Полный текст (465 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَفْرَةً حَافِيًا مُحْرِمًا صَائِمًا، لا يَتْرُكُ صَلاةَ السَّحَرِ فِي سَفَرِهِ، إِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ نَزَلَ فَصَلَّى، وَيَمْضِي أَصْحَابُهُ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَحِقَ مَتَى لَحِقَ
! ٢٤٣ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْبَلْخِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا، يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حَجَّةً نِمْتُ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّ
! ٢٤٤ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ وَاضِحٍ، أَنْبَأنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَرَّازَ بْنَ بَكْرٍ الدَّيْبَلِيَّ، قَالَ: أَحْرَمْتُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَدَخَلْتُ بَادِيَةَ تَبُوكَ، إِلَى أَنْ وَصَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِذَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلاءِ جَالِسٌ فِي شِقِّ الطَّوَافِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ مِنْ أَيْنَ أَحْرَمْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ جِئْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ طَرِيقِ تَبُوكَ.
فَقَالَ لِي: عَلَى تَرْكِ التَّوَكُّلِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَعْرِفُ رَجُلا حَجَّ اثْنَيْنَ وَخَمْسِينَ حَجَّةً عَلَى التَّوَكُّلِ، وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمِّ، بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
стр. 387
أَخْبَرَنَا ابْنُ حَبِيبٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، يَقُولُ: حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِيَّ عَلَى الْفَقْرِ
! ٢٤٦ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ خَلَفٍ، عَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَوَّاصُ قَرِيبًا مِنْ سِتِّينَ حَجَّةً
стр. 388
بَابُ ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ الْحَجِّ
رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ» ، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ» .
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنْبَأنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عِنَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَّلَهُ» ، قِيلَ: وَمَا عَسَّلَهُ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ لَهُ عَمَلا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» .
أَمَّا أَبِو عِنَبَةَ فَلَهُ صُحْبَةٌ وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِنَبَةَ.
وَجُمْلَةُ مَنْ فِي الصَّحَابَةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِئَتَانِ وَعُشْرُونَ، لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عِنَبَةَ سِوَاهُ، وَلا مَنْ يُكَنَّى أَبَا عِنَبَةَ إِلا هُوَ.
وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ
стр. 389
فَيَشْكُلُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا الضَّبْطَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «عَسَّلَهُ» ، بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، فَذَكَرَهُ بِالْغَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَاتَ عُقَيْبَ رَمَضَانَ أَوْ عُقَيْبَ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ مَاتَ شَهِيدًا.
стр. 390
بَابٌ فِي التَّشْوِيقِ إِلَى الْحَجِّ وَأَمَاكِنِهِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ ابْتِكَارَا ... قَدْ قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الأَوْطَارَا
إِنْ يَكُنْ قَلْبُكَ الْغَدَاةَ خَلِيًّا ... فَفُؤَادِي بِالْخَيْفِ أَمْسَى مُعَارَا
لَيْسَ ذَا الدَّهْرُ كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا ... كُلَّ يَوْمَيْنِ حَجَّةً وَاعْتِمَارَا
وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ النَّحْوِيُّ بِالْمَغْرِبِ لِبَعْضِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلادِ فِي الشَّوْقِ إِلَى مَكَّةَ:
يَحِنُّ إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ فُؤَادِي ... وَيَحْدُو اشْتِيَاقِي نَحْوَ مَكَّةَ حَادِي
وَلِي أَمَلٌ مَا زَالَ يَسْمُو بِهِمَّتِي ... إِلَى الْبَلْدَةِ الْغَرَّاءِ خَيْرِ بِلادِ
بِهَا كَعْبَةُ اللَّهِ الَّتِي طَافَ حَوْلَهَا ... عِبَادٌ هُمْ لِلَّهِ خَيْرُ عِبَادِ
لأَقْضِيَ فَرْضَ اللَّهِ فِي حَجِّ بَيْتِهِ ... بَأَصْدَقِ إِيمَانٍ وَأَطْيَبِ زَادِ
أَطُوفُ كَمَا طَافَ النَّبِيُّونَ حَوْلَهُ ... طَوَافَ قِيَادٍ لا طَوَافَ عِنَادِ
وَأَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ تَابِعًا ... لِسُنَّةِ مَهْدِيٍّ وَطَاعَةِ هَادِي
وَأَرْكَعُ تِلْقَاءَ الْمَقَامِ مُصَلِّيًا ... صَلاةً أُرَجِّيهَا لِيَوْمِ مَعَادِ
وَأَسْعَى سُبُوعًا بَيْنَ مَرْوَةَ وَالصَّفَا ... أُهِلُّ لِرَبِّي تَارَةً وَأُنَادِي
وَآتِي مِنًى أَقْضِي بِهَا التَّفَثَ الَّذِي ... يَتِمُّ بِهِ حَجِّي وَهَدْيُ رَشَادِي
فَيَا لَيْتَنِي شَارَفْتُ أَجْبُلَ مَكَّةَ ... فَبِتُّ بِوَادٍ عِنْدَ أَكْرَمِ وَادِي
وَيَا لَيْتَنِي رُوِّيتُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ... صَدًا خَالَهُ بَيْنَ الْجَوَانِحِ صَادِي
وَيَا لَيْتَنِي قَدْ زُرْتُ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ... فَأَشْفِي بِتَسْلِيمٍ عَلَيْهِ فُؤَادِي
стр. 391
وَلِمِهْيَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
أَيَا لَيْلَ جَوٍّ مَنْ بَشَيِرُكَ بِالصُّبْحِ؟ ... وَهَلْ مِنْ مَقِيلٍ بَعْدَ ظِلِّكَ فِي الطَّلْحِ؟
شَرِبْتُ عَلَى سُؤْرِ النَّحِيلَةِ نَهْلَةً ... بِهَا لَمْ أَكُنْ أَدِري أَتُسْكِرُ أَمْ تُصْحِي؟
فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ لَفْتَةِ ذَاكِرٍ ... إِذَا قُلْتُ بَلَّتْ أَوْقَدَتْ لَوْعَةَ الْبَرْحِ
أَيَا صَاحِ كَالْمَاشِي بِخَيْرِ مُوَفَّقٍ ... تَرَنَّمْ بِلَيْلِي إِنْ مَرَرْتَ عَلَى السَّفْحِ
وَقَامِرْ بِعَيْنِي فِي الْخَلِيطِ مُخَاطِرًا ... عَسَتْ نَظْرَةٌ مِنْهَا يَفُوزُ بِهَا قَدَحِي
وَلَهُ:
يَا نَسِيمَ الصُّبْحِ مِنْ كَاظِمَةٍ ... شَدَّ مَا هِجْتَ الأَسَى وَالْبُرَحَا
الصِّبَا إِنْ كَانَ لا بُدَّ الصِّبَا ... إِنَّهَا كَانَتْ لِقَلْبِي أَرْوَحَا
يَا نَدَامَايَ بِسَلْعٍ هَلْ أَرَى ... ذَلِكَ الْمُغْبِقَ وَالْمُصْطَبِحَا؟
أَذْكِرُونَا ذِكَرْنَا عَهْدَكُمُ ... رُبَّ ذِكْرَى قَرَّبَتْ مَنْ نَزَحَا
وَاذْكُرُوا صَبًّا إِذَا غَنَّى بِكْمُ ... شَرِبَ الدَّمْعَ وَعَافَ الْقَدَحَا
قَدْ شَرِبْتُ الصَّبْرَ عَنْكُمْ مُكْرَهًا ... وَتَبِعْتُ السُّقْمَ فِيكُمْ مُسْمِحَا
وَعَرَفْتُ الْهَمَّ مِنْ بَعْدِكُمْ ... وَكَأَنِّي مَا عَرَفْتُ الْفَرَحَا
وَلَهُ:
أَبَا الْغَوْرِ تَشْتَاقُ تِلْكَ النُّجُودَا؟ ... رَمَيْتَ بِقَلْبِكَ مَرْمًى بَعِيدًا
فُؤَادٌ أَسِيرٌ وَلا تَفْتَدِي ... وَجَفْنٌ قَتِيلُ الْبُكَا لَيْسَ يُودَى
سَهِرْنَا بِبَابِلَ لِلنَّائِمِينَ ... عَمَّا نُقَاسِي بِنَجْدٍ رُقُودَا
وَلَهُ:
مَنْ مُبْلِغِي؟ وَالصِّدْقُ قَصْدُ حَدِيثِهِ ... وَفِي الْقَوْلِ غُلُوٌّ نَقْلُهُ وَرَشِيدُ
عَنِ الرَّمْلِ بِالْبَيْضَاءِ: هَلْ هِيلَ بَعْدَنَا ... وَبَانَ الْغَضَا هَلْ يَسْتَوِي وَيَمِيدُ؟
стр. 392
وَهَلْ ظَبْيَاتٌ بَيْنَ جَوٍّ وَلَعْلَعٍ ... تَمُرُّ عَلَى وَادِي الْغَضَا وَتَعُودُ
حَمَلْنَ الْهَوَى مِنِّي عَلَى ضُعْفِ كَاهِلٍ ... وَهَى، وَتَقُولُ الْحَامِلاتُ: جَلِيدُ
قَسَمًا وَلا أُقْسِمُ لِسُكَّانِ الْحِمَى ... عَنْ رَيْبَةٍ لَكِنَّهُ تَأْكِيدُ
لَهُمُ وَإِنْ مَنَعُوا مَكَانَ مَطَالِبِي ... وَهُمُ وَإِنْ كَرِهُوا الَّذِين أُرِيدُ
أَتَنَسَّمُ الأَرْوَاحَ وَهِيَ رَوَاكِدٌ ... مِنْهُمْ وَتَجْدِبُ أَرْضُهُمْ فَأَرُودُ
وَلَقَدْ أَحِنُّ إِلَى ذَرُودَ وَطِينَتِي ... مِنْ غَيْرِ مَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ زَرُودُ
وَيَشُوقُنِي عَجَفُ الْحِجَازِ ... وَقَدْ ضَفَا رِيفُ الْعِرَاقِ وَظِلُّهُ الْمَمْدُودُ
وَيُطْرِبُ الشَّادِي فَلا يَهْتَزُّنِي ... وَيَنَالُ مِنِّي السَّائِقُ الْغِرِّيدُ
وَلَهُ:
حَيِّهَا أَوْجُهًا عَلَى السَّفْحِ غُرًّا ... وَقِبَابًا بِيضًا وَنُوقًا حُمْرًا
آهٍ وَالشَّوْقُ مَا تَأَوَّهَتُ مِنْهُ ... لِلَيَالٍ بِالسَّفْحِ لَوْ عُدْنَ أُخْرَى
يَا مَغَانِيَ الْحِمَى سُقِيتِ وَمَا ... يَنْفَعُنِي الْغَيْثُ أَنْ يَجُودَكَ قَفْرَا
قَلِّبُوا ذَلِكَ الرَّمَادَ تُصِيبُوا ... فِيهِ قَلْبِي إِنْ لَمْ تُصِيبُوا الْجَمْرَا
وَلَهُ:
خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ وَقْفَةٍ وَالْتِفَاتَةٍ ... إِلَى الْقُبَّةِ السَّوْدَاءِ مِنْ جَانِبِ الْحِجْرِ؟
وَهَلْ مَنْ أَرَانَا الْحَجَّ مِنَ الْخَيْفِ عَائِدٌ ... إِلَى مِثْلِهَا أَمْ عَدَّهَا حَجَّةَ الْعُمُرِ؟
فَاللَّهِ مَا أَوْفَى الثَّلاثَ عَلَى مِنًى ... لأَهْلِ الْهَوَى لَوْ لَمْ تَحِنْ لَيْلَةُ النَّفْرِ
لَقَدْ كُنْتُ لا أُوتَى مِنَ الصَّبْرِ ... فَهَلْ تَعْلَمَانِ الْيَوْمَ أَيْنَ مَضَى صَبْرِي؟
قَبْلَهَا أَيَشْرُدُ قَلْبِي يَا غَزَالَةُ حَاجِرٍ ... وَأَنْتِ بِذَاتِ الْبَانِ مَجْمُوعَةُ الأَمْرِ؟
خُذِي لَحْظَ عَيْنِي فِي الْغَصُوبِ إِضَافَةً ... إِلَى الْقَلْبِ أَوْ رُدِّي فُؤَادِي إِلَى صَدْرِي
وَلَهُ:
كَمِ النَّوَى؟ قَدْ جَذِعَ الصَّابِرُ ... وَقَنَطَ الْمَهْجُورُ يَا هَاجِرُ
أَأُحْمِدُ الْبَادُونَ فِي عَيْشِهِمْ ... مَا ذُمَّ بَعْدَهُمُ الْحَاضِرُ؟
إِنْ كَانَ يَوْمُ الْبَيْنِ حَاشَاكُمْ ... أَوَّلُ شَيْءٍ مَا لَهُ آخِرُ؟
стр. 393
وَلَهُ:
أَجِيرَانَنَا أَيَّامَ جَمْعٍ تَعِلَّةً ... سَلُوا النَّفْرَ: هَلْ مَاضٍ مِنَ النَّفْرِ رَاجِعُ؟
وَهَلْ لِثَلاثٍ صَالِحَاتٍ عَلَى مِنًى ... وَلَوْ أَنَّ مِنْ أَثْمَانِهِ النَّفْسُ بَائِعُ؟
جَرَى بِهِمُ الْوَادِي وَلَوْ شِئْتَ مُسْبِلا ... جُفُونِي لَقَدْ سَالَتْ بِهِنَّ الْمَدَامِعُ
أَجِنُّ بِنَجْدٍ حَاجَةً لَوْ بَلَغْتُهَا ... وَنَجْدٌ عَلَى مَرْمَى الْعِرَاقَيْنِ شَاسِعُ
عَفَا الْخَيْفُ إِلا أَنْ يُعَرِّجَ سَائِلٌ ... تَعِلَّةَ شَوْقٍ أَوْ مُغَرِّدٌ سَاجِعُ
وَلَهُ:
هِلْ مَعِي مَا عَلَيْكَ ضَرِّي وَنَفْعِي ... نَسْأَلُ الْجَزْعَ عَنْ ظِبَاءِ الْجَزْع
قُلْتُ: لا تَنْطِقُ الدِّيَارُ وَلا يَمْلِكُ ... بَالِي الطُّلُولِ سَمْعًا فَيُرْعِي
وَعَلَيَّ السُّؤَالُ لَيْسَ عَلَى الْعَارِ ... إِنْ ضَنَّتِ الْمَغَانِي بِرَجْعِي
لَمْ أَكُنْ أَوَّلَ الرِّجَالِ الْتَوَى صَفْوِي ... لِدَارِ الأَحْبَابِ أَوْ مَالَ ضِلْعِي
هَلْ مُجَابٌ يَدْعُو مُبَدَّدٌ أَوْطَارِي ... بِجَمْعٍ يَرُدُّ أَيَّامَ جَمْعِ
أَوْ أَمِينُ الْقُوَى أُحَمِّلُهُ هَمًّا ... ثَقِيلا يَحُطُّهُ دُونَ سَلْعِ
فَافْرُجَا لِي عَنْ نَفْحَةٍ مِنْ صِبَاهُ ... طَالَ مَدِّي لَهَا الصَّلِيفَ وَرَفْعِي
إِنْ كَانَ ذَاكَ النَّسِيمُ يَجْرِي عَلَى أَرْضٍ ... تَرَاهَا فِي الرِّيحِ رُقْيَةَ لَسْعِ
كَمْ بِنْجَدٍ لَوْ وَفَى أَهْلُ نَجْدٍ ... لِفُؤَادِي مِنْ شُعْبَةٍ أَوْ صَدْعِ
وَزَفِيرٍ عَلِمَتْ مِنْهُ حَمَامُ الدَّوْحِ ... مَا كَانَ مِنْ حَنِينٍ وَسَجْعِ
وَلَهُ:
سَقَى الْحَيَا عَهْدَ الْحِمَى أَعْذَبَ مَا ... تَسْقِي السَّمَاوَاتُ بِهِ الأَرْضِينَا
وَخَصَّ بَانَاتٍ عَلَى كَاظِمَةٍ ... فَزَادَهَا نَضَارَةً وَلِينَا
وَوَاصَلَتْ مَا بَيْنَهَا رِيحُ الصِّبَا ... فَعَانَقَتْ غُصُونُهَا الْغُصُونَا
وَرَدَّ أَوْطَارًا بِهَا مَاضِيَةً ... عَلَيَّ ... أَوْ أَحِبَّةً بِالْحَيِّ بَاقِينَا
стр. 394
عَيْشٌ نَصَلْتُ مِنْ حُلاهُ وَالْفَتَى ... يَلْبَسُ حِينًا وَيَبَزُّ حِينًا
وَلَهُ:
هَلِ الْعَيْشُ إِلا ضَجْعَةٌ فَوْقَ رَمْلَةٍ ... بِنَشْرِ الْخَزَامَى وَالْعَرَارُ يَفُوحُ
يَمُرُّ بِأَنْفَاسٍ عَلَى مَرِيضَةٍ ... وَعِنْدِي هَوًى تَحْتَ الضُّلُوعِ صَحِيحُ
تَسَمَّى بِهَا صَدَّ التَّشَكِّي مِنَ الْهَوَى ... كَمَا غَنَّتِ الْوَرْقَاءُ وَهِيَ تَنُوحُ
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ أَتَشَوَّقُ فِيهَا إِلَى مَكَّةَ:
سَلامٌ عَلَى الدِّيَارِ الَّتِي لا تَزُورُهَا ... عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَلْبَ فِيهَا أَسِيرُهَا
إِذَا مَا ذَكَرْنَا طِيبَ أَيَّامِنَا بِهَا ... تَوَقَّدَ فِي نَفْسِ الذَّكُورِ سَعِيرُهَا
رَحَلْنَا وَفِي سِرِّ الْفُؤَادِ ضَمَائِرٌ ... إِذَا هَبَّ نَجْدِيُّ الصِّبَا يَسْتَثِيرُهَا
سَحَّتْ بَعْدَكُمُ تِلْكَ الْعُيُونُ دُمُوعَهَا ... فَهَلْ مِنْ عُيُونٍ بَعْدَهَا يَسْتَعِيرُهَا؟
أَتَنْسَى رِيَاضَ الْغَوْرِ بَعْدَ فِرَاقِهَا ... وَقَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْكَ غَدِيرُهَا
يُجَعِّدُهُ مَرُّ الشَّمَالِ وَتَارَةً ... يُغَازِلُهُ كَرُّ الصِّبَا وَمُرُورُهَا
أَلا هَلْ إِلَى شَمِّ الْخَزَامَى وَعَرْعَرٍ ... وَشِيحٍ بِوَادِي الأَثْلِ أَرْضٍ يَسِيرُهَا
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْعِرَاقِيُّ بَلِّغُوا ... رِسَالَةَ مَحْزُونٍ حَوَاهُ سُطُورُهَا
إِذَا كَتَبَتْ أَنْفَاسُهُ بَعْضَ وَجْدِهَا ... عَلَى صَفْحَةِ الذِّكْرَى مَحَاهُ زَفِيرُهَا
تَرَفَّقْ رَفِيقِي هَلْ بَدَتْ نَارُ أَرْضِهِمْ ... أَمِ الْوَجْدُ يُذْكِي نَارَهُ وَيُنِيرُهَا
أَعِدْ ذِكْرَهُمْ فَهُوَ الشِّفَا وَرُبَّمَا ... شَفَى النَّفْسَ أَمْرٌ ثُمَّ عَادَ يَضُرُّهَا
أَلا أَيْنَ أَيَّامُ الْوِصَالِ الَّتِي خَلَتْ ... وَحِينَ خَلَتْ حَلَتْ وَجَاءَ مَرِيرُهَا
سَقَى اللَّهُ أَيَّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيًا ... تَضَوَّعَ رَيَّاهَا وَفَاحَ عَبِيرُهَا
آخِرُ الْمُتَعَلِّقِ بِذِكْرِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ
حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى. . . . . آمِينَ.
стр. 395
أَبْوَابٌ ذِكْرُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ
بَابٌ فِي أَسْمَائِهَا
أَمَّا الاسْمُ الْعَامُ فَهُوَ الْمَدِينَةُ ... وَهَذَا الاسْمُ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ فَقَدْ صَارَ بِإِطْلاقِهِ مُخْتَصًّا بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وَالْمَدِينَةُ عَلَى فَعِيلَةٍ
وَالْجَمْعُ: مُدُنٌ.
قَالَ قُطْرُبٌ: هِيَ مِنْ دَانَ ... أَيْ: أَطَاعَ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: قَوْمٌ يَقُولُونَ مِنَ الدِّينِ
وَالدِّينُ: الطَّاعَةُ ... فَسُمِّيَتْ بِهِ لأَنَّهُ يُقَامُ فِيهَا طَاعَةٌ وَإِلَيْهَا.
قَالَ: وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: سُمِّيَتْ مَدِينَةً لأَنَّهُ دِينَ أَهْلُهَا
أَيْ: مُلِكُوا.
يُقَالُ: دَانَ فُلانٌ بَنِي فُلانٍ ... أَيْ: مَلَكَهُمْ
وَفُلانٌ فِي دَيْنِ فُلانٍ ... أَيْ: فِي طَاعَتِهِ.
قَالَ النَّابِغَةُ:
بُعِثْتَ عَلَى الْبَرِيَّةِ خَيْرَ دَاعٍ ... فَأَنْتَ إِمَامُهَا وَالنَّاسُ دِينُ
وَيُقَالُ: دَيَنَ فُلانٌ أَمْرَهُ
أَيْ: مَلَكَهُ.
قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
لَقَدْ دَيَنْتَ أَمْرَ بَنِيكَ حَتَّى ... تَرَكْتَهُمْ أَرَقَّ مِنَ الطَّحِينِ
وَيُقَالُ لِلأَمَةِ: مَدِينَةٌ لأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مُذَلَّةٌ.
قَالَ الأَخْطَلُ:
رَبَتْ وَرَبَى فِي حِجْرِهَا ابْنُ مَدِينَةٍ ... يَظَلُّ عَلَى مِسْحَاتِهِ يَتَرَكَّلُ
стр. 396
يُرِيدُ: ابْنَ أَمَةٍ.
وتُسَمَّى الْمدَينَةُ: طَابَةُ ... وَطَيْبَةُ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ... قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ سَمَّاهَا طَابَةَ» .
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: طَابَةُ
وَطَيْبَةُ ... مِنَ الطَّيَّبِ.
وَذَلِكَ أَنَّهَا طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ
وَكُلُّ طَاهِرٍ طَيِّبٌ ... وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الاسْتِنْجَاءُ اسْتِطَابَةً.
وَأَمَّا يَثْرِبُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ... أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ فِيهَا نَخْلٌ
فَذَهَبَ وَهْلِي أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ ... فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَثْرِبُ اسْمُ أَرْضٍ
وَمَدِينَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّثْرِيبِ وَهُوَ اللَّوْمُ.
وَيُفْتَحُ الْفِعْلُ فِي عَيْنِ فَاعِلِهِ ... قَالَ اللَّهُ : ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] .
стр. 397
بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ أَنْبَأنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَصِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلادٍ، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلا»
عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَقِيهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ النّقورِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بَرْدَكٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَزِيزٍ، حَدَّثَنِي سَلامَةُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ» .
стр. 398
وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلا مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلا عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، فَيَنْزِلُ السَّبَخَةَ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ» .
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» .
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ أَيْضًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لِوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ» .
стр. 399
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، أَنْبَأنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَهْدِيٍّ عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَهْرَمَانُ آلِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: اشْتَدَّ الْجَهْدُ بِالْمَدِينَةِ وَغَلا السِّعْرُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْبِرُوا يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَأَبْشِرُوا فَإِنِّي قَدْ بَارَكْتُ عَلَى صَاعِكُمْ وَمُدِّكُمْ، وَكُلُّوا جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ طَعَامَ الرَّجُلِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامَ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ، وَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْجَمَاعَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْهُمْ سُقِيَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» .
قِيلَ لِلْمُزَنِيِّ وَهُوَ مَعْقِلٌ: مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ، نَبَّأَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 400
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ شَفَعْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
أَيُّوبُ هَذَا هُوَ: ابْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ، وَلَيْسَ بِالسِّخْتِيَانِيِّ، فَلْيُعْرَفْ هَذَا.
وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الصَّلْتِ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَقَالٍ، وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ السُّكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نَبَّأَنِي ابْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أخَافَهُ اللَّهُ»
حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الأَصْفَهَانِيُّ، إِمَلاءً بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ، أَنْبَأَنَا شُكْرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا أَبُو سَعْدٍ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَكُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غُبَارُ الْمَدِينَةِ شِفَاءٌ مِنَ الْجُذَامِ»
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ، جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا
стр. 401
فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ، ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ» .
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، أَلا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبَثَ، لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ".
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُلُّ الْبِلادِ افْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ وَافْتُتِحَتِ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ، وَهِيَ مَهْجَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَحَلُّ أَزْوَاجِهِ، وَفِيهَا قَبْرُهُ»
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَدِينَةُ مُهَاجَرِي وَفِيهَا بَيْتِي، وَحَقٌّ عَلَى أُمَّتِي حِفْظُ جِيرَانِي» .
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ: هِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِالشُّهَدَاءِ، وَاخْتَارَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فَجَعَلَ قَبْرَهُ بِهَا، وَفِيهَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا مِنْبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 402
بَابٌ فِي كَيْفِيَّةِ فَتْحِ الْمَدِينَةِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ تُفْتَحْ بِقِتَالٍ، إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ عَلَى النَّاسِ، وَيَقُولُ: «أَلا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» .
فَلَقِيَ فِي بَعْضِ السِّنِينِ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ، وَتَلَى عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَقَدْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي تَعِدُكُمْ بِهِ الْيَهُودُ فَلا تَسْبِقْكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَانُوا سِتَّةً: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْذُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ.
فَلَمَّا انْصَرَفُوا ذَكَرُوا لِقَوْمِهِمْ مَا جَرَى لَهُمْ، فَفَشَى الإِسْلامُ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلا وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا ذِكْرٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَى الْمَوْسِمَ اثَنَا عَشَرَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ، وَهِيَ الْعَقَبَةُ الأُولَى، فَبَايَعُوهُ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا، وَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ.
ثُمَّ لَقِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ الآخَرِ سَبْعُونَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَهُمُ امْرَأَتَانِ فَبَايَعُوهُ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْغَارِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدِمَهَا يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَقَدْ قَيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ، وَقِيلَ: لِهِلالِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ.
стр. 403
وَلَمَّا أَرَّخُوا مِنَ الْهِجْرَةِ رَدُّوا التَّارِيخَ إِلَى الْمُحَرَّمِ لأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ.
وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ مَكَثَ بِقُبَاءَ ثَلاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ رَكِبَ يَوْمَ الْجَمُعَةِ فَمَرَّ عَلَى بَنِي سَالِمٍ، فَجَمَعَ بِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلاهَا بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى بَنِي سَالِمٍ، فَمَرَّتِ النَّاقَةُ حَتَّى بَرَكَتْ فِي بَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَابِ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ كَوَامِلَ، وَتُوُفِّيَ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةً إِحْدَى عَشْرَةَ.
стр. 404
بَابُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ وَحُدُودِ حَرَمِهَا
قَدْ ذَكَرْنَا فِي فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ أَّنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلا» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: عَيْرٌ وَثَوْرٌ اسْمَا جَبَلَيْنِ بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لا يَعْرِفُونَ جَبَلا بِهَا يُقَالَ لَهُ: ثَوْرٌ، وَإِنَّمَا ثَوْرٌ بِمَكَّةَ، فَتَرَى الْحَدِيثَ: «مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا حَرَامٌ» .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَعَلَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلا حِمًى.
стр. 405
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَيْدَهَا وَشَجَرَهَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، هَلْ يُضْمَنُ صَيْدُهَا وَشَجَرُهَا بِالْجَزَاءِ أَمْ لا؟ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لا جَزَاءَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ، وَإِذَا قُلْنَا بِضَمَانِهِ، فَجَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ، يَتَمَلَّكُهُ الَّذِي سَلَبَهُ.
وَيُفَارِقُ مَكَّةَ فِي أَنَّ مَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا لَمْ يَجِبْ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرِهَا مَا تَدْعُوا الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِلرَّحْلِ وَالْوَسَائِدِ، وَمِنْ حَشِيشِهَا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعَلَفِ بِخِلافِ حَرَمِ مَكَّةَ.
стр. 406
أَبْوَابٌ ذِكْرُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
بَابٌ فِي ذِكْرِ أَصْلِهِ وَبِنَائِهِ
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ فَيِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلأ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ".
فَقَالُوا: لا، وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا مِنَ اللَّهِ .
قَالَ أَنَسٌ: كَانَ فِيهِ نَخْلٌ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً لَهْ، وَجَعَلُوا عَضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ.
قَالَ: وَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إِلا خَيْرَ الآخِرَةِ ... فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ
وَفِي لَفْظٍ: وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ اللَّبِنَ وَالنَّبِيُّ ﷺ ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ» .
стр. 407
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: «كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهُ» .
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ، فَبَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِهِ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ: " هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا الْغُلامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالا: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا.
وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بِنَائِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ:
«هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهِرْ»
وَيَقُولُ: «
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَةِ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةِ» .
وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهَبِ، أَنْبَأنَا الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، «أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسُقُفُهُ بِالْجَرِيدِ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَبِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسُقُفَهُ بِالسَّاجِ» .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ
стр. 408
قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ: جَعَلَ عُثْمَانُ طُولَ الْمَسْجِدِ سِتِّينَ وَمِائَةَ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ وَمِائَةً، وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّةً عَلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلَ طُولَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ فِي مُقَدِّمِهِ مِائَتَيْنِ، وَفِي مُؤَخِّرِهِ مِائَةً وَثَمَانِينَ، وَقَبْرَ فَاطِمَةَ ﵂ فِي بَيْتِهَا الَّذِي أَدْخَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ ذِرَاعًا مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَلَمْ يَزِدْ فِي الْقِبْلَةِ وَلا فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ أَتَى بِسَفَطٍ مِنْ عُودٍ، فَقَالَ: جَمِّرُوا بِهِ الْمَسْجِدَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَبَقِيَتْ سُنَّةً فِي الْخُلَفَاءِ، يُؤْتَى كُلُّ عَامٍ بِسَفَطِ عُودٍ يُجَمَّرُ بِهِ الْمَسْجِدُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَخَلْفَهُ إِذَا كَانَ الإِمَامُ يَخْطُبُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَلْقَى الْحَصَى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّاسُ إِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ نَفَضُوا أَيْدِيَهُمْ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِالْحَصْبَاءِ فَجِيءَ بِهِ مِنَ الْعَقِيقِ، فَبُسِطَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 409
بَابُ فَضْلِ الصَّلاةِ فِيهِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ عِيسَى السِّجْزِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنِي شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كَثِيرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا كَأَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ، وَقَالَ: «أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ»
أَخْبَرَنَا عَيَّادُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَسْنَابَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الأَصْبَهَانِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ مَرْدَكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الأَنْبِيَاءِ، أَحَقُّ أَنْ يُزَارَ وَتُرْكَبَ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ، صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالا: أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الضَّرِيسِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو حَفْصٍ الْكَتَّانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ، حَدَّثَنَا أَبُو
стр. 410
أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ هِلالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالا: أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ الصَّرِيفِينِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّفَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالَ: فَلِمَ؟ قَالَ: لِصَلاةٍ فِيهِ.
قَالَ: الصَّلاةُ هَاهُنَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ هُنَاكَ أَلْفَ مَرَّةٍ "
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ عِيسَى الْهَرَوِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اشْتَكَتِ امْرَأَةٌ شَكْوَى، فَنَذَرَتْ لَئِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ لأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَحَّتْ وَتَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا أَتَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهَا بِذَلِكَ قَالتْ: انْطَلِقِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «صَلاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ»
стр. 411
بَابُ ذِكْرِ الْمِنْبَرِ
رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَنْ عَمِلَهُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنَا، فَقَالَ " أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ: أَنْ مُرِي غُلامَكَ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهَ ﷺ فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ".
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْغُلامِ الَّذِي صَنَعَ الْمِنْبَرَ: مُنِيبٌ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: عَمِلَهُ صُبَاحٌ غُلامُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» .
стр. 412
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ لَزِمَ عِبَادَةَ اللَّهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، سُقِيَ مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، إِمْلاءً بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَدْنَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُطَهَّرُ، وَأَبُو نَهْشَلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَحْمَدَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالُوا: أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ رَيْذَةَ، حَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ» .
وَفِي التُّرْعَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الرَّوْضَةُ تَكُونُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ خَاصَّةً، فَإِذَا كَانَتْ فِي الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ فَهِيَ رَوْضَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْبَابُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الدَّرَجَةُ
стр. 413
بَابُ ذِكْرِ حَنِينِ الْجِذْعِ حَينَ انْتَقَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ إِلَى الْمِنْبَرِ
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَيْضَاوِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُزَيِّنُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ النّقورِ، حَدَّثَنَا ابْنُ حَبَابَةَ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، " أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ ﵇: لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى خَشَبَةٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: «ابْنُوا لِي مِنْبَرًا» ، فَبَنَوْا لَهُ مِنْبَرًا لَهُ عَتَبَتَانِ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ
стр. 414
يَخْطُبُ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعْتُ الْخَشَبَةَ تَحِنُّ حَنِينَ الْوَالِهِ فَمَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَتَتْ ".
فَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرِ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ فَحَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَفِي لَفْظٍ: «فَنَزَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحْتَضَنَهُ وَسَارَّهُ بِشَيْءٍ» .
وَفَيِ أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَنَ» .
وَفِي لَفْظٍ: «فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ» .
وَفِي لَفْظٍ: «فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي أُسْكِتَ حَتَّى استْقَرَّتْ» .
стр. 415
بَابُ ذِكْرِ الرَّوْضَةِ
حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الأَصْبَهَانِيُّ، إِمْلاءً، فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُطَهَّرُ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَحْمَدَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَحْشَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ رَيْذَةَ، أَنْبَأنَا الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصَمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنُ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْبَصْرِيِّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي الْمَحَامَلِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»
стр. 416
حَدَّثَنَا ابْنُ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَيَزِيدِ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حُيَيْنِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ ، يَقُولُ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي هَذَا، وَقَبْرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى مَنْ لَزِمَ طَاعَةَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ آلَتْ بِهِ الطَّاعَةُ إِلَى رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا السِّجْزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابُن أَبِي شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةُ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ كَأَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهَا»
стр. 417
بَابُ فَضْلِ صِيَامِ رَمَضَانَ بِالْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا السِّجْزِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شُرَيْحٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالْمَدِينَةِ كَصِيَامِ أَلْفِ شَهْرٍ فِيمَا سِوَاهَا»
стр. 418
بَابُ ذِكْرِ مَسْجِدِ قُبَاءَ
هَذَا الْمَسْجِدُ بَنَاهُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الأَنْصَارِ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُمْ فَصَلَّى فِيهِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأنَا دَعْلَجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، أَن ّالنَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لأَهْلِ قُبَاءَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطَّهُورِ، وَقَالَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] ، فَمَا هَذَا الطَّهُورُ؟ " فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنَ الْغَائِطِ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا "
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا» .
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ وَيَقُولُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ» .
стр. 419
وَرَوَى أَبِوُ أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَةٍ» .
وَرَوَى أَبُو غُزَيَّةَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فجَاءَ يَوْمًا فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ فِي أَصْحَابِهِ، نَنْقُلُ حِجَارَتَهُ عَلَى بُطُونِنَا، يُؤَسِّسُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَجِبْرِيلُ ﵇ يَؤُمُّ بِهِ الْبَيْتَ، وَمَحْلُوفُ عُمَرَ بِاللَّهِ لَوْ كَانَ مَسْجِدُنَا هَذَا بِطَرَفٍ مِنَ الأَطْرَافِ لَضَرَبْنَا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الإِبِلِ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ لأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الإِبِلِ.
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
стр. 420
بَابٌ أَعْيَانُ مَنْ نَزَلَ الْمَدِينَةَ
ذَكَرْتُهُمْ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، أَمَّا مَنْ دَخَلَهَا مِمَّنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلا يُحْصَوْنَ عَدَدًا لِكَثْرَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مَنِ اسْتَوْطَنَهَا مِنْ كِبَارِ الْقَوْمِ.
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَحْمَرُ، أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، أُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ، أُسَيْمٌ، الْبَرَاءُ، بِلالُ بْنُ الْحَارِثِ، بِشْرُ بْنُ سُحَيْمٍ، بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ، ثَابِتُ بْنُ وَدِيعَةَ، جَابِرُ بْنُ عَتِيكٍ، جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، جَرْهَدُ، أَبُو ذَرٍّ وَاسْمُهُ: جُنْدُبٌ.
أَبُو قَتَادَةَ، اسْمُهُ الْحَارِثُ، الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، الْحَجَّاجُ بْنُ عَلاطٍ، حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ، حَنْظَلَةُ، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، خَلادُ بْنُ السَّائِبِ، خُفَافٌ، خَوَّاتٌ، ذُوَيْبٌ، رَافَعُ بْنُ خَدِيجٍ، رَافِعُ بْنُ مَكِيتٍ، رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ، رِفَاعَةُ أَبُو عَبَايَةَ، رِفَاعَةُ بْنُ عَرَابَةَ، رَكَانَةُ، رُوَيْفِعٌ، الزُّبَيْرُ، زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ، زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ، السَّائِبُ بْنُ خَلادٍ، سَبْرَةُ، سُرَاقَةُ، سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَاسْمُهُ سَعْدٌ، سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، سُفْيَانُ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ، سَفِينَةُ، سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ، سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَبُو سُفْيَانَ، الصَّعْبُ بْنُ جَثَامَةَ، صُهَيْبٌ، الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ، طَلْحَةُ، عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرٌ، الْعَبَّاسُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، عَبْدُ شَمْسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ، عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، عَلِيٌّ النُّمَيْرِيُّ،
стр. 421
عُمَارَةُ، عُمَارَةُ بْنُ مُعَاذٍ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، عُمَيْرٌ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ، عُوَيْمِرٌ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، كَعْبُ بْنُ مَالَكٍ، مَالِكُ بْنُ التَّيْهَانِ، مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، مَالِكُ بْنُ صَعْصَعَةَ، مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، مِحْجَنٌ، مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ، الْمِقْدَادُ، نَاجِيَةُ، نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هَزَّالٌ، هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ، يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ، يَزِيدُ أَبُو السَّائِبِ.
وَمِمَّنْ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ أَبُو بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، ابْنُ سَرِيعٍ.
فَهَؤُلاءِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلاثُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ نَزَلَهَا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَطَاءٌ، وَسُلَيْمَانُ ابْنَا يَسَارٍ، عُرْوَةُ، خَارِجَةُ، الْقَاسِمُ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عِكْرِمَةُ، وَكُرَيْبٌ، وَمِقْسَمٌ، مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، نَافِعٌ، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَبُو بكْرِ بْنُ حَزْمٍ، الزُّهْرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَبُو الزِّنَادِ، رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، أَبُو حَازِمٍ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، إِبْرَاهِيمُ، وَمُحَمَّدٌ، وَمُوسَى بَنُو عُقْبَةَ، ابْنُ إِسْحَاقَ، مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، الدَّرَاوَرْدِيُّ، الْوَاقِدِيُّ.
انْتَهَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 422
بَابٌ ذِكْرُ مَنِ انْتَهَتِ الْفَتْوَى إِلَيْهِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ
انْتَهَتِ الْفَتْوَى إِلَى سَبْعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ.
стр. 423
بَابٌ ذِكْرُ فَضِيلَةِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُوخِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَرَّاحِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: أَنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
стр. 424
بَابٌ ذِكْرُ مَنْ وُعِظَ مِنَ الْخُلَفَاءِ بِالْمَدِينَةِ
مَوْعِظَةُ أَبِي حَازِمٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ أَحْمَدَ الْيُوسُفِيُّ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثًا، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُنَا؟ فَقِيلَ لَهُ: بَلَى هَا هُنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَازِمٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ، وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ، فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَنْقَلِبُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ.
قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ، فَكَيْفَ الْقُدُومُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالآبِقِ يَقْدَمُ عَلَى مَوْلاهُ.
فَبَكَى سُلَيْمَانُ، وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي، مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ فَقَالَ أَبُو حَازَمٍ: اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ: وَأَنَّى أُصِيبُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤] .
قَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَنْ أَعْقَلُ
стр. 425
النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ الْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهَا النَّاسَ.
قَالَ: فَمَنْ أَحْمَقُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ حَطَّ فِي هَوَى رَجُلٍ ظَالِمٍ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ
مَوْعِظَةُ أَبِي حَازِمٍ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ
وَبِالإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ، فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ.
قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ حَلالَهَا حِسَابٌ، وَإِنَّ حَرَامَهَا عِقَابٌ.
قَالَ: لَقَدْ أَوْجَزْتَ، فَمَا مَالُكَ؟ قَالَ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، وَالإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
قَالَ: ارْفَعْ حَوَائِجَكَ.
قَالَ: هَيْهَاتَ، قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، فَمَا أَتَانِي مِنْهَا قَنَعْتُ، وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رَضِيتُ، وَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ فَإِذَا هُوَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا لِي وَالآخَرُ لِغَيْرِي، فَأَمَّا مَا كَانَ لِي، فَلَوِ احْتَلْتُ بِكُلِّ حَيْلَةٍ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي قَدْ قُدِّرَ لِي، وَأَمَّا الَّذِي لِغَيْرِي فَذَاكَ الَّذِي لا أُطْمِعُ نَفْسِي فِيهِ، فَكَمَا مُنِعَ غَيْرِي رِزْقِي، مُنِعْتُ رِزْقَ غَيْرِي، فَعَلامَ أَقْتُلُ نَفْسِي؟
مَوْعِظَةُ أَبِي نَصْرٍ الْجُهَنِيِّ لِلرَّشِيدِ بِالْمَدِينَةِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، أَنْبَأنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشْهَلِيُّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
следующие страницы →