Полный текст (465 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
مَا رَأَيْتُ، فَشَرِبَ وَسَقَانَا، وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْمًا مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يُكْرِمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يُعْطَى الإِيمَانَ بِهَا.
فَقَالَ: مَنْ لَمْ يُعْطَ الإِيمَانَ بِهَا كَفَرَ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مِنْ طَرِيقِ الأَحْوَالِ، فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ لَهُمْ قَوْلا فِيهِ.
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، بَلَى قَدْ زَعَمَ أَصْحَابُكَ أَنَّهَا خِدَعٌ مِنَ الْجِنِّ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْخِدَعُ فِي حَالِ السُّكُونِ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْمُلْكِ فِي أَعْنَاقِ الْحَقَائِقِ، فَتِلْكَ مَرْتَبَةُ الرَّبَّانِيِّينَ
وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَنَانًا الْحَمَّالَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ وَحْدِي، فَاسْتَوْحَشْتُ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِي: نَقَضْتَ الْعَهْدَ، لِمَ تَسْتَوْحِشْ، أَلَيْسَ حَبِيبُكَ مَعَكَ؟
وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حفِيفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمُزَيِّنَ، بِمَكَّةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي بَادِيَةِ تَبُوكَ فَتَقَدَّمْتُ إِلَى بِئْرٍ لأَسْتَسْقِيَ مِنْهَا، فَزَلَقَتْ رِجْلِي، فَوَقَعْتُ فِي جَوْفِ الْبِئْرِ، فَرَأَيْتُ فِي الْبِئْرِ زَاوِيَةً وَاسِعَةً، فَأَصْلَحْتُ مَوْضِعَهَا، وَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مِنِّي شَيْءٌ لا أُفْسِدُ الْمَاءَ عَلَى النَّاسِ، فَطَابَتْ نَفْسِي، وَسَكَنَ قَلْبِي، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذَا بِخَشْخَشَةٍ، فَتَأَمَّلْتُ فَإِذَا بِأَفْعَى تَنْزِلُ، فَرَاجَعْتُ نَفْسِي، فَإِذَا هِيَ سَاكِنَةٌ، فَنَزَلَ وَدَارَ بِي، وَكُنْتُ هَادِئَ السِّرِّ لا تَضْطَرِبُ عَلَيَّ نَفْسِي، ثُمَّ لَفَّ بِي ذَنَبَهُ، فَأَخْرَجَنِي
стр. 352
مِنَ الْبِئْرِ، ثُمَّ حَلَّ عَنِّي ذَنَبَهُ، فَلا أَدْرِي أَرْضٌ ابْتَلَعَتْهُ أَمْ سَمَاءٌ رَفَعَتْهُ، وَقُمْتُ فَمَشَيْتُ
وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لأَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ، وَكَانَ قُرْبَ الْمَغْرِبِ: انْزِلِ الْجَبَلَ وَاتْرِكِ التَّدْبِيرَ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ بِمَكَّةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعْمَرِ الأَنْصَارِيُّ أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ فَصَحِبَنِي بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَأَضَافَنَا الطَّرِيقُ إِلَى جَبَلٍ وَكُنَّا جَمَاعَةً، فَاسْتَسْقَيْنَاهُ مَاءً، وَلَمْ يَكُنْ بِالْقُرْبِ مَاءً، فَأَخَذَ رَكْوَةً وَأَدْنَى بِهَا إِلَى الْجَبَلِ، فَسَمِعْتُ خَرِيرَ الْمَاءِ بِأُذُنِي، حَتَّى امْتَلأَتِ الرَّكْوَةُ، فَسَقَى الْجَمَاعَةَ، فَكَانَتْ عَيْنِي إِلَى الْمَوْضِعِ، فَلا أَرَى لِلْمَاءِ أَثَرًا، وَلا شِقًّا فِي الْجَبَلِ.
قَالَ أَبِي: فَسَأَلْتُ جَعْفَرًا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: كَرَامَةُ اللَّهِ لأَوْلِيَائِهِ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَزْجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ، قَالَ: سَمِعْتُ حَسَنًا أَخَا سِنَانٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ، يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي قَدْ خَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَمَضَيْتُ عَلَى طَرِيقٍ، وَمَضُوا عَلَى
стр. 353
طَرِيقٍ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا افْتَرَقْنَا صَادَ أَصْحَابِي ظَبْيًا، فَذَبَحُوهُ، وَشَوُوهُ، فَلَمَّا جَلَسُوا لِيَأْكُلُوهُ إِذَا بِنِسْرٍ قَدِ انْقَضَّ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَمَلَ رُبُعَ الظَّبْيِ، قَالُوا: فَأَقْبَلْنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو تُرَابٍ: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا بِمَكَّةَ، قُلْتُ لَهُمْ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ خَبَرُكُمْ بَعْدِي؟ فَأَخْبَرُونِي خَبَرَهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ الظَّبْيِ.
فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ سَائِرًا فَإِذَا نِسْرٌ قَدْ أَلْقَى لِي رُبُعَ ظَبِيٍ مَشْوِيٍ، فَأَكَلْتُ، وَكَانَ أَكْلُنَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نُوحٍ، وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ، قَالَ: صَحِبْتُ شَيْخًا فَي طَرِيقِ مَكَّةَ فَأَعْجَبَتْنِي هَيْئَتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَصْحَبَكَ.
قَالَ: أَنْتَ وَمَا أَحْبَبْتَ.
قَالَ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّهَارِ فَإِذَا أَمْسَى أَقَامَ فِي مَنْزِلٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَقُومُ اللَّيْلَ يُصَلِّي، وَكَانَ يَصُومُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا أَمْسَى عَهِدَ إِلَى جَرِيبٍ مَعَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَلْقَاهُ إِلَى فِيهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا.
وَكَانَ يَدْعُونِي فَيَقُولُ: هَلُمَّ فَأَصِبْ مِنْ هَذَا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمُجْزِئِكَ أَنْتَ، فَكَيْفَ أُشْرِكُكَ فِيهِ؟ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، وَدَخَلَتْ قَلْبِي هَيْبَةٌ لَهُ عِنْدَمَا رَأَيْتُ مِنَ اجْتِهَادِهِ وَصَبْرِهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَسُوقُ حِمَارًا، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَاشْتَرِ ذَلِكَ الْحِمَارَ.
قَالَ: فَمَنَعَتْنِي وَاللَّهِ هَيْبَتُهُ فِي صَدْرِي أَنْ أَرُدَّهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِ الْحِمَارِ وَأَنَا أَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَعِيَ ثَمَنُهُ فَكَيْفَ أَشْتَرِيهِ، صَاحِبَ الْحِمَارِ، فَسَاوَمْتُهُ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَنْقُصَهُ مِنْ ثَلاثِينَ دِينَارًا، فَجِئْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: خُذْهُ وَاسْتَخِرِ اللَّهَ، قُلْتُ: الثَّمَنَ.
قَالَ: سَمِّ اللَّهَ، ثُمَّ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي الْجِرَابَ، فَخُذِ الثَّمَنَ فَأَعْطِهِ، فَأَخَذْتُ الْجِرَابَ، ثُمّ قُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِيَ فِيهِ، فَإِذَا
стр. 354
صُرَّةٌ فِيهَا ثَلاثُونَ دِينَارًا لا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ.
قَالَ: فَدَفَعْتُهَا إِلَى الرَّجُلِ، وَأَخَذْتُ الْحِمَارَ، وَجِئْتُ بِهِ.
فَقَالَ لِي: ارْكَبْ.
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَضْعَفُ مِنِّي، فَرَكِبَ، وَكُنْتُ أَمْشِي مَعَ حِمَارِهِ، فَحَيْثُ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ أَقَامَ، فَإِنَّمَا هُوَ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ، حَتَّى أَتَيْنَا عُسْفَانَ، فَلَقِيَهُ شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلا يَبْكِيَانِ، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَفْتَرِقَا، قَالَ صَاحِبِي لِلشَّيْخِ: أَوْصِنِي.
قَالَ: نَعَمْ، أَلْزِمِ التَّقْوَى قَلْبَكَ، وَانْصُبْ ذِكْرَ الْمَعَادِ أَمَامَكَ.
قَالَ: زِدْنِي.
قَالَ: نَعَمْ، اسْتَقْبِلِ الآخِرَةَ بِالْحُسْنَى مِنْ عَمَلِكَ، وَبَاشِرْ عَوَارِضَ الدُّنْيَا بِالزُّهْدِ مِنْ قَلْبِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأَكْيَاسَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا عَيْبَ الدُّنْيَا حَينَ عَمِيَ عَلَى أَهْلِيهَا، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ افْتَرَقَا.
فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ فَقَالَ: عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ.
فَخَرَجْنَا مِنْ عُسْفَانَ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الأَبْطَحِ، نَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ، وَقَالَ لِي: اثْبُتْ مَكَانَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ نَظْرَةً ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَانْطَلَقَ، وَعَرَضَ لِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: تَبِيعُ الْحِمَارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِثَلاثِينَ دِينَارًا.
قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ مِنْكَ.
قُلْتُ: يَا هَذَا، وَاللَّهِ مَا هُوَ لِي، لِي، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لأَكُلِّمُهُ إِذْ طَلَعَ الشَّيْخُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ الْحِمَارَ بِثَلاثِينَ دِينَارًا قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ اسْتَزَدْتَهُ لَزَادَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَّا إِذْ بِعْتَ فَأَجِزْ.
فَأَخَذْتُ مِنَ الرَّجُلِ ثَلاثِينَ دِينَارًا، وَدَفَعْتُ الْحِمَارَ إِلَيْهِ، وَجِئْتُ بِالدَّنَانِيرِ، فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: هِيَ لَكَ، فَأَنْفِقْهَا.
قُلْتُ: لا حَاجَةَ لِي بِهَا.
قَالَ: فَأَلْقِهَا فَي الْجِرَابِ، فَأَلْقَيْتُهَا، فَنَزَلْنَا بِالأَبْطَحِ، فَقَالَ: ابْغِنِي دَاوَةً وَقِرْطَاسًا، فَأَتَيْتُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ كِتَابَيْنِ، ثُمَّ شَدَّهُمَا، فَدَفَعَ أَحَدَهُمَا إِلَيَّ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِهِ إِلَى عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَهُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ،
стр. 355
وَاقْرئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ دَفَعَ الآخَرَ لِي، وَقَالَ: لِيَكُنْ هَذَا مَعَكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَاقْرَأْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ، فَأَتَيْتُ بِهِ عَبَّادَ بْنَ عَبَّادٍ وَهُوَ قَاعِدٌ يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، كِتَابُ بَعْضِ إِخْوَانِكَ.
فَأَخَذَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: يَا عَبَّادُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكَ الْفَقْرَ يَوْمَ تَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى الذُّخْرِ، فَإِنَّ فَقْرَ الآخِرَةِ لا يَسُدُّهُ غِنًى، وَإِنَّ مُصَابَ الآخِرَةِ لا تُجْبَرُ مُصِيبَتُهُ أَبَدًا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ، وَأَنَا مَيْتٌ السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَحْضِرْنِي لِتَلِيَنِي، وَتَوَلَّى الصَّلاةَ عَلَيَّ، وَإِدْخَالِي حُفْرَتِي، وَأَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْرَأِ السَّلامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْكُمْ جَمِيعًا السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَلَمَّا قَرَأَ عَبَّادٌ الْكِتَابَ، قَالَ لِي: يَا هَذَا أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: بِالأَبْطَحِ.
قَالَ: فَمَرِيضٌ هُوَ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ السَّاعَةَ صَحِيحًا، فَقَامَ، وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ مَيْتٌ مُسَجًّى عَلَيْهِ عَبَاءٌ.
فَقَالَ لِي عَبَّادٌ: هَذَا صَاحِبُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: تَرَكْتَهُ صَحِيحًا، قُلْتُ: تَرَكْتُهُ صَحِيحًا السَّاعَةَ، فَجَلَسَ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ فِي جَهَازِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ.
وَاحْتَشَدَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَتَحْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأَنْتَ يَا أَخِي، نَفَعَكَ اللَّهُ بِمَعْرُوفِكَ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ صُحْبَتِنَا خَيْرًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَعْرُوفِ يَجِدُهُ لِجَنْبِهِ مُضْطَجِعًا، وَإِنَّ حَاجَتِي إِلَيْكَ إِذَا قَضَى اللَّهُ نُسُكَكَ أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَادْفَعْ مِيرَاثِي إِلَى وَارِثِي، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كُلُّ أَمْرِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَجَبٌ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِكَ، كَيْفَ آتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَلَمْ يُسَمِّ لِي أَحَدًا، وَلَمْ يَصِفْ لِي مَوْضِعًا، وَلَمْ أَدْرِ إِلَى مَنْ أَدْفَعُهُ؟ قَالَ: وَخَلَّفَ قَدَحًا وَجِرَابَهُ ذَلِكَ، وَعَصًى كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا.
قَالَ: وَكَفَّنَّاهُ فَي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ وَلَفَفْنَا الْعَبَاءَةَ فَوْقَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا انْقَضَى الْحَجُّ، قُلْتُ:
стр. 356
وَاللَّهِ لأَنْطَلِقَنَّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَعَلِّيَ أَنْ أَقَعَ عَلَى وَارِثِ هَذَا الرَّجُلِ، فَانْطَلَقْتُ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَتَصَفَّحُ النَّاسَ، لا أَدْرِي عَمَّنْ أَسْأَلُ، إِذْ نَادَى رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْخَلْقِ بِاسْمِي: يَا فُلانُ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا بشَيْخٌ كَأَنَّهُ صَاحِبِي، فَقَالَ: هَاتِ مِيرَاثَ فُلانٍ.
فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْعَصَى وَالْقَدَحَ، وَالْجِرَابَ، ثُمَّ وَلَّيْتُ رَاجِعًا، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى قُلْتُ لِنَفْسِي: تَضْرِبُ مِنْ مَكَّةَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَدْ رَأَيْتَ مِنَ الشَّيْخِ الأَوَّلِ مَا رَأَيْتَ، وَمَنْ هَذَا الشَّيْخُ الثَّانِي مَا رَأَيْتَ، وَلا تَسْأَلُ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ أَيَّ شَيْءٍ قِصَّتُهُمْ، وَتَسْأَلُهُمْ عَنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: فَرَجِعْتُ وَمُرَادِي أَنْ لا أُفَارِقَ هَذَا الشَّيْخَ الآخَرَ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ أَمُوتُ، فَجَعَلْتُ أَدُورُ الْحِلَقَ وَأَجْهَدُ أَنْ أَعْرِفَهُ أَوْ أَقَعُ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَقَعُ عَلَيْهِ، وَجَعَلْتُ أَسْأَلُ عَنْهُ، وَأَقَمْتُ أَيَّامًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَطْلُبُهُ وَأَسَأْلُ عَنْهُ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَدُلُّنِي عَلَيْهِ، فَرَجَعْتَ مُنْصَرِفًا إِلَى الْعِرَاقِ
! ٢١٨ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سَعِدٍ الْمِصِّيصِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ خَفِيفٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الدَّرَّاجَ، يَقُولُ: كُنْتُ أَحُجُّ فَصَحِبَنِي جَمَاعَةٌ، فَكُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَى الْقِيَامِ مَعَهُمْ وَالاشْتِغَالِ بِهِمْ، فَذَهَبَتْ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ، وَخَرَجْتُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَجُلٌ فِي الْمِحْرَابِ مَجْذُومٌ، وَعَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا رَآنِي سَلَّمَ عَلَيَّ، وَقَالَ لَي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ، عَزَمْتَ عَلَى الْحَجِّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، عَلَى غَيْظٍ وَكَرَاهِيَةٍ.
قَالَ: فَقَالَ: فَالصُّحْبَةُ.
قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ أَهْرَبْ مِنَ الأَصِحَّاءِ أَقَعْ فِي يَدِ مَجْزُومٍ.
قُلْتُ: لا.
قَالَ لِي: افْعَلْ.
قُلْتُ: لا وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ.
فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ، يَصْنَعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ.
فَقُلْتُ: نَعَمْ عَلَى الإِنْكَارِ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَتَرَكْتُهُ،
стр. 357
فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ، مَشَيْتُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُغِيثَةِ، فَبَلَغْتُ مِنَ الْغَدِ ضَحْوَةً، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحَسَينِ، يَصْنَعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ.
فَأَخَذَنِي شِبْهُ الْوَسْوَاسِ، قَالَ: فَلَمْ أَجْلِسْ حَتَّى بَلَغْتُ الْقَرْعَاءَ عَلَى الْغَدِ، فَبَلَغْتُ مَعَ الصُّبْحِ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ قَاعِدٌ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحَسَنِ، يَصْنعُ اللَّهُ لِلضَّعِيفِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ الْقَوِيُّ.
قَالَ: فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ، فَوَقَعْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِي، فَقُلْتُ: الْمَعْذِرَةُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ.
قَالَ لِي: مَالَكَ؟ قُلْتُ: أَخْطَأْتُ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: الصُّحْبَةُ.
قَالَ: أَلَيْسَ حَلَفْتَ؟ وَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُحَنِّثَكَ.
قَالَ: قُلْتُ: فَأَرَاكَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَذَهَبَ عَنِّي الْجُوعُ وَالتَّعَبُ وَفِي كُلِّ مَنْزِلٍ لَيْسَ لِي هَمٌّ إِلا الدُّخُولُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَرَاهُ إِلَى أَنْ بَلَغْتُ الْمَدِينَةَ، فَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ حَضَرْتُ أَبَا بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ، وَأَبَا الْحَسَنِ الْمُزَيِّنَ، فَذَكَرْتُ لَهُمْ، فَقَالُوا لَي: يَا أَحْمَقُ، ذَاكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَجْذُومُ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ نَرَاهُ، إِنْ لَقِيتَهُ فَتَعَلَّقْ بِهِ لَعَلَّنَا نَرَاهُ.
قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ طَلَبْتُهُ فَلَمْ أَرَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمْرَةِ رَمَيْتُ الْجِمَارَ، فَجَذَبَنِي إِنْسَانٌ، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ، السَّلامُ عَلَيْكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ لَحِقَنِي مِنْ رُؤْيَتِهِ أَمْرٌ، فَصِحْتُ وَغُشِّيَ عَلِيَّ، وَذَهَبَ عَنِّي، وَجِئْتُ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ، وَأَخْبَرْتُ أَصْحَابَنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْوَدَاعِ، صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَفَعْتُ يَدِيَ، فَإِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَجْذِبُنِي، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَينِ، عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لا تَصِيحَ.
قُلْتُ: أَلا أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ لِي؟ فَقَالَ: سَلْ مَا شِئْتَ، فَسَأَلْتُ اللَّهَ ثَلاثَ دَعَوَاتٍ، فَأَمَّنَ عَلَى دُعَائِي وَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَهُ.
فَسَأَلْتُهُ عَنِ الأَدْعِيَةِ، فَقَالَ: أَمَّا أَحَدُهَا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ حَبِّبْ لِيَ الْفَقْرَ، وَأَمَّا
стр. 358
الثَّانِيَةُ، فقلت اللهم لا تَجْعَلْنِي أَبِيتُ لَيْلَةً وَلِي شَيْءٌ أَدَّخِرُهُ لِغَدٍ، وَأَنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ مَالِي شَيْءٌ أَدَّخِرُهُ، وَالثَّالِثَةُ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِذَا أَذِنْتَ لأَوْلِيَائِكَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ فَاجْعَلْنِي مِنْهُمْ، وَأَنَا أَرْجُو ذَلِكَ
! ٢١٩.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنِي حَامِدٌ الأَسْوَدُ، صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ رَكْوَتُهُ وَيَمْشِي، فَبَيْنَمَا نَحْنُ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ تَنَاوَلَ رَكْوَتَهُ وَمَشَى، فَأَتْبَعْتُهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْنِي، حَتَّى وَافَيْنَا الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ الْقَادِسِيَّةِ.
فَلَمَّا وَافَاهَا قَالَ لِي: يَا حَامِدُ إِلَى أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي خَرَجْتُ بِخُرُوجِكَ.
فَقَالَ أَنَا أُرِيدِ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قُلْتُ: وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أُرِيدُ مَكَّةَ، فَمَشَيْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ إِذَا شَابٌّ قَدِ انْضَمَّ إِلَيْنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَمَشَى مَعَنَا يَوْمًا وَلَيْلَةً لا يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، فَعَرَّفْتُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ لا يُصَلِّي.
فَجَلَسَ وَقَالَ لَهُ: يَا غُلامُ مَا لَكَ لا تُصَلَّي، وَالصَّلاةُ أَوْجَبُ عَلَيْكَ مِنَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: يَا شَيْخُ، مَا عَلَيَّ مِنْ صَلاةٍ قَالَ: أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ أَنْتَ؟ قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَلَكَنْ إِشَارَتِي فِي النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى التَّوَكُّلِ، فَادَّعَتْ نَفْسِي أَنَّهَا قَدْ أَحْكَمَتْ حَالَ التَّوَكُّلِ فَلَمْ أُصَدِّقْهَا فِيمَا ادَّعَتْ، حَتَّى أَخْرَجْتُهَا إِلَى الْفَلاةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَوْجُودٌ غَيْرَ الْمَعْبُودِ، أُثِيرُ سَاكِنِي وَأَمْتَحِنُ خَاطِرِي.
فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَمَشَى، وَقَالَ: دَعْهُ يَكُونُ مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ مُسَايِرُنَا حَتَّى وَافَيْنَا بَطْنَ مَرٍّ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَنَزَعَ خِلْقَانَهُ وَطَهَّرَهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ جَلَسَ، وَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ الْمَسِيحِ.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، هَذَا دَهْلِيزُ مَكَّةَ،
стр. 359
وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَمْثَالِكَ الدُّخُولَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وَالَّذِي أَرَدْتَ أَنْ تَسْتَكْشِفَ مَنْ نَفْسِكَ فَقَدْ بَانَ لَكَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ، فَإِنْ رَأَيْنَاكَ بِمَكَّةَ أَنْكَرْنَا عَلَيْكَ.
قَالَ حَامِدٌ: فَتَرَكْنَاهُ وَدَخَلْنَا مَكَّةَ، وَخَرَجْنَا إِلَى الْمَوْقِفِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ بِعَرَفَاتٍ، إِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَتَصَفَّحُ الْوُجُوهَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَأَكَبَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَكَ يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ؟ قَالَ: هَيْهَاتَ أَنَا الْيَوْمَ عَبْدُ مَنِ الْمَسِيحُ عَبْدُهُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنِي حَدِيثَكَ.
قَالَ: جَلَسْتُ مَكَانِي حَتَّى أَقْبَلَتْ قَافِلَةُ الْحَجِّ، فَقُمْتُ وَتَنَكَّرْتُ فِي زِيِّ الْمُسْلِمِينَ كَأَنِّي مُحْرِمٌ، فَحِينَ وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى الْكَعْبَةِ اضْمَحَلَّ عِنْدِي كُلُّ دِينٍ سِوَى الإِسْلامِ، فَأَسْلَمْتُ وَاغْتَسَلْتُ وَأَحْرَمْتُ، وَهَا أَنَا أَطْلُبُكَ يَوْمِي.
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ لِي: يَا حَامِدُ، انْظُرْ بَرَكَةَ الصِّدْقِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ كَيْفَ هَدَاهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَصَحِبَنَا حَتَّى مَاتَ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ
! ٢٢٠.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَبَّادَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ التِّيلِيَّ صَاحِبَ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ يُفَضَّلُ عَلَى سَهْلٍ، يَقُولُ: سَلَكْتُ الْبَادِيَةَ مِرَارًا ثُمَّ ضَعُفْتُ، فَجَلَسْتُ عَنِ الْحَجِّ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُؤَدِّبَ نَفْسِي لِمَا رَأَيْتُ مِنْ ضَعْفِهَا وَسُكُونِهَا إِلَى الْجُلُوسِ وَالدَّعَةِ، فَاعْتَقَدْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَخْرُجَ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ وَلا أَصْحَبُ أَحَدًا.
فَخَرَجْتُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ، وَكَانَ الْوَقْتُ بَارِدًا، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى عَشْرِ فَرَاسِخَ وَنَحْوِهَا أَدْرَكَنِي اللَّيْلُ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مُظْلِمَةً، وَمَطَرًا شَدِيدًا، وَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي إِذَا سَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ: مَنْ هَذَا الْمَارُّ؟ فَقَالَ الآخَرُ: إِنْسٌ.
فَقَالَ الأَوَّلُ: أَيْنَ يُرِيدُ؟ قَالَ الآخَرُ: يُرِيدُ بَيْتَ مَوْلاهُ.
قَالَ الأَوَّلُ: أَيشْ دَعْوَاهُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَدَّعِي الْغِنَى عَنِ الْخَلْقِ وَالسَّيْرَ مَعَ الْحَقِّ.
قَالَ الأَوَّلُ:
стр. 360
سَلْهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّعْرِ.
فَقَالَ الآخَرُ: يَا إِنْسِيُّ يَا إِنْسِيُّ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا جِنِّيُّ يَا جِنِّيُّ؟ فَقَالَ: نَحْنُ مِنْ أَصْحَابِ مَوْلاكَ، تُجِيزُ لَنَا شِعْرًا حَتَّى نَعْلَمَ صِدْقَ دَعْوَاكَ.
قُلْتُ: قُولا.
فَقَالَ:
مُدَلَّهُ الْقَلْبِ غَائِبٌ سَاهِي ... مُقَرَّبُ الْقَلْبِ شَاهِدٌ رَائِي
مُبَلْبَلُ السِّرِّ وَالِهٌ دَنِفٌ ... مُؤَانَسُ الْقَلْبِ ذَاهِبٌ فَانِي
فَأَجَبْتُهُمْ، فَقُلْتُ:
فَهُوَ مَعَ الْحَقِّ عَاقِلٌ فَطِنٌ ... وَهُوَ مَعَ الْحَقِّ ضَاحِكٌ بَاكِي
فَسَمِعْتُ ضَجَّةً مِنَ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُنِي، أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُ: لا تَعْرِضْ لِهَؤُلاءِ.
ثُمَّ قَالَ: مُرَّ الآنَ مَعَ دَعْوَاكَ.
فَقُلْتُ: أَزِيدُكُمْ بَيْتًا آخَرَ؟ فَقَالُوا: هَاتِ.
فَقُلْتُ:
مُحْتَجِبُ السِّرِّ غَيْرُ مُحْتَجِبٍ ... وَغَائِبٌ غَيْرَ أَنَّهُ بَادِي
فَسَمِعْتُ لَهُمَا ضَجَّةً شَدِيدَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ عَلَيَّ كَلامُهُمْ، فَلا أَدْرِي مَاتَا أَوْ تَرَكَانِي وَذَهَبَا، وَمَضَيْتُ عَلَى حَالِي وَحَجَجْتُ
! ٢٢١ وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ غُلامٍ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: وَدَّعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عُبَيْدٍ حِينَ أَرَدْتُ الْحَجَّ، فَقَالَ لِي: إِذَا أَرَدْتَ شَيْئًا أَوْ جُعْتَ أَوْ عَطِشْتَ فَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَاجْعَلْهَا عَنْ يَمِينِكَ، فَإِذَا سَلَّمْتَ رَأَيْتَ كُلَّمَا تُحِبُّ.
قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، وَالنَّاسُ يَصِيحُونَ: الْعَطَشَ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا قَالَ وَهُوَ صَادِقٌ، فَأَخَذْتُ الرَّكْوَةَ فَرَمَيْتُ بِهَا فِي مَصْنَعٍ، فَمَا سَلَّمْتُ إِلا وَالرِّيَاحُ تَذْهَبُ بِهَا وَتَجِيءُ عَلَى رَأْسِ الْمَاءِ، فَنَزَلَتْ، فَأَخَذْتُ الرَّكْوَةَ، ثُمَّ صِحْتُ بِالنَّاسِ، فَجَاءُوا وَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا
! ٢٢٢ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا
стр. 361
أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْقَوَّاسُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ الْخُلْدِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: أَعْرِفُ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ طَرِيقًا، مِنْهَا طَرِيقَانِ، طَرِيقٌ ذَهَبٌ، وَطَرِيقٌ فِضَّةٌ
! ٢٢٣ أَخْبَرَنَا ابْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ السَّرَّاجِ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّيرَوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: سَلَكْتُ فِي الْبَادِيَةِ سِتَّةَ عَشَرَ طَرِيقًا عَلَى غَيْرِ الْجَادَّةِ، فَأَعْجَبُ مَا رَأَيْتُ فِيهَا رَجُلا لَيْسَ لَهُ يَدَانِ وَلا رِجِلانِ، وَعَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَزْحَفُ زَحْفًا، فَتَحَيَّرْتُ مِنْهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا إِبْرَاهِيمُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَنِي، وَلَمْ تَرَنِي قَبْلَهَا؟ فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِكَ عَرَّفَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ.
قُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بُخَارَى.
فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ شَزْرًا، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، تَعْجَبُ مِنْ قَوِيٍّ يَحْمِلُ ضَعِيفًا وَيَرْفُقُ بِهِ، ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ.
فَقُلْتُ: حَبِيبِي، فَتَرَكْتُهُ عَلَى حَالِهِ، وَمَضَيْتُ أَنَا، فَلَمَّا دَخَلْتُ مَكَّةَ رَأَيْتُهُ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ يَزْحَفُ زَحْفًا
! ٢٢٤ وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْخُلْدِيَّ، يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ الأَقْطَعُ عَلَى فَرْدِ قَدَمٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ وَقَعَ فِي سِرِّي أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ مِثْلِي، فَإِذَا أَنَا بِمُقْعَدٍ يَحْبُو، فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ أَعْجَبُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي: مَا لَكَ تَتَعَجَّبُ مِنْ قَوِيٍّ يَحْمِلُ ضَعِيفًا
! ٢٢٥.
قَرَأْتَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، أَنْبَأنَا هِلالُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُنَيْدُ، عَنْ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ:
стр. 362
رَأَيْتُ فَتًى فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ جَالِسًا يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ فَقَالَ أَنَا الْغَرِيبُ الْمَطْلُوبُ، فَعَرَفْتُ مَعْنَى كَلامِهِ، فَجَلَسْتُ أَبْكِي، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى قَضَى نَحْبَهُ، فَخَرَجْتُ فَاشْتَرَيْتُ لَهُ كَفَنًا، ثُمَّ عُدْتُ فَلَمْ أَرَهْ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَنْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَحَظِيَ بِثَوَابِهِ؟ فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي: يَا ذَا النُّونِ، هَذَا الْغَرِيبُ الَّذَيِ طَلَبَهُ إِبْلِيسُ فِي الدُّنْيَا فَلَمْ يَرَهُ، وَطَلَبَهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَلَمْ يَرَيَاهُ، وَطَلَبَهُ رِضْوَانٌ خَازِنُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يَرَهُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هُوَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: هُوَ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
! ٢٢٦ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الأَدَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ وَاصِلٍ: صَحِبْتُ رَجُلا مِنَ الأَوْلِيَاءِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَنَالَتْهُ فَاقَةٌ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَعَدَلَ إِلَى مَسْجِدٍ فِي أَصْلِ جَبَلٍ، وَإِذَا فِيهَا بِئْرٌ عَلَى بَكَرَةٍ وَحَبْلٍ، وَدَلْوٍ، وَمَطَهْرَةٌ عِنْدَ الْبِئْرِ، وَشَجَرَةُ رُمَّانٍ لَيْسَ فِيهَا حَمْلٌ، فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْوَقْتُ، فَإِذَا بِأَرْبَعِينَ رَجُلا عَلَيْهِمُ الْمُسُوحُ، وَفِي أَرْجُلِهِمْ نِعَالُ الْخُوصِ قَدْ دَخُلُوا الْمَسْجِدَ، فَسَلَّمُوا، وَأَذَّنَ أَحَدُهُمْ وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَتَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ صَلاتِهِمْ، تَقَدَّمُوا إِلَى الشَّجَرَةِ، فَإِذَا فِيهَا أَرْبَعُونَ رُمَّانَةً غَضَّةً طَرِيَّةً، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُمَّانَةً وَانْصَرَفَ، قَالَ: وَبِتُّ عَلَى فَاقَتِي، فَلَمَّا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذُوا فِيهِ الرُّمَّانَ، أَقْبَلُوا أَجْمَعُونَ، فَلَمَّا صَلَّوْا وَأَخَذُوا الرُّمَّانَ، قُلْتُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ، أَنَا أَخُوكُمْ فِي الإِسْلامِ، وَبِي فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ، فَلا كَلَّمْتُمُونِي وَلا وَاسَيْتُمُونِي.
فَقَالَ رَئِيسُهُمْ: إِنَّا لا نُكَلِّمُ مَحْجُوبًا بِمَا مَعَهُ، فَامْضِ وَاطْرَحْهُ وَرَاءَ هَذَا الْجَبَلِ فِي الْوَادِي وَارْجِعْ إِلَيْنَا حَتَّى تَنَالَ مَا نَنَالُ.
قَالَ: فَرَقَيْتُ الْجَبَلَ، وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسِي بِرَمْيِ مَا مَعِي، فَدَفَنْتُهُ، وَرَجَعْتُ.
قَالَ لِي: رَمَيْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَرَأَيْتَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لا.
قَالَ: فَمَا رَمَيْتَ بِهِ إِذًا.
فَقَالَ لِي: فَارْجِعْ فَارْمِ بِهِ فِي الْوَادِي، فَفَعَلْتُ، فَإِذَا قَدْ غَشِيَنِي مِثْلُ الدِّرْعِ نُورٌ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا فِي الشَّجِرَةِ رُمَّانَةٌ فَأَكَلْتُهَا، فَاسْتَغْنَيْتُ بِهَا مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَلَمْ أَلْبَثْ دُونَ الْمُضِيِّ إِلَى مَكَّةَ، فَإِذَا بِهِمْ
стр. 363
بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ، وَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِهِمْ يَسْأَلُونِي عَنْ حَالِي، فَقُلْتُ: قَدْ غَنِيتُ عَنْكُمْ وَعَنْ كَلامِكُمْ آخِرًا كَمَا أَغْنَاكُمُ اللَّهُ عَنْ كَلامِي أَوَّلا، فَمَا فِيَّ لِغَيْرِ اللَّهِ مَوْضِعٌ
! ٢٢٧ كَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ سَهْلٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ وَاصِلٍ، وَالصَّوَابُ عُمَرُ، عَنْ سَهْلٍ.
وَيُحْكَى عَنِ الشَّبْلِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ بَدَوِيًّا بِمَكَّةَ يَخْدِمُ الصُّوفِيَّةَ وَيَتَحَنَّنُ عَلَيْهِمْ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ سَبِبِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ بِالْبَادِيَةِ، وَإِذَا بِغُلامٍ حَافٍ، مَكْشُوفِ الرَّأْسِ، مَا مَعَهُ رَكْوَةٌ وَلا عَصَى، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أُدْرِكُ الْفَتَى، فَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَطْعَمْتُهُ، أَوْ عَطْشَانًا سَقَيْتُهُ، أَوْ ضَالا هَدَيْتُهُ، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ذِرَاعٌ، فبَعُدَ مِنِّي حَتَّى غَابَ عَنْ عَيْنِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا شَيْطَانٌ، فَإِذَا بِهِ يُنَادِي: لا بَلْ سَكْرَانُ.
فَنَادَيْتُهُ بِالَّذِي بَعَثَ مُحَمْدًا ﷺ نَبِيًّا: أَلا وَقَفْتَ.
فَقَالَ: يَا فَتَى أَتْعَبْتَنِي وتَعِبْتَ.
فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيَتُكَ وَحْدَكَ فَأَرَدْتُ خِدْمَتَكَ.
فَقَالَ: مَنْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ فَلَيْسَ وَحْدَهُ.
فَقُلْتُ: مَا أَرَى مَعَكَ زَادًا؟ فَقَالَ: إِذَا جُعْتُ فَذِكْرُهُ زَادِي، وَإِذَا عَطِشْتُ فَمُشَاهَدَتُهُ سُؤْلِي وَمُرَادِي.
فَقُلْتُ: أَنَا جَائِعٌ أَطْعِمْنِي.
فَقَالَ: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، فَضَرَبَ بِيَدِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَكَانَتِ الأَرْضُ رَمْلَةً، فَقَبَضَ قَبْضَةً، وَقَالَ: يَا مَخْدُوعُ، وَإِذَا بِهِ سَوِيقٌ يُحَمَّصُ أَلَذُّ مَا يَكُونُ، فَقُلْتُ: مَا أَلَذَّهُ، فَقَالَ: فِي الْبَادِيَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ لَوْ عَقِلْتَ.
فَقُلْتُ لَهُ: حَلِنِي.
فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ، وَإِذَا قَدْ نَبَعَتْ عَيْنٌ مِنْ عَسَلٍ، فَجَلَسْتُ لآكُلَ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَمَا رَأَيْتُهُ، فَأَنَا أَخْدِمُ الْفُقَرَاءَ لَعَلِّي أَرَى مِثْلَ ذَلِكَ الْفَتَى
!
стр. 364
٢٢٨ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيَ مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّحْبِيُّ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، يَقُولُ: خَرَجْتُ إِلَى الْحِجَازِ عَلَى الْوَحْدَةِ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ رَأَيْتُ سَوَادًا فَقَصَدْتُ نَحْوَهُ، فَإِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ سَوْدَاءَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: مِنْ وَطَنِي.
فَقُلْتُ لَهَا: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: إِلَى سَكَنِي.
فَقُلْتُ لَهَا: بِلا زَادٍ؟ فَقَالَتْ: لَمَّا اسْتَزَدْنَا إِلَيْهِ ذَوَّدَنَا لِلصِّدْقِ التَّوَكُلَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: بِلا مَاءٍ؟ قَالَتْ: إِنَّمَا يَحْمِلُ الْمَاءَ مَنْ يَخَافُ الظَّمَأَ
! ٢٢٩ أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ، أَنْبَأنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ نَصْرٍ الْحَلَبِيُّ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ الْوَاسِطِيَّ، يَقُولُ: بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ وَهِيَ تَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ ضَالَّةٌ عَنْ بَعِيرِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَذِهِ، مَا قِصَّتُكَ؟ ، فَقَرَأَتْ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا
стр. 365
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: حَرُورِيَّةٌ لا تَرَى كَلامَنَا، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] فَأَرْكَبْتُهَا بَعِيرِي، وَقُدْتُ بِهَا أُرِيدُ رِحَالَ الْمَقْدِسِيِّينَ، فَلَمَّا تَوَسَطْتُ الرِّحَالَ، قُلْتُ: يَا هَذِهِ بِمَنْ أُصَوِّتُ؟ فَقَرَأَتْ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] ، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ [مريم: ٧] ، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ، فَنَادَيْتُ: يَا زَكَرِيَّا، يَا دَاوُدُ، يَا يَحْيَى.
فَخَرَجَ إِلَيَّ ثَلاثَةُ فُتْيَانٍ مِنْ بَيْنِ الرِّحَالِ، فَقَالُوا: أُمُّنَا وَرَبُّ الْكَعْبَةِ، ضَلَّتْ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَأَنْزَلُوهَا، فَقَرَأَتْ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] فَغَدَوْا وَاشْتَرَوْا تَمْرًا وَفُسْتُقًا، وَجَوْزًا، وَسَأَلُونِي قَبُولَهُ، فَقَبِلْتُ، وَقُلْتُ: مَا لَهَا؟ فَقَالُوا: هَذِهِ أُمُّنَا، لَمْ تَتَكَلَّمْ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً إِلا بِالْقُرْآنِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ
! ٢٣٠ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، أَنْبَأنَا غُلامُ خَلِيلٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً تَمْشِي مَشْدُودَةَ الْوَسَطِ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَقَالَتْ: إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
قُلْتُ: وَهَلْ مَعَكَ زَادٌ؟ قَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: غُلامُ الْخَلِيلِ.
فَأَخَذَتْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ مِنْ تَحْتِ
стр. 366
رِجْلِهَا، فَدَفَعَتْهَا إِلَيَّ، فَقَالَتْ: ذُقْ مِنْ زَادِي، فَذُقْتُهُ فَإِذَا هُوَ سَوِيقٌ وَسُكَّرٌ، ثُمّ قَالَتْ: لَوْ كُنْتَ طَائِرًا لَمَا طِرْتَ بِبَلْدَةٍ أَنْتَ زَاهِدُهَا، أُفٍّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ نَاصِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، أَنْبَأنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الشَّوَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِلالٍ الأَسْوَدُ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا، فَلَمَّا صِرْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا زَادٌ وَلا إِدَاوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: مِنْ بَلْخَ.
فَقُلْتُ لَهَا: مَا أَرَى مَعَكَ زَادًا وَلا مَا تَحْمِلِينَ فَيِهِ الزَّادَ؟ فَقَالَتْ: خَرَجْتُ مَعِي مِنْ بَلْخَ عَشَرَةٌ مِنَ الدَّرَاهِمَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعِيَ بَعْضُهَا.
قُلْتُ: فَإِذَا نَفَدَتْ مَا تَصْنَعِينَ؟ فَقَالَتْ: عَلَيَّ هَذِهِ الْجُبَّةُ، أَبْتَاعُهَا وَآخُذُ دُونَهَا، قُلْتُ: فَإِذَا نَفَدَتْ مَا تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: أَبِيعُ هَذَا الْحِمَارَ، وَآخُذُ دُونَهُ، وَأُنْفِقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، قُلْتُ: فَإِذَا فَنِيَ؟ قَالَتْ: أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي.
قُلْتُ: أَلا سَأَلْتِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ إِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَعِي فَضْلٌ مَنْ عَرَضِهَا.
فَقُلْتُ: اعْتَقِبِي هَذَا الْحِمَارَ عَقَبَةً.
فَقَالَتْ: دَعْهُ.
فَتَرَكَهُ مَعَهَا، وَتَخَلَّفَتْ لِحَاجَةٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ حَاجَتِي أَسْرَعْتَ فِي إِثْرِهَا، فَإِذَا الْحِمَارُ وَاقِفٌ، وَالْخَرْجُ مَمْلُوءٌ.
فَرَآنِي حَوَارِيٌّ لَمْ أَرَ بِحُسْنِهِ، فَطَلَبْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ أَرَهَا.
وَقَالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: خَرَجْتُ إِلَى الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَى أَيْنَ يَا جَارِيَةُ؟ فَقَالَتْ: الْحَجُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقُلْتُ: الطرَّيِقُ بَعِيدٌ.
فَقَالَتْ: بَعِيدٌ عَلَى كَسَلانَ أَوْ ذِي مَلالَةٍ فَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ فَهُوَ قَرِيبُ ثُمَّ قَالَتْ: يَا سَرِيُّ، ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿٦﴾ وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧] ، فَلَمَّا وَصَلَتُ إِلَى الْبَيْتِ
стр. 367
رَأَيْتُهَا تَطُوفُ، فَنَظَرَتْ إِلَيَّ، وَقَالَتْ: يَا سَرِيُّ، لا تَعْجَبُ، أَنَا تِلْكَ الْبَعِيدَةُ، لَمَّا جِئْتُهُ بِضَعْفِي، حَمَلَنِي بِقُوَّتِهِ.
وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: كُنْتُ يَوْمًا فِي الْبَادِيَةِ، وَإِذَا بِجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ بَيْنَ عَيْنَيْهَا شَرْطَةٌ، وَمَا مَعَهَا زَادٌ وَلا رَكْوَةٌ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَتْ: مِنْ عِنْدِ الْحَبِيبِ.
فَقُلْتُ لَهَا: وَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: إِلَى الْحَبِيبِ.
فَقُلْتُ: أَيْش تَطْلُبِينَ مِنَ الْحَبِيبِ؟ قَالَتْ: الْحَبِيبَ.
قُلْتُ: كَمْ ذِكْرُ الْحَبِيبِ ﷺ ، قَالَتْ: مَا يَسْكُنُ لِسَانِي عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى أَلْقَاهُ
стр. 368
بَابٌ ذِكْرُ مَنْ طَالَ عَلَيْهُ سَفَرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى وَطَنِهِ
اسْتَأْذَنَ أَشْجَعُ السُّلَمِيُّ الرَّشِيدَ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا حَجَّ وَرَجَعَ فَصَارَ عِنْدَ بِئْرِ مَيْمُونَةَ، قَالَ:
أَلا لَيْتَ حَيًّا بِالْعِرَاقِ عَهِدْتُهُمْ ... ذَوِي غِبْطَةٍ فِي عَيْشِهِمْ وَلَيَانِ
يَرَوْنَ دُمُوعِي حِينَ يَشْتَمِلُ الدُّجَا ... عَلَيَّ وَمَا أَلْقَى مِنَ الْحَدَثَانِ
أَمِنْ بِئْرِ مَيْمُونٍ تَحِنَّ صَبَابَةً ... إِلَى أَهْلِ بَغْدَادَ وَتِلْكَ أَمَانِي
بَعُدْتَ وَبَيْتُ اللَّهِ عَمَّنْة تُحِبُّهُ ... هَوَاكَ عِرَاقِيُّ وَأَنْتَ يَمَانِي
إِذَا ذُكِرَتْ بَغْدَادُ لِي فَكَأَنَّمَا ... تَحَرَّكُ فِي صَدْرِي شِبَاهُ سِنَانِ
وَحَجَّ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَجَعَ فَصَارَ بِالثَّعْلَبِيَّةِ اشْتَدَّ شَوْقُهُ، فَقَالَ:
لَمَّا وَرَدْتُ الثَّعْلَبِيَّةَ ... عِنْدَ مُجْتَمَعِ الرِّفَاقِ
وَشَمَمْتُ مِنْ بَرْدِ الْحِجَازِ ... نَسِيمَ أَرْوَاحِ الْعِرَاقِ
أَيْقَنْتُ لِي وَلِمَنْ هَوَيْتُ ... بِأُلْفَةٍ بَعْدَ افْتِرَاقِ
مَا بَيْنَنَا إِلا تَصُرَّمُ ... هَذِهِ السَّبْعِ الْبَوَاقِي
حَتَّى يَطُولَ حَدِيثُنَا ... بِصُنُوفِ مَا كُنَّا نُلاقِي
وَقَالَ الرَّضِيُّ:
تَرَى النَّازِلِينَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ ... قَدْ عَلِمُوا أَنَّ وَجْدِي كَذَا
دَنَا طَرَبٌ وَالْهَوَى نَازِحٌ ... فِيمَا بَعْدَ ذَاكَ وَيَا قُرْبَ ذَا
стр. 369
بَابٌ فِي تَوْدِيعِ الرِّفَاقِ
قَالَ جَرِيرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
أَتْبَعْتُهُمْ مُقْلَةَ إِنْسَانِهَا غَرَقٌ ... هَلْ يَا تُرَى تَارِكٌ لِلْعَيْنِ إِنْسَانًا
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ ... وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
وَحَبَّذَا نَفَحَاتٌ مِنْ يَمَانِيَّةٍ ... تَأْتِيكَ مِنْ قِبَلِ الرَّيَّانِ أَحْيَانَا
هَلْ تَرْجِعَنَّ وَلَيْسَ الدَّهْرُ مُرْتَجِعًا ... عَيْشًا لَنَا طَالَ مَا احْلَوْلَى وَمَا لانَا
وَقَالَ الرَّضِيُّ:
أَمَا عَلِمَ الْغَادُونَ وَالْقَلْبُ خَلَفْهُمْ ... يَضُمُّ زَفِيرًا يَصْدَعُ الْقَلْبَ ضَمُّهُ
بِأَنَّ وَمِيضَ الْبَرْقِ مَا لا أُشِيمُهُ ... وَأَنَّ نَسِيمَ الرَّوْضِ مَا لا أَشُمُّهُ
وَلَهُ:
وَلَمَّا أَبَى الأَظْعَانُ إِلا فِرَاقَنَا ... وَلِلْبَيْنِ وَعْدٌ لَيْسَ فِيهِ كَذَّابُ
رَجَعْتُ وَدَمْعِيَ جَازِعٌ مِنْ تَجَلُّدِي ... يَرُومُ نُزُولا لِلْجَوَى فَيَهَابُ
وَأَثْقَلُ مَحْمُولٍ عَلَى الْعَيْنِ مَاؤُهَا ... إِذَا بَانَ أَحْبَابٌ وَعَزَّ إِيَابُ
وَلَهُ:
أَرَاكَ سَتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ وَجْدًا ... إِذَا مَا الرِّكَابُ وَدَّعْنَ نَجْدَا
بَوَاكِرُ يَطْلُعْنَ نُقَبَ الْغُوَيْرِ ... شَأَوْنَ النَوَاظِرَ نَأْيًا وَبُعْدَا
تَتْبَعُهُمْ نَظَرَاتُ الصُّقُورِ ... آنَسْنَ هَفْهَفَةَ الطَّيْرِ جَدَّا
كَأَنَّا بِنَجْدٍ غَدَاةَ الْوَدَاعِ ... نُصَادِي عُيُونًا مِنَ الدَّمْعِ رُمْدَا
وَأَيْسَرُ مَا نَالَ مِنَّا الْغَلِيلُ ... أَنْ لا نُحِسُّ مِنَ الْمَاءِ بَرْدَا
стр. 370
أَثَارُوا زَفِيرًا بِلَفِّ الضُّلُوعِ ... لَفِّ الرِّمَاحِ أَنَابِيبَ مُلْدَا
فَكُلُّ حَرَارَةٍ أَنْفَاسُهُ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْدَا
وَإِنِّي لِلشَّوْقِ مِنْ بَعْدِهِمْ ... أُرَاعِي الْجَنُوبَ رَوَاحًا وَمَغْدَا
وَأَفْرَحُ مِنْ نَحْوِ أَوْطَانِهِمْ ... بِغَيْثٍ يُجَلْجِلُ بَرْقًا وَرَعْدَا
إِذَا طَلَعَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُمْ ... أُحَيِّيَ الْوُجُوهَ كُهْلا وَمُرْدَا
وَأَسْأَلُهُمْ عَنْ عقيق الحمى ... وَعَنْ أَرْضِ نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ نَجْدَا
نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ فَلْيُخْبِرْنَ ... مَنْ كَانَ أَقْرَبَ بِالرَّمْلِ عَهْدَا
هَلِ الدِّيَارُ بِالْجَزْعِ مَأْهُولَةٌ ... أَنَارَ الرَّبِيعُ عَلَيْهَا وَأَسْدَى
وَهَلْ حَلَبَ الْغَيْثُ أَخْلافَهُ ... عَلَى مَحْضَرٍ مِنْ زُرُودٍ وَمَبْدَا؟
وَهَلْ أَهْلُهُ عَنْ تَنَائِي الدِّيَارِ ... يُرَاعُونَ عَهْدًا وَيَرْعَوْنَ وُدًّا؟
وَلَهُ:
أَشْكُو إِلَيْكَ مَدَامِعًا تَكِفُّ ... بَعْدَ النَّوَى، وَجَوَانِحًا تَجِفُ
لا يُبْعِدُ اللَّهُ الَّذِينَ نَأَوْا ... وَقَفُوا الْغَرَامَ بِنَا، وَمَا وَقَفُوا
أَيُّ الْقُوَى قَطَعُوا وَأَيَّ الدِّمَا ... سَفَكُوا، وَأَيَّ جِرَاحَةٍ قَرَفُوا
لَمْ أَنْسَ مَوْقِفَنَا وَمَوْقِفَهُمْ ... يَوْمَ النَّوَى، وَدُمُوعُنَا تَكِفُ
مَا كَانَ أَسْرَعَ مَا بِنَا زَمَنٌ ... وَتَكَدَّرَتْ مِنْ وُدِّنَا نُطَفُ
стр. 371
حَبْلٌ غَدَا بِأَكُفِّنَا طَرَفٌ ... مِنْهُ، وَفِي أَيْدِي النَّوَى طَرَفُ
هَلْ حَسَنٌ ذَاكَ الدَّهْرُ مَرْتَجَعٌ ... أَمْ طَيِّبٌ ذَاكَ الْعَيْشُ مُؤْتَنَفُ
أَمْ هَلْ يُبَاحُ الْوَرْدُ ثَانِيَةً ... وَيَلَذُّ بَرْدُ الْمَاءِ مُرْتَشَفُ
لَهَفِي عَلَى ذَاكَ الزَّمَانِ وَهَلْ ... يُثْنِي زَمَانًا مَاضِيًا لَهَفُ
أَنْبَتَ بَعْدَكَ حَبْلُنَا وَحَدَتْ ... كُلا لِطَيَّتِهِ نَوَى قَذَفُ
وَلَهُ:
وَإِنِّي إِذَا اصْطَكَّتْ رِكَابُ مَطِيِّهِمْ ... وَثَوْرٌ حَادٍ بِالرِّفَاقِ عَجُولُ
أُخَالِفُ بَيْنَ الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْحَشَا ... وَأَنْظُرُ أَنَّى مِلْتُمُ فَأَمِيلُ
وَلَهُ:
يَا طِيبَ نَجْدٍ وَحُسْنَ سَاكِنِهِ ... لَوْ أَنَّهُمْ أَنْجَزُوا الَّذِي وَعَدُوا
قَالُوا وَقَدْ قَرُبَتْ رَكَائِبُنَا ... وَالْقَلْبُ يَظْمَأُ بِهِمْ وَلا يَرِدُ
أَنَازِلٌ أَرْضَنَا فَقُلْتُ لَهُمْ؟ ... أَنْجَدَ قَلْبِي وَأَعْرَقَ الْجَسَدُ
стр. 372
وَلِمِهْيَارٍ:
لَوْ كُنْتَ تَبْلُو غَدَاةَ السَّفْحِ أَخْبَارِي ... عَلِمْتَ أَنْ لَيْسَ مَا عَيَّرْتَ بِالْعَارِ
شَوْقٌ إِلَى الْوَطِنِ الْمَحْبُوبِ جَاذِبٌ أَضْلاعِي ... وَدَمْعٌ جَرَى مِنْ فُرْقَةِ الْجَارِ
وَوَقْفَةٌ لَمْ أَكُنْ فِيهَا بِأَوَّلَ مَنْ ... بَانَ الْخَلِيطُ فَدَاوَى الْوَجْدَ بِالدَّارِ
وَلُمْتُ فِي الْبَرْقِ زَفْرَاتِي فَلَوْ عَلِمَتْ ... عَيْنَاكَ مِنْ أَيْنَ ذَاكَ الْبَارِقُ السَّارِي
طَارَتْ شَرَارَتُهُ مِنْ جَوِّ كَاظِمَةٍ ... تَحْتَ الدُّجَى بِلَبَانَاتِي وَأَوْطَارِي
هَلْ بِالدِّيَارِ عَلَى لَوْمِي وَمَعْذِرَتِي ... عَدْوَى تُقَامُ عَلَى وَجْدِي وَتِذْكَارِي
أَمْ أَنْتَ تَعْدِلُ فِيمَالا تُرِيدُ بِهِ ... إِلا مُدَاوَاةَ حَرِّ النَّارِ بِالنَّارِ
وَلَهُ:
سَلْ بِالْغُوَيْرِ السَّائِقَ الْمُغِلِّسَا ... هَلْ يَسْتَطِيعُ سَاعَةً أَنْ يَحْبِسَا؟
فَإِنَّ فِي الدَّارِ رَزَايَا لَوْعَةٍ ... نُوقًا ضِعَافًا وَعُيُونًا نُعَّسَا
وَثَمُلَيْنِ مَا أَدَارُوا بَيْنَهُمْ ... إِلا السُّهَادَ وَالدُّمُوعَ أَكْؤُسَا
مَا عَلِمَتْ نُفُوسُهُمْ أَنَّ الرَّدَى ... مِيقَاتُهُ الصُّبْحُ إِذَا تَنَفَّسَا
تَرَكْتَ مِنْ خَلْفِكَ أَجْسَامَهُمْ ... وَسَقَتْ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ الأَنْفُسَا
وَهَلْ عَلَى مَاءِ النَّخِيلِ مَطْعَنٌ ... إِذَا وَرِدْتَ مَثْلَثًا أَوْ مَخْمَسَا
وَلَهُ:
يَقُولُونَ: قَبْلَ الْبَيْنِ عَيْنُكَ تَدْمَعُ ... دَعُوا مُقْلَةً تَدْرِي غَدًا مَنْ تُوَدِّعُ
تَرَى بِالنَّوَى الأَمْرَ الَّذِي لا يَرَوْنَهُ ... هَوًى، فَيَقُولُونَ الَّذِي لَيْسَ يَسْمَعُ
وَدُونَ انْصِدَاعِ الشَّمْلِ لَوْ تَسْمَعُونَهُ ... أَنِينُ حَصَاةٍ الْقَلْبُ مِنْهُ تَصَدَّعُ
стр. 373
أَعِدْ ذِكْرَ نَعْمَانَ أَعِدْ إِنَّ ذِكْرَهُ ... مِنَ الطِّيبِ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
فَإِنْ قَرَّ قَلْبِي فَاتَّهِمْهُ وَقُلْ لَهُ: ... بِمَنْ أَنْتَ بَعْدَ الْعَامِرِيَّةِ مُولَعُ
وَلَهُ:
مَنْ بِمِنًى وَأَيْنَ جِيرَانُ مِنًى ... لا تَكُونُ أَرْبَعَا
سَلَبْتُمُونِي كَبِدًا صَحِيحَةً ... أَمْسِ فَرَدُّوهَا عَلَيَّ قِطَعَا
عَدِمْتُ صَبْرِي فَجَزِعْتُ بَعْدَكُمُ ... ثُمَّ ذُهِلْتُ فَعَدِمْتُ الْجَزَعَا
فَارْتَجِعَا لِي لَيْلَةً بِحَاجِرٍ ... إِنْ تَمَّ فِي الْفَائِتِ أَنْ يُرْتَجَعَا
وَغَفْلَةٍ سَرَقْتُهَا مِنْ زَمَنِي ... بِلَعْلَعٍ سَقَى الْغَمَامُ لَعْلَعَا
وَلَهُ:
نَشَدْتُكِ يَا بَانَةَ الأَجْرَعِ ... مَتَى دَفْعُ الْحَيِّ مِنْ لَعْلَعْ
وَهَلْ مَرَّ قَلْبِي فِي التَّابِعِينَ ... أَمْ خَارَ ضَعْفًا فَلَمْ يَتْبَعْ؟
فَقَدْ كَانَ يُطْمِعُنِي فِي الْمُقَامِ ... وَنِيَّتُهُ نِيَّةُ الْمُزْمِعْ
وَسِرْنَا جَمِيعًا وَرَاءَ الْحُمُولِ ... وَلَكِنْ رَجَعْتُ وَلَمَ يَرْجِعْ
رَأَيْتُهُ لَكِنْ بَيْنَ الْقُلُوبِ ... إِذَا اشْتَبَهْتُ اشْتَبَهْتُ أَنَّهُ الْمُوجَعْ
وَشَكْوَى تَدُلُّ عَلَى سُقْمِهِ ... فَإِنْ أَنْتِ لَمْ تُبْصِرِي فَاسْمَعِي
وَأَبْرَحُ مِنْ فَقْدِهِ أَنَّنِي ... أَظُنُّ الأَرَاكَةَ عَنِّي تَعِي
وَلَهُ:
لَوْ كَانَ يَرْفُقُ طَاعِنٌ بِمُشَيِّعٍ ... رُدُّوا فُؤَادِي يَوْمَ كَاظِمَةٍ مَعِي
قَالُوا: النَّوَى، وَخَرَجْتُ وَهُوَ مُصَاحِبِي ... وَرَجَعْتُ وَهُوَ مَعَ الْخَلِيطِ مُوَدِّعِي
فَلأَيَّمَا مُهْجَتِي تَأَسُّفِي ... وَبِأَيِّ قَلْبَيَّ الْغَدَاةَ تَفَجُّعِي
أَطَأُ الثَّرَى مُتَمَلْمِلا وَكَأَنَّنِي ... لَهَبًا وَقَفْتُ عَلَى حَرَارَةِ أَضْلُعِي
стр. 374
هَلْ يَمْلِكُ الْحَادِي تَلَوُّمَ سَاعَةٍ؟ ... إِنَّ الْبَطِيءَ مُعَذَّبٌ بِالْمُسْرِعِ
أَمْ هَلْ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ مَسْمُوعَةٌ ... عَنِّي فَيُنْصِتَ لِلْبَلِيغِ الْمُسْمِعِ؟
رَوِّحْ بِذَي سَلَمٍ عَلَى مُتَأَخِّرٍ ... طَمِعَ اللِّحَاقَ وَإِنْ أَبَيْتَ فَجَعْجِعِ
إِنْ شَاءَ بَعْدَهُمُ الْحَيَا فَلْيَنْسَكِبْ ... أَوْ شَاءَ ظِلُّ غَمَامَةً فَلْيُقْلِعِ
فَمَقِيلُ جِسْمِي فِي ذُبُولِ رُبُوعِهِمْ ... كَافٍ وَشُرْبِي مِنْ فَوَاضِلِ أَدْمُعِي
وَلَهُ:
لَعَلَّهُمْ لَوْ وَقَفُوا ... أَبَلَّ هَذَا الْمُدْنَفُ
قَالُوا: غَدًا وَعْدُ النَّوَى ... يَا بَرْدَهَا لَوْ لَمْ يَفُوا
هَلْ أَنْتَ يَا قَلْبُ مَعِي ... أَوْ مَعَهُمْ مُنْصَرِفُ؟
وله:
طَوَوْا عَرْضَ الْبِلادِ وَغَادَرُونِي ... بِصَبْرٍ ظَاعِنٍ وَهُوَ مُقِيمِ
وَوَلَّوْهَا الأَعِنَّةَ مُطْلَقَاتٌ ... وَبَقَّوْنِي أَعَضُّ عَلَى الشَّكِيمِ
نَطَقْتُ وَلَوْ أَطَعْتُ لَطَالَ صَمْتِي ... عَلَى مَا اعْتَدْتُ مِنْ خُلُقِي وَخِيمِي
وَلَهُ:
قَالُوا: النَّوَى تُسَمِّيهِ ... وَالْمَوْتُ يَعْنِي مَنْ عَنَا
مَنِ اشْتَكَى أَشْجَانَهُ ... فَمَا أَحْسَنَ شَجَنَا
لَمْ يَتْرُكِ الْغَادُونَ لِي ... قَلْبًا يُحِسُّ الْحَزَنَا
كَانَ فُؤَادِي وَهُمُ ... ظَعَنُوا فَظَعَنَا
مَنْ سَائِلٌ لِي بِالْحِمَى ... ذَاكَ الْكَثِيبَ الأَيْمَنَا؟
مَا بَالُ رَكْبٍ مِنْهُمُ ... مَرَّ عَلَيْهِ مُوهِنَا
стр. 375
وَلَهُ:
صَحَا الْقَلْبُ لَكِنْ صَبْوَةٌ وَحَنِينُ ... وَأَقْصَرَ إِلا أَنْ يَخِفَّ قَطِينُ
إِذَا بَاشَرَتْهُ فَضْلَةٌ مِنْ جَلادَةٍ ... عَلَى هَاجِرِ عَزَّتْهُ يَوْمَ تَبِينُ
وَقَالُوا: يَكُونُ الْبَيْنُ وَالْمَرْءُ رَابِطٌ ... حَشَاهُ بِفَضْلِ الْحَزْمِ كَيْفَ يَكُونُ
وَقَدْ يَضْمَنُ الْقَلْبُ الصَّرَامَةَ لَوْ وَفَى ... وَيَصْدُقُ وَعْدُ الصَّبْرِ ثُمَّ يَمِينُ
دَعُونِي فَلِي إِنْ رُمْتُ الْعَيْشَ وَقْفَةٌ ... أُعَلِّمُ فِيهَا الصَّخْرَ كَيْفَ يَلِينُ
وَخَلُّوا دُمُوعِي أَوْ يُقَالُ: نَعَمْ بَكَا ... وَزَفْرَةُ صَدْرِي أَوْ يُقَالُ: حَزِينُ
فَلَوْلا غَلِيلُ الشَّوْقِ أَوْ دَمْعَةُ الْجَوَى ... لَمَا خُلِقَتْ لِي أَعْيُنٌ وَجُفُونُ
وُجُوهٌ عَلَى وَادِي الْغَضَا لا عَدِمْتُهَا ... فَكُلُّ عَزِيزٍ بِالْجَمَالِ يَهُونُ
تَشَبَّثْتُ بِالأَقْمَارِ عَنْهَا عُلالَةً ... وَبَانَاتُ سَلْعٍ وَالْفَرُوقُ تَبِينُ
وَعَوَّذَنِي عَرَّافُ نَجْدٍ بِذِكْرِهَا ... فَأَعْلَمَنِي أَنَّ الْغَرَامَ جُنُونُ
تَعُودُ دَاءً ظَاهِرًا أَنْ يُطِبَّهُ ... فَكَيْفَ لَهُ بِالدَّاءِ وَهُوَ دَفِينُ
وَلِشَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعِ:
لَمْ يَقْضِ مِنْ سَفَرِ الصُّدُودِ قُدُومُهُمُ ... حَتَّى تَنَادَوْا لِلنَّوَى يَتَحَمَّلُ
دَعْ شَانَ عَيْنِكَ يَا شَوْقُ وَشَانَهُمُ ... وَدَعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْحَشَا وَتَمَلْمَلُ
الْيَوْمَ آخِرُ عَهْدِهِمْ وَلَقَلَّمَا ... يُغْنِي وُقُوفُكَ سَاعَةً فِي الْمَنْزِلِ
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَارِجَةَ إِذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ، يَقُولُ:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وَشُدَّتْ عَلَى هُدُبِ الْمَهَا رِئِيِّ رِحَالُنَا ... وَلا يُنْظَرُ الْغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا ... وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ
وَلِبَعْضِ مَنْ لَمْ يُسَمَّى:
أَلا رُبَّ مَسْعُوفٍ بِمَا لا يَنَالُهَ ... غَدَاةَ يُسَاقُ الْمُسْرِعُونَ إِلَى النَّحْرِ
وَيَا رَبِّ بَارِكْ شَجْوَةً وَمُعَوَّلا ... إِذَا مَا زَرَى الأَطْنَابِ تُنْزَعُ لِلنَّفْرِ
стр. 376
بَابٌ ذِكْرُ مَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَزَارَ قَبْرَ قَرَابَتِهِ فِي طَرِيقِهِ
رَوَى بُرَيْدَةُ ﵁، أنّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَتَى مَكَّةَ أَتَى جِذْمَ قَبْرٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ كَهَيْئَةِ الْمُخَاطِبِ وَهُوَ يَبْكِي، فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ ﵁ وكَانَ جَرِيئًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ قَالَ: «هَذَا قَبْرُ أُمِّي، سَأَلْتُ رَبِّي زِيَارَتَهُ فَأَذِنَ لِي، وَسَأَلْتُهُ الاسْتِغْفَارَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَذَكَرْتُهَا فَبَكَيْتُ» ، فَلَمْ يُرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْعَلافِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحِمَامِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التُّرْجُمَانُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مِلْحَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ وَقَفَ عَلَى عُسْفَانَ، فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالا فَأَبْصَرَ قَبْرَ أُمِّهِ آمِنَةَ، فَوَرَدَ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَفْجَأْنَا إِلا بِبُكَائِهِ، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا الَّذِي أَبْكَاكُمْ؟» قَالُوا: بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا.
قَالَ: «وَمَا ظَنَنْتُمْ؟» قُلْنَا: ظَنَنَّا أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ عَلَيْنَا.
قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ» .
стр. 377
قَالُوا: فَظَنَنَّا أَنَّ أُمَّتَكَ كُلِّفَتْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا لا يَطِيقُونَ.
قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَكِنْ مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَزُجِرْتُ، فَعَلا بُكَائِي» ، ثُمَّ دَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، فَمَا سَارَ إِلا هُنيَّةً حَتَّى غَاصَتِ النَّاقَةُ بِثِقَلِ الْوَحْيِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] .
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ آمِنَةَ كَمَا تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ» .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا ابْنُ دُوَسْتِ، أَنْبَأنَا ابْنُ صَفْوَانَ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، أَنْبَأنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَنْبَأنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَارَ قَبْرَ أُمَّهُ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي» .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ
стр. 378
بَابُ ذِكْرِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَكْرَهْهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَلِ اسْتَحَبُّوهَا.
فَمَنْ كَرِهَهَا فَلأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: خَوْفُ الْمَلَلِ.
وَالثَّانِي: قِلَّةُ الاحْتِرَامِ، لِمُدَاوَمَةِ الأُنْسِ بِالْمَكَانِ.
وَالثَّالِثُ: لِيَهِيجَ الشَّوْقُ بِالْمُفَارَقَةِ فَيَنْشَأَ دَاعِيَةُ الْعَوْدِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْكَعْبَةِ وَالإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ، خَيْرٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْبَيْتِ وَالإِنْسَانُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ.
وَالرَّابِعُ: خَوْفُ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ هُنَاكَ، فَإِنَّ الْخَطَأَ ثَمَّ لَيْسَ كَالْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ؛ لأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَتَضَاعَفُ عُقُوبَتُهَا إِمَّا لِكَثْرَةِ عِلْمِ فَاعِلِهَا، فَلَيْسَ عِقَابُ مَنْ يَعْلَمُ، كَمَنْ لا يَعْلَمُ، أَوْ لِشَرَفِ الزَّمَانِ كَالْمَعْصِيَةِ فِي رَمَضَانَ وَالطَّاعَةِ فِيهِ، وَقَالَ ﵇: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ كِحَجَّةٍ مَعِي» .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ.
أَوْ لِشَرَفِ الْمَكَانِ كَالْحَرَمِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ضُوعِفَ أَجْرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخَيْرِ، وَتُوُعِدْنَ بِمُضَاعَفَةِ الْعِقَابِ عَلَى الشَّرِّ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِضِعْفِ الْخَلْقِ، وَقُصُورِهِمْ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْمَكَانِ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو الزَّجَّاجِيُّ: مَنْ جَاوَرَ بِالْحَرَمِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَظْهَرَ خَسَارَتَهُ.
стр. 379
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الْمُجَاوَرَةَ وَرَآهَا فَضِيلَةً، فَلِفَضِيلَةِ الْمَكَانِ، وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَكَمَا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى مَنْ أَذْنَبَ هُنَاكَ أَنْ يُضَاعَفَ عِقَابُهُ، يُرْجَى لِمَنْ أَحْسَنَ هُنَاكَ أَنْ يُضَاعَفَ ثَوَابُهُ، وَقَدْ جَاوَرَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَسَكَنَهَا مِنَ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ بَشَرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ ابْنُ سَابِطٍ: لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلا لَحِقَ نَبِيُّهَا بِمَكَّةَ فَتَعَبَّدَ فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ.
وَهَذَا ذِكْرُ مَنِ اسْتَوْطَنَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ: الأَسْوَدُ بْنُ خَلَفٍ، إِيَاسُ بْنُ عَبْدٍ، بُدَيْلُ بْنُ وَرَقَاءَ، بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ، تَمَيمُ بْنُ أُسَيْدٍ، الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إِهَابٍ، الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، حُوَيْطِبٌ، خَالِدُ بْنُ أُسَيْدٍ، خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ، خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، خُوَيْلِدُ بْنُ صَخْرٍ، سُمْرَةُ بْنُ الْمُؤَذِّنِ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبَشِيٍّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَفْوَانَ، عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، عُتْبَةُ بْنُ أَبَيِ لَهَبٍ، عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، أَبُو قُحَافَةَ، عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، عَلْقَمَةُ بْنُ الْفَغْوَاءِ، عَمْرُو بْنُ بَعْكَكٍ، عَمْرُو بْنُ أَبِي عَقْرَبٍ، عُمَيْرُ بْنُ قَتَادَةَ، عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، قَيْسُ بْنُ السَّائِبِ، كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، كَلَدَةُ بْنُ حَنْبَلٍ، كَيْسَانُ، لَقِيطٌ، مِحْرَشٌ، مُطِيعٌ، الْمُطَّلِبُ، مُعَتِّبٌ، الْمُهَاجِرُ، نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ.
وَمِمَّنْ عُرِفَ بِكُنْيَتِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ: أَبُو جُمُعَةَ، أَبُو سَبْرَةَ،
стр. 380
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ، فَهَؤُلاءِ الأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَطَّنُوهَا.
وَقَدْ جَاوَرَ بِهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ بِهَا.
فَصْلٌ
وَقَدْ نَزَلَهَا مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، مُجَاهِدٌ، عَطَاءٌ، يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، مِقْسَمٌ، الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، الْحُمَيْدِيُّ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ الْمُجَاوِرِينَ لا يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْحَرَمِ، بَلْ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ، وَبَقِيَ عَلَى هَذَا أَبُو عَمْرٍو الزَّجَّاجِيُّ الصُّوفِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَجَاوَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ بِمَكَّةَ سَنَةً فَلَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى الْحَائِطِ، وَلَمْ يَنَمْ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، بِمَا قَدَرْتَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: عَلِمَ صِدْقَ بَاطِنِي فَأَعَانَنِي عَلَى ظَاهِرِي.
! ٢٣٢ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَكَى لَنَا أَبُو سَهْلٍ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الْعُكْبَرِيُّ، قَالَ: لَمَّا وَصَلَ أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ إِلَى مَكَّةَ اسْتَحْسَنَهَا وَاسْتَطَابَهَا، وَهَجَسَ فِي نَفْسِهِ، أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَلَوْ سَنَةً، فَسَمِعَ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِهِ، وَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ سِنَةً؟ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ الثَّلاثِينَ سَمِعَ هَاتِفًا، يَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ وَفَيْنَا بِالْوَعْدِ، فَمَاتَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ
стр. 381
بَابُ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ
أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، قَالَ: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، أَنْبَأنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ كُلَّهُ، وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ حَسَنَةً، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حَسَنَةً، وَكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حُمْلانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ حُمْلانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﵎»
стр. 382
بَابُ ذِكْرِ أَعْيَانِ الْمَدْفُونِينَ فِي الْحَرَمِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَابِطٍ: مَاتَ نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ ﵈ بِمَكَّةَ، فَقُبُورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحِجْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ، فَتَعَبَّدَ فِيهَا وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتَ.
! ٢٣٣ أَنْبَأنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنْبَأنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرُ أَبَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، أَنْبَأنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ قُبُرُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا، وَإِنَّ قَبْرَ هُودٍ، وَشُعَيْبٍ، وَصَالِحٍ، وَإِسْمَاعِيلَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ
! ٢٣٤ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ إِلَى الْحِجْرِ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا
! ٢٣٥ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَطَبَ صَالِحٌ ﵇ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ دَارٌ قَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا فَأَطِيعُوا.
قَالُوا: مُرْنَا نَفْعَلْ.
قَالَ: تَلْحَقُونَ بِحَرَمِ اللَّهِ، فَأَهَلُّوا مِنْ سَاعَتِهِمْ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَحْرَمُوا فِي الْعَبَاءِ، فَوَرَدُوا مَكَّةَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا، فَتِلْكَ قُبُورُهُمْ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَدَارِ بَنِي هَاشِمٍ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ هُودٌ ﵇ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، وَشُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ
стр. 383
وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ
! ٢٣٦ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دُفِنَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فِي الْحِجْرِ
! ٢٣٧ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ ﵇ دُفِنَ فِي الْحِجْرِ مَعَ أُمِّهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهَا دُفِنَتْ فِيهِ
! ٢٣٨ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: شَكَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى رَبِّهِ حَرَّ مَكَّةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي أَفْتَحُ لَكَ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ فِي الْحِجْرِ يَجْرِي عَلَيْكَ مِنَ الرَّوْحِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تُوُفِّيَ قَالَ خَالِدٌ الْمَخْزُومِيُّ: فَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَا بَيْنَ الْمِيزَابِ إِلَى بَابِ الْحِجْرِ الْغَرْبِيِّ فِيهِ قَبْرُهُ
! ٢٣٩ وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ: حَفَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجْرَ فَوَجَدَ فِيهِ سَفْطًا مِنْ حِجَارَةٍ خُضْرٍ، فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ فِيهِ عِلْمًا، فَأَرْسَلَ إِلَى أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ.
فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ ﵇ فَلا تُحَرِّكْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا الْمُحْدَوْدِبُ، يُشِيرُ إِلَى مَا يَلِي الرُّكْنَ الشَّامِيَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قُبُورُ عَذَارَى بَنَاتِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالَ: وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ يُسَوَّى مَعَ الْمَسْجِدِ فَلا يَنْشَبُ أَنْ يَعُودَ مَحْدُوبًا كَمَا كَانَ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لِمَقْبُرَةِ مَكَّةَ: «نِعْمَ الْمَقْبُرَةُ هَذِهِ» .
! ٢٤٠ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ: مَنْ قُبِرَ فِي هَذِهِ الْمَقْبُرَةِ، يَعْنِي مَقْبُرَةَ مَكَّةَ، بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 384
وَأَنْبَأَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنْبَأنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرُ أَبَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بَرَّةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ قُبِرَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
стр. 385
بَابُ ذِكْرِ مَنْ كَانَ يُكَرِّرُ الْحَجَّ
قَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: حَجَّ آدَمُ ﵇ عَلَى رِجْلَيْهِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: حَجَّ آدَمُ ﵇ عَلَى رِجْلَيْهِ سَبْعِينَ حَجَّةً مَاشِيًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَالِمًا بِالْحَجِّ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ زِيَادَةً عَلَى سَبْعِينَ حَجَّةً، وَرَوَى سَمْنُونُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السَّقَّاءِ، أَنَّهُ حَجَّ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً مِنْ نَيْسَابُورَ
! ٢٤١ أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنِ الْجَوْهَرِيِّ، عَنِ ابْنِ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْفَهْمِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عُييْنَةَ ابْنُ أَخِي سُفْيَانَ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَمِّي آخِرَ حَجَّةٍ حَجَّهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا كُنَّا بِجَمْعٍ وَصَلَّى، اسْتَلْقَى عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ وَافَيْتُ هَذَا الْمَوْضِعَ سَبْعِينَ عَامًا، أَقُولُ فِي كُلِّ سَنَةٍ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَسْأَلُهُ، فَرَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ
! ٢٤٢ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلُ، أَنْبَأنَا ابْنُ صَفْوَانَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ
стр. 386
بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَفْرَةً حَافِيًا مُحْرِمًا صَائِمًا، لا يَتْرُكُ صَلاةَ السَّحَرِ فِي سَفَرِهِ، إِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ نَزَلَ فَصَلَّى، وَيَمْضِي أَصْحَابُهُ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَحِقَ مَتَى لَحِقَ
! ٢٤٣ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْبَلْخِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا، يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حَجَّةً نِمْتُ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّ
! ٢٤٤ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ وَاضِحٍ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَرَّازَ بْنَ بَكْرٍ الدَّيْبَلِيَّ، قَالَ: أَحْرَمْتُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَدَخَلْتُ بَادِيَةَ تَبُوكَ، إِلَى أَنْ وَصَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِذَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلاءِ جَالِسٌ فِي شِقِّ الطَّوَافِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ مِنْ أَيْنَ أَحْرَمْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ جِئْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ طَرِيقِ تَبُوكَ.
فَقَالَ لِي: عَلَى تَرْكِ التَّوَكُّلِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَعْرِفُ رَجُلا حَجَّ اثْنَيْنَ وَخَمْسِينَ حَجَّةً عَلَى التَّوَكُّلِ، وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمِّ، بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
стр. 387
أَخْبَرَنَا ابْنُ حَبِيبٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، يَقُولُ: حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِيَّ عَلَى الْفَقْرِ
! ٢٤٦ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ خَلَفٍ، عَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَوَّاصُ قَرِيبًا مِنْ سِتِّينَ حَجَّةً
стр. 388
بَابُ ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ الْحَجِّ
رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ» ، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ» .
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنْبَأنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عِنَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَّلَهُ» ، قِيلَ: وَمَا عَسَّلَهُ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ لَهُ عَمَلا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» .
أَمَّا أَبِو عِنَبَةَ فَلَهُ صُحْبَةٌ وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِنَبَةَ.
وَجُمْلَةُ مَنْ فِي الصَّحَابَةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِئَتَانِ وَعُشْرُونَ، لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عِنَبَةَ سِوَاهُ، وَلا مَنْ يُكَنَّى أَبَا عِنَبَةَ إِلا هُوَ.
وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ
стр. 389
فَيَشْكُلُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا الضَّبْطَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «عَسَّلَهُ» ، بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، فَذَكَرَهُ بِالْغَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ رَمَضَانَ أَوْ عُقَيْبَ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ مَاتَ شَهِيدًا.
стр. 390
بَابٌ فِي التَّشْوِيقِ إِلَى الْحَجِّ وَأَمَاكِنِهِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ ابْتِكَارَا ... قَدْ قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الأَوْطَارَا
إِنْ يَكُنْ قَلْبُكَ الْغَدَاةَ خَلِيًّا ... فَفُؤَادِي بِالْخَيْفِ أَمْسَى مُعَارَا
لَيْسَ ذَا الدَّهْرُ كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا ... كُلَّ يَوْمَيْنِ حَجَّةً وَاعْتِمَارَا
وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ النَّحْوِيُّ بِالْمَغْرِبِ لِبَعْضِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلادِ فِي الشَّوْقِ إِلَى مَكَّةَ:
يَحِنُّ إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ فُؤَادِي ... وَيَحْدُو اشْتِيَاقِي نَحْوَ مَكَّةَ حَادِي
وَلِي أَمَلٌ مَا زَالَ يَسْمُو بِهِمَّتِي ... إِلَى الْبَلْدَةِ الْغَرَّاءِ خَيْرِ بِلادِ
بِهَا كَعْبَةُ اللَّهِ الَّتِي طَافَ حَوْلَهَا ... عِبَادٌ هُمْ لِلَّهِ خَيْرُ عِبَادِ
لأَقْضِيَ فَرْضَ اللَّهِ فِي حَجِّ بَيْتِهِ ... بَأَصْدَقِ إِيمَانٍ وَأَطْيَبِ زَادِ
أَطُوفُ كَمَا طَافَ النَّبِيُّونَ حَوْلَهُ ... طَوَافَ قِيَادٍ لا طَوَافَ عِنَادِ
وَأَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ تَابِعًا ... لِسُنَّةِ مَهْدِيٍّ وَطَاعَةِ هَادِي
وَأَرْكَعُ تِلْقَاءَ الْمَقَامِ مُصَلِّيًا ... صَلاةً أُرَجِّيهَا لِيَوْمِ مَعَادِ
وَأَسْعَى سُبُوعًا بَيْنَ مَرْوَةَ وَالصَّفَا ... أُهِلُّ لِرَبِّي تَارَةً وَأُنَادِي
وَآتِي مِنًى أَقْضِي بِهَا التَّفَثَ الَّذِي ... يَتِمُّ بِهِ حَجِّي وَهَدْيُ رَشَادِي
فَيَا لَيْتَنِي شَارَفْتُ أَجْبُلَ مَكَّةَ ... فَبِتُّ بِوَادٍ عِنْدَ أَكْرَمِ وَادِي
وَيَا لَيْتَنِي رُوِّيتُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ... صَدًا خَالَهُ بَيْنَ الْجَوَانِحِ صَادِي
وَيَا لَيْتَنِي قَدْ زُرْتُ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ... فَأَشْفِي بِتَسْلِيمٍ عَلَيْهِ فُؤَادِي
следующие страницы →