← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على جميع بساتين رملة قرطبة يعرف بجرف مواز، ومواز رجل أسود من أهل هذه القرية كان يأتي كل غداة فيقف بأعلى هذا الجرف فينادي بأعلى صوته: يا أهل الرملة، ثلاثاً، يسمعهم عن آخرهم بجهارة صوته وإشراف معانيه، فإذا تشوفوا كشف لهم عن دبره ويركع على أربع قابضاً على أصل شجرة كبيرة هناك نابتة يعتصم بها من السقوط، فلما طال ذلك عليهم من فعله دسوا من قطع عروق تلك الشجرة التي كان يتمسك بها وسوى عليها التراب كحالتها الأولى وأتى مواز بالغد فصاح بهم على عادته وصنع كمعهود صنيعه فتهور من أعلى ذلك الجرف فما وصل إلى الأرض إلا ميتاً فضرب به المثل، حتى قال بعض الشعراء: وعدتني وعداً وقربته ... تقريب من يثني بإنجاز حتى إذا قلت انقضت حاجتي ... رميت بي من جرف مواز جرجان (١) : في خراسان، أول من نزلها جرجان بن أميم بن لاوذ بن سام فسميت به، وسار وبار بن اميم أخوه إلى جانب الدهناء مما يلي اليمامة فسميت به أرض وبار. والغالب (٢) على أعمال جرجان الجبال والقلاع، وربما بلغت قلاعها تسعمائة قلعة، وجرجان وطبرستان مدينتان من عمل خراسان، والري وجرجان وأعمالها مضافة (٣) لطبرستان، وجرجان مدينة كبيرة جداً ليس لها نظير في نواحيها، وبناؤها بالطين وأمطارها دائمة، وهي مدينتان والنهر يشق بينهما، ونهرها كثير الماء وعليه قنطرة معقودة، وجرجان اسم المدينة الشرقية واسم الغربية بكراباذ وهي أصغر من جرجان ولها ضياع وبساتين وزروع وعمارات، وبها كثير من الكروم والتمر الكثير والتين والزيتون وقصب السكر وسائر الفواكه، وفي أهلها مروءة ظاهرة، وفيهم علماء وطلاب الأدب، ونقودهم ونقود أهل طبرستان الدنانير والدراهم، وبجرجان فرضة على البحر تسمى ابسكون (٤) وهي مدينة صالحة، ويركب من ابسكون إلى بلاد الخزر وباب الأبواب والجيل والديلم. ومن الري إلى جرجان سبع مراحل، وجرجان على نهر الديلم وافتتحها سعيد بن عثمان في خلافة سليمان بن عبد الملك وجرجان مدينة كبيرة جداً كما قلنا، وهي سهلية جبلية بحرية، الجبل منها يساير الداخل فيها، وفيها قصب السكر، وعلى النهر الذي يشق بين المدينتين جسر معقود. ولا تخلو (٥) جرجان وطبرستان مشتى ومصيفاً من الأمطار الدائمة المؤذية القاطعة عن الأشغال. وكان أهل جرجان يأخذون أنفسهم بالتأتي للأخلاق المحمودة، وكانوا أظهر مروءة ووقاراً ويساراً من أهل طبرستان، فبدد شملهم جور السلطان واحتلال العساكر، وافترقوا في البلاد وخربت المدينة إلا الأقل. ولها مياه كثيرة وضياع واسعة ولم يكن بالمشرق بعد أن تجاوز الري والعراق مدينة أجمع ولا أظهر خصباً من جرجان وأصل ابريسم طبرستان من جرجان لأن بزره يؤخذ كل سنة من جرجان ولا يخرج من بزر طبرستان. ومدينة ابسكون المذكورة مدينة صالحة ليس بجميع هذه النواحي فرضة أجل من ابسكون. وكان العجم من الفرس قد حصنوا جرجان بحائط من آجر لا يرام تمنعوا به من الأتراك، وهو حائط طويل أحد طرفيه داخل في البحر أربعة فراسخ والطرف الآخر حيال جبال خراسان، وعلى كل فرسخ حصن، فكانت الترك تأتيهم من ناحية خوارزم فلا يصلون إليهم، ثم إن الترك تحيلوا حتى ظهروا عليهم وتغلبوا عليها، وسمة الملك منهم صول، وأذاقوا أهل خراسان شراً، وتملكوا معها دهستان والبحيرة وهي جزيرة، بينهما ثلاثون فرسخاً، ورامها سابور ذو الأكتاف وخسر بن قباذ وخسر بن هرمز فأعيتهم حتى جاء الإسلام (٦) ، فغزاها سويد بن مقرن سنة ثمان عشرة من الهجرة، وصاحبها رزبان صول، فكاتبه رزبان صول فانصرف عنه، ثم غزاها سعيد بن العاصي في خلافة عثمان سنة ثلاثين فصالحوه على مائتي ألف فلم يأتها بعد سعيد أحد، ومنعوا طريق

стр. 177

خراسان فلم يسلكه أحد من ناحية قومس إلا على خوف، إنما كان الطريق على فارس إلى كرمان إلى خراسان فأول من صير الطريق من قومس إلى خراسان قتيبة بن مسلم وكان يكتب إلى الحجاج يستأذنه في غزو جرجان فيأبى عليه، ويكتب إليه: الأنوق والعيوق، إياي والورطات، لنا السهل ولهم الجبل، فلما ولي يزيد بن المهلب خراسان أيام سليمان كانت جرجان من همه، فلما انتهى إلى قومس وجد ريحاً منتنة، فقال: ما هذه الريح؟ قيل له: أغار صول التركي على هذه الناحية فقتل هؤلاء فهذه ريح القتلى، فقالا: قبح الله قتيبة، ترك هؤلاء في قبضة المسلمين وهو يغزو المسلمين، فقال له رجل من بني تميم: قد أرادها قتيبة ولكن الحجاج منعه منها فامض إلى خراسان حتى يتمكن أمرك ثم ناهضها. وخرج عن جرجان بعض المرازبة مغاضباً لصول فأتى يزيد فقرب عليه أمر جرجان، فأقبل يزيد في جند الشام وخراسان ودهاقينها في عشرين ومائة ألف يؤم جرجان، فتحول عنها صول إلى البحيرة، فاجتمع الترك في مدخل جرجان، فلقوا يزيد فقاتلهم فهزمهم فبلغت هزيمتهم دهستان، ووضع يزيد بجرجان وضائع من جنده وأتى البحيرة فحصر صولاً فقاتلوه مراراً، وأكثر يزيد فيهم القتل يوماً فدخلوا حصنهم فلم يخرجوا بعد ذلك، وحصر أهل البحيرة ستة أشهر فنزلوا على حكمه على أن يؤمن صولاً وأهله وثلثمائة ممن أحب، ويقال خمسمائة، ولا يعرض لماله وتدفع إليه البحيرة بما فيها ففتحها وسبى أهلها ثم توجه إلى طبرستان فجرت بينه وبين الأصبهبذ صاحبها خطوب كثيرة آل الأمر في ذلك إلى أن صالحه على ألفي ألف وعلى أربعمائة وقر من زعفران وثلثمائة أمير من العرب كانوا هناك وعلى أن يدفع إليه خمسمائة من الأتراك كانوا غدروا بالمسلمين، وكان الذي توسط في الأمر بينهما حيان النبطي، فحمل الأصبهبذ إليه صلحه، وبعث بالأتراك فقتلهم. وخلا لهم الطريق إلى جرجان فمشى يزيد إلى جرجان وأعطى الله عهداً (١) إن ظهر عليهم أن لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز ذلك الطحن فيأكله، فلما بلغ المرزبان بجرجان مسيره تحصن منه في قلعتها وليست تحتاج إلى عدة من طعام ولا شراب وحولها غياض ملتفة وليس يعرف لها إلا طريق واحد، فنزل بها يزيد فأقام سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لها مأتى، فبينا هم كذلك إذ خرج الهياج بن عبد الرحمن الأزدي من أهل طوس، وكان مولعاً بالصيد، فرأى ظبية أو وعلاً متوقلاً في الجبل فاتبعها يقفوها في مثل شراك النعل حتى اطلع على قلعتهم من طريق خفي، فلما عاين ذلك انصرف راجعاً وخاف أن يشتبه عليه الطريق فجعل يخرق ما عليه من الثياب ويضعه على الشجر يتخذ ذلك علماً حتى انتهى إلى العسكر فأعلم يزيد فأمر له بجائزة وبعث معه بأربعة آلاف، فقال إن الطريق لا تحمل هذه الجماعة فاتخذ ثمانمائة (٢) وقال: لا بد من سلم من جلود فاتخذها وقال له يزيد: متى تصل إليهم؟ قال: غداً عند صلاة العصر، فنهض فلما انتصف النهار من الغد أمر يزيد أن يشعل النار في حطب كان جمعه في حصاره لهم فصار آكاماً فأضرموه فصار حول العسكر أمثال الجبال من النيران، فهال ذلك العدو فخرجوا، وأمر يزيد الناس فجمعوا بين الظهر والعصر، وزحفوا إلى المشركين يقاتلونهم والمشركون آمنون من الوجه الآخر فلم يرعهم بعد العصر إلا التكبير من ورائهم فعطفوا عليهم، وركب المسلمون أكتافهم فأعطوا بأيديهم وفتحوا القلعة ونزلوا على حكم يزيد فقتل المقاتلة وسبى الذرية وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى وادي جرجان وقال: من يطلبهم بثأر فليقتل، وكان الرجل يقتل الأربعة والخمسة في النهر، وجرى الماء بدمائهم فطحن له عليه واختبز من ذلك الطحن وأكل ليبر قسمه وصلبهم نحو فرسخين وبنى مدينة جرجان وقصبتها وكتب يزيد إلى سليمان: إن الله تعالى قد فتح لأمير المؤمنين جرجان ودهستان وطبرستان والبحيرة وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن هرمز وكسرى بن قباذ وأعيا ذلك الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ ومن بعدهما من خلفاء الله تعالى، وفتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة من نعمه عليه، وقد صار في يدي ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة عشرون ألف ألف فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تفعل أيها الأمير، إن هذا يبقى عليك مخلداً بكتابك في دواوينهم فإن ولي بعده وال فتحامل عليك لم يرض منك إلا بأضعافه وإن عدل عليك أخذ بما في كتابك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح وألغ ذكر المال، فإذا

стр. 178

لقيت أمير المؤمنين شافهته بالمال فلا ينعقد عليك ما ينعقد، فأبى يزيد وأمضى الكتاب ومات سليمان قبل أن يصل إليه الكتاب، وطولب يزيد بعد ذلك بالمال، وكأن الذي أشار عليه رأى الغيب من ستر رقيق. وكرز (١) من أهل جرجان أزهد الناس في زمانه حتى قال سفيان بن عيينة: لو كان أحد يكتفي بالتراب قوتاً لاكتفى به كرز، وقبره بجرجان يزار ويقصد، وقال الشاعر: لو شئت كنت ككرز في تعبده ... أو كابن طارق حول البيت والحرم قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب الفوز والكرم والقاضي الجرجاني هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (٢) قاضي القضاة بالري، وهو صاحب الأبيات المشهورة الشريفة: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لاخدما أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما الجرجانية (٣) : هي المدينة الكبرى والقاعدة العظمى من خوارزم، وهي مدينتان على ضفة النهر يجاز بينهما بالمراكب، واسم المدينة الشرقية منها درغاش والمدينة الغربية هي الجرجانية، وهي كبيرة عامرة ذات أسواق وربض وسور محيط بالربض، والمدينة طولها نحو من تسعة أميال في مثلها، وهي متجر الغزية، ومنها يخرج الرفاق إلى أرض جرجان وكانت تخرج إلى الخزر على مر الأيام وإلى سائر بلاد خراسان. قالوا: ومرو ونيسابور وبلخ مع عظم كل واحدة من هذه تقصر عن الجرجانية بانفرادها وانها كانت سرير السلطان الأعظم صاحب الأقاليم السلطانية ورب العساكر الكثيفة خوارزم شاه. ونزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة وكان بها حينئذ عسكر جليل وأمراء مشهورون فحاصروها الحصار الشديد، فدام عليها الحصار المتصل خمسة أشهر، وقتل من الفريقين خلق عظيم، فأرسل الططر المحاصرون إلى خاقانهم وهو مشغول بثقاف خراسان فأمدهم بعشرين ألف مقاتل، وقاتلهم أهل الجرجانية قتالاً شديداً حتى ظهر في ذلك النساء والصبيان، إلى أن ملك الططر المدينة وقتلوا فيها كل ذي روح، وقيل لهم إن الناس اختفوا في سراديب وأماكن غامضة ففتحوا سكر جيحون وغرقوا المدينة بذلك النهر الأعظم، وتركوا موضعها أجمة فما نجا من أهلها أحد، ومن ذلك الحين عدل جيحون عن الصب في بحيرة خوارزم وسلك غير طريقه في الرمال إلى أن صير في بحر طبرستان بساحل دهستان. جرباذقان (٤) : مدينة في داخل المشرق، ذكرها السلفي في الأربعين البلدانية. جراوة مكناسة (٥) : مدينة في سهل من الأرض وكان عليها سور مبني بالطوب، وداخلها قصبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها وعيون متفجرة، وداخلها آبار عذبة وخمسة حمامات أحدها ينسب إلى عمرو بن العاصي ﵁، وجامع من خمس بلاطات على أعمدة حجارة. وأسسها أبو العيش عيسى بن ادريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة تسع وخمسين ومائتين، وكان لها بابان شرقيان وثالث غربي ورابع

стр. 179

جوفي وحواليها بسائط عريضة للزرع والضرع، وحولها عدة من القبائل من البربر مطغرة وبني يفرن وغيرهم، وبينها وبين البحر ستة أميال. ولعل أحمد بن عبد السلام الجراوي (١) شاعر بني عبد المؤمن من هذه المدينة إذ كان يدعى الجراوي، ويقال إنه مدح في صباه عبد المؤمن ثم مدح ابنه يوسف وابنه يعقوب المنصور ومحمداً الناصر بن المنصور، وتوفي في عام العقاب سنة تسع وستمائة، وكان حافظاً وصنف للمنصور يعقوب مجموعاً من أشعار الناس رتبه على أبواب " الحماسة " وكان غيوراً على الشعر حسوداً للشعراء ناقداً عليهم غير مسلم لأحد منهم. الجزائر (٢) : من أشير إلى جزائر بني مزغنا، وبين مدينة شرشال والجزائر سبعون ميلاً، والجزائر مدينة جليلة قديمة البناء فيها آثار للأول، ومتيجة (٣) قريبة منها، وتدل الآثار العجيبة التي بالجزائر على أنها كانت دار مملكة لسالف الأمم؛ وصحن دار الملعب فيها قد فرش بحجارة ملونة صغار مثل الفسيفساء وفيها صور الحيوان بأحكم عمل وأبدع صناعة لم يغيرها تقادم الأزمان ولا تعاقب القرون، ولها أسواق ومسجد جامع، وكانت بها كنيسة عظيمة بقي منها جدار هو اليوم قبلة شريعة العيدين مفصص كثير النقوش والصور، ومرساها مأمون به عين عذبة يقصدها أصحاب السفن من إفريقية والأندلس وغيرهما. والجزائر (٤) على ضفة البحر، وشرب أهلها من عيون على البحر عذبة ومن آبار، وهي عامرة آهلة وأسواقها قائمة، وفي جبالها قبائل البربر وزراعاتهم الحنطة والشعير، وأكثر أموالهم المواشي البقر والغنم، ويتخذون النحل كثيراً والعسل والسمن في بلدهم كثير ولذلك يتجهز به منها إلى الأقطار المجاورة لها والمتباعدة عنها، وأهلها قبائل ولهم حزم وفيهم منعة (٥) . ويتصل بجزائر بني مزغنا فحص متيجة وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقه الأنهار، وهو نحو مرحلتين في مثلها وقد أحدقت به جبال مثل الاكليل. جزيرة العرب: في الحديث: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان في جزيرة العرب ". قيل جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن، والعرج أول تهامة، وقيل جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وحفر أبي موسى على خمس مراحل من البصرة. وقال الأصمعي (٦) : جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطرار الشام. قالوا: وكانت أرض العرب خاوية ليس في تهائمها ونجدها وحجازها كثير أحد لإخراب بختنصر إياها وإخلائها من أهلها إلا من اعتصم برؤوس الجبال والشعاب. وبلاد العرب هي التي صارت في قسم من أنطق الله باللسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمن نمرود، وإنما سمتها العرب جزيرة (٧) لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وصاروا منها في مثل الجزيرة، لأن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحط عن الجزيرة وهي ما بين الفرات ودجلة وعن سواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلة، وامتد البحر من ذلك الموضع مغرباً مطيفاً ببلاد العرب منعطفاً عليها فأتى منها على سفوان وكاظمة، ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر، وسال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن ببلاد حكم والأشعريين وعك ومضى إلى جدة ساحل مكة، وإلى الجار ساحل المدينة وإلى ساحل تيماء حتى بلغ إلى قلزم بمصر وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً البحر حتى وقع في بحر مصر والشام، وأقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها وأتى على صور ساحل الأردن وعلى بيروت وغيرها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى ساحل حمص وسواحل قنسرين ثم يجيء حتى يخالط الأرض التي أقبل منها الفرات منحطاً عن أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق.

стр. 180

قالوا (١) : فجزيرة العرب مما يلي الشمال في الخط الذي يخرج من ساحل أيلة فيمر مستقبل الشرق في أرض مدين إلى تبوك ودومة الجندل إلى البلقاء وتيماء ومآب وهي كلها من الشام، ويمضي في وادي شيبان وتغلب وبكر، ويتصل بالكوفة والنجف والقادسية والحيرة، وعن يمين هذا الخط مما يلي الجنوب أرض الحجر ووادي القرى وهي أرض ثمود وما دونها إلى الأغوار والتهائم والنجود إلى أن يصل إلى ساحل حضرموت، كل ذلك من أرض العرب، ومما يلي المشرق، وهو مهب الصبا، بطائح البصرة حتى ينتهي إلى الجزيرة ثم فيض البصرة، وهو نهرها الذي البصرة عليه وكان زياد بن سمية حفره إلى الأبلة، ثم إلى سفوان وكاظمة وقطيف وأسياف البحرين وعمان، ثم ينحدر مع الشمال إلى ساحل البحر حتى يأتي غب عدن، والغب ينزوي فيه الماء شبه الخليج، فينعطف عنق من البحر ويأخذ مع الصبا منعطفاً على جزيرة العرب ويستمر نحو الهند مع الشمال والبحر مع دجلة البصرة، وهذا البحر غربيه يسمى أرض العرب وشرقيه يسمى شاطئ فارس، وما وراء ذلك من شرقي البحر عند منقطع أرض فارس فهو من بلاد الهند، ويتسع البحر ويضيق بالجزائر، وحد جزيرة العرب مما يلي الجنوب ساحل هذا العنق المنعطف مع الصبا، وهذا العنق عن يمين الذاهب منه جزيرة العرب إلى ضفة البحر، وعن يساره بلاد الزنج، وفي ساحل هذا البحر يصاب العنبر، ويمضي ذلك العنق حتى يمر بساحل حضرموت وأبين وينتهي إلى عدن على منتهى هذا العنق، ثم ينعطف هذا العنق من عدن مع الجنوب فيمر منعطفاً على جزيرة العرب وغيرها، ثم يمر العنق ببلاد اليمن على سواحلها حتى يصل إلى جدة وهو ساحل مكة، ثم يصير إلى الجار وهو ساحل المدينة ثم يمضي إلى الحوراء وهو ساحل وادي القرى ويقارب بلاد مصر، ثم ينقطع ذلك العنق ويقف. فصارت (٢) بلاد العرب من هذه الجزيرة على خمسة أقسام: تهامة والغور والحجاز والعروض واليمن، لأن جبل السراة وهو أعظم جبال العرب أقبل من أرض اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازاً، لأنه حجز بين الغور وهو هابط وبين نجد وهو ظاهر فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها إلى ذات عرق والجحفة وما طابقها وغار من أرضها فهو غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله، وصار ما دون ذلك الجبل وشرقيه من صحارى النجد إلى أرض العراق والسماوة وما يليهما، ونجد يجمع ذلك كله، وصار الجبل نفسه وما انحجز في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيد إلى المدينة ومن بلاد مذحج تثليث وما دونها إلى ناحية فيد حجازاً، والحجاز يجمع ذلك كله، وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما العروض، وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان: اليمن، وفيها التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله. وطول جزيرة العرب، من آخر حدود الشام وأول حدود الحجاز إلى عدن أبين، اثنان وخمسون مرحلة بسير الإبل وذلك ألف وخمسمائة ميل، وعرضها من بحر جدة إلى بحر الأبلة على الاستقامة ثلاثون مرحلة بسير الإبل وذلك تسعمائة ميل، وفي مواضع منها يختلف هذا الطول والعرض على حسب دخول البحر في أرضها وخروجه عنها، وقد خالفنا شرط الاختصار في هذا الموضع كما وقع لنا في مواضع أخر منه، فلنقتصر على هذا القدر. وعلى الجملة فكل موضع أحاط به البحر أو النهر أو جوز عن وسطه فهو جزيرة وما بين دجلة والموصل يقال له الجزيرة أيضاً وقاعدة هذا العمل الموصل ولها كور وعمائر وقرى وبلاد واسعة وأعمال كثيرة وتشتمل على ديار ربيعة ومضر، وسيأتي ذكر بلادها أو ما تيسر منها في مواضعه إن شاء الله تعالى. وفي سنة ثمان وعشرين ومائة غلب الضحاك بن قيس الحروري على عامة الجزيرة والموصل والعراق. قالوا (٣) : وكان هرقل أغزى حمص في البحر بعد أن غلب عليها المسلمون، واستمد أهل الجزيرة على أبي عبيدة ومن فيها من المسلمين فأجابوه، وبلغت امداد الجزيرة ثلاثين ألفاً سوى امداد قنسرين من تنوخ وغيرهم فبلغوا من المسلمين كل مبلغ، فضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكروا بفناء مدينة حمص وخندقوا عليها، وكتبوا إلى عمر ﵁ يستصرخونه، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص،

стр. 181

فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وكتب إليه: سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة ثم استطاروا (١) الروم على أهل حمص، فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب، ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة تفرقوا في بلدانهم خوفاً عليها وخلوا الروم، فقالوا فيما بينهم: إنكم بين أهل العراق وأهل الشام فما بقاؤكم على حرب هؤلاء؟ فرغبوا في الصلح، فقبل منهم وهم أهل الرقة ونصيبين وحران وكلهم دخلوا على الجزية، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمراً. وقال في ذلك سهل بن عدي (٢) : فضاربنا العداة غداة سرنا ... إلى أهل الجزيرة بالعوالي ولم نثن الأعنة حين سرنا ... بجرد الخيل والأسل النهال وأجهضنا الأولى ثاروا بحمص ... وقد منوا أماني الضلال أخذنا الرقة البيضاء لما ... رأينا الشهر لوح بالهلال وأزعجت الجزيرة بعد خفض ... وقد كانت تخوف بالزوال وصار الخرج صافيه (٣) إلينا ... بأكناف الجزيرة عن قتال والجزيرة أيضاً بالأندلس، وتعرف بالجزيرة الخضراء وسيأتي الكلام عليها في حرف الخاء المعجمة إن شاء الله تعالى. وفي قبلي تونس من إفريقية جزيرة شريك العبسي (٤) وكان عاملاً عليها، وأم أقاليمها مدينة باشو، وهي عمل كبير محتو على بلاد وقرى وأنظار كثيرة. وكذلك أعمال صطفورة، وتعرف الآن ببنزرت، من جملة كورها عمل الجزيرة، ويقال جزيرة بنزرت لإحاطة البحر بها ولها أيضاً كور وأقاليم وبلاد وأعمال. جزيرة القرود (٥) : بالقرب من جزيرة الرانج وبمقربة من أرض الحبشة، وهي جزيرة كبيرة فيها غياض وشجر وجراف منيعة وبها أنواع من التمر، والقرود بهذه الجزيرة كثيرة تتولد وتتزايد حتى إنها قد تغلبت على هذه المدينة لكثرتها، ويقال إن لها أميراً تنقاد إليه وتحمله على أعناقها ويحكم عليها حتى لا يظلم بعضها بعضاً، وألوان هذه القرود إلى الحمرة، وهي ذات أذناب ولها ذكاء وحدة فهم، وإذا انكسر على جزيرتها مركب أو لجأ إليها أحد من الناس عذبته عذاباً بليغاً بالعض والرجم بالقاذورات وعبثت بمن سقط في أيديها عبثاً عظيماً وربما قتلته سرعاً، وقد يتصيدها الناس ويخرجونها إلى بلاد اليمن فتباع بالثمن الكثير، وتجار اليمن يتخذونها في حوانيتهم حراساً كالعبيد تحرس أمتعة مواليها فلا يقدر أحد على خدعتها ولا على أخذ شيء مما بأيديها لما هي عليه من نهاية الذكاء. جزيرة السامري (٦) : في بحر القلزم، ويسكنها قوم من اليهود السامرية، وعلامتهم أن يقول أحدهم إذا لاقى إنساناً: لا مساس، وبهذه اللفظة يعرف أنهم من اليهود المنسوبين إلى السامري صاحب العجل في زمن موسى ﵇. وفي هذا البحر من السمك حوت مربع عرضه قريب من طوله، وربما بلغ الواحد منه قنطاراً وهو حوت أحمر شهي الطعم حسن الذوق لا سهك فيه (٧) ، وفيه سمك آخر طوله شبر ونصف له رأسان: رأس في موضع رأسه ورأس في موضع ذنبه، وفي كل واحد من هذين الرأسين عينان وفم، وتصرفه في البحر يكون مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا، إلى أمام وإلى خلف، ويسمى هذا السمك الخنجر، وفيه سمك يقال له القرش، هو نوع من كلاب البحر، في فمه سبعة صفوف أضراس، فيه ما طوله عشرة أشبار وأكثر وأقل، ومراكب هذا البحر كلها مؤلفة بالدسر، محررة (٨) بحبال

стр. 182

الليف مجلفطة بدقيق اللبان ودهن كلاب البحر المعد لذلك، ونواتية هذه المراكب لهم آلات محكمة موضوعة في أعلى الصاري (١) الذي يكون في مقدم المركب فيجلس النوتي يبصر ما لاح أمامه من التروش التي تحت الماء مخفية فيقول للماسك: خذ إليك وادفع عنك، ولولا ذلك ما عبره أحد وآفاته كثيرة في المراكب، والمسافرون يأوون كل ليلة إلى مواضع يلجأون إليها خوفاً من معاطبه (٢) ، وينزلون بها نهاراً ويقلعون نهاراً، حالاً دائمة سير النهار واقامة الليل، وهو بحر مظلم كريه الريح. جزيرة البركان (٣) : هي جزيرة في قطعة من البحر الشامي ليست بالكبيرة فيها جبل يقذف في بعض الأحايين ناراً عظيمة وقليلاً ما تفتر، وإذا هاجت هذه النار قذفت بالحجارة موقدة وسمع لها دوي يرتاع له ويسمع دويها من بعيد كأنما هي رعود قاصفة، وفي هذه الجزيرة معز برية، وبينها وبين أقرب بر من صقلية خمسة عشر ميلاً. جزيرة السعالي (٤) : بقرب البحر المظلم الغربي فيها خلق كخلق النساء ولهم أنياب بادية وعيونهم كالبرق وسوقهم كالخشب المحرقة يتكلمون بكلام لا يفهم ويحاربون الدواب البحرية، ولا فرق بين الرجال منهم والنساء إلا بالفروج والذكور لا غير ولا لحى لرجالهم، ولباسهم ورق الشجر. جزيرة المستشكين (٥) : بقرب البحر المظلم الغربي أيضاً، عامرة فيها جبال وأنهار وزروع، وعلى المدينة حصن عال، وكان فيها فيما سلف على عهد (٦) الإسكندر تنين عظيم يبتلع كل من مر به من إنسان أو ثور أو حمار، فلما دخلها الإسكندر واستغاث به أهلها وشكوا إليه إضرار التنين بهم وأنه قد أتلف مواشيهم وأبقارهم حتى أنهم جعلوا له ضريبة في كل يوم ثورين ينصبونهما بمقربة من موضعه فيخرج إليهما فيبتلعهما ثم يعود إلى موضعه ثم يأتون من الغد فيفعلون له ذلك، فقال لهم الإسكندر: يأتيكم هذا التنين من مكان واحد أو من أمكنة كثيرة. قالوا: من مكان واحد، فقال لهم: أروني مكانه، فانطلقوا به إلى قرب من موضعه ثم نصبوا له الثورين، فأقبل التنين كالسحابة السوداء وعيناه تلمعان كالبرق، فابتلع الثورين وعاد إلى موضعه فأمرهم الإسكندر أن يجعلوا له في اليوم الثاني عجلين وفي الثالث مثل ذاك، فاشتد جوعه، فأمر الإسكندر عند ذلك بثورين عظيمين فسلخا وحشيت جلودهما زفتاً وكبريتاً ونحاساً (٧) وزرنيخاً وجعلهما في ذلك المكان فخرج التنين إليهما على عادته فابتلعهما ومضى، فاضطربت تلك الأشياء في جوفه فلما أحس باشتعالها وكان قد جعل في تلك الأخلاط كلاليب حديد، فذهب يتقيأ ذلك من جوفه فتشبكت الكلاليب في حلقه فخر واقعاً وفتح فاه يستروح، فأمر عند ذلك الإسكندر فحميت قطع الحديد وجعلت على ألواح حديد وقذفت في حلق التنين، فاشتعلت الأخلاط في جوفه، فمات وفرج الله تعالى عن أهل تلك الجزيرة، فشكروا الإسكندر عند ذلك وألطفوه وكان فيما حملوه إليه من الألطاف دابة في خلق الأرنب يبرق شعره في صفرة كالذهب في رأسه قرن واحد أسود إذا رأته الأسود وسباع الوحش والطير وكل دابة هربت عنه. جزيرة قلهان (٨) : بقرب البحر المظلم أيضاً، فيها خلق كخلق الإنسان إلا أن رؤوسهم مثل رؤوس الدواب يغوصون في البحر ويخرجون ما قدروا عليه من دوابه فيأكلونها. جزيرة الأخوين (٩) : بالموضع المذكور، كانا ساحرين، أحدهما شرهام والآخر شرام، كانا بهذه الجزيرة يقطعان على المراكب التي تمر عليهما ويأخذان أهلها وأموالهم، فمسخهما الله تعالى لظلمهما حجرين على ضفة البحر نائمين، ثم عمرت هذه الجزيرة بالناس وهي تقابل مرسى آسفي، ويقال إن الصفاء إذا عم البحر ظهر دخانها من البر. جزيرة لاقة (١٠) : في البحر المحيط الغربي، يقال إن فيها شجر العود كثيراً ولكنه لا رائحة له، فإذا خرج عنها وحمل في البحر طابت روائحه، وهو في ذاته أسود رزين، وكان التجار يقصدونها ويستخرجون العود منها، فيباع في أرض المغرب الأقصى من ملوكه

стр. 183

وبتلك النواحي، وكانت عامرة بالناس فخربت وتغلبت الحيات على أرضها فلا يمكن دخولها لهذا السبب. جزيرة الكلب: بالهند أو بالصين (١) فيها معادن الذهب، ولا يتزوج الرجل منهم بامرأة إلا أن يكون صداقها قحف رأس قتله، فإن كان معه قحفان أو ثلاثة قيل هذا الرجل يرغب فيه ومثله يزوج فإن له بأساً وشدة وجلداً (٢) ، ولهم قتال بالحراب، وهم يصطادون الفيلة، ومن وراء هؤلاء الذين في هذه الجزيرة قوم يأكلون الناس يرمونهم بالسهام، فإذا قتلوا الرجل أكلوه، ومأواهم رؤوس الجبال، وهم عراة وألوانهم بيض ولهم جمال وحسن. جزيرة العقل (٣) : هي جزيرة بين ساحل اليمن وساحل الحبشة فيها ما يعرف بماء العقل يستقي منه أهل المراكب، ويفعل في القرائح فعلاً عجيباً. الجزعة (٤) : موضع في الكعبة، حكي أن الرشيد لما حج ومعه ولداه محمد وعبد الله وذلك في سنة ست وثمانين ومائة مر بالمدينة فأعطى أهل العطاء بها ثلاثة أعطية، وبدأ في العطاء بنفسه، ونودي باسمه ووزن له عطاؤه فجعل ذلك في كمه، وفعل ذلك بالأمين والمأمون ثم بني هاشم وغيرهم، وكانوا يقومون إلى الأمين فيعطيهم عطاء ثانياً، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثاً، ثم شخص إلى مكة فأعطى أهلها عطاءين وكتب الشروط بين محمد والمأمون وأشهد عليهما وعلق الشرطين في الكعبة. قال إبراهيم الحجبي: إن الكتاب لما رفع ليعلق بالكعبة وقع، قال: فقلت في نفسي: وقع قبل أن يرفع، إن هذا لأمر سريع انتقاضه قليل تمامه، وذكروا أنهم رأوا الرشيد في الليلة التي علق الشروط فيها أو صبيحتها وهو يطوف بالبيت فعدوا له ثمانين أسبوعاً وأنه لم يزل في ركوع وسجود وبكاء وتضرع وابتهال ليله كله. ولما حلف الرشيد ولده محمداً وأراد الخروج من الكعبة رده جعفر بن يحيى إلى الجزعة وقال له: إن غدرت بأخيك فخذلك الله حتى فعل ذلك ثلاثاً في كلها يحلف له بالخذلان إن غدر، ولهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر وقرفته بما قرفته به. جلولاء: بالعراق في أول الجبل، وهي مدينة صغيرة عامرة بها نخل وزروع، ومنها إلى خانقين سبعة وعشرون ميلاً. وعليها كانت الوقيعة أيام عمر ﵁ بالفرس، وكان فتحها يسمى فتح الفتوح قتل فيها من الأعاجم مائة ألف وذلك سنة تسع عشرة، وكانت غنيمة المسلمين فيها أكثر منها يوم القادسية، بلغ السهم ستة آلاف درهم، وأصاب المسلمون اثني عشر ألف جارية كان بعضهن لكسرى، ولما أتي (٥) عمر ﵁ بغنائم جلولاء قال: والله لا يظلها سقف دون السماء، فأمر بها فألقيت بين صفتي المسجد وطرح عليها الانطاع وبات عليها الخزان، فلما أصبح غدا ومعه المهاجرون والأنصار، فلما رآها عمر ﵁ بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ هذا يوم شكر، قال: والله ما أبكي إلا أني أعلم أن رسول الله ﷺ كان أكرم على الله وأحب إليه مني، ولكني قد كنت أعلم أنه قد كان يشتهي أن يصيب من هذا شيئاً يسد به خلة أصحابه، ثم قال: والله ما فتح الله هذا على قوم إلا جعل بأسهم بينهم. قال الحسن: فقسمه والله ما أدخل بيته منه خرصاً، والخرص: الحلقة التي تكون في الأذن. وكان رسول الله ﷺ قال لسراقة: " كيف بك إذا لبست سواري كسرى "؟ فلما أتي بهما عمر ﵁ دعا سراقة، وكان رجلاً أزب كثير شعر الساعدين، فألبسهما إياه وقال له: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، قال: قل الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب السماء وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابياً من بني مدلج. وكان عمر (٦) ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفاً واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو، وكان العجم اجتمعوا على مهران، وفصل هاشم من المدائن في اثني عشر ألفاً فيهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب، فطاولهم أهل فارس وجعلوا

стр. 184

لا يخرجون إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفاً في كل ذلك يعطيهم الله الظفر على المشركين، وجعل سعد ﵁ يمدهم بالفرسان، وبعث الله تعالى عليهم ريحاً أظلمت عليهم البلاد ولم يستطيعوا إلا المحاجزة فتهافتت فرسانهم في الخندق، ورموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيل، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير، إلا أنه كان أكمش وأعجل، وأمر القعقاع منادياً فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه ولا يمنعكم من بينه وبينه من دخوله، فحملوا حملة لم يقم لها شيء حتى انتهوا إلى باب الخندق ولا يشكون أن هاشماً به، وإذا هم بالقعقاع قد أخذ بالخندق، وأخذ المشركون في الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوه للمسلمين فلم يفلت منهم إلا من بعد، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولا ء لما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقعة. وكانت أم عامر الشعبي من سبي جلولاء وكان مولده سنة إحدى وثلاثين. وقال البكري (١) : جلولاء بفتح أوله بالشام وأظنه وهماً وقال: إن جلولاء فتحت يوم اليرموك وهو وهم أيضاً، وقال: إن غنائم جلولاء بلغت ثمانية عشر ألف ألف وأنه قيل إن سعداً ﵁ شهدها. جلولا (٢) : أيضاً بإفريقية إلا أن هذه بفتح اللام فيما أظن، وهي قديمة لها حصن وعين ثرة في وسطها، وهي كثيرة البساتين والأشجار غزيرة الفواكه والثمار، والأزهار والرياحين بها كثيرة جداً، وأكثر رياحينها الياسمين، ويطيب عسلها بضرب النحل ياسمينها وجرس نحلها له، وكانت أكثر فواكه القيروان تجلب إليها منها. وفتحها (٣) معاوية بن حديج الكندي، وكان وجهه إلى إفريقية معاوية بن أبي سفيان ﵄ سنة خمس وأربعين في جيش كثيف فيهم عبد الملك بن مروان ويحيى بن الحكم وكريب بن إبراهيم بن الصباح وخالد بن ثابت الفهمي وأشراف من جند الشام ومصر فقدموا إفريقية، وبعث ملك الروم بطريقاً معه ثلاثون ألفاً فكانوا ما بين قصر الأجم إلى الساحل، ونابذ معاوية أهل جلولا فكان يقاتلهم على باب المدينة صدر النهار، فإذا فاء الفيء (٤) انصرف إلى معسكره بموضع يقال له القرن؟ فقاتلهم ذات يوم، فلما انصرف نسي عبد الملك بن مروان قوساً له معلقة بشجرة فرجع إليها فإذا جانب من المدينة قد تهدم، فصاح في الناس فرجعوا وقد رأوا غبرة شديدة فظنوا أن العدو ضرب في ساقتهم، فكان بينهم قتال شديد حتى دخلت العرب المدينة عنوة وغشوا أهل المدينة فانكشفوا، واحتوى المسلمون على ما فيها وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية. وقيل بل كان معاوية بن حديج مقيماً بالقرن وبعث عبد الملك بن مروان في ألف فارس فحاصرها أياماً فلم يقدر عليها فانصرف، ثم رأى في ساقة الناس غباراً كثيراً فظنوا أن العدو تبعهم وتسرع بعضهم في الرهج فإذا مدينة جلولا قد وقع حائطها من جهة واحدة، فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وسبوا وغنموا، وانصرف عبد الملك إلى معاوية بن حديج وهو معسكر بالقرن ينتظره، فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها، فقال عبد الملك: هي لأصحابي خاصة، وقال معاوية: بل لجماعة المسلمين، ثم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان فعاد جوابه: إن العسكر ردء للسرية فاقسم بين جميعهم، فضربوا للفارس بسهمين وللراجل بسهم فوقع للفارس ثلثمائة دينار. وكان يخرج من جلولا رجل من المشركين على فرس أبيض فيكلم الناس وينال منهم فإذا أرادوه ولى كأنما الريح تحمله، فوقف يوماً على نفر من المسلمين وهم على غدائهم، فقال له بعضهم: كل من غدائنا، وقام له بعراق من لحم، فلما دنا منه أخذ برجله وقلبه فأراد قتله، فمنعه أصحابه وقالوا له: هذا أمان، وخلوا سبيله، فشكر لهم ذلك وكف عن ما كان يتكلم به وقال: يا معشر المسلمين أنتم قوم على حق ولا شك إنكم الغالبون على هذا البلد، فمن اتخذ منكم ضيعة فليخلف هذا الجبل فإنا كنا نسمي هذا الفحص باسم عصفور الشوك لأن صاحبه يطمع فيه ولا يدركه، وكذلك هذا الفحص.

стр. 185

ولما وقعت المنازعة بين عبد الملك ومعاوية بن حديج في غنائم جلولا ثقل عبد الملك على معاوية بن حديج وكان يتجهمه ولا يقبل عليه، فرأى حنش الصنعاني عبد الملك منكسراً متغيراً فقال له: ما شأنك؟ قال: إني أبعد قريش مجلساً من الأمير، فقال له حنش: لا تغتم فوالله لتلين الخلافة وليصيرن الأمر إليك، فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك وبعث الحجاج بن يوسف لقتال عبد الله بن الزبير ﵄ وقتل عبد الله أخذ حنشاً الصنعاني أسيراً فبعث به إلى عبد الملك فقال له عبد الملك: ألست الذي بشرتني بالخلافة؟ قال: بلى، قال: فلم ملت عني إلى ابن الزبير؟ قال: رأيته يريد الله تعالى ورأيتك تريد الدنيا فملت إليه، فعفا عنه وأطلقه. جليقية (١) : الجلالقة من ولد يافث بن نوح ﵇ وهو الأصغر من ولد نوح، وبلدهم جليقية، وهي تلي الغرب وتنحرف إلى الجوف، وكانوا حوالي مدينة براقرة (٢) التي في وسط الغرب؛ وبراقرة هذه أولية من قواعد الروم، ودور مملكتهم شبيهة بماردة في اتقان بنائها وصنعة أسوارها وهي اليوم مهدومة الأكثر خالية، هدمها المسلمون وأجلوا أهلها. وبلد الجليقيين سهل، والغالب على أرضهم الرمل وأكثر أقواتهم الدخن والذرة، ومعولهم في الأشربة على شراب التفاح واليشكة (٣) وهو شراب يتخذ من الدقيق، وأهلها أهل غدر ودناءة أخلاق لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أن الوضر الذي يعلوها من عرقهم به تتنعم أجسامهم وتصلح أبدانهم، وثيابهم أضيق الثياب وهي مفرجة يبدو من تفاريجها أكثر أبدانهم. وفيهم بأس شديد، لا يرون الفرار عند اللقاء ويرون الموت دونه. وتنتهي أحواز الجليقيين في الجوف إلى البحر المحيط وفي القبلة إلى أحواز مدينة طلسونة وقاعدتهم مدينة أقش (٤) وهي مبنية بالصخر المربع الكبير على نهر لهم يدخل فيه المجوس مراكبهم، وفي المدينة حمة غزيرة واسعة الفضاء يستحم أهلها في جنباتها على بعد من عنصرها لشدة سخونته. جلق: بالشام وهي دمشق. وفي أخبار العجم أن شهريار بنى لدمشوس الملك مدينة جلق وهي مدينة دمشق، وحفر نهرها بردى ونقره في الجبل حتى جرى إلى المدينة. وهناك كانت مساكن آل جفنة الغسانيين الذين مدحهم في الجاهلية حسان بن ثابت ﵁، وفيهم يقول: لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول وسنذكر خبر دمشق في موضعها إن شاء الله تعالى. وكان (٥) آخر ملوك الشام من الغسانيين جبلة بن الأيهم بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو ممدوح حسان بن ثابت ﵁، وأسلم جبلة هذا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁؛ ثم تنصر بعد ذلك ولحق بالروم، وقد اختلف في سبب تنصره، فقيل إنه مر في سوق دمشق فأوطأ رجلاً فرسه فوثب الرجل فلطمه، فأخذ الغسانيون ذلك الرجل ودخلوا به على أبي عبيدة بن الجراح ﵁ فقالوا: إن هذا الرجل لطم سيدنا، فقال أبو عبيدة ﵁: البينة أنه لطمك، قال له جبلة: وما تصنع بالبينة؟ قال: إن كان لطمك لطمته قال: ولا يقتل؟ قال: لا، قال: ولا تقطع يده؟ قال: لا إنما أمر الله تعالى بالقصاص فهي لطمة بلطمة، فخرج جبلة ولحق بأرض الروم وتنصر. وقيل كان سبب ذلك أنه وطئ رجل من بني فزارة على إزار جبلة فلطمه جبلة فأدخله الرجل على عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر ﵁: إنه يلطمك كما

стр. 186

لطمته، قال: وتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة! قال: إما أن ترضيه وإلا أقدته منك، فإنه قد جمعه وإياك الإسلام فما تفضله إلا بالعافية، قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، قال عمر ﵁: لا بد من ذلك، قال: إذاً أتنصر، قال: إن تنصرت ضربت عنقك. قال: واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة، فقال جبلة: أخرني إلى غد يا أمير المؤمنين، قال: ذلك لك، فلما كان جنح الليل خرج هو وأصحابه فلم ينثن حتى دخل القسطنطينية على هرقل فتنصر، وأعظم هرقل قدوم جبلة وسر بذلك وأقطعه الأموال والأرضين والرباع. قال: ويحكى أنه لما بعث عمر بن الخطاب ﵁ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فأجابه إلى المصالحة على غير الإسلام، فلما أراد أن يكتب جواب عمر ﵁ قال للرسول: ألقيت ابن عمك جبلة هذا الذي ببلدنا يعني جبلة بن الأيهم الذي جاء راغباً في ديننا؟ قال: ما لقيته، قال: القه ثم إيتني أعطك جواب كتابك، قال الرسول: فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب قيصر، قال الرسول: فلم أزل ألطف في الأذن حتى أذن لي، فدخلت فرأيت رجلاً أصهب اللحية ذا سبال وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس؛ فنظرت إليه فأنكرته، وإذا به قد دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير قوائمه سود من ذهب، قال: فلما عرفني رفعني معه على السرير فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيراً وقلت: قد أضعفوا أضعافاً على ما تعرف، قال: وكيف تركت عمر بن الخطاب ﵁ قلت: بخير، فرأيت الغم في وجهه، قال: فانحدرت عن السرير، قال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا، قال: نعم ﷺ ، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال ما قعدت عليه، فلما سمعته يقول ﷺ طمعت فيه، وقلت له: ويحك يا جبلة ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: بعدما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام، فقبل منه ذلك وخلفته بالمدينة مسلماً، قال: ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام، قال: فضمنت له التزويج ولم أضمن له الأمر، قال: فأومأ إلى خادم بين يديه فذهب مسرعاً فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت صحاف الذهب وموائد الفضة، فقال لي: كل، فقبضت يدي وقلت: إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة، قال: نعم ﷺ ، ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت، قال: فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخلنج، قال: فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب، وقال: اغسل يدك فأبيت من ذلك، فغسل في الذهب وغسلت في الصفر، ثم أومأ إلى خادم بين يديه فمر مسرعاً فسمعت حساً فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجوهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، فسمعت حساً فإذا عشر جوار قد أقبلن مضمومات الشعور متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوهاً قط أحسن منهن فأقعدهن على الكراسي عن يمينه، ثم خرج عشر من الجواري في الشعور عليهن ثياب الوشي متكسرات في الحلي فأقعدهن على الكراسي عن يساره، ثم سمعت حساً فالتفت فإذا جارية كأنها الشمس، على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جامة فيها مسك وعنبر فتيت، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء، فأومأت إلى الطائر أو قال: فصفرت بالطائر - فوقع في جامة ماء الورد فاضطرب فيها ثم أومأت إليه فوقع في جامة المسك والعنبر فتمرغ فيها، ثم أومأت إليه فطار حتى نزل في صليب تاج جبلة فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري التي عن يمينه فقال لهن: بالله أضحكننا فغنين بخفق عيدانهن وقلن: لله در عصابة نادمتها ... يوماً بجلق في الزمان الأول يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل

стр. 187

بيض الوجوه أعفة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا والله، قال: قائله حسان بن ثابت شاعر النبي ﷺ ، ثم التفت إلى الجواري التي عن يساره فقال لهن: بالله أبكيننا، فاندفعن يتغنين: لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر مخلى لحادث الأزمان قد أراني هناك دهراً مكيناً ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعاً أكلة المرجان قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا أدري، قال: حسان بن ثابت. ثم أنشأ يقول: تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ثم سألني عن حسان ﵁ أحي هو؟ قلت له: نعم تركته حياً، فأمر لي بمال كثير وكسوة وأمر له بمال وكسوة ونوق موقرة براً ثم قال: إن وجدته حياً فادفع إليه هديتي وأقرأه سلامي، وإن وجدته ميتاً فادفعها إلى أهله وانحر الإبل على قبره. فلما قدمت على عمر ﵁ أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام والشرط الذي اشترطه وأني ضمنت له التزويج ولم أضمن له الأمر، قال: فهلا ضمنت له الأمر فإذا فاء الله به إلى الإسلام قضى علينا بحكمه ، ثم ذكرت له الهدية التي أهداها إلى حسان بن ثابت ﵁ فبعث إليه فأقبل وقد كف بصره وقائده يقوده، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين إني لأجد رياح آل جفنة عندك، قال: نعم هذا رجل أقبل من عنده، قال: هات يا ابن أخي ما بعث إلي معك، قلت: وما علمك؟ قال: يا ابن أخي إنه كريم من عصبة كرام، مدحتهم في الجاهلية فحلف ألا يلقى أحداً يعرفني إلا أهدى إلي معه شيئاً، قال: فدفعت إليه المال والثياب وأخبرته بما كان أمر به في الإبل إن وجد ميتاً، قال: وددت إني كنت ميتاً فنحرت على قبري، قال: ثم جهزني عمر ﵁ إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به فلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء غلب عليه. قالوا: وكان طوله اثني عشر شبراً. جمع (١) : هي المزدلفة، وكلها مشعر إلا بطن محسر، ومنها تؤخذ حصى الجمرات، وبذلك فسر علي وابن مسعود ﵄ قوله تعالى: " فوسطن به جمعاً " قالا: يعني المزدلفة، ومسجد المزدلفة أسفل من المسجد الحرام عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات، وفيه يجمع بين المغرب والعشاء إذا نفرت من عرفات لقوله ﷺ : " الصلاة أمامك "، وهو الذي عنى الشريف الرضي أو غيره بقوله (٢) : عارضاً بي ركب الحجاز نسائل ... هـ متى عهده بأيام جمع واستملا حديث من سكن الخي ... ف ولا تكتباه إلا بدمعي فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي

стр. 188

لهف نفسي على ليال تقضت ... لي بجمع وأين أيام جمع قالوا: وسميت المزدلفة للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها، وعن علي ﵁ قال: لما أصبح رسول الله ﷺ وقف على قزح وقال: هذا قزح وهذا الموقف، وجمع كلها موقف وعن جابر ﵁ أنه ﷺ قال: " وقفت هاهنا بعرفة وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا (١) بجمع وجمع كلها موقف ونحرت هاهنا بمنى ومنى كلها منحر ". جمة (٢) : موضع المهدية من البلاد الإفريقية، ولما بنيت المهدية غلب عليها هذا الاسم، وكان عبيد الله بن عبد الله بن سالم صاحب شرطة زياد ومن مواليه، وسالم جده قتله المهدي على الزندقة، وهو الشيعي الملقب بالمهدي، قد سار يرتاد موضعاً يبني فيه لنفسه مدينة، فجاء تونس ودخل قرطاجنة وغيرها فلم يجد موضعاً أحصن من موضع المهدية فبناها وجعلها دار ملكه، وكان ابتداء بنائها سنة ثلاث وثلثمائة وسماها المهدية، وكان قبل ذلك يقال لها جمة. وبين المهدية والقيروان ستون ميلاً والبحر قد أحاط بالمهدية من جميع جهاتها إلا من الجانب الغربي وفيه بابها، ولها ربض كبير يسمى زويلة وفيه الأسواق، ودرس ذلك كله ولم يبق الآن إلا حصن المهدية مبنية بالصخر الجليل، ولها بابان من حديد لا خشب فيهما زنة كل واحد منهما ألف قنطار، طوله ثلاثون شبراً، وهو من أعجب ما عمل في الإسلام، وفي المهدية ثلثمائة وستون ماجلاً لماء المطر سوى ما يجري إليها من القناة التي جلب إليها عبيد الله من قرية مشانس، وهي على مقربة من المهدية، ومرسى المهدية من عجائب العالم فإنه منقور في حجر صلد يسع ثلاثين مركباً، وكان على المرسى برجان بينهما سلسلة حديد من أغرب ما عمل، وإذا أرادوا أن تدخل سفينة أرسل حراس البحر السلسلة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت وذلك تحصيناً لئلا تطرقها مراكب الروم من صقلية وغيرها، كما كان ذلك في أيام الحسن بن علي الصنهاجي إذ نزلها عليه الروم وغلبوه عليها وملكوها حتى استنقذها منهم عبد المؤمن بن علي في طلعته إلى إفريقية سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ولابن بشير المهدوي كتاب " الروضة الموشية في شعراء المهدية " (٣) ذكر منهم ابن الصبان وأنشد له: بين المصلى وكثيب الحمى ... أجرت دم الأسد لحاظ الدمى قالت لتربيها ولم تعلمن ... وكان من شأني أن تعلما من فيكما بغية هذا الفتى ... بالله قولا لي ولا تكتما أضحى طموح الطرف لا ينثني ... باللحظ عني لا ولا عنكما فقلت والعبرة قد أعربت ... عن سر مكنوني الذي استعجما عيناك قاداني إلى محنتي ... ما آفتي والله إلا هما يا حبذا جمة من منزل ... وحبذا عيشي بها كيف ما ومن متأخري أهلها عثمان بن عتيق المعروف بابن عربية (٤) ، له يذكر المهدية ويتشوق إليها أو إلى من بها من أهله بعد انتقاله عنها إلى تونس (٥) : أقول لركب قافل عن معرس ... بجمة تردي بالحمول مساحجه لك الله أمتعنا عن البلد الذي ... أكابره أسلافنا وأبالجه

стр. 189

وعن وطن لولا العلا وطلابها ... لعز على مثواه أني خارجه وما صنع القصر العبيدي والحمى ... وسور المصلى والكثيب وعالجه وشاطئه أنى تنوع حسنه ... وخضرمه أنى تدفع مائجه سلام على المهديتين ففيهما ... أب بنت عنه قاصر الخطو هادجه وهي طويلة، وهو القائل من قصيدة مدح بها الأمير أبا زكريا ﵀: ذكرت جمة والذكرى تهيج أسى ... وأين جمة مني والمنستير وما مناي لياليها التي سلفت ... ولا هواي مجانيها المعاطير لكن بها رحم مجفوة يئست ... من أن تقربني منها المقادير فإن رأى من أدام الله نعمته ... لعبده خطة فيها فمأجور عرض له فيها بالرغبة في تقديمه لقضاء المهدية، وفي ذلك أيضاً قال من قصيدة: فأطل يدي وانهض بضبعي وارع لي ... حمداً له علق لديك ثمين وإلى ذرى المهدية اثن أعنتي ... فبموطني أنا مغرم مفتون ؟ جمدان (١) : قيل هي مدينة الصين العظمى التي ينزلها ملكهم، وحوالي هذه المدينة مائة وعشرون قرية في كل قرية ألف رجل مرتبون لحراسة المدينة، والمدينة مقسومة بنصفين: نصف يكون فيه أهل بيت الملك وخاصته وعماله، ونصف يكون فيه عامتهم وأسواقهم وللملك ثلاثمائة وستون مدينة، يحمل إليه كل يوم من كل مدينة خراجها وكسوة لبدنه ولجارية من جواريه، وفي قصر الملك بجمدان مائة وثمانون كوساً منكسة، فإذا كان قبل غروب الشمس قرع منها قرعة واحدة فيتبادر الناس للانصراف إلى منازلهم فلا يبقى أحد بعد غروب الشمس خارجاً عن داره، ثم يخترق عسس الملك السكك والطرق بسيوف منتضاة فمن وجد خارجاً عن داره ضربت عنقه كائناً من كان واحتز رأسه وألقي في موضع قد أعد لذلك وكتب على ظهر المقتول: من رأى هذا فلا يتعد أمر الملك. جنوة (٢) : مدينة في بلاد الروم على ساحل بحر الشام، وهي مدينة قديمة البناء حسنة الجهات شاهقة البناء وافرة البشر (٣) كثيرة المزارع والقرى والعمارات، وهي على قرب نهر صغير وأهلها تجار مياسير يسافرون براً وبحراً ويقتحمون سهلاً ووعراً، ولهم أسطول ومعرفة بالحيل الحربية والآلات السلطانية، ولهم بين الروم عزة أنفس. جنداسابور (٤) : بضم أوله وإسكان ثانيه مثنى مضاف إلى سابور، مدينة من بلاد فارس، وهي تجري مجرى المثنى، يقال هذا جنداسابور ودخلت جندي سابور، وهي (٥) من عمل خوزستان في نشز من الأرض، حسنة حصينة منيعة تمير من جاورها بخيرها، وبها نخيل كثيرة وزروع ومياه، وعمارات وخصب وفواكه وأسواق جامعة لضروب من الصنائع، وبينها وبين السوس مرحلة. ولما (٦) فرغ أبو (٧) سبرة من السوس خرج بجنده حتى نزل في جندي سابور فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال فما زالوا مقيمين حتى رمي بسهم الأمان من عبيد (٨) المسلمين، وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين فلم يفجأ المسلمين إلا أبوابها

стр. 190

تفتح ثم خرج السرح وخرجت الأسواق وانبث أهلها، فأرسل المسلمون: أن ما لكم؟ قالوا: رميتم لنا بالأمان فقبلنا وأقررنا لكم بالجزية على أن تمنعونا، فقالوا: ما فعلنا، وقال المشركون: ما كذبنا، فإذا عبد يدعى مكنفاً كان أصله منها هو الذي كتب لهم، فقالوا: إنما هو عبد، قالوا: إنا لا نعرف حركم من عبدكم قد جاء أمان فنحن عليه ولم نبدل، فإن شئتم فاغدروا، فأمسكوا عنهم، وكتبوا إلى عمر ﵁، فكتب لهم إن الله تعالى قد عظم الوفاء أجيزوهم وأوفوا لهم وانصرفوا عنهم، وفي ذلك يقول عاصم بن عمير: لعمري لقد كانت قرابة مكنف ... قرابة صدق ليس فيها تقاطع أجاركم من بعد ذل وقلة ... وخوف شديد والبلاد بلاقع فجاء جوار العبد بعد اختلافنا ... ورد أموراً كان فيها تنازع إلى العدل والوالي المصيب حكومة ... فقال بحق ليس فيه تخالع ولله جندي شاهبور لقد نجت ... غداة بنتها بالبلاد اللوامع وكان سابور (١) بن هرمز ذو الأكتاف أحد ملوك الفرس وباني الإيوان سار نحو بلاد الشام ففتح المدائن وقتل خلائق من الروم، ثم طالبته نفسه بالدخول إلى بلاد الروم متنكراً ليعرف أخبارهم وسيرهم فتنكر وسار إلى القسطنطينية، فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام منهم، فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم، وكان قيصر أمر مصوراً أتى عسكر سابور فصوره، فلما جاء قيصر بالصورة أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة، وأتي من كان على المائدة التي كان عليها سابور بكأس فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل له على المائدة فعجب من اتفاق الصورتين وتقارب الشبهين، فمال إلى الملك فأخبره، ومثل بين يديه فسأله عن خبره فقال: بل أنا من أساورة سابور استحققت العقوبة لأمر كان مني، فدعاني ذلك إلى الدخول في أرضكم، فلم يقبلوا ذلك منه وقدم إلى السيف فأقر، فجعله في جلد بقرة، وسار قيصر في جنده حتى توسط العراق فافتتح المدائن وشن الغارات وعقر النخل وانتهى إلى مدينة جندي سابور وقد تحصن بها وجوه فارس، فنزل بها، وحضر عيد لهم في تلك الليلة وقد أشرفوا على فتح المدينة في صبيحتها فأغفل الموكلون أمر سابور وأخذ منهم الشراب، وكان بالقرب من سابور جماعة من أسارى الفرس فخاطبهم أن يحل بعضهم بعضاً وأمرهم أن يصبوا عليه زقاقاً من الزيت كانت هناك، ففعلوا، فلان عليه الجلد وتخلص، فأتى إلى المدينة وهم يتحارسون على سورها فعرفوه وأصعدوه بالحبال إليهم وفتح أبواب خزائن السلاح وخرج بهم ففرقهم حول مواضع في الجيش، والروم غارون مطمئنون، فكبس الجيش عند ضرب النواقيس فأتوه بقيصر أسيراً فاستحياه وأبقى عليه وضم إليه من أفلت من القتل من رجاله، فغرس قيصر بالعراق الزيتون بدلاً مما عقره من نخل العراق ولم يكن يعهد بالعراق الزيتون قبل ذلك وعمر ما خرب، وانصرف قيصر نحو الروم. جنجالة (٢) : حصن بالأندلس في شمال مرسية، فيها حبس أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجان (٣) بن يحيى الهنتاتي الذي كان وزير المنصور من بني عبد المؤمن ثم أنهض في زمان ابنه الناصر إلى ولاية تلمسان وإصلاح الطرق من عيث زناتة. ولما تمكن أبو سعيد بن جامع وزير المستنصر سعى في ولاية تلمسان لعمه السيد أبي سعيد بن المنصور وحبس ابن يوجان، وجعل بنوه يكتبون سطوراً بالبراءة من أفعاله وفرقوها على البلاد. ولما زاد أبو سعيد بن جامع الوزير تمكيناً في سنة سبع عشرة وستمائة بعد تأخيره من الوزارة بلغه أن ابن يوجان شمت به وهو في حبسه بتلمسان وتكلم ورجا التسريح، فما كان عنده خبر حتى وصل إليه من جاز به (٤) إلى الأندلس وحبسه في حصن جنجالة. ولما حمل إلى ذلك الثغر السحيق وظنوا أن الداء (٥) قد حسم بذلك

стр. 191

الاقصاء والتفريق، وفرقوا بنيه على البلاد، قضى الله تعالى أن مات أبو سعيد بن جامع، وخلص ابن يوجان من ذلك الحصن، وقلب الدولة وسعى في الفتنة، وذلك أنه لما وصل الخبر إلى مرسية بوفاة المستنصر يوسف بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن واستخلاف المبارك عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بمراكش والأمر لابن يوجان بالمسير إلى جزيرة ميورقة قرأ قول الله تعالى " ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة " وطلب الاجتماع بالسيد أبي محمد عبد الله بن المنصور صاحب مرسية يومئذ، فلما حضر عنده قال له: أراهم قد أخرجوا الإمامة عن عقد سيدنا المنصور رحمة الله عليه، وأنا أشهد أنه قال: إن لم يصلح محمد فعبد الله فقد نص عليكم وان طلبتموها لم يخالفكم أحد مع كراهية الناس في بني جامع الذين قد اتخذوا الوزارة وراثة، وجعلوا يقصون من الحضرة كل من هو مؤهل لوزارة واستشارة، وقد وطأ الله لكم هذا الأمر بأن جعل إخوتكم الميامين أولاد المنصور بقرطبة ومالقة وغرناطة، فأول ما قدم مخاطبتهم بذلك وتهييج حفائظهم في خروج الإمامة عن بيتهم؛ وكان السيد أبو محمد هذا لم يبايع عمه عبد الواحد بعد، وهو ناظر في البيعة فأصغى إلى ابن يوجان؛ وعلم أنه قد تقدم له في هذا الأمر سابقة بوزارة المنصور وأن الموحدين يصيرون إلى قوله في البرين، فنصب نفسه للإمامة وتلقب بالعادل، وخاطب اخوته فجاوبوه؛ ثم انتقل العادل من مرسية إلى اشبيلية ومعه ابن يوجان وهو غالب على جميع التدابير ناظر في مخاطبات ولاة العدوة والتطلع لأخبار مراكش. ثم إن العادل أراد أن يستريح من ابن يوجان لتفرغ (١) أتباعه إلى تدبير الآراء والاستبداد بحضرته فإنه غم الجميع وكان ابن يوجان إذا احتوى على أمر ضم أطرافه ولم يترك لأحد منه شيئاً، ولذلك رماه أهل الدول عن قوس واحدة، فرسم له العادل ركوب البحر إلى سبتة ليكون بها نائب سلطانه وناظراً في جميع بر العدوة، فركب في القطائع من نهر اشبيلية إلى سبتة؛ وذلك كله في سنة إحدى وعشرين وستمائة، فاشتغل بالنظر في بلاد العدوة. ثم إن العادل خلع واجتمع أهل الحل والعقد وقالوا: نحب أن لا نبيت الليلة إلا بإمام، فقال لهم ابن يوجان: إن رأيتم أن تتربصوا حتى تتحقق أخبار أبي العلا صاحب الأندلس فقد ظهرت نجابته بتلك البلاد، وقد ذاق الاستبداد، وما أظنه يترك هذا الأمر لغيره، فعدلوا عن كلامه وأجمع أبو زكريا ابن الشهيد وأبو يعقوب بن علي على مبايعة أبي زكريا يحيى بن محمد الناصر ثم خاطب أبو العلا المذكور لابن يوجان يدعوه إلى مبايعته فأجابه وكذلك خاطبه هلال بن مقدم أمير الخلط، وعمرو بن وقاريط شيخ هسكورة في شأن مبايعة أبي العلا والتضييق على أهل مراكش الذين انحرفوا عن مبايعة أبي العلا وأخذ رأي ابن يوجان ومشاركته في ذلك، فأجابهما بأن لا يغبا الغارات طرفة عين وأن يجهدا في قطع الطرق حتى تحوج الضرورة أهل مراكش إلى مبايعة أبي العلا وإخراج من لا ينفعهم، فلما تواصلت مصائب العرب وهسكورة على مراكش وصاروا لا يخرج منهم جيش إلا هزموه وغنموه حتى أفنوا كثيراً من رجالها اجتمع أهل الرأي فيها على قتل ابن يوجان إذ كان في اعتقادهم أنه يغري العدو الظاهر بإهلاكهم، فاطلع ابن يوجان (٢) ، وابنه الأكبر أبو محمد على ذلك، فاختفى هو في غرفة لبعض أتباعه في جهة ريثما (٣) يخفى عن العيون، ووقع ابنه في درب من دروب هرغة، فاختفى في مسجد هناك، ووقع النهب في جميع ما كان لهما، وصار الرمال والسائس والدخاني وأمثالهم يضع كل واحد منهم يده في من وقع له من الحرم وغير ذلك، ولا أحد ينكر، ولا يقدر من ينكر أن يلفظ بذلك، لأنهم كانوا عند العامة مباطنين لأعدائهم، ووقع البحث على الشيخ ابن يوجان وعلى ولده، فأما الشيخ فانتهى إليه جزار فصاح بصاحب له استعان به على جره فجراه وذبحه الجزار وغدا برأسه إلى أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد إذ هو ابن عمه، لأن أبا زيد المقتول هو عبد الرحمن بن موسى بن يوجان بن يحيى الهنتاتي وأبو زيد الواصل بالعسكر هو عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أبي حفص بن يحيى، فيحيى يجمع بين أبي حفص وبين يوجان، وجعل الله تعالى بين هذين البيتين ما جعل بين بني هاشم وبني أمية؛ وأما ابنه الوزير أبو محمد فنمي خبره إلى أولاد أبي زكريا ابن الشهيد فوصلوا إليه وأخرجوه وضربوا عنقه على باب المسجد وكان قتلهما في سنة خمس وعشرين وستمائة. جند (٤) : مدينة باليمن كبيرة حصينة كثيرة الخيرات، بها قوم

стр. 192

من خولان، وبها مسجد جامع بناه معاذ بن جبل ﵁ حين نزلها، وهو الذي يذكر أن ناقته بركت في موضعه فقال: خلوا سبيلها إنها مأمورة، فأمر ببناء المسجد في ذلك الموضع، وهذا كالذي فعله رسول الله ﷺ عند احتلاله المدينة. ثم بركت في صنعاء أيضاً فبنى المسجد بها. وأهل الجند شيعة كلهم، ومن الجند يجلب إلى مكة وغيرها ملاحف القطن المنسوبة إلى سحول وهو واد بقرب الجند، ومن أهل الجند لطف الله بن الكدرندي كان آباؤه من شرار اليمن، وفيها يقول: الله جاركم يا ساكني الجند ... هذا على انكم أفنيتم جلدي جفوتموني بلا ذنب ولا سبب ... إلا مقالة أهل البغي والحسد ولا أكلفكم ما لا يخف لكم ... منوا علي برد الروح في جسدي ثم افعلوا بعد ما شئتم فلا حرج ... ولا تخافون من عقل ولا قود جنبيتة (١) : مدينة من أرض الحبشة متحضرة في برية بعيدة عن العمارة وتتصل عمارتها وبواديها إلى النهر الذي يمد النيل ويشق في بلاد الحبشة؛ ومنبعه من خط الاستواء، وفي آخر نهاية المعمور من جهة الجنوب، فيمر مغرباً مع الشمال حتى يصل إلى أرض النوبة فيصب هناك في ذراع النيل الذي يحيط بمدينة بلاق، وهو كبير عريض عليه عمارات للحبشة. جنابا (٢) : جزيرة في البحر من جزائر البحرين باليمن، منها أبو سعيد الجنابي القائم بدعوة القرمطي الظاهر في بلاد القطيف من بلاد اليمن، حسبما يأتي ذكر ذلك في حرف القاف والزاي إن شاء الله تعالى، ودخل أبو سعيد هذا مدينة هجر من بلاد اليمن سنة سبع وثمانين ومائتين بعد حصار أربع سنين، فدخل على قوم هلكوا جوعاً وهزلاً وبعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق، وقتل منهم القرمطي ثلثمائة ألف فطرحهم أحياء في النار، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال، ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلاً. جناباذ (٣) : مدينة على جادة الطريق من نيسابور، وبينهما ثلاثة عشر فرسخاً، وبجناباذ سور ومسجد جامع، وبنيت أيام عبد العزيز بن السري بسبب الخوارج، ولها قهندز عظيم عتيق كان لمرزبان صرد كرمان وما حواليها من الضياع والرساتيق. جنيارة (٤) : مدينة بين فاس وطنجة، فيها (٥) قرى كثيرة جامعة عامرة وزرع وضرع في جبل سهل أبيض مثل الطيلسان يسمى الجبل الأشهب، وقل ما تخلف أرض جنيارة لا في خصب ولا في جدب. وسأل رجل أراد أن يقتني ضيعة ببلاد المغرب شيخاً من العارفين فقال له: عليك ببلد جنيارة فإنها مثل الدجاجة إن أصابها ديك أتت بالبيض، وإن لم يصبها ديك أتت بالبيض، تحتك في الغبار وتلد. الجنادل (٦) : جبل الجنادل في بلاد السودان، بينه وبين بلاق ستة أيام في البر، وفي النيل أربعة أيام انحداراً وإلى جبل الجنادل تصل مراكب السودان ومنه ترجع لأنها لا تقدر على النفوذ في السير إلى بلاد مصر، لأن الله تعالى جعل هذا الجبل قليل العلو من جهة بلاد السودان، وجعل وجهه الثاني مما يلي ديار مصر عالياً جداً، والنيل يمر من جهة أعلاه فيصب إلى أسفل صباً عظيماً مهولاً، وفي الموضع الذي ينصب إليه الماء أحجار مكدسة وصخور مضرسة، والماء يقع بينها، فإذا وصلت مراكب السودان وجاءت إلى هذا المكان من النيل لم يمكنها عبوره لما فيه من العطب المهلك، فإذا انتهت المراكب بما فيها من التجار والتجارات تحولوا عن بطون المراكب إلى ظهور الجمال وساروا إلى مدينة أسوان في البرية، وبين هذا الموضع وأسوان نحو من اثنتي عشرة مرحلة بسير الجمال. الجعرانة (٧) : بتشديد الراء في قول العراقيين، والحجازيون

стр. 193

يخففونها قال الأصمعي: هي بإسكان العين وتخفيف الراء، وهي ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى، وبها قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين، ومنها أحرم بعمرته في وجهته تلك. قالوا: دخل رسول الله ﷺ الجعرانة فجاء إلى المسجد فركع ما شاء الله تعالى ثم أحرم ثم استوى على راحلته، الحديث. الجعفرية (١) : مدينة بالعراق بناها جعفر المتوكل ونقل الناس إليها من سر من رأى، وأراد أن تنسب إليه ويكون له بها بقاء الذكر، فأمر موسى بن محمد المنجم ومن يحضره من المنجمين والمهندسين أن يختاروا له موضعاً، فوقع اختيارهم على موضع يقال له الماحوزة (٢) ، وابتدأ النظر فيه في سنة خمس وأربعين ومائتين، ووجه في حفر النهر ليكون وسط المدينة فقدرت النفقة على النهر ألف ألف وخمسمائة دينار، فطاب نفساً بذلك ورضي به وابتدأ الحفر والنفقة الجليلة على ذلك النهر، واختط مواضع قصوره ومنازله فأقطع ولاة عهوده وسائر أولاده وقواده وكتابه وجنده والناس كافة، ومد الشارع الأعظم من دار أشناس التي بالكرخ وهي التي صارت للفتح بن خاقان مقدار ثلاثة فراسخ، وجعل لقصوره ثلاثة أبواب عظام جليلة يدخل منها الفارس برمحه قائماً وأقطع الناس يمنة الشارع الأعظم ويسرته وجعل عرض الشارع الأعظم مائتي ذراع وأمر أن يحفر في جنبتي الشارع نهران يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي يحفره، وبنيت القصور وشيدت الدور، وارتفع البناء، وكان يدور بنفسه فمن رآه قد جد في البناء أجازه وأعطاه، وسمى المتوكل هذه المدينة الجعفرية، واتصل البناء إلى سر من رأى ليس بين شيء من ذلك فضاء ولا فرج ولا موضع لا عمارة فيه، فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ، وارتفع البناء في مقدار سنة وجعلت الأسواق في موضع معتزل، وبني المسجد الجامع وانتقل المتوكل إلى قصور هذه المدينة أول المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين، فلما جلس أجاز الناس جميعاً بالجوائز السنية، وأعطى جميع القواد والكتاب ومن تولى عملاً من الأعمال، وتكامل له السرور فقال: الآن علمت أني ملك إذ بنيت لنفسي مدينة وأسكنتها ولدي ونقلت الدواوين إليها. إلا أن النهر لم يتم أمره ولم يجر فيه الماء إلا جرياً ضعيفاً لم يكن له اتصال ولا استقامة، على أنه قد أنفق عليه نحو ألف ألف (٣) دينار لكن كان حفره صعباً جداً إنما كانوا يحفرون حصى وأفهاراً لا تعمل فيها المعاول، وأقام المتوكل نازلاً في قصوره بالجعفرية تسعة أشهر وثلاثة أيام وقتل لثلاث خلون من شوال سنة تسع وأربعين ومائتين في قصره الجعفري، وقصة قتله مشهورة لا نطول بها، فولي ابنه محمد المنتصر فانتقل إلى سر من رأى وأمر الناس جميعاً بالانتقال معه عن الماحوزة وأن يهدموا المنازل ويحملوا النقض إلى سر من رأى فانتقل الناس وحملوا نقض المنازل إلى سر من رأى وخربت القصور والجعفري ومنازله ومساكنه وأسواقه في أسرع مدة، وصار الموضع موحشاً لا أنيس به ولا ساكن فيه والديار بلاقع كأن لم تعمر ولم تسكن. وقد ذكر أبو عبادة البحتري هذا القصر الجعفري في قصيدته التي رثى بها المتوكل وكان حاضراً ليلتئذ، اختفى فسلم، ففيها يقول (٤) : تغير حسن الجعفري وأنسه ... وقوض بادي الجعفري وحاضره تحمل عنه ساكنوه فجاءة ... فعادت سواء دوره ومقابره إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ... على عجل أستاره وستائره ووحشته حتى كأن لم يقم به ... أنيس ولم تحسن لعين مناظره تعرض نصل السيف من دون فتحه ... وغيب عنه في خراسان طاهره أدافع عنه باليدين فلم يكن ... ليثني الأعادي أعزل البأس حاسره

стр. 194

ولو أن سيفي ساعة القتل في يدي ... درى الغادر العجلان كيف أساوره ومات المنتصر بسر من رأى في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وولي المستعين أحمد بن المعتصم فأقام بسر من رأى سنتين وثمانية أشهر حتى اضطربت أموره فانحدر إلى بغداد في المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، فأقام يحارب أصحاب المعتز سنة كاملة والمعتز بسر من رأى معه الأتراك وسائر الموالي، ثم خلع المستعين وولي المعتز فأقام بها حتى قتل ثلاث سنين وسبعة أشهر بعد خلع المستعين، وبويع محمد بن الواثق سنة خمس وخمسين ومائتين فأقام حولاً كاملاً ينزل الجوسق حتى قتل، وولي أحمد بن المعتمد بن المتوكل فأقام مدة حتى اضطربت الأمور فانتقل إلى بغداد ثم إلى المدائن، فسبحان من له البقاء وحده. جفر الأملاك: مكان بين الحيرة والكوفة كان المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم وأسر اثني عشر فتى من ملوكهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة يقال له جفر الأملاك، وكان امرؤ القيس بن حجر يومئذ معهم فهرب ولحق بإياد، فأجاره سعد بن الضباب سيد إياد، وفيه يقول امرؤ القيس (١) : يفاكهنا سعد ويغدو لجمعنا ... بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر وتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر الجفار (٢) : أرض متصلة ببلاد الواحات وهي خالية قفر، وكانت فيما سلف من الزمان متصلة العمارات كثيرة البركات مشهورة الخيرات أكثر زراعة أهلها الزعفران والنيلج والعصفر وقصب السكر، وأما الآن ففيها مدينة الجفار قد أحدقت بها النخيل من كل النواحي وماؤها غزير عذب، ومن الجفار إلى الواحات ثلاثة أيام لا ماء فيها، والواح قرى كثيرة صغار فيها أخلاط من الناس يزرعون النيلج وقصب السكر، وهي على ضفة الجبل الكبير الحاجز بين أرض مصر والصحارى المتصلة بأرض السودان. جسطة (٣) : مدينة في جزيرة في البحر الهندي صغيرة يوجد فيها التبر كثيراً وهو غلتهم وشغلهم وإياه يطلبون ومنه معايشهم، وأكلهم السلاحف ولحم الصدف، وعندهم الذرة قليلة، وهم على جون كبير تدخله المراكب وليس لأهل جسطة مراكب ولا دواب يتصرفون عليها إنما يتصرفون بأنفسهم ويستخدم بعضهم بعضاً، وتجار بلاد المهراج يدخلون إليهم ويجالسونهم ويتجرون معهم. الجسر (٤) : كانت وقيعة الجسر بالعراق في خلافة عمر ﵁ وكان ندب المسلمين إلى حرب العجم في العراق، وقدم عليهم أبا عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي فكانت بينهم وقائع كلها على العجم، فرجعت المرازبة إلى يزدجرد منهزمين وقد فتح أبو عبيد من بلادهم ما فتح ونزل على الحيرة فشتمهم يزدجرد وأقصاهم ودعا بهمن ذا الحاجب فعقد له على اثني عشر ألفاً وقال له: قدم هؤلاء الذين انهزموا فإن انهزموا فاضرب أعناقهم، فخرج في عدة لم ير مثلها، وبلغ المسلمين مسيرهم إليهم فقال المثنى بن حارثة: إنك لم تلق مثل هذا الجمع ولا مثل هذه العدة، ولمثل ما أتوك به روعة لا تثبت لها القلوب، فارتحل من منزلك حتى تعبر الفرات وتقطع الجسر ويصير الفرات بينك وبينهم، فإن عبروا إليك قاتلتهم واستعنت بالله، قال: إني لأرى هذا وهناً. وأقبل بهمن فنزل قس الناطف بينه وبين أبي عبيد الفرات، وأرسل إلى أبي عبيد إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك، فقال أبو عبيد: نعبر إليكم، فقال المثنى: أذكرك الله والإسلام أن تعبر إليهم، فحلف ليعبرن، ودعا من عقد له الجسر، فقال سليط بن قيس الأنصاري: يا أبا عبيد اذكرك الله ألا تركت للمسلمين مجالاً فإن العرب من شأنها أن تفر ثم تكر، فاقطع هذا الجسر وتحول عن منزلك وانزل أدنى منزل من البر، ونكتب إلى أمير المؤمنين نعلمه ما قد أجلبوا به علينا ونقيم، فإذا كثر عددنا وجاء مددنا زحفنا إليهم وبنا قوة وأرجو أن يظهرنا الله تعالى عليهم قال: جبنت والله يا سليط، قال: والله لأنا أشد منك بأساً وأشجع منك قلباً، ثم تقدم فعبر، فقال المثنى لأبي عبيد: والله ما جبن ولكن أشار بالرأي وأنا أعلم بقتال هؤلاء منك، لئن عبرت

стр. 195

إليهم في ضيق هذا المطرد ليحرزن المسلمين هذا العدد، فقال المثنى للناس: اجعلوا جبننا بي ولا تعبروا، فقالوا: وكيف نصنع وقد عبر أميرنا وسليط في الأنصار وعبر أناس؛ فقال المثنى: إني لأرى ما يصنعون ولولا أن خذلانكم يقبح ولا أراه يحل ما صحبتكم، ثم عبر فالتقى الناس في موضع ضيق. وكانت دومة امرأة أبي عبيد رأت وهي بالطائف كأن رجلاً نزل من السماء معه إناء فيه شراب فشرب منه أبو عبيد ورجال من أهل بيته، فقصتها على أبي عبيد فقال: هذه الشهادة إن شاء الله، فلما التقوا قال أبو عبيد: إن قتلت فأميركم عبد الله بن مسعود بن عمرو بن عمير يعني أخاه، فإن قتل فجبر بن أبي عبيد يعني ولده، فإن قتل فأميركم فلان، وعد أمراء كلهم شرب من الاناء ثم قال: فإن قتل فأميركم المثنى بن حارثة، وجعل على ميمنته سليط بن قيس وعلى ميسرته المثنى، وقدم ذو الحاجب الجالنوس معه الفيل الأبيض وراية كسرى وقد أحاطت به حماة المشركين، وكانت بين الناس مشاولة يخرج العشرة والعشرون فيقتتلون ملياً من النهار، ثم حمل المشركون فنضحهم المسلمون بالنبل وجثت رجالهم فاستقبلوا بالرماح، فلم يقدروا من المسلمين على شيء فانصرفوا عنهم، ثم حملوا الثانية ففعلوا مثلها، ثم انصرفوا وحملوا الثالثة فصبروا، فلما رأوا أنهم لا يقدرون على ما يريدون من المسلمين جاءوا بالنشاب فوضعوه كأنه آكام وتفرقوا ثلاث فرق، فقصدت فرقة لأبي عبيد في القلب، وفرقة لسليط في الميمنة، وفرقة للمثنى في الميسرة، ثم صاروا كراديس فجعل الكردوس يمر معرضاً بالمسلمين ويرميهم حتى كسرت الجراحات فيهم، وأقبلت الفيلة عليها الجلاجل، والخيول عليها التجافيف، والفرسان عليهم الشعر، فلما نظرت إلى ذلك خيول المسلمين رأت شيئاً منكراً لم تكن ترى مثله، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم وإذا حملت المشركون عليهم بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم فلا تقوم لها الخيل إلا على نفار وخزقهم الفرسان بالنشاب وعض المسلمين الألم، وجعلوا لا يصلون إليهم فنادى سليط بن قيس: يا أبا عبيد أرأيي أم رأيك؟ أما والله لتعلمن أنك قد أضررت برأيك نفسك والمسلمين، ثم قال: يا معشر المسلمين على م نستهدف لهؤلاء المشركين؟ من أراد الجنة فليحمل معي، فحمل في جماعة أكثرهم من الأنصار فقتل وقتلوا، وترجل أبو عبيد وترجل الناس ومشوا إليهم فتكافحوا وصافحوهم بالسيوف، وحمي الناس حتى كثرت القتلى بين الطائفتين جميعاً، وجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة فقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها. وواثب هو الفيل الأبيض فتعلق بخطامه ووقع الذي عليه وفعل القوم مثل ذلك، فما تركوا فيلاً إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، وضرب أبو عبيد مشفر الفيل فقطعه؛ واستدبره أبو محجن فضرب عرقوبه فاستدار وسقط بجنبه، وتعاور أبا عبيد المشركون فقتلوه، وقيل خبطه الفيل لما قطع مشفره وقام عليه، فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذي كان أمره من بعده، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد فاجتره إلى المسلمين وأحرزوا شلوه ثم تجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده وخبطه الفيل وقام عليه، وتتابع أمراء أبي عبيد الذين عهد إليهم كلهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت وصبر الناس حتى قتلوا وصارت الراية إلى المثنى بن حارثة فجاش بها الناس ساعة ثم انهزم الناس وركبهم المشركون ثم حمل المثنى في سبعين من بكر بن وائل أصحاب خيل مقرحة كان يعدها للطلب وللغارة، فقاتلهم حتى ارتفع عنهم المشركون فانضموا إلى إخوانهم من المسلمين، ومضى الناس نحو الجسر وجاءهم المثنى وعروة بن زيد الخيل وجماعة، ونادى المثنى: أيها الناس أنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزول حتى نراكم من ذلك الجانب، فانتهى الناس إلى الجسر وقد سبق إليه عبد الله بن مرثد الثقفي، أو غيره فقطعه وقال: قاتلوا من دونكم فخشع الناس فاقتحموا الفرات فغرق من لم يصبر، وأسرع المشركون في من صبر، وأتاهم المثنى بن حارثة فأمر بالسفينة التي قطعت فوصلت بالجسر، وعبر الناس، وقال المثنى للرجل الذي قطع الجسر: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن يصبر الناس، وأصيب يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة وقتل من المشركين ألفان وقيل أكثر من ذلك، وقيل أسرعت السيوف في أهل فارس وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم تبق إلا الهزيمة، فلما خبط أبو عبيد وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة وركبهم أهل فارس، وقيل هلك يومئذ من المسلمين نحو أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف. ولما عبر الناس عبر المثنى وقطع الجسر بعد عبورهم فعقده المشركون، وخرج جابان ومرداشاه في ألف من الأساورة مستخفين ليسبقوا المسلمين إلى الطريق، وبلغ ذلك المثنى فخرج يريدهما في جريدة خيل، فاعترضاه يظنانه (١) ، هارباً فأخذهما أسيرين

стр. 196

فضرب أعناقهما، وخرج أهل أليس على أصحابهما فأخذوهم فجاءوا بهم إلى المثنى فضرب أعناقهم وعقد بذلك لأهل أليس ذمة، وانهزم المشركون. جو (١) : بفتح أوله وتشديد ثانيه، اسم اليمامة في الجاهلية، حتى سماها الحميري الذي قتل المرأة التي تسمى اليمامة باسمها، وهي زرقاء اليمامة وقصتها مشهورة، وقال الأعشى (٢) : وإن امرءاً قد زرته قبل هذه ... بجو لخير منك نفساً ووالدا يعني هوذة الحنفي صاحب اليمامة ويذم الحارث بن وعلة (٣) . وفي الخبر (٤) أن حسان بن تبع الآخر كان غزا طسماً باليمامة فأهلكها، وكانت طسم وجديس تنزل اليمامة وكان لطسم ملك غشوم سيء السيرة في جديس يعمل فيها بالفواحش، فوثبت جديس على طسم وهي غارة فقتلت منها مقتلة عظيمة وقتلت ذلك الملك، ومضى رجل من طسم إلى حسان بن تبع يستصرخه، فوجه معه جيشاً إلى اليمامة، واسم اليمامة يومئذ جو، وكانت بها امرأة يقال لها اليمامة، فلما كانوا من اليمامة على ثلاثة أيام أخبر الطسمي بخبر اليمامة وما يخاف أن تنذر بهم، فعمدوا إلى الشجر فقطعوها، وجعل كل رجل منهم بين يديه شجرة، فنظرت إليهم وقالت: يا معشر جديس لقد سارت إليكم الشجر. ولقد أتتكم حمير، فقالوا: ما ذاك؟ قالت: أرى الشجر قد أقبلت إليكم وأرى معها رجلاً معه كتف يأكلها أو نعل يخصفها، فكذبوها وقالوا لها: اختلط عليك، فصبحهم حمير فأوقعت بهم وقعة أفنتهم إلا يسيراً ففي ذلك يقول الأعشى (٥) : ما نظرت ذات أشفار كما نظرت ... يوماً ولا نظر الذئبي (٦) إذ سجعا قالت: أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفي أية صنعا فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا جوة (٧) : قرية بأرض الحبشة يتخذون الإبل ويكتسبونها (٨) ويشربون ألبانها ويستخدمون ظهورها وهي أجل بضاعة عندهم، ويسرق بعضهم أبناء بعض ويبيعونهم من التجار فيخرجونهم إلى أرض مصر في البر والبحر. جور (٩) : مدينة من بلاد فارس بناها أزدشير بن بابك، وكان مكانها منقع مياه، فاحتال لخروج ذلك وبنى مدينة جور، وهي مدينة جليلة ولها سور من طين وخلفه خندق، ولها أربعة أبواب، وهي كثيرة البساتين والجنات رحيبة الأفنية والجهات، كثيرة الفواكه والثمر فرجة جداً، وجميع جهاتها الأربع يسير الناس بها بين قصور عالية ومتنزهات سامية طيبة الهواء، وكان بوسطها فيما سلف بنيان يسمى الطربال بناه ازدشير الملك وجعل له من العلو مقدار ما إذا صعد الإنسان على أعلاه يشرف على جميع المدينة ورساتيقها، وكان له في أعلى هذا البناء بيت نار فهدمه المسلمون ولم يبق منه إلا رسم وأثر، وله يوم عيد، وهو على عين هناك عجيبة وإليه متنزهاتهم. ويعمل بجور ماء الورد الكثير الطيب العبق الرائحة وذلك لصحة التربة وصفاء الهواء، وألوان سكانها في غاية الحسن من اعتدال الحمرة والبياض، وبينها وبين شيراز عشرون فرسخاً. الجرزبان (١٠) : من مدن الجوزجان، وهي بين جبلين أشبه بلد بمكة شرفها الله تعالى وأعزها، وشعابها كشعابها، ومزارعها

стр. 197

قليلة وبساتينها مثل ذلك، وبها مياه جارية وعيون مطردة، وتجلب منها الجلود المدبوغة التي يتجهز بها إلى سائر بلاد خراسان. الجودي (١) : جبل الجودي بالجزيرة وهو المذكور في القرآن، وهو قبل قردى، وحدث من رآه أنه دخل الجودي ودخل الموضع الذي استوت السفينة عليه وقال إنه ثلاثة أجبل بعضها فوق بعض، يصعد إلى الأول في أعلاه جب للماء ثم يصعد إلى الجبل الثالث وهو الذي استوت عليه السفينة، وهناك حجر يقولون ان عليه نزلت وهو شبه سفينة، وهناك بيعتان للنصارى ومسجد للمسلمين، ولهذا الجبل موسمان في العام: موسم في نصف شعبان يقصد إليه الناس من الأقطار البعيدة وموسم في يوم عاشوراء، وينفقون هناك النفقة العظيمة من الصدقات وغير ذلك، وفي أسفل هذا الجبل مدينة ثمانين وقد ذكرناها في حرف الثاء - ويروى أن السفينة استقلت بهم في عاشر رجب واستقرت على الجودي في يوم عاشوراء من المحرم، وروي أن البيت (٢) بني من خمسة أجبل أحدها الجودي. جوخى (٣) : بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالخاء المعجمة، بالعراق وهو ما سقي من نهر جوخى، ولم يكن بالعراق عند الفرس كورة تعدل كورة جوخى وكان خراجها ثمانين ألف ألف دينار (٤) . جواثى (٥) : بضم أوله وبالثاء المثلثة، مدينة بالبحرين لعبد القيس، قال امرؤ القيس: ورحنا كأنا من جواثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومشنق يريد كأنا من تجار جواثى لكثرة ما معهم من الصيد، أراد كثرة أمتعة تجار جواثى، بين عدل أي بين معدول في أعدال، ومشنق أي معلق. وأول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ بجواثى من البحرين، نقله البخاري. وكان الصديق ﵁ بعث العلاء بن الحضرمي والياً على البحرين، فسار حتى نزل حصن جواثى فسار إليه من ارتد من أهل البحرين فحصروه ومن معه بجواثى، فقال بعضهم (٦) : ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى نفر يسير ... مقيم في جواثى محصرينا توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا ثم إن المسلمين بيتوهم ووضعوا فيهم السلاح فلم يفلت من المرتدة أحد وغنم المسلمون خيولهم ومتاعهم وبعث بمال كثير إلى المدينة، ثم سار العلاء بن الحضرمي إلى الخط. وحدث الأصمعي قال: كان قوم من أهل البحرين من جواثى يتواصلون على العلم والأدب فغاب رجل منهم إلى أكناف العراق فأقام بها برهة ثم عاد فوجد قريبين له قد ماتا فضرب على قبريهما فسطاطاً وأقام حولاً بينهما فلما انقضى الحول قوض فسطاطه ثم قال (٧) : خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما أجدكما ما ترحمان متيماً ... مقيماً على قبريكما لا يراكما

стр. 198

أمن طول نوم لا تجيبان داعياً ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما ألم تعلما ما لي براوند كلها ... ولا بجواثى من حبيب سواكما أبكيكما حتى الممات وما الذي ... يرد على ذي عولة إن دعاكما الجوزجان (١) : في بلاد خراسان أوله جيم، وهو يوازي كرمان، والجوزجان اسم للناحية وليس بمدينة بل هو اسم كورة، وأكبر مدن الجوزجان انبار واليهودية وغيرهما، وبانبار يقيم أميرها في الشتاء، ومن الجوزجان إلى بلخ أربع مراحل. وفيها قتل يحيى بن زيد (٢) بن علي سنة خمس وعشرين ومائة وصلب فأظهرت شيعة بني العباس لبس السواد بسببه، وأبوه زيد هو المقتول المصلوب بكناسة الكوفة على ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى، فلما كان في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك ظهر ابنه يحيى بن زيد هذا بخراسان بالجوزجان منها، فكتب الوليد إلى عامله بالكوفة أن احرق زيداً بخشبه، ففعل ذلك وأذري في الرياح على شاطئ الفرات، وإليه تنسب الزيدية. ولما قام يحيى (٣) منكراً للظلم وما عم الناس من الجور صير إليه نصر بن سيار سلم بن أحوز المازني فقتل يحيى في المعركة بقرية يقال لها درغويه (٤) ودفن هناك، وقتل بسهم أصاب صدغه فولى أصحابه، واحتز رأسه فحمل إلى الوليد، وصلب جسده بالجوزجان، ولم يزل مصلوباً إلى أن خرج أبو مسلم صاحب الدعوة العباسية فقتل سلم بن أحوز وأنزل جثة يحيى فصلى عليها ودفنت هناك، وأظهر أهل خراسان النياحة على يحيى بن زيد سبعة أيام في سائر عمائرها في حال أمنهم على أنفسهم من سلطان بني أمية، ولم يولد في تلك السنة مولود بخراسان إلا سمي يحيى أو زيد لما دخل أهل خراسان من الحزن عليهم وكان ظهور يحيى في آخر سنة خمس وعشرين أو في سنة ست وعشرين ومائة. وكان فتح (٥) الجوزجان على يد الأحنف بن قيس وجهه ابن عامر إلى مرو الروذ فبعث الأحنف إلى الجوزجان الأقرع بن حابس في جريدة خيل مع ما انضاف إليهم فقاتلهم الأقرع بخيله فجال المسلمون جولة فقتل بعض فرسانهم ثم أظفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم، وأولئك القتلى من فرسان المسلمين عنى أبو كثير النهشلي إذ قال: سقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان الجوسق (٦) : من مصانع الفرس بالكوفة، قال الشاعر (٧) : إني أدين بما دان الشراة به ... يوم النخيلة عند الجوسق الخرب ولما (٨) خلع المستعين وبويع محمد بن الواثق سنة خمس وخمسين ومائتين أقام حولاً كاملاً ينزل الجوسق حتى قتل وولي أحمد بن المعتمد بن المتوكل فأقام بالجوسق من سر من رأى فبنى قصراً سماه المعشوق فنزله وأقام به حتى اضطربت الأمور فانتقل إلى بغداد ثم إلى المدائن. وفي خبر المعتصم (٩) أنه لما عزم على بناء سر من رأى صير إلى كل واحد من أصحابه بناء قصر فصير إلى خاقان أبي الفتح قصر الجوسق الخاقاني فهو الجوسق.

стр. 199

الجولان (١) : موضع بالشام معروف كانت حاميم بن عمليق بن لاوذ بن إرم نزلوا الجولان من بلاد حوران والبثنية وذلك بين دمشق وطبرية فانقرضت وأباد الله تعالى جميعها، وفي شعر النابغة: بكى حارث الجولان من فقد ربه (٢) ... ويقال الجبل: حارث الجولان. الجوزاء (٣) : مدينة الجوزاء في ساحل وادي القرى، ولها مسجد جامع وثمان آبار عذبة وبها ثمار ونخل، وأهلها عرب من جهينة وبلي. ؟ الجيزة (٤) : بالزاي اختطها بمصر عمرو بن العاصي ﵁ في زمان عمر بن الخطاب ﵁، والجيزة قرية كبيرة جميلة البنيان على نيل مصر، لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها وبها مسجد جامع فيه الخطبة، ويتصل بهذا المسجد المقياس الذي تعتبر فيه زيادة النيل عند فيضه كل سنة واستشعار ابتدائه في شهر يوليه ومعظم انتهائه اغشت وآخره أول أكتوبر. والمقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه وهو مفصل على اثنين وعشرين ذراعاً كل ذراع مفصل على أربعة وعشرين قسماً متساوية تعرف بالأصابع فإذا انتهى الفيض عندهم إلى أن يستوفي الماء تسعة عشر ذراعاً فهي الغاية عندهم في طيب العام والمتوسط عندهم ما استوفى سبعة عشر ذراعاً وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة، والذي يستحق به السلطان خراجه في البلاد المصرية ستة عشر ذراعاً فصاعداً، وعليها يعطي البشارة للذي يراعي الزيادة كل يوم وصعودها في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي تفضي بها وإن قصر عن ستة عشر ذراعاً فلا مجبى للسلطان في ذلك العام ولا خراج. ويقال إن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار، وفي صدر الجزيرة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح فيقال إن بسببها لا يظهر التمساح فيما يلي البلد من النيل بمقدار ثلاثة أميال علواً وسفلاً. جيان (٥) : مدينة بالأندلس بينها وبين بياسة عشرون ميلاً وهي كثيرة الخصب رخيصة الأسعار كثيرة اللحوم والعسل، ولها زائد على ثلاثة آلاف قرية كلها يربى فيها دود الحرير، وبها جنات وبساتين ومزارع وغلات القمح والشعير والباقلى وسائر الحبوب، وعلى ميل منها نهر بلون (٦) وهو نهر كبير عليه أرحاء كثيرة جداً، وبها مسجد جامع وعلماء جلة. وجيان في سفح جبل عال جداً وقصبتها من القصاب الموصوفة بالحصانة ومن غر المدن وشريف البقاع، وفي داخلها عيون وينابيع مطردة، منها عين ثرة عذبة عليها قبو من بناء الأول، ولها بركة كبيرة عليها كان حمام الثور فيه صورة ثور من رخام، وحمام الولد، وهما للسلطان، وحمام ابن السليم وحمام ابن طرفة وحمام ابن إسحاق وتسقى بفضلته بسائط عريضة ومن عيونها عين البلاط عليها قبو للأول وماؤها لا ينقص في زمان من الأزمان، على هذه العين حمام يعرف بحمام حسين، وتسقى بها أيضاً أرض كثيرة، ومن عيونها عين سطرون وماؤها غزير نمير وعليها سقي كثير، والأرحاء الطاحنة على أبواب المنازل بجيان والجنات بظهور البيوت، وجامع جيان مشرف يصعد إليه على درج من جميع نواحيه، وهو من خمس بلاطات، على أعمدة رخام وله صحن كبير حوله سقائف، وهو من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم على يد مسرة عامل جيان. وجبل من جبال جيان إذا تبايع أهلها أموالهم فيه شرطوا أنه في مجرى السحاب لأن هذا الجبل في مكان لا يكاد يخطئه السحاب بالرياح المختلفة فهم يغالون فيه لهذه الخاصية. ولكورة جيان أقاليم عدة وبها أسواق كثيرة وسوقها الجامعة يوم.......... (٧) ، وكورتها من أشرف الكور، وهي أشبه الكور بكورة البيرة في طيب بقعتها ووفور غلتها ورفع بذرها وكثرة خيرها، وحريرها يفوق حرير البيرة طيباً، ومن أمثال العامة: يذكر البلدان

стр. 200

ويسكن جيان. ولها أقاليم كثيرة وقرى عامرة وعمائر واسعة. ومن جيان الحافظ أبو علي الجياني الإمام الضابط (١) . وأنشد بعض أهل جيان عند الخروج منها بتغلب العدو عليها: أودعكم وأودعكم جناني ... وأنثر عبرتي نثر الجمان وإني لا أريد لكم فراقاً ... ولكن هكذا حكم الزمان وقال الخطيب بها على المنبر عند العزم على الانفصال عنها في خطبته: وهذه آخر خطبة تقام بجيان ومن أهل جيان الأستاذ أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود الخشني المعروف بابن أبي ركب (٢) ، وهو القائل بعد خروجه من جيان: أجيان أنت الماء قد حيل دونه ... وإني لظمآن إليك وصادي ذكرتك إن هبت شمالاً وإن بدا ... لعيني من تلك المعالم بادي متى ما أرد سيراً إليك تردني ... مخافة آساد هناك عوادي وكان سكن اشبيلية وولي المناكح بها ثم سكن فاس وأقرأ بها ثم ولي قضاء بلده جيان سنة تسعين (٣) وخمسمائة، ومن شعره: أيا نخلتي (٤) يوماً بالله أسعدا ... غريباً بكى من فقد أهل وجيران يحن إلى ظليكما وفؤاده ... رهين بأظعان حللن بجيان توصل (٥) أقصى الغرب والشرق همه ... ويذكر أوطاناً فحن (٦) لأوطان وما ذاك عن بغض ولا عن قلى لها ... ولكن عدت (٧) عنها تصاريف أزمان عسى من قضى بالبعد عنهم بلطفه ... يسدد من حالي ويصلح من شاني جيجل (٨) : مدينة قديمة بينها وبين ميلة من أرض المغرب مرحلة وبين جيجل وبجاية خمسون ميلاً، وهي مدينة صغيرة على ضفة البحر، والبحر يحيط بها ويضرب سورها، وهي على نظر كبير وهي كثيرة التفاح والفواكه، وعنها تحمل إلى بجاية، والعنب والرب، وعلى نحو ميل منها جبل بني زلدوي (٩) وهو كثير الخصب وفيه قبائل كثيرة من البربر وفيه كانت دعوة أبي عبد الله الشيعي، وهو جبل كتامة، ولما طرق طاغية صقلية جيجل بنى أهلها في هذا الجبل مدينة حصينة، فهم يسكنون المرسى والساحل في زمن الشتاء فإذا كان زمن الصيف ووقت سفر البحر (١٠) ارتفعوا إلى حصنهم الأعلى البعيد من البحر، وبقي في الأسفل جمع منهم بأمتعتهم متحرزين من العدو. وبجيجل الألبان والسمن والعسل والزروع الكثيرة والحوت المتناهي طيباً، ولها مرسيان: مرسى في جنوبها وعر الدخول صعب لا يدخل إلا بدليل حاذق، ومرسى في جهة الشمال ساكن الحركة كالحوض لكنه صغير لا يحتمل الكثير من المراكب. وعند جيجل جبل الرحمن، وهي مدينة قديمة على البحر ولها سور قديم يضرب البحر فيه، وهي على نظر كبير كثير

стр. 201

العنب والتفاح والفواكه، وفيما بين جيجل وبجاية على ساحل البحر موضع يسمى بالمنصورية عليه جبل عظيم مما يلي البر، فيه حافة مثل الحائط، فيها نقب ينبعث منه ماء في غلظ حجر الربع الموزون به في كل وقت من الأوقات المعهودة للصلوات الخمس، يسمع قبل انبعاثه دوي كدوي الرحى الفارغة ثم ينبعث الماء هكذا ليلاً ونهاراً في أوقات الصلوات خاصة، أخبر بذلك من شاهده وسمر عليه الليل كله. جيحان (١) : ويقال جيحون، نهر عظيم مخرجه من بلاد الروم من عيون تعرف بعيون جيحان على ثلاثة أيام من مدينة مرعش، ويخرج إلى البحر الرومي وهو بحر الشام، وليس عليه للمسلمين من المدن إلا المصيصة وكفر بيا ومجراه بينهما، وجيحون (٢) هو نهر بلخ، ومن الناس من يقول إنهما نهران وإن جيحان غير جيحون. قالوا (٣) : ومنبعث جيحون من بلاد التبت يقبل من المشرق مع الصبا فيمر ببلاد وخان ويسمى هناك جرياب (٤) ثم يصير إلى أعلى حدود بلخ مما يلي المشرق، ثم ينعطف إلى ناحية الشمال مع الجنوب إلى أن يصير إلى الترمذ ثم إلى خوارزم فيمر بمدينتها فإذا جاوزها تشعبت منه أنهار وخلجان ذات اليمين وذات الشمال فصارت منه بطائح وآجام ومروج أسفل من مدينة خوارزم بنحو أربعة فراسخ، ثم يمر مستقبل الشمال بين الجرجانية والمزداخكان، أسفل من المدينة بأربعة وعشرين فرسخاً، وهو الموضع الذي يصاد فيه السمك المجلوب من خوارزم إلى النواحي ثم يصير هناك بحيرة دورها نحو مائة فرسخ وقيل مسافتها نحو أربعين يوماً في مثلها وماؤها ملح وليس لها مغيض (٥) ظاهر، ويقع فيها نهر جيحون ونهر الشاش وأنهار غيرها كثيرة فلا يغيض ماؤها ولا يزيد، ويشبه والله أعلم أن يكون بينها وبين بحر الخزر خرق ويتصل بمائها، وبين البحرين نحو عشرين مرحلة على السمت. وأضيق أعبار جيحون على رباط بلخ عرضه نحو ميلين. قالوا (٦) : فأما نهر بلخ الذي يسمى جيحون فهو غير (٧) نهر المصيصة وهو من أعين، يجري فيمر ببلاد الترمذ واسفرايين من بلاد خراسان حتى يأتي بحيرة خوارزم (٨) . وليس في العمران بحيرة أعظم منها، لأن طولها مسيرة شهر في نحو ذلك من العرض ودورها أربعمائة فرسخ وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش وعليها مدينة للترك يقال لها المدينة الجديدة فيها المسلمون، والسفن تجري في هذه البحيرة، وزعم قوم أنه يصب في مهران السند، وزعم الجاحظ أن مهران السند من نيل مصر واستدل بوجود التمساح فيه. جيرفت: مدينة من بلاد كرمان فيما وراء النهر بينها وبين الشيرجان ست مراحل، وطول جيرفت (٩) ميلان، وهي ممتدة آهلة عامرة لها غلات وزروع وكروم وزروعهم على السقي، وماؤهم الذي يشربون منه ويسقون به هو من واديها، وهو نهر صغير شديد الجري وله وجبة وخرير زائد على الصخر لا يستطيع أحد أن يجوزه راكباً، ومقدار مائه ما يدور به خمسون رحى، وبقرب جيرفت جبل يعرف بالميزان فيه جنات وفواكه جمة وفواكه جيرفت وحطبها أكثره يجلب من هذا الجبل، ولأهلها زي حسن وعيش خصيب، وبها متاجر خراسان وسجستان، وتجلب إليها الخيرات والبضائع والتجارات، وهي مدينة كاملة من كل شيء، والتمر بها مائة من بدرهمين، وهم لا يرفعون من تمرهم ما تسقطه الريح بل هو للسابلة دون أربابه، سيرة لهم في ذلك. وعلى جادتها معدن صغير ينزله نحو عشرة آلاف رجل من تجار وصناع ومن بحارة، قوم يعرفون بآل مرزوق أصلهم من البصرة، وهم قوم نبل أصحاب مروءة ظاهرة، ولهم بيوت للضيفان. وجيرفت (١٠) مدينه عتيقة فيها منبر، ولها نهر يعرف بنهر روذ شديد الجري له وجبة وخرير شديد يجري على الصخور،

стр. 202

لا يستطيع أحد أن ينزله إلا متوقياً على رجليه من تلك الحجارة، وماؤه بقدر ما يدير خمسين رحى، وهي متجر خراسان وسجستان، وهي ذات نخل وأشجار، والغالب عليها من الأشجار السلم واللوز والأترج وفيها شجر يقال له جم، وهي كشجرة الجوز أصلاً وورقاً وأغصاناً وثمرها ثمر يعرف بثمر جم له نوى مثل نوى التمر، وهو شبيه به في القدر إلا أنه عفص، وليس له طلع كطلع النخلة ولكن عناقيد كعناقيد الكرم، وهو أجود شيء للمبطونين، وفيها أشجار السيسبان والقرظ والحنا والداذي، فأما السيسبان فيشبه ورق السفرجل وحمله مثل عناقيد العنب وله لزوجة مثل الخطمي إذا كان رطباً. وأما الحنا فهي شبيهة بالآس ولها فواغ فإذا كنت على مقدار عشرة أذرع إلى عشرين وجدت منها رائحة عطرة طيبة، فإذا قربت منها لم تجد لها رائحة وأما الداذي فيشبه شجره الدفلى وهي قضبان مستوية تعلو خمس أذرع إلا أن أصله واحد، ومن أسفل الغصن إلى أعلاه أوراق متحاذية على السواء وقد اكتنفت جانبي الغصن، كل ورقة بمقدار الأنملة، فإذا كانت أيام الربيع وقع من أعلى كل ورقة نور أحمر وهو حسن المنظر جداً وقيل الداذي يشبه ورقه ورق الصبر، وله طلع كطلع النخل، ورائحته لا يقدر أحد أن يشمه من حدتها وذكائها، وترعف على المكان شدة حرارتها، ولكن يوضع في البيت فتعبق رائحته من جميع البيت ويعبق ما فيه من الثياب. وب جي رفت في كل شهر غلة حديثة من الحنطة والشعير والأرز والسمسم وسائر الحبوب وضروب الثمار وقصب السكر ومعاصر يعمل فيها الفانيذ، وحرها شديد مؤذ إلا أن الثلج بها موجود يحمل إليها الثلج من جبال البارز. وجيرفت من بناء شاهدار بنت المرزبان، ورثت المرزبة عن أبيها وزوجت نفسها من بعض قراباتها، وهي جيرفت بفتح الجيم وبالراء المهملة بعدها فاء وتاء معجمة باثنتين من فوقها، وبجيرفت اختلفت كلمة الخوارج وقاتل بعضهم بعضاً. جيرون (١) : بفتح الأول وإسكان الثاني بعده راء مهملة، هي مدينة دمشق. قالوا: نزل جيرون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها فسميت باسمه، وهي إرم ذات العماد عندهم، فيقال إن بها أربعمائة ألف عمود من حجارة، وقال الشاعر (٢) : طال ليلي فبت كالمحزون ... ومللت الثواء في جيرون وقال آخر (٣) : القصر فالنخل فالجماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون وسنذكر مدينة دمشق في موضعها إن شاء الله تعالى. ويقال إن إبراهيم الخليل ﵇ دفن في جيرون (٤) من أرض الكنعانيين في مزرعة اشتراها إبراهيم وفيها دفنت سارة وإسحاق ﵉، وموضع قبورهم مشهورة على ثمانية عشر ميلاً من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم ﵇. جيزك (٥) : من مدن اشروسنة في مستو من الأرض، وهي في أسفل أرض أشروسنة وبها رباط أهل سمرقند وهي متحضرة متوسطة المقدار بها ماء جار وبساتين، ولها رستاق وبها عمارات. جي: بفتح أوله وتشديد ثانيه مدينة بأصبهان ويقال إنها إحدى المدن التي بنى الإسكندر، وكان أجل ملوك الأرض، ويقال إنه ذو القرنين المذكور في القرآن، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر فبنى بالمغرب الإسكندرية وبخراسان العليا سمرقند ومدينة الصغد، وبخراسان السفلى مرو وهراة، وبناحية الجبل جي ومدينة أصبهان، وبنى مدناً كثيرة في نواحي الأرض، وجال الدنيا كلها ووطئها فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها، وبنى بها مدينة عظيمة، وجعل عليها سوراً أثره باق، وهي التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، ولم تزل مستقره حتى مات بها وحمل منها ودفن بالإسكندرية لمكان والدته فإنها كانت باقية هناك.

стр. 203

وبها (١) قتل عتاب بن ورقاء الرياحي الزبير بن علي رئيس الخوارج وانهزمت الخوارج، وقال الشاعر يمدح عتاباً (٢) : ويوم بجي تلافيته ... ولولاك لاصطلم العسكر جيدان (٣) : مدينة بينها وبين قلعة ملك السرير اثنتا عشرة مرحلة، ومملكة صاحب السرير (٤) هو سرير ذهب كان لملوك الفرس فلما زال ملكهم حمل إلى هذا الموضع مع ذخائر تشاكله. وعن يمين قلعة السرير طريق تفضي إلى جبال شاهقة وغياض كثيرة يسير فيها اثنتي عشرة مرحلة إلى مدينة جيدان هذه وفيها شجرة عظيمة لا تحمل شيئاً من الثمر يجتمع إليها أهل المدينة كل يوم أربعاء فيعلقون عليها أنواع الثياب ويسجدون للشجرة ويقربون عندها القرابين، ولهم ملك يتمسك بثلاثة أديان (٥) : الإسلام واليهودية والنصرانية ويصلي مع كل فرقة من هذه الفرق، ويقول: إن كل واحدة منها تدعي أنها على الحق، فيتمسك بجميعها فلا بد أن يصيب الحق.

стр. 204

حرف الحاء حامد (١) جبل حامد بجزيرة صقلية بينه وبين طرابنش نحو عشرة أميال، وهو جبل عظيم شامخ الذروة عالي القنة حصين منيع، وفي أعلاه أرض سهلة للزراعة، ومياهه كثيرة، والصعود إليه هو من إحدى جهاته، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة ولا يتركون مسلماً يصعد إليه، ولذلك أعدوا فيه ذلك المعقل فلو أحسوا بحادثة حملوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة. حاجر (٢) : موضع في ديار بني تميم، ومنازل بني فزارة بين النقرة (٣) والحاجر، وكان عيينة بن حصن قد نهى عمر بن الخطاب ﵁ أن يدخل العلوج المدينة وقال: كأني برجل منهم قد طعنك هنا، ووضع يده تحت سرته، وهو الموضع الذي طعن فيه، فلما طعنه أبو لؤلؤة لعنه الله قال: إن بين النقرة والحاجر لرأياً. الحجاز (٤) : سمي الحجاز حجازاً لأنه حجز بين الغور والشام وقيل حجز بين نجد والسراة، وقالوا: بلاد العرب من الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام: تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن، وجبل السراة هو الحد بين تهامة ونجد، لأنه أقبل من اليمن، وهو أعظم جبال العرب حتى بلغ أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازاً. الحجون (٥) : بفتح الحاء، موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف، وقيل الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبي موسى الأشعري ﵁. ومن شعر الحارث بن مضاض الجرهمي يتأسف على ما فاتهم من ملك مكة: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والسنون العواثر وفي حكاية طويلة عن إبراهيم بن المهدي أن محمداً الأمين استدعاه وطاهر محاصر له فقال له ولصاحب له: بعثت إليكما لما بلغني مصير طاهر بن الحسين إلى النهروان، وما قد صنع في أمرنا من المكروه لأفرح بكما وبحديثكما، قال: فأقبلنا نحدثه ونؤانسه حتى سلا عما كان يجده، ودعا بجارية من جواريه تسمى ضعفاء، قال: فتطيرت من اسمها، فقال لها: غني، فوضعت العود في حجرها وغنت: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم فتطير من قولها وقال: اسكتي فعل الله بك وصنع، ثم عاد إلى

стр. 205

ما كان عليه من الغم والقطوب، فأقبلنا نحدثه ونبسطه إلى أن سلا وضحك، ثم أقبل علينا وقال: هاتي ما عندك، فقالت: هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه فأسكتها وزبرها، ثم عاد إلى غمه، فسليناه حتى عاد إلى الضحك، ثم أقبل عليها الثالثة فقال: غني، فغنت: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقال لها: قومي عني فعل الله بك كذا وكذا، فقامت فعثرت بقدح كان بين يديه فكسرته وانهرق الشراب وكانت ليلة قمراء ونحن على شاطئ دجلة في قصره المعروف بالخلد، فسمعنا قائلاً يقول: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " فما قعدنا بعدها معه حتى قتل. ال حجر (١) : حطيم الكعبة وهو المدار بالبيت كأنه حجره مما يلي المثعب. وقيل (٢) هو كنصف دائرة مفروش الصحن بالرخام الأبيض، وهو من الركن الشامي إلى الركن الغربي، وله باب مما يلي الركن الشامي، وباب مما يلي الركن الغربي، وذرعه (٣) من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشر ذراعاً وثماني أصابع، وذرع ما بين بابيه عشرون ذراعاً، وعرض داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً، ومن خارج أربعون ذراعاً. وذكر الزهري أنه سمع ابن الزبير ﵄ يقول: على الميزاب هذا المحدودب قبور عذارى بنات إسماعيل. والحجر هذا هو الذي جلس فيه أبو سفيان وعمير بن وهب وصفوان بن أمية بعد وقيعة بدر فذكروا مصابهم بمن أصيب من قريش يومئذ، الحديث بطوله، وفيه أن عمير بن وهب جاء إلى المدينة للفتك برسول الله ﷺ فأتي به إليه ملبباً، فقال له رسول الله ﷺ : " جلست أنت وفلان وفلان بالحجر فذكرتم أصحاب القليب فقلت أنت كذا وكذا " إلى آخر الحديث وهو بطوله في سير ابن إسحاق (٤) . والحجر (٥) أيضاً على لفظه بلد ثمود بين الشام والحجاز، وقيل هو من وادي القرى وهو حصين بين الجبال، وبه بيوت منقورة في الحجر، وبها الآن بئر ثمود، ويحيط بالحجر من كل ناحية جبال ورمال لا يكاد أحد يرتقي ذروتها إلا بعد الجهد والمشقة، ومن الحجر إلى تيماء أربع مراحل. والحجر هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: " ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين " واجتاز النبي ﷺ في طريقه إلى تبوك فأمر أصحابه بالإسراع ولا يستقوا من بئرها وقال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا وأنتم باكون " (٦) وكان نبيهم صالح ﵇، وبيوتهم باقية منحوتة في الجبال ورمتهم باقية وآثارهم بادية، وهم بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي على طريق الحاج إلى الشام، وهم على ناحية تبوك، وكان القوم أصحاب إبل فقال لصالح زعيم من زعمائهم: إن كنت صادقاً فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة سوداء عشراء ذات عرف وشعر ووبر، فتمخضت كما تتمخض الحامل وانشقت عن الناقة ثم تلاها سقبها في نحو صفتها، الخبر بطوله (٧) . حجر: بفتح الحاء باليمامة، وهي منازل بني حنيفة وبعض مضر وحجر من اليمامة على يوم وليلة، وفي حجر يقول الشاعر (٧) يذكر وقيعة: فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور وكانت الوقيعة في موضع بعيد من حجر، وحجر الآن خراب وبها كانت اليمامة الملكة ساكنة في وقتها. الحديثة: كورة من كور الموصل، قال اليعقوبي: الحديثة

стр. 206

مدينة عامرة آهلة على شاطئ دجلة لها فرض وأسواق، وهي كورة من كور الموصل لها عمارات وقرى، وأهلها أخلاط من العرب والعجم، ولها غلات واسعة وخصب وهي شرقي دجلة، وبها مصب نهر الزاب الكبير، ومنها إلى الموصل مرحلة. وكان محمد بن مروان بن الحكم لما ولي الجزيرة أيام عبد الملك بن مروان بناها وصير فيها جنداً ونقل إليها قوماً من العرب من البصرة وغيرها، والأزد أكثرهم، وكان بنيانها سنة اثنتين وسبعين. ولما اختط هرثمة الموصل وأسكنها العرب أتى الحديثة وكانت قرية بها بيعتان وأبيات للنصارى فمصرها وأسكنها قوماً من العرب، فسميت الحديثة لأنها بعد الموصل. الحديبية (١) : الحجازيون يخففون ياء الحديبية والعراقيون يثقلونها، وقال الأصمعي: هي مخففة الياء الأخيرة ساكنة الأولى، وهو اسم بئر قريبة من مكة وطريق جدة، وفيها كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة المذكورة في القرآن لما صدر رسول الله ﷺ عن العمرة وصالح كفار قريش على أن يعتمر من العام المقبل، وكانت الشجرة بالقرب من هذه البئر، ثم إن الشجرة فقدت بعد ذلك فلم توجد، كذا قال القضاعي في تاريخه عن أبي عبد الله الحاكم قال سعيد بن المسيب سمعت أبي وكان من أصحاب الشجرة يقول: قد طلبناها غير مرة فلم نجدها وكانت سمرة، وقال ابن المسيب: وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان ﵁ فلم تبق من أصحاب بدر أحداً ثم وقعت الثانية - يعني الحرة - فلم تبق من أصحاب الحديببة أحداً ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ (٢) . الحرم (٣) : قال الزبير: أول من نصب أعلام الحرم عدنان بن أد لما خاف أن يدرس الحرم، فأعلام الحرم محيطة بمكة قد نصبت في البقاع والغيطان والتلاع والقيعان، فحد الحرم من ناحية التنعيم على طريق سرف إلى مر الظهران خمسة أميال، ومن طريق جدة عشرة أميال، ومن طريق اليمن ستة، ومن طريق الطائف سبعة، ومن طريق العراق كذلك. وقيل حد حرم مكة من ناحية المدينة ذو طوى على ثلاثة أميال من مكة، وحده من طريق جدة على عشرة أميال، وحده من طريق اليمن على سبعة أميال، وحده من طريق العراق على ستة أميال، وحده من طريق الطائف على أحد عشر ميلاً، فعدد أميال الحرم سبعة وثلاثون ميلاً، ودور الحرم حول الكعبة سبعمائة وثلاثة وثلاثون ميلاً. حراء (٤) : بكسر أوله ممدود، جبل بمكة، قال الأصمعي: بعضهم يذكره ويصرفه وبعضهم يؤنثه ولا يصرفه. وفي الخبر (٥) أن النبي ﷺ قال: " اثبت حراء فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد ". وكان ﷺ يتحنث في هذا الجبل الليالي ذوات العدد قبل أن يوحى إليه وفيه نزل عليه جبريل ﵇ أول ما أوحي إليه وفيه بشره بالنبوة. وبينه وبين مكة ميل ونصف، وهو جبل منفرد على طريق حنين من مكة، وهو منيف صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلا من موضع واحد في صفاة ملساء، وهو من جميع نواحيه منقطع لا يرقاه راق، والموضع الذي نزل فيه جبريل ﵇ في أعلاه من مؤخره إلى شق هناك معروف. حروراء: قرية من قرى الكوفة، بينها وبين الكوفة نصف فرسخ بها اجتمع الخوارج على علي ﵁ فسماهم بالحرورية، ولقي جمعهم هناك فأوقع بهم في تسع وثلاثين، وذلك أنه لما فرغ علي ﵁ من صفين نادى في الناس بالرحيل فرحلوا، فمضى حتى دخل قصر الكوفة، وكان أهلها قد خرجوا مع علي ﵁ إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا وهم متباغضون أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم، وأقبلوا في طريقهم يتدافعون ويتشاتمون ويضطربون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله وحكمتم، ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا. فلما دخل علي ﵁ الكوفة لم يدخلوا معه وأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ويسمى هؤلاء بالحرورية لنزولهم بهذه القرية، ومضى إليهم علي ﵁ فجلس إليهم

стр. 207

وحاجهم ووعظهم، فرجع منهم ستة آلاف، رجعوا إلى الكوفة، وبقي من بقي منهم، ثم اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، ومضى القوم إلى النهروان ومضى إليهم عبد الله بن عباس ﵄ فقال: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً فلما حكم في دين الله تعالى خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس ﵄: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنه حكم، قال: إن الله تعالى قد أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: " يحكم به ذوا عدل منكم " فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ قالوا: إنه حكم عليه فلم يرض، قال: إن الحكمين لما خالفا نبذت أقاويلهما، كما في الإمامة إذا فسق الإمام وجبت معصيته، فقال بعضهم لبعض: لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإن هذا من القوم الذين قال الله فيهم: " بل هم قوم خصمون " وقال " وتنفر به قوماً لداً "، وقال مصعب بن سعد: سألت أبي عن هذه الآية " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " أهم أهل حروراء؟ قال: هم اليهود والنصارى كذبوا وكفروا، لكن الحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وكان يسميهم الفاسقين، وآل الأمر إلى أن تجبروا وخرج إليهم علي ﵁ فأوقع بهم بالنهروان، وفي شرح ذلك طول ليس هذا موضعه. حران (١) : مدينة من ديار مضر، قديمة عتيقة، لا يدرى متى بنيت، يقال بناها هران أخو إبراهيم ﵇ وهو أبو لوط ﵇، ويقال هارن، وإليه تنسب حران، وهي مدينة الصابئين ولهم بها تل عليه مصلاهم، وهم يعظمونه وينسبونه إلى إبراهيم ﵇، وهي من غر البلاد لكنها قليلة الماء والشجر ولها رساتيق وعمارات وموضعها في مستو من الأرض، يحيط بها جبل شامخ مسافة يومين. ويزعم الصابئون أن حاران بنى تارح، وهو أخو إبراهيم ﵇، مر بها بعد نيف وخمسين سنة فقال: وإنك كعهدك يا عجوز. وحران مدينة مسورة ومسجد جامعها داخل في مدينتها، ولها أربعة أبواب: باب الرقة جنوبي، والشرقي باب يزيد، والشمالي باب يزيد (٢) ، والغربي باب الفرات (٣) ، ولها في غربيها دويرات وفي شمالها خرب، وليس للمدينة في نفسها بساتين وماؤها من الآبار، ولها قرى متصلة بها، تضم كل قرية خلقاً كثيراً، ولها عمارات واسعة، وفي كل قرية مسجد جامع ومنار، ويزعم الصابئون أن ماني الثنوي من أهل حران وأنه كان أسقفاً بنجران، فوقع عزم من الجاثليق فقال: والله لأفسدن عليه شريعته، فقال باثنين وضارع قول المجوس، وجعل أناجيل وتسمى مسيحاً، فضارع قول النصارى وأفسد الشريعة، وقتله سابور أحد ملوك الفرس على الزندقة وصلبه على باب مدينة أرجان من مدن فارس. ويزعم الصابئون أيضاً أن ديصان الزنديق من أهل حران وأنه ولد زنا وجد منبوذاً على نهر يقال له ديصان فسمي به. وفي مدينة حران مجمع الصابئين وقد درج أكثرهم وبقيت إلى اليوم منهم هناك بقية، وأخبر من رأى بقيتهم وذكر أنهم يستقبلون الكعبة في صلاتهم كما يستقبل المسلمون، وذكر أنهم من ولد صاب بن طاط بن خنوخ، كان من أهل الحكمة والفلسفة والعلم بالنجوم وهو أول من نزل بابل واتخذ بها هيكلاً، وكان فيه كاهن يسمى كرمن ومعناه بلسانهم العالم الكبير، ووضع لأهل العصر نواميس يعملون بها وأحكاماً ينتهون إليها، وكان قد أحكم في الصقع الذي كان نازلاً به من أرض بابل بناء بطالع قد ارتصده ووقت قد اختاره، وأثبت فيه من غوامض العلوم ما بقي أثره للصابئة، ونقش بلاطات الهيكل بضروب الصناعات وصور فيها جميع المهن وصور أهلها، وسن للصابئة أن متى أدرك لأحدهم ابن وصلح أن يتصرف، أتى به والداه إلى ذلك الهيكل وقربا عنه فيه قرباناً ومشى الغلام داخل الهيكل، فإذا كان عند الصباح وفرغ أهل الهيكل من ناموسهم قصد به السادن إلى تلك البلاطات المزبور فيها جميع المهن وأراه إياها، فما مالت إليه نفس الغلام من هذه الصناعات والمهن أمر أبويه أن يسلماه فيها فيحذق في تلك الصناعة. وكان لهم في القرابين أشياء أحدثها لهم صاب من جملة ما

стр. 208

يقربونه في صلاتهم وتقديسهم من أمور وضعها لهم صاب وهي تهليل وتحميد وتسبيح، ولم يزالوا برهة من زمانهم جارين على ما وضع لهم من ذلك وعاملين بما نهج لهم إلى أن انبعث فيهم مركيون (١) فأحدث لهم أشياء وحد لهم حدوداً ومال بهم نحو الكواكب، فابتدع لهم ضروباً من الهياكل ونصب فيها أصناماً ووقت لهم في الصلوات أوقاتاً، وهيئة صلاتهم هو أن يدخل الهيكل وقد وضع يديه معاً على صدره ثم يستقبل القبلة عليه لباس من صوف القرابين، ثم يبسط يديه معاً مادهما وجامعاً بينهما، ثم يسجد برأسه قائماً ويزمزم، ثم يمشي القهقرى خطى يسيرة ويخرج. وهم يجمعون في مواقيت صومهم ومناسكهم بين الشهور الشمسية والقمرية، ويسمون الشهر الهلالي بما يتفق أن يقع فيه من شهور السريانيين، فيقولون: هلال تشرين الأول، هلال تشرين الثاني، وكذلك في جميعها، ويكبسون في ثلاث سنين شهراً ويجعلونه نصف آذار ويسمونه هلال آذار الثاني فتصير شهور تلك السنة ثلاثة عشر شهراً من أجل الأحد عشر يوماً وربع التي بين الشمسية والقمرية. ووصف بعض البلغاء حران فقال (٢) : بلد لا حسن لديه ولا ظل متوسداً برديه، وقد اشتق من اسمه هواؤه، فلا يألف البرد ماؤه، ولا تجد فيه مقيلاً، ولا تتنفس فيه إلا نفساً ثقيلاً، قد نبذ بالعراء، ووضع في وسط الصحراء، يعدم رونق الحضارة، وتعرى أعطافه من ملابس النضارة. ولأبينا إبراهيم ﵇ بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك، فيه (٣) عين ماء جارية، كان مأوى له ولسارة ومتعبداً لهما. وأهل هذه البلاد من الموصل لديار ربيعة وديار بكر إلى الشام محسنون للغرباء مكرمون للفقراء، وأهل قراها كذلك، ما يحتاجون الغرباء الصعاليك معهم زاداً. ولهذه البلدة أسواق حافلة عجيبة الترتيب مسقفة كلها بالخشب لا يزال أهلها في ظل بارد، ويتصل بأسواقها جامعها وهو في غاية الحسن، له صحن كبير فيه ثلاث قباب مرتفعة على سواري رخام تحت كل قبة بئر عذبة، وبهذه البلدة مارستان، وهي كبيرة وسورها حصين مبني بالحجارة وكذلك منار الجامع. وفتح حران عياض بن غنم أخذها على مثل صلح الرها. وحران فيها من أهل كل بلد ومن أهل كل قبيلة من نزار وقحطان، وهي في مرج أفيح وبقعة حمراء. الحرة (٤) : حرة مدينة النبي ﷺ تعرف بحرة واقم فيها كانت الوقيعة الشنيعة بأهل المدينة، وذلك أنه لما شمل الناس جور يزيد بن معاوية وعماله وعمهم ظلمهم، وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول الله ﷺ وأنصاره وما أظهر من شرب الخمور وسار بها فرعونية، أخرج أهل المدينة عامله عليهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان لمروان بن الحكم وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وإظهاره الدعاء لنفسه سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لمن ذكرناه عن إذن ابن الزبير، واغتنمها مروان منهم إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير، فحثوا السير نحو الشام، ونمي فعل أهل المدينة ببني أمية ومن معهم إلى يزيد فسير إليهم جيوش أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد يزيد وسماها نتنة مناقضة لتسمية رسول الله ﷺ لها طيبة وقال: " من أخاف المدينة أخافه الله "، فسمي مسلم هذا بمجرم ومسرف لما كان من فعله، وقال يزيد حين عرض هذا الجند: أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وأشرف القوم على وادي القرى ... أجمع سكران من القوم ترى ... يريد بهذا القول عبد الله بن الزبير وكان يكنى أبا بكر ويسمى يزيد السكران الخمير، وكتب لابن الزبير: ادع إلاهك في السماء فإنني ... أدعو عليك رجال عك وأشعر

стр. 209

كيف النجاة أبا خبيب منهم ... فاحتل لنفسك قبل مأتى العسكر ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسلم، خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الأنصاري، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها خلق من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس، وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد ومن أبى ذلك أمره مسلم على السيف غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵃، وفي وقعة الحرة يقول محمد بن أسلم: فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل ونحن تركناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسياف لنا منكم نفل ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر الشريف وهو يدعو فأتي به مسرف وهو مغتاظ عليه متبر منه ومن آبائه، فلما رآه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم للسيف إلا شفعه فيه وانصرف، فقيل لعلي ﵁: رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت؟ قال، قلت: اللهم رب السموات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن ورب العرش العظيم ورب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره، وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه فلما أتي به إليك رفعت منزلته، قال: ما كان ذلك برأي مني ولقد ملىء قلبي منه رعباً. وأما علي بن عبد الله بن العباس ﵄ فإن أخواله من كندة منعوه منه وأناس من ربيعة كانوا في جيشه فقال علي ﵁ في ذلك: أبي العباس قرم بني لؤي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبنو اللكيعه أراد بي التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدي ربيعه ونزل بأهل المدينة من القتل والنهب والسرق والسبي وشبه ذلك أمر عظيم. ثم خرج عنها يريد مكة في جنوده ليوقع بابن الزبير وأهل مكة بأمر يزيد، وذلك سنة أربع وستين، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله، فاستخلف على الجيش الحصين بن نمير حتى أتى مكة في محرم سنة أربع وستين، فحاصر مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام وسمى نفسه العائذ بالبيت، ونصب الحصين المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج، فتواترت أحجار المجانيق والعرادات على البيت ورمي مع الأحجار النار والنفط ومشاقات الكتان فانهدمت الكعبة ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلاً، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير إلى أن بلغت الحصين وفاة يزيد بالشام فانحلت العزيمة ثم كانت بينه وبين ابن الزبير مخاطبات فآل الأمر إلى أن انصرف عنه إلى الشام. الحربية (١) : محلة ببغداد بالجانب الغربي منها جماعة محدثون، فيها قبر هشام بن عروة ومنصور بن عمار وبشر الحافي وأحمد بن حنبل وغيرهم ومنها عيسى بن موسى بن أبي خالد الحربي وله حكاية، قال إبراهيم بن المدبر: جاءني يوماً محمد بن صالح الحسني بعد أن أطلق من السجن فقال: أريد أن أتحدث معك اليوم على خلوة، فقلت: افعل، فخلوت معه وأمرت برد دابته، فلما اطمأن بنا المجلس قال لي: أعلمك أني خرجت في سنة كذا ومن معي من أصحابي على القافلة الفلانية فقاتلنا من كان فيها وهزمناهم، وملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها وأنيخ الجمال إذ طلعت علي امرأة من العمارية ما رأيت قط أحسن وجهاً منها ولا أحلى منطقاً، فقالت: يا فتى إن رأيت أن تدعو لي بالشريف المتولي أمر هذا الجيش فإن لي عنده حاجة، فقلت: قد رأيته وسمع كلامك، فقالت: سألتك بحق الله أنت هو؟ فقلت: نعم وحق رسوله، فقالت: أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحربي، ولأبي محل من سلطانه، ولنا نعمة إن كنت سمعت بها فقد كفاك ما سمعت، وإن كنت لم تسمع بها فسل

стр. 210

عنها غيري، ووالله لا استأثرت عنك بشيء أملكه ولك بذلك عهد الله وميثاقه علي، وما أسألك إلا أن تصونني وتسترني، وهذا ألف دينار معي لنفقتي فخذها حلالاً، وهذا حلي بأغلى من خمسمائة دينار فخذه وضمني ما شئت بعده آخذه لك من تجار المدينة أو مكة ومن أهل الموسم، فليس منهم من يمنعني شيئاً أطلبه، وادفع عني واحمني من أصحابك ومن عار يلحقني. فوقع لقولها من قلبي موضع عظيم، فقلت لها: قد وهب الله لك مالك وجاهك ووهب لك القافلة بجميع ما فيها، ثم ناديت في أصحابي: إني قد أجرت هذه القافلة ولها ذمة الله تعالى وذمة رسوله وذمتي، فمن أخذ منها خيطاً أو مخيطاً فقد أذنته بحرب، فانصرفوا معي وانصرفت، فلما أخذت فحبست فبينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجان فقال: إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك وقد حظر علي أن يدخل عليك أحد إلا أنهما أعطتاني دملج ذهب وجعلتاه لي إن أوصلتهما إليك، وقد أذنت لهما وهما بالدهليز فاخرج إليهما، فخرجت إليهما فإذا بصاحبتي، فلما رأتني بكت لما رأت من حالي وثقل الحديد علي، فأقبلت عليها الأخرى فقالت: أهو هو؟ قالت: أي والله هو، ثم أقبلت علي وقالت: والله يا سيدي لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي وأهلي لفعلت وكنت بذلك مني حقيقاً، ووالله لا تركت المعاونة لك والسعي في خلاصك بكل حيلة ومال وشفاعة، وهذه دنانير وثياب وطيب فاستعن بها على موضعك، ورسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك حتى يفرج الله عنك، ثم أخرجت إلي مائتي دينار وكسوة وطيباً، وكان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف ويتواصل برها السجان فلا يمتنع من كل ما أريده حتى من الله بخلاصي، ثم راسلتها فخطبتها فقالت: أما من جهتي فأنا لك سامعة مطيعة، والأمر إلى أبي، فأتيته فخطبتها إليه فردني وقال: ما كنت لأحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها وقد صيرتها فضيحة، فقمت من عنده منكسراً مستحيياً وقلت في ذلك: رموني وإياها بشنعاء هم بها ... أحق أدال الله منهم معجلا بأمر تركناه ورب محمد ... عياناً فإما عفة أو تجملا فقلت (١) : إن عيسى صنيعة أخي وهو لي مطيع، وأنا أكفيك أمره، فلما كان من غد لقيت عيسى في منزله وقلت: جئتك في حاجة، فقال: مقضية، فقلت: جئتك خاطباً إليك ابنتك، فقال: وهي أمتك وأنا لك عبد وقد أجبت، فقلت: إني خطبتها على من هو خير مني أباً وأماً وأشرف لك صهراً ومتصلاً محمد بن صالح العلوي، فقال: يا سيدي هذا رجل قد لحقنا بسببه ما لم يخف عليك وقيلت فينا أقوال، فقلت: أليست باطلة؟ قال: بلى والحمد لله، ولم أزل أرفق به حتى أجاب، فبعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته، وما برحت حتى زوجه وسقت الصداق عنه، فصنع محمد بن صالح في ذلك شعراً، ولما حملت إليه حمدونة شغف بها، وكانت امرأة جميلة عاقلة، وله فيها أشعار حسان. الحزورة (٢) : موضع بمكة يلي البيت بفناء دار أم هانئ بنت أبي طالب التي كانت عند الحناطين فدخلت في المسجد الحرام، وقيل بل كانت الحزورة في موضع السقاية التي عملت الخيزران بفناء دار الأرقم، وقال بعضهم: كانت نحو الردم في الوادي، والأثبت أنها كانت من الحناطين وهو الأشهر عند المكيين، وفي الحزورة دفن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله ابن أخي طلحة ابن عبيد الله وكان قتل مع ابن الزبير، فلما زيد في المسجد الحرام دخل قبره في المسجد، ذكر ذلك الزبير بن أبي بكر. وروى الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت "، وهذا من الأحاديث الصحاح التي أخرجها الدارقطني وذكر أن البخاري ومسلماً أغفلا تخريجها في كتابيهما على ما شرطاه، وهذا الحديث من أقوى ما يحتج به الشافعي في تفضيل مكة على المدينة، قال الدارقطني: والمحدثون يقولون: الحزورة بالتشديد وهو تصحيف إنما هو بالتخفيف. وقال عمرو بن العاصي لمعاوية ﵄: رأيت في منامي أبا بكر ﵁ حزيناً فسألته عن شأنه فقال: وكل بي هذان لمحاسبتي وإذا

стр. 211

صحف يسيرة، ورأيت عمر ﵁ كذلك وإذا صحف مثل الحزورة، ورأيت عثمان ﵁ كذلك وإذا صحف مثل الخندمة (١) ، ورأيتك يا معاوية وصحفك مثل أحد وثبير، فقال معاوية ﵁: أرأيت ثم دنانير مصر؟. حزيز: موضع بالبصرة، وأصل الحزيز الغليظ من الأرض. قالوا: لم ير الناس قط هواء أعدل ولا نسيماً أرق ولا أطيب منبتاً من ذلك الموضع. وقال أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ما آسى من العراق إلا على ثلاث خلال: ليل الحزيز ورطب السكر وحديث ابن أبي بكرة، وأراد الحجاج التعالج فدله الطبيب على هذا الموضع وأظنه المذكور في مقصورة ابن دريد (٢) : حزوى: موضع في ديار بني تميم، وفيه يقول ذو الرمة (٣) : خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل الحطيم (٤) : بمكة، وهو ما بين الكعبة وما بين زمزم والمقام. قال الاخباريون: كان من لم يجد من الأعراب ثوباً من ثياب أهل مكة يطوف به رمى ثيابه هناك وطاف عرياناً، فسمي الحطيم. حلوان (٥) : من كور الجبل وبمقربة من شهرزور وخانقين، بناها قباذ بن فيروز ملك الفرس والد أنوشروان، وهي بين فارس والأهواز، وحلوان مدينة سهلية جبلية على سفح الجبل المطل على العراق، وسميت بذلك لأن معناها حافظ حد السهل، لأن حلوان أول العراق وآخر حد الجبل، وقيل سميت بحلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان نزلها فنسبت إليه، وبناء حلوان بالطين والحجارة، وهي نحو نصف الدينور، والجبل منها على فرسخين، والثلج يكثر بها، وهي حارة الهواء كثيرة النخل والأنهار، ومنها إلى شهرزور أربعة فراسخ، وليس بالعراق بعد الكوفة والبصرة وواسط أعمر منها ولا أكبر ولا أخصب، وجل ثمارها شجر التين. وبها نخلتان يضرب بهما المثل، يقال: أطول صحبة من نخلتي حلوان (٦) ، وفيهما يقول الشاعر (٧) : أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان وحدث زكريا بن شعبة قال: كان هارون الرشيد يوماً في مقيله إذ رأى في منامه كأن رجلاً وقف على باب مجلسه فضرب بيده إلى عمود الباب ثم أنشأ يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القصر من بعد بهجة ... إلى جدث تبكي عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تبكي عليه بالعويل حلائله ثم خرج إلى طوس فلما نزل حلوان العراق هاج به الدم فاجتمع المتطببون على أن دواءه الجمار فوجه إلى دهقان حلوان فأحضر فسئل عن النخل فقال: ليس بهذه البلدة إلا النخلتان اللتان على عقبة حلوان فوجه إليهما من قطع إحداهما فأكل هارون جمارها فسكن عنه الدم فرحل فمر عليهما فرأى على القائمة منهما كتاباً فيه:

стр. 212

أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان ولعمري لو ذقتما حرق المو ... ت لأبكاكما الذي أبكاني فقال هارون: عز والله علي أن أكون أنا نحسهما ووالله لو علمت بهذا الكتاب ما قطعتها ولو كانت نفسي فيها. وقد ذكر هاتين النخلتين التطيلي الشاعر الأعمى في قصيدته التي أولها (١) : ألا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان فقال: وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا ... ولم تطويا كشحاً على شنآن وهي طويلة مختارة. وقال إسماعيل بن أبي هاشم: قرأت بحلوان (٢) على قصر لعبد العزيز بن مروان: أين رب القصر الذي شيد القص ... ر وأين العبيد والأجناد أين تلك الجموع والأمر والنه ... ي وأعوانهم وذاك السواد أين عبد العزيز أو أين مروا ... ن وأين الحماة والأولاد ما لنا لا نحسهم ونراهم ... أترى ما الذي دهاهم فبادوا قال: وقرأت تحته هذا الجواب: أيها السائل المفكر فيهم ... كيف بادت جموعهم والسواد ثم في القصر والذين بنوه ... أسفاً حين فارقوه وبادوا أين كسرى وتبع قبل مروا ... ن ومن قبل تبع شداد أين نمرود أين فرعون موسى ... أين من قبلهم ثمود وعاد كلهم في التراب أضحى رهيناً ... حين لم تغن عنهم الأجناد إن في الموت يا أخي لك شغلاً ... عن سواه والموقف الميعاد وفي مصر حلوان أيضاً، وهو فوق الفسطاط. الحليفة (٣) : ذو الحليفة ما بينه وبين المدينة ستة أميال وقيل سبعة وهو كان منزل رسول الله ﷺ إذا خرج من المدينة لحج أو عمرة، فكان ينزل تحت شجرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة اليوم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قيل له وهو بالمعرس بذي الحليفة إنك ببطحاء مكة، وثبت أنه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة. حلب (٤) : مدينة بالشام، بينها وبين قنسرين اثنا عشر ميلاً، وسميت بحلب رجل من العمالقة، وهي مدينة عظيمة مسورة بحجارة بيض، ونهر قويق يجري على بابها، وفي جانبها قلعة منيعة بها مقام أميرها، ولها سبعة أبواب، منها باب الجنان وباب أربعين وباب أنطاكية وباب قنسرين وباب اليهود وباب الفراديس والباب الشرقي، ومسجد جامعها داخل المدينة، وأغلب

стр. 213

أسواق حلب مسقف، وبحلب جماعة من اليهود ونصارى نسطوريون. قال بعضهم (١) : حلب قدرها خطير، وذكرها في كل زمن يطير، لها قلعة شهيرة الامتناع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، ويقال إن هذه القلعة كانت في قديم الزمان ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل ﵇ بغنيمات فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها فلذلك سميت حلب، وبها مشهد عظيم يقصد الناس التبرك به. ومن فضائل هذه القلعة ماء نابع فيها لا يخاف معه فيها ظمأ، والطعام يصير (٢) فيها الدهر كله، وعليها سوران دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه، وبالجملة القلعة مشهورة بالحصانة والحسن، وأبراج سور البلد كثيرة (٣) جداً وأبراجها كلها مسكونة وكلها طيقان وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة. والبلد حفيل الترتيب بديع الحسن واسع الأسواق وكلها مسقفة بالخشب فهي في ظلال وارفة، وقيساريتها حديقة بستان نظافة وجمالاً مطيفة بجامعها، وجامعها من أحسن الجوامع وأجملها، وفي صحنه بئران معينان (٤) وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره فما رؤي (٥) في بلد منبر على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة (٦) الخشبية إلى المحراب فتخللت صفحاته كلها حسناً على تلك الصفة الغريبة، وكل ذلك مرصع بالعاج والأبنوس، واتصل الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة فتجتلي العيون منها أبهى منظر يكون في الدنيا. وحسن هذا الجامع أكثر من أن يوصف، ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة تناسب الجامع حسناً وإتقان صنعة، وهذه المدرسة من أحفل ما بني، وجدارها الشرقي مفتح كله بيوتاً وغرفاً فوقها ولها طيقان يتصل بعضها ببعض، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً، فجعل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك متدلياً أمامها، فيمد الساكن فيها يده ويجنيه متكياً بلا مشقة. وفي البلد سوى هذه المدرسة أربع مدارس أو خمس، وبها مارستان وأمرها في الاحتفال عظيم، وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهرها الجاري من جوفها إلى قبليها ويشق ربضها المستدير بها، لأن لها ربضاً كبيراً فيه من الحمامات (٧) ما لا يحصى عدة، وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد، وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله، وعلى الجملة فهي من بلاد الدنيا التي لا نظير لها. وكانت بحلب، سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وقيعة عظيمة على ارمانوس الرومي، وكان قد عسكر عليها في نحو مائة وأربعين ألفاً أتت على أكثرهم، وأسر فيها نحو سبعة آلاف وخمسمائة من كبارهم وبطارقهم، وأمير حلب يومئذ شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، وكانت تجمع له من العرب وكور قنسرين نحو عشرة آلاف، وكانت الوقيعة على ثلاثة فراسخ من حلب، وكثرت الغنائم والسبي بأيدي المسلمين حتى بيع الفرس من سبي الروم بسرجه ولجامه بمثقالين، والغلام منهم بمثقال والجارية بثلاثة مثاقيل. ولبعضهم (٨) : حلبت الدهر أشطره ... وفي حلب صفا حلبي الحلة (٩) : مدينة كبيرة منيفة على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي وتمتد بطوله، وبها أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية، وهي قوية التجارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخل داخلاً وخارجاً، ولها جسر عظيم معقود على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظماً وضخامة تربط في خشب في كلا الشطين، والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها من بسائط وعمائر تتصل بها القرى يميناً وشمالاً، وبين هذه البسائط مذانب من الفرات تسقيها، وللعين في ذلك مسرح وانشراح.

стр. 214

حمص: مدينة بالشام من أوسع مدنها، ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند (١) لأنه اسم أعجمي، سميت برجل من العمالق يسمى حمص، ويقال رجل من عاملة، هو أول من نزلها، ولها نهر عظيم يشرب منه أهلها. وهي (٢) مدينة حسنة في مستو من الأرض وهي عامرة بالناس، والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فن، وأسواقها قائمة وخصبهم تام ومعايشهم رقيقة (٣) ، وفي نسائهم جمال وحسن بشرة، وشرب أهلها من ماء يأتيهم في قناة على مرحلة منها مما يلي دمشق، والنهر المسمى بالمقلوب (٤) يجري على بابها بمقدار رمية سهم، ولهم عليه قرى متصلة وبساتين وأشجار وأنهار كبيرة، ومنها تجلب الفواكه إلى المدينة، وكانت من أكثر البلاد كروماً فتلف أكثرها، وثراها طيب للزراعات وهواؤها أعدل هواء يكون بمدن الشام، وهي مطلسمة لا تدخلها حية ولا عقرب ومتى أدخلت على باب المدينة هلكت على الحال. وبها على القبة العالية الكبيرة التي في وسطها صنم نحاس على صورة الإنسان الراكب يدور مع الريح كيف ما دارت، وفي حائط القبة حجر عليه صورة عقرب فإذا جاز إنسان ملدوغ أو ملسوع طبع ذلك الحجر الطين الذي يكون معه ثم يضع الطين على اللسعة فيبرأ للحين. وجميع أزقتها وطرقها مفروشة بالحجر الصلد، وزراعاتها مباركة كثيرة، وهي تكتفي باليسير من المطر أو السقي، وبها مسجد جامع كبير من أكبر جوامع الشام، ومنها إلى حلب خمس مراحل. وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح (٥) صلحاً سنة أربع عشرة في خلافة عمر ﵁، وذلك أنه لما تم الصلح بينه وبين أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً، خرج نحو حمص فجمع له أهلها جمعاً عظيماً ثم استقبلوه بجومية فرماهم بخالد بن الوليد ﵁، فلما نظر إليهم خالد قال: يا أهل الإسلام الشدة الشدة، ثم حمل عليهم خالد وحمل المسلمون معه فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم، وبعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلاً لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص فطاردهم قليلاً ثم حمل عليهم فهزمهم، وأقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل فعرض له منهم فوارس فحمل عليهم وحده فقتل منهم سبعة، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلي دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه، وجاءه نحو من ثلاثين فارساً من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد وأقبلوا نحوه، فلما رأى ذلك أقحم فرسه وعبر الماء إليهم، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم فقتل أول فارس ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم انهزموا وتبعهم وحده، فلم يزل يقتل واحداً واحداً حتى انتهوا إلى دير مسحل وقد صرع منهم أحد عشر رجلاً فاقتحموا جوف الدير واقتحم معهم فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه ﵀، وجاء ملحان بن زياد وعبد الله بن قرط وصفوان بن المعطل إلى المدينة فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها فلم يخرجوا، وجاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن فزعم النضر بن شفي أن رجلاً من آل ذي الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص، وذلك أنه حمل من جهة باب الرستن فلم يرد وجهه شيء فإذا هو في جوف المدينة، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه، ولا يرى إلا أنه قد هلك حتى خرج من باب الرستن فإذا هو في عسكر المسلمين. وحاصر المسلمون أهل حمص حصاراً شديداً فأخذوا يقولون للمسلمين: اذهبوا نحو الملك فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد، فأقام أبو عبيدة ﵁ على باب الرستن بالناس وبث الخيل في نواحي أرضهم فأصابوا مغانم كثيرة وقطعوا عنهم المادة والميرة، واشتد عليهم الحصار وخشوا السبي فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتاباً بأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وعلى أن يضيفوا المسلمين يوماً وليلة وعلى أن على أرض حمص مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار، وفرغوا من الصلح وفتحوا باب المدينة للمسلمين فدخلوها وأمن (٦) بعضهم بعضاً. وقال أدهم بن محرز بن أسد الباهلي: أول راية دخلت أرض حمص ودارت حول مدينتها راية ميسرة بن مسروق، ولقد كانت لأبي أمامة راية ولأبي راية، وإن أول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين لأبي وإني أول مولود بحمص وأول مولود فرض له بها وأول من رمى فيها بيده، كنت أختلف إلى الكتاب، ولقد شهدت صفين وقاتلت.

стр. 215

وقال عبد الله بن قرط: عسكر أبو عبيدة ونحن معه حول حمص نحواً من ثمان عشرة ليلة وبث عماله في نواحي أرضها واطمأن في عسكره. وبحمص مات خالد بن الوليد ﵁ سنة إحدى وعشرين، وقيل بل مات في المدينة وصلى عليه عمر ﵁. وبين حمص وسلمية ستة فراسخ، ويقال إن أهل حمص أول من ابتدع الحساب في سالف الزمن، لأنهم كانوا تجاراً يحتاجون إلى الحساب في أرباحهم ورؤوس أموالهم ونفقاتهم، ويقال إنه لا يدخل حمص حية ولا عقرب، وليس لها سور، وفي وسطها حصن مستدير، وأكثر مدينة حمص اليوم خراب، وشرقي مدينتها البرية، ويقال: إن أبقراط الفاضل كان مسكنه مدينة حمص. وقال قتادة: أخبرت أنه نزل حمص خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ ، وقيل نزلها من بني سليم ممن صحب النبي ﷺ أربعمائة. وأهل هذه (١) البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم له، وبعدهم في ذلك أهل حلب. وقبليها قلعة حصينة منيعة، وشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد سيف الله المسلول ومعه قبر ابنه عبد الرحمن وقبر عبد الله بن عمر ﵃. وأسوار هذه المدينة غاية في العتاقة والوثاقة مبنية بالحجارة السود وأبوابها حديد سامية الأشراف هائلة المنظر تكتنفها الأبراج الحصينة، وفي داخلها ما شئت من بادية شعثاء، وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة وهو معقل العدو، وبها مدرسة واحدة. واشبيلية بالأندلس تسمى حمص أيضاً، ولبعض المتأخرين ينسب عثمان بن عتيق إلى انتحال أشعار الناس: يا أهل ترشيش ألا حاكم ... يحكم في السارق بالنص قد جاءكم من جمة شاعر ... وشعره يأتيه من حمص يعني اشبيلية. حماة (٢) : من كور حمص بالشام، وهي مدينة طيبة في وسطها نهر يسمى العاصي، وفيه قيل: ولما جرى العاصي وطيع أدمعي ... لدى الناس قال الناس أيهما النهر وهذا النهر عظيم عليه جسور يعبر عليها، وعليه نواعير كثيرة تخرج الماء إلى ما على جانبيه من غيطان المدينة، وبينها وبين كفر طاب أربعون ميلاً، ومن حمص إلى حماة مثلها، وهي قديمة البناء، وربضها (٣) كبير وفيه الحمامات (٤) والديار، وبها جامعان وثلاث مدارس ومارستان على شط النهر بازاء الجامع الصغير، وبخارج البلد بسيط فسيح عريض فيه شجر الأعناب والمزارع والمحارث والبساتين على شطي النهر، وهو العاصي لأن ظاهر انحداره من أسفل إلى علو ومجراه من الجنوب إلى الشمال وهو يجتاز على قبلي حمص وبمقربة منها. الحميمة: بلفظ التصغير، قرية من كور دمشق من أعمال البلقاء، أقطعها عبد الملك بن مروان لعلي بن عبد الله بن العباس ﵃ فكان يسكنها، وفيها كان إبراهيم بن محمد الإمام مستتراً في مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. فإنه لما (٥) قوي أمر أبي مسلم داعي بني العباس وغلب على أكثر خراسان وضعف أمر نصر بن سيار وعدم النجدة خرج عن خراسان حتى أتى الري ثم خرج عنها فنزل ساوة بين بلاد همذان والري فمات بها كمداً، وكان لما صار بين الري وخراسان كتب كتاباً إلى مروان يذكر فيه خروجه عن خراسان وإن هذا الأمر الذي أزعجه سيزيد حتى يملأ البلاد، وضمن ذلك هذا الشعر: إنا وما نكتم من أمرنا ... كالثور إذ قرب للباخع
следующие страницы →