← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حرف التاء تاجرا (١) موضع من أحواز قابس في مكان منه يقال له لاقية، وفي تاجرا كانت الوقيعة بين الشيخ المجاهد أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص وبين يحيى بن إسحاق المسوفي الميورقي، وكان سببها أن يحيى بن إسحاق هذا كان تغلب على حصن المهدية في جملة ما تغلب عليه من البلاد الإفريقية، فتحرك إليه صاحب المغرب الملك الناصر أبو عبد الله محمد بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن من مراكش في جمادى الأولى من سنة إحدى وستمائة، فلما فارق بلاد المغرب وأشرف على بلاد العدو، جد في أمره وتدرج حتى أتى المهدية فنزل عليها في صفر من سنة اثنتين وستمائة فحاصرها ونصب عليها المجانيق وواصل حربها، وكان يحيى بن إسحاق ترك بالمهدية نائبه وبقي جوالاً في بلاد إفريقية بعسكره، فلما نزل الناصر على المهدية وجه الشيخ أبا محمد عبد الواحد هذا في أربعة آلاف فارس إلى لقاء يحيى بن إسحاق وأقام الناصر على محاصرة المهدية، وكان أصحاب يحيى بن إسحاق شجعوه وحرضوه على الثبوت فثبت، فالتقى الجمعان بموضع يقال له لاقية من تاجرا، وأمر يحيى أصحابه فعقلوا الإبل وأوقفوا الهوادج إزاءها، وأمر الشيخ أبو محمد عبد الواحد أصحابه بالإعراض عن تلك الإبل والهوادج ومشوا على تعبئة، وصدر الرماة وقدم الطلائع فصدقوا الدفاع ودارت بين الفريقين رحى الحرب ثلاث ساعات من النهار وحمل يحيى حملات وبعد ذلك انهزم أصحابه وركبهم السيف إلى الأصيل، وأجلت الحرب عن قتل جبارة أخي يحيى وكاتبه علي بن اللمطي وعامل له يقال له الفتح بن محمد وبعض الأعراب وجماعة من الجند، وفر يحيى في شرذمة قليلة وتفرقت حشوده وأعرابه وأخذت رايته السوداء وأحاط الموحدون بعسكره وأمواله وما كانوا حازوا من طرابلس إلى منتهى بجاية، وقفل الشيخ أبو محمد غانماً مظفراً وساق معه المتاع والكراع وسائر الغنائم. حكي أنه كان في محلة يحيى نحو ثمانية عشر ألف جمل محملة بالأموال والرجال والنساء وغير ذلك وسلم جميعها وفر، ولم يقتل من جيش الموحدين إلا أربعة نفر، وكان يحيى أنفذ عياله وأولاده وحاشيته مع ثقات أصحابه إلى موضع نحو خمسة فراسخ من محلته فلما فر أخذهم في صدره ولولا ذلك ما سلم له أحد منهم، ومات في عسكر يحيى نحو المائة نفس سوى من قتل في المعركة من الفرسان واستنقذ السيد أبا زيد وجماعة من الأسرى الذين كانوا في يد يحيى أسرى، ورجع الشيخ أبو محمد بجميع ذلك إلى الناصر وهو محاصر للمهدية ومعه الغنائم والأسرى الذين استنقذهم، وقدم الحرسي الذي كان على نكال السيد أبي زيد على قتب سام إشهاراً له وبيده راية سوداء وطيف بذلك كله على المهدية. وكانت هذه الهزيمة في الثاني عشر من ربيع الأول من سنة اثنتين وستمائة وكان بين فتح الموحدين ميورقة وبين هزيمة تاجرا نحو من ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ورفع حماد المالقي وهو مشهور بالإبداع هذين البيتين إلى الناصر في قطع الكاغد: رأى يحيى إمام الخلق يأتي ... ففر أمام من يأتي إليه فشبهت الشقي بياء يفري ... ولام الأمر قد دخلت عليه

стр. 142

وكمل التبريز بالغنائم على ملاحظة من المحصورين بالمهدية وهم مع ذلك متجلدون مواظبون على القتال بصرامة وشدة شكيمة معلنون بالتكذيب بهزيمة يحيى وينوعون السب ويفحشون، وألح الملك الناصر في قتالهم وجمع المجانيق والآلات على جهة واحدة من السور حتى كثر فيهم الموتان والجراحة، وتحققوا بعد ذلك بانهزام يحيى فسقط في أيديهم وطلبوا الأمان فأسعفهم به، ونزل علي بن الغازي صاحب المهدية وهو ابن عم يحيى وأتباعه وشيعته على أن يخلى سبيله ويسلموا البلد، وكان ذلك في التاسع من جمادى الأولى أو في السابع والعشرين منه من سنة اثنتين وستمائة، فكان بين هزيمة تاجرا وببن فتح المهدية شهران وستة وعشرون يوماً. تاهرت (١) : مدينة مشهورة من مدن الغرب الأوسط على طريق المسيلة من تلمسان، وكانت تاهرت فيما سلف مدينتين كبيرتين إحداهما قديمة والأخرى محدثة، فالقديمة منهما ذات سور على قنة جبل ليس بالعالي وبها ناس وجمل من البرابر ولهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة وبأرضها مزارع وضياع جمة وبها من نتاج البراذين والخيل كل شيء حسن، وبها البقر والغنم كثير جداً وكذلك العسل والسمن وسائر غلاتها كثيرة، وبها مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم ولهم على هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروباً من الفواكه الحسنة، ولها سور صخري وبها قصبة منيعة مشرفة على سوقها المسماة بالمعصومة. وتاهرت (٢) في سفح جبل يسمى قزول (٣) وعلى نهر كبير يأتيها من ناحية الغرب ولها نهر آخر يجري من عيون يجتمع منه شرب أرضها وبساتينها، وسفرجلها لا نظير له حسناً وطعماً وشماً، ولها ثلاثة أبواب: باب الصفا وهو باب الأندلس وباب المنازل وباب المطاحن، وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر بن حماد وكان ثقة مأموناً حافظاً للحديث يصف برد تاهرت: ما أصعب البرد وريعانه ... وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم إذا ما بدت ... كأنما تنشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة ... تجري بنا الريح على السمت نفرح بالشمس إذا ما بدت ... كفرحة الذمي بالسبت ونظر رجل من تاهرت إلى توقد الشمس بالحجاز فقال: احرقي ما شئت فوالله انك بتاهرت لذليلة. وتاهرت الحديثة (٤) في قبليها لواتة وهوارة في قرارات، وبغربيها زواغة وبجوفيها مطماطة وزناتة ومكناسة، وفي شرقيها حصن هو تاهرت القديمة. وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام من ولد سابور ذي الأكتاف الفارسي، وكان ميمون اباضياً وكان يسلم عليه بالخلافة، وتعاقب مملكة تاهرت بنو ميمون وبنو إخوته إسماعيل وعبد الرحمن بن الرسمية إلى سنة ست وتسعين ومائتين، فوصل أبو عبد الله الشيعي إلى تاهرت فدخلها بالأمان ثم قتل ممن فيها من الرسمية عدداً كثيراً وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وطيف بها في القيروان ونصبت على باب رقادة، وملك بنو رستم تاهرت مائة وثلاثين سنة. وكان عبد الرحمن بن رستم خليفة لأبي الخطاب (٥) عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة على إفريقية، فلما قتل محمد بن الأشعث الخزاعي أبا الخطاب في صفر سنة أربع وأربعين ومائة هرب عبد الرحمن بأهله وما خف من ماله وترك القيروان، فاجتمعت إليه الاباضية واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا موضع تاهرت اليوم وهو غيضة أشبة، ونزل عبد الرحمن منه موضعاً مربعاً لا شعراء فيه وأدركتهم صلاة الجمعة فصلى بهم هناك، فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء فأخذ حياً وأتي به إلى الموضع الذي صلوا فيه وقتل هناك، فقال عبد الرحمن بن رستم: هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبداً، وانتدبوا من تلك الساعة فبنوا في ذلك الموضع مسجداً وقطعوا خشبه من تلك الشعراء فهو كذلك إلى اليوم، وهو مسجد جامعها وهو من أربع بلاطات. وبتاهرت أسواق عامرة وحمامات كثيرة يسمى منها نحو

стр. 143

اثني عشر حماماً، وحواليها من البرابر أمم كثيرة (١) . وفي سنة خمس وستمائة (٢) كانت وقعة تاهرت ليحيى بن إسحاق الميورقي على السيد أبي عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن، فإنه لما فر من إفريقية أمام صاحبها الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص الموالي عليه الهزائم تمرس بجهة تلمسان، فكتب أبو محمد إلى أبي عمران بأن لا يعرض له فإنه في اتباعه بالقوم الذين دربوا على قتاله، فقال أولياء السيد: إن هذه لذلة عظيمة نقعد كالنساء في البيوت حتى يأخذه صاحب إفريقية من أيدينا، فخرج إليه السيد من تلمسان بمن اجتمع إليه وساروا إلى جهة تاهرت، فأقبل الميورقي حين أبعدوا من منازلهم بشرذمته التي هي بقايا الحتوف وطرائد السيوف، فحمل عليهم حملة فلم يثبتوا لها وقتل السيد في المعركة وأسر ولده وأقاربه وخواصه، وكان القتلى من عسكره ألفاً وسبعمائة، واحتوى الملثمون على ما أقال عثرتهم من نكبتهم، ورجعوا إلى إفريقية، ففك الأسرى وأخذ الغنائم صاحبها أبو محمد عبد الواحد من أيديهم على عادته، ولما خلت تلمسان من حكام لجهاتها ومصلح لما فسد من أحوالها اختير لها أبو زيد بن يوجان الهنتاتي الذي كان وزير المنصور يعقوب فهو الذي فتح باب الفتنة الآتية على دولتهم، فيالله ماذا فعل وما فعل به وصنع. تاجه (٣) : نهر عظيم يشق طليطلة قصبة الأندلس في الزمان الأقدم يخرج من بلاد الجلالقة ويصب في البحر الرومي، وهو نهر موصوف من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة قنطرة عظيمة بنتها ملوك سالفة وهي من البنيان الموصوف. تانسيفت (٤) : نهر على ثلاثة أميال من مراكش ليس بالكبير لكنه دائم الجري وإذا كان زمن الشتاء حمل بسيل كبير لا يبقي ولا يذر، وكان أمير المؤمنين علي بن يوسف بنى عليه قنطرة عظيمة متقنة البناء بعد أن جلب إلى عملها صناع الأندلس وجملة من أهل المعرفة بالبناء فشيدوها وأتقنوها حتى كملت، ثم لم تلبث بعد أعوام يسيرة حتى أتى عليها السيل فاحتمل أكثرها وحل عقدها وهدمها ورمى بها إلى البحر. وهذا النهر يأتي إليها من عيون ومياه منبعثة من جبل درن من ناحية مدينة اغمات ايلان. تارنانا (٥) : مدينة بالمغرب قريبة من ندرومة كبيرة مسورة على ساحل البحر كانت محطاً للسفن ومقصداً لقوافل سجلماسة وغيرها، وكان سكانها من قبائل البربر مطغرة وهم أعدل من هناك من البربر، وعلى هذا الساحل مدن كثيرة قد خربت وكانت في سالف الدهر آهلة كثيرة الخصب. تابحريت (٦) : مدينة بينها وبين تارنانا عشرة أميال، وهي مدينة مشهورة على ساحل البحر بها مسجد جامع متقن البناء يشرف على البحر، ولها أسواق جامعة، وهي محط للسفن ومقصد لقوافل سجلماسة وغيرها، وفي الشرق من تابحريت مدينة مسكاك (٧) بينهما نحو ثلاثة أميال وهي أقدم من تابحريت وإنما جددت مدينة تابحريت بعد العشرين والأربعمائة (٨) وهي ساحل وجدة. تادلى (٩) : من بلاد المغرب، وهي مدينة قديمة أزلية فيها آثار للأول، بنى الملثمون فيها حصناً منيعاً هو الآن معمور وفيه الأسواق والجامع، والبلد كله كثير الخيرات والأرزاق أحاطت به القبائل من جميع الجهات. وهي بلد أحمد بن عبد السلام الجراوي (١٠) الشاعر الباقعة، يقال إنه مدح عبد المؤمن وولده يوسف وولده يعقوب وولده محمداً الناصر ومات عام العقاب، وهو عام تسعة وستمائة، واستوطن مدينة فاس وقرأ بها وكان لا يسلم أحد من لسانه، وكان مسلطاً على بني الملجوم أعيان فاس واستطرد بهجاء قومه وبلده إليهم فقال:

стр. 144

يا ابن السبيل إذا مررت بتادلى ... لا تنزلن على بني غفجوم قوم طووا طنب السماحة بينهم ... لكنهم نشروا لواء اللوم يا ليتني من غيرهم ولو أنني ... من أهل فاس من بني الملجوم تامدلت (١) : في بلاد السوس، مدينة كبيرة أسسها عبد الله (٢) بن ادريس العلوي وتوفي بايكلي وبها قبره. وتامدلت مدينة سهلية كثيرة العمارة حافلة الأسواق على نهر عنصره من جبل على نحو عشرة أميال منها، وما بينهما عمائر وبساتين متصلة، وهذا النهر هو نهر درعة، ومدينة تامدلت على رأس النهر وبينها وبين درعة مسيرة ستة أيام في عمارة متصلة، وعليها سور طوب وحجر وبها حمامان وسوق عامرة، ولأهلها أربعة أبواب وعلى نهرها أرحاء كثيرة وأرضها أكرم أرض وأكثرها زرعاً تعطي الحبة مائة، وبها معدن فضة غزير كثير المادة. تامللت (٣) : هو حصن عظيم جداً من حصون جبل درن بالمغرب وهو منيع صعب المرتقى يمسكه أربعة من الرجال، وكان الإمام المهدي زاد في تحصينه وجعل فيه مخازن أمواله وبه الآن قبره، فإنه لما مات بجبل الكواكب حملوه أصحابه فدفنوه في هذا الحصن وقبره هناك يزار وعليه كالقبة العالية، وفي ذكر جبل درن طرف من هذا. تامدوت (٤) : مدينة لطيفة بينها وبين اوفرجي مرحلة وبين اوفرجي (٥) وبين مراكش مرحلة، وتامدوت طيبة الهواء والماء، ومنها يرتقى إلى جبل درن، ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وأنه يتصل بجبل المقطم الذي في بلاد مصر، وفيه قبائل كثيرة من المصامدة ويقال إنهم من العرب دخلوا تلك البلاد وسكنوها في الفتنة الواقعة عند هزيمة ميسرة التي تسمى غزوة الأشراف (٦) وكان البربر يطلبون المغرب فتوغلوا في تلك الجبال وتناسلوا. تازا (٧) : من بلاد المغرب، أول بلاد تازا حد ما بين المغرب الأوسط وبلاد المغرب في الطول، وفي العرض البلاد الساحلية مثل وهران ومليلة وغيرهما، وقد بني فيها في هذا العهد القريب مدينة الرباط أعني في جبال تازا، ومدينة الرباط هذه كبيرة في سفح جبل عال مشرفة على بسائط تشقها جداول المياه العذبة عليها سور عظيم، وهي في فسحة من نحو ستة أميال ما بين جبال، تنصب إليها من تلك الجبال مياه كثيرة وأنهار تسقي جميع بساتينها، ولها نظر كبير كثير الزرع والفواكه وجميع الخيرات، وسورت هذه المدينة سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهي على طريق المار من المغرب إلى المشرق وتسمى مكناسة تازا، ومكناسة قبيلة من البربر سكنوا هناك فسمي الموضع بهم. تامزغران (٨) : مدينة بالمغرب بقرب مصب نهر شلف في البحر، بينها وبين مستغانم ثلاثة أميال، وهي مدينة مسورة لها مسجد جامع، وعلى مقربة منها قلعة هوارة وهي قلعة في جبل لها ثمار وزرع. تانكرمت (٩) : حصن على الساحل من حصون تلمسان، ولهم مزارع واسعة وبسائط خصيبة. تامسامان (١٠) : بقرب بلد نكور من البلاد الغربية من أعمال تلمسان، وهي مرسى مشهور. تادمكة (١١) : في بلاد السودان، وهي أشبه بلاد الدنيا بمكة شرفها الله تعالى، ومعنى تاد عندهم هيئة أي على هيئة مكة، وهي منيعة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة وكوكو. وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء وعيشهم من اللحم ومن اللبن ومن حب تنبته الأرض من غير اعتمال،

стр. 145

وتجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبغة من القطن والصوف وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصاً أصفر، ودنانيرهم تسمى الصلع لأنها ذهب محض غير مختومة، ونساؤهم فائقات الجمال لا يعدل بهن نساء بلد حسناً، والزنا عندهم مباح وهن يتلقين التجار إذا أقبلوا إلى بلدهم ويتقارعن على الرجل أيتهن تحمله إلى منزلها، وبين تادمكة وغانة نحو خمسين مرحلة، وبينهما مدن وعمائر للسودان والبربر. تاكررت (١) : قلعة منيعة بينها وبين تلمسان مسيرة يوم بها تحصن يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان من بني عبد الوادي في سنة ست وأربعين وستمائة حين توجه إليه ملك المغرب علي بن أبي العلا ابن المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب مراكش الملقب بالسعيد وصعد إليه فقتل علي هنالك وذهبت محلته وفسد أمره واختلت حاله كلها، وربما أوردت طرفاً من خبره في ذكر تلمسان. تاكرنا (٢) : مدينة بالأندلس بمقربة من استجة، وهي مدينة أولية إليها تنسب الكورة وبها بلاط من بنيان الأول لم يتغير. وإقليم تاكرنا منضاف إلى إقليم استجة، ومن مدن تاكرنا مدينة رندة وهي قديمة ولها آثار كثيرة، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. تامسنا (٣) : إقليم تامسنا في بلاد المغرب، وهناك مات الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز الصنهاجي صاحب المهدية سنة ست وستين وخمسمائة وكان انتقل إلى المغرب بأهله وولده فمات بإقليم تامسنا بموضع يقال له ابارزلو (٤) وسكن المهدية ثمانية أعوام أو نحوها تحت لواء الموحدين. تبالة (٥) : في الحجاز في طريق مكة من اليمن وبينهما أربع مراحل، وهي قرية صغيرة وبها عيون متدفقة ومزارع ونخل وفيها مسجد جامع ومنبر والماء من العيون والآبار، وهي في أسفل أكمة من تراب، وفيها جاء المثل: " أهون من تبالة على الحجاج " وكانت أول عمل وليه، فلما جاءها قيل له هي خلف هذه الأكمة، فقال: لا خير في بلدة تسترها هذه الأكمة، وولى راجعاً. وكان بتبالة في الجاهلية صنم لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب يقال له ذو الخلصة، وقال الشاعر (٦) : لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا ... لم تنه عن قتل العداة زورا ... وكان أبوه قتل فأراد الطلب بدمه فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنده بالأزلام فخرج السهم بنهيه عن ذلك فقال هذه الأبيات. وكان النبي ﷺ استعمل عكرمة على صدقات عامر فلما مات النبي ﷺ (٧) انحاز إلى تبالة في أناس من العرب ثبتوا على الإسلام فكان مقيماً بتبالة من أرض كعب بن ربيعة فجاءه كتاب أبي بكر ﵁، وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة، أن سر في من قبلك من المسلمين إلى أهل دبا فسار إليهم، الخبر بطوله. تبسا (٨) : من بلاد إفريقية بقرب وادي ملاق، مدينة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة للأول ومبان عجيبة ما بإفريقية بعد قرطاجنة أعظم منها، وبها دار ملعب قد تهدم أكثره أغرب ما يكون من البناء، وفيها هيكل يظن الرائي له أنه كما رفعت اليد عنه ما تكاد تعرف الفرق بين أحجاره، ولو غرزت الإبرة بين حجرين من حجاره ما وجدت منفذاً، وفي داخله أقباء معقودة وبعضها فوق بعض وبيوت تحت الأرض وأدراج كثيرة ولها منظر هائل، ويقال إن ذلك الهيكل كان لاستنزال الروحانيات لأن فيه أثر الدخن وفيه صور جميع الحيوانات وصور شاذة لا يعلم ما هي، وفي وسط المدينة هيكل عظيم مبني على سواري رخام، وقد صور

стр. 146

خارج حيطان هذا الهيكل من خارج صور جميع الحيوانات بأغرب ما يكون من التصوير، ويقال إنها كلها طلاسم قال بعضهم (١) : أعطاني إنسان من أهلها طلسماً وهو صورة أسدين س نحاس أحمر عجز الواحد منهما إلى عجز الآخر قد صورا أعجب ما يكون من التصوير، وكانت هذه البلدة لا يدخلها عقرب ولو أدخل فيها مات حتى حفر إنسان أساس دار فوجد قدر نحاس فيه عقارب من نحاس فسبكها وصرفها فيما احتاج إليه فدخلت العقارب المدينة وأضرت بالناس فيها. والمسكون اليوم من تبسا إنما هو قصرها وعليه سور من حجر جليل متقن العمل كأنما فرغ منه بالأمس، وهو حصن حصين، وفي مدينة تبسا أقباء تدخلها الرفاق بدوابهم أيام الشتاء، يسع القبو منها ألفي دابة وأكثر. وبقرب مدينة تبسا وادي ملاق وهو يقل في أيام الصيف وهو صعب المجاز كثير الدهس وعر المخاض، وعليه جبل يسمى قلب ملاق يرى على مسيرة أيام لعلوه وذهابه في الجو، وعلى مقربة من تبسا جبل يعرف بالمكتف (٢) وفي أعلاه مغارة لا يقدر على الوصول إليها لا من فوق الجبل ولا من أسفله، ويقال إن فيها مالاً عظيماً وإن الطير إذا نزلت في تلك المغارة أو طارت عنها سقطت منها دنانير كبار من ذهب نفيس، وهذا متعارف في تلك البلاد، وبمدينة تبسا بساتين كثيرة وفواكه عجيبة ويجود فيها الجوز حتى يضرب به المثل في إفريقية. تبريز (٣) : في خراسان من عمل أذربيجان. تبوك (٤) : بين الحجر وأول الشام، وشرب أهلها من عين ماء خرارة وبها نخيل كثير، ويقال إن أصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب النبي ﵇ كانوا بها، وكان شعيب من مدين. وتبوك أقصى أثر رسول الله ﷺ ، روي أنه جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بالقدح أي يدخلونه فيه ويحركونه ليستدير ماؤه، فقال ﷺ : " ما زلتم تبوكونها " فسميت تبوك، وفي تسع غزا رسول الله ﷺ الروم في تبوك فكانت أقصى أثره، وبنى بها مسجداً وهو بها إلى اليوم، وقصة تبوك مستوفاة في سيرة ابن إسحاق (٥) . تبت (٦) : في بلاد الترك، وهي مملكة متميزة من بلاد الصين والغالب عليهم حمير، رتبهم بعض التبابعة، ولهم حضر وبدو، وبواديهم ترك لا يقوم لهم أحد من بلاد الأتراك، وهم معظمون في سائر أجناس الترك لأن الملك كان فيهم في قديم الزمان، وعند سائر أجناس الترك أن الملك سيعود إليهم، وهم قوم يداخلون أهل فرغانة ويتجهزون بالحديد والفضة والحجارة الملونة والجلود النمرية والمسك التبتي المنسوب إليها، وهي مدينة على نشز عال، وفي أسفلها سور منيع، وملكها ينزل فيها، وتصنع بها ثياب غلاظ حسنة لدنة (٧) يباع الثوب منها بدنانير كثيرة لأنها حرير في قز، ويتجهز منها أيضاً بالرقيق والمسك إلى بلاد فرغانة وإلى بلاد الهند، وليس على معمور الأرض أحسن ألواناً ولا أرق بشراً ولا أجمل خلقاً ولا أنعم أبداناً من رقيق الترك، يسرق بعضهم أبناء بعض ويبيعونهم من التجار، وقد يبلغ ثمن الجارية منهن ثلثمائة دينار. ولبلد التبت خواص عجيبة في هوائه ومائه وأرضه وسهله وجبله، ولا يزال الإنسان به ضاحكاً فرحاً مسروراً لا تعرض له الأحزان ولا الهموم ولا الأفكار، ولا تحصى عجائب أنواع ثماره وزهره ومروجه وأنهاره، وهو بلد تقوى فيه طبيعة الدم على الحيوان الناطق وغيره من الحيوان، ولا تكاد ترى في هذه البلاد شيخاً حزيناً ولا عجوزاً بل الطرب في الشيوخ والكهول والشبان والأحداث عام، وفي أهله رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي بالمعاقرة وأنواع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يكاد يداخل أهله كثير حزن، ولهم تحنن كثير بعضهم على بعض، والتبسم فيهم عام. والمشهور أنه تبت بالتاء المثناة، وقال المسعودي (٨) : سمي هذا البلد بمن ثبت فيه ورتب له من رجال حمير فقيل ثبت لثبوتهم، وقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي بذلك في قصيدته التي يناقض فيها الكميت ويفخر بقحطان على نزار:

стр. 147

وهم كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الصين كانوا الكاتبينا وهم سموا سمرقنداً بشمر ... وهم غرسوا هناك الثبتينا وبلاد التبت متاخمة لبلاد الصين وأرضها من إحدى جهاتها ولأرض الهند وخراسان ومفاوز الترك، ولهم مدن وعمائر كثيرة ذوات منعة وقوة، وكانوا في قديم الزمان يسمون ملوكهم تبعاً بتبع ملك اليمن، ثم إن لغاتهم تغيرت عن الحميرية وحالت إلى لغة تلك البلاد بمن جاورهم من الأمم. والأرض التي بها ظباء المسك من التبتي والصيني أرض واحدة متصلة، وإنما بان فضل المسك التبتي على الصيني لأن ظباء التبت ترعى السنبل وأنواع الأفاويه وظباء الصين ترعى الحشيش، ولأن أهل التبت لا يعرضون لإخراج المسك من نوافجه ويتركونه على ما هو عليه، وأهل الصين يخرجونه من النوافج ويلحقه الغش بالدم وغيره، ولو سلم المسك الصيني من ذلك كله لكان كالتبتي، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظبي بعد بلوغه وتناهيه في النضج، والنافجة اسم فارسي معناه السرة، وأما ما يصاد من الظباء فتقطع منها نوافجها فإنه تكون فيه سهوكة فيبقى زماناً حتى تزول عنه تلك الرائحة، وإنما ذلك كالثمر إذا لم ينضج. وممن ينسب إلى تبت محمد بن محمد التبتي حدث بسنده أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة الجماعة على خمس وعشرين من صلاة الواحد، وصلاة التطوع حيث لا يراه أحد مثل خمس وعشرين صلاة على أعين الناس ". تثليث (١) : موضع في بلاد بني عقيل، وقيل تثليث واد بنجد وهو على يومين من جرش في شرقيها إلى الجنوب وعلى ثلاث مراحل ونصف من نجران إلى ناحية الشمال، وقالوا: وتثليث لبني زبيد وهم فيها إلى اليوم، وبها كان سكنى عمرو بن معدي كرب، وقال الشاعر (٢) : وراكب جاء من تثليث معتمر ... تخارستان: ويقال طخارستان بالطاء، من بلاد خراسان على مقربة من بلخ، وهي في مستو من الأرض، وهي كثيرة الأنهار والأشجار والجبال. تدمر (٣) : من مدن الشام بالبرية، أولية يقال إن الجن بنتها لسليمان ﵇، وإلى ذلك يشير قول النابغة: ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد ومن حلب إليها خمسة أيام وكذلك من دمشق إليها وكذا من الرقة إليها وكذا من الرحبة إليها، ولها حصون لا ترام يسكنها فلال الناس واليهود واباق العبيد، وإليها يقصد كل قاطع سبيل وحامل نهب، ومتاجرة أهل تدمر فيه، وجبل لبنان بالقرب من هذا الموضع. وكانت الزباء الملكة تصيف بتدمر وتربع بالنجار، وسميت بتدمر بنت حسان بن أذينة، وهي بنتها وفيها قبرها وإنما سكنها سليمان بعدها. وعن عبد الله القسري قال: كنت مع مروان بن محمد فهدم ناحية من تدمر فإذا جرن من رخام طويل فاجتمع قوم فقلبوا عنه الطبق وظن مروان أن فيه كنزاً، وإذا فيه امرأة على قفاها قد ألبست سبعين حلة ولها غدائر سابغة قد ردت على صدرها وفي بعضها صفيحة ذهب مكتوب فيها: أنا تدمر بنت حسان بن أذينة الملك خرب الله بيت من خرب بيتي. فما لبثنا إلا قليلاً حتى جاء عبد الله بن علي لقتل مروان. تدمير (٤) : من كور الأندلس سميت باسم ملكها تدمير ونسخة كتاب الصلح (٥) الذي صالحه عليه عبد العزيز بن موسى

стр. 148

نصير: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من عبد العزيز بن موسى ابن نصير لتدمير بن غندرس (١) أنه نزل على الصلح وأن له عهد الله وذمته وذمة نبيه ﷺ ألا يقدم له ولا لأحد من أصحابه ولا يؤخر ولا ينزع من ملكه، وانهم لا يقتلون ولا يسبون ولا يفرق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم ولا يكرهوا على دينهم ولا تحرق كنائسهم، ولا تشع عن ملكه ما تعبد ونصح وأدى الذي اشترطنا عليه، وأنه صالح على سبع مدائن اوريولة وبلنتله ولقنت ونوله (٢) وبلانة (٣) ولورقة وأله (٤) ، وأنه لا يؤوي لنا آبقاً ولا يخيف لنا آمناً ولا يكتم خبر عدو، وأن عليه وعلى أصحابه ديناراً كل نسمة (٥) وأربعة أمداد شعير وأربعة أقساط طلا وأربعة أقساط خل وقسطي عسل وقسطي زيت، وعلى العبد نصف ذلك، وكتب في رجب سنة أربع وتسعين من الهجرة. تدلس (٦) : مدينة كبيرة بحرية بين بجاية والجزائر وبينها وبين مرسى الدجاج أربعة وعشرون ميلاً وهي على شرف متحصنة لها سور حصين وآثار ومتنزهات، وبها من رخص الفواكه والأسعار والمطاعم والمشارب ما لا يوجد في غيرها، والبقر والغنم بها موجودة كثيرة رخيصة الأثمان، وبينها وبين بجاية في البر تسعون ميلاً، وكان يحيى بن إسحاق الميورقي دخلها دخلة منكرة وفعل فيها أفعالاً مشهورة بالتخريب وهتك الأستار. ترمذ (٧) : في خراسان، منها الترمذي محمد بن عيسى بن سورة الحافظ صاحب كتاب " الجامع " توفي سنة سبع وتسعين ومائتين، وترمذ على الضفة الشرقية من جيحون وهو يضرب سورها، ولها ربض كبير يحيط بها، ودار الإمارة في قصرها، ولها أسواق وعمارات، وأسواقها في مدينتها، وهي مدينة حسنة عامرة آهلة مفروشة الأزقة في الشوارع بالآجر، وهي فرضة لتلك النواحي التي على جيحون، وشرب أهلها من جيحون، وبينها وبين بلخ مرحلتان وبينها وبين مدينة الصغانيان خمس مراحل، وهي أكبر من الترمذ، والترمذ أكثر أهلاً. وفي سنة إحدى عشرة وستمائة سار خوارزم شاه بجموعه الكثيفة إلى صاحب الترمذ وراء نهر جيحون حتى أخذه وقتله كما فعل بصاحب الباميان واستولى على بلادهما ولم يبق له في تلك الجهات من ملوك الإسلام مجاور، وصار كلما فتح مملكة ولى عليها مملوكاً من مماليكه فخلت الممالك من الذخائر وعدمت تدبير الملوك وصار ذلك توطئة لخراب البلاد. ترشيش: هو اسم لتونس، ونؤخر الكلام عليها إلى موضع ذكر تونس إذ هو الاسم الأشهر لها. ترنكة (٨) : من بلاد السودان تلي مدينة قلنبو (٩) ، وترنكة مدينة كبيرة على نظر (١٠) واسع، وبها تصنع الأزر المسماة بالشنكيات (١١) وهي من القطن، وليس بهذه المدينة قطن كثير وإنما هو مجلوب إليها وهم يتبركون بشجره، فقل ما عندهم منزل ولا دار إلا وفيه شجرة قطن. وحكم أهل هذه البلاد في السارق أن يخير صاحب السرقة في بيع السارق أو قتله، وحكمهم في الزاني أن يسلخ من جلده. ومن مدينة ترنكة تصل بلاد السودان إلى بلد راكنو (١٢) وهم من البرابر وهم يعبدون ثعباناً عظيماً له عرف وذنب ورأسه كرأس البخت، وهو في مغارة في أصل جبل وعلى فم المغارة عريش وحوله مواضع يتعبدون فيها لذاك الثعبان، ويعلقون نفيس الثياب والمتاع على تلك المغارة، ويصنعون لذلك الثعبان جفان الطعام وعساس اللبن والشراب، فهم إذا أرادوا خروجه إلى ذلك العريش تكلموا كلاماً معلوماً عندهم وصفروا تصفيراً كذلك فيبرز إليهم، فإذا هلك وال من ولاتهم جمعوا أولاده إن كان له ولد ومن يصلح للملك بعده وقربوهم من ذلك الثعبان فلا يزال يشمهم رجلاً رجلاً حتى ينفخ أحدهم بأنفه، ثم يولي ذلك الثعبان راجعاً إلى مغارته فيتبعه ذلك الرجل والثعبان مسرعاً إلى المغارة والرجل يجهد في الجري خلفه بأشد ما يقدر عليه فيجذب من ذنبه أو عرفه شعرات فتعد

стр. 149

ويعلمون أنه يملك قومه عدد تلك الشعرات سنين لا يخطئهم ذلك بزعمهم، وهذه سنة استنتها ركاكة عقولهم، عصمنا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن (١) . ترنوط (٢) : فحص على ستة أميال من المدينة منه زاحف أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار المهدية وبه كانت محلته أيام حصاره لها، وفي كتب الحدثان: إذا ربط الخارجي خيله بترنوط لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط - أهل السواد أهل الساحل -، وفيها: ويل لأهل السواد من مخلد بن كيداد. توبوت (٣) : في بلاد كتامة مدينة بقرب تيجس ويسمى هذا الطريق بالجناح الأخضر. ترجالة (٤) : مدينة بالأندلس كالحصن المنيع لها أسوار وأسواق عامرة وخيل ورجل يقطعون أعمارهم في الغارات على بلاد الروم والأغلب عليهم التلصص والخداع. وفي سنة ثلاثين وستمائة نزل الروم على ترجالة فحاصروها، فخرج إليهم محمد بن يوسف بن هود طامعاً في انتهاز فرصة فيهم فلم يمكنه ذلك فرحل إلى اشبيلية وأخذ منها ميراً حمله إلى ترجالة فجاءه الخبر بأخذ الروم لها فرجع إلى اشبيلية. وكان تملك الروم لترجالة في ربيع الأول من هذه السنة. تطيلة (٥) : مدينة بالأندلس في جوفي وشقة، وبين الجوف والشرق من مدينة سرقسطة، ويطيف بجنات تطيلة نهر كالش، وهي من أكرم تلك الثغور تربة يجود زرعها ويدر ضرعها وتطيب ثمرتها وتكثر بركتها، وأهل تطيله لا يغلقون أبواب مدينتهم ليلاً ولا نهاراً قد انفردوا بذلك من بين سائر البلاد. ومن الغرائب المستطرفة أنه كان بتطيلة، بعد الأربعمائة من الهجرة أو على رأسها، امرأة لها لحية كاملة كلحى الرجال وكانت تتصرف في الأسفار وسائر ما يتصرف فيه الناس فلا يؤبه لها حتى أمر قاضي الناحية بنسوة من القوابل بالنظر إليها، وأحجمن عن تلك المعاينة من منظرها فألزمهن النظر إليها فإذا بها امرأة كسائر النساء، فأمر القاضي بحلق لحيتها وأن تتزيا بزي النساء ولا تسافر إلا مع ذي محرم. ومن بنات تطيلة مدينة طرسونة، ومن تطيلة الشاعر المجيد التطيلي الأعمى صاحب القصيدة المشهورة التي أولها (٦) : ألا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان تكريت (٧) : بالعراق بين دجلة والفرات، وقيل هي من كور الموصل، من سر من رأى إلى تكريت، وهي مدينة قديمة كبيرة واسعة الأرجاء جميلة الأسواق كثيرة المساجد غاصة بالأهل، أهلها أحسن أخلاقاً وقسطاً في الموازين من أهل بغداد، ودجلة منها في جوفها ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة ويطيف بالبلد سور، وهي من المدن العتيقة، وهي على شاطئ دجلة في الجانب الغربي ينزلها قوم يقال لهم الجرامقة وبها تجار مياسير، ومنها تأخذ فوهة النهر الإسحاقي (٨) الذي حفره المعتصم إلى الضياع التي استنبطها في الجانب الغربي بسر من رأى، وبين تكريت والموصل ثلاث مراحل، والغالب على أهل تكريت أنهم نصارى وأبنيتهم بالجص والآجر، ومن تكريت يشق نهر دجيل الآخذ من الدجلة فيشق ربضها ويمر إلى سواد سر من رأى فيعبره إلى قرب بغداد. قال الخبريون (٩) : كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵄ باجتماع أهل الموصل إلى الانطاق وإقباله بهم إلى تكريت حتى نزل بها وخندق عليه ليحموا أرضه، فأمر عمر سعداً ﵄ أن يسرح إلى الانطاق عبد الله بن المعتمر (١٠) ففصل إليه عبد الله من المدائن في آلاف، فسار إلى تكريت حتى

стр. 150

نزل على الأنطاق ومعه الروم وتغلب وإياد والنمر (١) وقد خندقوا فحصرهم أربعين يوماً وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفاً في كلها يهزم الله تعالى المشركين ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم، فلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن. وقد كان عبد الله بن المعتمر وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالاً من تغلب وإياد والنمر فكانوا لا يخفون عنه شيئاً، فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلته الروم وسألوه للعرب السلم وقد أخبروه أنهم قد استجابوا، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ وأقروا بما جاء به من عند الله ثم أعلمونا رأيكم (٢) ، فردوا إليه رسله بالإسلام، فأرسل إليهم إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التي تل ينا لندخل عليهم منها فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة (٣) وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه، فانطلقوا حتى واطأوهم على ذلك، ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم أن المسلمين أتوهم من خلفهم فابتدروا الأبواب التي أمامهم، فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبليهم وسيوف الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر، واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء الله عليهم على أن لكل سهم ألف درهم: للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولي حرب الموصل ربعي بن الأفكل والخراج عرفطة (٤) بن هرثمة. وقد ملح بعض المتأخرين في تسفيه رأي أميره والتهكم به في رميه الغرض الأقصى وهو مقصر عن أدناه في قوله (٥) : تكريت تعجزنا ونحن لسخفنا ... نمضي لنأخذ ترمذاً من سنجر والحيص بيص أمير جمع وافر ... وأنا بشعوذتي طبيب العسكر تكرو (٦) : مدينة بالمغرب بينها وبين البحر نحو عشرة أميال، وهي بين رواب وجبال ولها نهران أحدهما يعرف بتكرو، به سميت ومخرجه من الجبل الذي ينبعث منه النهر المعروف بورغه، وهو نهر كبير من أنهار المغرب. ومدينة تكرو كثيرة البساتين طيبة الفواكه لا يوجد في بلد مثل رمانها وكمثراها، وهي قديمة افتتحها سعيد بن ادريس بن صالح الحميري المعروف بالعبد الصالح في أيام الوليد بن عبد الملك قبل دخول موسى بن نصير، وعلى يديه أسلم بربر تلك الجهات ثم ارتدوا ولما تثبت عليهم شرائع الإسلام، وتجاور جبل غمارة. تكرور (٧) : مدينة في بلاد السودان بقرب مدينة صنغانة على النيل، وهي أكبر من مدينة سلى وأكثر تجارة، وإليها يسافر أهل المغرب الأقصى بالصوف والنحاس والخرز ويخرجون منها بالتبر والخدم، وطعام أهل سلى وأهل تكرور السمك والذرة والألبان، وأكثر مواشيهم الجمال والمعز، ولباس عامة أهلها الصوف وعلى رؤوسهم كرازي الصوف ولباس خاصتهم القطن والمآزر، ومن مدينة سلى وتكرور إلى سجلماسة أربعون يوماً بسير القوافل وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة الصحراء أزقى وبينهما خمس وعشرون مرحلة. تل (٨) : من بلاد الجزيرة بقرب مدينة سميساط، وهي كبيرة آهلة وأهلها أنباط، وبها سوق عظيمة، وهي كثيرة الكروم والزروع. تلعفر: هي مدينة مصاقبة لسنجار منها الموفق التلعفري مظفر بن محمد كان متفنناً في العلوم القديمة والحديثة رقيق الشعر، وكتب من شعره على تقويم صنعه لقطب الدين صاحب سنجار:

стр. 151

تضمن حسبان مجرى النجوم ... وكاد يبوح بسر الفلك فما كان شراً فللحاسدين ... وما كان خيراً وبشرى فلك تلمسان (١) : قاعدة المغرب الأوسط، وحد المغرب الأوسط من واد يسمى مجمع وهو في نصف الطريق من مدينة مليانة إلى أول بلاد تازا من بلاد المغرب، وبلاد المغرب في الطول والعرض من البحر الذي على ساحله مدينة وهران ومليلة وغيرهما إلى مدينة سول (٢) وهي مدينة في أول الصحراء وهي على الطريق إلى سجلماسة وواركلان وغيرهما من بلاد الصحراء. ومدينة تلمسان مدينة عظيمة قديمة فيها آثار للأول كثيرة تدل على أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة، وبينها وبين وهران مرحلتان وهي في سفح جبل أكثره شجر الجوز وكان لها ماء مجلوب من عمل الأول من عيون تسمى لوريط (٣) بينها وبين المدينة ستة أميال، ولها نهر كبير يسمى سطفسيف. وكانت تلمسان دار مملكة زناتة في هذه العصور القريبة وحواليها قبائل كثيرة من زناتة وغيرهم من البربر. وهي كثيرة الخصب والرخاء كثيرة الخيرات والنعم، ولها قرى كثيرة وعمائر متصلة ومدن كثيرة ترجع إلى نظرها. ولها خمسة أبواب ثلاثة منها في القبلة: باب الحمام وباب وهيب (٤) وباب الخوخة وفي الشرق باب العقبة وفي الغرب باب أبي قرة، وفيها بقية من النصارى ولهم بها كنيسة معمورة. ولها (٥) سور متقن الوثاقة، وهي مدينتان في واحدة، ولها نهر يأتيها من جبلها المسمى الصخرتين ونهر شرقي المدينة وعليه أرحاء كثيرة، ومزارعها كثيرة وفواكهها جمة ولحومها شحمة، ولم يكن في بلاد المغرب بعد أغماك وفاس أكثر من أهلها أموالاً ولا أرفه حالاً وفاس أكبر من تلمسان نظراً وأجل قدراً وأكثر خيراً ومالاً وأعلى همة في المباني واتخاذ الديار الحسنة. ومدينة تلمسان أول بلاد المغرب، وهي على طريق الداخل والخارج منه ولا بد من الاجتياز عليها على كل حال. ونزلها (٦) محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، ومن ولده عيسى أبو العيش بن ادريس بن محمد بن سليمان الذي بنى جراوة وكان أميرها وبها توفي. ولم تزل تلمسان داراً للعلماء والمحدثين وأهل الرأي على مذهب مالك. وفي الجنوب من تلمسان قلعة ابن الجاهل وهي قلعة منيعة كثيرة الثمار والأنهار ويتصل بها جبل تارني وهو وما يليه جبال مصمودة، وهو جبل كبير معمور فيه القرى الكثيرة والعمائر المتصلة. وفي الشمال من مدينة تلمسان قرية كبيرة تسمى باب القصر فوقها جبل يسمى جبل الفضل (٧) ينبعث من أسفله نهر سطفسيف ويصب في بركة عظيمة من عمل الأول ويسمع لوقوعه فيها خرير شديد هائل على مسافة ثم ينبثق من تلك البركة بحكمة مدبرة إلى موضع يسمى المهراز (٨) فيسقي هناك مزارع وأولاجاً كثيرة تسمى أولاج الجنان (٩) وتلك المواضع من أجل بقاع تلك البلاد ثم يصب في نهر تافنا وهو النهر المتصل بمدينة أرشقول، ولتلمسان فحص طوله خمسة وعشرون ميلاً، ومدينة أرشقول على نهر تافني يقبل من قبليها ويسير بشرقيها، تدخل فيه السفن اللطاف من البحر إلى المدينة، وبينهما ميلان. وكان هذا الغرب الأوسط قد تملكه العلويون (١٠) من بني ادريس وتسموا بالخلافة، ولم تزل تلمسان على قديم الزمان مخطوبة مرغوباً فيها، وكانت امتنعت على عبد المؤمن بن علي فتوجه إليها بالعساكر صاحبه الشيخ المعظم أبو حفص صاحب الإمام المهدي، فنزل عليها وحاصرها حتى فتحها غب مطاولات ومجاولات، وبعد لأي ما انقادوا وحسنت طاعتهم وذلك في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وقصدها (١١) يحيى بن إسحاق في سنة خمس وستمائة لما والى صاحب إفريقية عليه الهزائم الإفريقية ويئس منها وقال لأصحابه:

стр. 152

ما بقي لكم طمع فيها فهلموا إلى بلاد المغرب ففيه ما يجبركم، فوصل في هذه السنة بحشوده إثر الوقيعة التي كانت عليه بوادي الدبوسي من سفح جبل نفوسة مع الشيخ المجاهد أبي محمد عبد الواحد قاصداً إلى صاحب تلمسان موسى بن يوسف بن عبد المؤمن، وخرج إليه موسى بجموعه ومن صحبه من فرسان زناتة فالتقوا بتاهرت في شوال سنة خمس المذكورة، فانهزم أصحاب موسى وأخذهم السيف وأثخن فيهم وقتل موسى وأسر أحد أولاده، وأحاط يحيى بن إسحاق بعسكره ولم تبق له باقية، وكان هذا اليوم من غرر أيام يحيى شفى فيه غيظه وأخذ بثأره وانصرف ظافراً غانماً، وبقي ولد موسى أسيراً في يد الأعراب حتى فداه صاحب إفريقية، وفقد من محلة موسى نحو من ألف وسبعمائة إنسان، وانبسطت جموع يحيى في تلك الجهات وعاثوا فيها وارتاع أهل تلمسان وأغلقوا بابهم وأذهلتهم فجأة هذا الأمر، ودام عيث أصحاب يحيى في أقطارها وجهاتها حتى امتلأت أيديهم بالأسباب والأمتعة والأموال، فكانت هذه الوقيعة شبيهة بوقيعة عمرة الكائنة في مدة المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن. ولما بلغ الملك الناصر بمراكش خبر هذه الوقيعة ومقتل موسى وجه أبا زيد بن يوجان (١) وزير أبيه في عسكر في طلب هذا العدو وقد انكمش لائذاً بصحراء طرابلس. وكان (٢) صاحب تلمسان يغمراسن بن زيان من بني عبد الوادي قد تمادى في غيه ونبذ طاعة ملك إفريقية الأمير أبي زكريا وأعلن بالخلاف فتحرك إليه من تونس في عساكره وحشوده، فخرج من تونس في السادس والعشرين من شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة، وجعل يتلوم عليه ويأمر من يندبه إلى مراجعة الطاعة إلى أن انتهى إلى تلمسان فنزل عليها، فكان بنو عبد الوادي يخرجون كل يوم فيطاردون العسكر ثم يرجعون إلى مدينتهم، وصابروهم إلى أن ضاق مجالهم وانحجزوا في مدينتهم ورجعوا إلى النشاب وأغلقوا الأبواب فأحرق بعضها ودخلت عليهم البلدة عنوة وخرج يغمراسن من أحد أبوابها فاراً لا يلوي على شيء، وملك الأمير أبو زكريا البلد وأنهبها ثم أمنها بعد ذلك، وعفا عن الناس، ثم عفا عن يغمراسن وأمنه وأذن له في الرجوع إلى بلده، وكان فتحها في العاشر من صفر سنة أربعين وستمائة، وخافه صاحب مراكش يومئذ عبد الواحد بن أبي العلا ادريس بن المنصور يعقوب الملقب بالرشيد، وكان بمراكش يوم تحقق دخوله في طريق إفريقية أفراح عظيمة، وقالت الشعراء في ذلك وأكثرت، من ذلك قول الأديب الكاتب أبي عبد الله محمد بن الأبار من قصيدة: دنت غمرات الموت من يغمراسن ... فأجفل كالخرقاء يعتسف الخرقا فأين الذي كان ادعى من زعامة ... لمعشره يا شد ما اجتنب الصدقا وفروا وكان المكر فيهم سجية ... ومن ذا يطيق الطعن والضرب والرشقا سلا عن سلا هل طلها العارض الذي ... أطل على مراكش يحمل الصعقا وهل سكنت فاس وسبتة بعده ... أم اصطكتا كالخافقين له خفقا وهل أخذت روم الجزيرة حذرها ... من الفتكة النكراء تمحقهم محقا لفتح تلمسان على الشرك عنوة ... أشق بحكم القسر منه على الأشقى رمت للإمام المرتضى بقيادها ... فأحرزها علقاً وأوسعها عتقا وأسرف أهلوها معاصي أوبقت ... فما زاد أن أغضى حناناً وأن أبقى تماجر (٣) : بين القيروان والمهدية من القيروان إليها مرحلة، وتماجر كبيرة آهلة بها جامع وأسواق وفنادق وحمام وماؤها زعاق، وفي وسطها غدير ماء وحولها غابة زيتون وأعناب، وبين تماجر والمهدية الوادي المالح الذي كانت فيه الوقيعة المشهورة بين أبي يزيد وأبي القاسم (٤) قتل فيها من أصحاب أبي القاسم عدد لا يحصى، وهي مدينة كبيرة قديمة.

стр. 153

تنور: قال المفسرون في قوله تعالى: " وفار التنور " كان في موضع مسجد الكوفة اليوم، وانظر ما قاله المفسرون في ذلك (١) . تنيس (٢) : من مدن مصر، وهي مدينة كبيرة أولية فيها آثار كثيرة للأول، وأهلها ذوو يسار وثروة وأكثرهم حاكة وبها تحاك ثياب الشروب التي لا يصنع مثلها في الدنيا، ويصنع فيها لصاحب مصر قميص لا يدخل فيه من الغزل سدى ولحمة غير أوقيتين وينسج (٣) من الذهب أربعمائة دينار قد أحكمه صانعه حتى لم يخرج إلى تفصيل ولا خياطة غير الجيب واللبات تبلغ القيمة فيه ألف دينار، وكذلك إلى الآن يصنع لكل ملك يملك مصر هذا الثوب في كل عام ويسمى هذا القميص البدنة، وليس في جميع الدنيا طراز ثوب كتان يبلغ الثوب منه وهو ساذج دون ذهب مائة دينار عيناً غير طراز تنيس ودمياط. ويسكن بجزيرة تنيس ودمياط نصارى تحت الذمة. وأهل تنيس يصيدون السمانى وغير ذلك من الطير على أبواب دورهم، والسمانى طائر يخرج من البحر فيقع في تلك الشباك، ويقال (٤) إن بحيرة تنيس بها كانت الجنتان المذكورتان في القرآن كانتا لرجلين أحدهما مؤمن والآخر كافر فافتخر الكافر بكثرة ماله وولده فقال له أخوه: ما أراك شاكراً على ما رزقت، فنزع ذلك منه، ويقال إنه دعا عليه فغرق الله تعالى جميع ما كان للكافر في البحر حتى كأنها لم تكن في ليلة واحدة. وهذه البحيرة قليلة العمق يسار فيها بالمعادي وتلتقي فيها السفينتان هذه صاعدة وهذه نازلة بريح واحدة وقلع كل واحدة منهما مملوء بالريح، سيرهما في السرعة مستو، وكانت تنيس أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها ثماراً وفاكهة، وكانت مقسومة بين ملكين أخوين كان أحدهما مؤمناً والآخر كافراً، فأنفق المؤمن أمواله في وجوه البر حتى باع من أخيه الكافر حصته من تنيس وزاد فيها الكافر غروساً وأنهاراً وبنى فيها مصانع فاحتاج أخوه إلى ما في يده فمنعه وسطا عليه بماله وحشمه واحتقره لفقره، فقال له أخوه المؤمن: ما لي أراك غير شاكر لله تعالى على ما رزقك ويوشك أن ينتزع ذلك منك ويغير نعمته عندك، فأرسل الله تعالى على جناته ومصانعه الماء فأصبحت خاوية على عروشها فهما اللذان عنى الله في سورة الكهف: " واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً " إلى آخر الآية، وتركب السفن من تنيس إلى الفرما وهي على ساحل البحر. وحكى الحافظ محمد بن طاهر المقدسي (٥) وكان أحد الرحالين في طلب الحديث والحذق بالتصنيف قال: أقمت في تنيس مدة أقرأ على أبي محمد الحداد ونظرائه فضاقت حالي ولم يبق معي غير درهم وكنت في ذلك اليوم أحتاج إلى خبز وأحتاج إلى كاغد وكنت أتردد إن صرفته في الخبز لم يكن لي كاغد، وإن صرفته في الكاغد لم يكن لي خبز، ومضى على هذا ثلاثة أيام بلياليها لم أطعم فيها، فلما كان بكرة اليوم الرابع قلت في نفسي: لو كان في اليوم كاغد لم يمكني أن أكتب فيه شيئاً لما بي من الجوع، فجعلت الدرهم في فمي وخرجت لأشتري الخبز فبلعته، ووقع علي الضحك، فلقيني بعض الناس فقال لي: ما أضحكك؟ قلت: خير، فألح علي فأبيت أن أخبره، فحلف بالطلاق لتصدقني فأخبرته، فأخذ بيدي وأدخلني منزله وتكلف لي طعمة، فلما كان وقت الظهر خرجت أنا وهو إلى الصلاة فاجتمع به بعض وكلاء عامل تنيس يعرف بابن قادوس فسأله عني وقال: إن صاحبي منذ شهر أمرني أن أوصل إليه في كل يوم عشرة دراهم قيمتها ربع دينار وسهوت عنه، فأخذت منه ثلثمائة درهم وكان بعد ذلك يصلني ذلك المقدار إلى أن خرجت إلى الشام. وفي خبر (٦) ابن طولون صاحب مصر أنه لما استدعى القبطي الذي كان ساكناً بصعيد مصر وسأله عن بحيرة تنيس ودمياط قال: كان موضع البحيرة أرضاً لم يكن بديار مصر مثلها في طيب

стр. 154

التربة وزكاء الريع، قال: وكانت جناناً متصلة ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبه الفيوم إلا هي وحدها، وكانت أكثر فاكهة منه وكان الماء ينحدر إلى قرى موضع البحر صيفاً وشتاء يسقون منه متى شاءوا، وفضل الماء ينصب في البحيرة. وكان بين العريش وقبرس طريق مسلوكة في تنيس وبينهما اليوم سير طويل في البحر، فلما كان قبل افتتاح المسلمين البلاد المصرية بمائة سنة طغى ماء البحر وزاد فأغرق القرى التي كانت في موضع البحيرة فما كان منها في البقاع المرتفعة، فهي باقية إلى الآن وقد أحاط بها الماء. وأذكر حكايته في حرف الصاد في رسم صعيد وبقية الخطاب في قصة له هي مذكورة هناك (١) . تنس (٢) : مدينة بقرب مليانة بينها وبين البحر ميلان، وهي مسورة حصينة وبعضها على جبل وقد أحاط به السور، وبعضها في سهل الأرض، وهي قديمة أزلية، وشرب أهلها من عين بها، وبها فواكه وخصب وإقلاع وانحطاط، ولها أقاليم وأعمال ومزارع، وبها حنطة ممكنة وسائر الحبوب بها موجودة، ويخرج عنها إلى كل الآفاق في المراكب وبها من السفرجل الطيب مما لا يوجد في غيرها، وداخلها قلعة صعبة المرتقى ينفرد بسكناها عامل تنس لمنعتها، وبها مسجد جامع وأسواق جميلة (٣) كثيرة وهي على نهر يسمى نتاتين (٤) يأتيها من جبال على مسيرة يوم فيأتيها من القبلة ويستدبرها من جهة الشرق والجوف، ويصب في البحر، وبها حمامان (٥) وهي كثيرة الزرع رخيصة الأسعار منها يحمل الطعام إلى الأندلس وإلى أكثر بلاد إفريقية والمغرب لكثرة الزرع عندهم ولكنها وبيئة يكاد من يدخلها لا يسلم من المرض وكثيراً ما يموت بها الغرباء، وتنس هذه هي التي تسمى الحديثة، وعلى البحر حصن يذكر أهل تنس أنه كان المعمور قبل هذه الحديثة، وتنس الحديثة أسسها وبناها البحريون من أهل الأندلس سنة اثنتين وستين ومائتين، ولها بابان إلى القبلة وباب البحر وباب ابن ناصح وباب الخوخة ويخرج منه إلى عين تعرف بعين عبد السلام ثرة عذبة، وفيها يقول الشاعر: أيها السائل عن أرض تنس ... بلد اللؤم لعمري والدنس بلدة لا ينزل القطر بها ... للندى في أهلها حرف درس فصحاء النطق في لا أبداً ... وهم في نعم بكم خرس فمتى يلمم بها جاهلها ... يرتحل عن أرضها قبل الغلس ماؤها من قبح ما خصت به ... نجس يجري على أرض نجس فمتى تلعن بلاداً مرة ... فاجعل اللعنة دأباً لتنس ومن تنس علي بن الملثم التنسي، جيء به إلى المعتمد والي دمشق وادعي عليه أنه كشف وجه غلام جميل من أبناء عمال الديوان وقد خرج من الحمام فقبله فهم الوالي بضربه، فقال: لا تعجل علي حتى تسمع ما قلت، ثم أنشد: أتواني حملت في الفلك الدا ... ئر أم جال بي كرى من خيال أم تعالت أرض وحطت سماء ... أم رقى الجن بي لأقصى منال بيدي هذه كشفت حجاب ال ... سجف حتى لثمت وجه الهلال فاستظرفه وسأل والد الغلام فخلى سبيله. التنعيم (٦) : موضع بين مر وسرف، بينه وبين مكة فرسخان، وإنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمينه يقال له نعيم والذي عن يساره يقال له ناعم، والوادي نعمان. ومن التنعيم يحرم من أراد العمرة. وهو الذي أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن

стр. 155

أبى بكر ﵄ أن يعمر منه عائشة ﵂ فقال: " يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة فاعمرها من التنعيم، فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنها عمرة متقبلة ". وفي الخبر أن ابن الزبير ﵄ لما فرغ من بناء الكعبة خلقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها وكساها القباطي وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل ومن لم يقدر على بدنة فليذبح شاة، وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكراً لله ولم ير يوم كان أكثر عتيقاً وعتيقة ولا أكثر بدنة منحورة ولا شاة مذبوحة ولا صدقة مبذولة من ذلك اليوم ونحر ابن الزبير ﵄ مائة بدنة، فلما طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعاً وقال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي والغربي لأن البيت لم يكن على قواعد إبراهيم، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير ﵄ حتى قتل، ودخل الحجاج مكة فهدم منه ست أذرع بإذن عبد الملك وشبراً مما يلي الحجر، وبناها على أساس قريش وسد الباب الذي في ظهرها وترك سائرها، وآخر من زاد في الكعبة كرمها الله، المهدي سنة أربع وستين ومائة، فهي على ذلك إلى الآن. تنومة (١) : جزيرة من جزر الهند عامرة لباس أهلها الأزر، وبها مياه عذبة وأرز وقصب سكر ونارجيل، وبها مغايص الجوهر (٢) وبها يوجد العود الهندي والكافور، وأصول العود تستخرج في وقت لا يكون في غيره بعد أن يتقدم في قطع أغصانه قبل ذلك بأشهر ثم ينحت أعلاها ويزال رخوها وتؤخذ قلوبها الصلبة فتجرد بالاسكرفاج وهو مبرد العود حتى تنقى ثم تجرد بالزجاج ثم توضع في أوعية الخيش وتصقل صقلاً كثيراً ثم تخرج من تلك الأوعية وتباع من التجار الواصلين هناك ويخرجه التجار إلى جميع البلاد. تعشار (٣) : قيل فيه تعشار بكسر أوله وروي فيه الفتح، موضع في بلاد بني تميم وقيل جبل في بني ضبة، وقيل ماء لبني ضبة بنجد وقيل تعشار أرض لكلب، وأنشد للنابغة: وبنو جذيمة حي صدق سادة ... غلبوا على خبت إلى تعشار وحدث لبطة بن الفرزدق عن أبيه قال: خرجنا حجاجاً فلما كنا بالصفاح إذا بركب عليهم اليلامق ومعهم الدرق، فلما دنوت منهم إذا بالحسين فقلت: أين أبو عبد الله؟ قال: يا فرزدق ما وراءك قلت: أنت أحب الناس إلى الناس والعطاء في السماء، والسيوف مع بني أمية. قال: ودخلنا مكة فقلنا لعبد الله بن عمرو خبر حسين فقال: إما إنه لا يحيك فيه السلاح، قال: ثم خرجنا إلى موضع يقال له تعشار فجعلنا لا يمر بنا ركب إلا سألناه عن حسين، حتى مر بنا ركب فناديناهم: ما فعل حسين؟ قالوا: قتل، فقلت: فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل قال سفيان: ذهب الفرزدق إلى غير المعنى، إنما معنى لا يحيك فيه السلاح أي لا يضره القتل مع ما قد سبق له. تفليس (٤) : أول حدود أرمينية بينها وبين قالي قلا أربع مراحل، وهي على نهر، وبها سوران من طين، وهي في غاية من الرفه والخصب، وأهلها أهل مروات ولها حمامات مثل حمامات طبرية مياهها حامية من غير أن يوقد عليها نار، أسعارها رخيصة والعسل والسمن بها كثيران جداً. وفي سنة ثمان عشرة وستمائة استولى الططر على مدينة تفليس وكانت قبل للمسلمين وأكثر منازلها من خشب فأطلقوا فيها النار حتى صارت جمرة واحدة. تقيوس (٥) : في بلاد قسطيلية، وهي أربع مدن متقاربة عليها أسوار يكاد يكلم بعض أهلها بعضاً لتقاربها، ولهم غابات كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه وهي أكثر بلاد قسطيلية زيتوناً وأكثر جباية وفيها العيون الكثيرة العذبة والمياه السائحة. وبينها (٦) وبين الحمة عشرون ميلاً وهي مدينة عامرة بها

стр. 156

غلات الحناء والكمون والكراويا وبها تمر حسن وجملة بقول طيبة. وكان أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار الخارج على بني عبيد الله الشيعي في بلاد المغرب ينزل تقيوس في أول أمره ويعلم أطفالهم القرآن على بابها. تستر (١) : مدينة بالأهواز بينها وبين عسكر مكرم ثمانية فراسخ، وفتحها أبو موسى الأشعري ﵁، وبينها وبين مدينة سابور ثمانية فراسخ، وهي مرتفعة الأرض والماء يرتفع في الشاذروان إلى بابها، وبها وجد أبو موسى الأشعري ﵁ قبر دانيال وكان أهل الكتاب يديرونه بينهم على مجامعهم يتبركون به ويستسقون به المطر إذا أجدبوا وأخذه أبو موسى ﵁، وشق النهر إلى أعلى باب السوس خلجانات جعل فيها ثلاثة قبور مطوية بالآجر ودفن تابوته في أحد القبور ثم استوثق منها كلها وعماها ثم فتح عليها الماء حتى اختلط الثرى الكثير على ظهور القبور هناك. ومن أهل تستر كان نافع مولى عبد الله بن عمر ﵄ أصابه عبد الله في غزواته ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقال: دخلت مع ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر ﵃ فأعطي في اثني عشر ألفاً فأبى أن يبيعني وأعتقني أعتقه الله من النار. وكان (٢) أبو موسى الأشعري ﵁ سار بعد فتح الأهواز والسوس إلى تستر وبها شوكة العدو وحده وكتب إلى عمر ﵁ يستمده، فكتب عمر إلى عمار بن ياسر ﵁ يأمره بالمسير إليه في أهل الكوفة، فقدم عمار جرير بن عبد الله البجلي ﵁ وسار أبو موسى ﵁ حتى أتى تستر وعلى ميمنته البراء بن مالك وعلى ميسرته مجزأة بن ثور السدوسي وعلى الخيل أنس بن مالك ﵁ وعلى ميمنة عمار البراء ابن عازب الأنصاري ﵄ وعلى الميسرة حذيفة بن أبي اليمان ﵁ وعلى خيله قرظة بن كعب الأنصاري وعلى رجالته النعمان بن مقرن المزني، فقاتلهم أهل تستر قتالاً شديداً وحمل أهل الكوفة وأهل البصرة حتى بلغوا باب تستر، فقاتلهم البراء بن مالك على الباب حتى استشهد ﵁، ودخل الهرمزان وأصحابه المدينة بشر حال وقد قتل منهم في المعركة تسعمائة وأسر ستمائة وضربت أعناقهم بعد وكان الهرمزان قد حضر وقعة جلولاء مع الأعاجم، ثم إن رجلاً من الأعاجم استأمن إلى المسلمين على أن يدلهم على عورة العدو، فأسلم واشترط أن يفرض له ولولده، فعاقده أبو موسى على ذلك، ووجه معه رجلاً من بني شيبان يقال له أشرس بن عوف فخاض به دجيلاً على عرق (٣) من حجارة ثم علا به المدينة وأراه الهرمزان ثم رده إلى العسكر، فندب أبو موسى ﵁ أربعين رجلاً مع مجزأة بن ثور وأتبعهم مائتي رجل وذلك في الليل والمستأمن يتقدمهم فأدخلهم المدينة فقتلوا الحرس وكبروا على سور المدينة، فلما سمع ذلك الهرمزان هرب إلى قلعته وكانت موضع خزانته وأمواله، وعبر أبو موسى ﵁ حين أصبح حتى دخل المدينة فاحتوى عليها، وجعل الرجل من الأعاجم يقتل أهله وولده ويلقيهم في دجيل خوفاً من أن يظفر بهم العرب (٤) ، وطلب الهرمزان الأمان فأبى أبو موسى أن يعطيه ذلك إلا على حكم عمر ﵁ فنزل على ذلك. وقتل أبو موسى من كان في القلعة ممن لا أمان له وحمل الهرمزان إلى عمر ﵁ فاستحياه وكان الذي قدم عليه به أنس بن مالك ﵁ فاستشار عمر أنساً فيه فقال: يا أمير المؤمنين تركت خلفي شوكة شديدة وعدواً كلباً وإن قتلته يئس القوم من الحياة، فاستحياه وأسلم وفرض له عمر ﵁ ثم إنه اتهم بممالأة أبي لؤلؤة على قتل عمر ﵁، فقال له عبيد الله بن عمر ﵄: امض بنا ننظر إلى فرس فمضى وعبيد الله خلفه فضربه بالسيف فقتله. ويقال (٥) إن أجناد المسلمين لما نزلوا على تستر وبها الهرمزان وجنود أهل فارس وأهل الجبال والأهواز فحاصروهم أشهراً وأكثروا القتل فيهم، وقتل البراء بن مالك ﵁ في ما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مبارزة مائة سوى من قتل في غير المبارزة، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك وكعب بن سور وأبو تميمة كل واحد منهم مثل ذلك وهؤلاء من أهل البصرة، وفعل جماعة من الكوفيين مثل ذلك، وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفاً تكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كانوا في آخر

стр. 157

زحف منها واشتد القتال قال المسلمون: يا براء أقسم على ربك ليهزمهم، فقال البراء بن مالك: اللهم اهزمهم لنا واستشهدني، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم وأرزوا إلى مدينتهم فأحاط المسلمون بها وضاقت المدينة بهم وطالت حربهم، فخرج رجل إلى النعمان واستأمنه على أن يدله على مدخل يدخل منه إلى المدينة ويكون منه فتحها فأمنه النعمان فدلهم على مخرج الماء فنهدوا إلى ذلك المخرج فدخل منه من دخل وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب، ورضي الهرمزان أن ينزل على حكم عمر ﵁ فشدوه وثاقاً واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألفاً، وخرج المسلمون بالهرمزان إلى المدينة وقد هيئوه في هيئته فألبسوه كسوته من الديباج ووضعوا على رأسه تاجاً مكللاً بالياقوت كيما يراه عمر ﵁ في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل لهم جلس في المسجد لوفد قدموا عليه، فانطلقوا إلى المسجد فلم يجدوه إلى أن دلوهم عليه في جهة من المسجد نائماً، فكان من أمره مع الهرمزان وإسلام الهرمزان ما هو مشهور، وفي الخبر طول. تشومس (١) : مدينة في المغرب في جهة أصيلة وهي مدينة قديمة فيها آثار كثيرة للأول، وهي على نظر واسع كثير الخصب والزرع والضرع وهي تمير (٢) بلاد الأندلس، وبقربها بحيرة كبيرة تسمى أمسنا يصب فيها ماء البحر سبعة أعوام وتصب هي في البحر سبعة أعوام وينقطع البحر فتظهر فيها جزائر بينها غدران يتصيد فيها أنواع السمك، وبين البحر والبحيرة مسجد مقصود معظم يسكن حوله النساك وأهل الخير وأمرهم مشهور بتلك الناحية معروف. تهامة: في " مختصر العين " تهامة: مكة، والنازل متهم، والصحيح أن مكة من تهامة كما أن المدينة من نجد، وقيل (٣) أرض تهامة قطعة من اليمن وهي جبال مشتبكة أولها في البحر القلزمي ومشرفة عليه وحدودها في غربيها بحر القلزم وفي شرقيها جبال متصلة من الجنوب إلى الشمال، وطول أرض تهامة من الشرجة إلى عدن على الساحل اثنتا عشرة مرحلة، وفي شرقيها مدينة صعدة وجرش ونجران، وفي شمالها مكة وجدة وفي جنوبها صنعاء نحو عشرين مرحلة. وسميت تهامة لتغير هوائها من قولهم تهم الدهن وتمه إذا تغير ريحه. وينسب إلى تهامة علي بن محمد التهامي الشاعر (٤) صاحب القصيدة الرائعة المشهورة في رثاء ابنه التي أولها (٥) : حكم المنية في البرية جار ... ما دارك الدنيا بدار قرار بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار يقول فيها: يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك حكم كواكب الأسحار وهي طويلة، وكان التهامي هذا الشاعر من مشهوري دولة الحاكم صاحب مصر، ورام التوثب على الملك وقال (٦) : سأطلب العلاء بكل ليث ... له زأر بذكر الله وحده له مما تصوغ الهند ناب ... ومما حاكه داود لبده يرد الرمح أزرق ذا احمرار ... كمقلة أزرق كحلت برمده ثم تجول في أمراء أعراب الشام، ومدح ولاة الحاكم ومدح الوزير ابن المغربي وعرض بالحاكم وسارت له أشعار أحقدت قلب الحاكم فوضع له من زين له الوصول إلى مصر، فعندما وقعت العين عليه حبس في خزانة البنود حتى مات، قالوا: وهو أشعر من

стр. 158

أخرجته مكة فيما قرب من الزمان وبعد بلا استثناء، ومن مفرداته (١) : أملت فيه الغنى من قبل رؤيته ... فالآن أكبرته عن ذلك الأمل علا فما يستقر المال في يده ... وكيف تقبل ماء قنة الجبل وقوله (٢) : أفدي الكتاب بناظري فبياضه ... ببياضه وسواده بسواده وقوله (٣) : أهتز عند تمني وصلها طرباً ... ورب أمنية أحلى من الظفر تجني علي وأجني من مراشفها ... ففي الجنى والجنايات انقضى عمري وأما قول المتنبي لممدوحه من قصيدة: وأشهر آيات التهامي انه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب فعنى بالتهامي النبي ﷺ ، وهذه العبارة تقتضي جهله أو قلة أدبه، فض الله تعالى فاه. تهودة (٤) : من بلاد الزاب بالقرب من بسكرة، وهي مدينة أولية بنيانها بالحجر الجليل وعليها سور عظيم، ولها ربض ويدور بجميعها خندق، ولها نهر كبير ينصب إليها من جبل أوراس، فإذا كان بينهم وبين أحد حرب وخافوا النزول عليهم أجروا ماء ذلك النهر في الخندق المحيط ببلدهم فامتنعوا به وشربوا منه، وهي كثيرة البساتين والنخيل والزرع وجميع الثمار. وفي هذه المدينة حديث مشهور عن رسول الله ﷺ رواه شهر بن حوشب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن سكنى هذه البقعة الملعونة التي هي تهودة وقال: " سوف يقتل بها رجال من أمتي على (٥) الجهاد في سبيل الله تعالى ثوابهم كثواب أهل بدر وأهل أحد وانهم مابدلوا حتى ماتوا "، وكان شهر بن حوشب ﵁ يقول: واشوقاه إليهم. قال شهر ﵁: سألت جماعة من التابعين عن هذه العصابة التي ذكر رسول الله ﷺ فقالوا: ذلك عقبة بن نافع وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهودة فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتى يقفوا بين يدي الله . قالوا: قدم عقبة بن نافع ﵁ مصر في خلافة معاوية ﵁، وعليها عمرو بن العاصي ﵁، فنزل منزلاً في بعض قرى مصر ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄، فوضعت بين أيديهم سفرة فيها طعام، فلما تناولوا من الطعام سقطت حدأة على ما بين أيديهم من الطعام فأخذت منه عرقاً، فقال عقبة ﵁: اللهم دق عنقها، فأقبلت منقضة حتى ضربت بدفيها الأرض فاندقت عنقها، فاسترجع ابن عمرو، فسمعه عقبة فقال: ما لك يا أبا عبد الله، قال: بلغني أن قوماً يغزون إلى هذه الناحية فيستشهدون بها جميعاً، فقال عقبة: اللهم أنا منهم، وكان مستجاب الدعوة. ثم إن عقبة بن نافع ﵁ خرج في أيام يزيد بن معاوية على جيش كبير غازياً إلى بلاد المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بمصر فقال له: يا عقبة لعلك من الجيش الذي يدخل الجنة، فقدر أن افتتح عقبة بلاد المغرب حتى وصل إلى أقصاها وهي على ضفة البحر المحيط فأدخل فرسه في البحر حتى بلغ الماء السرج وقال: اللهم إني أطلب السبب الذي طلب عبدك ذو القرنين فقيل له: يا ولي الله وما السبب الذي طلبه؟ فقال: ألا يعبد في الأرض إلا الله وحده. وانصرف إلى إفريقية، فلما دنا منها تفرق أصحابه فوجاً فوجاً، فلما وصل إلى مدينة طبنة من أرض الزاب أذن لسائر جيشه وبقي في عدة يسيرة من أصحابه، وكان في دخوله المغرب خطر على مدينة تهودة وعلى مدينة بادس فرأى فيهما قوة كبيرة من النصارى والبربر، وكانت في ذلك الوقت

стр. 159

من أعظم مدن المغرب، فلما رجع قال: أمر على مدينتي تهودة وبادس لأعرف ما يكفيهما من العدة والجيوش، فلما انتهى إلى مدينة تهودة اعتمده كسيلة بن أقدم وكان أميرها في جيش الروم، وكان قد سمع بتفرق جيش عقبة، وأقبلت إليه أيضاً عساكر البربر فلما رآهم عقبة وأصحابه كسروا أجفان سيوفهم وزحفوا إليهم فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً رحمة الله عليهم، وقبر عقبة اليوم بتهودة على مقربة منها بمرحلة. توريز: وهي المعروفة في كتب الأدب بتبريز، نزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة فلما قاربوها فارقها سلطان أذربيجان أزبك بن البهلول بنسائه وأهله وما خف من ذخائره واعتصم بقلعة خوي وخلف على توريز نائباً جمع كلمة أهلها وظهر منهم حزم وجلد، وتحالف مع رجال البلد على الموت ووعظهم وحذرهم ما نزل بغيرهم كأهل الطالقان وقزوين وهمذان، فعملوا حساب الموت وفي مدينتهم منعة بالمياه والسباخ التي يحرزونها، وبلغ ذلك الططر فراسلوه في مال وهدايا، فحمل لهم من ذلك ما أرضاهم فرحلوا عنهم إلى إقليم الران. توج: مدينة في أرض فارس كان قصدها مجاشع بن مسعود (١) فيمن معه من المسلمين فالتقوا بتوج مع أهل فارس فاقتتلوا ما شاء الله تعالى، ثم إن الله سلط المسلمين على أهل توج فهزموهم وقتلوهم كل قتلة وبلغوا منهم ما شاءوا وغنمهم ما في عسكرهم فحووه ثم دعوا إلى الجزية والذمة فراجعوا وأقروا وخمس (٢) مجاشع الغنائم وبعث بجميعها ووفد وفداً. وحدث عاصم بن كليب عن أبيه قال: خرجنا مع مجاشع غازين توج، فحاصرناها وقاتلناها ما شاء الله فلما افتتحناها حوينا نهباً كثيراً وقتلنا قتلى عظيمة وكان علي قميص قد تخرق فنظرت إلى رجل في القتلى عليه (٣) قميص فنزعته فأتيت به الماء فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه فلبسته، فلما جمعت الغنائم قام مجاشع خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لا تغلوا فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس وفي ذلك يقول مجاشع: ونحن ولينا مرة بعد مرة ... بتوج أبناء الملوك الأكابر لقينا جيوش الماهيان بسحرة ... على ساعة تلوي بأهل الخطائر فما فتئت خيلي تكر عليهم ... ويلحق منهم لاحق غير جائر لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم ... وقد عولجوا بالمرهفات البواتر وكان كذاك الدأب في كل كورة ... أجابت لإحدى المنكرات الكبائر تونس (٤) : مدينة بإفريقية محدثة إسلامية، سمعت من يحدث أنها أحدثت عام ثمانين، قال بعضهم: لم يقصد بها أول أمرها وضع مدينة، وإنما اجتمع الناس إليها وبنوا وسكنوا وزادوا حتى صارت مدينة وعمرت، وكان أبو جعفر المنصور إذا قدم عليه رسول صاحب القيروان يقول له: ما فعلت إحدى القيروانين يعني تونس تعظيماً لها ويوصف أهلها في قديم الزمان بالقيام على الأمراء. وهي اليوم قاعدة البلاد الإفريقية وأم بلادها وحضرة السلاطين من الخلفاء الحفصيين ومهاجر أهل الأقطار من الأندلس والمغرب وغيرهما فكثر خلقها واتسع بشرها ورغب الناس في سكناها وأحدثوا بها المباني والكروم والبساتين والغروس حتى بلغ ذلك النهاية التي لا توجد في غيرها، وبينها وبين القيروان مسيرة ثلاثة أيام وبينها وبين البحر نحو أربعة أميال وبين تونس وقرطاجنة نحو عشرة أميال وبين تونس ومرساها بحيرة يقال إنها كانت منذ مائتي سنة أرضاً كثيرة الجنات والمياه والزرع طيبة الفواكه فغلب عليها ماء البحر، ولها سور يدور بها ويقال إن دورها أربع وعشرون ألف ذراع، وجامعها مليح الصنعة حسن الوضع متقن البناء مطل على البحر بناه عبيد الله بن الحبحاب هو ودار الصناعة سنة أربع عشرة ومائة وأنفذ إليها البحر. وتونس في سفح جبل وبها مبان عجيبة وجل عضادات أبواب دورها رخام أبيض، لوحان قائمان وثالث معترض مكان العتبة، ومن الأمثال بإفريقية: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام. قالوا: وهي دار علم وفقه وأكثر البلاد

стр. 160

باعة وغوغاء، وعلى نحو عشرة أميال منها نهر بجردة وهو على الطريق إلى المغرب، ويقال إن من شرب منه قسا قلبه، فأكثر الناس يجتنبون شربه. وتونس من أشرف مدن إفريقية وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة، وسميت تونس لأن المسلمين كانوا لما فتحوا إفريقية ينزلون بازاء صومعة ترشيش - راهب كان هناك - ويأنسون بصوت الراهب فيقولون: هذه الصومعة تؤنس، فلزمها هذا الاسم. وامتحن أهل تونس أيام أبي يزيد بالقتل والسبي وذهاب الأموال وقال بعضهم: لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها ... ولكنني ألفيتها وهي توحش وبها أصناف من الحوت الذي لا يكون مثله في غيرها ما لا يحصى كثرة (١) ، أجناس كثيرة تجري في البحر مع شهور العجم، فهم منه في لذة موصولة، وفيه صنف يقال له البقونس، ومن أمثالهم: لولا البقونس لم يخالف أهل تونس. ومن تونس علي بن زياد الفقيه صاحب مالك بن أنس، والإمام العابد محرز بن خلف التميمي ذو المناقب المشهورة والآثار المأثورة أخباره مصنفة وقبره بتونس بدار يتبرك به، وبها من الصالحين والأخيار عدة لا تحصى، ويقال إن تونس تقصم الجبابرة وهم ينشدون: وكل جبار إذا ما طغى ... وكان في طغيانه يسرف أرسله الله إلى تونس ... فكل جبار بها يقصف ونزل عليها عبد المؤمن بن علي سنة أربع وخمسين وخمسمائة فحصرها ثم دخلها عليهم، واختلفت عليها ولاة الموحدين إلى أن نزل عليها يحيى بن إسحاق الميورقي فحاصرها أيضاً ثم ملكها وأغرم أهلها مائة ألف دينار وعنف نوابه على التأني في تقاضيها ثم خرج عنها لما بلغه تحرك صاحب المغرب أبى عبد الله محمد بن المنصور يعقوب إليه، ووالى عليه الهزائم كبير أصحابه الشيخ أبو محمد عبد الواحد المرة بعد المرة، ثم ولي تونس بعد انفصال الملك الناصر أبي عبد الله إلى المغرب فساس الناس سياسة طال عهدهم بها، وأمنهم ورعاهم فرأوا من بركات أيامه وحسن رعيته ما غبطهم به وأحبوه الحب الشديد، ووليها بعده الملوك من ولده فاشتهر ذكرها واستوسق أمرها وصارت حضرة الملوك وانعكس أمر المغرب وسقط نجم مراكش. توسيهان: مدينة كانت للروم قديمة بجزيرة أبي شريك فخربت وبقي في مكانها قصر هو بالقرب من نابل (٢) . توزر (٣) : هي قاعدة كور قصطيلية من البلاد الجريدية، ولها سور عظيم حصين وبها نخل كثير جداً وتمرها كثير يعم بلاد إفريقية وبها الأترج الكثير الطيب، والبقول بها موجودة متناهية في اللذة والجودة، وسعر طعامها غال في أكثر الأوقات لأنه يجلب إليها والحنطة والشعير بها قليلان، وبينها وبين الحمة مرحلة صغيرة. وعليها (٤) هلك علي بن إسحاق الميورقي جاءه سهم في ترقوته فقضى نحبه، وكان انتقم من أهلها سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وحصرها مدة وضيق عليها وتحرك إليه صاحب مراكش فكان من أمره ما ذكر. وهي مدينة كبيرة قديمة عليها سور مبني بالحجارة والطوب وحولها أرباض واسعة ولها أربعة أبواب وعليها غابة كبيرة وهي أكثر بلاد الجريد تمراً ومنها تمتار جميع بلاد إفريقية وبلاد الصحراء بالتمر لكثرته بها ورخصه، ولأنها على طرف الصحراء لا يعلم ما وراءها ولا قدر أحد قط على الدخول في الصحراء التي في قبلتها، ويقال إن بتلك الصحراء وادي رمل يجري مجرى المياه وهذا مستفيض، وأهلها من بقايا الروم الذين كانوا بإفريقية قبل الفتح، وكذلك أكثر أهل قصطيلية ببلاد الجريد لأنهم في دخول

стр. 161

المسلمين إفريقية أسلموا على أموالهم، وفيهم من العرب الذين سكنوا فيها من المسلمين عند افتتاحها، وفيهم من البربر الذين دخلوها في قديم الزمان عند خروجهم من بلادهم وانجلائهم عنها، فإن بلاد البربر إنما كانت أرض فلسطين من ديار الشام وما جاور تلك البقاع، وكان ملكهم جالوت الجبار الذي قتله داود ﵇، فتفرقوا في البلاد ومضى أكثرهم نحو المغرب حتى وصلوا أقاصي بلاد المغرب على أزيد من ألفي ميل من القيروان فأوطنوها، وكانت بلاد إفريقية للافرنجة فأجلتها البرابر عنها إلى جزائر البحر مثل صقلية وغيرها ثم تراجعت الافرنجة إلى مدنها على موادعة وصلح مع البربر، فاختارت البربر سكنى الجبال والرمال وأطراف البلاد، وصارت الروم إلى المدن والعمائر حتى جاء الإسلام وافتتحت إفريقية فانجلت الروم أمامهما إلى جزائر البحر وغيرها إلا من أسلم وبقي في بلده وعلى ماله، مثل أهل قصطيلية وغيرها من البلاد. وأهل توزر يبيعون زبل مراحيضهم، وهم يعيرون بذلك، لأنهما لا يدخلون المراحيض بالماء لئلا يفسد الزبل، فإذا دخل أحدهم المرحاض مشى إلى أحد السواقي التي تشق مدينتهما أو إلى الوادي فاغتسل، ويمشي عندهم دلال المراحيض بالزبل في الإناء فإذا كان جافاً حرص عليه وإذا كان رطباً زهد فيه، ويصنعون في جناتهم مراحيض على الطرق للعامة لمن كان مضطراً أو غريباً ليس من أهلها، أما البلدي فلو أمسك ذلك يومين ما رماه إلا في مرحاضه وذلك لتدمين أرضهم لأنها في غاية الجفوف لقربها من الصحراء. وتتفاضل بلاد الجريد في رطوبة الأرض ودهنيتها، وتوزر أيبسها. التوبة (١) : جزيرة بالأندلس على البحر المحيط قد أحاط بها خليج وهي مأوى للصالحين ورباط لخيار المسلمين، وبها آبار عذبة يعتملون عليها من أصناف البقول ما يقوم لمعايشهم مع مرافق البحر. تيليت (٢) : في بلاد المغرب متوسطة بين القبائل القبلية وفيها تمر القوافل وفيها حصن منيع رتب فيه الجند ويعمره الوالي وحوله الأعناب الكثيرة والثمار والمياه المطردة والعمائر. تيطاوان (٣) : بقرب مليلة مدينة قديمة كثيرة العيون والفواكه والزرع طيبة الهواء والماء. تيركى (٤) : من عمل غانة من بلاد السودان، وهي مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يجتمع فيها أمم كثيرة من بلاد مفترقة من بلد غانة ومن تادمكة، وهي في طاعة صاحب غانة وله يخطبون وإليه يتحاكمون، وبينها وبين غانة ستة أيام. وتعظم السلاحف بأرض تيركى حتى تخرج عن القياس وهي تحفر في الأرض أسراباً يمشي فيها الإنسان وهم يأكلونها فلا يستطيعون استخراج واحد منها من تلك الأسراب إلا بعد شد الحبال فيها واجتماع العدد الكثير عليها. حدث أحد الثقات (٥) المسافرين في تلك الطريق أن قوماً نزلوا في بعض طريق تيركى فعرسوا ومعهم متاعهم وبتلك الطريق الأرضة كثيرة وهي تفسد ما وجدت من متاع أو غيره ولها بتلك الطريق أجحار من التراب أكواماً فوق أحجارها، ومن العجب أن ذلك التراب ند والماء هناك غير موجود على أبعد حفر، فلا يضع التجار أمتعتهم إلا على الحجارة المجموعة أو الخشب، فلما نزل أولئك التجار بذلك الموضع ارتاد كل واحد منهم لمتاعه حزناً من الأرض أو حجراً فبدر أحدهم في الليل إلى صخرة عظيمة فيما ظن فأنزل عليها متاعه، وكان وقر بعيرين، ثم نام بقرب رحله، فلما هب من نومه سحراً لم يجد الصخرة ولا ما كان عليها، فارتاع ونادى بالويل والحرب، فاجتمع إليه أهل القافلة يسألونه عن خطبه فقالوا: لو طرقك لص لذهب بالمتاع وبقيت الصخرة، فنظروا فإذا أثر سلحفاة ذاهبة من الموضع فاقتفوا آثارها ومشوا أميالاً حتى أدركوا السلحفاة وحمل المتاع على ظهرها وهي تنهض به من غير تكلف، فانظر هذه السلحفاة العظيمة التي تحمل وقر جملين.

стр. 162

ومدينة تيركى على النيل ومن هناك يرجع نحو الجنوب، ويلي مدينة تيركى إلى ناحية الجنوب مدينة تادمكة من أرض السودان أيضاً. تيسر (١) : صحراء تيسر تلي جبل بنبوان (٢) وعليها يدخل المسافرون إلى أودغشت وغانة وغيرهما (٣) ، وهذه الصحراء قليلة الأنس لا عامر بها، والماء بها قليل يتزودونه من مجابات معلومة، وفي هذه الصحراء حيات كثيرة طويلة القدود غليظة الأجسام يصيدونها السودان ويقطعون رؤوسها ويطبخونها بالماء والملح ويأكلونها وهي عندهم أطيب طعام يأكلونه. تيفاش (٤) : ببلاد إفريقية بينها وبين الأربس مرحلة وهي بقرب ملاق وهي مدينة أولية شامخة البناء وتسمى تيفاش الظالمة، وفيها عيون ومزارع كثيرة، وهي في سفح جبل وفيها آثار للأول كثيرة وعليها سور قديم بالحجر، ولها بساتين ورياضات وأكثر غلاتها الشعير، وإليها ينسب مؤلف كتاب " مشكاة أنوار الخلفاء وعيون أخبار الظرفاء " عمر التيفاشي، وهو كتاب مطول حسن ممتع ضاهى به عقد ابن عبد ربه فأبدع، وله " قادمة الجناح في آداب النكاح " وبأرض تيفاش كانت الوقيعة العظيمة لسلطان إفريقية الأمير أبي زكريا على هوارة في سنة ست وثلاثين وستمائة بمقربة من جبل أوراس، وكانوا طغوا وبغوا وصارت لهم شوكة ومنعوا الحقوق للسلطان. تيمليمن (٥) : من مدن نفزاوة، وهو نظر (٦) مثل قسطيلية فيه مدن وقصور وعمل كبير، وهذه البلدة تيمليمن مدينة لطيفة حصينة لها أرباض ولها غابة نخل وزيتون وجميع الفواكه فيها قال بعضهم: تيمليمن سبعة أحرف على لطفها وخمول ذكرها ومصر ثلاثة أحرف على عظمها وسمو ذكرها. تيجس (٧) : بمقربة من تيفاش بقرب وادي الدنانير عند قصر الإفريقي، وهي مدينة أولية شامخة البناء كثيرة الكلأ والربيع. وفي أيام محمد بن أحمد بن الأغلب المعروف بأبي الغرانيق (٨) صاحب القيروان كانت وقيعة تيجس، وذلك أنه قدم محمد بن سالم بن غلبون والياً على باغاية وتيجس فأشار عليه أهل باغاية ألا يمضي إلى تيجس حتى يأخذ رهائنهم ويتوثق منهم فلم يفعل ومضى إلى تيجس فلما توسط البربر وثبوا عليه من كل ناحية فقتلوه وقتلوا أصحابه وأخذوا أثقاله، فلما اتصل ذلك بمحمد بن أحمد أمر بحشد الجند والموالي والأنصار فلما توافوا بعثهم إلى تيجس فقتلوا بربرها قتلاً عظيماً واستباحوا أموالهم. تيماء (٨) : من أمهات القرى، على سبع ليال من المدينة المكرمة، ولها سور على شاطئ بحر طوله فرسخ، ويخرج من تيماء إلى الشام على حوران والبثنية وحسمى، وبين تيماء وأول الشام ثلاثة أيام، وبتيماء مياه ونخل، ومنه تمتار البادية وبه تجارات قلائل. وفي تيماء يقول الشاعر (١٠) في قصة السموأل بن عادياء حين استودع أموال امرئ القيس بن حجر وسلاحه وكراعه فبعث إليه الحارث بن أبي شمر الغساني ليأخذ كل ذلك منه فمنعه ولم يجبه إلى ذلك: بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار في أبيات، وأظنها قد تقدمت. وكانت (١١) أمة من العماليق نزلوا في قديم الزمان الحجاز وكان ملكهم بتيماء يقال له الأرقم بن أبي الأرقم فسكنوا مكة. والمدينة والحجاز كله وعتوا عتوا كبيراً، فلما أظهر الله

стр. 163

موسى ﵇ على فرعون وأهله وجنوده وطئ الشام وأهله وبعث بعثاً من بني إسرائيل إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منهم أحداً بلغ الحلم فأظهرهم الله عليهم فقتلوهم حتى انتهوا إلى مليكهم بتيماء، الأرقم بن أبي الأرقم، فقتلوه وأصابوا ابناً له وكان من أحسن الناس فضنوا به عن القتل وقالوا: نتركه حتى نقدم به على رسول الله ﷺ فيرى فيه رأيه، فأقبلوا به، وقبض الله موسى ﵇ قبل قدوم الجيش فلما سمع بهم الناس تلقوهم فسألوهم عن أمرهم فأخبروهم بفتح الله عليهم وقالوا: إنا لم نستبق منهم أحداً إلا هذا الفتى لنقدم به على نبي الله موسى فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية منكم لما خالفتم أمر نبيكم، لا والله لا تدخلوا علينا أبداً، فحالوا بينهم وبين الشام، فقال الجيش بعضهم لبعض: إن منعتم بلدكم فخير منه البلد الذي قدمتم منه، وكانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله تعالى وأظهره ماء فكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز، فكانوا بزهرة بين السافلة والحرة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب يجمع السيول، سيول بطحان والعقيق وسيل قناة مما يلي زغابة (١) وتفرقت هناك قريظة والنضير واتخذوا الآطام والمنازل ونزل بعض قبائل العرب عليهم. قال أصحاب المغازي (٢) : قدم الصديق ﵁ خالد بن سعيد بن العاصي حين وجه الجنود إلى الشام، جعله ردءاً بتيماء وأمره أن لا يبرحها وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه، فأقام، فاجتمعت عليه جنود كثيرة، وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضاحية بالشام البعوث إليهم، فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر ﵁ أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله تعالى، فسار إليهم خالد، فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم فنزله، ودخل من كان تجمع له في الإسلام، فكتب بذلك إلى أبي بكر، فكتب إليه أبو بكر ﵁: أقدم فصار في تيماء فيمن كان معه، فسار إليهم بطريق من بطارقة الروم يدعى ماهان (٣) فهزمه وفل جنده، فكتب بذلك إلى أبي بكر ﵁ واستمده، فعند ذلك اهتاج أبو بكر ﵁ إلى الشام وعناه أمره. تيكلات (٤) : حصن هو ثاني مرحلة للخارج من بجاية وبه المنزل، وهو حصن منيع على شرف مطل على وادي بجاية، وبه سوق قائمة وفواكه ولحوم كثيرة رخيصة، وبحصن تيكلات قصور حسان وجنات ليحيى بن العزيز. تينجة (٥) : مدينة صغيرة من عمل بنزرت المسمى عمل صطفورة، ولها بحيرة طولها أربعة أميال وتتصل ببحيرة بنزرت من فم بينهما وفي هاتين البحيرتين أمر عجيب وذلك أن ماء بحيرة تينجة عذب وماء بحيرة بنزرت ملح، وكل واحدة من هاتين البحيرتين تصب في الأخرى ستة أشهر ثم ينعكس جريها فتمسك الجارية عن الجري وتصب الثانية إلى الأولى ستة أشهر فلا بحيرة تينجة تملح ولا بحيرة بنزرت تعذب. التيه (٦) : أرض التيه بمقربة من أيلة بينهما عقبة لا يصعدها راكب لصعوبتها، ولا تقطع إلا في طول اليوم لطولها، ثم يسير مرحلتين في فحص التيه الذي تاه فيه بنو إسرائيل حتى يوافي ساحل بحر فاران وهو الذي غرق فيه فرعون، وينسب البحر إلى فاران وهي مدينة من مدن العماليق على تل بين جبلين وفي هذين الجبلين نقوب كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتاً، ومن هناك إلى بحر القلزم مرحلة واحدة، والتيه مقدار أربعين فرسخاً في مثلها أو أربعة فراسخ في مثلها، وفيه هام بنو إسرائيل كما قلناه أربعين سنة لم يدخلوا مدينة ولا أووا إلى بيت ولا بدلوا ثوباً، وطول فحص التيه في قول نحو من ستة أيام وفي فحص التيه مات موسى وهارون ﵉. التينات (٧) : مدينة بالشام بينها وبين طرابلس مسيرة أيام، منها أبو الخير التيناتي (٨) أحد المشايخ الأكابر العارفين بالله تعالى كان صاحب مشاهدة وكان يسمى علام الله من أخباره قال أبو الحسن القرافي أتيت التينات أزوره فوافقت إنساناً جاء يزوره فقال لي: ندخل الآن عليه فيقدم لنا الخبز واللبن وأنا لا آكله فإني

стр. 164

صفراوي قال: فدخلنا على الشيخ فقام ودخل بيته وجاء على يده قصعة فيها لبن وخبز وقال لي: كل أنت هذا، وفي يده الأخرى رمان حلو وحامض فقال للرجل: كل أنت هذا. وقال عبد العزيز البحراني: قصدت التينات أزوره فسألت صبياً عن مسجده فقال: قد آذيتم الشيخ الزمن، كم تأكلون خبز هذا الضعيف، فوقع في قلبي قوله فاعتقدت أن لا آكل طعاماً ما دمت بتينات، فبت ليلتي ما قدم لي شيئاً ولا عرض علي، فلما خرجت وصرت إلى الزيتون فإذا به يصيح خلفي فالتفت فإذا به، فدفع لي ثلاثة أرغفة ملطوخة بلبن وقال لي: كل، قد خرجت من عقدك، ثم قال لي: أما سمعت قول النبي ﷺ : " الضيف إذا نزل نزل برزقه "، فقلت: بلى، فقال: فلم شغلت قلبي بقول صبي. قال القرافي: قدم أبو الخير تنيس فقال لي: قم حتى نصعد السور ونكبر. ثم قلت في نفسي ونحن على السور: هذا عبد أسود بم نال ما هو فيه؟ فالتفت إلي وقال: يعلم ما في نفوسكم فاحذروه، فلما سمعت ذلك فزعت وغشي علي، فمر وتركني، فلما أفقت جعلت أذم نفسي وأستغفر الله، فجاء وقال: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فقمت معه. وقال: كنت واقفاً أركع فإذا اللعين إبليس قد جاء في صورة حية عظيمة فتطوق بين يدي سجودي فنفضته وقلت: يا لعين لولا أنك نجس لسجدت على ظهرك، وقال: كنت بطرابلس الشام ليلاً فذكرت الحرم وطيبه فاشتقته، فسجدت ورفعت رأسي فإذا أنا في المسجد الحرام. قال إبراهيم بن عبد الله: قصدته في مسجده فإذا هو مع شخص يحدثه فقال لي: يا إبراهيم اخرج ورد الباب، فخرجت وجلست بالباب طويلاً وكانت لي حاجة إليه، فقلت في نفسي: إن كانا في سر فقد فرغا، ففتحت الباب فإذا به جالس وحده، فقلت: وأين الرجل فإنه لم يخرج؟ فقال: يا بني هو لم يخرج من الباب فقلت: من هو؟ قال: الخضر، فبكيت وقلت: لو عرفته لسألته الدعاء. ثم مضت مدة فبعثني الشيخ أبتاع له حوائج فحملتها في كساء على ظهري فلقيت رجلاً في الطريق فسلم علي وقد بقي إلى التينات ستة أميال وقد تعبت فقال: ناولني أحمل عنك، فناولته فحملها وجعل يحادثني بأخبار الصالحين حتى بلغنا باب التينات، فدفعه وودعني وقال: اقرأ على الشيخ السلام فقلت: أقول من؟ فقال: هو يعرف، فلما دخلت على الشيخ قال: يا إبراهيم ما استحيت حملته ستة أميال ما حسدتك، وحسدتني على كلامه، فبكيت فقلت: هو هو؟ فقال: هو هو ولا حيلة، تبكي إذا لم تلقه وتبكي إذا لقيته.

стр. 165

حرف الثاء ثبير هو أعلى جبال مكة وأعظمها يكون ارتفاعه علواً نحو ميل ونصف، وهو الذي عنى امرؤ القيس: كأن ثبيراً في أفانين ودقه ... في بعض الروايات، وهو من الناحية المتصلة بمنى، وثبير وحراء ما بين الشرق والشمال من مكة وهو الذي كانت قريش تعني بقولها: أشرق ثبير كيما نغير. قال البكري (١) : هي أربعة أثبرة: ثبير بمكة وهو هذا، وثبير غينا، والثالث ثبير الأعرج، والرابع ثبير الأحدب. وفي ثبير مكة تقول سبيعة بنت الأحب لابن لها تعظم عليه حرمة مكة وتنهاه عن البغي فيها: ابني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير ... واحفظ محارمها بني ولا يغرنك الغرور ... ابني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور ... والله أمن طيرها والعصم تأمن في ثبير ... وفي ثبير هذا خلا إبراهيم ﵇ بابنه وأضجعه للذبح وذلك في الشعب من ثبير. ثبت على رواية المسعودي قال: لأنه سمي بمن ثبت فيه، وقد تقدم القول فيه في حرف التاء المثناة على ما هو المشهور. الثرثار ماء معروف قبل تكريت، أنشد المبرد (٢) : لعمري لقد لاقت سليم وعامر ... على جانب الثرثار راغية البكر قال: أراد أن بكر ثمود رغا فيهم فأهلكوا فضربته العرب مثلاً، وقال الهمداني: الثرثار نهر يصب من الهرماس إلى دجلة، وقال أبو حنيفة: الثرثار بالجزيرة، وبالثرثار قتلت تغلب عمير بن الحباب. ثرمة (٣) قلعة في جزيرة صقلية، وهي في الشرق من المدينة (٤) وعلى مرحلة منها، وهي، على أكمة مطلة على البحر، وهي من أجل القلاع وعليها سور يطيف بها، وبها آثار أولية، وبها ملعب غريب الصنعة يدل على قدرة بانيه، وبها حصن محدث وحمتان متقاربتان من أجل الحمات، وبها مياه جارية عليها كثير من الأرحاء، ولها بادية ورباع رائقة، ويصنع بها من الأطرية ما يتجهز به إلى كثير من الآفاق من جميع بلاد قلورية وغيرها من بلاد المسلمين وبلاد النصارى وتحمل منها الأوساق الكثيرة، وبها وادي السلة (٥) وهو نهر كثير الماء غزيره يصاد به البوري في زمن الربيع والسمك الكبير المعروف بالتن، وفي أسفل البلد قلعة، وحماتها أغنت أهلها عن اتخاذ الحمام، وهي على غاية من الخصب وسعة الرزق، وبينها وبين بلرمة المعروفة بالمدينة خمسة وعشرون ميلاً.

стр. 166

ثمانين (١) : سوق ثمانين بين الجزيرة وبلاد الموصل حيث جبل الجودي الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ حين أرسل الله تعالى الطوفان على قومه، وهو قبل بازبدى، وسوق ثمانين أول مجمع بني أو عرش بعد الغرق، ولم توجد تحت الماء قرية سوى نهاوند، وجدت كما هي لم تتغير، وأهرام الصعيد وبرابيها وهي التي بناها هرمس الأول والعرب تسميه ادريس، وكان (٢) قد ألهمه الله تعالى علم النجوم فدلته على أن ستنزل بالأرض آفة وأنه ستبقى من العالم بقية يحتاجون فيها إلى علم، فبنى هو وأهل عصره الأهرام والبرابي وكتب علمه فيها. وحدث من دخل الجودي أنه دخل الموضع الذي استوت عليه السفينة وذكر أنه ثلاثة أجبل بعضها فوق بعض، يصعد إلى الأول وفي أعلاه جب للماء ثم يصعد إلى الثاني وفي أعلاه جب للماء أيضاً ثم يصعد إلى الجبل الثالث وهو الذي استقرت عليه السفينة، وهناك حجر يقولون إن عليه نزلت وهو شبيه سفينة، وهناك بيعتان للنصارى ومسجد للمسلمين، وسنذكر ذلك في حرف الجيم إن شاء الله تعالى. وفي أسفل هذا الجبل مدينة ثمانين وهي أول ما ابتنى نوح ﵇ حين نزل من السفينة فابتنى فيها الثمانون رجلاً الذين كانوا معه ثمانين بيتاً بجنب قرية ثمانين وقيل كان عدد الخارجين من السفينة ثمانين فهذا أصل تسميتها، وليس لهذه المدينة سور، وبها أربعون قبة يذكرون أن في كل قبة منها قبر رجل من أهل السفينة، ولهذه القباب مشهد عظيم يجتمع فيه المسلمون في كل عام ثلاثة أيام. ومدينة ثمانين أرخص بلاد الله لحماً وسمناً، يكون اللحم فيها سبعة أرطال بدرهم، ورطلهم أربعمائة وخمسون درهماً، والتمر أربعة عشر رطلاً بدرهم. الثنى (٣) : الثني والمذار بالعراق، وكانت الوقيعة هناك لخالد بن الوليد ﵁ على العجم سنة اثنتي عشرة ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار فيه قتل كل جبار على مجمع الأنهار، وهو مذكور في حرف الميم في المذار. ثنية البيضاء (٤) : موضع قريب من مكة فيه وجد الحجاج بن علاط بعد فتح خيبر، وكان أسلم فقال لرسول الله ﷺ : إن لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله، فأذن له، قال: لا بد يا رسول الله من أن أقول، قال ﷺ : " قل "، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يستمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفاً ومنعة ورجالاً فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان، فلما رأوني ولم يكونوا علموا بإسلامي قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا محمد، فإنه بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز، قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسر، قال: فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: ايه يا حجاج، قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسراً وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بما كان أصاب من رجالهم، قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، قال، قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك، فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به، وجئت صاحبتي فقلت: مالي، وقد كان لي عندها مال موضوع، لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار، قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب ﵁ الخبر وجاءه عني أقبل حتى وقف إلى جني وأنا في خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج ما هذا الذي جئت به؟ قلت: هل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم، قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى أفرغ، قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس ﵁ فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثاً ثم قل ما شئت

стр. 167

قال: أفعل، قال: فإني والله تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم، يعني صفية بنت حيي، ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه، قال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: أي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لأخذ مالي فرقاً من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس ﵁ حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والذي حلفتم به لقد افتتح محمد ﷺ خيبر وترك عروساً على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً وأخذ ماله وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك، وقال كعب بن مالك الأنصاري في يوم خيبر: ونحن وردنا خيبراً وفروضه ... بكل فتى عاري الأشاجع مذود جواد لدى الغايات لا واهن القوى ... جريء على الأعداء في كل مشهد عظيم رماد القدر في كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفي المهند يرى القتل مدحاً إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزاً بأحمد يذود ويحمي عن ذمار محمد ... ويدفع عنه باللسان وباليد وينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد ؟ ثنية العقاب (١) : بدمشق، سميت بذلك براية لخالد بن الوليد ﵁ تسمى العقاب كان إذا غزا اطلع عليهم بتلك الراية من تلك الثنية وذلك حين نزلها المسلمون. ثنية الوداع (٢) : عن يمين المدينة أحسب أنه كان الخارج من المدينة يودعه المشيع من هناك، ولما ورد رسول الله ﷺ المدينة في الهجرة لقيته نساء الأنصار يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع ثهلان (٣) : جبل باليمن، وقيل بالعالية، والعرب تضرب المثل بهذا الجبل في الثقل فتقول: أثقل من ثهلان. ثور (٤) : ويقال ثور أطحل، أحد جبال مكة في الجنوب منها بينه وبين مكة ميلان، وهو جبل مشرف يكون ارتفاعه نحو الميل، وفي أعلاه الغار الذي دخله النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ وعن عائشة قالت: لحق رسول الله أبو بكر، بغار في جبل ثور، وسيأتي ذكره إن شاء الله في حرف الغين المعجمة. وعن علي ﵁: حرم رسول الله ﷺ ما بين عير إلى ثور، قال: وثور الجبل الذي فيه غار النبي ﷺ وهو الغار المذكور في القرآن، والبحر يرى من أعلاه، وفيه من كل نبات الحجاز شجرة، وفيه شجر البان، وفيه شجرة من يحمل منها شيئاً لم تلدغه هامة. الثوية (٥) : موضع على ميل من الكوفة فيها قبر زياد بن أبيه، وكان طعن في يده فشاور شريحاً القاضي في قطعها فقال له: لك رزق مقسوم وأجل معلوم وأكره إن كانت لك مدة أن تعيش أجذم وإن حم أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها قلت بغضاً للقائك وفراراً من قضائك. فلام الناس شريحاً فقال: إنه استشارني والمستشار مؤتمن ولولا أمانة المشورة لوددت أن الله قطع يده يوماً ورجله يوماً وسائر جسده يوماً.

стр. 168

قالوا (١) : وكان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره ليعرضهم على أمر علي ﵁، فمن أبى ذلك عرضه على السيف. قال عبد الرحمن بن السائب: حضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار فرأيت شيئاً في منامي وأنا جالس في الجماعة، وقد خفقت، فرأيت شيئاً طويلاً قد أقبل فقلت: ما هذا؟ قال: أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فانتبهت فزعاً، فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، وإذا به قد أصابه في يده ما أصابه، وفي ذلك يقول ابن السائب: ما كان منتهياً عما أراد بنا ... حتى تأتى له النقاد ذو الرقبه فأسقط الشق منه ضربة ثبتت ... لما تناول ظلماً صاحب الرحبه يعني بصاحب الرحبة علي رضى الله عنه. ولما بلغ ابن عمر ﵄ موته قال: إيهاً إليك يا ابن سمية لا الدنيا بقيت ولا الآخرة أدركت ومات وهو على المصرين الكوفة والبصرة، ويكنى أبا المغيرة، ودفن في ظهر الكوفة بالثوية، وثم قبر أبي موسى وقبر المغيرة بن شعبة ﵄، ورثاه حارثة بن بدر الغداني فقال: صلى الاله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المور زفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبور أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإن من غرت الدنيا لمغرور قد كان عندك بالمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير وكنت تغشى وتؤتي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير ثوراب (٢) : مدينة بينها وبين الصغانيان مرحلة بين شرق وجنوب وهي مدينة حسنة كثيرة التجارات والعمارات وأهلها مياسير وبها طرز وصناعات عالية.

стр. 169

حرف الجيم جامدة مدينة بالبطاح بين البصرة وواسط، أنشد الثعالبي في اليتيمة (١) لأبي عبد الله الجامدي: مشتاقة طرقت في الليل مشتاقا ... أهلاً بمن لم يخن عهداً وميثاقا أهلاً بمن ساق لي طيف الأحبة بل ... أهلاً وسهلاً وترحيباً بما ساقا يا زائراً زار من قرب على بعد ... أنست مستوحشاً لا ذقت ما ذاقا الجار (٢) مدينة بالحجاز على ساحل البحر مما يلي المدينة وهي آهلة عامرة كانت قبل هذا مدينة قريبة من جدة والمراكب إليها قاصدة ومقلعة وليس بها كبير تجارة، ومن الجار إلى جدة نحو عشرة أيام في البر بطول الساحل، والبحر يبعد تارة ويقرب أخرى، وأكثر هذه المراحل في رمال ناشفة وطرق دارسة يستدل فيها بالبحر والجبال. وقالوا: البحر الأعظم من المدينة على ثلاثة أيام وساحلها موضع يقال له الجار، وفيه ترسي المراكب التي تحمل الطعام من مصر ومدينة الجار مدينة مسورة وهي ساحل مدينة النبي ﷺ وهي حسنة البناء جداً والبحر يضرب سورها، ولها أسواق ومسجد جامع ولها أحساء خارج المدينة يسقون منها ولهم مواجل لماء المطر، ومنها يصعد من أراد مدينة النبي ﷺ ،ويخرج أهلها كل يوم إذا فتح باب مدينتها الشرقي إلى باب محني هناك يسمى باب النبي ﷺ فيستقبلون بوجوههم المدينة شرقاً ويسلمون ويدعون وينصرفون لا بد لهم من ذلك. ومن الجار إلى بدر نحو المشرق إذا أردت المدينة عشرون ميلاً. وقال يوما عمر بن الخطاب ﵁: خطر على قلبي شهوة الحيتان فركب يرفأ راحلة إلى الجار فسار أربعاً وأتى بها، فرأى عمر ﵁ الراحلة فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، والله لا يذوقه عمر. منها سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب ﵁. وقال كعب (٣) لعمر ﵁: إنا نجدك في كتاب الله تعالى على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمونها إلى يوم القيامة. الجابية بالشام، قال البكري (٤) : وهي قنسرين، وبالجابية ضرب أيوب ﵇ برجله الأرض فنبعت عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، وبين العين والعين أربعون ذراعاً، وبين الجابية ومنبج أربعة فراسخ، ومن حلب إليها ستة فراسخ، وبالجابية خطب عمر ﵁ حين صار إلى إيليا إذ حاصرها أبو عبيدة ﵁، فرغب أهلها في الصلح على أن يكون عمر ﵁ هو المتولي لعقده معهم، فكتب إليه بذلك أبو عبيدة ﵁ ورغب إليه في القدوم لما فيه من النظر

стр. 170

لصالح المسلمين فتوجه عمر ﵁ سنة ست عشرة، فلقيه أبو عبيدة ﵁ فترجل كل واحد منهما لصاحبه واعتنقا ولقيه سائر الأمراء فأقام بالجابية عشرين يوماً يقصر الصلاة فقام في الناس فقال (١) : الحمد لله الحميد، المستحمد المجيد الدفاع الغفور الودود الذي من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، قال: وإذا رجل من القسيسين (٢) من النصارى عندهم وعليه جبة صوف، فلما قال عمر ﵁: من يهد الله فهو المهتدي قال: وأنا أشهد، فقال عمر ﵁: ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، فقبض النصراني جيبه عن صدره وقال: معاذ الله لا يضل الله أحداً يريد الهدى، فقال عمر ﵁: ماذا يقول عدو الله هذا النصراني؟ فأخبروه، فرفع عمر ﵁ صوته وعاد في خطبته بمثل مقالته الأولى، ففعل النصراني كفعله الأول، فغضب عمر ﵁ وقال: والله لئن أعادها لأضربن عنقه، فتفهمها العلج فسكت إذ عاد عمر ﵁ في خطبته وقال: من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ثم قال: أما والله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن خيار أمتي الذين يلونكم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها، وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ولا يبالي شذوذ من شذ " وذكر بقية الحديث. ثم خرج عمر ﵁ من الجابية إلى إيليا فخرج إليه المسلمون يستقبلونه، وخرج أبو عبيدة ﵁ بالناس أجمعين، وأقبل هو على جمل له وعليه فروة من جلد كبش حولي فانتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يبتدرونه فقال للمسلمين: مكانكم، ثم نزل عن بعيره وأخذ بزمامه وهو من ليف ثم دخل الماء بين يديه جمله حتى جاز الماء إلى أصحاب أبي عبيدة ﵁، فإذا معهم برذون يجنبونه فقالوا: يا أمير المؤمنين اركب هذا البرذون فإنه أجمل بك ولا نحب أن يراك أهل الذمة في مثل هذه الهيئة واستقبلوه بثياب بيض، فنزل عمر ﵁ عن جمله وركب البرذون وترك الثياب، فلما هملج به البرذون نزل عنه وقال: خذوا هذا عني فإنه شيطان، وأخاف أن يغير علي قلبي، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو لبست هذه الثياب البيض وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر، فقال عمر ﵁: ويحكم لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا، ثم مضى ومضى المسلمون معه حتى أتى إيليا فنزل بها وأتاه رجال من المسلمين فيهم أبو الأعور السلمي قد لبسوا ثياب الروم وتشبهوا بهم في هيئتهم، فقال عمر ﵁: احثوا في وجوههم التراب حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا ولباسنا، وكانوا أظهروا شيئاً من الديباج فأمر به فحرق عليهم. وفي خبر آخر أن خالد بن الوليد ﵁ لقيه عند مقدمه الجابية في الخيل عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة فرماهم بها وقال (٣) : سرعان ما لفتم عن رأيكم، إياي تستقبلون في هذا الزي وإنما شبعتم منذ سنتين، سرعان ما نزت بكم البطنة، والله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنها يلامقة وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذاً. وقال له يزيد بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين إن الثياب والدواب عندنا كثير، والعيش عندنا رفيغ والسعر رخيص، وحال المسلمين كما تحب فلو أنك لبست من هذه الثياب البيض وركبت من هذه الدواب الفره وأطعمت المسلمين هذا الطعام الكثير كان أبعد في الصوت وأزين لك في هذا الأمر وأعظم لك في الأعاجم، فقال له: يا يزيد والله لا أدع الهيئة التي فارقت عليها صاحبي ولا أتزين للناس. بما أخاف أن يشينني عند ربي، ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس ويصغر عند الله تعالى، فلم يزل عمر ﵁ على الأمر الأول الذي كان عليه في حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر ﵁ حتى خرج من الدنيا. ثم بعث إلى أهل إيليا فصالحهم على ما هو مذكور في كتب الأخبار، وفي وقت قدوم عمر ﵁ الشام كان إسلام كعب الحبر. جالوس (٤) : جزيرة بالهند وأهلها قوم سود عراة يأكلون الناس وذلك أنه إذا سقط في أيديهم إنسان من غير بلادهم علقوه منكساً وقطعوه قطعاً وذكر بعض رؤساء المراكب أن أهل هذه الجزيرة أخذوا رجلاً من أصحابه فنظر إليهم حتى علقوه وقطعوه قطعاً

стр. 171

وأكلوه، وليس لهؤلاء القوم ملك، وغذاؤهم السمك والموز والنارجيل وقصب السكر، ولهم مواضع يأوون إليها شبيهة بالغياض والآجام وأكثر نباتهم الخيزران، وهم عراة لا يستترون بشيء وكذلك نساؤهم أيضاً، لا يستترون في النكاح بل يأتونه جهاراً ولا يرون بذلك بأساً، وربما فعل الرجل منهم بابنته وأخته وليس يرى بذلك عاراً ولا قبيحاً، وهم سود مناكير الوجوه مفلفلو الشعور طوال الأعناق والسوق مشوهو الوجوه جداً. جابة (١) : جزيرة من جزر الهند أيضاً تلي جزيرة كله، ولها ملك اسمه جابة وقد تكون سميت به، وهو يلبس حلة الذهب وقلنسوة الذهب مكللة بالدر والياقوت، ودراهمه مطبوعة بصورته، وهو يعبد البد، والبدود هي الكنائس بلغة أهل الهند، وبد الملك حسن البناء والهيئة، وفي داخل البد أصنام من كل جهة مصنوعة من حجارة الرخام وعلى رؤوسها التيجان المكللة بالذهب، وصلاتهم في هذه الكنائس غناء وتلحين وتصفيق لطيف بالأكف وزفن الجواري الحسان ولعبهن فيكون ذلك كله بين أيدي المصلين والمجتمعين في البد، ولكل بد من تلك الجواري عدة يأكلن ويلبسن من مال البد، وإن المرأة إذا ولدت بنتاً حسنة الصورة جميلة القد تصدقت بها على البدود وإذا ترعرعت وشبت كستها أبلغ ما تقدر عليه من الثياب وأخذت أمها بيدها، وحولها أهلها نساء ورجالاً، وسيرتها إلى البد الذي تصدقت بها عليه وتدفعها إلى خدامه وتنصرف، فإذا صارت الطفلة بيد خدام البد دفعوها إلى نساء عارفات بالزفن وجمل اللعب مما تحتاج إليه، فإذا قبلت التعليم لبست أفضل الثياب وحليت بأرفع الحلى ولزمت البد ولم يكن لها خروج عنه ولا زوال، وكذلك سنة الهنديين الذين يعبدون البدود. وبهذه الجزيرة شجر النارجيل كثير والموز المتناهي طيباً وكثرة وبها قصب السكر والأرز. جامة: من بلاد الإفريقية (٢) . الجاثليق (٣) : من أرض السواد بالعراق وفيه نزل عبد الملك بن مروان حين توجه إلى لقاء مصعب بن الزبير وذلك سنة اثنتين وسبعين، وهو في عساكر مصر والجزيرة والشام، وجاء مصعب في أهل العراق فالتقيا بمسكن، قرية من أرض العراق على شاطئ دجلة، وكاتب عبد الملك رؤساء أهل العراق ممن كان مع مصعب سراً يرغبهم ويرهبهم، وكان إبراهيم بن الأشتر على مقدمة مصعب، فاقتتلوا حتى غشيهم المساء وقتل إبراهيم بن الأشتر بعد أن نكا فيهم، وسار عبد الملك حتى نزل دير الجاثليق ثم تصاف القوم، فأفرد مصعب وتخلى عنه من كان معه من مضر واليمن، وبقي في سبعة نفر منهم إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله وابنه عيسى بن مصعب، فقال له أبوه مصعب: يا بني اركب فرسك والحق بعمك ودعني فإني مقتول، فقال له: لا والله لا تتحدث نساء قريش أني فررت عنك ولا أحدثهم عنك أبداً، فقال له المصعب: أما إذ أبيت فتقدم أحتسبك، فتقدم عيسى فقاتل حتى قتل، وأمر عبد الملك أخاه محمداً أن يمضي إلى مصعب فيؤمنه ويعطيه عنه ما أراد، فمضى محمد فوقف قريباً من مصعب ثم قال: يا مصعب هلم إلي أنا ابن عمك محمد بن مروان، قد أمنك أمير المؤمنين على نفسك ومالك وكل ما أخذت وأن تنزل أي البلاد شئت ولو أراد بك غير ذلك لأنزله بك فأنشدك الله في نفسك، وأقبل رجل من أهل الشام إلى عيسى بن مصعب ليحتز رأسه فعطف عليه مصعب فقده وعرقب فرس مصعب وبقي راجلاً، وأقبل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاختلفا ضربتين سبقه مصعب بالضربة إلى رأسه، وكان مصعب قد اثخن بالجراح، وضربه عبيد الله فقتله واحتز رأسه وأتى به عبد الملك فسجد وقبض عبيد الله على قائم سيفه فاجتذبه من غمده حتى أتى على أكثره سلاً ليضرب به عبد الملك حال سجوده ثم تذمم واسترجع، وكان يقول بعد ذلك: ذهب الفتك من الناس إذ هممت ولم أفعل، فأكون قد قتلت عبد الملك ومصعباً ملكي العرب في ساعة واحدة، وتمثل عبيد الله عند مجيئه برأس مصعب ﵁: نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم وقال عبد الملك: ما تلد قريش مثل مصعب، فأمر عبد الملك بمصعب وابنه فدفنا بدير الجاثليق. وفي مصرع مصعب بدير الجاثليق يقول عبيد الله بن قيس الرقيات (٤) :

стр. 172

لقد أورث المصرين عاراً وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم ولكنه ضاع الذمار ولم يكن ... بها مضري يوم ذاك كريم جزى الله بصري بذاك ملامة ... وكوفيهم إن المليم مليم جالطة (١) : جزيرة قريبة من جزيرة سردانية تقابل الجانب الشرقي منها بينهما مجاز، وجالطة في حيز بلاد إفريقية تقابل طبرقة من بر إفريقية، وهي جبل منيف كثير الزعفران يأوي إليها الروم والغزاة من المسلمين، وينبت الفول فيها بطبع أرضها من غير فلاحة ولا اعتمال ويحمل منها أخضر ويابساً، وهي كثيرة الوعول. الجامور (٢) : جبل في شرقي مرسى بحر تونس كبير غير معمور بينه وبين المرسى نحو سبعين ميلاً، وفيه بئر معينة وآثار قديمة وفيه يختفي عدو البحر إذا رام الوثوب على ما يستفرصه. جباي (٣) : من مدن خوزستان ورستاق عظيم مشتبك العمارة بالنخل وقصب السكر وغيرهما من الفواكه، ولأهلها رفاهية وخصب، ومنها أبو علي الجبائي إمام المعتزلة ورئيس المتكلمين في عصره (٤) . الجبوبة: جزيرة فيها عين من شرب منها من الخلق ذهب عقله تسمى العين كونياطش. جبريل، بيت جبريل (٥) : مدينة قديمة بالشام أهلها قوم من جذام وبها المومياء. جبنيانة (٦) : قرية في بلاد إفريقية بقرب سفاقس منها أبو إسحاق الجبنياني الصالح المشهور الكرامات والفضائل، وأخباره ومناقبه مجموعة مصنفة (٧) . جبل (٨) : بالعراق عند جرجرايا وهي مدينة بها جوامع وأسواق. الجحفة (٩) : بالحجاز قرية جامعة لها منبر بينها وبين البحر ستة أميال وبينها وبين مكة نحو ستة وسبعين ميلاً، وهي منزل عامر آهل فيه خلق ولا سور عليه، والجحفة ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وبين الجحفة وعسفان غدير خم وهو الذي دعا رسول الله ﷺ أن ينقل وبأ المدينة إلى مهيعة لما استوبأ المهاجرون المدينة. وعن الأصمعي أنه قال: لم يولد بغدير خم مولود فعاش إلى زمن الاحتلام إلا أن يتحول عنها، وبقرب غدير خم موضع خيمتي أم معبد الخزاعية، وبين خيمتي أم معبد وقديد ميلان، وروي أن النبي ﷺ عرس في غدير خم وقال هناك: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وذلك منصرفه من حجة الوداع، وسميت الجحفة جحفة لأن السيول أجحفتها. وذكر ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني عبيل وهم أخوة عاد من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فأجحفهم فسميت الجحفة، وفي أول الجحفة مسجد النبي ﷺ وبين الجحفة والبحر نحو ستة أميال. وغدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق، وهذا الغدير تصب فيه عين وحولها شجر كثير ملتف وهي الغيضة التي تسمى خم، وبين الغدير والعين مسجد النبي ﷺ ، وقال عليه

стр. 173

الصلاة والسلام: " اللهم انقل وبأ المدينة إلى مهيعة "، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال ﵄، قالت عائشة ﵂: فدخلت عليهما فقلت: يا أبة كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر ﵁ إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله ... وكان بلال ﵁ إذا أقلعت عنه يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة ﵂: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة وأشد وصححها وانقل حماها إلى الجحفة ". جخندة (١) : من مدن فرغانة وعلى نهر يأتي من الجنوب، وهي متاخمة لفرغانة وهي في غربي نهر الشاش، وطولها أكثر من عرضها، وهي منضافة إلى فرغانة إلا أنها منفردة عن الأعمال، وقهندز جخندة وجامعها في المدينة، وهي حسنة المنصب كثيرة المتنزهات طيبة الفواكه وبها رمان لا يعدل به يشف حبه لرقة قشره، وفي أهلها جمال ظاهر ومروءة بواطن وزروعها لا تقوم بأهلها فهي تمار من فرغانة واشروسنة وتنحدر إليهم السفن من نهر الشاش، وهو نهر عظيم تجتمع فيه أنهار من حدود بلاد الترك والإسلام، ووراء جخندة مما يلي الشمال جبل شاهق مطل عليها يسمى شاوعر. جدة (٢) : بلد على ساحل مكة شرفها الله تعالى بينهما أربعون ميلاً، وأهلها مياسير وذوو أموال واسعة ولهم موسم قبل وقت الحج مشهور البركة تنفق فيه البضائع المجلوبة والأمتعة المنتخبة، وليس بعد مكة مدينة من مدن الحجاز أكثر من أهلها مالاً، وبها وال من جهة ناحية صاحب مكة يقبض صدقاتها ولوازمها ومكوسها ولها مراكب كثيرة تتصرف إلى جهات كثيرة، ويصاد بها السمك الكثير، والبقول بها ممكنة، وهي من بنيان الفرس بنوا سورها أتقن بناء وكذلك مساكنها ودورها حتى لا يكون بناء أتقن منها، وكان ينزلها ملوك الفرس التجار القادمين من الآفاق فإنها محط السفن من الهند وعدن واليمن وعيذاب والقلزم وغيرها، وبجدة رباط لأبي هريرة ﵁ معروف، وهي مبنية بالآجر والجص وخشب الساج الهندي والأبنوس الجيد الوافي العود من عشرين شبراً إلى أزيد، وهو على أربع طبقات وخمس، وفي دورها مواجل للماء، وفي أعلى منازلها قباب محكمة، ويذكر أهلها أن من بلغ كسبه مائة ألف دينار بنى على داره قبة يعلم بذلك أن كسبه قد بلغ العدد المذكور، وأهلها أغنى الناس وأكثرهم مالاً، وبها دور كبيرة لها ثلاث قباب وأربع، وبجدة نزلت حواء ﵍، وبعرفات تعرفت بآدم، وقيل بجدة قبرها، ومن سار إلى القلزم في البحر من جدة لم يفارق الساحل. جرباتن (٣) : مدينة بالهند بينها وبين فندرينة خمس مراحل، وهي بلد أرز كثير وحبوب كثيرة، ويذكر أن منها ميرة سرنديب، وفيها ينبت شجر الفلفل كثيراً جداً. جرجرايا: بالعراق مدينة على شرقي دجلة بقرب دير العاقول؛ قالوا (٤) : من المدائن إلى واسط خمس مراحل أولها دير عاقول وهي مدينة النهروان الأوسط وبها قوم دهاقين، ثم جرجرايا وهي مدينة النهروان الأسفل وهي ديار الأشراف والفرس (٥) وهي مدينة كبيرة وبها مسجد جامع ويسقى زرعها بالزرابيق، وبها تتخذ الثياب الميسانية. وكان محمد بن سيرين من أهل جرجرايا بزازاً وكان مولى أنس بن مالك ﵁، ومات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم، وكان أبوه سيرين عبداً لأنس بن مالك كاتبه على

стр. 174

عشرين ألفاً فأدى الكتابة، وكان من سبي ميسان، وكان المغيرة افتتحها، وقيل كان من سبي عين التمر، وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر ﵁، طيبها ثلاث من أزواج النبي ﷺ ودعون لها وحضر إملاكها ثمانية عشر بدرياً فيهم أبي بن كعب ﵁ يدعو وهم يؤمنون. ومن أهل جرجرايا أبو القاسم أحمد بن علي بن أحمد الجرجرائي (١) والزير الظاهر وابنه المستنصر خليفتي مصر العبيديين وكان أحد رجال الدنيا دهاء وسياسة وبعد غور قالوا: اشتهى خليفة مصر الشيعي أن يسمع كلام المغاربة فأدخل إليه وزيره الجرجرائي رجلاً يعرف بالدقي فكلمه والخليفة محتجب عنه بحيث يسمع كلامهما، فقال له الوزير الجرجرائي: ما اسمك وبماذا تعرف قال: أنا فلان بن فلان الدقي، فقال له الوزير: وما الدقي، أمن دقة الملح فقال: لا، دقة بينها وبين القيروان مثل ما بين جرجرايا وبغداد، فضحك منه وانصرف. وكان هذا الوزير من أدهى الناس وأشدهم فكرة، بلغه أن ملك القسطنطينية خرج في جمع عظيم مصمماً على بلاد المسلمين بالشام فأعمل الحيلة بالأموال وإفساد قلوب الرجال فلم يفده فنظر نصرانياً عارفاً بلغاتهم وصور له كتاباً مذهباً فيه معاقل الشام ومدنها وترجم عليه وذكر وجوه الحيل في فتحها ودفعه لذلك النصراني واتفق معه بما يرضيه من المال والجاه فتوجه إلى ملك القسطنطينية وهو في سفره مصر على الشام، فقدم له الكتاب، وذكر أنه صنعه لمعرفته بالبلاد وطلباً للأجر في حق النصرانية، فأخذه الملك وغيب النصراني وجهه، والتصقت الأوراق المذهبة فجعل الملك يمد أنامله إلى فيه على العادة في ذلك ويلمس ورقه، وكانت مسمومة، فسرى إليه السم، فهلك وكفى الله شره. ومن طريف أخبار الجرجرائي أن خليفته قطع يده فخرج من فوره فجلس في دسته غير مكترث، وقيل له في ذلك فقال: إن الخليفة قطع يدي عقوبة ولم يعزلني. وقال فيه أبو طالب عبد الله الأنصاري وكان قصده بمصر وتردد إليه فلم يحل منه بطائل، وسمعه كثيراً ما يقول للعمال: أبيتم إلا الخيانة، وكان كثير المصادرة لهم والقبض عليهم، فقال: قل للوزير وقد أبا ... نوا قبل خطته بنانه اغمد لسانك والتزم ... طرق السلامة والصيانه كم ذا تقول أبيتم ... إلا الجناية والخيانه أتراهم قطعوا يد ... يك على النزاهة والأمانه وبلغت الأبيات الجرجرائي، فهرب أبو طالب إلى نيسابور، واتصل بالوزير نظام الملك فرفع له معرضاً بالوزير الجرجرائي: قل للأقيطع قد وصل ... ت لمن له ألفا يد ثنتان جارحتان وال ... باقي لجبر المقصد وتوفي هذا الوزير الجرجرائي في آخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة. جربة (٢) : جزيرة في بحر إفريقية أقرب بلادها إليها قابس، يسكنها قوم من الخوارج وغيرهم والشر والنفاق موجود في جبلتهم ولا يتكلمون بالعربية وهم أهل فتنة وخروج عن الطاعة، وتغلب عليها طاغية صقلية سنة تسع وعشرين وخمسمائة ثم نبذوا طاعته فغزاهم ثانية ورفع جميع سبيها إلى المدينة، وطول جربة ستون ميلاً من المغرب إلى المشرق، وعرض الرأس الشرقي خمسة عشر ميلاً، ويتصل بها من بعض نواحيها جزيرة زيزو (٣) وهي صغيرة جداً ذات نخل وكروم، وبينها وبين البر نحو ميل، وهم نكار خوارج، وجميع أهل هاتين الجزيرتين وهبية لا يماسح ثوب أحدهم ثوب رجل غريب ولا يمسه بيده ولا يؤاكله ولا يأكل له في آنية إلا أن تكون آنية لا يقربها سواه، ورجالهم ونساؤهم يتطهرون في كل يوم عند الصباح ويتوضؤون ثم يتيممون لكل صلاة، وإن استقى عابر سبيل شيئاً من مياههم وعاينوه طردوه واستخرجوا ذلك الماء من البئر، وثياب الجنب لا يقربها الطاهر، وثياب الطاهر لا يقربها الجنب، وهم مع ذلك كله يطعمون الطعام ويندبون إليه ويسالمون الناس في أحوالهم، وفيهم عدالة بينة لمن نزل بهم. وجزيرة زيزو طولها أربعون ميلاً وعرضها نصف ميل، وبعضها معمور بالقصور والكروم والنخيل وبعضها تحت الماء يشف على وجهها نحو قامة وأزيد، وخيرات جربة كثيرة وفواكهها طيبة وأرضها عذاة كريمة.

стр. 175

قالوا (١) : وافتتح رويفع بن ثابت قرية من قرى المغرب يقال لها جربة، فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس إني لا أقول لكم إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ يقول فينا يوم خيبر: قام فينا فقال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب المرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه "، وكان رويفع هذا ولاه معاوية ﵁ طرابلس فغزا منها إفريقية ودخلها وانصرف من عامه فيقال مات ببرقة، ويقال مات بالشام. جرش: باليمن، وهي من البلاد التي كان أهلها اتخذوا الأصنام بعد دين إسماعيل ﵇ وهم مذحج بن أدد، وهم من الذين قالوا " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً " قال ابن إسحاق (٢) : وقدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي فحسن إسلامه في وفد من الأزد، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج صرد يسير بأمر رسول ﷺ حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من اليمن وقد ضوت إليه خثعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريباً من شهر وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلاً حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً شديداً، وكان أهل جرش بعثوا رجلين إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران، فبينا هما عند رسول الله ﷺ بعد العصر إذ قال رسول الله ﷺ : " بأي بلاد الله شكر؟ "، فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر (٣) ، وكذلك تسميه أهل جرش، فقال لهما: " ليس بكشر ولكنه شكر "، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال ﷺ : " إن بدن الله لتنحر عنده الآن "، فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان ﵄ فقال لهما: ويحكما إن رسول ﷺ الآن لينعي لكما قومكما، فقوما إليه فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: " اللهم ارفع عنهم "، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما فوجداهم أصيبوا يوم أصابهم صرد في اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها رسول الله ﷺ ما ذكر، فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا. الجرف (٤) : موضع بقرب ودان، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، مر به تبع في مسيره فقال: هذا جرف الأرض فلزمه. وقال الزبير ﵁: الجرف على ميل من المدينة، وقيل على فرسخ من المدينة، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو وفي حديث أنس رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: " يأتي الدجال إلى المدينة فيجد على كل نقب من أنقابها صنوفاً من الملائكة فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه فترجف الملائكة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة ". وفي " الموطأ ": خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى أرضه بالجرف فرأى في ثوبه احتلاماً فقال: إني بليت بالاحتلام منذ ولينا أمور المسلمين، فاغتسل وغسل ما في ثوبه من الاحتلام، ثم صلى بعد أن طلعت الشمس. وبالجرف مات المقداد بن الأسود ﵁ وحمل على أعناق الرجال حتى دفن بالبقيع وصلى عليه عثمان ﵁ ولم يكن في بدر إلا فرس المقداد، وكان أبلق. جرف مواز (٥) : بالأندلس، على قرطبة جبل يقال له جلطراء يشرف على قرطبة وجميع متنزهاتها وقصورها، وهو وعر في الشتاء مزلة لا يستمسك عليه قدم، وفيه يقول بعض الظرفاء: نشبتي في إخاء من ليس يرعى ... لأخيه الودود حق الإخاء تشبه الجمر والهواء مطير ... في جنوب الأجراف من جلطراء وفي هذا الجبل جرف منقطع عال جداً تحته هواء بعيد مشرف

стр. 176

على جميع بساتين رملة قرطبة يعرف بجرف مواز، ومواز رجل أسود من أهل هذه القرية كان يأتي كل غداة فيقف بأعلى هذا الجرف فينادي بأعلى صوته: يا أهل الرملة، ثلاثاً، يسمعهم عن آخرهم بجهارة صوته وإشراف معانيه، فإذا تشوفوا كشف لهم عن دبره ويركع على أربع قابضاً على أصل شجرة كبيرة هناك نابتة يعتصم بها من السقوط، فلما طال ذلك عليهم من فعله دسوا من قطع عروق تلك الشجرة التي كان يتمسك بها وسوى عليها التراب كحالتها الأولى وأتى مواز بالغد فصاح بهم على عادته وصنع كمعهود صنيعه فتهور من أعلى ذلك الجرف فما وصل إلى الأرض إلا ميتاً فضرب به المثل، حتى قال بعض الشعراء: وعدتني وعداً وقربته ... تقريب من يثني بإنجاز حتى إذا قلت انقضت حاجتي ... رميت بي من جرف مواز جرجان (١) : في خراسان، أول من نزلها جرجان بن أميم بن لاوذ بن سام فسميت به، وسار وبار بن اميم أخوه إلى جانب الدهناء مما يلي اليمامة فسميت به أرض وبار. والغالب (٢) على أعمال جرجان الجبال والقلاع، وربما بلغت قلاعها تسعمائة قلعة، وجرجان وطبرستان مدينتان من عمل خراسان، والري وجرجان وأعمالها مضافة (٣) لطبرستان، وجرجان مدينة كبيرة جداً ليس لها نظير في نواحيها، وبناؤها بالطين وأمطارها دائمة، وهي مدينتان والنهر يشق بينهما، ونهرها كثير الماء وعليه قنطرة معقودة، وجرجان اسم المدينة الشرقية واسم الغربية بكراباذ وهي أصغر من جرجان ولها ضياع وبساتين وزروع وعمارات، وبها كثير من الكروم والتمر الكثير والتين والزيتون وقصب السكر وسائر الفواكه، وفي أهلها مروءة ظاهرة، وفيهم علماء وطلاب الأدب، ونقودهم ونقود أهل طبرستان الدنانير والدراهم، وبجرجان فرضة على البحر تسمى ابسكون (٤) وهي مدينة صالحة، ويركب من ابسكون إلى بلاد الخزر وباب الأبواب والجيل والديلم. ومن الري إلى جرجان سبع مراحل، وجرجان على نهر الديلم وافتتحها سعيد بن عثمان في خلافة سليمان بن عبد الملك وجرجان مدينة كبيرة جداً كما قلنا، وهي سهلية جبلية بحرية، الجبل منها يساير الداخل فيها، وفيها قصب السكر، وعلى النهر الذي يشق بين المدينتين جسر معقود. ولا تخلو (٥) جرجان وطبرستان مشتى ومصيفاً من الأمطار الدائمة المؤذية القاطعة عن الأشغال. وكان أهل جرجان يأخذون أنفسهم بالتأتي للأخلاق المحمودة، وكانوا أظهر مروءة ووقاراً ويساراً من أهل طبرستان، فبدد شملهم جور السلطان واحتلال العساكر، وافترقوا في البلاد وخربت المدينة إلا الأقل. ولها مياه كثيرة وضياع واسعة ولم يكن بالمشرق بعد أن تجاوز الري والعراق مدينة أجمع ولا أظهر خصباً من جرجان وأصل ابريسم طبرستان من جرجان لأن بزره يؤخذ كل سنة من جرجان ولا يخرج من بزر طبرستان. ومدينة ابسكون المذكورة مدينة صالحة ليس بجميع هذه النواحي فرضة أجل من ابسكون. وكان العجم من الفرس قد حصنوا جرجان بحائط من آجر لا يرام تمنعوا به من الأتراك، وهو حائط طويل أحد طرفيه داخل في البحر أربعة فراسخ والطرف الآخر حيال جبال خراسان، وعلى كل فرسخ حصن، فكانت الترك تأتيهم من ناحية خوارزم فلا يصلون إليهم، ثم إن الترك تحيلوا حتى ظهروا عليهم وتغلبوا عليها، وسمة الملك منهم صول، وأذاقوا أهل خراسان شراً، وتملكوا معها دهستان والبحيرة وهي جزيرة، بينهما ثلاثون فرسخاً، ورامها سابور ذو الأكتاف وخسر بن قباذ وخسر بن هرمز فأعيتهم حتى جاء الإسلام (٦) ، فغزاها سويد بن مقرن سنة ثمان عشرة من الهجرة، وصاحبها رزبان صول، فكاتبه رزبان صول فانصرف عنه، ثم غزاها سعيد بن العاصي في خلافة عثمان سنة ثلاثين فصالحوه على مائتي ألف فلم يأتها بعد سعيد أحد، ومنعوا طريق

стр. 177

خراسان فلم يسلكه أحد من ناحية قومس إلا على خوف، إنما كان الطريق على فارس إلى كرمان إلى خراسان فأول من صير الطريق من قومس إلى خراسان قتيبة بن مسلم وكان يكتب إلى الحجاج يستأذنه في غزو جرجان فيأبى عليه، ويكتب إليه: الأنوق والعيوق، إياي والورطات، لنا السهل ولهم الجبل، فلما ولي يزيد بن المهلب خراسان أيام سليمان كانت جرجان من همه، فلما انتهى إلى قومس وجد ريحاً منتنة، فقال: ما هذه الريح؟ قيل له: أغار صول التركي على هذه الناحية فقتل هؤلاء فهذه ريح القتلى، فقالا: قبح الله قتيبة، ترك هؤلاء في قبضة المسلمين وهو يغزو المسلمين، فقال له رجل من بني تميم: قد أرادها قتيبة ولكن الحجاج منعه منها فامض إلى خراسان حتى يتمكن أمرك ثم ناهضها. وخرج عن جرجان بعض المرازبة مغاضباً لصول فأتى يزيد فقرب عليه أمر جرجان، فأقبل يزيد في جند الشام وخراسان ودهاقينها في عشرين ومائة ألف يؤم جرجان، فتحول عنها صول إلى البحيرة، فاجتمع الترك في مدخل جرجان، فلقوا يزيد فقاتلهم فهزمهم فبلغت هزيمتهم دهستان، ووضع يزيد بجرجان وضائع من جنده وأتى البحيرة فحصر صولاً فقاتلوه مراراً، وأكثر يزيد فيهم القتل يوماً فدخلوا حصنهم فلم يخرجوا بعد ذلك، وحصر أهل البحيرة ستة أشهر فنزلوا على حكمه على أن يؤمن صولاً وأهله وثلثمائة ممن أحب، ويقال خمسمائة، ولا يعرض لماله وتدفع إليه البحيرة بما فيها ففتحها وسبى أهلها ثم توجه إلى طبرستان فجرت بينه وبين الأصبهبذ صاحبها خطوب كثيرة آل الأمر في ذلك إلى أن صالحه على ألفي ألف وعلى أربعمائة وقر من زعفران وثلثمائة أمير من العرب كانوا هناك وعلى أن يدفع إليه خمسمائة من الأتراك كانوا غدروا بالمسلمين، وكان الذي توسط في الأمر بينهما حيان النبطي، فحمل الأصبهبذ إليه صلحه، وبعث بالأتراك فقتلهم. وخلا لهم الطريق إلى جرجان فمشى يزيد إلى جرجان وأعطى الله عهداً (١) إن ظهر عليهم أن لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز ذلك الطحن فيأكله، فلما بلغ المرزبان بجرجان مسيره تحصن منه في قلعتها وليست تحتاج إلى عدة من طعام ولا شراب وحولها غياض ملتفة وليس يعرف لها إلا طريق واحد، فنزل بها يزيد فأقام سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لها مأتى، فبينا هم كذلك إذ خرج الهياج بن عبد الرحمن الأزدي من أهل طوس، وكان مولعاً بالصيد، فرأى ظبية أو وعلاً متوقلاً في الجبل فاتبعها يقفوها في مثل شراك النعل حتى اطلع على قلعتهم من طريق خفي، فلما عاين ذلك انصرف راجعاً وخاف أن يشتبه عليه الطريق فجعل يخرق ما عليه من الثياب ويضعه على الشجر يتخذ ذلك علماً حتى انتهى إلى العسكر فأعلم يزيد فأمر له بجائزة وبعث معه بأربعة آلاف، فقال إن الطريق لا تحمل هذه الجماعة فاتخذ ثمانمائة (٢) وقال: لا بد من سلم من جلود فاتخذها وقال له يزيد: متى تصل إليهم؟ قال: غداً عند صلاة العصر، فنهض فلما انتصف النهار من الغد أمر يزيد أن يشعل النار في حطب كان جمعه في حصاره لهم فصار آكاماً فأضرموه فصار حول العسكر أمثال الجبال من النيران، فهال ذلك العدو فخرجوا، وأمر يزيد الناس فجمعوا بين الظهر والعصر، وزحفوا إلى المشركين يقاتلونهم والمشركون آمنون من الوجه الآخر فلم يرعهم بعد العصر إلا التكبير من ورائهم فعطفوا عليهم، وركب المسلمون أكتافهم فأعطوا بأيديهم وفتحوا القلعة ونزلوا على حكم يزيد فقتل المقاتلة وسبى الذرية وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى وادي جرجان وقال: من يطلبهم بثأر فليقتل، وكان الرجل يقتل الأربعة والخمسة في النهر، وجرى الماء بدمائهم فطحن له عليه واختبز من ذلك الطحن وأكل ليبر قسمه وصلبهم نحو فرسخين وبنى مدينة جرجان وقصبتها وكتب يزيد إلى سليمان: إن الله تعالى قد فتح لأمير المؤمنين جرجان ودهستان وطبرستان والبحيرة وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن هرمز وكسرى بن قباذ وأعيا ذلك الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ ومن بعدهما من خلفاء الله تعالى، وفتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة من نعمه عليه، وقد صار في يدي ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة عشرون ألف ألف فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تفعل أيها الأمير، إن هذا يبقى عليك مخلداً بكتابك في دواوينهم فإن ولي بعده وال فتحامل عليك لم يرض منك إلا بأضعافه وإن عدل عليك أخذ بما في كتابك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح وألغ ذكر المال، فإذا

стр. 178

لقيت أمير المؤمنين شافهته بالمال فلا ينعقد عليك ما ينعقد، فأبى يزيد وأمضى الكتاب ومات سليمان قبل أن يصل إليه الكتاب، وطولب يزيد بعد ذلك بالمال، وكأن الذي أشار عليه رأى الغيب من ستر رقيق. وكرز (١) من أهل جرجان أزهد الناس في زمانه حتى قال سفيان بن عيينة: لو كان أحد يكتفي بالتراب قوتاً لاكتفى به كرز، وقبره بجرجان يزار ويقصد، وقال الشاعر: لو شئت كنت ككرز في تعبده ... أو كابن طارق حول البيت والحرم قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب الفوز والكرم والقاضي الجرجاني هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (٢) قاضي القضاة بالري، وهو صاحب الأبيات المشهورة الشريفة: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لاخدما أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما الجرجانية (٣) : هي المدينة الكبرى والقاعدة العظمى من خوارزم، وهي مدينتان على ضفة النهر يجاز بينهما بالمراكب، واسم المدينة الشرقية منها درغاش والمدينة الغربية هي الجرجانية، وهي كبيرة عامرة ذات أسواق وربض وسور محيط بالربض، والمدينة طولها نحو من تسعة أميال في مثلها، وهي متجر الغزية، ومنها يخرج الرفاق إلى أرض جرجان وكانت تخرج إلى الخزر على مر الأيام وإلى سائر بلاد خراسان. قالوا: ومرو ونيسابور وبلخ مع عظم كل واحدة من هذه تقصر عن الجرجانية بانفرادها وانها كانت سرير السلطان الأعظم صاحب الأقاليم السلطانية ورب العساكر الكثيفة خوارزم شاه. ونزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة وكان بها حينئذ عسكر جليل وأمراء مشهورون فحاصروها الحصار الشديد، فدام عليها الحصار المتصل خمسة أشهر، وقتل من الفريقين خلق عظيم، فأرسل الططر المحاصرون إلى خاقانهم وهو مشغول بثقاف خراسان فأمدهم بعشرين ألف مقاتل، وقاتلهم أهل الجرجانية قتالاً شديداً حتى ظهر في ذلك النساء والصبيان، إلى أن ملك الططر المدينة وقتلوا فيها كل ذي روح، وقيل لهم إن الناس اختفوا في سراديب وأماكن غامضة ففتحوا سكر جيحون وغرقوا المدينة بذلك النهر الأعظم، وتركوا موضعها أجمة فما نجا من أهلها أحد، ومن ذلك الحين عدل جيحون عن الصب في بحيرة خوارزم وسلك غير طريقه في الرمال إلى أن صير في بحر طبرستان بساحل دهستان. جرباذقان (٤) : مدينة في داخل المشرق، ذكرها السلفي في الأربعين البلدانية. جراوة مكناسة (٥) : مدينة في سهل من الأرض وكان عليها سور مبني بالطوب، وداخلها قصبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها وعيون متفجرة، وداخلها آبار عذبة وخمسة حمامات أحدها ينسب إلى عمرو بن العاصي ﵁، وجامع من خمس بلاطات على أعمدة حجارة. وأسسها أبو العيش عيسى بن ادريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة تسع وخمسين ومائتين، وكان لها بابان شرقيان وثالث غربي ورابع

стр. 179

جوفي وحواليها بسائط عريضة للزرع والضرع، وحولها عدة من القبائل من البربر مطغرة وبني يفرن وغيرهم، وبينها وبين البحر ستة أميال. ولعل أحمد بن عبد السلام الجراوي (١) شاعر بني عبد المؤمن من هذه المدينة إذ كان يدعى الجراوي، ويقال إنه مدح في صباه عبد المؤمن ثم مدح ابنه يوسف وابنه يعقوب المنصور ومحمداً الناصر بن المنصور، وتوفي في عام العقاب سنة تسع وستمائة، وكان حافظاً وصنف للمنصور يعقوب مجموعاً من أشعار الناس رتبه على أبواب " الحماسة " وكان غيوراً على الشعر حسوداً للشعراء ناقداً عليهم غير مسلم لأحد منهم. الجزائر (٢) : من أشير إلى جزائر بني مزغنا، وبين مدينة شرشال والجزائر سبعون ميلاً، والجزائر مدينة جليلة قديمة البناء فيها آثار للأول، ومتيجة (٣) قريبة منها، وتدل الآثار العجيبة التي بالجزائر على أنها كانت دار مملكة لسالف الأمم؛ وصحن دار الملعب فيها قد فرش بحجارة ملونة صغار مثل الفسيفساء وفيها صور الحيوان بأحكم عمل وأبدع صناعة لم يغيرها تقادم الأزمان ولا تعاقب القرون، ولها أسواق ومسجد جامع، وكانت بها كنيسة عظيمة بقي منها جدار هو اليوم قبلة شريعة العيدين مفصص كثير النقوش والصور، ومرساها مأمون به عين عذبة يقصدها أصحاب السفن من إفريقية والأندلس وغيرهما. والجزائر (٤) على ضفة البحر، وشرب أهلها من عيون على البحر عذبة ومن آبار، وهي عامرة آهلة وأسواقها قائمة، وفي جبالها قبائل البربر وزراعاتهم الحنطة والشعير، وأكثر أموالهم المواشي البقر والغنم، ويتخذون النحل كثيراً والعسل والسمن في بلدهم كثير ولذلك يتجهز به منها إلى الأقطار المجاورة لها والمتباعدة عنها، وأهلها قبائل ولهم حزم وفيهم منعة (٥) . ويتصل بجزائر بني مزغنا فحص متيجة وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقه الأنهار، وهو نحو مرحلتين في مثلها وقد أحدقت به جبال مثل الاكليل. جزيرة العرب: في الحديث: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان في جزيرة العرب ". قيل جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن، والعرج أول تهامة، وقيل جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وحفر أبي موسى على خمس مراحل من البصرة. وقال الأصمعي (٦) : جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطرار الشام. قالوا: وكانت أرض العرب خاوية ليس في تهائمها ونجدها وحجازها كثير أحد لإخراب بختنصر إياها وإخلائها من أهلها إلا من اعتصم برؤوس الجبال والشعاب. وبلاد العرب هي التي صارت في قسم من أنطق الله باللسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمن نمرود، وإنما سمتها العرب جزيرة (٧) لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وصاروا منها في مثل الجزيرة، لأن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحط عن الجزيرة وهي ما بين الفرات ودجلة وعن سواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلة، وامتد البحر من ذلك الموضع مغرباً مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها فأتى منها على سفوان وكاظمة، ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر، وسال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن ببلاد حكم والأشعريين وعك ومضى إلى جدة ساحل مكة، وإلى الجار ساحل المدينة وإلى ساحل تيماء حتى بلغ إلى قلزم بمصر وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً البحر حتى وقع في بحر مصر والشام، وأقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها وأتى على صور ساحل الأردن وعلى بيروت وغيرها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى ساحل حمص وسواحل قنسرين ثم يجيء حتى يخالط الأرض التي أقبل منها الفرات منحطاً عن أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق.

стр. 180

قالوا (١) : فجزيرة العرب مما يلي الشمال في الخط الذي يخرج من ساحل أيلة فيمر مستقبل الشرق في أرض مدين إلى تبوك ودومة الجندل إلى البلقاء وتيماء ومآب وهي كلها من الشام، ويمضي في وادي شيبان وتغلب وبكر، ويتصل بالكوفة والنجف والقادسية والحيرة، وعن يمين هذا الخط مما يلي الجنوب أرض الحجر ووادي القرى وهي أرض ثمود وما دونها إلى الأغوار والتهائم والنجود إلى أن يصل إلى ساحل حضرموت، كل ذلك من أرض العرب، ومما يلي المشرق، وهو مهب الصبا، بطائح البصرة حتى ينتهي إلى الجزيرة ثم فيض البصرة، وهو نهرها الذي البصرة عليه وكان زياد بن سمية حفره إلى الأبلة، ثم إلى سفوان وكاظمة وقطيف وأسياف البحرين وعمان، ثم ينحدر مع الشمال إلى ساحل البحر حتى يأتي غب عدن، والغب ينزوي فيه الماء شبه الخليج، فينعطف عنق من البحر ويأخذ مع الصبا منعطفاً على جزيرة العرب ويستمر نحو الهند مع الشمال والبحر مع دجلة البصرة، وهذا البحر غربيه يسمى أرض العرب وشرقيه يسمى شاطئ فارس، وما وراء ذلك من شرقي البحر عند منقطع أرض فارس فهو من بلاد الهند، ويتسع البحر ويضيق بالجزائر، وحد جزيرة العرب مما يلي الجنوب ساحل هذا العنق المنعطف مع الصبا، وهذا العنق عن يمين الذاهب منه جزيرة العرب إلى ضفة البحر، وعن يساره بلاد الزنج، وفي ساحل هذا البحر يصاب العنبر، ويمضي ذلك العنق حتى يمر بساحل حضرموت وأبين وينتهي إلى عدن على منتهى هذا العنق، ثم ينعطف هذا العنق من عدن مع الجنوب فيمر منعطفاً على جزيرة العرب وغيرها، ثم يمر العنق ببلاد اليمن على سواحلها حتى يصل إلى جدة وهو ساحل مكة، ثم يصير إلى الجار وهو ساحل المدينة ثم يمضي إلى الحوراء وهو ساحل وادي القرى ويقارب بلاد مصر، ثم ينقطع ذلك العنق ويقف. فصارت (٢) بلاد العرب من هذه الجزيرة على خمسة أقسام: تهامة والغور والحجاز والعروض واليمن، لأن جبل السراة وهو أعظم جبال العرب أقبل من أرض اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازاً، لأنه حجز بين الغور وهو هابط وبين نجد وهو ظاهر فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها إلى ذات عرق والجحفة وما طابقها وغار من أرضها فهو غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله، وصار ما دون ذلك الجبل وشرقيه من صحارى النجد إلى أرض العراق والسماوة وما يليهما، ونجد يجمع ذلك كله، وصار الجبل نفسه وما انحجز في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيد إلى المدينة ومن بلاد مذحج تثليث وما دونها إلى ناحية فيد حجازاً، والحجاز يجمع ذلك كله، وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما العروض، وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان: اليمن، وفيها التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله. وطول جزيرة العرب، من آخر حدود الشام وأول حدود الحجاز إلى عدن أبين، اثنان وخمسون مرحلة بسير الإبل وذلك ألف وخمسمائة ميل، وعرضها من بحر جدة إلى بحر الأبلة على الاستقامة ثلاثون مرحلة بسير الإبل وذلك تسعمائة ميل، وفي مواضع منها يختلف هذا الطول والعرض على حسب دخول البحر في أرضها وخروجه عنها، وقد خالفنا شرط الاختصار في هذا الموضع كما وقع لنا في مواضع أخر منه، فلنقتصر على هذا القدر. وعلى الجملة فكل موضع أحاط به البحر أو النهر أو جوز عن وسطه فهو جزيرة وما بين دجلة والموصل يقال له الجزيرة أيضاً وقاعدة هذا العمل الموصل ولها كور وعمائر وقرى وبلاد واسعة وأعمال كثيرة وتشتمل على ديار ربيعة ومضر، وسيأتي ذكر بلادها أو ما تيسر منها في مواضعه إن شاء الله تعالى. وفي سنة ثمان وعشرين ومائة غلب الضحاك بن قيس الحروري على عامة الجزيرة والموصل والعراق. قالوا (٣) : وكان هرقل أغزى حمص في البحر بعد أن غلب عليها المسلمون، واستمد أهل الجزيرة على أبي عبيدة ومن فيها من المسلمين فأجابوه، وبلغت امداد الجزيرة ثلاثين ألفاً سوى امداد قنسرين من تنوخ وغيرهم فبلغوا من المسلمين كل مبلغ، فضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكروا بفناء مدينة حمص وخندقوا عليها، وكتبوا إلى عمر ﵁ يستصرخونه، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص،
следующие страницы →