← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10437

مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ط دار الحديث

ابن الجوزي

Полный текст (465 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عُمَارَةُ، عُمَارَةُ بْنُ مُعَاذٍ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، عُمَيْرٌ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ، عُوَيْمِرٌ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، كَعْبُ بْنُ مَالَكٍ، مَالِكُ بْنُ التَّيْهَانِ، مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، مَالِكُ بْنُ صَعْصَعَةَ، مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، مِحْجَنٌ، مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ، الْمِقْدَادُ، نَاجِيَةُ، نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هَزَّالٌ، هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ، يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ، يَزِيدُ أَبُو السَّائِبِ. وَمِمَّنْ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ أَبُو بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، ابْنُ سَرِيعٍ. فَهَؤُلاءِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلاثُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ نَزَلَهَا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَطَاءٌ، وَسُلَيْمَانُ ابْنَا يَسَارٍ، عُرْوَةُ، خَارِجَةُ، الْقَاسِمُ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عِكْرِمَةُ، وَكُرَيْبٌ، وَمِقْسَمٌ، مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، نَافِعٌ، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَبُو بكْرِ بْنُ حَزْمٍ، الزُّهْرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَبُو الزِّنَادِ، رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، أَبُو حَازِمٍ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، إِبْرَاهِيمُ، وَمُحَمَّدٌ، وَمُوسَى بَنُو عُقْبَةَ، ابْنُ إِسْحَاقَ، مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، الدَّرَاوَرْدِيُّ، الْوَاقِدِيُّ. انْتَهَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 422

بَابٌ ذِكْرُ مَنِ انْتَهَتِ الْفَتْوَى إِلَيْهِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ انْتَهَتِ الْفَتْوَى إِلَى سَبْعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ.

стр. 423

بَابٌ ذِكْرُ فَضِيلَةِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُوخِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَرَّاحِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: أَنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

стр. 424

بَابٌ ذِكْرُ مَنْ وُعِظَ مِنَ الْخُلَفَاءِ بِالْمَدِينَةِ مَوْعِظَةُ أَبِي حَازِمٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ أَحْمَدَ الْيُوسُفِيُّ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ، أَنْبَأنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثًا، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُنَا؟ فَقِيلَ لَهُ: بَلَى هَا هُنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَازِمٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ، وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ، فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَنْقَلِبُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ، فَكَيْفَ الْقُدُومُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالآبِقِ يَقْدَمُ عَلَى مَوْلاهُ. فَبَكَى سُلَيْمَانُ، وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي، مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ فَقَالَ أَبُو حَازَمٍ: اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَّى أُصِيبُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤] . قَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] . قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَنْ أَعْقَلُ

стр. 425

النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ الْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهَا النَّاسَ. قَالَ: فَمَنْ أَحْمَقُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ حَطَّ فِي هَوَى رَجُلٍ ظَالِمٍ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ مَوْعِظَةُ أَبِي حَازِمٍ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ وَبِالإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ، فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ. قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ حَلالَهَا حِسَابٌ، وَإِنَّ حَرَامَهَا عِقَابٌ. قَالَ: لَقَدْ أَوْجَزْتَ، فَمَا مَالُكَ؟ قَالَ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، وَالإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. قَالَ: ارْفَعْ حَوَائِجَكَ. قَالَ: هَيْهَاتَ، قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، فَمَا أَتَانِي مِنْهَا قَنَعْتُ، وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رَضِيتُ، وَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ فَإِذَا هُوَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا لِي وَالآخَرُ لِغَيْرِي، فَأَمَّا مَا كَانَ لِي، فَلَوِ احْتَلْتُ بِكُلِّ حَيْلَةٍ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي قَدْ قُدِّرَ لِي، وَأَمَّا الَّذِي لِغَيْرِي فَذَاكَ الَّذِي لا أُطْمِعُ نَفْسِي فِيهِ، فَكَمَا مُنِعَ غَيْرِي رِزْقِي، مُنِعْتُ رِزْقَ غَيْرِي، فَعَلامَ أَقْتُلُ نَفْسِي؟ مَوْعِظَةُ أَبِي نَصْرٍ الْجُهَنِيِّ لِلرَّشِيدِ بِالْمَدِينَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، أَنْبَأنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشْهَلِيُّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي

стр. 426

فُدَيْكٍ: كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُكَنَّى: أَبَا نَصْرٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، ذَاهِبُ الْعَقْلِ، فِي غَيْرِ مَا النَّاسُ فِيهِ، لا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُكَلَّمَ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ فِي آخِرِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى مِنْبَرِهِ، وَفِي مَوْقِفِ جِبْرِيلَ ﵇، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا بِي عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَّكُوا أَبَا نَصْرٍ، وَقِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ وَأُمَّةِ نَبِيِّهِ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ غَيْرُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْهُمْ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا. فَبَكَى هَارُونُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، إِنَّ رَعِيَّتِي وَدَهْرِي غَيْرَ رَعِيَّةِ عُمَرَ وَدَهْرِهِ. قَالَ لَهُ أَبُو نَصْرٍ: هَذَا وَاللَّهِ غَيْرُ مُغِنٍ عَنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَعُمَرُ تُسْأَلانِ عَمَّا خَوَّلَكُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

стр. 427

بَابٌ ذِكْرُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ ﷺ اخْتَلَفَ النَّاسُ أَيْنَ يُدْفَنُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَدْرُوا أَيْن يُقْبِرُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَمْ يُقْبَرْ نَبِيٌّ إِلا حَيْثُ يَمُوتُ» . فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْبُسْرِيِّ، قَالَ: أَنْبَأنَا ابْنُ بَطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَحْبَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ يَرْبُوعٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ قَبْرِهِ، فَقَالَ قَائِلٌ: بِالْبَقِيعِ فَقَدْ كَانَ يُكْثِرُ الاسْتِغْفَارَ لَهُمْ، وَقَالَ قَائِلٌ: فِي مُصَلاهُ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا خَبَرًا وَعِلْمًا، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلا وَدُفِنَ حَيْثُ يُتَوَفَّى»

стр. 428

بَابُ صِفَةُ قَبْرِهِ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ قَبْرَهُ وَقَبْرَ صَاحِبَيْهِ فِي صُفَّةِ بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي صِفَةِ قُبُورِهِمْ، فَرَوَى قَوْمٌ أَنَّهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ: النَّبِيُّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عُمَرُ ﵁ وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ: النَّبِيُّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عُمَرُ ﵁ وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ: النَّبِيُّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عُمَرُ ﵁ وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي قَبْرِهِ ﷺ : هَلْ هُوَ مُسَنَّمٌ أَوْ مُسَطَّحٌ؟ فَرُوِيَ الْوَصْفَانِ جَمِيعًا. وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَدْمِ حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنِ اشْتَرَاهَا مِنْ أَهْلِهَا لِيُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا هُدِمَتْ ظَهَرَتِ الْقُبُورُ، فَمَا رُئِيَ بُكَاءٌ فِي يَوْمٍ كَذَلِكَ الْيَوْمِ.

стр. 429

أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ هَدَمَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَانَتْ بُيُوتًا بِاللَّبِنِ، وَلَهَا حُجَرٌ مِنْ جَرِيدٍ، وَرَأَيْتُ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وَحُجْرَتَهَا مِنْ لَبِنٍ، فَسَأَلْتُ ابْنَ ابْنِهَا، فَقَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ، بَنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ حُجْرَتَهَا بِلَبِنٍ، فَلَمَّا قَدِمَ نَظَرَ إِلَى اللَّبِنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الْبِنَاءُ؟» فَقَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَكُفَّ أَبْصَارَ النَّاسِ. فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّ شَرَّ مَا ذَهَبَ فِيهِ مَالُ الْمُسْلِمِ الْبُنْيَانَ» وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ حُجَرَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ عَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَحَضَرْتُ كِتَابَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُقْرَأُ، بِإِدْخَالِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ بُكَاءً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. . . وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَلَى حَالِهَا، يَنْشَأُ نَاشِئٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَقْدَمُ الْقَادِمُ مِنَ الأُفُقِ فَيَرَى مَا اكْتَفَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُزَهِّدُ النَّاسَ فِي التَّكَاثُرِ وَالْفَخْرِ.

стр. 430

بَابُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ زَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَقِفْ عِنْدَ زِيَارَتِهِ مُتَأَدِّبًا نَحْوَ مَا لَوْ كَانَ حَضَرَ عِنْدَهُ فِي حَيَاتِهِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأنَا الأَزْهَرِيُّ، أَنْبَأنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الطَّيِّبِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا دَاوُدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ زَارَ قَبْرِي فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»

стр. 431

وَبِهِ، حَدَّثَنِي الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْجُرْجَانِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ الْكَعْبِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وَشِفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ ابْنُ فُدَيْكٍ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ وِجَاهَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَجْعَلِ الْقِنْدِيلَ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِهِ. قُلْتُ: وَثُمَّ مَا هُوَ أَوْضَحُ عَلَمًا مِنَ الْقِنْدِيلِ وَهُوَ مِسْمَارٌ مِنْ صُفْرٍ فِي حَائِطِ الْحُجْرَةِ، إِذَا حَاذَاهُ الْقَائِمُ، كَانَ الْقِنْدِيلُ عَلَى رَأْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْتُ يَقُولُ: بَلَغَنَا أَنَّ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآيَةَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى يَقُولَهَا سَبْعِينَ مَرَّةً نَادَاهُ مَلَكٌ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا فُلانُ، لَمْ تَسْقُطْ لَكَ حَاجَةٌ. وَبِالإِسْنَادِ، حَدَّثَنِي الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ ثَنِيَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ، قَالَ: مَا مِنْ فَجْرٍ يَطْلُعُ إِلا نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلائِكَةِ حَتَّى يَحَفُّوا بِالْقَبْرِ، يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ، فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتِ

стр. 432

الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلائِكَةِ يُوَقِّرُونَهُ ﷺ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُبْرِدُ الْبَرِيدَ مِنَ الشَّامِ، يَقُولُ: سَلِّمْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَابُ تَبْلِيغِهِ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلامَ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلامَ» وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِسْطٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇»

стр. 433

بَابُ ذِكْرِ كَلِمَاتٍ حُفِظَتْ عِنْ زُوَّارِ قَبْرِهِ وَأَحْوَالٍ جَرَتْ لَهُمْ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الآبَنُوسِ، قَالَ: أَنْبَأنَا عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، حَدَّثَنِي طَاهِرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ: " لَمَّا رُمِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵂ فَوَقَفَتْ عَلَى قَبْرِهِ وَأَخَذَتْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَوَضَعَتْهُ عَلَى عَيْنَيْهَا وَبَكَتْ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: مَاذَا عَلَيَّ مِنْ شَمِّ تُرْبَةِ أَحْمَدَ ... أَنْ لا يُشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا ! ٢٥٠ وَبِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَيْبَانَ، يَقُولُ: حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَجِئْتُ الْمَدِينَةَ فَتَقَدَّمْتُ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُ مِنْ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ

стр. 434

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَوْهَرِيِّ، إِذْنًا، أَنْبَأنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَطَّافٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي لَيَالِيَ الْحَرَّةِ وَمَا فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ غَيْرِي، وَأَهْلُ الشَّامِ يَدْخُلُونَ زُمَرًا، يَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ الْمَجْنُونِ، وَمَا يَأْتِي وَقْتُ صَلاةٍ إِلا سَمِعَتْ أُذُنَايَ الأَذَانَ مِنَ الْقَبْرِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، فَأَقَمْتُ، فَصَلَّيْتُ، وَمَا فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ غَيْرِي أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ غَالِبَ بْنَ عَلِيٍّ الصُّوفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ بَقِيَّةَ، يَحْكِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضِيلٍ النَّحْوِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَوْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْهِلالِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَزَارَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا خَيْرَ الرُّسُلِ، إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ كَتَابًا صَادِقًا، وَقَالَ فِيهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] ، وَإِنِّي جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا رَبِّي مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَشْفِعًا بِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ ثُمَّ اسْتَغَفْرَ اللَّهَ وَانْصَرَفَ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَوْمِي وَهُوَ يَقُولُ: الْحَقِ الرَّجُلَ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ بِشَفَاعَتِي

стр. 435

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَنْبَأنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْخَيْرِ الأَقْطَعَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ وَأَنَا بِفَاقَةٍ، فَأَقَمْتُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَا ذُقْتُ ذَوَاقًا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْقَبْرِ، وَسَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَقُلْتُ: أَنَا ضَيْفُكَ اللَّيَلَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَنَحَّيْتُ وَنِمْتُ خَلْفَ الْمِنْبَرِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَرَّكَنِي عَلِيٌّ، وَقَالَ لِي: قُمْ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ رَغِيفًا فَأَكَلْتُ نِصْفَهُ، وَانْتَبَهْتُ فَإِذَا فِي يَدِي نِصْفُ رَغِيفٍ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيْرِيَّةُ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ مُصْعَبٌ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلِ أَلْفَ رَكْعَةٍ وَيَصُومُ الدَّهْرَ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا خَرَجَ النَّاسُ

стр. 436

مِنْهُ فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ جَاءَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْجِدَارِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُمْسِي صَائِمًا، ثُمَّ أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَفْطِرْ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنِّي أَمْسَيْتُ أَشْتَهِي الثَّرِيدَ فَأَطْعِمْنِيهِ مِنْ عِنْدِكَ. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى وَصِيفٍ دَخَلَ مِنْ خَوْخَةِ الْمَنَارَةِ، لَيْسَ فِي خَلْقِ وَصَفَاءِ النَّاسِ، مَعَهُ قَصْعَةٌ، فَأَهْوَى بِهَا إِلَى الرَّجُلِ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَلَسَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ وَخَصَّنِي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَجِئْتُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ آكُلَ مِنْهَا، فَأَكَلْتُ مِنْهَا لُقْمةً، فَأَكَلْتُ طَعَامًا لا يُشْبِهُ طَعَامَ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَشَمْتُ فَقُمْتُ، فَرَجَعْتُ لِمَجْلِسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ أَخَذَ الْوَصِيفُ الْقَصْعَةَ ثُمَّ أَهْوَى رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَقَامَ الرَّجُلُ مُنْصَرِفًا، فَاتَّبَعْتُهُ لأَعْرِفَهُ، فَلا أَدْرِي أَيْنَ سَلَكَ فَظَنَنْتُهُ الْخَضِرَ ﵇. وَرُوِيَ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُتَعَبِّدَاتِ، أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ ﵂: اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَشَفَتْ لَهَا، فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ. وَأَنْشَدَ بَعْضُ زُوَّارِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَوَدِدْتُ أَنِّي جَعَلْتُ سَوَادَ عَيْنِي أَمْتَطِيهِ وَمَا لِي لا أَسِيرُ عَلَى الأَمَاقِي إِلَى قَبْرٍ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ

стр. 437

بَابُ ذِكْرِ الْبَقِيعِ، وَصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِهِ رَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتِي مِنْهُ يَخْرُجُ آخِرَ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» . وَفِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِهَا، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَقَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْفَرَ فَأَحْفَرْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَائِشَةُ حَشْيًا رَابِيَةً؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لا شَيْءَ. قَالَ: " لَتُخْبِرِنِّي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيَرُ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي

стр. 438

رَأَيْتُ أَمَامِي» . قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَخِفْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَرَسُولُهُ؟» قُلْتُ: " مَهْمَا تَكْتُمْهُ النَّاسَ يُعْلِمُهُ اللَّهُ ، قَالَ: نَعَمْ ". قَالَ: " فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ". قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ قُولِي: «السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا مِنْهَا فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: " قُبُورُ أَصْحَابِنَا، فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، قَالَ: هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا ". أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْبُسْرِيِّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَطَّةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نَبَّأَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، نَبَّأَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمُرُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلُ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ»

стр. 439

أَنْبَأنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنْبَأنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرُ أَبَادِيُّ، أَنْبَأنَا الْمَغِيرَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ فِي إِحْدَى الْحَرَمَيْنِ بُعِثَ فِي الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَبِهِ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ خُلَيْجٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الآمِنِينَ»

стр. 440

بَابُ ذِكْرِ بِقَاعٍ فِي الْمَدِينَةِ يُسْتَحَبُّ زِيَارَتُهَا مَنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلْيُحْضِرْ عَلَى قَلْبِهِ أَنَّهَا الْبَلَدُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَلْيَتَخَايَلْ تَرَدُّدَهُ ﷺ فِيهَا، وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا، فَكُلُّهَا شَرِيفَةٌ وَإِنْ خُصَّتْ مِنْهَا مَوَاضِعُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، وَخُصُوصًا فِي الرَّوْضَةِ، وَذَكَرْنَا مَسْجِدَ قُبَاءَ فَيُسْتَحَبُّ الصَّلاةُ فِيهِ. وَهُنَاكَ مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ الْفَتْحِ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِمَسْجِدِ الْفَتْحِ الَّذِي فِي الْجَبَلِ وَقَدْ حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، فَرَقَى فَصَلَّى فِيهِ» . وَرَوَى هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَلَى الأَحْزَابِ، فِي مَوْضِعِ الأُسْطُوَانَةِ الْوُسْطَى مِنْ مَسْجِدِ الْفَتْحِ، الَّذِي عَلَى الْجَبَلِ» . أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَيَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ»

стр. 441

وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ، وَمَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَمَسْجِدِ بَنِي غُصَيْنَةَ، وَمَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ، وَمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَمَسْجِدِ بَنِي ظَفَرٍ، وَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ حَجَرٌ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلَّ امْرَأَةٌ تَصَعَّبَ حَمْلُهَا تَجْلِسُ عَلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ إِلا حَمَلَتْ، وَصَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِي الْحُبْلَى، وَمَسْجِدِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَمَسْجِدِ بَنِي السَّلْحِ، وَمَسْجِدِ بَنِي خَطَمَةَ، وَمَسْجِدِ بَنِي وَائِلٍ، وَمَسْجِدِ الْعَجُوزِ فِي بَنِي خَطَمَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي بَيَاضَةَ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي وَاقِفٍ، وَفِي بَيْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِي دَارِ الشِّفَاءِ، وَفِي مَوَاضِعَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، فَيُسْتَحَبُّ تَتَبُّعُهَا لِمَنْ عَرَفَهَا بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَتَبُّعُ الآبَارِ وَالأَمَاكِنِ الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمَاكِنِ الَّتِي جَلَسَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْبَقِيعِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَمَنْ دَخَلَهُ فَلَيَزُرْ إِبْرَاهِيمَ وَلَدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعُثْمَانَ، وَالْعَبَّاسَ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَمَنْ هُنَالِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَلْيَزُرْ جَبَلَ أُحُدٍ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَلْيَبْدَأْ بِقَبْرِ السَّيِّدِ حَمْزَةَ ﵁. وَقَدْ رَوَى أَبُو مُصْعَبٍ، عَنِ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَةٌ لِي، وَكَانَتْ مِنَ الْعَوَابِدِ، قَالَتْ: جِئْتُ قَبْرَ حَمْزَةَ فَصَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلا وَاللَّهِ مَا فِي الْوَادِي دَاعٍ وَلا مُجِيبٌ، وَغُلامِي آخِذٌ بِرَأْسِ دَابَّتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ مَنْ صَلاتِي قُمْتُ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، وَأَشَرْتُ بِيَدِي، فَسَمِعْتُ رَدَّ السَّلامِ عَلَيَّ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ، أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَنِي، فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي، فَدَعَوْتُ الْغُلامَ وَرَكِبْتُ.

стр. 442

فَصْلٌ فَإِذَا خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَلَدِهِ فَلْيَقُلْ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ. آخِرُ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.

стр. 443

بَابُ الاتِّعَاظِ بِالْقُبُورِ لَمَّا ذَكَرْنَا زِيَارَةَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْبَقِيعِ، آثَرْنَا أَنْ نَذْكُرَ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِالْقُبُورِ تَجْمَعُ مَوَاعِظَ. أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ، أَنْبَأنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُجَيْرٍ، عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأنَا ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: " بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ بَصُرَ بِجِمَاعَةٍ، فَقَالَ: عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: عَلَى قَبْرٍ يَحْفُرُونَهُ، قَالَ: فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ، فَجَثَى عَلَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ يَدَيْهِ لأَنْظُرَ مَاذَا يَصْنَعُ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى مِنْ دُمُوعِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: أَيْ إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا " رَوَى بُرَيْدَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَمَنْ

стр. 444

أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ فَلْيَزُرْ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّ فِيهَا عِظَةٌ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الآبِنُوسِيِّ، أَنْبَأنَا ابْنُ شَاهِينَ، إِجَازَةً، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعِيسِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَا: ... فَأَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَرْ؟ وَأَيْنَ الْمُذِلُّ بِسُلْطَانِهِ ... وَأَيْنَ الْعَزِيزُ إِذَا مَا قَدَرْ؟ وَأَيْنَ الْمُلَبِّي إِذَا مَا دَعَا ... وَأَيْنَ الْغَنِيُّ إِذَا مَا افْتَخَرْ؟ قَالَ: فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: تَفَانَوْا جَمِيعًا فَمَا مَخْبِرٌ ... وَبَادُوا جَمِيعًا وَبَادَ الْخَبَرْ تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرَى ... فَتُبْلَى مَحَاسِنُ تِلْكَ الصُّوَرْ فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا ... أَمَالَكَ فِيمَنْ مَضَى مُعْتَبَرْ؟ أَنْبَأَنَا الْحرَيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبِو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا ابْنُ دُوَسْتِ، أَنْبَأنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مَوْلَى بَنِي

стр. 445

هَاشِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلاءُ، حَدَّثَنَا زَيْدٌ الْعَمِّيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ جِنَازَةَ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَعْنِي هِشَامًا، فَسَمِعْتُ كَاتِبَهُ يَقُولُ: وَمَا سَالِمٌ عَمَّا قَلِيلٍ بِسَالِمٍ ... وَلَوْ كَثُرَتْ حُرَّاسُهُ وَكَتَائِبُهُ وَمَنْ يَكُ ذَا بَابٍ سَدِيدٍ وَحَاجِبٍ ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَهْجُرُ الْبَابَ حَاجِبُهُ وَيَصُبْحُ لِلنَّاسِ بَعْدَ التَّحَجُّبِ عِبْرَةٌ ... رَهِينَةُ بَيْتٍ لَمْ تُسْتَرْ جَوَانِبُهُ فَمَا كَانَ إِلا الدَّفْنُ حَتَّى تَحَوَّلَتْ ... إِلَى غَيْرِهِ أَجْنَادُهُ وَمَوَاكِبُهُ وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِهِ كُلُّ كَاشِحٍ ... وَأَسْلَمَهُ جِيرَانُهُ وَأَقَارِبُهُ وَقِيلَ لِبَعْضِ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ: مَا أَبْلَغُ الْعِظَاتِ؟ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى مَحِلِّ الأَمْوَاتِ وَقَالَ أَبِوُ مِحْرِزٍ الطُّفَاوِيُّ: كَفَتْكَ الْقُبُورُ مَوَاعِظَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ. وَكَانَ مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ قَدِ احْتَفَرَ قَبْرًا لِنَفْسِهِ، فَكَانَ يَطَّلِعُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ إِطْلاعَةً. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَحْنُ رَهَائِنُ الأَمْوَاتِ وَهُمْ عَلَيْنَا مُحْتَسِبُونَ حَتَّى نَرُدَّ إِلَيْهِمُ الرَّهَائِنَ فَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا. وَنَظَرَ ابْنُ السَّمَّاكِ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ لا يَغُرَّنَّكُمْ سُكُونُ أَهْلِ هَذِهِ الْقُبُورِ، فَمَا أَكْثَرَ الْمَغْمُومِينَ فِيهَا، وَلا يَغُرَّنَّكُمُ اسْتِوَاؤُهَا، فَمَا أَشَدَّ تَفَاوُتِهِمْ فِيهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلْنَا لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَوْ قِيلَ لَهُمُ: امْحُوا مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا شِئْتُمْ، وَزِيدُوا فِي حَسَنَاتِكُمْ مَا شِئْتُمْ لَمَحَوْا ذُنُوبَهُمْ وَزَادُوا حَسَنَاتِهِمْ أَضْعَافَهَا، وَقَدْ أُعْطِينَا نَحْنُ ذَلِكَ فَلا نَغْتَنِمُهُ، يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَهْدِمَ خَطَايَا سَبْعِينَ سَنَةً فِي سَاعَةٍ

стр. 446

وَاحِدَةٍ. وَمَرَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَقْبُرَةٍ، فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: ذَكَرْتُ أَهْلَ الْقُبُورِ وَكَيْفَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ. وَقَامَ الْحَسَنُ عَلَى شَفِيرِ قَبْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ أَمْرًا هَذَا آخِرُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يَزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ. وَوَقَفَ الْفُضَيْلُ الرِّقَاشِيُّ عَلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ الَّتِي نَطَقَ بِالْخَرَابِ فَنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، مُحِلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، لا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصَلَ الإِخْوَانِ، وَلا يَتَزَاوَرُونَ تَزَاوُرَ الْجِيرَانِ، قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَهُمُ الْجَنْدَلُ وَالثَّرَى، عَلَيْكُمْ مِنَّا السَّلامُ وَمِنْ رَبِّكُمُ الإِكْرَامُ. وَجَازَ رَجُلٌ عَلَى مَقْبُرَةٍ فَأَنْشَدَ يَقُولُ: سَلامٌ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ الدَّوَارِسِ ... كَأَنَّكُمْ لَمْ تَجْلِسُوا فِي الْمَجَالِسِ وَلَمْ تَشْرَبُوا مِنْ بَارِدِ الْمَاءِ شَرْبَةً ... وَلَمْ تَأْكُلُوا مِنْ بَيْنِ رَطْبِ وَيَابِسِ أَلا خَبِّرُونِي أَيْنَ قَبْرُ ذَلِيلِكُمْ ... وَقَبْرُ الْعَزِيزِ الْبَاذِلِ الْمُتَشَاوِسِ؟ وَأَنْشَدَ آخَرُ: تُنَادِيكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ صُمُوتُ ... وَأَجْسَامُهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ خُفُوتُ أَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغَةٍ ... لِمَنِ تَجْمَعُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ وَأَنْشَدَ آخَرُ: كَأَنِّي بِأَصْحَابِي عَلَى حَافَّتَيْ قَبْرِي ... يُهِيلُونَ مِنْ فَوْقِي وَأَعْيُنُهُمْ تَجْرِي سَتَنْسَوْنَ أَيَّامِي إِذَا مَا رَجَعْتُمُو ... وَغَادَرْتُمُونِي رَهْنَ زَاوِيَةٍ قَفْرِ أَلا أَيُّهَا الْمُذْرِي عَلَيَّ دُمُوعَهُ ... سَتُقْصِرُ فِي يَوْمَيْنِ عَنِّي وَعَنْ ذِكْرِي عَفَا اللَّهُ عَنِّي يَوْمَ أُصْبِحُ ثَاوِيًا ... أُزَارُ فَلا أَدْرِي، وَأُجْفَى فَلا أَدْرِي

стр. 447

خَرَجَ عَطَاءٌ السُّلَيْمِيُّ إِلَى الْمَقْبُرَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا تَوَسَّطَهَا نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَهْلَ الْمَقَابِرِ قَدْ تَسَاوَى بَيْنَكُمْ ... أَيْنَ الْوَضِيعُ مَنِ الْكَرِيمِ السَّيِّدِ؟ أَيْنَ الْمُلُوكُ بَنُو الْمُلُوكِ وَأَيْنَ مَنْ ... قَدْ كَانَ فِي الدُّنْيَا قَلِيلَ الْمَحْفِدِ؟ أَيْنَ الْحِسَانُ ذَوُو النَّضَارَةِ وَالْبَهَا ... أَيْنَ الْمَلِيحُ مِنَ الْقَبِيحِ الأَسْوَدِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ تَجَبَّرُوا وَتَعَظَّمُوا ... وَعَتَوْا عُتُوًّا لَمْ يَكُنْ بِالْمُرْشِدِ؟ فَأَجَابَهُ مُجِيبٌ مِنْ قَبْرٍ: إِنَّ الْمَنِيَّةَ عَاصَفَتْهُمْ بَغْتَةً ... فَهُمُ خُمُودٌ جَوْفَ قَبْرٍ مُلْحَدِ قَدْ دَبَّتِ الدِّيدَانُ فِي أَجْسَادِهِمْ ... وَسَعَتْ هَوَامُّ الأَرْضِ فِي الْوَجْهِ النَّدِي كَمْ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ تَنَاثَرَ لَحْمُهَا ... وَمَفَاصِلٌ بَانَتْ وَبَانَ مِنَ الْيَدِ وَبَاتَ بَعْضُ الْعُبَّادِ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ لَيْلَةً فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ: وَقِفْ بِالْقُصُورِ عَلَى دِجْلَةَ ... حَزِيَنًا وَقُلْ: أَيْنَ أَرْبَابُهَا؟ وَأَيْنَ الْمُلُوكُ وُلاةُ الْعُهُودِ ... رُقَاةُ الْمَنَابِرِ غِلابُهَا؟ تُجِيبُكَ آثَارُهُمْ عَنْهُمْ ... إِلَيْكَ فَقَدْ مَاتَ أَصْحَابُهَا وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْمَقَابِرِ: أَلا يَا عَسْكَرَ الأَحْيَاءِ ... هَذَا عَسْكَرُ الْمَوْتَى أَجَابُوا الدَّعْوَةَ الصُّغْرَى ... وَهُمْ مُنْتَظِرُو الْكُبْرَى يَحَثُّونَ عَلَى الزَّادِ ... وَلا زَادَ سِوَى التَّقْوَى يَقُولُونَ لَكُمْ جِدُّوا ... فَهَلا عَمَّرْتُمُ الأُخْرَى

стр. 448

وَأَنْشَدَ آخَرُ: كَمْ بِبَطْنِ الأَرْضِ ثَاوٍ ... مِنْ وَزِيرٍ وَأَمِيرِ وَصَغِيرُ الشَّأْنِ عَبْدٌ ... خَامِلُ الذِّكْرِ حَقِيرِ لَوْ تَأَمَّلْتَ قُبُورَ الْقَوْمِ ... فِي يَوْمٍ قَصِيرِ لَمْ تُمَيِّزْ وَلَمْ تَعْرِفْ ... غَنِيًّا مِنْ فَقِيرِ

стр. 449

بَابٌ فِي ذِكْرِ كَلامِ الْقَبْرِ أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ، أَخْبَرَنَا الْغُورَجِيُّ، أَنْبَأنَا الْجَرَّاحِيُّ، أَنْبَأنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ وَهُوَ ابْنُ مَنْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَنِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَلاهُ فَرَأَى أُنَاسًا يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَاتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ. فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلا أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ فَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ، فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لا مَرْحَبًا وَلا أَهْلا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ، وَصِرْتَ إِلَيَّ، فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ. قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، «وَيُقَيَّضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا، لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلا نَادَتْهُ حُفْرَتُهُ الَّتِي يُدْفَنُ

стр. 450

فِيهَا: أَنَا بَيْتُ الظُّلْمَةِ وَالْوَحْدَةِ وَالانْفِرَادِ، فَإِنْ كُنْتَ لِلَّهِ مُطِيعًا فِي حَيَاتِكَ كُنْتُ الْيَوْمَ عَلَيْكَ رَحْمَةً، وَإِنْ كُنْتَ لِرَبِّكَ فِي حَيَاتِكَ عَاصِيًّا فَإِنَّا الْيَوْمَ عَلَيْكَ نِقْمَةٌ، أَنَا الْبَيْتُ الَّذِي مَنْ دَخَلَنِي مُطِيعًا خَرَجَ مِنِّي مَسْرُورًا، وَمَنْ دَخَلَنِي عَاصِيًّا خَرَجَ مِنِّي مَثْبُورًا ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ فَعُذِّبَ أَوْ أَصَابَهُ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ نَادَاهُ جِيرَانُهُ مِنَ الْمَوْتَى: أَيُّهَا الْمُخْلَفُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ أَمَا كَانَ لَكَ فِينَا مُعْتَبَرٌ؟ أَمَا كَانَ لَكَ فِي مُتَقَدِّمِنَا آثَارُ فِكْرَةٍ؟ أَمَا رَأَيْتَ انْقِطَاعَ أَعْمَالِنَا وَأَنْتَ فِي الْمُهْلَةِ، فَهَلا اسْتَدْرَكْتَ، هَلا اعْتَبَرْتَ مِمَّنْ غُيِّبَ مِنْ أَهْلِكَ فِي بَطْنِ الأَرْضِ مِمَّنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا قَبْلَكَ؟ وَفِي الْحَدِيثِ: " مَا مِنْ يَوْمٍ إِلا وَالأَرْضُ تُنَادِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ: يَا ابْنَ آدَمَ، تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي ثُمَّ مَصِيرُكَ إِلَى بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ، تَفْرَحُ عَلَى ظَهْرِي وَتَحْزَنُ فِي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ، تَدُبُّ عَلَى ظَهْرِي وَتَخِرُّ فِي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ، تُذْنِبُ عَلَى ظَهْرِي، ثُمَّ تُعَذَّبُ فِي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ، تَضْحَكُ عَلَى ظَهْرِي ثُمَّ تَبِكي فَي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ، تَأْكُلُ الْحَرَامَ عَلَى ظَهْرِي، ثُمَّ يَأْكُلُكَ الدُّودُ فِي بَطْنِي ".

стр. 451

بَابٌ مُنْتَخَبٌ مِنْ مَحَاسِنِ مَا كُتِبَ عَلَى الْقُبُورِ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي طَاهِرِ بْنِ الصَّقْرِ، أَنْبَأنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ، أَنْبَأنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّرَّابُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أُصِيبَ عَلَى قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ مَكْتُوبٌ فِي حَجَرٍ: إِلَهِي جَهُولا لا ... أَمَلُّهُ يَمُوتُ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهِ ... لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهُ وَكَيْفَ يَبْقَى آخَرُ ... قَدْ مَاتَ عَنْهُ أَوَّلُهُ أَنْبَأنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأنَا ابْنُ دُوَسْتِ الْعَلافُ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى قَبْرٍ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ مَكْتُوبٌ: يَا عَجَبًا لِلأَرْضِ مَا تَشْبَعْ ... وكُلُّ حَيٍّ فَوْقَهَا يَضْجَعْ ابْتَعَلَتْ عَادًا فَأَفْنَتْهُمْ ... وَبَعْدَ عَادٍ أَهْلَكَتْ تُبَعْ وَقَوْمَ نُوحٍ أَدْخَلَتْ بَطْنَهَا ... فَظَهْرُهَا مِنْ جَمْعِهِمْ بَلْقَعْ يَا أَيُّهَا الرَّاجِي لِمَا قَدْ مَضَى ... هَلْ لَكَ فِيمَا قَدْ بَقَى مَطْمَعْ؟

стр. 452

وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، أَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ مَرَادِسَ الْبَكْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْبُرٍ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ، فَإِذَا عَلَى أَحَدِهِمَا مَكْتُوبٌ: وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مِنْ هُوَ عَالِمٌ ... بِأَنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ لا بُدَّ سَائِلُهُ؟ فَيَأْخُذُ مِنْهُ ظُلْمَهُ لِعِبَادِهِ ... وَيَجْزِيهِ بِالْخَيْرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ وَعَلَى الْقَبْرِ الثَّانِي مَكْتُوبٌ: وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا ... بِأَنَّ الْمَنَايَا بَغْتَةً سَتُعَاجِلُهُ فَتَسْلُبُهُ مُلْكًا عَظِيمًا وَنَخْوَةً ... وَتُسْكِنُهُ الْبَيْتَ الَّذِي هُوَ آهِلُهُ وَإِذَا عَلَى الْقَبْرِ الثَّالِثِ مَكْتُوبٌ: وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هُوَ صَائِرٌ ... إِلَى جَدَثٍ يُبْلِي الشَّبَابَ مَنَاهِلُهُ وَيُذْهِبُ رَسْمَ الْوَجْهِ مِنْ بَعْدِ ضَوْئِهِ ... وَيَبْلَى سَرِيعًا جِسْمُهُ وَمَفَاصِلُهُ أَصْلَحْتُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ كَلِمَةً حَتَّى اسْتَقَامَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الثَّعَالِبِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجِيلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الشَّاعِرُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: الْمَوْتُ أَخْرَجَنِي مِنْ دَارِ مَمْلَكَتِي ... فَالتُّرْبُ مُضْطَجَعِي مِنْ بَعْدِ تَتْرِيفِي لِلَّهِ عَبْدٌ رَأَى قَبْرِي فَأَحْزَنَهُ ... وَخَافَ مِنْ دَهْرِهِ رَيْبَ التَّصَارِيفِ هَذَا مَصِيرُ ذَوِي الدُّنْيَا وَإِنْ جَمَعُوا ... فِيهَا وَغَرَّهُمْ طُولُ التَّسَاوِيفِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ عَمْدِي وَمِنْ خَطَئِي ... وَأَسْأَلُ اللَّهَ فَوْزِي يَوْمَ تَوْقِيفِي قَالَ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ: أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي ... وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلاصِ أَطَاعَ اللَّهَ قَوْمٌ فَاسْتَرَاحُوا ... وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي

стр. 453

وَبِالإِسْنَادِ، أَنْبَأنَا الْجِيلِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دَينَارٍ، يَقُولُ: مَرَرْتُ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَإِذَا قَبْرٌ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ سِيرُوا إِنَّ قَصْرَكُمْ ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لا تَسِيرُونَا حُثُّوا الْمَطَايَا وَارْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَنُصُّوا مَا يَنُصُّونَا قَالَ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جُمْجُمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: أُذُنُ حَيٍّ تَسْمَعِي ... ثُمَّ عِي وَعِي أَنَا رَهْنٌ بِمَصْرَعِي ... فَاحْذَرِي مِثْلَ مَصْرَعِي قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبِي، فَأَخْبَرْتُهُ، فَاسْتَحْسَنَهُ. وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ شَيْءٌ سِوَى النَّعِي ... فَخُذِي مِنْهُ أَوْ دَعِي قَالَ إِسْحَاقُ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَدِيقٌ لِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّي قَدْ ... صِرْتُ فِي الْقَبْرِ وَحْدِي فَلَسْتُ أَعْرِفُ شَيْئًا ... مِنْ أَمْرِ مُلْكِي بَعْدِي مُسْتَوْحِشٌ ذُو ذُنُوبٍ ... خَطِئْتُ فِيهَا بِجَهْدِي فَاغْفِرْ إِلَهِي جُرْمِي ... فَكَمْ بِذَلِكَ عِنْدِي أَنْتَ الْجَوَّادُ بِفَضْلٍ ... فَأَحْسِنِ الْيَوْمَ رِفْدِي وَقَالَ إِسْحَاقُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَامَةَ، يَقُولُ: وَجَدْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: قَبْرُ عَزِيزٍ عَلَيْنَا ... لَوْ أَنَّهُ كَانَ يُفْدَى أَسْكَنْتُ قُرَّةَ عَيْنِي ... وَمُنْيَةَ النَّفْسِ لَحْدَا مَا جَارَ خَلْقٌ عَلَيْنَا ... وَلا الْقَضَاءُ تَعَدَّى وَالصَّبْرُ أَحْسَنُ شَيْءٍ ... بِهِ الْفَتَى يَتَرَدَّى

стр. 454

وَقَالَ إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ: وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ... فِطْرٌ وَلا أَضْحَى وَلا عَشْرُ نَأَى عَنِ الأَهْلِ عَلَى قُرْبِهِ ... كَذَاكَ مَنْ مَسْكَنُهُ الْقَبْرُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: أَنْبَأنَا الْحَسَنُ الْعَلافُ، أَنْبَأنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَامِيُّ، أَنْبَأنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، يَقُولُ: مَرَرْتُ بِبَعْضِ بِلادِ الشَّامِ، فَرَأَيْتُ مَقْبُرَةً، وَإِذَا عَلَى قَبْرٍ عَالٍ مُشْرِفٍ كِتَابٌ، فَإِذَا فِيهِ عِبَرٌ وَكَلامٌ حَسَنٌ، وَكَانَ يَقُولُهُ كَثِيرًا: مَا أَحَدٌ أَكْرَمُ مِنْ مُفْرَدٍ ... فِي قَبْرِهِ أَعْمَالُهُ تُؤْنِسُهْ مُنَعَّمٌ فِي الْقَبْرِ فِي رَوْضَةٍ ... زَيَّنَهَا اللَّهُ فَهِيَ مَجْلِسُهْ قَالَ وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، قَالَ: مَرَرْتُ فِي بَعْضِ جِبَالِ الشَّامِ، وَإِذَا حَجَرٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: كلُّ حَيٍّ وَإِنْ بَقِي ... فَمِنَ الْعُمُرِ يَسْتَقِي فَاعْمَلِ الْيَوْمَ وَاجْتَهِدْ ... وَاحْذَرِ الْمَوْتَ يَا شَقِي فَبَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ أَقْرَأُ وَأَبْكِي، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، عَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِنْ شَعْرٍ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، فَرَأَى بُكَائِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ قَرَأْتُ هَذَا النَّقْشَ فَأَبْكَانِي. فَقَالَ: وَأَنْتَ لا تَتَّعِظُ، وَتَبْكِي حَتَّى تُوعَظَ، ثُمَّ قَالَ: سِرْ مَعِي حَتَّى أُقْرِئَكَ غَيْرَهُ، فَمَضَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِذَا أَنَا بِصَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ وَابْكِ، وَلا تُقَصِّرْ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَإِذَا فَي أَعْلاهَا: لا تَبْتَغِي جَاهًا وَجَاهُكَ سَاقِطُ ... عِنْدَ الْمَلِيكِ، وَكُنْ لِجَاهِكَ مُصْلِحَا

стр. 455

وَفِي الْجَانِبِ الأَيْمَنِ: مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ... لاقَى هُمُومًا كَثِيرَةَ الضَّرَرِ وَفِي الْجَانِبِ الأَيْسَرِ: مَا أَزْيَنَ التُّقَى وَمَا أَقْبَحَ الْخَنَا ... وَكُلُّ مَأْخُوذٍ بِمَا جَنَى وَعِنْدَ اللَّهِ الْجَزَاءُ وَفِي أَسْفَلِ الْمِحْرَابِ: إِنَّمَا الْفَوْزُ وَالْغِنَى ... فِي تُقَى اللَّهِ وَالْعَمَلِ فَلَمَّا تَدَبَّرْتُهُ وَكَتَبْتُهُ، الْتَفَتُّ إِلَى صَاحِبِي فَلَمْ أَرَهْ، فَلا أَدْرِي مَضَى أَوْ حُجِبَ عَنِّي أَنْبَأنَا الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أَنْبَأنَا ابْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ بِشْرٍ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى وَادِي حَضْرَمَوْتَ فَإِذَا بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ أُولَئِكَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِالْحِمْيَرِيَّةِ: أَنَا ابْنُ مَنْ عَمَّرَ الدُّنْيَا لِيَسْكُنَهَا ... فَأَخْرَبَتْ نَفْسَهُ الأَقْدَارُ وَالأَجَلُ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ الْمَكِّيُ، قَالَ: خَرَجْتُ يَوْمًا وَأَنَا أُرِيدُ الطَّائِفَ، فَحَادَتْ بِي رَاحِلَّتِي عَنِ الطَّرِيقِ فَانْتَهَيْتُ إِلَى عَيْنِ مَاءٍ، فَإِذَا بِقَبْرٍ عِنْدَ الْعَيْنِ جَدِيدٍ، فِي مَوْضِعٍ مُنْقَطِعٍ مِنَ النَّاسِ لا يَكَادُ يَمُرُّ عَلَيْهِ إِلا رَاعٍ أَوْ ضَالٌّ، فَإِذَا عَلَى الْقَبْرِ مَكْتُوبٌ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ بَكَى ... لِغَرِيبٍ قَدْ عَفَى غَيَّرَ الْقَبْرُ وَجْهَهُ ... مَحَا الْحُسْنَ وَالصَّفَا قَالَ: فَبَكَيْتُ وَاللَّهَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى اشْتَفَيْتُ

стр. 456

وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى قَبْرٍ بِشِيرَازَ. ذَهَبَ الأَحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَوَدُّدٍ ... وَنَأَى المْزَارُ، فَأَسْلَمُوكَ وَأَقْشَعُوا خَذَلُوكَ أَفْقَرَ مَا تَكُونُ لِغُرْبَةٍ ... لَمْ يُؤْنِسُوكَ، وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا قَضَى الْقَضَاءُ وَصِرْتَ صَاحِبَ حُفْرَةٍ ... عَنْكَ الأَحِبَّةُ أَعْرَضُوا وَتَصَدَّعُوا وَبِهِ حَدَّثَنِي الْقُرَشِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا، يَقُولُ: قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ بِالْبَصْرَةِ. لَئِنْ كُنْتَ لَهْوًا لَلْعُيُونِ وَقُرَّةً ... لَقَدْ صِرْتَ سُقْمًا لَلْقُلُوبِ الصَّحَائِحِ وَهَوَّنَ وَجْدِي أَنَّ يَوْمَكَ مُدْرِكِي ... وَأَنِّي غَدًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الضَّرَائِحِ وَبِهِ حَدَّثَنِي الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى حَائِطِ مَقْبُرَةٍ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقُبُورِ ... بَيْنَ أُنَاسٍ غُيَّبٍ حُضُورِ قَدْ سَكَنُوا فِي خِرَبٍ مَهْجُورِ ... بَيْنَ الثَّرَى وَجَنْدَلِ الصُّخُورِ لا تَكُ عَنْ حَظِّكَ فِي غُرُورِ قَالَ الْقُرُشِيُّ: وَكَانَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: سَلَبَ الْمَوْتُ مُهْجَتِي وَشَبَابِي ... وَجَفَانِي فِي غُرْبَتِي أَحْبَابِي بَعْدَ مُلْكٍ وَظِلٍّ عَجِيبِ ... صِرْتُ رَهْنًا لِجَنْدلٍ وَتُرَابِ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: عِشْتُ دَهْرًا فِي نَعِيمٍ ... وَسُرُورٍ وَاغْتِبَاطِ ثُمَّ صَارَ الْقَبْرُ بَيْتِي ... وَثَرَى الأَرْضِ بِسَاطِي وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ إِلَى مَقَابِرِ الْبَصْرَةِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَخَطَّاهَا إِذْ بَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ:

стр. 457

يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيلٍ سَتُثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ فَاذْكُرِ مَحِلَّكَ مِنْ قَبْلِ الْحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إِنَّ الْحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبّ أَنْ يَأْتِي وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقَبْرِ عِشَاءً وَسَحَرْ إِنَّ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بَالِيَاتٍ وَعِبَرْ قَالَ الْقُرَشِيُّ، وَقَرَأْتُ أَنَا عَلَى قَبْرٍ بِالأَيْلَةِ: الْمَوْتُ بَحْرٌ غَالِبٌ مَوْجُهُ ... تَضِلُّ فِيهِ حِيلَةُ السَّابِحِ يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلٌ فَاسْمَعِي ... مَقَالَةً مِنْ مُشْفِقٍ نَاصِحِ مَا اسْتَصْحَبَ الإِنْسَانُ فِي قَبْرِهِ ... مِثْلَ التُّقَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَقَالَ: رَأَيْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: يَا مَنْ أَبْطَرَهُ الْغِنَى، وَأَسْكَرَتْهُ شَهْوَةُ الدُّنْيَا، اسْتَعِدُّوا لِلسَّفْرَةِ الْعُظْمَى، فَقَدْ دَنَا مَوْرِدُكُمْ عَلَى أَهْلِ الْبَلاءِ قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ نَقِيفٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَلَى مَقْبُرَةٍ بِالْحِيرَةِ حَجَرًا مَنْقُورٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ أَنَا عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ حَنَّانٍ: حَلَبْتُ الدَّهْرهَ أَشْطَرَهُ سَعِيدَا ... وَنِلْتُ مِنَ الْمُنَى فَوْقَ الْمَزِيدِ وَكَافَحْتُ الأُمُورَ وَكَافَحَتْنِي ... وَلَمْ أَخْضَعْ لِمُعْضَلَةٍ كَؤودِ وُلِدْتُ أَنَالُ فِي الشَّرَفِ الثُّرُيَّا ... وَلَكِنْ لا سَبِيلَ إِلَى الْخُلُودِ

стр. 458

قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: أَعَدَّ لِلَّهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ ... إِسْحَاقُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُو يَقُولُهَا مُخْلِصًا عَسَاهُ ... يَرْحَمُهُ فِي الْقِيَامَةِ اللَّهُ قَالَ وَحَدَّثَنِي الْفُضَيْلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: وُجِدَ عَلَى قَبْرِ عَادٍ، مَكْتُوبٌ هَذِهِ الأَبْيَاتَ: اصْبِرْ لِدَهْرٍ نَالَ مِنْكَ ... فَهَكَذَا مَضَتِ الدُّهُورُ فَرَحٌ وَحُزْنٌ مَرَّةً لا ... الْحُزْنُ دَامَ وَلا السُّرُورُ قال وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّكَرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ وُجِدَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: وَغَافِلٍ أُوذِنَ بِالصَّوْتِ ... لَمْ يَأْخُذِ الْعُدَّةَ لِلْفَوْتِ إِنْ لَمْ تَزُلْ نِعْمَتُهُ قَبْلَهُ ... زَالَ عَنِ النِّعْمَةِ بِالْمَوْتِ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِو عَلِيٍّ النَّجَّارُ: أَنَّهُ نَقَشَ عَلَى لَوْحٍ لِقَبْرٍ: يَا أَيُّهَا الْمَيِّتُ الْمُغَيَّبُ فَي الثَّرَى ... زُرْتَ الْقُبُورَ فَمَا تَحِسُّ وَلا تَرَى لَمَّا نُقِلْتَ إِلَى الْمَقَابِرِ مَيِّتَا ... لَمْ يَبْقَ دَمْعٌ جَامِدٌ إِلا جَرَى جَاوَرْتَ قَوْمًا لا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ ... وَيَفُوتُ ضَيْفَهُمُ الْكَرَامَةُ وَالْقِرَى قَالَ: وَأَخْرَجَ إِلَيَّ أَبُو عَلِيٍّ لَوْحًا وَقَدْ نَقَشَهُ لِرَجُلٍ، فَجَعَلَهُ عَلَى قَبْرٍ لِبَعْضِ أَهْلِهِ: وَكَيْفَ بَقَائِي بَعْدَ إِلْفِي وَصَاحِبِي ... وَنَفْسِي قَدْ ذَابَتْ وَمَاتَ سُرُورُهَا وَإِنِّي لآتٍ قَبْرَهُ فَمُسَلِّمٌ ... وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ حُفْرَةَ مَنْ يَزُورُهَا

стр. 459

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: أَنَا فِي الْقَبْرِ وَحِيدٌ ... قَدْ فَرَّ الأَهْلُ مِنِّي أَسْلَمُونِي لِذُنُوبِي ... خِبْتُ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنِّي قَالَ: وَرَأَيْتُ عَلَى قَبْرٍ: الْقَبْرُ بَيْتٌ سَوْفَ تَسْكُنُهُ ... مَاذَا عَمِلْتَ لِيَوْمِ الْقَبْرِ يَا سَاهِي وَبِالإِسْنَادِ، قَالَ الْقُرَشِيُّ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ: مَرَّ صَالِحٌ الْمُرِيُّ بِقَصْرٍ قَدْ خَرِبَ، وَبِفِنَائِهِ قَبْرَانِ، وَأَسْوَدٌ جَالِسٌ عِنْدَهَا، فَقَالَ: يَا صَالِحُ، ادْنُ تَرَى عِبَرًا، فَإِنَّ رَبَّا هَذَا الْقَصْرِ صَارَا إِلَى مَا تَرَى، قَالَ: وَعَلَى الْقَبْرِ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ سِيرُوا الْيَوْمَ وَاعْتَبِرُوا ... فَعَنْ قَلِيلٍ تَكُونُوا مِثْلَنَا عِبَرَا كُنَّا وَكَانَتْ لَنَا الدُّنْيَا بِلَذَّتِهَا ... فَمَا اعْتَبَرْنَا وَمَا كُنَّا لِنَزْدَجِرَا حَتَّى رَمَانَا الرَّدَى مِنْهُ بِأَسْهُمِهِ ... فَلَمْ يُبْقِ لَنَا عَيْنًا وَلا أَثَرَا وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدْتُهُمْ ... فِي ظِلِّ عَيْشٍ عَجِيبٍ مَا لَهُ خَطَرُ صَاحَتْ بِهِمْ حَادِثَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا ... إِلَى الْقُبُورِ فَلا عَيْنٌ وَلا أَثَرُ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: يَمُرُّ أَقَارِبِي جَنَبَاتِ قَبْرِي ... كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي وَقَدْ أَخَذُوا سِهَامَهُمُ وَعَاشُوا ... فَيَا اللَّهَ أَسْرَعَ مَا نَسُونِي وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: أَقُولُ وَقَدْ فَاضَتْ دُمُوعِي جَمَّةً ... أَرَى الأَرْضَ تَبْقَى وَالأَخِلَّةَ تَذْهَبُ أَخِلايَ لَوْ غَيْرَ الْمَمَاتِ أَصَابَكُمْ ... عَتِبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الْمَوْتِ مُعْتِبُ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: تَزَوَّدْ قَرِينًا مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا ... قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ مَا كَانَ يَعْمَلُ

стр. 460

فَإِنْ تَكُ مَشْغُولا فَلا تَكُ يَا فَتَى ... بِغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تُشْغَلُ فَلَنْ يَصْحَبَ الإِنْسَانَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ... إِلَى قَبْرِهِ إِلا الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ ضَيْفٌ لأَهْلِهِ ... يُقِيمُ قَلِيلا عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرِ مُحِبَّيْنِ: كُنَّا عَلَى ظَهْرِهَا وَالدَّهْرُ فِي مَهَلٍ ... وَالْعَيْشُ وَالدَّارُ وَالْوَطَنُ فَفَرَّقَ الدَّهْرُ بِالتَّصْرِيفِ أُلْفَتَنَا ... فَالْيَوْمَ يَجْمَعُنَا فِي بَطْنِهَا الْكَفَنُ وَقُرِئَ عَلَى بَابِ قَصْرٍ: أَصْبَحُوا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ فُرَقَا ... وَكَذَا كُلُّ جَمِيعٍ مُفْتَرِقْ ضَحِكُوا وَالدَّهْرُ عَنْهُمْ سَاكِتٌ ... ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقْ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: مُقِيمٌ إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ خَلْقَهُ ... لِقَاؤُكَ لا يُرْجَى وَأَنْتَ قَرْيبُ يَزِيدُ بِلًى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... وَتُنْسَى كَمَا تَبْلَى وَأَنْتَ حَبِيبُ وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: وَلَقَدْ وَقَفْتَ كَمَا وَقَفْتُ ... وَلَقَدْ نَظَرْتَ فَمَا اعْتَبَرْتُ حَصِّلْ لِنَفْسِكَ مَنْزِلا ... قَبْلَ الْحُصُولِ كَمَا حَصَّلْتُ وَأَمَرَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي الدُّنْيَا ... بِعِزٍّ يَقْتَنِيهِ وَبِأَهْلٍ وَبِمَالٍ ... وَبِقَصْرٍ تَبْتَنِيهِ كَمْ عَلَيْهَا قَدْ سَحَبْنَا ... ذَيْلَ سُلْطَانِ وَتِيهِ نَحْسَبُ الأَفْلاكَ تَجْرِي ... بِخُلُودٍ نَرْتَجِيهِ إِذْ طَوَانَا الدَّهْرُ طَيَّا ... فَاعْتَبِرْ مَا نَحْنُ فِيهِ
следующие страницы →