدِ الْبَلْقَعْ
عِيدٌ مَتَى كُنْتَ وَكَانَ الْهَوَى ... فَصَمَّ إِلا عَنْهُمُ مَسْمَعِي
لَهْفِي عَلَى طِيبِ لَيَالٍ خَلَتْ ... عُودِي تَعُودِي مُدَنَّفًا قَدْ نُعِي
وَلِي فِي أُخْرَى:
تَمَلَّكُوا وَاحْتَكَمُوا ... وَصَارَ قَلْبِي لَهُمْ
تَصَرَّفُوا فِي مُلْكِهِمْ ... فَلا يُقَالُ: ظَلَمُوا
إِنْ وَصَلُوا مُحِبَّهُمْ ... أَوْ قَطَعُوا فَهُمُ هُمُ
اصْبِرْ لِمَا شَاءُوا أَوْ ... أَنْ أَشَأَ الَّذِي قَدْ حَكَمُوا
قَدْ أَوْدَعُوا سِرَّ فُؤَادِي ... حُبَّهُمُ وَاسْتَكْتَمُوا
يَا أَرْضَ سَلْعٍ أَخْبِري ... وَحَدِّثِي عَنْهُمُ
يَا لَيْتَ شِعْرِي إِذْ غَدَوْا ... أَأُنْجِدُوا أَمِ اتُّهِمُوا
تَبْكِيهِمْ أَرْضُ مِنًى ... وَتَشْكِيهِمْ زَمْزَمُ
مَا ضَرَّهُمْ حِينَ سَرَوْا ... لَوْ وَقَفُوا وَسَلَّمُوا
يَشُوقُنِي وَادِيهِمُ ... وَضَالَّةٌ وَالسَّلَمُ
وَلِي فِي أُخْرَى:
إِلَى كَمْ أُسَائِلُ هَذِي الْمَغَانِي ... لَقَدْ نَطَقَتْ لَوْ فَهِمَتِ الْمَعَانِي
أَمَا لَكَ شُغُلٌ بِمَا أَنْتَ فِيهِ ... مِنَ الْوَجْدِ عَنْ ذِكْرِ مَاضِي الزَّمَانِ
стр. 309
وَكَيْفَ وَوَجْدِي مِنْ ذَاكَ كَانَ ... أُعَانِي لِتْذَكَارِهِ مَا أُعَانِي
قِفُوا بِي أُحَيِّ كَثِيبَ النَّقَا ... فَإِنَّ الْكَثِيبَ لِمَنْ تَعْلَمَانِ
بَكَيْتُ لِمُرِّ زَمَانٍ مَضَى ... فَعَيْنِي السَّمَاكُ أَوِ الْمِرْزَمَانِ
أَأَنْسَى لِرَاحَةِ عَهْدِ الْحِمَى ... دَعَانِي فَوَجْدِي بِهِ قَدْ دَعَانِي
وَلِي فِي أُخْرَى:
يَا رَفِيقَيَّ قِفَا لِي فَانْظُرُوا ... إِنَّ عَيْنِي لِدُمُوعِي لا تُرَى
هَلْ خَبَتْ نَارُهُمُ أَوْ أُوقِدَتْ ... أَوْ جَرَى وَادِيهُمُ أَوْ أَقْفَرَا
إِنَّ قَلْبِي فَاتَهُ شُرْبُ الْحِمَى ... فَهُوَ لا يَنْفَعُهُ أَنْ يُمْطَرَا
آهٍ مِنْ طِيبِ لَيَالٍ سَلَفَتْ ... كَانَ كُلُّ الدَّهْرِ فِيهَا سَحَرَا
أَتُرَى يَرْجِعُ لِي دَهْرٌ مَضَى ... أَمْ تُرَى يَنْفَعُنِي قَوْلِي: تُرَى؟
стр. 310
بَابُ قَبُولِ الْحَاجِّ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْعُشَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُصَيْنِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ السَّرَّاجَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، يَقُولُ: حَجَجْتُ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ حَجَّةً، فَنَظَرْتُ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَضَجِيجِ أَصْوَاتِهِمْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَؤُلاءِ أَحَدٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ فَقَدْ وَهَبْتُ حَجَّتِي لَهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، فَبِتُّ بِهَا، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ رَبَّ الْعِزَّةِ ﵎، لِي: يَا عَلِيُّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، تُسَخِّي عَلَيَّ؟ قَدْ غَفَرْتُ لأَهْلِ الْمَوْقِفِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَشَفَّعْتُ كُلَّ وَاحِدٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَأَنَا ﴿أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا مَكِّيُّ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْبَلْخِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا، يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حَجَّةً، خَرَجْتُ مِنَ الطَّوَافِ، وَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ الْمِيزَابِ، وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ، لا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ حَالِي عِنْدَ اللَّهِ ، وَقَدْ كَثُرَ تَرَدُّدِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: يَا عَلِيُّ، أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّهُ؟ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَقَدْ سُرِّيَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ، قَالَ: حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَنِمْتُ لَيْلَةَ
стр. 311
عَرَفَةَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ قَدْ نَزَلا مِنَ السَّمَاءِ، فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ.
قَالَ: لَبَّيْكَ عَبْدَ اللَّهِ.
فَقَالَ: تَدْرِي كَمْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟ قَالَ: لا أَدْرِي.
قَالَ: حَجَّ بَيْتَ رَبِّنَا سِتُّ مِائَةِ أَلْفٍ.
فَتَدْرِي كَمْ قُبِلَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: قُبِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَنْفُسٍ.
قَالَ: ثُمَّ ارْتَفَعَا فِي الْهَوَاءِ فَغَابَا عَنِّي، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا وَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، وَأَهَمَّنِي أَمْرِي، وَقُلْتُ: إِذَا قُبِلَ سِتَّةُ أَنْفُسٍ، فَأَيْنَ أَكُونُ أَنَا فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ؟ فَلَمَّا أَفَضْتُ مِنْ عَرَفَةَ وَبِتُّ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، جَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِي كَثْرَةِ الْخَلْقِ وَفِي قِلَّةِ مَنْ قُبِلَ مِنْهُمْ، فَغَلَبَنِي النَّوْمُ، فَإِذَا الشَّخْصَانِ قَدْ نَزَلا عَلَى هَيْئَتِهِمَا، فَنَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَعَادَا ذَلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَفَتَدْرِي مَاذَا حَكَمَ رَبُّنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَإِنَّهُ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السِّتَّةِ، مِائَةَ أَلْفٍ.
فَانْتَبَهْتُ وَبِي مِنَ السُّرُورِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ.
стр. 312
بَابُ ذِكْرِ مَنْ آثَرَ ذَا فَاقَةٍ بِنَفَقَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَجَّ عَنْهُ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، قَالَ: حَكَى لِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: حَكَى لِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، قَالَ: كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ قَدْ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْحَجُّ، قَالَ: فَحَدَّثْتُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَرَدَ الْحَجِيجُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إِلَى الْحَجِّ، فَأَخَذْتُ فِي كُمِّي خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ أَشْتَرِي آلَةَ الْحَجِّ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَارَضَتْنِي امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَا امْرَأَةٌ شَرِيفَةٌ وَلِي بَنَاتٌ عُرَاةٌ، وَلِلْيَوْمِ الرَّابِعِ مَا أَكَلْنَا شَيْئًا.
قَالَ: فَوَقَعَ كَلامُهَا فِي قَلْبِي، فَطَرَحْتُ الْخَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فِي طَرَفِ إِزَارِهَا، وَقُلْتُ: عُودِي إِلَى بَيْتِكِ، وَاسْتَعِينِي بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ عَلَى وَقْتِكِ، وَانْصَرَفَتْ، وَنَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِي حَلاوَةَ الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ السنة، وَخَرَجَ النَّاسُ وَحَجُّوا وَعَادُوا، فَقُلْتُ: أَخْرُجُ لِلِقَاءِ الأَصْدِقَاءِ وَالسَّلامِ، فَخَرَجْتُ، فَجَعَلْتَ كُلَّمَا لَقِيتُ صَدِيقًا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَشَكَرَ سَعْيَكَ، يَقُولُ لِي: وَأَنْتَ، قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَشَكَرَ سَعْيَكَ.
فَطَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: «يَا فُلانُ لا تَعْجَبْ مِنْ تَهْنِئَةِ النَّاسِ لَكَ بِالْحَجِّ، أَغَثْتَ مَلْهُوفًا، وَأَعَنْتَ ضَعِيفًا، فَسَأَلْتُ اللَّهَ تَعَالَى فَخَلَقَ عَلَى صُورَتِكَ مَلَكًا فَهُوَ يَحُجُّ عَنْكَ فِي كُلِّ عَامٍ، فَإِنْ شِئْتَ حُجَّ، وَإِنْ شِئْتَ لا تَحُجُّ»
стр. 313
وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ نَفْسِهِ، أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الْوَاعِظُ بِإِسْنَادٍ لَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ دَخَلَ الْكُوفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ تَنْتُفُ بَطَّةً، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهَا مَيْتَةٌ، فَوَقَفَ وَقَالَ: يَا هَذِهِ، أَهَذِهِ مَيْتَةٌ أَوْ مَذْبُوحَةٌ؟ فَقَالَتْ: مَيْتَةٌ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آكُلَهَا وَعِيَالِي.
فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حرَّمَ الْمَيْتَةَ، وَأَنْتِ فِي هَذِهِ الْبَلَدِ.
فَقَالَتْ: يَا هَذَا انْصَرِفْ عَنِّي.
فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهَا الْكَلامَ إِلَى أَنْ تَعَرَّفَ مَنْزِلَهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَحَمَلَ مَعَهُ بَغْلا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَكِسْوَةٌ وَزَادٌ، وَجَاءَ فَطَرَقَ الْبَابَ، فَفَتَحَتَ، فَنَزَلَ عَنِ الْبَغْلِ وَجَذَبَهُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: هَذَا الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالزَّادِ لَكُمْ.
ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى رَجَعَ الْحَاجُّ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ يُهَنِّئُونَهُ بِالْحَجِّ، فَقَالَ: مَا حَجَجْتُ السَّنَةَ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلَمْ أُودِعْكَ نَفَقَتِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: أَلَمْ تَشْتَرِ لِي كَذَا.
فَقَالَ: لا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ، أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَحُجَّ الْعَامَ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُتِيَ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، إِنَّ اللَّهَ ﷻ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ، وَإِنَّهُ بَعَثَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِكَ فَحَجَّ عَنْكَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنْ نَوَى الْحَجَّ وَمَعَهُ ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَعَرَضَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ حَاجَةٌ، فَبَعَثَ وَلَدَهُ إِلَى بَعْضِ جَيرَانِهِ، فَرَجَعَ الْوَلَدُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَارِنَا وَعِنْدَهُمْ طَبِيخٌ فَاشْتَهَيْتُهُ فَلَمْ يُطْعِمُونِي، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى جَارِهِ يُعَاتِبُهُ عَلَى مَا فَعَلَ، فَبَكَى الْجَارُ، وَقَالَ: قَدْ أَلْجَأْتَنِي إِلَى كَشْفِ حَالِي، إِنَّا مُنْذُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَمْ نَطْعَمْ، فَطَبَخْنَا مَيْتَةً وَأَكَلْنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ وَلَدَكَ يَجِدُ مَالا لا يَحِلُّ مَعَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةَ، فَتَعَجَّبَ الرَّجُلُ، وَقَالَ لِنَفْسِهِ: كَيْفَ النَّجَاةُ وَفِي جِوَارِكَ مِثْلُ هَذَا، وَأَنْتَ تَتَأَهَّبُ لِلْحَجِّ؟ فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَأَعْطَاهُ الثَّمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ عَرَفَةَ أُرِي ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ ﵀ فِي مَنَامِهِ وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ كَأَنَ قَائِلا يَقُولُ: يَا ذَا النُّونِ تَرَى هَذَا الزِّحَامَ عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا حَجَّ مِنْهُمْ إِلا رَجُلٌ تَخَلَّفَ عَنِ الْوُقُوفِ فَحَجَّ بِهَمِّهِ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ.
قَالَ ذُو النُّونِ:
стр. 314
مَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَهُ: رَجُلٌ يَسْكُنُ دِمَشْقَ، فَذَهَبَ ذُو النُّونِ إِلَى دِمَشْقَ، وَبَحَثَ عَنْهُ حَتَّى عَرَفَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ
стр. 315
أَبْوَابٌ ذِكْرُ كُبَرَاءِ الْحَجِّ وَسَادَاتِهِمْ
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الْمَلائِكَةِ
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلائِكَةَ لَقَتْ آدَمَ ﵇ بَعْدَ حَجِّهِ، فَقَالُوا: لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ.
قَالَ: فَمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
فَكَانَ آدَمُ يَقُولُهَا فِي طَوَافِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ قَدْ عَلاهَا الْغُبَارُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذَا الْغُبَارُ الَّذِي أَرَى؟» قَالَ: إِنِّي زرْتُ الْبَيْتَ فَازْدَحَمَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى الرُّكْنِ، فَهَذَا الْغُبَارُ مِمَّا تُثِيرُ بِأَجْنِحَتِهَا.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مَلَكًا لِبَعْضِ أُمُورِهِ فِي الأَرْضِ، اسْتَأْذَنَهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ فِي الطَّوَافِ بِبَيْتِهِ، فَهَبَطَ ذَلِكَ الْمَلَكُ مُهِلا.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الأُولَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَلَكٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الأَرْضِ إِلا أَمَرَهُ بِزِيَارَةِ الْبَيْتِ، فَيَنْقَضُّ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مُلَبِّيًا حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا بِالْبَيْتِ، وَيَرْكَعُ فِي جَوْفِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَصْعَدُ.
стр. 316
أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ النَّصْرَآبَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرٍو، أَنْبَأنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا وَلا سَحَابَةً فَتَمُرُّ حَيْثَ تُبْعَثُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ تَمْضِي حَيْثُ أُمِرَتْ
стр. 317
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ آدَمَ ﵇
قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ آدَمَ ﵇ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ وَبِالطَّوَافِ حَوْلَهُ.
وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى فَطُوِيَتْ لَهُ الأَرْضُ، وَلَمْ يَقَعْ قَدَمٌ عَلَى شَيْءٍ إِلا صَارَ عُمْرَانًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ فَبَنَى الْبَيْتَ، وَطَافَ بِهِ وَصَلَّى فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ آدَمَ ﵇ نَزَلَ بِالْهِنْدِ، فَحَجَّ مِنَ الْهِنْدِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً عَلَى رِجْلَيْهِ، فَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ: هَلا كَانَ يَرْكَبُ؟ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَحْمِلُهُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ ﵇ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَهُوَ يَتَلألأُ مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ، فَضَمَّهُ أُنْسًا بِهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: تَخَطَّ فَإِذَا هُوَ بِالْهِنْدِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِلَى الرُّكْنِ، فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ، فَحَجَّ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ، أَنْبَأنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ طَالِبٍ
стр. 318
الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرُ الرَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمِنْهَالِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَسِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلانِيَتِي، فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَاعْطِنِي سُؤْلِي، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، أَسْأَلُكَ إِيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي، وَيَقِينًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَنِي إِلا مَا كَتَبْتَ لِي، وَرَضِّنِي بِمَا قَسَمْتَ لِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ إِنَّكَ قَدْ دَعَوْتَنِي دُعَاءً اسْتَجَبْتُ لَكَ فِيهِ، وَلَنْ يَدْعُوَنِي أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ إِلا اسْتَجَبْتُ لَهُ، وَغَفْرَتُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَفَرَّجْتُ هَمَّهُ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأَتْتَهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَإِنْ كَانَ لا يُرِيدُهَا ".
قَسِيمٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَفْتُوحُ الْقَافِ مَكْسُورُ السِّينِ
стр. 319
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الأَنْبِيَاءِ ﵈
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْتَ وُضِعَ لآدَمَ ﵇ يَطُوفُ بِهِ، وَأَنَّ نُوحًا قَدْ حَجَّهُ، وَجَاءَهُ وَعَظَّمَهُ قَبْلَ الْغَرَقِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَجَّ إِبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ مَاشِيَيْنِ، وَحَجَّ مُوسَى عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَعَلَيْهِ عَبَاءَتَانَ قَطَوَانِيَّتَانِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُلَبِّي سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي أَنَا مَعَكَ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ إِلَى الْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ إِلَى الْحِجْرِ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا، جَاءُوا حُجَّاجًا فَقُبِرُوا هُنَالِكَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ إِلا وَقَدْ حَجَّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» قَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ.
قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ» ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى.
قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَى نَاقَةٍ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي
стр. 320
مُلَبِّيًا» .
الْخُلْبَةُ: اللِّيفُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " لَقَدْ مَرَّ بِهَذَا الْفَجِّ سَبْعُونَ نَبِيًّا لُبُوسُهُمُ الْعَبَاءُ، وَتَلْبِيَتُهُمْ شَتَّى، فِيهِمْ يُونُسُ يَقُولُ: لَبَّيْكَ فَرَّاجَ الْكَرْبِ لَبَّيْكَ، وَكَانَ مُوسَى يَقُولُ: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ لَبَّيْكَ، قَالَ: وَتَلْبِيَةُ عِيسَى: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ بِنْتِ عَبْدِكَ ".
وَرَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ أَبِيهِ، عَنِ جَدِّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسْجِدِ الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَجَاسِجُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْجَنَّةِ، لَقَدْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَبْلِي سَبْعُوَنَ نَبِيًّا، وَلَقَدْ مَرَّ بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا بِسَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانَ قَطَوَانِيَّتَانِ»
следующие страницы →