Полный текст (465 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ النَّصْرَآبَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرٍو، أَنْبَأنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا وَلا سَحَابَةً فَتَمُرُّ حَيْثَ تُبْعَثُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ تَمْضِي حَيْثُ أُمِرَتْ
стр. 317
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ آدَمَ ﵇
قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ آدَمَ ﵇ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ وَبِالطَّوَافِ حَوْلَهُ.
وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى آدَمَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى فَطُوِيَتْ لَهُ الأَرْضُ، وَلَمْ يَقَعْ قَدَمٌ عَلَى شَيْءٍ إِلا صَارَ عُمْرَانًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ فَبَنَى الْبَيْتَ، وَطَافَ بِهِ وَصَلَّى فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ آدَمَ ﵇ نَزَلَ بِالْهِنْدِ، فَحَجَّ مِنَ الْهِنْدِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً عَلَى رِجْلَيْهِ، فَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ: هَلا كَانَ يَرْكَبُ؟ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَحْمِلُهُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ ﵇ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَهُوَ يَتَلألأُ مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ، فَضَمَّهُ أُنْسًا بِهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: تَخَطَّ فَإِذَا هُوَ بِالْهِنْدِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِلَى الرُّكْنِ، فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ، فَحَجَّ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ، أَنْبَأنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ طَالِبٍ
стр. 318
الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرُ الرَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمِنْهَالِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَسِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلانِيَتِي، فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَاعْطِنِي سُؤْلِي، وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، أَسْأَلُكَ إِيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي، وَيَقِينًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَنِي إِلا مَا كَتَبْتَ لِي، وَرَضِّنِي بِمَا قَسَمْتَ لِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا آدَمُ إِنَّكَ قَدْ دَعَوْتَنِي دُعَاءً اسْتَجَبْتُ لَكَ فِيهِ، وَلَنْ يَدْعُوَنِي أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ إِلا اسْتَجَبْتُ لَهُ، وَغَفْرَتُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَفَرَّجْتُ هَمَّهُ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأَتْتَهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَإِنْ كَانَ لا يُرِيدُهَا ".
قَسِيمٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَفْتُوحُ الْقَافِ مَكْسُورُ السِّينِ
стр. 319
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الأَنْبِيَاءِ ﵈
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَيْتَ وُضِعَ لآدَمَ ﵇ يَطُوفُ بِهِ، وَأَنَّ نُوحًا قَدْ حَجَّهُ، وَجَاءَهُ وَعَظَّمَهُ قَبْلَ الْغَرَقِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَجَّ إِبْرَاهِيمُ، وَإِسْمَاعِيلُ مَاشِيَيْنِ، وَحَجَّ مُوسَى عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَعَلَيْهِ عَبَاءَتَانَ قَطَوَانِيَّتَانِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُلَبِّي سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي أَنَا مَعَكَ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ إِلَى الْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ إِلَى الْحِجْرِ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا، جَاءُوا حُجَّاجًا فَقُبِرُوا هُنَالِكَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ إِلا وَقَدْ حَجَّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» قَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ.
قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ» ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى.
قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَى نَاقَةٍ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي
стр. 320
مُلَبِّيًا» .
الْخُلْبَةُ: اللِّيفُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " لَقَدْ مَرَّ بِهَذَا الْفَجِّ سَبْعُونَ نَبِيًّا لُبُوسُهُمُ الْعَبَاءُ، وَتَلْبِيَتُهُمْ شَتَّى، فِيهِمْ يُونُسُ يَقُولُ: لَبَّيْكَ فَرَّاجَ الْكَرْبِ لَبَّيْكَ، وَكَانَ مُوسَى يَقُولُ: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ لَبَّيْكَ، قَالَ: وَتَلْبِيَةُ عِيسَى: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ بِنْتِ عَبْدِكَ ".
وَرَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ أَبِيهِ، عَنِ جَدِّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسْجِدِ الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَجَاسِجُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْجَنَّةِ، لَقَدْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَبْلِي سَبْعُوَنَ نَبِيًّا، وَلَقَدْ مَرَّ بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا بِسَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانَ قَطَوَانِيَّتَانِ»
стр. 321
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الْحَوَارِيِّينَ
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عِنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «حَجَّ الْحَوَارِيُّونَ فَلَمَّا دَخَلُوا الْحَرَمَ مَشَوْا تَعْظِيَمًا لِلْحَرَمِ»
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ أَصْحَابِ الْكَهْفِ
رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: يحج عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِيهِمْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا وَلَمْ يَحُجُّوا.
стр. 322
بَابٌ ذِكْرُ حَجِّ نَبِيِّنَا ﷺ
إِنَّمَا حَجَّ نَبِيُّنَا ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا سُمِيَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ لأَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَوَدَّعَهُمْ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ.
فَأَمَّا قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ قَدْ حَجَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَهَا حِجَجًا لا يُعْرَفُ عَدَدُهَا، وَمَنْ يَقُولُ: حَجَّ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ فَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
وَأَمَّا اعْتِمَارُهُ ﵇، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ» .
فَأَمَّا الإِشَارَةُ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أُذِّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكَبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنِّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، وَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ، فَجَعَلَ
стр. 323
الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَرَأَ فِيهِمَا بِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، قَالَه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فَي الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى، حَتَّى إِذَا أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَنَعَ عَلَى الْمَرْوَةِ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ".
قَالَ: «وَلَمَّا أَتَى عَرَفَةَ وَزَاغَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ، وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا بِالْمَوْقِفِ حَتَّى غَرُبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَلَمْ يَزَلْ وَاقَفًا حَتَّى أَسْفَرَ جَدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلا حَتَّى الْجَمْرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبُضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرَبَ مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، وَعَلَيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، أَنْبَأنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَسْطَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ الضَّبِيُّ يَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ
стр. 324
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمَحْجَنِهِ، ثُمَّ يَعْطِفُ الْمِحْجَنَ وَيُقَبِّلُهُ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ سَبْعَةٍ، ثُمَّ أَنَاخَهَا عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابَ الصَّفَا» ، قَالَ: وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ يَرْجِزُ:
يَا حَبَّذَا مَكَّةُ مِنْ وَادِي ... بِهَا أَهْلِي وَعُوَّادِي
بِهَا أَمْشِي بِلا هَادِي ... بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادِي
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُوَمٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ
стр. 325
أَبْوَابٌ ذِكْرُ حَجِّ الْخُلَفَاءِ وَبَعْضُ مَا جَرَى لَهُمْ مِنَ الطُّرَفِ
بَابُ ذِكْرِ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَدَخَلَ مَكَّةَ ضَحْوَةً، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ جَالِسٌ عَلَى بَابَ دَارِهِ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنُكَ، فَنَهَضَ قَائِمًا، وَعَجِلَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُنِيخَ رَاحِلَتَهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَبَهْ لا تَقُمْ، فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ أَبِي قُحَافَةَ، وَجَعَلَ الشَّيْخُ يَبْكِي فَرَحًا بِقُدُوَمِهِ.
وَجَاءَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَعَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ: سَلامٌ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَصَافَحُوهُ جَمِيعًا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَبْكِي حِينَ يَذْكُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَ أَبُو قُحَافَةَ: يَا عَتِيقُ، هَؤُلاءِ الْمَلأُ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَهْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهَ، طُوِّقْتُ عَظِيمًا مِنَ الأَمْرِ لا قُوَّةَ لِي بِهِ وَلا يَدَانِ إِلا بِاللَّهِ، ثُمَّ دَخَلَ فَاغْتَسَلَ، وَخَرَجَ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ فَنَحَّاهُمْ، وَلَقِيَهُ النَّاسُ يُعَزُّونُهُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَبْكِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَاضْطَبَعَ بِرِدَائَهَ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ طَافَ سَبْعًا، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ خَرَجَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ جَلَسَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ النَّدْوَةِ،
стр. 326
فَقَالَ: هَلْ مِنْ وَاحَدٍ يَشْتَكِي مَنْ ظُلامِهِ؟ أَوْ يَطْلُبُ حَقًّا؟ فَمَا أَتَاهُ أَحَدٌ.
وَأَثْنَى النَّاسُ عَلَى وَالِيهِمْ خَيْرًا، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ، وَجَلَسَ، فَوَدَّعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ خَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَفْرَدَ الْحَجَّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ "
стр. 327
بَابُ ذِكْرِ حَجِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ قَالُوا: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ أَوَّلَ سَنَةٍ وَلِيَ عَلَى الْحَجِّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَحَجَّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عُمَرُ يَحُجُّ بِالنَّاسِ خِلافَتَهُ كُلَّهَا، فَحَجَّ بِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَحَجَّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِضَي اللَّهُ عَنْهُنَّ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، وَاعْتَمَرَ فِي خِلافَتِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِحْدَى عَشَرَ حَجَّةً.
وَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي بَعْضِ حَجَّهِ عَلَى نَافَعِ بْنِ الْحَارِثِ يَعُودُهُ، فَوَجَدَهُ قَرِيبَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَفِي بَيْتِهِ سِتْرٌ مِنْ أُدْمٍ مُزَيَّنٍ بِسُيُورٍ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَشَقَّهُ، وَقَالَ: لِمَ لا تَسْتُرُوا بُيُوتَكُمْ بِهَذِهِ الْمُسُوحِ، فَهِيَ أَدْفَأُ وَأَكَنُّ وَأَحْمَلُ لِلْغُبَارِ؟ .
وَأَذَّنَ لَهُ أَبُو مَحْذُورَةَ بِصَوْتٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا مَحْذُورَةَ، أَمَا خَشِيتَ أَنْ تَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُسْمِعَكَ صَوْتِي.
وَمَرَّ عُمَرُ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَرَأَى أَحْجَارًا قَدْ بَنَاهَا أَبُو سُفْيَانَ كَالدُّكَّانِ
стр. 328
فِي وَجْهِ دَارِهِ، يَجْلِسُ عَلَيْهَا فِي الْغَدَاةِ، فَقَالَ عُمَرُ: لا أَرْجِعَنَّ مِنْ وَجْهِي هَذَا حَتَّى تَنْقُلَهُ، وَتَرْفَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ وَجَدَهُ عَلَى حَالِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟ فَقَالَ: انْتَظَرْتُ أَنْ يَأْتِيَنَا بَعْضُ أَهْلِ مِهْنَتِنَا.
فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَقْلَعَنَّهُ بِيَدِكَ، وَلَتَنْقُلَنَّهُ عَلَى عَاتِقِكَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ وَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ الإِسْلامَ بِرَجُلٍ مِنْ عَدِيٍّ يَأْمُرُ أَبَا سُفْيَانَ سَيِّدَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بِمَكَّةَ فَيُطِيعُهُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنْبَأنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَّيِّبِ: " أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ، وَكَوَّمَ كَوْمَةً مِنْ بَطْحَاءَ فَطَرَحَ عَلَيْهَا طَرَفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَيْهَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلا مُفَرِّطٍ» .
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ خَطَبَ النَّاسَ.
قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى طُعِنَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، حَجَّ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَرَرْتُ بِالْمُحَصَّبِ، فَسَمِعْتُ رَجُلا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَقُولُ: أَيْنَ كَانَ مَنَاخُ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَسَمِعْتُ رَجُلا آخَرَ يَقُولُ: هَاهُنَا كَانَ.
فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ:
عَلَيْكَ سَلامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبُ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يَسْبِقِ
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بَوَائِجَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفْتَقِ
стр. 329
فَلَمْ يَدْرِ ذَاكَ الرَّاكِبُ مَنْ هُوَ، فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ.
فَقَدِمَ عُمَرُ مِنْ تِلْكَ الْحَجَّةِ فَطُعِنَ بِهَا فَمَاتَ.
بَابُ ذِكْرِ حَجِّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: قَرَأَ عَلَى أَبِي مَعْشَرٍ، قَالَ: بُويِعَ عُثْمَانُ فَأَمَّرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَحَجَّ عُثْمَانُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُجُّ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلاثِينَ، ثُمَّ حُصِرَ فِي دَارِهِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ عُثْمَانُ، وَبَعْدَهُ ابْنُ عُمَرَ
بَابُ ذِكْرِ حَجِّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ
أَمَّا حَجُّ عَلِيٍّ ﵁ قَبْلَ وِلايَتِهِ فَلا يُضْبَطُ عَدَدُهُ، وَأَمَّا فِي وِلايَتِهِ فَإِنَّهُ وَلِيَ الْخِلافَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَكَانَتْ وِلايَتَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ؛ لأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قُتِلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشَرَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ كَانَتْ صِفِّينَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ، وَحَجَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا بِالنَّاسِ،
стр. 330
وَمَازَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مُتَشَاغِلا بِتِلْكَ الأُمُورِ فَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ، قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى سَنَةِ تِسْعٍ عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، فَأَقَامَ لَهُمُ الْحَجَّ، ثُمَّ قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.
بَابُ ذِكْرِ مَنْ حَجَّ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ
كَانَ مُعَاوِيَةُ ﵁ يَسْتَنِيبُ مَنْ يَحُجُّ فِي زَمَنِ وِلايَتِهِ، وَحَجَّ هُوَ بِالنَّاسِ سَنَةَ خَمْسِينَ.
وَأَقَامَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَجَّ لِلنَّاسِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ قَبْلَ أَنْ يُبَايَعَ لَهُ، فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ حَجَّ ثَمَانِيَ حِجَجٍ مُتَوَالِيَةٍ.
وَحَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁.
وَحَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ.
بَابُ ذِكْرِ مَنْ حَجَّ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ
حَجَّ الْمَنْصُورُ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمَيْنِ.
وَحَجَّ الْمَهْدِيُّ فَي خِلافَتِهِ بِالنَّاسِ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ.
стр. 331
وَحَجَّ الرَّشِيدُ فِي خِلافَتِهِ سَنَةَ سَبْعِينَ، وَسَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَسَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
وَقَدْ جَرَتْ أَخْبَارٌ ظَرِيفَةٌ فِي حَجِّ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلِلْمَنْصُورِ، وَلَلرَّشِيدِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ ذَلِكَ.
مَوْعِظَةُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بِمَكَّةَ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ الضَّرَّابُ، أَنْبَأنَا أَبِي، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ، يَقُولُ: دَخَلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ، وَحَوَالَيْهِ الأَشْرَافُ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ فِي وَقْتِ حَجِّهِ فِي خِلافَتِهِ، فَلمَّا بَصُرَ بِهِ قَامَ إِلَيْهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهِ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ، وَحَرَمِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَتَعَاهَدْهُ بِالْعِمَارَةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَوْلادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنَّكَ بِهِمْ جَلَسْتَ هَذَا الْمَجْلِسَ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَهْلِ الثُّغُورِ، فَإِنَّهُمْ حِصْنُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ وَحْدَكَ الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَنْ عَلَى بَابِكَ وَلا تَغْفَلْ عَنْهُمْ، وَلا تُغْلِقْ دُونَهُمْ بَابَكَ.
فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ.
ثُمَّ نَهَضَ، فَقَبَضَ عَلَيْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا سَأَلْتَنَا حَوَائِجَ غَيْرِكَ، وَقَدْ قَضَيْنَاهَا، فَمَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: مَالِي إِلَى مَخْلُوقٍ حَاجَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَذَا وَأَبِيكَ الشَّرَفُ، هَذَا وَأَبِيكَ السُّؤْدُدُ
стр. 332
مَوْعِظَةُ بَعْضِ الصُّلَحَاءِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ
خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ يَوْمًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَوْضِعِ الْعِظَةِ، قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَهْلا مَهْلا، إِنَّكُمْ تَأْمُرُونَ وَلا تَأْتَمِرُونَ، وَتَنْهَوْنَ وَلا تَنْتَهُونَ، أَفَنَقْتَدِي بِسِيرَتِكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، أَمْ نُطِيعُ أَمْرَكُمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: اقْتَدُوا بِسِيرَتِنَا، فَأَيْنَ، وَكَيْفَ، وَمَا الْحُجَّةُ؟ وَكَيْفَ الاقْتِدَاءُ بِسِيرَةِ الظَّلَمَةِ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: أَطِيعُوا أَمْرَنَا، وَاقْبَلُوا نَصِيحَتَنَا، فَكَيْفَ يَنْصَحُ غَيْرَهُ مَنْ يَغُشُّ نَفْسَهُ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: خُذُوا الْحِكْمَةَ مِنْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا، فَعَلامَ قَلَّدْنَاكُمْ أَزِمَّةَ أُمُورِنَا؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ فِينَا مَنْ هُوَ أَفْصَحُ بِفُنُونِ الْعِظَاتِ، وَأَعْرَفُ بُوُجُوهِ اللُّغَاتِ، فَتَلَحْلَحُوا عَنْهَا، وَإِلا فَأَطْلِقُوا عِقَالَهَا يَتَبَدَّى إِلَيْهَا الَّذِينَ شَرَّدْتُمُوهُمْ فِي الْبُلْدَانِ، إِنْ يَقُلْ قَائِمٌ يَوْمًا لا يَعْدُوهُ، وَكِتَابًا بَعْدَهُ يَتْلُوهُ، ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]
سَبَبُ إِحْرَامِ الْمَنْصُورِ مِنْ بَغْدَادَ فِي بَعْضِ حِجَجِهِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُنْكَدِرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ الصَّلْتِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَقْدَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أبَيِ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ الْحَاسِبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَيْفُورٌ، قَالَ: كَانَ سَبَبُ إِحْرَامِ الْمَنْصُورِ مِنْ مَدِينَةِ السَّلامِ أَنَّهُ نَامَ لَيْلَةً فَانْتَبَهَ فَزِعًا، ثُمَّ عَاوَدَ النَّوْمَ فَانَتَبَهَ فَزِعًا، ثُمَّ رَاجَعَ النَّوْمَ فَانْتَبَهَ فَزِعًا، فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، قَالَ: لَبَّيْكَ أَمِيرَ
стр. 333
الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي عَجَبًا.
قَالَ: مَا رَأَيْتَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَ آتِيًا أَتَانِي فِي مَنَامِي، فَهَيْنَمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا، ثُمَّ عَاوَدْتُ النَّوْمَ، فَعَاوَدَنِي يَقُولُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، ثُمَّ عَاوَدَنِي بِقَوْلِهِ، حَتَّى فَهِمْتُهُ وَحَفِظْتُهُ، وَهُوَ:
كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أهْلُهُ ... وَعُرِّيَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَنَازِلُهُ
وَصَارَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ ... إِلَى جَدَثٍ يُبْنَى عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ
وَمَا أَحْسَبَنِي يَا رَبِيعُ إِلا وَقَدْ حَانَتْ وَفَاتِي، وَحَضَرَ أَجَلِي، وَمَا لِي غَيْرُ رَبِّي، قُمْ فَاجْعَلْ لِي غُسْلا، فَفَعَلْتُ، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: أَنَا عَازِمٌ عَلَى الْحَجِّ.
فَهَيَّأْنَا لَهُ آلَةَ الْحَجِّ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ النَّجَفَ، فَأَقَامَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَتَقَدَّمَتْ نُوَّابُهُ وَجُنْدُهُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْقَصْرِ، وَشَاكِرَيَّتَهُ بِالْبَابِ، فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعُ جِئْنِي بِفَحْمَةٍ مِنَ الْمَطْبَخِ، وَقَالَ لِي: اخْرُجْ فَكُنْ مَعَ دَابَّتِي إِلَى أَنْ أَخْرُجَ، فَلَمَّا خَرَجَ وَرَكِبَ، رَجَعْتُ إِلَى الْمَكَانِ كَأَنِّي أَطْلُبُ شَيْئًا، فَوَجَدْتُهُ قَدْ كَتَبَ عَلَى الْحَائِطِ بِالْفَحْمَةِ:
الْمَرْءُ يَهْوَى أَنْ يَعِيشَ ... وَطُولُ عُمْرٍ قَدْ يَضُرُّهُ
تَفْنَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْقَى ... بَعْدَ حُلْوِ الْعَيْشِ مُرُّهُ
وَتَصْرِفُ الأَيَّامُ حَتَّى ... مَا يَرَى شَيْئًا يَسُرُّهُ
كَمْ شَامِتٍ بِي إِنْ هَلَكْتُ ... وَقَائِلٌ لِلَّهِ دَرُّهُ
مَوْعِظَةُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لِلْمَنْصُورِ بِمَكَّةَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُسْلِمٍ، إِجَازَةً، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ
стр. 334
الْخَالِقِ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ السُّنِّيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو نَشِيطٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْفِرْيَابَيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِمِنًى، فَقُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ إِنَّمَا أُنْزِلْتَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَصِرْتَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ بِسُيُوفِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا، حَجَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَمَا أَنْفَقَ إِلا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَكَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ الشَّجَرِ.
فَقَالَ لِي: إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَكَ.
فَقُلْتُ لا تَكُنْ مِثْلِي وَلَكِنْ كُنْ دُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَفَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ، فَقَالَ لِي: أَخْرُجُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لِلْمَنْصُورِ: إِنِّي لأَعْلَمُ مَكَانَ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَوْ صَلَحَ صَلُحَتِ الأُمَّةُ كُلُّهَا.
قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
زِيَارَةُ الْمَنْصُورِ لِلْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ غَيْلانَ، قَالا: أَنْبَأنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوَانِيُّ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَلْحَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَكَّارٍ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ نُمَيْرٍ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: قَدِمَ علَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ بِالْمَدِينَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانٍ الطَّلْحِيُّ عَلَى قَضَائِهِ، وَأَنَا كَاتِبُهُ، فَاسْتُعْدِي الْجَمَّالُونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَيْءٍ يَذْكُرُوهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ كِتَابًا
стр. 335
بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ، وَإِنْصَافِهِمْ، فَقُلْتُ: تُعْفِينِي مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَعْرِفُ خَطِّي.
فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ، ثُمَّ خَتَمَهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لا يَمْضِي بِهِ غَيْرُكَ.
فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى الرَّبِيعِ، وَجَعَلْتُ أَعْتَذِرُ لَهُ، فَقَالَ لا عَلَيْكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: وَقَدْ حَضَرَ وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالأَشْرَافُ وَغَيْرُهُمْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي قَدْ دُعِيتُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلا أَعْلَمَنَّ أَحَدًا قَامَ لِي إِذَا خَرَجْتُ وَلا بَدَأَنِي بِالسَّلامِ.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ وَالْمُسَيِّبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالرَّبِيعُ، وَأَنَا خَلْفَهُ، وَهُوَ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ، فَمَا قَامَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَدَأَ بِالْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّبِيعِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا رَبِيعُ، أَخْشَى أَنْ يَرَانِي ابْنُ عِمْرَانٍ فَيَدْخُلَ قَلْبَهُ هَيْبَةٌ فَيَتَحَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَبِاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لا وَلِيَ لِي وِلايَةً أَبَدًا.
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ عِمْرَانٍ وَكَانَ مُتَّكِئًا، أَطْلَقَ رِدَاءَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، ثُمَّ احْتَبَى بِهِ، وَدَعَا بِالْخُصُومِ، ثُمَّ دَعَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ لِلرَّبِيعُ: اذْهَبْ فَإِذَا قَامَ وَخَرَجَ مَنْ عِنْدِهِ مِنَ الْخُصُومِ فَادْعُهُ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا دَعَاكَ إِلا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مَنْ أُمُورِ النَّاسِ جَمِيعًا.
فَدَعَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فَرَدَّ ﵇، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ دِينِكَ، وَعَنْ نَبِيِّكَ، وَعَنْ حَسَبِكَ، وَعَنْ خَلِيفَتِكَ كَأَحْسَنِ الْجَزَاءِ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشْرَةِ آلافِ دِينَارٍ فَاقْبِضْهَا، فَكَانَتْ عَامَّةُ أَمْوَالُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانٍ مِنْ تِلْكَ الصِّلَةِ
مَوْعِظَةُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ لِلرَّشِيدِ بِمَكَّةَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أحْمدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا أَبُو نُعَيْمِ الأَصْفَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ، حَدَّثَنَا
стр. 336
أَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدُ فَأَتَانِي، فَخَرَجْتُ مُسْرِعًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، قَدْ حَاكَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ، فَانْظُرْ لِي رَجُلا أَسْأَلُهُ.
فَقُلْتَ هُنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَرَعْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ، فَقَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَحَدَّثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: اقْضِ دَيْنَهُ.
فَلَمَّا خَرَجْنَا مَنْ عِنْدِهِ، قَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا، انْظُرْ لِي رَجُلا أَسْأَلْهُ، فَقُلْتُ: هَاهُنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا جَرَى لَهُ مَعَ سُفْيَانَ.
قُلْتُ: هَاهُنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتْلُو آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا، قَالَ: اقْرَعِ الْبَابَ، فَقَرَعْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: مَا لِي وَلأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوَ مَا عَلَيْكَ طَاعَتُهُ؟ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ وَأَطْفَأَ السِّرَاجَ، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ، فَدَخَلْنَا فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ قَبْلِي إِلَيْهِ.
فَقَالَ: يَا لَهَا مَنْ كَفٍّ مَا أَلْيَنَهَا إِنْ نَجَتْ غَدًا مَنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ تَقِيٍّ.
فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْبَلاءِ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، فَعَدَّ الْخِلافَةَ بَلاءً، وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ نِعْمَةً.
فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مَنْ عَذَابِ اللَّهِ فصُمْعَنِ الدُّنْيَا، وَلَيْكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتُ.
стр. 337
وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ غَدًا، فَلَيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا، وَأَوْسَطُهُمْ أَخًا، وَأَصْغَرُهُمْ وَلَدًا، فَوَقِّرْ أَبَاكَ، وَأَكْرِمْ أَخَاكَ، وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ.
وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَأَحِبِّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، ثُمَّ مِتْ إِذَا شِئْتَ.
وَإِنِّي أَقُولُ لَكَ، إِنَّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ يَوْمًا تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ، فَهَلْ مَعَكَ رَحِمَكَ اللَّهُ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ بِمِثْلِ هَذَا؟ فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِّيَ عَلَيْهِ، فَقُلْتَ لَهُ: ارْفُقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، وَأَرْفُقُ بِهِ أَنَا، ثُمَّ أَفَاقَ.
فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الَعْزِيزِ شُكِيَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا أَخِي، أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الأَبَدِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ وَانْقِطَاعِ الرَّجَاءِ.
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ، لا أَعُودُ إِلَى وِلايَةٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ، فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ الْمُصْطَفَى ﷺ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِّرْنِي عَلَى إِمَارَةٍ، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَكُونَ أَمِيرًا فَافْعَلْ» .
فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ لَهُ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ، أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ، وَإِيَّاكَ أَنْ
стр. 338
تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ، وَفِي قَلْبِكَ غِشًّا لأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشًّا لَمْ يَرْحَ رِيحَ الْجَنَّةِ» .
فَبَكَى هَارُونُ، وَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، دَيْنٌ لِرَبِّي لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ، فَالْوَيْلُ لِي إِنْ سَأَلَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي، وَالْوَيْلُ لَي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي.
قَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْعِبَادَ.
قَالَ: إِنَّ رَبِّيَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] .
فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ، خُذْهَا فَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَتِكَ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، وَأَنْتَ تُكَافِئُنِي بِمِثْلِ هَذَا، سَلَّمَكَ اللَّهُ وَوَفَّقَكَ.
ثُمَّ صَمَتَ فَلَمْ يُكَلِّمْنَا، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا صِرْنَا عَلَى الْبَابِ، قَالَ هَارُونُ: إِذَا دَلَلْتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِ هَذَا، هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ.
فَدَخَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: يَا هَذَا، قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ فَتَفَرَّجْنَا بِهِ.
فَقَالَ لَهَا: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَمَّا كَبُرَ نَحَرُوهُ فَأَكَلُوا لَحْمَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونُ هَذَا الْكَلامَ، قَالَ: نَدْخُلُ فَعَسَى يَقْبَلُ الْمَالَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْفُضَيْلُ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي السُّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ، فَجَاءَ هَارُونُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ وَلا يُجِيبُهُ.
فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا هَذَا قَدْ آذَيْتَ الشّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةَ، فَانْصَرِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَانْصَرَفْنَا
стр. 339
مَوْعِظَةُ الْعُمَرِيِّ لِلرَّشِيدِ بِمَكَّةَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَبَّالُ الْحَافِظُ، أَنْبَأنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرَانٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبَّاسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ فِي زُقَاقِ الشَّطْوِيِّ وَإِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، وَقَدْ حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى، قَدْ أُخْلِيُ لَهُ الْمَسْعَى.
قَالَ الْعُمَرِيُّ لِلرَّجُلِ لا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا، كَلَّفْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ عَنْهُ غَنِيًّا.
ثُمَّ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ، فَتَبِعْتُهُ، فَأَقْبَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، مِنَ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا، فَصَاحَ بِهِ: يَا هَارُونُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا عَمِّ، قَالَ: ارْقِ الصَّفَا، فَلَمَّا رَقِيَهُ قَالَ: ارْمِ بِطَرْفِكَ إِلَى الْبَيْتِ.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَ: كَمْ هُمْ؟ قَالَ: وَمَنْ يُحْصِيهِمْ؟ قَالَ: وَكَمْ فِي النَّاسِ مِثْلُهُمْ؟ قَالَ: خَلْقٌ لا يُحْصِيهِمْ إِلا اللَّهُ.
قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَأَنْتَ وَحْدَكَ تُسْأَلُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ؟ قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ وَجَلَسَ، وَجَعَلَ يُعْطُونَهُ مِنْدِيلا للدُّمُوعِ.
قَالَ الْعُمَرِيُّ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا قَالَ: قُلْ يَا عَمِّ.
قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّ الرَّجُلَ لَيُسْرِفُ فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَسْرَفَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَضَى وَهَارُونُ يَبْكِي.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: بَلَغَنِيَ أَنَّ
стр. 340
هَارُونَ الرَّشِيدَ، قَالَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ كُلَّ سَنَةٍ مَا يَمْنَعُنِي إِلا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ ثَمَّ يُسْمِعُنِي مَا أَكْرَهُ
مَوْعِظَةُ شَيْبَانَ لِلرَّشِيدِ بِمَكَّةَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأَسْدِيُّ، أَنْبَأنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّلْمَانِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: لَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ قِيلِ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ حَجَّ شَيْبَانُ.
قَالَ: اطْلُبُوهُ لِي.
فَطَلَبُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْبَانُ، عِظْنِي، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا رَجُلٌ أَلْكَنُ لا أُفْصِحُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَجِئْنِي بِمَنْ يَفْهَمُ كَلامِي حَتَّى أُكَلِّمَهُ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَفْهَمُ كَلامَهُ، فَقَالَ لَهُ بِالنَّبَطِيَّةِ، قُلْ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الَّذِي يُخَوِّفُكَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْمَأْمَنَ أَنْصَحُ لَكَ مِنَ الَّذِي يُؤَمِّنُكَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْخَوْفَ.
فَقَالَ قُلْ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ تَفْسِيرُ هَذَا؟ قَالَ: قُلْ لَهُ: الَّذِي يَقُولُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّكَ رَجُلٌ مَسْئُولٌ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، اسْتَرْعَاكَ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَقَلَّدَكَ أُمُورَهَا، وَأَنْتَ مَسْئُولٌ عَنْهَا، فَاعْدِلْ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاقْسِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَانْفِرْ فِي السَّرِيَّةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ.
هَذَا الَّذِي يُخَوِّفُكَ، فَإِذَا بَلَغْتَ الْمَأْمَنَ أَمِنْتَ، فَهُوَ أَنْصَحُ لَكَ مِمَّنْ يَقُولُ: أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ قَرَابَةُ نَبِيِّكُمْ وَفِي شَفَاعَتِهِ، فَلا يَزَالُ يُؤَمِّنُكَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتَ الْخَوْفَ عَطَبْتَ.
قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ حَتَّى رَحِمَهُ مَنْ حَوْلَهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: زِدْنِي.
قَالَ: حَسْبُكَ
стр. 341
مَوْعِظَةُ أَعْرَابِيٍّ لِلَرَّشِيدِ فِي الطَّوَافِ
حَجَّ الرَّشِيدُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ تَعَرَّضَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَنْشَدَهُ:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ أَنْ تَعِيشَ ... أَتَظُنُّ حَادِثَاتِ الزَّمَانِ تَطِيشُ
عِشْ كَيْفَ شِئْتَ لَتَأْتِيَنَّكَ وَقْفَةٌ ... يَوْمًا وَلَيْسَ عَلَى جَنَاحِكَ رِيشُ
فَوَقَفَ فَاسْتَعَادَهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى بُلَّ وَجْهُهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْعِظَةَ بُهْلُولٍ لِلرَّشِيدِ عِنْدَ الْكُوفَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
стр. 342
بَابُ ذِكْرِ طَرَفٍ مُسْتَحْسَنٍ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَالأَوْلِيَاءِ فِي الْحَجِّ
أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادَيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّهْوَانِيُّ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ مَنْدَهْ، قَالا: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ نُوهٍ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ اللُّنْبَانِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ سَلَمَةَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ كَانَ لأَبِي قِلابَةَ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، فَتَقَدَّمَ أَصْحَابُهُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَصَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَطَشِي مِنْ غَيْرِ فِطْرٍ، فَأَظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى
стр. 343
بَلَتْ ثَوْبَهُ، وَذَهَبَ الْعَطَشُ عَنْهُ، فَنَزَلَ فَحَوَّضَ حِيَاضًا فَمَلأَهَا مَاءً، فَانَتَهَى إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَشَرِبُوا، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ شَيْءٌ
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: كَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ يَحُجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَحُجُّ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ إِخْوَانِهِ تَعَوَّدُوا ذَلِكَ، فَأَبْطَأَ عَامًا مِنْ تِلْكَ الأَعْوَامِ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ؟ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا.
فَقَالُوا: كَبُرَ وَاللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، يَأْمُرُنَا بِالْخُرُوجِ وَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الْحَجِّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ إِلا أَنْ يَخْرُجُوا، فَفَعَلُوا اسْتَحْيَاءً، فَأَصَابَهُمْ حِينَ جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ إِعْصَارٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَانَ لا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا مَا تَنَادَوْا، فَأَصْبَحُوا يَنْظُرُونَ إِلَى جِبَالِ تِهَامَةَ، فَحَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَقَالَ: وَمَا تَعْجَبُونَ مَنْ هَذَا فَي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى
أَخْبَرَنَا أَبُوَ الْحَسَنِ سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: كَانَ حَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرَى بِالْبَصْرَةِ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَيُرَى بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْخَلالُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ،
стр. 344
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَنْبَأنَا سَيَّارٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ حَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُرَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَيُرَى يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ
وَبِهِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دَينَارٍ، أَنَّهُ كَانَ يُرَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْخَلالُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلْطِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَادَا، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْلِحٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ، بِعَرَفَاتٍ وَكَلَّمْتُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَطُوفُ بَالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ حَجِّي، فَبَكَى وَدَعَا لِي، فَأَتَيْتُ مِصْرَ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَسَنَ كَانَ مَعَنَا بِمَكَّةَ.
فَقَالُوا: مَا حَجَّ الْعَامَ.
وَقَدْ كَانَ يَبْلُغُنِي أَنَّهُ يَمُرُّ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ، فَمَا كُنْتُ أُصَدِّقُ، حَتَّى رَأَيْتُهُ، فَعَاتَبَنِي، وَقَالَ: شَهَرْتَنِي مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَذَا عَنِّي، فَلا تُعِدْ بِحَقِّي عَلَيْكَ.
وَأَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَيَانٍ، قَالا: أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، بِابْتِدَائِهِ كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ لِي لَهُ مَنْظَرَةٌ إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا، فَجَلَسَ فِي فَيْءِ الْقَصْرِ لِيَسْتَرِيحَ،
стр. 345
فَقُلْتُ لِلْخَادِمِ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا الشَّيْخِ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَسَلْهُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْنَا، فَقَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِي، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَامَ مَعَهُ، فَدَخَلَ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْتُ ﵇، وَاسْتَبْشَرْتُ بِدُخُولِهِ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الطَّعَامَ، فَأَبَى.
فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ.
فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْحَجَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْعَشْرِ أَوِ الثَّانِي.
فَقُلْتُ: فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
فَقُلْتُ: فَالصُّحْبَةُ.
فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ قَالَ لِي: قُمْ.
فَلَبِسْتُ مَا يَصْلُحُ لِلسَّفَرِ وَأَخَذَ بِيَدِي وَخَرَجْنَا مِنْ بَلْخَ فَمَرَرْنَا بِقَرْيَةٍ لَنَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ مِنَ الْفَلاحِينَ فَأَوْصَيْتُهُ بِبَعْضِ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَقَدَّمَ إِلَيْنَا خُبْزًا وَبَيْضًا، وَسَأَلَنَا أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلْنَا، وَجَاءَنَا بِمَاءٍ فَشَرِبْنَا، ثُمّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ قُمْ.
فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَعَلْنَا نَسِيرُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ تُجْذَبُ مِنْ تَحْتِنَا كَأَنَّهَا الْمَوْجُ، فَمَرَرْنَا بِمَدِينَةٍ بَعْدَ مَدِينَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذِهِ مَدِينَةُ كَذَا، وَهَذِهِ مَدِينَةُ كَذَا، هَذِهِ الْكُوفَةُ.
ثُمَّ قَالَ لِي: الْمَوْعِدُ هَاهُنَا فِي مَكَانِكَ هَذَا فِي الْوَقْتِ، يَعْنِي مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْوَقْتُ، إِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا مَنْزِلُ كَذَا، هَذَا مَنْزِلُ كَذَا، هَذِهِ فَيْدُ، وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ تُجْذَبُ مِنْ تَحْتِنَا كَأَنَّهَا الْمَوْجُ، فَصِرْنَا إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزُرْنَاهُ، وَقَالَ لِي: الْمَوْعِدُ فِي الْوَقْتِ، فِي اللَّيْلِ، فَي الْمُصَلَّى.
حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ خَرَجْتَ فَإِذَا أَنَا بِهِ فِي الْمُصَلَّى، فَأَخَذَ بِيَدِي فَفَعَلَ كَفِعْلِهِ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ فِي اللَّيْلِ، فَفَارَقَنِي، فَقَبَضْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: الصُّحْبَةُ.
فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الشَّامَ.
فَقُلْتُ: أَنَا مَعَكَ.
فَقَالَ: إِذَا انْقَضَى الْحَجُّ فَالْمَوْعِدُ هَاهُنَا عِنْدَ زَمْزَمَ.
حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْحَجُّ إِذَا بِهِ عِنْدَ زَمْزَمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَفَعَلَ كَفِعْلِهِ الأَوَّلِ، فَإِذَا نَحْنُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ لِي: عَلَيْكَ السَّلامُ، أَنَا عَلَى الْمُقَامِ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَارَقَنِي، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلا عَرَّفَنِي
стр. 346
اسْمَهُ، فَرَجِعْتُ إِلَى بَلَدِي أَسِيرُ سَيْرَ الضُّعَفَاءِ مَنْزِلا بَعْدَ مَنْزِلٍ حَتَّى صِرْتُ إِلَى بَلْخَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالا: أَنْبَأنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْرَفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْبَلْخِيَّ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا خُشْنَامُ بْنُ حَاتِمٍ الأَصَمُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ لِي شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ: خَرَجْتُ حَاجًّا فَنَزَلْتُ الْقَادِسِيَّةَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ فِي زِينَتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، نَظَرْتُ إِلَى فَتًى حَسَنِ الْوَجْهِ، شَدِيدِ السُّمْرَةِ، فَوْقَ ثِيَابِهِ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ، مُشْتَمِلٌ بِشَمْلَةٍ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ، وَقَدْ جَلَسَ مُنْفَرِدًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا مِنَ الصُّوفِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كَلا عَلَى النَّاسِ، وَاللَّهِ لأَمْضِيَنَّ إِلَيْهِ ولأُوَبِخَنَّهُ، فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلا قَالَ: يَا شَقِيقُ ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] .
ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى خَاطِرِي وَمَا هَذَا إِلا عَبْدٌ صَالِحٌ، وَغَابَ عَنْ عَيْنِي، فَلَمَّا نَزَلْنَا وَاقِصَةَ إِذَا هُوَ يُصَلِّي وَأَعْضَاؤُهُ تَضْطَرِبُ، وَدُمُوعُهُ تَجْرِي، قُلْتُ: هَذَا صَاحِبِي، أَمْضِي إِلَيْهِ وَأَسْتَحِلُّهُ، فَصَبَرْتُ حَتَّى جَلَسَ، فَأَقْبَلْتُ، فَقَالَ: يَا شَقِيقُ اتْلُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَمِنَ الأَبْدَالِ قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى سِرِّي مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا زَبَالَةَ، إِذَا بِالْفَتَى قَائِمٌ عَلَى الْبِئْرِ، وَبِيَدِهِ رَكْوَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنَ الْمَاءِ فَسَقَطَتِ الرَّكْوَةُ مِنْ يَدِهِ فِي
стр. 347
الْبِئْرِ، فَرَأَيْتُهُ قَدْ رَمَقَ إِلَى السَّمَاءِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَنْتَ رَبِّي إِذَا ظَمِئْتُ إِلَى الْمَاءِ، وَقُوتِي إِذَا أَرَدْتُ الطَّعَامَ، اللَّهُمَّ يَا سَيِّدِي مَا لِي سِوَاهَا فَلا تُعْدِمْنِيهَا.
قَالَ شَقِيقٌ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْبِئْرَ وَقَدِ ارْتَفَعَ مَاؤُهَا، فَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ الرَّكْوَةَ وَمَلأَهَا مَاءً، وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكَعَاتٍ، ثُمَّ مَالَ إِلَى كَثِيبِ رَمْلٍ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ وَيَطْرَحُهُ فِي الرَّكْوَةِ وَيُحَرِكُهُ وَيَشْرَبُ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أَطْعِمْنِي مِنْ فَضْلِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ.
فَقَالَ: يَا شَقِيقُ، لَمْ تَزَلْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي الرَّكْوَةَ، فَشَرِبْتُ مِنْهَا، فَإِذَا سُوَيْقٌ وَسُكَّرٌ، فَوَاللَّهِ مَا شَرِبْتُ قَطُّ أَلَذَّ مِنْهُ، فَشَبِعْتُ وَرَوِيتُ، وَأَقَمْتُ أَيَّامًا لا أَشْتَهِي طَعَامًا، ثُمَّ لَمْ أَرَهْ حَتَّى دَخَلْنَا مَكَّةَ، فَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً إِلَى جَنْبِ قُبَّةِ الشَّرَابِ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ وَأَنِينٍ وَبُكَاءٍ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا رَأَى الْفَجْرَ، جَلَسَ فِي مُصَلاهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا وَخَرَجَ، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا لَهُ غَاشِيَتُهُ وَأَمْوَالٌ، وَهُوَ عَلَى خِلافِ مَا رَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَدَارَ بِهِ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ مَنْ رَأَيْتُهُ بِقُرْبٍ مِنْهُ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟ فَقَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ.
فَقُلْتُ: قَدْ عَجِبْتُ أَنْ تَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ الْعَجَائِبِ إِلا لِمَثْلِ هَذَا السَّيِّدِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا مَسْعُودُ بْنُ نَاصِرٍ السِّجِسْتَانِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلا فِي الْبَادِيَةِ شَابًّا، حَسَنَ الْوَجْهِ، لَهُ
стр. 348
ذُؤَابَتَانِ، وَعَلَى رَأْسِهِ رِدَاءُ قَصَبٍ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُ كَتَّانٍ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلُ طَاقٍ.
قَالَ مَعْرُوفٌ: فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمِنْ زِيِّهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا عَمِّ، فَقُلْتُ: الْفَتَى مِنْ أَيْنَ قَالَ: مَنْ مَدِينَةِ دِمَشْقَ.
قُلْتُ: وَمَتَى خَرَجْتَ مِنْهَا؟ قَالَ: ضَحْوَةً.
قَالَ مَعْرُوفٌ: فَتَعَجَّبْتُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِيهِ مَرَاحِلُ كَثِيرَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ الْمَقْصِدُ؟ قَالَ: مَكَّةَ.
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا لَرَفِقَ بِنَفْسِهِ، فَوَدَّعْتُهُ، وَمَضَى، فَلَمْ أَرَهُ حَتَّى مَضَتْ ثَلاثُ سِنِينَ.
فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ وَأَنَا فِي مَنْزِلِي أَتَفَكَّرُ فِي أَمْرِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ، إِذَا بِإِنْسَانٍ يَدُقُّ الْبَابَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَنَا بِصَاحِبِي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتَ: مَرْحَبًا وَأَهْلا، وَأَدْخَلْتُهُ الْمَنْزِلَ، فَرَأَيْتُهُ مُنْقَطِفًا، وَالِهًا تَالِفًا، عَلَيْهِ زُرْمَانِقَةٌ، حَافِيًا حَاسِرًا.
فَقُلْتُ: هِيهْ، إِيشِ الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ، لاطَفَنِي حَتَّى أَدْخَلَنِي الشَّبَكَةَ، فَرَمَى بِي، فَمَرَّةٌ يُلاطِفُنِي، وَمَرَّةٌ يُهَدِّدُنِي، وَمَرَّةٌ يُهِينُنِي، وَمَرَّةٌ يُكْرِمُنِي، فَلَيْتَهُ وَقَفَنِي عَلَى بَعْضِ أَسْرَارِ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ لْيَفْعَلْ بِي مَا شَاءَ.
قَالَ مَعْرُوفٌ: فَأَبْكَانِي كَلامُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَحَدِّثْنِي بِبَعْضِ مَا جَرَى عَلَيْكَ مُنْذُ فَارَقْتَنِي.
قَالَ: هَيْهَاتَ أَنْ أُبْدِيَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْفِيَهُ، وَلَكِنْ مَبْدَأَ مَا فَعَلَ بِي فِي طَرِيقِي إِلَيْكَ يَا مَوْلايَ وَسَيِّدِي، ثُمَّ اسْتَفْرَغَهُ الْبُكَاءُ.
فَقُلْتُ: وَمَا فَعَلَ
стр. 349
بِكَ؟ قَالَ: جَوَّعَنِي ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مَقْثَأَةٌ قَدْ نُبِذَ مِنْهَا الْمُدَوَّدُ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْهُ، فَبَصُرَ بِي صَاحِبُ الْمَقْثَأَةِ، فَأَقْبَلَ يَضْرِبُ ظَهْرِي وَبَطْنِي، وَيَقُولُ: يَا لِصُّ، مَا خَرَّبَ مَقْثَأَتِي غَيْرُكَ، مُنْذُ كَمْ أَنَا أَرْصُدُكَ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْكَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُنِي إِذَا أَقْبَلَ فَارِسٌ نَحْوَهُ مُسْرِعًا إِلَيْهِ، وَقَلَّبَ السَّوْطَ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ: تَعْمَدُ إِلَى وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَتَقُولُ لَهُ: يَا لِصُّ؟ فَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَقْثَأَةِ بِيَدِي فَذَهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَمَا أَبْقَى مِنَ الْكَرَامَةِ شَيْئًا إِلا عَمِلَهُ، وَاسْتَحَلَّنِي، وَجَعَلَ مَقْثَأَتَهُ لِلَّهِ وَلأَصْحَابِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: صِفْ لِي مَعْرُوفًا، فَوَصَفَكَ فَعَرَفْتُكَ بِالصِّفَةِ بِمَا كُنْتُ قَدْ شَاهَدْتُهُ مِنْ صِفَتِكَ.
قَالَ مَعْرُوفٌ: فَمَا اسْتَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى دَقَّ الْبَابَ صَاحِبُ الْمَقْثَأَةِ وَدَخَلَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَأَخْرَجَ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَصَحِبَ الشَّابَّ سَنَةً، وَخَرَجَا إِلَى الْحَجِّ، فَمَاتَا بِالرَّبَذَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْقَوَّاسُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْخَوَّاصُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ فَدَعَا لِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَفِي وَجْهِهِ أَثَرٌ، فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: يَا أَبَا مَحْفُوظٍ، كُنَّا عِنْدَكَ بِالأَمْسِ وَمَا بِوَجْهِكَ هَذَا الأَثَرُ، وَالْيَوْمَ نَرَى عَلَى وَجْهِكَ أَثَرًا؟ فَقَالَ مَعْرُوفٌ: سَلْ عَمَّا يَعْنِيكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: بِمَعْبُودِكَ إِلا عَرَّفْتَنِي.
فَتَغَيَّرَ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ
стр. 350
أَنَّكَ تُحَلِّفُنِي بِاللَّهِ، صَلَّيْتُ الْبَارِحَةَ هَاهُنَا، فَاشْتَهَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْتُ، وَصِرْتُ إِلَى زَمْزَمَ لأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَزَلَّتْ قَدِمَي عَلَى الْبَابِ، فَأَصَابَ وَجْهِي مَا تَرَاهُ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُسُوحِيُّ، مِنْ جِلَّةِ مَشَايِخِ بَغْدَادَ وَظُرَّافِهِمْ وَمُتَوَكِّلِيهِمْ، سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ يَحْيَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُسُوحِيُّ يَحُجُّ بِقَمِيصٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلٍ طَاقٍ، وَلا يَحْمِلُ مَعَهُ شَيْئًا، لا رَكْوَةٌ، وَلا كُوزٌ، إِلا كُوزَ بِلَّوْرٍ فِيهِ تُفَّاحٌ شَامِيٌّ، يَشُّمُّهُ مِنْ جَوْفِ بَغْدَادَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَفَاضِلِ النَّاسِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّرْقِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا مَعَ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرِضَ، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى نَاحِيَةٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَنَا عَطْشَانُ، فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ، فَإِذَا عَيْنُ مَاءٍ زُلالٍ، فَقَالَ الْفَتَى: أُحِبّ أَنْ أَشْرَبَ فِي قَدَحٍ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ فَنَاوَلَهُ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ أَبْيَضَ، كَأَحْسَنِ
стр. 351
مَا رَأَيْتُ، فَشَرِبَ وَسَقَانَا، وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْمًا مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يُكْرِمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يُعْطَى الإِيمَانَ بِهَا.
فَقَالَ: مَنْ لَمْ يُعْطَ الإِيمَانَ بِهَا كَفَرَ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مِنْ طَرِيقِ الأَحْوَالِ، فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ لَهُمْ قَوْلا فِيهِ.
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، بَلَى قَدْ زَعَمَ أَصْحَابُكَ أَنَّهَا خِدَعٌ مِنَ الْجِنِّ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْخِدَعُ فِي حَالِ السُّكُونِ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْمُلْكِ فِي أَعْنَاقِ الْحَقَائِقِ، فَتِلْكَ مَرْتَبَةُ الرَّبَّانِيِّينَ
وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَنَانًا الْحَمَّالَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وَحْدِي، فَاسْتَوْحَشْتُ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِي: نَقَضْتَ الْعَهْدَ، لِمَ تَسْتَوْحِشْ، أَلَيْسَ حَبِيبُكَ مَعَكَ؟
وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حفِيفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمُزَيِّنَ، بِمَكَّةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي بَادِيَةِ تَبُوكَ فَتَقَدَّمْتُ إِلَى بِئْرٍ لأَسْتَسْقِيَ مِنْهَا، فَزَلَقَتْ رِجْلِي، فَوَقَعْتُ فِي جَوْفِ الْبِئْرِ، فَرَأَيْتُ فِي الْبِئْرِ زَاوِيَةً وَاسِعَةً، فَأَصْلَحْتُ مَوْضِعَهَا، وَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مِنِّي شَيْءٌ لا أُفْسِدُ الْمَاءَ عَلَى النَّاسِ، فَطَابَتْ نَفْسِي، وَسَكَنَ قَلْبِي، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذَا بِخَشْخَشَةٍ، فَتَأَمَّلْتُ فَإِذَا بِأَفْعَى تَنْزِلُ، فَرَاجَعْتُ نَفْسِي، فَإِذَا هِيَ سَاكِنَةٌ، فَنَزَلَ وَدَارَ بِي، وَكُنْتُ هَادِئَ السِّرِّ لا تَضْطَرِبُ عَلَيَّ نَفْسِي، ثُمَّ لَفَّ بِي ذَنَبَهُ، فَأَخْرَجَنِي
стр. 352
مِنَ الْبِئْرِ، ثُمَّ حَلَّ عَنِّي ذَنَبَهُ، فَلا أَدْرِي أَرْضٌ ابْتَلَعَتْهُ أَمْ سَمَاءٌ رَفَعَتْهُ، وَقُمْتُ فَمَشَيْتُ
وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لأَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ، وَكَانَ قُرْبَ الْمَغْرِبِ: انْزِلِ الْجَبَلَ وَاتْرِكِ التَّدْبِيرَ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ بِمَكَّةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعْمَرِ الأَنْصَارِيُّ أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ فَصَحِبَنِي بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَأَضَافَنَا الطَّرِيقُ إِلَى جَبَلٍ وَكُنَّا جَمَاعَةً، فَاسْتَسْقَيْنَاهُ مَاءً، وَلَمْ يَكُنْ بِالْقُرْبِ مَاءً، فَأَخَذَ رَكْوَةً وَأَدْنَى بِهَا إِلَى الْجَبَلِ، فَسَمِعْتُ خَرِيرَ الْمَاءِ بِأُذُنِي، حَتَّى امْتَلأَتِ الرَّكْوَةُ، فَسَقَى الْجَمَاعَةَ، فَكَانَتْ عَيْنِي إِلَى الْمَوْضِعِ، فَلا أَرَى لِلْمَاءِ أَثَرًا، وَلا شِقًّا فِي الْجَبَلِ.
قَالَ أَبِي: فَسَأَلْتُ جَعْفَرًا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: كَرَامَةُ اللَّهِ لأَوْلِيَائِهِ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَزْجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ، قَالَ: سَمِعْتُ حَسَنًا أَخَا سِنَانٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ، يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي قَدْ خَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَمَضَيْتُ عَلَى طَرِيقٍ، وَمَضُوا عَلَى
стр. 353
طَرِيقٍ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا افْتَرَقْنَا صَادَ أَصْحَابِي ظَبْيًا، فَذَبَحُوهُ، وَشَوُوهُ، فَلَمَّا جَلَسُوا لِيَأْكُلُوهُ إِذَا بِنِسْرٍ قَدِ انْقَضَّ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَمَلَ رُبُعَ الظَّبْيِ، قَالُوا: فَأَقْبَلْنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو تُرَابٍ: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا بِمَكَّةَ، قُلْتُ لَهُمْ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ خَبَرُكُمْ بَعْدِي؟ فَأَخْبَرُونِي خَبَرَهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ الظَّبْيِ.
فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ سَائِرًا فَإِذَا نِسْرٌ قَدْ أَلْقَى لِي رُبُعَ ظَبِيٍ مَشْوِيٍ، فَأَكَلْتُ، وَكَانَ أَكْلُنَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نُوحٍ، وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ، قَالَ: صَحِبْتُ شَيْخًا فَي طَرِيقِ مَكَّةَ فَأَعْجَبَتْنِي هَيْئَتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَصْحَبَكَ.
قَالَ: أَنْتَ وَمَا أَحْبَبْتَ.
قَالَ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّهَارِ فَإِذَا أَمْسَى أَقَامَ فِي مَنْزِلٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَقُومُ اللَّيْلَ يُصَلِّي، وَكَانَ يَصُومُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا أَمْسَى عَهِدَ إِلَى جَرِيبٍ مَعَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَلْقَاهُ إِلَى فِيهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا.
وَكَانَ يَدْعُونِي فَيَقُولُ: هَلُمَّ فَأَصِبْ مِنْ هَذَا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمُجْزِئِكَ أَنْتَ، فَكَيْفَ أُشْرِكُكَ فِيهِ؟ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، وَدَخَلَتْ قَلْبِي هَيْبَةٌ لَهُ عِنْدَمَا رَأَيْتُ مِنَ اجْتِهَادِهِ وَصَبْرِهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَسُوقُ حِمَارًا، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَاشْتَرِ ذَلِكَ الْحِمَارَ.
قَالَ: فَمَنَعَتْنِي وَاللَّهِ هَيْبَتُهُ فِي صَدْرِي أَنْ أَرُدَّهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِ الْحِمَارِ وَأَنَا أَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَعِيَ ثَمَنُهُ فَكَيْفَ أَشْتَرِيهِ، صَاحِبَ الْحِمَارِ، فَسَاوَمْتُهُ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَنْقُصَهُ مِنْ ثَلاثِينَ دِينَارًا، فَجِئْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: خُذْهُ وَاسْتَخِرِ اللَّهَ، قُلْتُ: الثَّمَنَ.
قَالَ: سَمِّ اللَّهَ، ثُمَّ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي الْجِرَابَ، فَخُذِ الثَّمَنَ فَأَعْطِهِ، فَأَخَذْتُ الْجِرَابَ، ثُمّ قُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِيَ فِيهِ، فَإِذَا
стр. 354
صُرَّةٌ فِيهَا ثَلاثُونَ دِينَارًا لا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ.
قَالَ: فَدَفَعْتُهَا إِلَى الرَّجُلِ، وَأَخَذْتُ الْحِمَارَ، وَجِئْتُ بِهِ.
فَقَالَ لِي: ارْكَبْ.
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَضْعَفُ مِنِّي، فَرَكِبَ، وَكُنْتُ أَمْشِي مَعَ حِمَارِهِ، فَحَيْثُ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ أَقَامَ، فَإِنَّمَا هُوَ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ، حَتَّى أَتَيْنَا عُسْفَانَ، فَلَقِيَهُ شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلا يَبْكِيَانِ، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَفْتَرِقَا، قَالَ صَاحِبِي لِلشَّيْخِ: أَوْصِنِي.
قَالَ: نَعَمْ، أَلْزِمِ التَّقْوَى قَلْبَكَ، وَانْصُبْ ذِكْرَ الْمَعَادِ أَمَامَكَ.
قَالَ: زِدْنِي.
قَالَ: نَعَمْ، اسْتَقْبِلِ الآخِرَةَ بِالْحُسْنَى مِنْ عَمَلِكَ، وَبَاشِرْ عَوَارِضَ الدُّنْيَا بِالزُّهْدِ مِنْ قَلْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأَكْيَاسَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا عَيْبَ الدُّنْيَا حَينَ عَمِيَ عَلَى أَهْلِيهَا، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ افْتَرَقَا.
فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ فَقَالَ: عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ.
فَخَرَجْنَا مِنْ عُسْفَانَ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الأَبْطَحِ، نَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ، وَقَالَ لِي: اثْبُتْ مَكَانَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ نَظْرَةً ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَانْطَلَقَ، وَعَرَضَ لِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: تَبِيعُ الْحِمَارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِثَلاثِينَ دِينَارًا.
قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ مِنْكَ.
قُلْتُ: يَا هَذَا، وَاللَّهِ مَا هُوَ لِي، لِي، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لأَكُلِّمُهُ إِذْ طَلَعَ الشَّيْخُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ الْحِمَارَ بِثَلاثِينَ دِينَارًا قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ اسْتَزَدْتَهُ لَزَادَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَّا إِذْ بِعْتَ فَأَجِزْ.
فَأَخَذْتُ مِنَ الرَّجُلِ ثَلاثِينَ دِينَارًا، وَدَفَعْتُ الْحِمَارَ إِلَيْهِ، وَجِئْتُ بِالدَّنَانِيرِ، فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: هِيَ لَكَ، فَأَنْفِقْهَا.
قُلْتُ: لا حَاجَةَ لِي بِهَا.
قَالَ: فَأَلْقِهَا فَي الْجِرَابِ، فَأَلْقَيْتُهَا، فَنَزَلْنَا بِالأَبْطَحِ، فَقَالَ: ابْغِنِي دَاوَةً وَقِرْطَاسًا، فَأَتَيْتُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ كِتَابَيْنِ، ثُمَّ شَدَّهُمَا، فَدَفَعَ أَحَدَهُمَا إِلَيَّ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِهِ إِلَى عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَهُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ،
стр. 355
وَاقْرئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ دَفَعَ الآخَرَ لِي، وَقَالَ: لِيَكُنْ هَذَا مَعَكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَاقْرَأْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ، فَأَتَيْتُ بِهِ عَبَّادَ بْنَ عَبَّادٍ وَهُوَ قَاعِدٌ يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، كِتَابُ بَعْضِ إِخْوَانِكَ.
فَأَخَذَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: يَا عَبَّادُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكَ الْفَقْرَ يَوْمَ تَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى الذُّخْرِ، فَإِنَّ فَقْرَ الآخِرَةِ لا يَسُدُّهُ غِنًى، وَإِنَّ مُصَابَ الآخِرَةِ لا تُجْبَرُ مُصِيبَتُهُ أَبَدًا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ، وَأَنَا مَيْتٌ السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَحْضِرْنِي لِتَلِيَنِي، وَتَوَلَّى الصَّلاةَ عَلَيَّ، وَإِدْخَالِي حُفْرَتِي، وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْرَأِ السَّلامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْكُمْ جَمِيعًا السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَلَمَّا قَرَأَ عَبَّادٌ الْكِتَابَ، قَالَ لِي: يَا هَذَا أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: بِالأَبْطَحِ.
قَالَ: فَمَرِيضٌ هُوَ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ السَّاعَةَ صَحِيحًا، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ مَيْتٌ مُسَجًّى عَلَيْهِ عَبَاءٌ.
فَقَالَ لِي عَبَّادٌ: هَذَا صَاحِبُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: تَرَكْتَهُ صَحِيحًا، قُلْتُ: تَرَكْتُهُ صَحِيحًا السَّاعَةَ، فَجَلَسَ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ فِي جَهَازِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ.
وَاحْتَشَدَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَتَحْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأَنْتَ يَا أَخِي، نَفَعَكَ اللَّهُ بِمَعْرُوفِكَ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ صُحْبَتِنَا خَيْرًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَعْرُوفِ يَجِدُهُ لِجَنْبِهِ مُضْطَجِعًا، وَإِنَّ حَاجَتِي إِلَيْكَ إِذَا قَضَى اللَّهُ نُسُكَكَ أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَادْفَعْ مِيرَاثِي إِلَى وَارِثِي، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كُلُّ أَمْرِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَجَبٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِكَ، كَيْفَ آتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَلَمْ يُسَمِّ لِي أَحَدًا، وَلَمْ يَصِفْ لِي مَوْضِعًا، وَلَمْ أَدْرِ إِلَى مَنْ أَدْفَعُهُ؟ قَالَ: وَخَلَّفَ قَدَحًا وَجِرَابَهُ ذَلِكَ، وَعَصًى كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا.
قَالَ: وَكَفَّنَّاهُ فَي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ وَلَفَفْنَا الْعَبَاءَةَ فَوْقَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا انْقَضَى الْحَجُّ، قُلْتُ:
следующие страницы →