Полный текст (465 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَسَلِّمْ عَلَى مَاءٍ بِهِ بَرَدُ غُلَّتِي ... وَظِلِّ أَرَاكٍ كَانَ لِلوَصْلِ مَوْعِدِي
وَقُلْ لِحَمَامِ الْبَانَتَيْنِ مُهَنِّئًا ... تَغَنَّ خَلِيًّا مِنْ غَرَامِي وَغَرِّدِ
أَعِنْدَكُمْ يَا قَاتِلِينَ بَقِيَّةٌ ... عَلَى مُهْجَةٍ إِنْ لَمْ تَمُتْ فَكَانَ قَدِ؟
وَيَا أَهْلَ نَجْدٍ كَيْفَ بِالْغَوْرِ عِنْدَكُمْ ... بَقَاءُ تِهَامِيٍّ يَهِيمُ بِمُنْجِدِ؟
مَلَكْتُمْ عَزِيزًا رِقُّهُ فَتَعَطَّفُوا ... عَلَى مُنْكِرٍ لِلذُّلِ لَمْ يَتَعَوَّدِ
وَلَهُ:
يَا لَيْلَتِي بِحَاجِرٍ ... إِنْ عَادَ مَاضٍ فَارْجِعِي
أَرْضَى بِأَخْبَارِ الرَّيَاحِ ... وَالْبُرُوقِ الْلُمَّعِ
وَأَيْنَ مِنْ بَرْقَ الْحِمَى ... شَائِمَةٌ بِلَعْلَعِ
وَلابْنِ فَارِسٍ:
لَوْلا يُذْكَرُ مَنْ ذَكَرْتُ بِحَاجِرٍ ... لَمْ أَبْكِ فِيهِ مَوَاقِدَ النِّيرَانِ
يَا وَاقِفَيْنَ مَعِي عَلَى الدِّيَارِ طَالَمَا ... غَبَرْتُهُ بِهَا إِنْ كُنْتُمَا تَقِفَانِ
مَنَعَ الْوُقُوفَ عَلَى الْمَنَازِلِ طَارِقٌ ... أَمَرَ الدُّمُوعَ بِمُقْلَتِي وَنَهَانِي
إِنَّا لَنَجْتَمِعُ عَلَى الْبُكَاءِ وَكُلُّنَا ... نَبْكِي عَلَى شَجَنٍ مِنَ الْأَشْجَانِ
ذِكْرُ شَجَرِ أُمِّ غَيْلانَ
قَالَ شَاهُ بْنُ شُجَاعٍ الْكِرْمَانِيُّ: دَخَلْتُ الْبَادِيَةَ فَرَأَيْتُ غُلامًا أَمْرَدَ كَأَنَّهُ مُوَسْوَسٌ لا يَأْلَفُ أَهْلَ الْقَافِلَةِ، فَسَاعَةً يُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ وَسَاعَةً يَصِيحُ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ فِي شَأْنِهِ، وَمِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُ، وَمَا كَانَ مَعَهُ زَادٌ وَلا وِطَاءٌ، فَرَاقَبْتُهُ يَوْمًا فَدَخَلَ وَسَطَ شَجَرِ أُمِّ غَيْلانَ، فَتَبِعْتُهُ فَإِذَا هُوَ يَجْنِي مِنْ شَجَرِهِ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، فَلَمَّا بَصُرَ بِي، أَنْشَأَ يَقُولُ:
بِاعْتِزَالِي عَنْكُمُ فِي الْخَلَوَاتِ ... صَارَ طُعْمِيَ التَّمْرُ فِي الْفَلَوَاتِ
стр. 72
بَابُ ذِكْرِ الْأَمْيَالِ وَبَعْضِ مَا جَرَى عِنْدَهَا وَفِي الطَّرِيقِ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْلُونَ، حَدَّثَنِي سَمْنُونٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلَيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السَّقَّاءُ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ نَيْسَابُورَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً، وَكَانَ عَادَتُهُ الرُّكُوعَ عِنْدَ كُلِّ مِيلٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِتَشْهَدَ لَهُ الْبِقَاعُ، قَالَ: «جِئْتُ إِلَى مِيلٍ أُصَلِّي، فَلَمَّا اسْتَفْتَحْتُ الصَّلاةَ وَرَفَعْتُ يَدَيَّ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحَرَامِ، دَاخَلَنِي شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبِ، فَذَهَبَ عَقْلِي، فَمَكَثْتُ فِي مَوْضِعِي ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدَخَلْتُ الْمَنْزِلَ فَوَجَدْتُهُ آخِرَ الشَّهْرِ»
! ٢١٠.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ تَمَكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيَّ، سَمِعْتُ عَلُّوشَ الدَّيْنَوَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُرِّيَّ، يَقُولُ: " كُنْتُ بِمَكَّةَ فَخَطَرَ لِي خَاطِرُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ إِلَى جَانِبِ مِيلٍ، عَلَيْهِ خِرْقَتَانِ وَهُوَ يَنْزِعُ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَنَظَرَ إِلَيَّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَنَا إِنْ مِتُّ فَالْهَوَى حَشْوُ قَلْبِي ... وَبِدَاءِ الْهَوَى تَمُوتُ الْكِرَامُ
стр. 73
وشَهَقَ شَهْقَةً كَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، فَكَفَّنْتُهُ فِي أَطْمَارِهِ وَرَجَعْتُ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ الْوَرَثَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَارَسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْهَبِ السَّائِحُ، قَالَ " رَأَيْتُ بَيْنَ الثَّعْلَبِيَّةِ وَالْخُزَيْمِيَّةِ غُلامًا قَائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ الْأَمْيَالِ، قَدِ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاتَهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: مَا مَعَكَ مُؤْنِسٌ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعنْ شِمَالِي، وَفَوْقِي.
فَعَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةً، فَقُلْتُ: أَمَا مَعَكَ زَادٌ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: الْإِخَلاصُ لِلَّهِ ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْإِقْرَارُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِيمَانٌ صَادِقٌ، وَتَوَكُّلٌ وَاثِقٌ.
قُلْتُ: هَلْ لَكَ بِمُرَافَقَتِي؟ قَالَ: الرَّفِيقُ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ، وَلا أُحِبُّ أَنْ أُرَافِقَ أَحَدًا فَأَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
قُلْتُ: أَمَا تَسْتَوْحِشُ فِي هَذِهِ البَرِّيَّةِ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْأُنْسَ بِاللَّهِ قَطَعَ عَنِّي كُلَّ وَحْشَةٍ، حَتَّى لَوْ كُنْتُ بَيْنَ السِّبَاعِ مَا خِفْتُهَا وَلا اسْتَوْحَشْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ قَالَ: الَّذِي غَذَّانِي فِي ظُلَمِ الْأَرْحَامِ صَغِيرًا تَكَفَّلَ بِرِزْقِي كَبِيرًا.
قُلْتُ: فَفِي أَيِّ وَقْتٍ تَجِيئُكَ الْأَسْبَابُ؟ فَقَالَ: لِي حَدٌّ مَعْلُومٌ وَوَقْتٌ مَفْهُومٌ، إِذَا احْتَجْتُ إِلَى الطَّعَامِ أَصَبْتُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كُنْتُ، وَقَدْ عَلِمَ مَا يُصْلِحُنِي، وَهُوَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنِّي.
قُلْتُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنْ رَأَيْتَنِي فَلا تُكَلِّمْنِي، ولا تُعْلِمْ أَحَدًا أَنَّكَ تَعْرِفُنِي، قُلْتُ: لَكَ ذَاكَ، فَهَلْ حَاجَةٌ غَيْرُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَنْسَانِي
стр. 74
فِي دُعَائِكَ، وَعِنْدَ الشَّدَائِدِ إِذَا نَزَلَتْ بِكَ فَافْعَلْ.
قُلْتُ: كَيْفَ يَدْعُو مِثْلِي لِمِثْلِكَ، وَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي خَوْفًا وَتَوَكُّلا؟ فَقَالَ: لا تَقُلْ هَذَا، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ لِلَّهِ قَبْلِي، وَصُمْتَ قَبْلِي، وَلَكَ حَقُّ الْإِسْلامِ وَمَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ.
قُلْتُ: فَإِنَّ لِي أَيْضًا حَاجَةً.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: ادُعُ اللَّهَ لِي.
قَالَ: حَجَبَ اللَّهُ طَرْفَكَ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ، وَأَلْهَمْ قَلْبَكَ الْفِكْرَ فِيمَا يَعْنِيهِ حَتَّى لا يَكُونَ لَكَ هَمٌّ إِلا هُوَ.
قُلْتُ: يَا حَبِيبِي مَتَى أَلْقَاكَ، وَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِلِقَائِي فِيهَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَإِنَّهَا مَجْمَعُ الْمُتَّقِينَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخَالِفَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ وَنَدَبَكَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ لِقَائِي فَاطْلُبْنِي مَعَ النَّاظِرِينَ إِلَى اللَّهِ فِي زُمْرَتِهِمْ.
قُلْتُ: كَيْفَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِغَضِّ طَرْفِي لَهُ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ وَاجْتِنَابِي فِيهِ كُلَّ مُنْكَرٍ وَمَأْثَمٍ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَ جَنَّتِيَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَاحَ وَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى غَابَ عَنْ بَصَرِي "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حُكِيَ أنَّ بَعْضَ الْمُتْرَفِينَ مَالَ إِلَى طَرِيقَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَاسْتُصْرِفَ لِصُحْبَتِهِمْ وَالاخْتِلاطِ بِهِمْ، فَشَاوَرَ فِي هَذَا بَعْضَ مَشْيَخَتِهِمْ، فَرَدَّهُ عَمَّا تَشَرَّفَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا وَحَذَّرَهُ، فَأَبَتْ نَفْسُهُ إِلا إِجَابَةَ مَا جَذَبَتْهُ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، فَمَالَ إِلَى فَرِيقٍ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ فَتَعَلَّقَ بِهِمْ، ثُمَّ صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَجِّ، فَعَجَزَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَنْ مُسَايَرَتِهِمْ، وَقَصَّرَ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، فَمَضَوْا وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ، فَاسْتَنَدَ إِلَى بَعَضِ الْأَمْيَالِ إِرَادَةَ الاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَالْكَلالِ، فَرَآهُ الشَّيْخُ الَّذِي شَاوَرَهُ فِيمَا حَصَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَسَنَّمَهُ فَنَهَاهُ وَحَذَّرَهُ، فقال هذا الشيخ مخاطبا له
إن الذين بخير كنت تذكرهم ... قضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا
стр. 75
فقال له الفتى فما أصنع الآن؟ فقال
لا تطيقن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا
أخبرنا أبو بكر الصوفي، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ، يَقُولُ: " كُنْتُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَإِذَا أَنَا بِهِمْيَانٍ تَلْمَعُ مِنْهُ الدَّنَانِيرُ، فَهَمَمْتُ أَنْ آخُذَهُ فَأَحْمِلَهُ إِلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ مِنْ وَرَائِي: إِنْ أَخَذْتَهُ سَلَبْنَاكَ فَقْرَكَ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى جَمَلٍ، فَغَاصَتْ رِجْلُ الْجَمَلِ فِي الرَّمْلِ، فَقُلْتُ: جَلَّ اللَّهُ.
فَقَالَ الْجَمَلُ: جَلَّ اللَّهُ "
! ٢١٥ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَنَّانًا الْحَمَّالَ، يَقُولُ: " دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ وَحْدِي فَاسْتَوْحَشْتُ، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ
стр. 76
يَهْتِفُ بِي: يَا بَنَّانُ حَبِيبُكَ مَعَكَ؟ نَقَضْتَ الْعَهْدَ، لَمَ تَسْتَوْحِشُ، أَلَيْسَ حَبِيبُكَ مَعَكَ؟ "
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَرِمِيسِينِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، أَنْبَأَنَا الْخُلَدِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ إِذْ رَأَيْتُ رَجُلا مَغْرِبِيِّا عَلَى بَغْلٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُنَادٍ يُنَادِي: مَنْ أَصَابَ هِمْيَانًا وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ؟ فَإِذَا إِنْسَانٌ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ رَثَّةٌ يَقُولُ لِلمَغْرِبِيِّ: أَيْشِ عَلامَةُ الْهِمْيَانِ؟ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا، وَفِيهِ بَضَائِعُ قَوْمٍ، وَأَنَا أُعْطِي مِنْ مَالِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ الْفَقِيرُ: مَنْ يَقْرَأُ الْكِتَابَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا.
قَالَ: اعْدِلُوا بِنَا نَاحِيةً، فَعَدَلْنَا، فَأَخْرَجَ الْهِمْيَانَ، فَجَعَلَ الْمَغْرِبِيُّ يَقُولُ: جُبَّتَانِ لِفُلانَةٍ بِنْتِ فُلانٍ بِخَمْسِ مِائَةِ دِينَارٍ، وَجُبَّةٌ لِفُلانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَجَعَلَ يَعُدُّ فَإِذَا هُوَ كَمَا قَالَ.
فَحَلَّ الْمَغْرِبِيُّ هِمْيَانَهُ، فَقَالَ: خُذْ أَلْفَ دِينَارٍ الَّتِي وَعَدْتُ عَلَى وِجَادَةِ الْهِمْيَانِ.
فَقَالَ الْفَقِيرُ: لَوْ كَانَ قِيمَةُ الْهِمْيَانِ عِنْدِي بَعْرَتَيْنِ مَا كُنْتَ تَرَاهُ، فَكَيْفَ آخُذُ مِنْكَ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى مَا هَذَا قِيمَتُهُ؟ وَمَضَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ: لَمَّا خَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى مَكَّةَ فُرِشَ لَهُ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الْحِجَازِ اللُّبُودَ وَالْمَرْغَرَا، وَكَانَ حَلَفَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًّا رَاجِلا، فَاسْتَنَدَ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَ إِلَى مِيلٍ، فَإِذَا بِسَعْدُونَ الْمَجْنُونُ قَدْ عَارَضَهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
هَبِ الدُّنْيَا تُوَاتِيكَ ... أَلَيْسَ الْمُوتُ يَأْتِيكَ
стр. 77
فَمَا تَصْنَعُ بِالدَّنْيَا ... وَظِلُّ الْمَوْتِ يَكْفِيكَ
أَلا يَا طَالِبَ الدُّنْيَا ... دَعِ الدُّنْيَا لِشَانِيكَ
كَمَا أَضْحَكَكَ الدَّهْرُ ... كَذَاكَ الدَّهْرُ يُبْكِيكَ
فَشَهَقَ الرَّشِيدُ شَهْقَةً خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَتْهُ ثَلاثُ صَلَوَاتٍ
стр. 78
بَابُ ذِكْرِ صَالِحِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكَيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِيِّ، قَالَ: " حَجَجَتُ أَنَا وَأَبُو سُلَيْمَانَ، فِبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرِ إِذْ سَقَطَتِ السَّطْيحَةُ مِنِّي، وَكَانَ بَرْدٌ عَظِيمٌ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: هَلُمَّ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقُلْ: يَا رَبَّ الضَّالَّةِ وَيَا هَادِيَ الضَّالَّةِ، رُدَّ الضَّالَّةَ، فَإِذَا بِوَاحِدٍ يُنَادِي: مَنْ ذَهَبْتَ لَهُ سَطْيحَةٌ؟ فَأَخَذْتُهَا.
فَقَالَ لِي أَبُو سُلَيمَانَ: لا يَتْرُكُنَا بِلا مَاءٍ.
فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ طِمْرَانَ رَثَّانِ، وَقَدْ تَدَرَّعْنَا بِالْفِرَاءِ مَنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَهُوَ يَرْشَحُ عَرَقًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَلا نُدَثِّرُكَ بِبَعْضِ مَا عِنْدَنَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا دَارَانِيُّ! الْحَرُّ وَالْبَرْدُ خَلْقَانِ لِلَّهِ إِنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَغْشَيَانِي أَصَابَانِي، وَإِنَّ أَمْرَهُمَا أَنْ يَتْرُكَانِي تَرَكَانِي، يَا دَارَانِيُّ، تَصِفُ الزُّهْدَ وَتَخَافُ من الْبَرْدَ؟ أَنَا أَسِيحُ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً مَا انْتَفَضْتُ وَلا ارْتَعَدْتُ، يُلبِسُنِي فِي الْبَرْدِ فَيْحًا مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَيُلْبِسُنِي فِي الصَّيْفِ بُرْدَ مَحَبَّتِهِ، ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: يَا دَارَانِيُّ تَبْكِي وَتَصِيحُ وَتَسْتَرِيحُ إِلَى التَّرْوِيحِ، فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَمْ يَعْرِفْنِي غَيْرُهُ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيٌّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَنْظَلِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي الاصْطَخَرِيِّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: " خَرَجْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلاءِ إِلَى مَكَّةَ فَمَكَثْنَا أَيَّامًا لَمْ نَجِدْ مَا نَأْكُلُ فَوَقَعْنَا إِلَى
стр. 79
حَيٍّ فِي الْبَرِّيَّةِ، فَإِذَا بَأَعْرَابِيَّةٍ وَعِنْدَهَا شَاةٌ، فَقُلْنَا لَهَا: بِكَمْ هَذِهِ الشَّاةُ؟ فَقَالَتْ: بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا.
فَقُلْنَا لَهَا: أَحْسِنِي.
فَقَالَتْ: بِخَمْسَةِ دِرَاهِمَ.
فَقُلْنَا لَهَا: تَهْزَئِينَ، فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ سَأَلْتُمُونِي الْإِحْسَانَ، وَلَوْ أَمْكَنَنِي لَمْ آخُذْ شَيْئًا.
فَقَالَ ابْنُ الْجَلاءِ: أَيْشِ مَعَكُمْ؟ قُلْنَا: سِتُّ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ: أَعْطُوهَا وَاتْرُكُوا الشَّاةَ عَلَيْهَا، فَمَا سَافَرْنَا سَفْرَةً أَطْيَبَ مِنْهَا "
أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ: ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، قَالَ: قَرَأَ عَلَى ابْنِ شَاذَانَ، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ، أَخْبَرَهُمْ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، أَنْبَأَنَا الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: " كُنَّا بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَبَيْنَ أَيْدِينَا سُفْرَةٌ لَنَا نَتَغَدَّى فِي يَوْمٍ قَائِظٍ، فَوَقَفَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ وَمَعَهُ جَارِيةٌ لَهُ زِنْجِيَّةٌ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ كَلامَ اللَّهِ حَتَّى يَكَتُبَ لِي كِتَابًا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَصِبْ مَنْ غَدَائِنَا حَتَّى نَكْتُبَ لَكَ مَا تُرِيدُ.
قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ.
فَعَجِبْنَا مِنْ صَوْمِهِ فِي تِلَكَ البَرِّيَّةِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ غَدَائِنَا، دَعَوْنَا بِهِ فَقُلْنَا: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ كَانَتْ وَلَمْ أَكُنْ فِيهَا، وَسَتَكُونُ وَلا أَكُونُ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَعْتِقَ جَارِيَتِي هَذِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ ، ثُمَّ لِيَوْمِ الْعَقَبَةِ، تَدْرِي مَا يَوْمُ الْعَقَبَةِ؟ قَوْلُهُ : ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١-١٣] .
اكْتُبْ مَا أَقُولُ لَكَ وَلا تَزِدْ عَلَيَّ حَرْفًا: هَذِهِ فُلانَةُ خَادِمَةُ فُلانٍ، قَدْ أَعْتَقَهَا لِوَجْهِ اللَّهِ وَلِيَوْمِ الْعَقَبَةِ.
قَالَ شَبِيبٌ: فَقَدِمْتُ الْبَصْرَةَ وَأَتَيْتُ بَغْدَادَ، فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَهْدِيَّ، فَقَالَ: مِائَةُ نَسَمَةٍ تُعْتَقُ عَلَى عُهْدَةِ الْأَعْرَابِيِّ "
стр. 80
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْعَلافِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ الْخَرَائِطِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْجُنَيْدِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ السَّمَّاكِ، عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُ الْبَادِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: «لَوْ تَطَالَعَتْ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ تَفَكُّرَهَا إِلَى مَا ادُّخِرَ لَهَا فِي حُجُبِ الْغُيُوبِ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ، لَمْ يَصْفُ لَهُمْ عَيْشٌ، وَلَمْ تَقَرَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَيْنٌ»
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا الْخُلْدِيَّ، يَقُولُ: " خَرَجْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَبَقِيتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لا أَطْعَمُ فِيهَا طَعَامًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُ كُوخًا وَفِيهِ غُلامٌ، فَقَصَدْتُ الْكُوخَ، فَرَأَيْتُ الْغُلامَ قَائِمًا يُصَلِّي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: بِالْعَشِيِّ يَجِئُ إِلَى هَذَا طَعَامٌ فَآكُلُ مَعَهُ، فَبَقِيتُ تِلْكَ الْليْلَةَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَجِئْهُ أَحَدٌ بِطَعَامٍ.
فَقُلْتُ: هَذَا شَيْطَانٌ، لَيْسَ هَذَا مِنَ النَّاسِ، وَتَرَكْتُهُ وَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ وَقْتٍ أَنَا قَاعِدٌ فِي مَنْزِلِي، إِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ ادْخُلْ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الْغُلامُ، وَقَالَ لِي:
стр. 81
يَا جَعْفَرُ! أَنْتَ كَمَا سُمِّيتَ: جَاعَ فَرَّ "
أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ الضَّرَّابُ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: " حَجَّ الْحَجَّاجُ فَنَزَلَ بَعْضَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَدَعَا بِالْغَدَاءِ، وَقَالَ لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ مَنْ يَتَغَدَّى مَعِي، وَاسْأَلْهُ عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ، فَنَظَرَ نَحْوَ الْجَبَلِ، فَإِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ بَيْنَ شَمْلَتَيْنِ مِنْ شَعْرٍ نَائِمٍ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: ائْتِ الْأَمِيرَ، فَأَتَاهُ.
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: اغْسِلْ يَدَكَ وَتَغَدَّ مَعِي.
فَقَالَ: إِنَّهُ دَعَانِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.
قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُ دَعَانِي إِلَى الصَّوْمِ فَصُمْتُ.
قَالَ: فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ، قَالَ: نَعَمْ، صُمْتُ لِيَوْمٍ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.
قَالَ: فَأَفْطِرْ وَتَصُومُ غَدًّا.
قَالَ: إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْبَقَاءَ إِلَى غَدٍّ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِي.
قَالَ: فَكَيْفَ تَسْأَلُنِي عَاجِلا بِآجِلٍ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ طَعَامٌ طَيِّبٌ.
قَالَ: لَمْ تُطَيِّبْهُ أَنْتَ وَلا الطَّبَّاخُ، وَلَكِنْ طَيَّبَتْهُ الْعَافِيَةُ "
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدَّيْنَوَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ " تُهْتُ فِي بَادِيَةِ الْعِرَاقِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَرْتَفِقُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ رَأَيْتُ فِي الْفَلاةِ خِبَاءً مَضْرُوبًا، فَقَصَدْتُهُ، فَإِذَا بَيْتٌ
стр. 82
وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مُسْبَلٌ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ مِنْ دَاخِلِ الْخِبَاءِ، وَقَالَتْ: يَا إِنْسَانُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَكَّةَ.
قَالَتْ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: الشَّامَ.
فَقَالَتْ: أَرَى شَبَحَكَ شَبَحَ إِنْسَانٍ كَبِيرٍ بَطَّالٍ، أَلا لَزِمْتَ زَاوِيَةً تَجْلِسُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيكَ الْيَقِينُ، ثُمَّ تَنْظُرُ هَذِهِ الْكِسْرَةَ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُهَا.
ثُمَّ قَالَتْ: تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَتْ: اقْرَأْ عَلَيَّ آخِرَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
فَقَرَأْتُهَا، فَشَهِقَتْ وَأُغْمِيَ عَلَيْهَا.
فَلَمَّا أَفَاقَتْ بَعْدَ هَوًى، قَرَأَتْ هِيَ الْآيَاتِ، فَأَخَذَتْ مِنِّي قِرَاءَتُهَا أَخْذًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا إِنْسَانُ، اقْرَأْهَا ثَانِيَةً.
فَقَرَأْتُهَا، فَلَحِقَهَا مَثْلُ مَا لَحِقَهَا فِي الْأَوَّلِ، وَبَقِيَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ تُفِقْ.
فَقُلْتُ: كَيْفَ أَسْتَكْشِفُ خِبَاهَا، مَاتَتْ أَمْ لا؟ فَتَرَكْتُ الْبَيْتَ عَلَى حَالِهِ، وَمَشَيْتُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مِيلٍ فَأَشْرَفْتُ عَلَى وَادٍ فِيهِ أَعْرَابٌ، فَأَقْبَلَ إِلَيَّ غُلامَانِ مَعَهُمَا جَارِيَةٌ، فَقَالَ أَحَدُ الْغُلامَيْنِ: يَا إِنْسَانُ، أَتَيْتَ الْبَيْتَ الَّذِي فِي الْفَلاةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: قَتَلْتَ الْعَجُوزَ وَرِبِّ الْبَيْتِ، فَرَجَعْتُ مَعَهُمْ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ، فَدَخَلَتِ الْجَارِيَةُ فَكَشَفَتْ عَنْهَا فَإِذَا هِيَ مَيْتَةٌ، فَأَعْجَبَنِي خَاطِرُ الْغُلامِ فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: مَنْ هَذَانِ الْغُلامَانِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ أُخُتُهُمْ، مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً مَا تَأْنَسُ بِكَلامِ النَّاسِ، تَأْكُلُ فِي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَكْلَةً وَشَرْبَةً "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْتُوغَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيُّ، أَنْبَأَنَا يُوسُفُ الْقَوَّاسُ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْخُرَاسَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَلَيٍّ، أَنْبَأَنَا الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: " كُنْتُ بِالْبَادِيَةِ أُعَلِّمُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا أَنَا بِأَعْرَابِيٍّ بِيَدِهِ سَيْفٌ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي لِيَأْخُذَ ثِيَابِي، قَالَ لِي: يَا حَضَرِيُّ، مَا أَدْخَلَكَ الْبَدْوَ؟ قُلْتُ: أُعَلِّمُ الْقُرْآنَ.
قَالَ: وَمَا الْقُرْآنُ؟ قُلْتُ: كَلامُ اللَّهِ .
قَالَ: وَلِلَّهِ كَلامٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشِدْنِي مِنْهُ بَيْتًا، قُلْتُ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] ، قَالَ: فَرَمَى السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، رِزْقِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَا أَطْلُبُهُ فِي الْأَرْضِ.
стр. 83
ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ فِي الطَّوَافِ، فَقَالَ: أَلَسْتُ صَاحِبَكَ بِالْأَمْسِ؟ قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: فَأَنْشِدْنِي بَيْتًا آخَرَ، قُلْتُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] .
فَوَقَفَ يَبْكِي وَجَعَلَ يَقُولُ: وَمَنْ أَلْجَأَهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا "
وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، إِذَا أَنَا بِغُلامٍ وَاقِفٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقِّي.
قُلْتُ: وَمَا حَقُّكَ؟ قَالَ: أَنَا غُلامٌ عَلَى مَذْهَبِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، لا أَتَغَدَّى وَلا أَتَعَشَّى حَتَّى أَسِيرَ الْمِيلَ وَالْمِيلَيْنِ فِي طَلَبِ الضَّيْفِ.
فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ، فَرَحَّبَ بِي، وَسِرْتُ مَعَهُ حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ خَيْمَةٍ، وَصَاحَ: يَا أُخْتَاهُ.
فَأَجَابَتْهُ: يَا لَبَّيْكَاهُ.
فَقَالَ: قُومِي إِلَى ضَيْفِنَا.
فَقَالَتْ: حَتَّى أَبْدَأَ بِشُكْرِ الْمَوْلَى الَّذِي سَبَّبَ لَنَا الضَّيْفَ، فَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَخَذَ الْغُلامُ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ عِنَاقًا، فَلَمَّا جَلَسْتُ فِي الْخَيْمَةِ، نَظَرْتُ إِلَى جَارِيَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، فَكُنْتُ أُسَارِقُهَا النَّظَرَ، فَفَطِنَتْ، فَقَالَتْ: مَهْ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّ زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ.
فَلَمَّا نِمْتُ بِالْلَيْلِ سَمِعْتُ دَوِّيَ الْقُرْآنِ طُولَ الْلَيْلِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قُلْتُ لِلْغُلامِ: مَنْ كَانَ يَتْلُو ذَلِكَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: أُخْتِي تُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ إِلَى الصَّبَاحِ.
فَقُلْتُ: يَا فَتَى، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ أُخْتِكَ، لِأَنَّكَ رَجُلٌ وَهِيَ امْرَأَةٌ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: وَيْحَكَ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مُوَفَّقٌ وَمَخْذُولٌ؟
стр. 84
بَابُ ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ سَقَا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ أَوْ فَعَلَ خَيْرًا
اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ مَا وَافَقَتْ فَاقَةَ مُحْتَاجٍ، وَفِعْلُ الْخَيْرِ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ فِي غَيْرِهَا لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ ثَمَّ أَشَدُّ مِنْ مَسِّهَا فِي غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لا بَلَدَ يُلْجَأُ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ لِقُوَّةِ بُخْلِهَا بِالشَّيْءِ مَخَافَةَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: لِأَنَّهُ إِعَانَةُ الْقَاصِدِينَ عَلَى الْقَصْدِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُفَضَّلُ هُنَالِكَ مَا الْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمَسُّ، كَسَقْيِ الْمَاءِ وَحَمْلِ الْمُنْقَطِعِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، لَفْظًا، قَالَ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي الْفَتْحِ الْقَوَّاسِ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الزَّمَنُ " رَأَيْتُ زُبَيْدَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ قَالَتْ: غَفَرَ لِي فِي أَوَّلِ مِعْوَلٍ ضُرِبَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.
قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الصُّفْرَةُ فِي
стр. 85
وَجْهِكِ؟ قَالَتْ: دُفِنَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ، زَفَرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ زَفْرَةً فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، فَهَذِهِ الصُّفْرَةُ مِنْ تِلْكَ الزَّفْرَةِ «
стр. 86
بَابُ ذِكْرِ حُدُودِ الْحَرَمِ
» وَأَوَّلُ مَنْ نَصَبَ حُدُودَ الْحَرَمِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا قَلَعُوهَا فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَدَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ سَيُعِيدُونهَا.
فَرَأَى رِجَالٌ مِنْهُمْ فِي الْمَنَامِ قَائِلا يَقُولُ: حَرَمٌ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ نَزَعْتُمْ أَنْصَابَهُ، الآنَ تَخَطَّفَكُمُ الْعَرَبُ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي مَجَالِسِهِمْ، فَأَعَادُوهَا، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ أَعَادُوهَا.
قَالَ: " أَفَأَصَابُوا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: مَا وَضَعُوا مِنْهَا نَصْبًا إِلا بِيَدِ مَلَكٍ ".
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: نَصَبَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْصَابَ الْحَرَمِ يُرِيهِ جِبْرِيلُ ﵇، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ عَامَ الْفَتْحِ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَهَا، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَبَعَثَ أَرْبَعَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَجَدَّدُوهَا: مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ.
ثُمَّ جَدَّدَهَا مُعَاوِيَةُ ﵁، ثُمَّ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِتَجْدِيدِهَا.
فَصْلٌ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا السَّبَبُ فِي أَنَّ بَعْضَ حُدُودِ الْحَرَمِ تَقْرُبُ مِنْ مَكَّةَ وَبَعْضُهَا تَبْعُدُ، وَلِمَ لَمْ تُجْعَلْ عَلَى قَانُونٍ وَاحِدٍ؟ فَعَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ:
стр. 87
أَحَدُهَا: مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: " لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ خَرَّ سَاجِدًا يَعْتَذِرُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ ﵇ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدْ قُبِلَتْ تَوْبَتُكَ.
فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّمَا أَتَلَهَّفُ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنَ الطَّوَافِ بِعَرْشِكَ مَعَ مَلائِكَتِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي سَأُنْزِلُ إِلَيْكَ بَيْتًا أَجْعَلُهُ قِبْلَةً، فَأَهْبَطَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَكَانَ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ تَلْتَهِبُ الْتِهَابًا، وَلَهُ بَابَانِ شَرْقِيٌّ وَغَرْبِيٌّ، قَدْ نُظِّمَتْ حِيطَانُهُ بِكَوَاكِبَ بِيضٍ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْبَيْتُ فِي الْأَرْضِ أَضَاءَ نُورُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَنَفَرَتْ لِذَلِكَ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ وَفَزِعُوا، فَارْتَقَوْا فِي الْجَوِّ يَنْظُرُونَ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ النُّورُ؟ فَلَمَّا رَأَوْهُ مِنْ مَكَّةَ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ الاقْتِرَابَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلائِكَةً فَقَامُوا حَوَالَيِ الْحَرَمِ فِي مَكَانِ الْأَعْلامِ الْيَوْمَ فَمَنَعَتْهُمْ، فَمِنْ ثَمَّ ابْتُدِيَ اسْمُ الْحَرَمِ ".
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ اشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، فَوَضَعَ اللَّهُ لَهُ خَيْمَةً بِمَكَّةَ مَوْضِعَ الْكَعْبَةِ قِبْلَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتِ الْخَيْمَةُ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا ثَلاثَةُ قَنَادِيلَ فِيهَا نُورٌ يَلْتَهِبُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَانَ ضَوْءُ النُّورِ يَنْتَهِي إِلَى مَوَاضِعَ الْحَرَمِ.
وَحَرَسَ اللَّهُ تِلْكَ الْخَيْمَةَ بِمَلائِكَتِهِ، وَكَانُوا يَقِفُونَ عَلَى مَوَاضِعَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ يَحْرُسُونَ وَيَذُودُونَ عَنْهُ سُكَّانَ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ رَفَعَهَا إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇ لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ ﵇: أَبْغِنِي حَجَرًا أَجَعَلُهُ لِلنَّاسِ آيَةً، فَذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ وَرَجَعَ وَلَمْ يَأْتِهِ بِشَيْ
стр. 88
ءٍ وَوَجَدَ الرُّكْنَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لك هَذَا؟ فَقَالَ: جَاءَنِي بِهِ مَنْ لَمْ يَكِلْنِي إِلَى حَجَرِكَ، جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇.
فَوَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي مَوْضِعِهِ هَذَا فَأَنَارَ شَرْقًا وَغَرْبًا وَيَمِينًا وَشِمَالا، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ حَيْثُ انْتَهَى نُورُ الرُّكْنِ وَإِشْرَاقُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ، خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَاسْتَعَاذَ بِاللَّهِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلائِكَةً حَفُّوا بِمَكَّةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَوَقَفُوا حَوَالَيْهَا، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْمَلائِكَةُ وَقَفَتْ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَالْحَرَمُ حَرَامٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعَرْشَ عَلَى الْحَرَمِ.
стр. 89
بَابُ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَفْظُ هَذِهِ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ وَالتَّقْدِيرُ، وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ فِيمَنْ جَنَى قَبْلَ دُخُولِهِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ، إِلا أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَنَى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ وَرَدَّ الْأَمَانَ، فَبَقِيَ حُكْمُ الْآيَةِ فِيمَنْ جَنَى خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: إِذَا قَتَلَ أَوْ قَطَعَ يَدًّا أَوْ أَتَى حَدًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَكِنْ لا يُبَايَعْ وَلا يُشَارَى، وَلا يُؤَاكَلْ حَتَّى يَخْرُجَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إِذَا قَتَلَ ثُمَّ لَجَأَ لا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَفِي الْآيَةِ دَلَيلٌ عَلَى صِحْةِ مَذْهَبِنَا.
وَقَدْ أَلْهَمَ اللَّهُ الْحَيَوَانَ الْبَهِيمَ تَعْظِيمَ الْحَرَمِ، فَإِنَّ الظِّبَاءَ تَجْتَمِعُ مَعَ الْكِلابِ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا خَرَجَا عَنْهُ تَنَافَرَا، وَإِنَّ الطَّيْرَ لا يَعْلُو عَلَى الْبَيْتِ إِلا أَنْ يُسْتَشْفَى مَرِيضُهَا بِهِ.
стр. 90
أَبْوَابُ الْإِحَرَامِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
الْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَالثَّانِي: الْجُحْفَةُ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ.
وَالثَّالِثُ: يَلَمْلَمُ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ.
وَالرَّابِعُ: قَرْنٌ، بِتَسْكِينِ الرَّاءِ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدَ، وَرُبَّمَا فَتَحَ رَاءَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لا يُعْرَفُ.
وَالْخَامِسُ: ذَاتُ عِرْقٍ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَشْرِقِ.
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدَ قَرْنًا، وَإِنَّهُ جُوِّرَ عَنْ طَرِيقِنَا، فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَأَتِيَ قَرْنًا شُقَّ عَلَيْنَا.
قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ ".
قَالَ: فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَأَرَادَ بِالْمِصْرَيْنِ: الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ.
стр. 91
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنَّمَا حَدَّهَا لَهُمْ لِأَنَّهَا حَذْوُ قَرْنٍ، أَيْ: مُحَاذَيِتُهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ وَقَّتَهَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتِ الْعِرَاقُ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ «ذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ عِرْقٍ» .
فَصْلٌ
فَهَذَهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِمَّنْ يُرِيدُ النُّسُكَ، لَزِمَهُ أَنْ لا يُجَاوِزَهَا حَتَّى يُحْرِمَ.
فَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مَنْ يُرِيدُ النُّسُكَ، ثُمَّ أَحْرَمَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَعُدْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُلَبِّيًا سَقَطَ الدَّمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَسْقُطُ الدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ إِلا أَنْ يَعُودَ بَعْدَ الطَّوَافِ.
فَصْلٌ
فَإِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
فَإِنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لا لِلنُّسُكِ بَلْ لِحَاجَةٍ، فَلا تَخْلُو هَذِهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَكَرِّرَةٌ كَالتِّجَارَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحَرَامُ أَمْ لا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلانِ لِلشَّافِعِيِّ.
стр. 92
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إِلَى مَكَّةَ لا يَلْزَمُهُ، وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ.
فَصْلٌ
فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَقَدْ جَاوَزَا الْمِيقَاتَ مُحِلِّينَ ثُمَّ أَحْرَمَا فَلا دَمَ عَلَيْهِمَا، وَوَافَقْنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّبِيِّ خَاصَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا.
فَصْلٌ
وَلِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَانِ: مِيقَاتُ الْمَكَانِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ، وَهُوَ: أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَهِيَ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَأَمَّا إِذَا أَحْرَمَ قَبْلَ مِيَقَاتِ الزَّمَانِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا يَنْعَقِدُ، فِإِنْ أَحْرَمَ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.
стр. 93
بَابٌ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ
الْخِلافُ فِي جَوَازِ التَّمَتُّعِ وَالْقَرَانِ وَالْإِفْرَادِ.
وَالتَّمَتُّعِ هُوَ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَدْخُلَ مَكَّةَ، وَيَطُوفَ وَيَسْعَى، وَيَفْعَلَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّلَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَفْعَلُ أَفْعَالَ الْحَجِّ.
وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، وَيَفْعَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ، فَإِذَا تَحَلَّلَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَفَعَلَ أَفْعَالَهَا.
وَالْقِرَانُ: أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَطُوفَ لَهُمَا وَيَسْعَى.
وَكُلٌّ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَنْصُرُونَهُ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدَ ﵏، أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ.
وَمَنْبَعُ الْخِلافِ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: اخْتَلافُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجِّهِ، هَلْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ أَوْ أَفْرَدَ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى الْأَفْضَلَ فِي فَرْضِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِرَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْأَصْلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْأَصْلُ الْإِفْرَادُ، وَالْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ رُخْصَةٌ.
стр. 94
وَالثَّالِثُ: الْبَحْثُ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ، فَعِنْدَنَا أَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ لا دَمُ جُبْرَانٍ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ دَمٌ، إِلا أَنَّهُ يَقُولُ: الْقِرَانُ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْأَفْعَالِ وَالتَّعَبُّدِ؛ لَأَنَّ عِنْدَهُ لا يُجِزِئُ الْقَارِنَ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَلا سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَعِنْدَنَا يُجْزِيهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الدَّمَ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دَمُ جُبْرَانٍ، وَالْعِبَادَةُ الْمَجْبُورَةُ أَنْقَصُ مِنَ الَّتِي لا تَفْتَقِرُ إِلَى جَبْرٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَمَتَّعَ» .
فَصْلٌ
وَلا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ إِلا بِشُرُوطٍ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمَرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَحُجَّ فِي سَنَتِهِ مِنْ مَكَّةَ وَيَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّهُ مُتَمَتَّعٌ، وَلا يَكُونُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلا يُسَافِرُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَفَرًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلاةُ.
стр. 95
بَابُ آدَابِ الْمُحْرِمِ وَمَا يَلْزَمُهُ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحَرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمْ، وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ، فَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيُّ ﵀.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ.
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ لِإِحْرَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، إِلا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِحَرَامِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَشَبَّهَهُ أَصْحَابُنَا بِاللِّبَاسِ يُسْتَصْحَبُ بَعْدَ الْإِحَرَامِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ مَا جَمَعُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بِفِعْلِهِ بَيْنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، فَكَانَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ يَنْزِعُ اللِّبَاسَ، وَكَانَ يَتَطَيَّبُ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَإِنْ فَعَلَ غَسَلَهُ، فَإِنِ اسْتَدَامَهُ فَلا كَفَّارَةَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» .
فَهَذَا حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَنَا.
فَصْلٌ
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمُ عُقَيْبَهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ.
وَالصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ عُقَيْبَ الصَّلاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَ أَنَّ الْإِحَرَامَ عُقَيْبَ الصَّلاةِ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ الرَّاحِلَةُ، وَإِذَا بَدَأَ بِالسَّيْرِ سَوَاءٌ.
стр. 96
فَصْلٌ
وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِقَلْبِهِ وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى أَوْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا أَحَرَمَ بِهِ وَيَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلانِي فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْ مِنِّي وَمَحَلِّي حَيْثُ حَبِسْتَنِي.
فَعِنْدَنَا وَعِندَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا اشْتَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ أَنَّهُ إِذَا مَرِضَ تَحَلَّلَ، جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ عِنْدَ وَجُودِ الشَّرْطِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ، فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: لا يَسْتَفِيدُ التَّحَلُّلَ أَصْلا.
وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَانِي إِلا وَجِعَةً.
فَقَالَ لَهَا: " حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ".
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَزَادَ فِيهِ: «فَإِنَّ ذَلِكَ لَكِ» .
وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْمَرَضَ لا يُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ إِلا أَنْ يَكُونَ قَدِ اشْتَرَطَ، خِلافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي قَوْلِهِ: الْمَرَضُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ.
وَلَوْ كَانَ يُبِيحُ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ هَذَهِ الْمَرْأَةَ بِالاشْتِرَاطِ مَعْنًى.
فَإِنْ قَالُوا: فَائِدَةُ هَذَا الشَّرْطِ عِنْدَنَا أَنْ لا يَلْزَمَهَا الْهَدْيُ، وَلَوْ لَمْ تَشْتَرِطْ لَزِمَهَا.
قُلْنَا: الْحُكْمُ الْمُعَلَّقِ عَلَى الشَّرْطِ التَّحَلُّلُ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْهَدْيِ ذِكْرُهُ ثُمَّ عِنْدَكَمْ يَجُوزُ لَهَا التَّحَلُّلُ قَبْلَ الْهَدْيِ فَمَا قُلْتُمْ بِالْحَدِيثِ.
стр. 97
بَابُ ذِكْرِ التَّلْبِيَةِ
أَصْلُ التَّلْبِيَةِ: الْإِجَابَةُ لِنِدَاءِ الْخَلِيلِ ﵇،
! ٢٠٦ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ النّقورِ، أَنْبَأَنَا الْمُخَلِّصُ، أَنْبَأَنَا رِضْوَانُ الصَّيْدَلانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ بَكِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ.
قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَصَعِدَ الْجَبَلَ فَقَامَ فَنَادَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَجِيبُوا رَبَّكُمْ.
فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.
فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ التَّلْبِيَةِ
! ٢٠٧.
ح وَبِهِ حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِدُعَاءِ النَّاسِ إِلَى الْحَجِّ، اسْتَقْبَلَ الْمَشْرِقَ فَدَعَا إِلَى اللَّهِ ، فَأُجِيبَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْمَغْرِبَ فَدَعَا إِلَى اللَّهِ، فَأُجِيبَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.
ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الشَّامَ، فَدَعَا إِلَى اللَّهِ ، فَأُجِيبَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.
ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْيَمَنَ فَدَعَا إِلَى اللَّهِ، فَأُجِيبَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ
فَصْلٌ
وَالتَّلْبِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
стр. 98
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: التَّلْبِيَةُ وَاجِبَةٌ فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجِبُ بِتَرْكِ التَّلْبِيَةِ دَمٌ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا لَفْظُ التَّلْبِيَةِ فَهُوَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيَكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ.
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ، أَنْبَأَنَا الدَّاوُدِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ خُرَيْمٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ خَلادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لِي: مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ "
فَصْلٌ
وَلا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ التَّلْبِيَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُسَنُّ التَّلْبِيَةُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ عُقَيْبَ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا عَلا نَشَزًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا لَقِيَ رَكْبًا، وَفِي إِقْبَالِ الْلَيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبِالْأَسْحَارِ، وَإِذَا سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا، وَفِي جَمِيعِ مَسَاجِدِ الْحَرَمِ وَبِقَاعِهِ.
وَلا يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ التَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِ الْأَمْصَارِ إِنَّمَا هُوَ مَسْنُونٌ فِي الْبَرَارِي وَالْقِفَارِ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يُكْرَهُ إِظْهَارُهَا فِي الْمَسَاجِدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهَا فِي الْأَمْصَارِ وَغَيْرِهَا.
стр. 99
بَابُ مَا يَتَوَقَّاهُ الْمُحْرِمُ وَمَا يُبَاحُ لَهُ
فَصْلٌ
مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ: لُبْسُ الْمَخِيطِ، وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَحَلْقُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَشَمُّ الطِّيبِ، وَقَتْلُ الصَّيْدِ، وَالْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ وَدُونَ الْفَرْجِ، وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ.
فَصْلٌ
فَإِنْ لَبِسَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لا فِدْيَةَ فِي النِّسْيَانِ، وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ مِثْلَهُ.
فَإِنْ لَبِسَ بَعْضَ يَوْمٍ وَجَبَتْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لا تَجِبُ بَلْ تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ.
فَصْلٌ
وَلا يَجُوزُ لَهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ فِي الْإِحْرَامِ.
وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا لا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَلا يَجُوزُ تَظْلِيلُ الْمَحْمَلِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ ظُلِّلَ فِفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ وَلا فِدْيَةَ.
فَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا يَقِيهِ الشَّمْسَ وَالْبَرْدَ أَوْ جَلَسَ فِي خَيْمَةٍ أَوْ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ أَوْ تَحْتَ سَقْفٍ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ طَيَّنَ رَأْسَهُ أَوْ عَصَبَهُ لِوَجَعٍ أَوْ جُرْحٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ قِرْطَاسًا فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ خِرْقَةً لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ.
وَيَجُوزُ لِلمُحْرِمِ أَنْ يَتَّشِحَ بِالرِّدَاءِ وَالْقَمِيصِ وَلا يَعْقِدُهُ، وَيَتَّزِرُ بِالْإِزَارِ وَيَعْقِدُهُ، فَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفِهِ الْقَبَاءَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي كُمَّيْهِ.
стр. 100
وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْهِمْيَانَ، وَيُدْخِلُ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ وَلا يَعْقِدُهَا، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَقَدَهَا.
وَلا يَلْبَسُ الْمِنْطَقَةَ، فَإِنْ لَبِسَهَا افْتَدَى.
وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ: الْقَمِيصِ، وَالسِّرْوَالِ، وَالْخِمَارِ، وَالْخُفِّ، وَلا تَلْبَسُ الْبُرْقُعَ وَلا النِّقَابَ وَلا الْقُفَّازَيْنِ، فَإِذَا أَرَادَتْ سَتْرَ وَجْهِهَا، سَدَلَتْ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْبَشْرَةِ، لِأَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُهُ، كَمَا أَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ.
فَصْلٌ
فَإِنْ طَيَّبَ الْمُحْرِمُ بَعْضَ عُضْوٍ وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا فِدْيَةَ فِي النِّسْيَانِ، وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلَهُ.
وَالْحِنَّاءُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ هُوَ طِيبٌ.
فَإِنْ خَضَّبَ لِحْيَتَهُ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَلا فِدْيَةَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَلا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُبَخَّرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
فَأَمَّا إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ عَلَيْهِ مَاءٌ فَاحَ الطِّيبُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ.
وَإِذَا ادَّهَنَ بِالشَّيْرَجِ وَالزَّيْتِ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ دَهَنَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ، وَقَالَ فِي بَقِيَّةِ الْبَدَنِ: لا فِدْيَةَ.
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ شَمُّ جَمِيعَ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ فِي فَمِهِ، وَشَمُّ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ.
وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِشَمِّ شَيْءٍ مِنَ الرَّيَاحِينِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الطِّيبِ كَالْبَنَفْسَجِ وَالْوَرْدِ، وَبَيْنَ مَا لا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالْبُومِ وَالثُّمَامِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
стр. 101
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي شَمِّ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ قَوْلانِ.
وَيَجُوزُ لَهُ شَمُّ السَّفَرَجَلِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْبَطِّيخِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَالشِّيحِ، وَالْقَيْصُومِ.
فَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ كَالْغَالِيَةِ وَمَاءِ الْوَردِ مُتَعَمِّدًا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ مَسَّ مَا لا يَعْلَقُ بِيَدِهِ كَإِقْطَاعِ الْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ، فَلا فِدْيَةَ.
فَأَمَّا شَمُّ ذَلِكَ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ يَسْتَعْمَلُ بِخِلافِ مَا لَوْ شَمَّ الْعُودَ فَإِنَّهُ لا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ تَعَمُّدًا لِشَمِّ الطِّيبِ أَوْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي وَقْتِ تَطْيِيبِهَا لِشَمِّ طِيبِهَا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فَصْلٌ
فَإِنْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي أَرْبَعِ شَعَرَاتٍ دَمٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إِلا فِي حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ فَصَاعِدًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ فِيمَا يَحْصُلُ بِزَوَالِهِ إِمَاطَةَ الْأَذَى.
فَإِنْ حَلَقَ دُونَ الثُّلُثِ فَفِي كُلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَلِلشَّافِعِيِّ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: ثُلُثُ دَمٍ، وَالثَّانِي: مُدٌّ، وَالثَالِثُ: دِرْهَمٌ.
فَإِنْ حَلَقَ الْمُحْرُمُ شَعْرَ حَلالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ.
فَإِنْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ مُحْرِمٍ بِإِذْنِهِ، فَلا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ.
فَإِنْ حَلَقَ الْحَلالُ شَعْرَ الْمُحْرِمِ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ.
فَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ يُؤْلِمُهُ فَأَزَالَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُ عَينَيْهِ فَقَصَّ مِنْهُ مَا نَزَلَ، أَوِ انْكَسَرَ ظِفْرُهُ فَقَصَّ مَا انْكَسَرَ فَلا فِدْيَةَ.
فَإِنْ قَلَعَ جِلْدَةً مِنْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ وَعَلَيْهَا شَعْرَةٌ فَلا فِدْيَةَ.
فَصْلٌ
وَإِذَا غَسَلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ وَالْخِطْمِي فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
стр. 102
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارٍ لَزِمَهُ دَمٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لا دَمَ إِلا فِي خَمْسَةِ أَظَافِيرَ مِنْ عُضْوٍ وَاحِدٍ.
وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ، وَلا يُصْلِحُ شَعَثًا.
فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْمَخِيطِ لِبَرْدٍ، أَوْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ لِحَرٍّ، أَوْ إِلَى الطِّيبِ، أَوِ الْحَلْقِ لِمَرَضٍ، أَوْ ذَبْحِ الصَّيدِ لِلْمَجَاعَةِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
فَصْلٌ
وَلا يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ الْمُحْرِمُ عَقْدَ نِكَاحٍ لا لِنَفْسِهِ وَلا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَهُ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ فِي الْحَالَيْنِ.
وَهَلْ تَصِحُّ مُرَاجَعَتُهُ فِيهِ؟ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِالتَّصْحِيحِ قَالَ مَالكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَتُكْرَهُ لَهُ الْخِطْبَةُ وَالشَهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُبَاشَرَةُ فِي الْفَرْجِ وَدُونَهُ، وَالاسْتِمْنَاءُ، فَإِنْ فَعَلَ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ.
فَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَلا يَفْسُدُ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ.
وَهَلْ تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَيَسْتَأْنِفُ إِحْرَامًا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَيَأْتِي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَبِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَبَقِيَّةِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ إِحْرَامِهِ وَلا عُمْرَةٍ، وَإِنَّمَا نَأْمُرُهُ نَحْنُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ يُؤْتَى بِهِ فِي الْإِحْرَامِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ إِحْرَامٌ صَحِيحٌ كَالْوُقُوفِ.
فَصْلٌ
فَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ الْمُحَرَّمَ لَزِمَهُ دَمٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ﵀.
وَهَلْ ذَلِكَ الدَّمُ بَدَنَةٌ أَمْ شَاةٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لا دَمَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَطِئَ نَاسِيًا فَسَدَ حَجُّهُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا لا يَفْسُدُ.
وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ وَفِي الْمَوْضِعَ الْمَكْرُوهِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَقَالَ أبُو حَنِيفَةَ
стр. 103
رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُفْسِدُ، فَإِنْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ بِالْوَطْءِ لَزِمَهُ شَاةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، فَإِنْ وَطِئَ الْقَارِنُ، لَزِمَهُ دَمٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: دَمَانِ.
فَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسَدِهِمَا، وَقَالَ دَاوُدُ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا كَمَا يَخْرُجُ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الصَّيْدُ، فَإِنْ صَادَ صَيْدًا لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَى مُلْكِهِ صَيْدٌ لَمْ يَزُلْ مُلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ يَدِهِ الْمُشَاهِدَةِ دُونَ الْحَكَمِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَزُولُ مُلْكُهُ عَنْهُ.
فَإِنْ أَدَخَلَ الْمُحِلُّ صَيْدًا لَهُ إِلَى الْحَرَمِ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لا يَلْزَمُهُ.
فَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لَهُ مِثْلٌ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَتَجِبُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَةِ الْوَحْشِ وَالْإِبِلِ وَالْوَعْلِ وَالْثَيْتَلِ بَقَرَةٌ، وَفِي الضَّبُعِ وَالظَّبْيِ كَبْشٌ، وَفِي الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عِنَاقٌ، وَالْعِنَاقُ اسْمٌ لَهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جَذْعَةً، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَهِيَ الْعِنَاقُ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي الضَّبِ جَدْيٌ، وَفِي الصَّغِيرِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صَغِيرٌ، وَفِي الْكَبِيرِ كَبِيرٌ، وَفِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ.
فَإِنْ كَانَ الصَّيدُ لا مِثْلَ لَهُ كَالْعَصَافِيرِ وَالْقَنَابِرِ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ إِلا الْحَمَامَ.
وَمَا عَبَّ وَهَدَرَ مِثْلَ الْفَوَاخْتِ وَالْقِطَارِ وَالْقَبْجِ فَفِي الْوَاحِدَةِ شَاةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ الْكُلَّ بِقِيمَتِهِ.
فَإِنْ جَنَى عَلَى صَيْدٍ ضَمِنَهُ بِمَا نَقَصَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ: لا يَضْمَنُهُ.
فَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا خَطَأً فَفِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ.
فَإِنْ دَلَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى صَيْدٍ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَقَالَ، مَالكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لا يَلْزَمُهُ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ.
стр. 104
وَمَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ كَالسَّبُعِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ، إِلا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الاتِفَاقُ عَلَى قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ؛ فَإِنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأَرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ".
وَذِكْرُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ قَدْ نَبَّهَ عَلَى قَتْلِ كُلِّ مُضِرٍّ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْفَهْدَ، وَالنِّمِرَ، وَالْبَعُوضَ، وَالصَّقْرَ، وَالشَّاهِينَ، وَالْبَاشَقَ، وَالزُّنْبُورَ، وَالْبَرْغُوثَ، وَالْبَقَّ، وَالْبَعُوضَ، وَالْوَزَغَ، وَالذُّبَابَ، وَالنَّمْلَ، إِذَا آذَاهُ، فَأَمَّا الْقُمَّلُ وَالصِّئْبَانُ فَفِي قَتْلِهِنَّ رِوَايَتَانِ.
فَإِنْ صَالَ صَيْدٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فَقَتَلَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لا جَزَاءَ.
وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ خِلافًا لِدَاوُدَ.
وَإِذَا رَمَى الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي غُصْنٍ فِي الْحِلِّ وَأَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ، فَهَلْ يَضْمَنُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيَبْقَى الضَّمَانُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ رَمَى وَهُوَ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَالثَانِيَّةُ: لا يَضْمَنُهُ.
وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَهُوَ مَيْتَةٌ خِلافًا لِأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ ذَبَحَ الْحَلالُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، فَعِنْدَنَا أَنَّهَا مَيْتَةٌ أَيْضًا.
وَقَالَ أَكْثَرُ الَحْنفِيَّةِ: يُبَاحُ.
فَإِنِ اضْطَرَّ الْمُحْرِمُ إِلَى أَكْلِ صَيْدٍ وَمَيْتَةٍ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ
стр. 105
قَوْلَيْهِ: يَأَكُلُ الصَّيْدَ وَعلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُ مَا صِيدَ لَأَجْلِهِ، وَقَالَ أبْو حَنِيفَةَ: لا يَحْرُمُ، فَإِنْ أَكَلَ، فَعِنْدَنَا أَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ خِلافًا لِأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِي.
فَصْلٌ
وَقَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ مَضْمُونٌ خِلافًا لِدَاوُدَ، وَيَضْمَنُ الشَجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِالْقِيمَةِ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَرْعَى حَشِيشَ الْحَرَمِ خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَيَجُوزُ قَطْعُ مَا أَنَبَتَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنَ الشَّجَرِ بِالْحَرَمِ، فَأَمَّا مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فَلا، وَإِنْ قَطَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ أَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ، فَلا ضَمَانَ فِي قَطْعِهِ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ إِذَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ فَلا جَزَاءَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ الْجَزَاءُ بِإِتْلافِ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ قَطْعُ الشَّجَرِ: الْيَابِسِ، وَالْعَوْسَجِ، وَالشَّوْكِ، وَالْإِذْخَرِ، وَلا ضَمَانَ.
فَصْلٌ
فَإِنْ كَرَّرَ الْمُحْرِمُ الْمَحْظُورَ، مَثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀: إِنَ كَرَّرَهُ لِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَبِسَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِلْبَرْدِ، وَفِي أَوْسَطِهِ لِلْحَرِّ، وَفِي آخِرِهِ لِمَرَضٍ: فَكَفَّارَاتٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ التَّكْرَارُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحَدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ.
فَصْلٌ
وَيُجْزِئُ فِي الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي الْجُبْرَانِ الْجِذْعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقَدْ دَخَلَ فِي السَّابِعِ، وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ وَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِنَ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ وَقَدْ دَخَلَ فِي الثَالِثَةِ، وَمِنَ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ وَقَدْ دَخَلَ فِي السَّادِسَةِ.
فَصْلٌ
وَمَا وَجَبَ مِنَ الدِّمَاءِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَمَا فِي مَعْنَاهَا، مِنْ شَمِّ الطِّيبِ وَلُبْسَ الْمَخِيطِ جَائِزٌ نَحْرُهُ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، وَكَذَلِكَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِالْإِحْصَارِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْإِحْصَارِ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ.
стр. 106
وَأَمَّا مَا وَجَبَ فِي الدِّمَاءِ لِتَرْكِ نُسُكٍ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ نَحْرُهُ وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ.
وَلا يَأْكُلُ مِنَ الدِّمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِحْرَامِ إِلا مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَيَأْكُلُ مِنَ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِيَةُ: لا يَأْكُلُ مِنَ الْمَنْذُورِ إِلا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَأْكُلُ مِنَ الْهَدْيِ كُلِّهِ إِلا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَنَذْرِ الْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا يُؤْكَلُ إِلا مِنَ التَّطَوُّعِ.
стр. 107
بَابٌ الْإِشَارَةُ فِي الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةُ وَأَفْعَالُ الْحَجِّ
يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَصَوَّرَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ إِجَابَةَ الدَّاعِي، وَعِنْدَ تَجَرُّدِهِ مِنَ الْمَخِيطِ لُبْسَ الْكَفَنِ، وَعِنْدَ التَّلْبِيَةِ نِدَاءَ الْحَقِّ.
وَمَنْ تَلَمَّحَ الْعِبَادَاتِ بِعَيْنِ الْتَفَهُّمِ عَلَى أَنَّهَا مُلازَمَةُ رَسْمٍ يَدُلُّ عَلَى بَاطِنٍ، مَقْصُودُهُ تَزْكِيَّةُ النَّفْسِ، وَإِصْلاحُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّعَبُّدِ هُوَ صَرْفُ الْقَلْبِ إِلَى الرَّبِّ، فَلَمَّا كَانَ طَبْعُ الْآدَمِيِّ يَنْبُو عَنِ التَّعَبُّدِ شُغُلا بِالْهَوَى، وُظِّفَتْ وَظَائِفَ تُدَرِّجُهُ لِيَتَرَقَّى مِنَ الْفَرَائِضِ إِلَى الْفَضَائِلِ، وَاعْتَبَرَ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ، مِنْهَا الْحَجُّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا وُظِّفَتْ لِلتَدْرِيجِ إِلَى حَمْلِ الْمَشَاقِّ، فَنَبَّهَ الْمُسَافِرَ عِنْدَ تَرْكِ الْأَهْلِ عَلَى قَطْعِ الْعَلائِقِ الشَّاغِلَةِ لِيَتَفَرَّدَ بِخِدْمَةِ الْحَقِّ.
فَتَفَكَّرْ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ بِأَيِّ بَدَنٍ تَقْصِدُهُ، وَبِأَيِّ بَاطِنٍ تَحْضُرُ، فَإِنَّهُ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَإِذَا أَمَرَكَ الْحَزْمُ بِإِكْثَارِ الزَّادِ خَوْفَ الْعَوَذِ، فَاعْلَمْ أَنَّ سَفَرَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُ، وَعَطَشَ الْمَحْشَرِ أَقْطَعُ، وَتَذَكَّرْ بِقَطْعِ الْعِقَابِ الْأَهَوَالَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْمَوْقِفِ مَوْقِفَ الْقِيَامَةِ، وَبِالتَّعَلُّقِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ تَمَسُّكَ الْمُذْنِبِ بِذَيْلِ الْمَالِكِ، وَبِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الْفِرَارَ مِنْهُ إِلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا كَانَ حَجُّ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَخَايَلُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَجَدَّدَ لَهُمُ الْقَلَقُ، هَيْبَةً لِلْمَخْدُومِ، وَخَوْفًا مِنَ الرَّدِّ.
стр. 108
بَابٌ ذِكْرُ أَحْوَالٍ جَرَتْ لِلْخَائِفِينَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ
حَجَّ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَلَمَّا أَحْرَمَ وَاسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، اصْفَرَّ لَوْنُهُ وَارْتَعَدَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُلَبِّيَ، فَقِيلَ: مَا لَكَ لا تُلَبِّي؟ قَالَ: أَخْشَى أَنْ يَقُولَ لِي: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ.
فَلَمَّا لَبَّى غُشِّيَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا حَجَّ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ فَأَرَادَ أَنْ يُلَبِّيَ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُلَبِّيَ، فَأَخَافُ أَنْ أَسْمَعَ غَيْرَ الْجَوَابِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: كُنْتُ مَعَ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، فَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى سِرْنَا مِيلا، ثُمَّ غُشِّيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ، وَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: مُرْ ظَلَمَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يَذْكُرُونِي، فَإِنِّي أَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَنِي مِنْهُمْ بِاللَّعْنَةِ.
وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ، بَلَغَنِيَ أَنَّ مَنْ حَجَّ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، ثُمَّ لَبَّى، قَالَ اللَّهُ : لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْكَ، فَمَا آمَنُ أَنْ يُقَالَ لَنَا ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ
стр. 109
أَبِي صَادِقٍ، قَالا: أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ الْفَارِسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ الدَّيْنَوَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْجَلاءِ، يَقُولُ: " كُنْتُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَشَابٌّ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَأَخْشَى أَنْ تُجِيبَنِي: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، يُرَدِّدُ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، وَخَرَجَتْ رُوحُهُ «
стр. 110
بَابٌ مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،» أَنَّ رَجُلا عَرَضَتْ لَهُ نَاقَتُهُ، فَوَقَصَتْهُ، فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا يُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلا يُغَطُّوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعثُ يَومَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ لا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، وَمَالِكٌ: يَنْقَطِعُ، وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّهْرِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَّاكِ، عَنْ عَائِذِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ فِي هَذَا الطَّرِيقَ مِنْ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ لَمْ يُعْرَضْ وَلَمْ يُحَاسَبْ، وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ "
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ ضَمَانُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَلَبَهُ قَلَبَهُ مَغْفُورًا لَهُ» .
следующие страницы →