← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

صحف يسيرة، ورأيت عمر ﵁ كذلك وإذا صحف مثل الحزورة، ورأيت عثمان ﵁ كذلك وإذا صحف مثل الخندمة (١) ، ورأيتك يا معاوية وصحفك مثل أحد وثبير، فقال معاوية ﵁: أرأيت ثم دنانير مصر؟. حزيز: موضع بالبصرة، وأصل الحزيز الغليظ من الأرض. قالوا: لم ير الناس قط هواء أعدل ولا نسيماً أرق ولا أطيب منبتاً من ذلك الموضع. وقال أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ما آسى من العراق إلا على ثلاث خلال: ليل الحزيز ورطب السكر وحديث ابن أبي بكرة، وأراد الحجاج التعالج فدله الطبيب على هذا الموضع وأظنه المذكور في مقصورة ابن دريد (٢) : حزوى: موضع في ديار بني تميم، وفيه يقول ذو الرمة (٣) : خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل الحطيم (٤) : بمكة، وهو ما بين الكعبة وما بين زمزم والمقام. قال الاخباريون: كان من لم يجد من الأعراب ثوباً من ثياب أهل مكة يطوف به رمى ثيابه هناك وطاف عرياناً، فسمي الحطيم. حلوان (٥) : من كور الجبل وبمقربة من شهرزور وخانقين، بناها قباذ بن فيروز ملك الفرس والد أنوشروان، وهي بين فارس والأهواز، وحلوان مدينة سهلية جبلية على سفح الجبل المطل على العراق، وسميت بذلك لأن معناها حافظ حد السهل، لأن حلوان أول العراق وآخر حد الجبل، وقيل سميت بحلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان نزلها فنسبت إليه، وبناء حلوان بالطين والحجارة، وهي نحو نصف الدينور، والجبل منها على فرسخين، والثلج يكثر بها، وهي حارة الهواء كثيرة النخل والأنهار، ومنها إلى شهرزور أربعة فراسخ، وليس بالعراق بعد الكوفة والبصرة وواسط أعمر منها ولا أكبر ولا أخصب، وجل ثمارها شجر التين. وبها نخلتان يضرب بهما المثل، يقال: أطول صحبة من نخلتي حلوان (٦) ، وفيهما يقول الشاعر (٧) : أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان وحدث زكريا بن شعبة قال: كان هارون الرشيد يوماً في مقيله إذ رأى في منامه كأن رجلاً وقف على باب مجلسه فضرب بيده إلى عمود الباب ثم أنشأ يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القصر من بعد بهجة ... إلى جدث تبكي عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تبكي عليه بالعويل حلائله ثم خرج إلى طوس فلما نزل حلوان العراق هاج به الدم فاجتمع المتطببون على أن دواءه الجمار فوجه إلى دهقان حلوان فأحضر فسئل عن النخل فقال: ليس بهذه البلدة إلا النخلتان اللتان على عقبة حلوان فوجه إليهما من قطع إحداهما فأكل هارون جمارها فسكن عنه الدم فرحل فمر عليهما فرأى على القائمة منهما كتاباً فيه:

стр. 212

أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان ولعمري لو ذقتما حرق المو ... ت لأبكاكما الذي أبكاني فقال هارون: عز والله علي أن أكون أنا نحسهما ووالله لو علمت بهذا الكتاب ما قطعتها ولو كانت نفسي فيها. وقد ذكر هاتين النخلتين التطيلي الشاعر الأعمى في قصيدته التي أولها (١) : ألا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان فقال: وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا ... ولم تطويا كشحاً على شنآن وهي طويلة مختارة. وقال إسماعيل بن أبي هاشم: قرأت بحلوان (٢) على قصر لعبد العزيز بن مروان: أين رب القصر الذي شيد القص ... ر وأين العبيد والأجناد أين تلك الجموع والأمر والنه ... ي وأعوانهم وذاك السواد أين عبد العزيز أو أين مروا ... ن وأين الحماة والأولاد ما لنا لا نحسهم ونراهم ... أترى ما الذي دهاهم فبادوا قال: وقرأت تحته هذا الجواب: أيها السائل المفكر فيهم ... كيف بادت جموعهم والسواد ثم في القصر والذين بنوه ... أسفاً حين فارقوه وبادوا أين كسرى وتبع قبل مروا ... ن ومن قبل تبع شداد أين نمرود أين فرعون موسى ... أين من قبلهم ثمود وعاد كلهم في التراب أضحى رهيناً ... حين لم تغن عنهم الأجناد إن في الموت يا أخي لك شغلاً ... عن سواه والموقف الميعاد وفي مصر حلوان أيضاً، وهو فوق الفسطاط. الحليفة (٣) : ذو الحليفة ما بينه وبين المدينة ستة أميال وقيل سبعة وهو كان منزل رسول الله ﷺ إذا خرج من المدينة لحج أو عمرة، فكان ينزل تحت شجرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة اليوم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قيل له وهو بالمعرس بذي الحليفة إنك ببطحاء مكة، وثبت أنه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة. حلب (٤) : مدينة بالشام، بينها وبين قنسرين اثنا عشر ميلاً، وسميت بحلب رجل من العمالقة، وهي مدينة عظيمة مسورة بحجارة بيض، ونهر قويق يجري على بابها، وفي جانبها قلعة منيعة بها مقام أميرها، ولها سبعة أبواب، منها باب الجنان وباب أربعين وباب أنطاكية وباب قنسرين وباب اليهود وباب الفراديس والباب الشرقي، ومسجد جامعها داخل المدينة، وأغلب

стр. 213

أسواق حلب مسقف، وبحلب جماعة من اليهود ونصارى نسطوريون. قال بعضهم (١) : حلب قدرها خطير، وذكرها في كل زمن يطير، لها قلعة شهيرة الامتناع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، ويقال إن هذه القلعة كانت في قديم الزمان ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل ﵇ بغنيمات فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها فلذلك سميت حلب، وبها مشهد عظيم يقصد الناس التبرك به. ومن فضائل هذه القلعة ماء نابع فيها لا يخاف معه فيها ظمأ، والطعام يصير (٢) فيها الدهر كله، وعليها سوران دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه، وبالجملة القلعة مشهورة بالحصانة والحسن، وأبراج سور البلد كثيرة (٣) جداً وأبراجها كلها مسكونة وكلها طيقان وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة. والبلد حفيل الترتيب بديع الحسن واسع الأسواق وكلها مسقفة بالخشب فهي في ظلال وارفة، وقيساريتها حديقة بستان نظافة وجمالاً مطيفة بجامعها، وجامعها من أحسن الجوامع وأجملها، وفي صحنه بئران معينان (٤) وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره فما رؤي (٥) في بلد منبر على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة (٦) الخشبية إلى المحراب فتخللت صفحاته كلها حسناً على تلك الصفة الغريبة، وكل ذلك مرصع بالعاج والأبنوس، واتصل الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة فتجتلي العيون منها أبهى منظر يكون في الدنيا. وحسن هذا الجامع أكثر من أن يوصف، ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة تناسب الجامع حسناً وإتقان صنعة، وهذه المدرسة من أحفل ما بني، وجدارها الشرقي مفتح كله بيوتاً وغرفاً فوقها ولها طيقان يتصل بعضها ببعض، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً، فجعل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك متدلياً أمامها، فيمد الساكن فيها يده ويجنيه متكياً بلا مشقة. وفي البلد سوى هذه المدرسة أربع مدارس أو خمس، وبها مارستان وأمرها في الاحتفال عظيم، وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهرها الجاري من جوفها إلى قبليها ويشق ربضها المستدير بها، لأن لها ربضاً كبيراً فيه من الحمامات (٧) ما لا يحصى عدة، وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد، وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله، وعلى الجملة فهي من بلاد الدنيا التي لا نظير لها. وكانت بحلب، سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وقيعة عظيمة على ارمانوس الرومي، وكان قد عسكر عليها في نحو مائة وأربعين ألفاً أتت على أكثرهم، وأسر فيها نحو سبعة آلاف وخمسمائة من كبارهم وبطارقهم، وأمير حلب يومئذ شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، وكانت تجمع له من العرب وكور قنسرين نحو عشرة آلاف، وكانت الوقيعة على ثلاثة فراسخ من حلب، وكثرت الغنائم والسبي بأيدي المسلمين حتى بيع الفرس من سبي الروم بسرجه ولجامه بمثقالين، والغلام منهم بمثقال والجارية بثلاثة مثاقيل. ولبعضهم (٨) : حلبت الدهر أشطره ... وفي حلب صفا حلبي الحلة (٩) : مدينة كبيرة منيفة على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي وتمتد بطوله، وبها أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية، وهي قوية التجارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخل داخلاً وخارجاً، ولها جسر عظيم معقود على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظماً وضخامة تربط في خشب في كلا الشطين، والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها من بسائط وعمائر تتصل بها القرى يميناً وشمالاً، وبين هذه البسائط مذانب من الفرات تسقيها، وللعين في ذلك مسرح وانشراح.

стр. 214

حمص: مدينة بالشام من أوسع مدنها، ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند (١) لأنه اسم أعجمي، سميت برجل من العمالق يسمى حمص، ويقال رجل من عاملة، هو أول من نزلها، ولها نهر عظيم يشرب منه أهلها. وهي (٢) مدينة حسنة في مستو من الأرض وهي عامرة بالناس، والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فن، وأسواقها قائمة وخصبهم تام ومعايشهم رقيقة (٣) ، وفي نسائهم جمال وحسن بشرة، وشرب أهلها من ماء يأتيهم في قناة على مرحلة منها مما يلي دمشق، والنهر المسمى بالمقلوب (٤) يجري على بابها بمقدار رمية سهم، ولهم عليه قرى متصلة وبساتين وأشجار وأنهار كبيرة، ومنها تجلب الفواكه إلى المدينة، وكانت من أكثر البلاد كروماً فتلف أكثرها، وثراها طيب للزراعات وهواؤها أعدل هواء يكون بمدن الشام، وهي مطلسمة لا تدخلها حية ولا عقرب ومتى أدخلت على باب المدينة هلكت على الحال. وبها على القبة العالية الكبيرة التي في وسطها صنم نحاس على صورة الإنسان الراكب يدور مع الريح كيف ما دارت، وفي حائط القبة حجر عليه صورة عقرب فإذا جاز إنسان ملدوغ أو ملسوع طبع ذلك الحجر الطين الذي يكون معه ثم يضع الطين على اللسعة فيبرأ للحين. وجميع أزقتها وطرقها مفروشة بالحجر الصلد، وزراعاتها مباركة كثيرة، وهي تكتفي باليسير من المطر أو السقي، وبها مسجد جامع كبير من أكبر جوامع الشام، ومنها إلى حلب خمس مراحل. وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح (٥) صلحاً سنة أربع عشرة في خلافة عمر ﵁، وذلك أنه لما تم الصلح بينه وبين أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً، خرج نحو حمص فجمع له أهلها جمعاً عظيماً ثم استقبلوه بجومية فرماهم بخالد بن الوليد ﵁، فلما نظر إليهم خالد قال: يا أهل الإسلام الشدة الشدة، ثم حمل عليهم خالد وحمل المسلمون معه فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم، وبعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلاً لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص فطاردهم قليلاً ثم حمل عليهم فهزمهم، وأقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل فعرض له منهم فوارس فحمل عليهم وحده فقتل منهم سبعة، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلي دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه، وجاءه نحو من ثلاثين فارساً من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد وأقبلوا نحوه، فلما رأى ذلك أقحم فرسه وعبر الماء إليهم، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم فقتل أول فارس ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم انهزموا وتبعهم وحده، فلم يزل يقتل واحداً واحداً حتى انتهوا إلى دير مسحل وقد صرع منهم أحد عشر رجلاً فاقتحموا جوف الدير واقتحم معهم فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه ﵀، وجاء ملحان بن زياد وعبد الله بن قرط وصفوان بن المعطل إلى المدينة فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها فلم يخرجوا، وجاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن فزعم النضر بن شفي أن رجلاً من آل ذي الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص، وذلك أنه حمل من جهة باب الرستن فلم يرد وجهه شيء فإذا هو في جوف المدينة، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه، ولا يرى إلا أنه قد هلك حتى خرج من باب الرستن فإذا هو في عسكر المسلمين. وحاصر المسلمون أهل حمص حصاراً شديداً فأخذوا يقولون للمسلمين: اذهبوا نحو الملك فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد، فأقام أبو عبيدة ﵁ على باب الرستن بالناس وبث الخيل في نواحي أرضهم فأصابوا مغانم كثيرة وقطعوا عنهم المادة والميرة، واشتد عليهم الحصار وخشوا السبي فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتاباً بأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وعلى أن يضيفوا المسلمين يوماً وليلة وعلى أن على أرض حمص مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار، وفرغوا من الصلح وفتحوا باب المدينة للمسلمين فدخلوها وأمن (٦) بعضهم بعضاً. وقال أدهم بن محرز بن أسد الباهلي: أول راية دخلت أرض حمص ودارت حول مدينتها راية ميسرة بن مسروق، ولقد كانت لأبي أمامة راية ولأبي راية، وإن أول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين لأبي وإني أول مولود بحمص وأول مولود فرض له بها وأول من رمى فيها بيده، كنت أختلف إلى الكتاب، ولقد شهدت صفين وقاتلت.

стр. 215

وقال عبد الله بن قرط: عسكر أبو عبيدة ونحن معه حول حمص نحواً من ثمان عشرة ليلة وبث عماله في نواحي أرضها واطمأن في عسكره. وبحمص مات خالد بن الوليد ﵁ سنة إحدى وعشرين، وقيل بل مات في المدينة وصلى عليه عمر ﵁. وبين حمص وسلمية ستة فراسخ، ويقال إن أهل حمص أول من ابتدع الحساب في سالف الزمن، لأنهم كانوا تجاراً يحتاجون إلى الحساب في أرباحهم ورؤوس أموالهم ونفقاتهم، ويقال إنه لا يدخل حمص حية ولا عقرب، وليس لها سور، وفي وسطها حصن مستدير، وأكثر مدينة حمص اليوم خراب، وشرقي مدينتها البرية، ويقال: إن أبقراط الفاضل كان مسكنه مدينة حمص. وقال قتادة: أخبرت أنه نزل حمص خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ ، وقيل نزلها من بني سليم ممن صحب النبي ﷺ أربعمائة. وأهل هذه (١) البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم له، وبعدهم في ذلك أهل حلب. وقبليها قلعة حصينة منيعة، وشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد سيف الله المسلول ومعه قبر ابنه عبد الرحمن وقبر عبد الله بن عمر ﵃. وأسوار هذه المدينة غاية في العتاقة والوثاقة مبنية بالحجارة السود وأبوابها حديد سامية الأشراف هائلة المنظر تكتنفها الأبراج الحصينة، وفي داخلها ما شئت من بادية شعثاء، وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة وهو معقل العدو، وبها مدرسة واحدة. واشبيلية بالأندلس تسمى حمص أيضاً، ولبعض المتأخرين ينسب عثمان بن عتيق إلى انتحال أشعار الناس: يا أهل ترشيش ألا حاكم ... يحكم في السارق بالنص قد جاءكم من جمة شاعر ... وشعره يأتيه من حمص يعني اشبيلية. حماة (٢) : من كور حمص بالشام، وهي مدينة طيبة في وسطها نهر يسمى العاصي، وفيه قيل: ولما جرى العاصي وطيع أدمعي ... لدى الناس قال الناس أيهما النهر وهذا النهر عظيم عليه جسور يعبر عليها، وعليه نواعير كثيرة تخرج الماء إلى ما على جانبيه من غيطان المدينة، وبينها وبين كفر طاب أربعون ميلاً، ومن حمص إلى حماة مثلها، وهي قديمة البناء، وربضها (٣) كبير وفيه الحمامات (٤) والديار، وبها جامعان وثلاث مدارس ومارستان على شط النهر بازاء الجامع الصغير، وبخارج البلد بسيط فسيح عريض فيه شجر الأعناب والمزارع والمحارث والبساتين على شطي النهر، وهو العاصي لأن ظاهر انحداره من أسفل إلى علو ومجراه من الجنوب إلى الشمال وهو يجتاز على قبلي حمص وبمقربة منها. الحميمة: بلفظ التصغير، قرية من كور دمشق من أعمال البلقاء، أقطعها عبد الملك بن مروان لعلي بن عبد الله بن العباس ﵃ فكان يسكنها، وفيها كان إبراهيم بن محمد الإمام مستتراً في مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. فإنه لما (٥) قوي أمر أبي مسلم داعي بني العباس وغلب على أكثر خراسان وضعف أمر نصر بن سيار وعدم النجدة خرج عن خراسان حتى أتى الري ثم خرج عنها فنزل ساوة بين بلاد همذان والري فمات بها كمداً، وكان لما صار بين الري وخراسان كتب كتاباً إلى مروان يذكر فيه خروجه عن خراسان وإن هذا الأمر الذي أزعجه سيزيد حتى يملأ البلاد، وضمن ذلك هذا الشعر: إنا وما نكتم من أمرنا ... كالثور إذ قرب للباخع

стр. 216

أو كالتي يحسبها أهلها ... عذراء بكراً وهي في التاسع كنا نرفيها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع كالثوب إذ أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الصانع فلم يستتم مروان قراءة هذا الكتاب حتى مثل أصحابه بين يديه ممن كان وكل بالطرق رسولاً من خراسان لأبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره فيه خبره وما آل إليه، فلما تأمل مروان كتاب أبي مسلم قال للرسول: لا ترع كم دفع إليك صاحبك؟ قال: كذا وكذا، قال: فهذه عشرة آلاف درهم وإنما دفع إليك شيئاً يسيراً، فامض بهذا الكتاب إلى إبراهيم ولا تعلمه بشيء مما جرى وخذ جوابه فائتني به، ففعل الرسول ذلك، فتأمل مروان جواب إبراهيم إلى أبي مسلم بخطه يأمره فيه بالجد والاجتهاد والحيلة على عدوه وغير ذلك من أمره ونهيه، فاحتبس مروان الرسول قبله وكتب إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء فيسير إلى القرية المعروفة بالكداد والحميمة فيأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقاً ويبعث به إليه في خيل كثيفة، فوجه الوليد إلى عامل البلقاء فأتى إبراهيم وهو جالس في مسجد القرية فأخذه وحمل إلى الوليد، فحمله الوليد إلى مروان فحبسه في السجن بحران، فجرى بينه وبين مروان خطب طويل، وأنكر إبراهيم الإمام كل ما ذكر له مروان من أمر أبي مسلم، فقال له مروان: يا منافق أليس هذا كتابك إلى أبي مسلم جواباً عن كتابه إليك، وأخرج له الرسول فقال: أتعرف هذا. فلما رأى ذلك أمسك وعلم أنه أتي من مأمنه. واشتد أمر أبي مسلم، وكان في الحبس مع إبراهيم جماعة من بني هاشم ومن الأمويين كان مروان يخاف أن يخالفوا عليه، فقيل إنه هجم عليهم في الحبس جماعة من موالي مروان من العجم وغيرهم فدخلوا البيت الذي كانوا فيه، فلما أصبح وجدوا قد أتوا عليهم، وكان منهم غلامان صغيران من خدمهم فوجدا كالموتى، قال المخبر: فلما رأونا أنسوا بنا (١) ، فسألناهما عن الخبر فقالا: أما الأمويون (٢) فجعلت على وجوههم مخاد وقعدوا فوقها فاضطربوا ثم بردوا، وأما إبراهيم فأدخل رأسه في جراب نورة مسحوقة فاضطرب ساعة ثم خمد، وقيل هدم عليه بيتاً وقيل ألقى عليه قطيفة فقتله غماً وقيل سمه في لبن سقاه إياه. وفي الحميمة ولد المهدي، وولي ابنه الهادي سنة تسع وستين وستمائة. حمراء الأسد (٣) : على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وإليها انتهى رسول الله ﷺ في اليوم الثاني من يوم أحد لما بلغه أن قريشاً منصرفون إلى المدينة فأقام بحمراء الأسد يومين حتى علم أن قريشاً قد استمرت إلى مكة وقال: " والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها كانوا كأمس الذاهب ". الحمة (٤) : قلعة حصينة شامخة بجزيرة صقلية، هي من أحسن البقاع، والبحر على ثلاثة أميال منها، ولها مرسى عليه حصن يعرف بالمدارج (٥) والمراكب سائرة به راجعة عليه ويصاد به التن بالشباك، وسميت هذه القلعة بالحمة لأن فيها حمة حامية يخرج ماؤها من جرف قريب منها، يستحم الناس فيها، وماؤها رطب وبقربها أنهار وأودية عليها أرحاء وبها بساتين وجنات وأبنية ومتنزهات ومزارع طيبة. حمة مطماطة (٦) : مدينة في جهة قصطيلية بمقربة من مدينة قابس ماؤها شروب وبها نخل كثير، وأهلها موصوفون بالنجدة والشهامة. وعليها كانت الوقيعة لمنصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب على الموارقة والأغزاز سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، لأن المنصور كان تحرك من مراكش إلى البلاد الإفريقية لما بلغه من سوء آثار العرب والموارقة فيها وتحيفهم لبلادها، فاتصل به وهو بتونس ما نال جماعة أصحابه بوطاء

стр. 217

عمرة من الموارقة والأغزاز في هذه السنة، وكانت وقيعة شديدة على الموحدين أثخن فيهم الموارقة والأغزاز وهزموهم، فامتعض المنصور من ذلك واستبد برأيه، وتحرك من تونس في رجب هذه السنة واشتد على من تخلف عنه، وتمادى إلى القيروان فدخلها وتطوف على آثارها وصلى بجامعها وزار مقبرتها، ولما كان على فرسخين من الحمة هذه وجه خيلاً لمنازل الأعراب الذين مع الموارقة فشنوا الغارة هناك مع الصباح واكتسحوهم وساقوا أموالهم وقفلوا، وبلغ ذلك العرب فارفضت جموعهم وتضعضعت محلة الموارقة بسبب ذلك، ثم ناجز القوم وباشر الحرب بنفسه فاستؤصلت الموارقة في المعترك وأفلت قراقش وابن غانية واتبعهم السيف إلى الليل، ثم توجه إلى قابس فاستسلم أهلها وفتحوا له أبوابها، وأسلموا أصحاب قراقش وشيعته، وكان اتخذها حصناً وشحنها بشيعته وأصحابه، وامتنعت شيعته بقصر العروسين منها يومين، ثم نزلوا إليه من الأسوار راغبين في الأمان، فبعث بهم في البحر إلى تونس ووبخ أهل قابس على اتباع كل ناعق، ثم انحفز إلى توزر فأعلنوا له الطاعة. وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر: أسائلكم لمن جيش لهام ... طلائعه الملائكة الكرام تجاذب خيله اليمن اغتباطاً ... بعصمته وتخطبه الشآم ويعطو المسجد الأقصى إليه ... ويشرف نحوه البيت الحرام ومنها: مضى متقلداً سيفي مضاء ... هما الإلهام والجيش اللهام فسل ما حل بالأعداء منه ... وكيف استؤصل الداء العقام لقد برزت إلى (١) هول المنايا ... وجوه كان يحجبها اللثام وما أغنت قسي الغز (٢) عنها ... فليست تدفع القدر السهام كأن الحرب كانت ذات عقل ... صحيح لم يحل به سقام فأفنت كل من دمه حلال ... وأبقت كل من دمه حرام متى يك من ذوي الكفر اعتداء ... يكن من فرقة التقوى انتقام وقال هو أو الجراوي في ذلك أيضاً: رأى الشقاء ابن إسحاق أحق به ... من السعادة والمحدود محدود وكيف يحظى بدنيا أو بآخرة ... محلأ عن طريق الخير مطرود أعمى ونور الهدى باد له وكذا ... من لم يساعده توفيق وتسديد لم يصغ للوعظ لا قلباً ولا أذناً ... وكيف تصغي إلى الوعظ الجلاميد لجت ثمود وعاد في ضلالهم ... ولم يدع صالح نصحاً ولا هود والسيف أبلغ فيمن ليس يردعه ... عن الغواية إيعاد وتهديد أولى له لو تراخى ساعة لغدا ... وريده وهو بالخطي مورود أنحى الزمان على الأعداء (٣) واجتهدت ... في قطع دابرهم أحداثه السود يوم جدير بتعظيم الأنام له ... فما يقاس به في حسنه عيد

стр. 218

أضحت على فضله الأيام تحسده ... إن النبيه الرفيع القدر محسود وسميت المدينة بالحمة لأن بها حمة عظيمة مشهورة. حنين (١) : واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، والأغلب عليه التذكير لأنه اسم ماء وربما أنث حملاً على البقعة، قيل سمي بحنين بن قاينة بن مهلائيل. وفيه كانت لرسول الله ﷺ الوقيعة المذكورة في القرآن على هوازن في شوال سنة ثمان، وجال المسلمون جولة ثم هزم الله المشركين ونفل المسلمين أموالهم، وقصة حنين مشروحة في المغازي (٢) . حصن المنار (٣) : بالأندلس قريب من مدينة لكة (٤) وهي منتهى الركن الثالث من أركان الأندلس التي هي حدودها، وهو على ضفة البحر المحيط من الغرب والجوف وتتصل به الكنيسة المعظمة عندهم المسماة عندهم بشنت ياقوب، وهذا الموضع أضيق ما بين البحرين في حدود الأندلس، وعرضه من البحر إلى البحر ثمانون ميلاً. حصن الكرس (٥) : بالأندلس من عمل جيان كان الفنش نزل عليه مدة وفيه القائد أبو جعفر بن فرج فارس مشهور بالشجاعة، فرأى منه ضبطاً وصبراً وحسن دفاع، وكان عند الفنش مهندس من المسلمين المعاهدين بطليطلة فصنع له برجاً عظيماً من خشب ارتفع به على سور الحصن، فلما أكمل المهندس عمله بعث إلى ابن فرج في الباطن: إني صنعت هدا البرج اضطراراً لحفظ دمي وصون من ورائي من الأهل، فاحتل في إحراقه لئلا تكون ذنوب المسلمين في عنقي وعنقك إن تركته وأنت قادر عليه بأنواع الحيل، وقد طليته بدهان خفي يقبل النار بسرعة، فاعرف كيف تكون في الكتم والابقاء علي. فاختار ابن فرج من أنجاد الرجال جماعة ونهض بهم وبأيديهم القطران والكتان والنيران ودفع تحت الظلام بهم نحو البرج فأحرقه حتى صار رماداً ومات من كان فيه ومن حامى عنه ورجع سالماً، فاغتم الفنش وقال: هذا كان رجاؤنا في فتح الحصن وقد طالت عليه إقامتنا ولم يبق إلا أن نعلم قدر ما بقي فيه من الطعام والماء لنبني أمرنا على حقيقة في ذلك، فانتدب لهذا الشأن نصراني ماكر أشقر أزرق أنمش تقضي الفراسة بأنه جامع للشر، فأظهر أنه أسلم وأنه هرب من الوباء والغلاء الواقعين في معسكرهم، فقبله المسلمون وخالطهم حتى اطلع على أنه لم يبق عندهم غير زبيب يقتسمونه بالعدد وماء يتوزعونه بالقسط، فسار ونزل من السور ليلاً إلى أهل ملته فأعلمهم بحقيقة الأمر، فوجه الفنش إلى ابن الفرج: إنا قد اطلعنا على خبياتكم ولم يبق إلا أن تسلموا الحصن وتستريحوا من التعب المفضي إلى العطب، أو نصبر قليلاً حتى نظفر بكم رغماً فنقتل جميعكم، فاشترط ابن الفرج عليه أن يقيم لأهل الحصن سوقاً حتى يبيعوا ما لا يقدرون على حمله، وأن يدفع لهم دواب (٦) يحملون عليها أسبابهم إلى جيان، فأوفى لهم بذلك. ولما خرج ابن فرج تعجب الفنش من طوله وعظم خلقته وأنكر عليه كونه سلم عليه بالإشارة ولم يقبل يده، وتكلم معه الترجمان في ذلك فقال: لو كنت أخدمه أكان يجوز أن أقبل يد خصمه؟ فذكر ذلك للفنش فقال: لا يجوز، وضحك الفنش وقال: مثل هذا ينبغي أن تكون الرجال، وأحسن إليه وأعطاه فرسه وسلاحه وقال: يعجبني أن يكون مثلك عند مثلي (٧) ، قال: وشغل الله تعالى الفنش مدة طويلة بهذا الحصن عن بلاد الإسلام، وكان الناس يرون ذلك في صحيفة ابن فرج، وكان ذلك في سنة عشر وستمائة. حصن الكرك (٨) : هو من أعظم حصون النصارى معترض في طريق الحجاز، وهو من القدس على مسافة يوم أو أقل، وأهله يقطعون على المسلمين الطريق في البر، وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة ينتهي إلى أربعمائة قرية، ونازله السلطان صلاح

стр. 219

الدين بعساكره وضيق عليه وطال حصاره له، ومع ذلك فالقوافل تمر من مصر إلى بلاد الإفرنج إلى دمشق غير منقطعة واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك وتجار النصارى أيضاً لا يمنع أحد منهم ولا يتعرض له، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الأمن على غاية، وتجار النصارى أيضاً يؤدون في بلاد المسلمين على سلعتهم والاتفاق بينهم في ذلك والاعتدال في جميع الأحوال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب، هذه سيرة أهل هذه البلاد في بلادهم في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك. حصن الحمة (١) : بجزيرة صقلية، وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة قد فجرها الله ينابيع في الأرض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لإفراط حرها. حصن منصور (٢) : مدينة في الثغور الجزرية قريبة من سميساط، وهي مدينة رومية عليها سور حجارة وبها مستقر الولاة، ونسب الحصن إلى منصور بن جعونة بن الحارث العامري تولى بناءها ومرمته (٣) وكان يتولى الرها أول دولة بني العباس، فحصرهم المنصور وفتحها فهرب منصور ثم أمن فظهر، فلما بلغ عبد الله بن علي سار معه فولاه شرطته، فلما هرب عبد الله استتر منصور فدل عليه المنصور فقتله بالرقة منصرفه من بيت المقدس، وبنى الرشيد حصن منصور في خلافة المهدي وشحنه بالرجال. حصن ثوبة (٤) : باليمن، ويقال إن فيه قبر هود النبي ﵊، وقال أبو الطفيل: سمعت علياً ﵁ يقول: رأيت كثيباً أحمر تخالطه مدرة حمراء وأراك وسدر كثير بناحية كذا من حضرموت هل رأيته؟ قلت: نعم والله إنك لتنعت نعت رجل رآه، قال: لا ولكن حدثت عنه وفيه قبر هود ﵊، وعند رأسه سدر أو سلم، وقيل بل قبره بمهرة. وكانت كندة (٥) ارتدت بحضرموت بعد موت النبي ﷺ وكان رسول الله ﷺ لما قدم عليه وفدهم مسلمين استعمل عليهم زياد بن لبيد الأنصاري فأقام معهم في ديارهم يأخذ صدقاتهم حياة رسول الله ﷺ ، فلما مات ارتدوا، وقاتلهم زياد وكايدهم حتى حكم عليهم وسنذكر ذلك بأبسط من هذا في ذكر النجير وهي فيما ذكر حضرموت أو حصن بها. وزعموا أن بحضرموت النسناس وأنه كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة يثب وثباً ويعدو عدواً شديداً وأنه يغتذي بجميع النبات ويصبر على العطش، ورووا خبراً عن شبيب بن شبة بن الحارث التميمي (٦) قال: قدمت الشحر على رئيسها فتذاكرنا النسناس فقال: استعدوا فإنا خارجون في قنصهم، فلما خرجنا ألظ كلبان بواحد منها وله وجه كوجه الإنسان وشعرات في ذقنه (٧) ورجلاه كرجلي الإنسان، فجعل يعدو وهو يقول: الويل لي مما به دهاني ... دهري من الهموم والأحزن ... قفا قليلاً أيها الكلبان ... إليكما حتى تجارياني ... لو في (٨) شباب ما ملكتماني ... لكن قضاء الملك الرحمان ... يذل ذا العزة والسلطان ... فالتقيا به فأخذاه، فقال قائل من شجرة: سبحان الله ما أشد حمرة دمه، قالوا: نسناس خذوه، فأجاب آخر من شجرة فقال: كان يأكل السماق، فقالوا: خذوه، فأخذوه، وقالوا: لو سكت لم يعلم مكانه، فقال آخر: أنا صامت، فقالوا: نسناس خذوه، فقال آخر: يا إنسان (٩) احفظ رأسك، قالوا:

стр. 220

خذوه، قال المسعودي (١) : ورأيت أهل الشحر وحضرموت يستظرفون أخبار النسناس ويتوهمون أنها ببعض البلاد، وهذا يدل على عدم كونه وأنه من هوس العامة كما وقع لهم خبر عنقاء مغرب. الحضر (٢) : بالضاد المعجمة مسكنة، مدينة لطيفة بين دجلة والزاب من بلاد الموصل وهي على نهر الثرثار، وإياها عنى الشاعر بقوله (٣) : وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور قال ابن إسحاق: كان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون ملك الحضر فحصره سنتين، فأشرفت بنت الساطرون يوماً فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلاً وسيماً، فدست إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر؟ قال: نعم. فلما أمسى الساطرون شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح الحضر من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتروجها، فبينا هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور: أهذا الذي أسهرك. قالت: نعم، قال: فما كان أبوك يصنع بك. قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر، قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به. أنت بذلك إلي أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها، وفي ذلك يقول أعشى قيس: ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم أقام بها شاهبور الجنود ... حولين يضرب فيها القدم فلما دعا ربه دعوة ... أناب إليه فلم ينتقم هذه رواية ابن إسحاق، وأما غيره فقال: كان صاحب الحضر يسمى الضيزن بن معاوية، وكان من تنوخ من قضاعة، وكان ملك الحضر قبل الساطرون بن اسيطرون وهو ملك السريانيين، قال أبو دواد: وأرى الموت قد تدلى من ال ... حضر على رب أهله الساطرون ولقد كان آمناً للدواهي ... ذا ثراء وجوهر مكنون ويقال: إن الساطرون أبو نصر جد عمرو بن عدي بن نصر الذي كان ملوك الحيرة من ولده، وكان الضيزن قد ملك الجزيرة وما يليها إلى الشام، وأقام سابور على حصنه أربع سنين وقيل سنتين، قال الأعشى: أقام بها شاهبور الجنود ... حولين يضرب فيها القدم وكان أخرج ابنته النضيرة إلى بعض الرياض، وكذلك كانوا يفعلون بنسوانهم، وكانت من أجمل النساء، فعشقت سابور وتعشقها، فقالت له: اكتب بدم جارية بكر زرقاء في رجل حمامة ورقاء مطوقة كتابة ذكرتها وأرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فيتداعى، وكان طلسم المدينة، وقيل: قالت له: ايت الثرثار، وهو نهر، فانثر عليه تبناً ثم اتبعه فانظر أين يدخل، فأدخل الرجال منه، فإن ذلك المكان يفضي إلى الحصن، ففتحها عنوة وأباد قضاعة فقال في ذلك بعض شعرائهم:

стр. 221

ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني العبيد ومقتل ضيزن وبني أبيه ... واحلاس الكتائب من تزيد أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود فهدم من رواسي الحضر صخراً ... كأن ثقاله زبر الحديد فاحتمل النضيرة فأعرس بها بعين التمر فلم تزل ليلتها تتضور وفرشها الخز محشو بالقز، فالتمس سابور ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملصقة بعكنة من عكنها وكان ينظر إلى مخها ولين بشرتها فقال لها: أي شيء كان يغذوك أبوك؟ فقالت: بالزبد والمخ وشهد فراخ النحل وصفو الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهداً بك، فأمر رجلاً فركب فرساً جموحاً ثم عصب ذوائبها بذنبه ثم همز الفرس فقطعها قطعاً، قال الشاعر: أقفر الحضر من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار وسابور هذا هو الذي حاصر نصيبين ثم أخذها وكان فيها عدد كثير لقيصر، ثم دخل أرض الروم فافتتح من الشام مدائن ثم انصرف إلى مملكته، وفرق من كان معه من السبي في ثلاث مدن: في جندي سابور وسابور التي بفارس وتستر التي بالأهواز، وهو الثاني من ملوكهم. حفن (١) : من كور أنصنا من البلاد المصرية، منها مارية سرية النبي ﷺ أم ولده إبراهيم التي أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية. وفي السير أن رسول الله ﷺ قال: " الله الله في أهل الذمة أهل المدرة السوداء السحم الجعاد فإن لهم نسباً وصهراً "، يعني أن أم إسماعيل ﵊ هاجر منهم، وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرى فيهم بمارية أم ولده إبراهيم. الحساء (٢) : قيل الحساء موضع في ديار بني أسد، قال بشر بن أبي خازم: عفا منهن جزع عريتنات ... فصارة فالقوارع فالحساء والمشهور أن الحساء في طريق مؤتة، وهي المذكورة في شعر عبد الله بن رواحة، إذ قال يخاطب ناقته وهو متوجه إلى مؤتة: إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي ذكر القصة ابن إسحاق (٣) . ومن أهل الحساء عثمان بن شطيبة العامري الحسائي، له: تسير وتسري ليلها ونهارها ... بغاد إلى أفق الجلالة رائح وهان عليها أو علي جميع ما ... ألاقي وتلقى إذ تلاقي ابن راجح حش كوكب: موضع في المدينة هو مذكور في حرف الكاف إن شاء الله تعالى. الحوراء (٤) : مدينة في ساحل وادي القرى بها مسجد جامع وثماني آبار عذبة، وبها ثمار ونخل، وأهلها عرب من جهينة وبلي. الحوز (٥) : بالزاي، محلة بواسط، قال أبو جعفر أحمد الحوزي: سمعت إبراهيم بن عثمان الكولي قال: دعي بنا إلى

стр. 222

غسل رجل من المسلمين فلما دخلت وكشفت عن وجهه إذا بحية في حلقه سوداء فخرجت، ثم قلت لها: أيها العبد المأمور، إن سنة نبينا ﷺ في الموتى غسلهم فانصرف حتى نقيم فيه سنة نبينا ﷺ ونعود إلى ما أمرت به، فرأيت الحية قد انسابت من تحت الإزار حتى أتت إلى ناحية البيت فتطوقت، فأخذنا في أمر الرجل، فلما فرغنا منه وأدرجناه في أكفانه وأردنا أن نعقد عقدة الرأس انسابت الحية وأنا أراها حتى دخلت بين الكفن، فتطوقت في عنق الرجل كما كانت، ثم إني سمعت صوتاً مثل صوت الآدميين وهو يقول لي: يا إبراهيم بن عثمان: أجزعت مني؟ لست بحية، أنا ملك سلطني الله تعالى على هذا الرجل آكل لحمه كما كان يأكل لحوم الناس. حوران: جبل بالشام، قال النابغة: بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل وقال حسان: إذا سلكت حوران من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك وحوران أيضاً من أعمال دمشق، ومدينتها بصرى، تسير في صحراء حوران عشرة فراسخ في منازل ومزارع حتى تصل إلى مدينة بصرى، وهي مدينة حوران، وفي شرقي هذه المدينة بحيرة فيها تجتمع مياه دمشق وتسير منها في صحراء ورمال مقدار خمسة عشر فرسخاً فتدخل دمشق. الحوأب: بزيادة همزة بين الواو والباء، ماء قريب من البصرة على طريق مكة، وهو الذي مرت به عائشة ﵂ في توجهها إلى البصرة يوم الجمل، فلما انتهوا بها في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحوأب نبحت كلابهم الركب، فقالت عائشة ﵂: ما اسم هذا الموضع؟ فقال السائق لجملها: هذا الحوأب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك وقالت: إني لهيه، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب "، وفي رواية أنه ﷺ قال لها: " لعلك صاحبة الجمل الأذنب تنبحها كلاب الحوأب "، وقالت لهم: ردوني إلى حرم رسول الله ﷺ ، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير ﵁: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة ﵁ في ساقة الناس فلحقها وأقسما أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون ممن كان معهما، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام. وكتبت (١) أم سلمة زوج النبي ﷺ إلى عائشة أم المؤمنين ﵄ إذ عزمت على الخروج إلى الجمل: من أم سلمة زوج النبي ﷺ إلى عائشة أم المؤمنين، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك سدة بين رسول الله ﷺ وبين أمته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيولك فلا تسحبيها، وسكن عقائرك فلا تقدحيها (١) فالله من وراء هذه الأمة، لو علم رسول الله ﷺ أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، أما ترين أنه قد نهاك عن الفراطة في الدين، فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال ولا يرأب بهن إن انصدع، جهاد النساء غض الأطراف وضم الذيول. ما كنت قائلة لرسول الله ﷺ لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصة قعودك من منهل إلى منهل، وغداً تردين على رسول الله ﷺ ، وأقسم لو قيل لي يا أم سلمة ادخلي الجنة لاستحييت أن ألق رسول الله ﷺ هاتكة حجاباً ضربه علي. فاجعليه سترك وقاعة البيت حسبك (٣) ، فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة ما قعدت عن نصرتهم، ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لنهشت نهش الحية الرقشاء المطرقة والسلام. فأجابتها عائشة ﵂: من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فما أقبلني لوعظك وأعرفني بحق نصيحتك، وما أنا بمعتمرة بعد تعريج، ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد فعن غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى لي عن الازدياد منه، والسلام. واستمرت عائشة ﵂ على المشي إلى أن انتهت إلى

стр. 223

البصرة، فكانت وقعة الجمل بالخريبة بمقربة من البصرة قتل فيها نحو ثلاثة عشر ألفاً، وقتل الزبير وطلحة بن عبيد الله ومحمد بن طلحة المدعو بالسجاد ﵃، وهو الذي قال فيه علي ﵁ حين رآه قتيلاً: هذا رجل قتله بره بأبيه. ورمي هودج عائشة ﵂ فجعلت تنادي: يا بني البقيا، يا بني البقيا، ويعلو صوتها، وكانت جهيرة، فأبوا إلا إقداماً، وماج الناس بعضهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل، وقال عبد الله بن الزبير ﵄: أمسيت يوم الجمل وبي سبع وثمان جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط ما ينهزم منا أحد وما نحن إلا كالجبل الأسود وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل. ونادى علي ﵁: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتاً قط كان أشد من عجيج الجمل، وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة كلما قطعت يد رجل قام آخر وقال: أنا الغلام الضبي، ورمي الهودج بالنشاب حتى صار كالقنفذ، وقصة يوم الجمل مطولة شهيرة فليقتصر من خبرها على هذا القدر ففيه مقنع. الحيرة: قال الهمداني (١) : سار تبع أبو كرب في غزوته فلما أتى موضع الحيرة خلف هنالك مالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله وخلف معه من ثقل من أصحابه في نحو اثني عشر ألفاً وقال: تحيروا هذا الموضع، فسمي الموضع الحيرة، فمالك أول ملوك الحيرة وأبوهم، وكانوا يملكون ما بين الحيرة والأنبار وهيت ونواحيها وعين التمر وأطراف البراري: الغمير والقطقطانة وخفية، وكان مكان الحيرة من أطيب البلاد وأرقه هواء وأخفه ماء وأعذاه (٢) تربة وأصفاه جواً. وكانت (٣) الحيرة على ثلاثة أميال من الكوفة، والحيرة على النجف، والنجف كان على ساحل البحر الملح، وكان في سالف الدهر يبلغ الحيرة. والحيرة (٤) مدينة صغيرة جاهلية حسنة البناء طيبة الثرى، وكانت فيما سلف أكبر من نظرها بعد ذلك لأن أكثر أهلها انتقلوا إلى الكوفة. وبالحيرة (٥) منازل بني بقيلة وغيرهم، وبها كانت منازل ملوك بني نصر ولخم وهم آل النعمان بن المنذر، وأول من نزل الحيرة عمرو بن عدي بن نصر واتخذها دار مملكته، وعامة أهل الحيرة نصارى فيهم من قبائل العرب على دين النصرانية من بني تميم آل عدي بن زيد العبادي الشاعر ومن سليم وطيء وغيرهم، والخورنق بالقرب منها مما يلي المشرق، وبينه وبين الحيرة ثلاثة أميال، والسدير في برية بالقرب منها. وقال قتادة (٦) : ذكر لنا أن تبعاً كان رجلاً من حمير سار بالجنود حتى حير الحيرة ثم أتى سمرقند فهدمها. والحيرة أرض باردة في الشتاء وهي في الصيف مفرطة الحر حتى إنهم لينزعون ستور بيوتهم مخافة من إحراق السمائم لها ولا يشربون الماء إلا بالسكنجبين والجلاب لأن الماء لا يبلغ أعماق أبدانهم صرفاً. ولم يزل ملوك الحيرة من ذرية عمرو بن عدي بن نصر، وهم النصريون، إلى النعمان بن المنذر فهو آخر ملوكهم، وهو الذي قتله كسرى بزيد بن عدي بن زيد، وكان النعمان (٧) لما أراد إتيان كسرى بعد هربه نزل ببني شيبان، فأودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانئ يطالبه بتركته فأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي هاج حرب ذي قار. وكانت (٨) حرقة بنت النعمان إذا خرجت إلى بيعتها فرش لها طريقها بالحرير والديباج، فلما هلك النعمان نكبها الزمان، وقدم سعد بن أبي وقاص ﵁ القادسية أميراً عليها، فهزم الفرس وقتل رستم، فأتته حرقة بنت النعمان في لمة من نسائها، وعليهن المسوح والمقطعات السود مترهبات، يطلبن صلته، فلما وقفن بين يديه قال: أيتكن حرقة؟ فقالت: ها أنا ذه قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك لاستفهامي؟

стр. 224

إن الدنيا دار زوال لا تدوم على حال تنتقل بأهلها انتقالاً وتعقبهم بعد حالهم حالاً، كنا ملوك هذا المصر (١) يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله، فلما أدبر الأمر، صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتت ملانا، وكذلك الدهر يا سعد ليس من قوم بحبرة إلا والدهر يعقبهم عبرة، ثم أنشأت تقول: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف فأكرمها سعد ﵁ وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت: لا نزع الله تعالى من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه. وروي أن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله دخل على حرقة ابنة النعمان بن المنذر بالحيرة في بيعتها، وهي في نسوة راهبات فقال لها: كيف رأيت غمرات الملك يا حرقة؟ قالت: هذا خير مما كنا فيه، إنا لنجد في الكتاب أنه ليس من بيت يمتلئ حبرة إلا امتلأ عبرة، وأن الدهر لم يأت قوماً بيوم يحبونه إلا اختبأ لهم يوماً يكرهونه، وإن على باب السلطان كأشباه الجزر من الفتن، وإن واحداً لم يصب منهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله، قال: فقلت: فكيف صبرك؟ قال: فأقبلت علي بوجهها ثم قالت: يا سبحان الله، تسألني عن الصبر؟ ما ميز أحد بين صبر وجزع إلا أصاب بينهما التفاوت في حالتيهما: أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأما الجزع فغير معوض عوضاً مع مأثمه، ولو كانا رجلين في صورتهما (٢) لكان الصبر أولاهما بالغلبة في حسن صورة وكرم طبيعة في عاجلة من الدنيا وآجلة من الثواب، وكفى ما وعد الله تعالى إذ ألهمناه. قال فقلت: إنا لم نزل نسمع أن الجزع للنساء فلا يجزعن رجل بعدك في مصيبة، فلقد كرم صبرك، فقالت: أما سمعت قول الشاعر: فاصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر فما صفا لامرئ عيش يسر به ... إلا سيتبع يوماً صفوه الكدر ولم يزل (٣) عمران الحيرة يتناقص مذ بنيت الكوفة إلى أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وكان فيها ديارات كثيرة ورهبان لحقوا بغيرها من البلاد لاستيلاء الخراب عليها، وهم يزعمون أن سعدها سيعود بالعمران. ونزلها جماعة من خلفاء بني العباس لطيب هوائها وصفاء جوهرها وقرب الخورنق والنجف منها. وكانت مدة الحيرة من أول وقت عمارتها إلى أول خرابها عند بناء الكوفة خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة. ولما أقبل خالد بن الوليد ﵁ في سلطان أبي بكر ﵁ بعد فتح اليمامة وقتل كذابها (٤) يريد الحيرة تحصن منه أهلها في القصر الأبيض، وفيه كان إياس بن قبيصة، وقصر القادسية وقصر بني بقيلة وقصر بني مازن، وهذه قصور الحيرة، فنزل خالد بالنجف وبعث إليهم أن ابعثوا إلي رجلاً من عقلائكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن حسان بن بقيلة الغساني، وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض، ودعي بقيلة لأنه خرج يوماً وعليه ثياب خضر فقال قومه: ما هذا إلا بقيلة، وعبد المسيح هذا هو الذي أتى سطيحاً فعبر رؤيا الموبذان وارتجاج الإيوان وما كان من ملوك بني ساسان (٥) ، فأتى عبد المسيح خالداً وله يومئذ ثلثمائة سنة وخمسون سنة، فتجاهل عبد المسيح وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عنده، فقال له خالد (٦) : من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي، قال: فمن أين جئت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت ويحك؟ قال: على الأرض، قال: أتعقل؟ قال: أي والله وأقيد. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال: اللهم اخزهم من أهل بلدة فما يزيدوننا إلا عمى، أسأله عن شيء فيجيبني عن غيره، قال: لا والله ما أجيبك إلا عن سؤالك، فسل عما بدا لك، قال: أعرب أنتم أم نبط، قال: نبط استعربنا وعرب استنبطنا، قال: فحرب أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما لهذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه تمنعه

стр. 225

حتى يأتي الحليم فينهاه، قال.: كم سنة أتت عليك؟ قال: خمسون وثلثمائة، قال فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا النجف بمتاع الهند والصين، وأمواج البحر تضرب ما تحت قدمك، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تزود إلا رغيفاً فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة حتى ترد الشام، وتراها اليوم قد أصبحت يباباً، وكذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد. فوجم خالد لما سمعه وعرف من هو، وكان مشهوراً في العرب بصحة العقل وطول العمر، قال: ومعه سم ساعة يقلبه في يده، فقال له خالد: يا هذا ما معك؟ قال: سم ساعة، فإن يكن عندك ما يسرني ويوافق أهل بلدي قبلته وحمدت الله تعالى عليه، وإن تكن الأخرى لم أكن أول من ساق إلى أهل بلده ذلاً فآكل السم فأستريح، قال له خالد: هاته، فأخذه ووضعه في راحته ثم قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم استرطه فجللته غشية ثم سري عنه وأفاق كأنما أنشط من عقال، فانصرف العبادي إلى قومه فأخبرهم. بما رأى وقال: يا قوم صالحوهم فإن القوم مصنوع لهم وأمرهم مقبل وأمر بني ساسان مدبر، وسيكون لهذه الأمة شأن ثم يحدث فيها هنات وهنات، فصالحوه، وقال عبد المسيح: أبعد المنذرين أرى سواماً ... تروح بالخورنق والسدير وصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كمثل الشاء في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور نؤدي الخرج مثل خراج كسرى ... وخرج بني قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساءة أو سرور ولما فسر سطيح وشق الكاهنان لربيعة بن نصر ملك اليمن رؤياه التي دلت على خراب سد مأرب وتفرق الأزد في البلاد، جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى سابور بن خرزاد ملك فارس فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. قال أبو بكر بن عياش: كنت وسفيان الثوري وشريك النخعي نتماشى فيما بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت والهيئة، فقلنا شيخ جليل قد سمع الحديث وأدرك الناس فملنا نحوه، فقال له سفيان، وكان أطلبنا للحديث: يا هذا، أعندك شيء من الحديث؟ فقال: أما حديث فلا ولكن عتيق سنين، فنظرنا فإذا هو خمار. وحكى أبو الفرج الأصبهاني (١) أن سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال: كان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية، فقال له رجل من أهلها وكان عاقلاً ظريفاً: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام قال: وبماذا (٢) تمتدح؟ قال: بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف، سهل وجبل، وبادية وبستان، وبحر وبر، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها أصلحك الله، مخفاً فأصبحت مثقلاً، ووردتها مقلاً فأصارتك مكثراً، قال: فكيف يعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: تصير إليها ثم ادع بما شئت من لذات العيش، والله لا أجوز بك الحيرة قال: فاصنع لي صنيعاً واخرج من قولك، قال: أفعل، فصنع لهم طعاماً فأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها من ظباء ونعام وأرانب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها، وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة ثم لم يستخدم لهم حراً ولا عبداً إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم أقعد معهم حنيناً فغناهم هو وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها ونقلهم على خمرها وقد شربوا بفواكهها ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا والله ولقد أحسنت صفة بلدك وأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم. وحيرة أيضاً قرية من قرى نيسابور.

стр. 226

حرف الخاء خانقين (١) : هي من أعمال الجبل بقرب شهرزور، سمي الموضع بذلك لأن النعمان حبس به علي بن زيد وخنقه فيه حتى مات، وهناك حبس النعمان حتى مات، والناس يظنون أنه مات بساباط لقول الأعشى: فذاك بما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق قالوا: ووجه الحجاج إلى مطير بن عمار بن ياسر عبد الرحمن بن مسلم الكلبي، فلما كان بحلوان أتبعه الحجاج مدداً وعجل عليه بالكتاب مع بخيت الغلط، وإنما قيل له ذلك لكثرة غلطه، فمر بخيت بالمدد وهم يعرضون بخانقين، فلما قدم على عبد الرحمن قال له: أين تركت مددنا؟ قال: تركتهم يخنقون بعارضين، قال: أو يعرضون بخانقين؟ قال: نعم، اللهم لا، بخانوق باركين. ولما ذهب يجلس ضرط وكان عبد الرحمن أراد أن يقول له ألا تتغدى، فقال له: ألا تضرط، قال: قد فعلت أصلحك الله، قال: ما هذا أردت، قال: صدقت ولكن الأمير غلط كما غلطنا. وبخانقين نهر كبير قد بنيت عليه قنطرة عظيمة طبقاً بالجص والآجر (٢) . ومن خانقين إلى قصر شيرين ستة فراسخ. وبخانقين كان التقاء سفيان بن أبي العالية مع شبيب الخارجي فهزمه شبيب في سنة ست وسبعين. خانك (٣) : هي مدينة على يسار خراسان، يقولون إنهم من الترك التغزغز. خانفو (٤) : مدينة عظيمة في الصين على نهر عظيم أكبر من الدجلة أو نحوها يصب إلى بحر الصين، وبين هذه المدينة وبين البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، تدخل هذا النهر سفن البحر الواردة من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائره بالأمتعة والجهاز، وبهذه المدينة خلائق من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس، وغيرهم من أهل الصين، وكان نزل بهذه المدينة في سنة أربع وستين ومائتين ثائر ثار على ملك الصين من غير بيت الملك تبعه أهل الدعارة والفساد، وكثر جنده فقصد هذه المدينة فحاصرها وأتته جيوش الملك فهزمها واستباح الحريم، وافتتح هذه المدينة عنوة وقتل من أهلها خلقاً لا يحصون كثرة، وأحصي من المسلمين واليهود والنصارى ممن قتل وغرق مائة ألف، وإنما أحصي ما ذكرناه من العدد لأن ملوك الصين تحصي من في مملكتها من رعيتها وممن جاورها من الأمم وصار ذمة لها في دواوين لها، وكتاب قد وكلوا بإحصاء ذلك لما يراعون من حياطة من شمله ملكهم، وقطع هذا الثائر ما كان حول مدينة خانفو من غابات التوت إذ كان يحتفظ به لما يكون من ورقه من طعم لدود القز الذي ينتج منه الحرير.

стр. 227

ومدينة (١) خانقو هي المرقى الأعظم من مراقي الصين، وهي على جون يصعد فيه إلى كثير من بلاد البغبوغ وهو ملك الصين بأسرها لا ملك فوقه بل كل ملوك ذلك المكان تحت طاعته، والذكر له، ويقال إن بالصين ثلثمائة مدينة كلها عامرة وفيها عدة ملوك كلهم تحت طاعة البغبوغ، ويقال له ملك الملوك، وهو حسن السيرة عادل في رعيته، رفيع في همته، قاهر في سلطانه، مصيب في آرائه، حازم في اجتهاده، لطيف في حكته، وهاب في عطائه، ناظر في الأمور القريبة والبعيدة، بصير بالعواقب، وله في قصره مجلس قد أتقن بنيانه وأحكم سمكه وأبدعت مجالسه (٢) ، له فيه كرسي ذهب يجلس عليه ووزراءه حوله، وعلى أعلى رأسه جرس معلق تمتد منه سلسلة ذهب إلى خارج القصر ويتصل طرف السلسلة إلى أسفل القصر، فإذا جاء المظلوم بكتاب مظلمته اجتذب طرف السلسلة فتحرك الجرس فيخرج وزير الملك يده من الطاق كأنه يقول للمظلوم اصعد، فيصعد المظلوم إلى المجلس على درج مختص بصعود المظلومين عليه حتى يقف بين يدي الملك فيسجد المظلوم ثم يقف، فيمد الملك يده إلى المظلوم ويأخذ الكتاب فينظر فيه ثم يدفعه إلى وزرائه، ويحكم له بما يوجب له الحكم وبما يقتضيه مذهبه وشرعه (٣) من غير تسويف ولا تطويل ولا وساطة وزير ولا حاجب، ومع ذلك فإنه مجتهد في دينه مقيم لشريعته ديان محافظ كثير الصدقة على الضعفاء، ودينه عبادة البدود، وأهل الهند والصين كلهم لا ينكرون الخالق ويثبتونه بحكمته وصنعته الأزلية، ولا يقولون بالرسل ولا الكتب، وفي كل حال لا يفارقون العدل والإنصاف. وبخانقو ملك مهيب له مملكة شامخة وفيلة كثيرة وأجناده يأكلون الأرز والنارجيل والألبان وقصب السكر. ومدينة خانقو مرفأ الصين وهي على نهر عذب يخترقها قد عقد عليه الجسور وعلى أحد جانبيه أسواق العرب والفرس، ومن الجانب الآخر أسواق أهل المدينة، ولهم رواء وأمانة وصدق لهجة، وبها ضياع وقوم يتخذون الغضارات الصينية والحرير الصيني وإذا جن الليل قرع الطبل في الجانبين وانصرف كلا الفريقين إلى مواضعهم فمن وجد بعد ذلك في سوق أدب وغرم. خانجو (٤) : مدينة بينها وبين خانفو ثمانية أيام (٥) وفيها عامة ما في خانفو. الخابور: نهر يمر بديار ربيعة حتى يصب في الفرات بعد مره على وسط مدينة قرقيسيا، ويسمى الهرماس (٦) وهو المذكور في قول عدي بن زيد: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور والخابور مدينة لطيفة على شاطئ الفرات لها بساتين وحدائق، وبها مات مسلمة بن عبد الملك، وكان يلقب بالجرادة الصفراء. الخانوقة: هي المدينة التي بنتها الزباء صاحبة قصير على الفرات من أرض الجزيرة وأنفقت فيها النفق تحت الفرات إلى الصحراء بالجانب الآخر، وهي مدينة (٧) صغيرة آهلة عامرة ولها سوق وتجارات. خارمي: في بلاد الروم، قال المسعودي (٨) : الرقيم بالهوتة وهي خارمي بين عمورية ونيقية من بلاد الروم، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا الفصل في حرف الراء عند ذكر الرقيم. خارك (٩) : وفي البحر على طريق البصرة جزائر على مسيرة يوم ويومين وثلاثة، وفيها آثار وبناء وخرابات، يرفأ فيها أصحاب السفن إذا هاجت الرياح، وفي تلك الجزائر صيد كثير، منها جزيرة خارك وهي على أربعة فراسخ من جنابا في البحر، وليس فيها من البناء إلا صومعة راهب، وبها جزر غليظ يقطع بالقدوم لغلظه.

стр. 228

خاخ (١) : موضع قريب من المدينة وهو الذي ينسب إليه روضة خاخ، ونفى النبي ﷺ إلى خاخ هيت المخنث فبقي فيه إلى أيام عثمان ﵁ لخبره المشهور مع عبد الله بن أبي أمية إذ قال له: إذا فتح الله عليكم الطائف فاطلب فلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، الخبر بطوله. وقال علي ﵁: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام ﵄ وكلنا فارس، قال: فانطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، قال: فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ ، فقلنا لها: الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فانخناها والتمسناها فلم نر كتاباً، قلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر ﵁: يا رسول الله قد خان الله ورسوله فدعني فلأضرب عنقه، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ما بي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا من له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر ﵁: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال ﷺ : أليس من أهل بدر، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو قد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. وهذه المرأة هي سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف. خازر (٢) : نهر بناحية الموصل معروف، عليه التقى إبراهيم بن مالك الأشتر وعبيد الله بن زياد فقتله إبراهيم. وقال الأخفش: خازر هو خازر المدائن، وجازر بالجيم هو نهر الموصل. خارك (٣) : جزيرة على أربعة فراسخ من جنابا في البحر، وهي على طريق البصرة، وخارك اسم جزيرة في بلاد البحرين بينها وبين جزيرة أوال مائتا ميل وأربعون ميلاً، وهي ثلاثة أميال في ثلاثة أميال وبها زروع وأرز كثير وكروم ونخل، وهي جزيرة حسنة كثيرة الأعشاب حصينة وبها عيون ماء كثيرة مياهها عذبة، وهي تمر في وسط البلد تطحن عليها الأرحاء، ومنها عين كبيرة قوراء مستديرة الفم في عرض ستين شبراً، والماء يخرج منها وعمقها يزيد على خمسين قامة، وعامة أهل تلك البلاد يزعمون أنها متصلة بالبحر وهو غلط، لأن ماء هذه العين عذب وماء البحر زعاق. وفي هذه الجزيرة أمير قائم بنفسه عادل حسن السيرة، وإذا مات فإنما يلي مكانه من يكون مثله في العدل والقيام بالحق، وفي هذه الجزيرة مغاص اللؤلؤ وهو يعرف بالخاركي، ويسكن في هذه الجزيرة رؤساء الغواصين في البحر، ويقصدها التجار من جميع الأقطار بالأموال الكثيرة، ويقيمون بها الأشهر الكثيرة حتى يكون وقت الغوص فيكترون الغواصين بأسوام معلومة تتفاضل على قدر تفاضل الغوص والأمانة وزمان الغوص شهر أغشت وشتنبر، فإذا كان أول ذلك وصفا الماء للغوص واكترى كل واحد من التجار صاحبه من الغواصين خرجوا من المدينة في أزيد من مائتي زورق (٤) ، ويقطعه التجار أقساماً، في كل زورق خمسة أقسام وستة، وكل تاجر لا يتعدى قسمه من المراكب، وكل غواص له صاحب يتعاون به في عمله، وأجرته على خدمته أقل من أجرة الغطاس. ويخرج الغواصون من هذه المدينة وهم جملة في وقت خروجهم ومعهم دليل ماهر، ولهم مواضع يعرفونها بأعيانها بوجودهم صدف اللؤلؤ فيها لأن للصدف مراع (٥) يجول فيها وينتقل إليها ويخرج عنها في وقت آخر إلى أمكنة أخر معلومة بأعيانها، فإذا خرج الغواصون تقدمهم الدليل وخلفه الغواصون في مراكبهم صفوفاً، فكلما مر الدليل بموضع من تلك المواضع التي يصاد فيها صدف اللؤلؤ تنحى عن ثيابه وغطس في البحر ونظر، فإن وجد ما يرضيه خرج وأمر بحط قلعه وأرسى زورقه وحطت جميع المراكب حوله وأرست وانتدب كل غواص إلى غوصه. وهذه المواضع يكون عمق الماء فيها من ثلاث قيم إلى قامتين فدونها، وإذا تجرد الغواص عن ثيابه وبقي في ما يستر عورته ووضع في أنفه المنخل (٦) وهو

стр. 229

شمع مذاب بدهن السيرج يسد به أنفه ويأخذ مع نفسه سكيناً ومشنة يجمع فيها ما يجده هنالك من الصدف. ومع كل غواص منهم حجر وزنه ربع قنطار أو نحوه مربوط بحبل رقيق وثيق، فيدليه في الماء مع جنب الزورق ويمسك الحبل صاحبه بيديه، ثم يرسل الحبل من يده دفعة واحدة فينزل الحجر دفعة حتى يصل قعر البحر، والغائص عليه أن يمسك الحبل بيديه، فإذا استقر في قعر البحر جلس وفتح عينيه في الماء ونظر إلى ما أمامه وجمع ما هنالك من الصدف في عجل وكد، فإن امتلأت مشنته كان وإلا تدرج إلى ما قاربه والحجر لا يفارقه ولا يترك يده من الحبل، فإن أدركه الغم صعد مع الحبل إلى وجه الماء واسترد نفسه حتى يستريح، فيرجع إلى غرضه وطلبه، فإذا امتلأت مشنته اجتذبها صاحبه من أعلى الزورق وفرغ المشنة مما فيها من الصدف في قسمه من المركب وأعادها إلى البحر وإلى الغواص إن كان الصدف هنالك كثيراً، وعلى قدر الوجود له يكون طلبه، فإذا أتم الغواص في البحر مقدار ساعتين صعد، فإذا لبسوا ثيابهم وتدثروا وناموا انتدب صاحب الغواص فشق ما معه من الصدف والتاجر ينظر إليه حتى يأتي على آخره فيأخذه التاجر منه ويضمه إليه بعدد مكتوب، فإذا كان عند العصر انتدبوا إلى طعامهم يصنعونه وتعشوا وناموا ليلتهم إلى الصباح ثم يقومون وينظرون في أغذية يأكلونها إلى أن يجيء وقت الغوص فيتجردون ويغوصون، هكذا كل يوم، ومتى فرغوا من مكان أفنوا صدفه انتقلوا عنه ولا يزالون بهذه الحال إلى آخر أغشت ثم ينصرفون إلى جزيرة أوال في الجمع الذي خرجوا فيه وما معهم من الجوهر في صررهم، وعلى كل صرة منها مكتوب اسم صاحبها، وهي مطبوعة بطابع، فإذا نزلوا أخذت تلك الصرر من التجار وصارت في قبض الوالي وتحت يده، فإذا كان في يوم البيع اجتمع التجار في موضع البيع وأخذ كل واحد مكانه، وأحضرت الصرر ودعا باسم كل واحد من أصحابها وفضت خواتمها واحدة واحدة، وصب ما في الصرة من لؤلؤ في غربال موضوع تحت غربال وتحته آخر إلى ثلاثة غرابيل، وتلك الغرابيل لها أعين ومقادير ينزل منها الدقيق والمتوسط ويمسك كل نوع منها في غربال، فلا يبقى على وجه الغربال الأعلى إلا ما غلظ من الجوهر، ولا يبقى على وجه الغربال الثاني إلا اللؤلؤ المتوسط، ويستقر على الغربال الآخر اللؤلؤ الدقيق ثم يعزل كل صنف منها وينادى عليه بسوامه ومستحق أثمانه، فإن أحب التاجر سلعته كتبت عليه وإن شاء بيعها من غيره باعها وقبض ماله. والتاجر إذا اشترى متاعه إنما عليه أن يؤدي اللوازم التي وجبت عليه، وينتصف التجار من الغواصين والغواصون من التجار، وينتصف كل واحد من كل واحد، وينصرف الناس ثم يعودون إلى هنالك من العام المقبل، هكذا أبداً وما وجد من الجوهر العالي النفيس أمسكه الوالي وكتبه على نفسه باسم أمير المؤمنين، والعدل لا يفارقهم في البيع والشراء حتى لا يضام منهم أحد ولا يشكو ظلماً. والجوهر يتكون حبه خلقاً في هذا الصدف على ما يقولونه من ماء مطر نيسان وإن لم يكن مطر نيسان لم يجد الغواصون منه شيئاً في سنتهم تلك، وهذا عندهم مشهور صحيح متفق عليه. والغوص في بلاد فارس صنعة تتعلم وتنفق عليها الأموال في تعلمها، وذلك أنهم يتدربون في رد أنفاسهم، حتى إن الرجل منهم تتألم أذناه وتسيل منها المادة ثم يتعالجون عند ذلك فيبرأون. وأعلاهم أجرة أصبرهم تحت الماء، وكل واحد يميز صاحبه ولا يتعدى طوره ولا ينكر فضل من تقدمه وفاقه في المعركة والصبر. وفي البحر الفارسي جميع مغايص اللؤلؤ وأمكنته، ولكن مغايص بحر فارس أكثر نفعاً وأمكن وجوداً للطلب من سائر البحر. قالوا (١) : ومغاص اللؤلؤ في بلاد خارك وقطر وعمان وسرنديب ولا يوجد اللؤلؤ في غير ذلك، والغاصة لا يتناولون شيئاً من اللحمان إلا السمك، ولا بد من شق أصول آذانهم لخروج النفس لأنهم يجعلون على أنوفهم الذبل، وهو ظهور السلاحف، ويجعلون في آذانهم قطناً فيه دهن فيغوصون من ذلك الدهن اليسير في قعر البحر فيضيء ضياء كثيراً، ويطلون سوقهم وأيديهم بالسواد خوفاً من بلع دواب البحر لهم فينفره السواد، ويتصايحون صياح الكلاب في قعر البحر لينفروها أيضاً وربما خرق الصوت البحر فسمع، والغوص إنما يكون من أول نيسان إلى آخر أيلول. الخالصة (٢) : هي كانت دار الإمارة بصقلية مدة المسلمين فيها، ولما تغلب العدو على بعض مدنها ونشأت الفتنة بها واتفق الناس بها على تقديم الحسين بن يوسف فافتتح قلعتين كانتا في

стр. 230

يدي الروم في يومين متواليين وذلك في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ثم افتتح مدينتي الإمارة: الخالصة والطاهرية (١) في يومين متواليين أيضاً، وقتل جميع من كان فيها من الروم وهدم الطاهرية يوم الخميس من العام ثم هدم الخالصة ضحى يوم الجمعة من الغد، وفي ذلك يقول صاحب (٢) صقلية حينئذ علي بن الخياط الربعي من قصيدة: فتحنا به الحصنين بالسيف عنوة ... وعاد المصلي حيث كان المصلب خبت (٣) : بلد دون الجزيرة، وقيل هو ماء لكندة، وقال امرؤ القيس (٤) : يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل وفي شعر حبيب: سلام الله عدة رمل خبت ... الخريبة (٥) : من أعمال البصرة، سميت بذلك لأن المرزبان كان ابتناها قصراً خرب بعده فابتناه المسلمون بعد ذلك وسموه الخريبة. وبالخريبة كانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى سنة ست وثلاثين، وقد مضى من خبر هذه الوقيعة طرف كاف عند ذكر الحوأب. خرخير (٦) : هو اسم ناحية تجاور الصين، وهي كثيرة الخصب والمساكن، مياههم كثيرة وأنهارهم جارية تجري إليهم من ناحية تخوم الصين، ولهم على نهرهم الأعظم أرحاء يطحنون بها الأرز والحنطة وسائر الحبوب كذلك، يطحنونها ويخبزونها ويأكلونها وقد يأكلونها طبيخاً دون طحن فيتقولون بذلك. وهذا الوادي ينبت على حافاته شجر العود، وفيه سمك يسمى الشطرون يفعل في الجماع ما يفعله السقنقور الذي يوجد في نيل مصر. والمدينة (٧) التي يسنكها ملك خرخير مدينة حصينة لها سور منيع وخندق وفصيل كبير، وبقربها جزيرة الياقوت يحيط بها جبل مستدير صعب الصعود لا يقدر أحد على الوصول إليه إلا بعد جهد، ولا يقدر أحد على النزول إلى الجزيرة وبها حيات قتالة، وبأرضها حصى الياقوت كثير، وأهل تلك الناحية يتصيدون هذه اليواقيت بحيل يعرفونها. ومدن الخرخيرية كلها مجتمعة في موضع واحد من الأرض في، نحو ثلاث مراحل، وهي أربع مدن كبار، ولها أسوار منيعة، وأهلها أهل عدة وقوة وحمية. وتنتج في بلاد الخرخير الخيل والغنم والبقر، وخيلهم قصار الرقاب سمان، وهم يعلفونها للأكل والذبح، وأكثر تصرفهم وانتقالهم على البقر. ونساء الخرخير يتصرفن في جميع الأشغال، وليس للرجال تصرف في أكثر من الحرث والحصاد، والنساء يحجبن أطراف ثديهن لئلا تعظم وفيهن نزالة وشدة مثل الرجال، وهم يحرقون موتاهم ويلقون رمادهم في النهر ومن بعد منهم عن النهر أحرق ميته وذرى رماده في الريح. خراسان: قطر معروف، قال الجرجاني: معنى خر: كل، وسان معناه سهل، أي كل بلا تعب، وقال غيره: معنى خراسان بالفارسية مطلع الشمس. وهو عمل كبير وإقليم جليل معتبر، وفي شعر الحكيم الذي ذكر أقطار الأرض وحكم لها قوله: " والدنيا خراسان "؟ والعرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فخراسان من فارس، وعلى هذا يؤول حديث النبي ﷺ : " لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لنالته رجال من فارس " أنه عنى أهل خراسان، لأنك إن طلبت مصداق هذا الحديث في فارس لم تجده لا أولاً ولا آخراً وتجد هذه الصفة نفسها في خراسان، دخلوا في الإسلام رغبة، ومنهم العلماء والمحدثون والنساك والمتعبدون، وإذا حصلت المحدثين في كل بلد وجدت نصفهم من أهل خراسان ومنهم، البرامكة والقحاطبة وطاهر وبنوه وغيرهم. وأما أهل فارس فإنهم كانوا كنار خمدت لم تبق لهم بقية تذكر إلا ابن المقفع وابنا سهل: الفضل وحسن.

стр. 231

وخراسان (١) تشتمل على كور عظام وأعمال جسام، وكانت خراسان تسمى في القديم بلد أشرنيه سميت بأشورين بن سام بن نوح وهو أول من اعتمر الصقع بعد الطوفان، وحدها الذي يحيط بها من شرقيها سجستان وبلد الهند، وغربها مفازة الغزية ونواحي جرجان، وشمالها ما وراء النهر وشيء من بلاد الترك وجنوبها مفازة فارس وقومس إلى نواحي جبال الديلم مع جرجان وطبرستان والري وما يتصل بها، وكور خراسان وأعمالها التي يتفرق فيها الحكام وأصحاب البرد نيف وثلاثون عملاً. وفي خراسان كان خروج رافع بن الليث بن نصر بن سيار سنة تسعين ومائة وقتله سليمان بن حميد عامل علي بن عيسى فوجه علي ابنه عيسى بن علي لمحاربته فالتقيا بسمرقند فهزمه رافع، ويقال إنه عد في دراعة عيسى التي كانت عليه يوم الوقيعة عشرون خرقاً من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بنشاب وإن عيسى قال: من تعرض لهذا عجب في الحياة. قال القتيبي (٢) : يتلو العرب في الشرف أهل خراسان فإنهم لم يزالوا لقاحاً لا يؤدون إلى أحد إتاوة، وكانت ملوك العجم قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ ثم نزلوا بابل ثم نزل أزدشير بن بابك فارس فصارت دار ملكهم، وصارت خراسان لملوك الهياطلة، وهم قتلوا فيروز بن يزدجرد بن بهرام ملك فارس، وكان غزاهم فكادوه بمكيدة في طريقه حتى سلك سبيلاً معطشة فخرجوا إليه فأسروه وأكثر أصحابه فأعطاهم موثقاً من الله لا يغزوهم أبداً ولا يجوز حدودهم، ونصب حجراً بينه وبين بلدهم وجعله الحد الذي حلف عليه وأشهد الله ومن حضره من قرابته وأساورته فمنوا عليه وأطلقوه، فلما عاد إلى مملكته دخلته الأنفة مما أصابه فعاد لغزوهم ناكثاً لأيمانه غادراً بذمته، وجعل الحجر الذي نصبه أمامه في مسيره، يتأول أنه ما تقدم الحجر، فلما صار إليهم ناشدوه الله واذكروه ما جعل على نفسه من العهد والذمة، فأبى إلا لجاجاً ونكثاً، فواقعوه فقتلوه وقتلوا حماته واستباحوا عسكره وأسروا ضعفته ثم أعتقوهم، وغبروا بعد ذلك زماناً طويلاً ثم قتلوا كسرى بن قباذ بن هرمز، وهذا شيء يخبر به أهل فارس من سيرهم. وبخراسان (٣) اعتدال الهواء وطيب الماء وصحة التربة وعذوبة الثمر وإحكام الصنعة وتمام الخلقة وطول القامة وحسن الوجوه وفراهة المراكب من الخيل والإبل والحمير وجودة السلاح والدروع والثياب. وهم يثخنون في الترك القتل ويأسرونهم وبهم يدفع الله عن المسلمين معرتهم، وهم أشد العدو بأساً وأغلظهم أكباداً وأصبرهم على البؤس أنفساً، وقد جاء في الحديث: " اتركوا الترك ما تركوكم ". وجاء في خراسان ما لا يعلم جاء مثله إلا في الحرمين والأرض المقدسة، حكوا عن بريدة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " يا بريدة ستبعث من بعدي بعوث فكن في بعث خراسان ثم كن في بعث أرض منه يقال لها مرة وإذا أتيتها فانزل مدينتها وصل فيها فإنها بناها ذو القرنين، غزيرة أنهارها تجري بالبركة، على كل نقب منها ملك يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة "، فقدمها بريدة ﵁ فمات فيها. ومن خراسان البرامكة لم يقرب أحد السلطان قربهم ولا أعطي عطاءهم ومنهم القحاطبة وعلي بن هاشم، عبد الله بن طاهر حدث بعض قواده بخراسان أنه فرق في مقام واحد بخراسان ألف ألف دينار، وهذا يكبر أن يملك فكيف أن يوهب. وإذا تدبرت قول رسول الله ﷺ (٤) : " لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لنالته رجال من أهل فارس " لم تجد مصداق هذا القول في أهل فارس، لأنهم كانوا أعداء الإسلام حتى غلبوا ومزقوا كل ممزق، ولم تجد منهم رجالاً برعوا في العلم ولا عرفوا بحفظ الأثر والتفقه في الدين والاجتهاد والعبادة، وتجد هذه الصفة بعينها في أهل خراسان لأنهم دخلوا في الإسلام رغبة وطوعاً وهم أشد الناس تمسكاً بالدين، فمنهم المحدثون والعلماء والعباد المجتهدون، وكانت خراسان وفارس شيئاً واحداً لأنهما متحاذيان ومتصلان ولسانهما واحد بالفارسية. خرم (٥) : موضع بكاظمة، وخرم أيضاً مدينة من مدن بلخ بخراسان وهي آخر المدن الشرقية مما يلي بلخ إلى ناحية التبت، والخرمية هي الطائفة التي تدعى المسلمية القائلة بدعوة أبي مسلم وإمامته، وبابك الخرمي أحد الثوار على المأمون وكان خرج في بلاد أذربيجان

стр. 232

والران والبيلقان في سنة إحدى ومائتين، والخرمية قوم من أعداء المسلمين يدينون بالثنوية ورئيسهم بابك وقتلوا من المسلمين عدة (١) آلاف، وقال الفضل بن مروان: إن أبا مسلم داعي بني العباس وبابك الخرمي قتلا ثلاثة آلاف ألف وخمسمائة ألف إنسان، وإن ذلك مثبت في الجرائد باسم قرية قرية وناحية ناحية ووقعة وقعة. واشتد (٢) أمر بابك الخرمي ببلاد الران والبيلقان وكثر عيثه في تلك الديار، وسارت عساكره نحو الأمصار، ففرق الجيوش وهزم العساكر وقتل الولاة وأفنى الناس، فصير إليه المعتصم الجيوش عليها الأفشين، وطالت حروبه واتصلت وضايق بابك في بلاده حتى انفض جمعه وقل ماله وامتنع بالجبل المعروف بالبذين من أرض الران، فلما استشعر بابك ما نزل به هرب عن موضعه وزال عن مكانه متنكراً ومعه أخوه وأهله وولده ومن تبعه من خواصه، وقد تزيا بزي السفر وأهل التجارة والقوافل فنزل موضعاً من بلاد أرمينية نزل فيه على بعض المياه بالقرب من أرمينية، وبالقرب منهم راعي غنم، فابتاعوا منه شاة وساموه شراء شيء من الزاد، فأنكرهم ومضى من فوره وخلف غنمه حتى أتى سهل بن سنباط عامل المكان فأخبره بالخبر وقال: هو بابك لا شك فيه. وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه وزال عن جبله خشي أن يعتصم ببعض القلاع أو يتحصن ببعض الجبال المانعة أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة في تلك الديار فيكثر جمعه ويجتمع إليه فلال عسكره فيرجع إلى ما كان من أمره فأخذ الطرق وكاتب البطارقة في الحصون والمواضع من بلاد أرمينية وأذربيجان والران والبيلقان وضمن في ذلك الرغائب، فلما سمع سهل من الراعي ما أخبره به، ركب من فوره في من حضر من عدده وأصحابه حتى أتى الموضع الذي به بابك، فترجل له ودنا منه وسلم عليه بالملك وقال: أيها الملك قم إلى قصرك الذي فيه وليك وموضع يمنعك الله فيه من عدوك، فسار معه حتى أتى به إلى قلعته فأجلسه على سريره ورفع منزلته ووطأ له منزله هو ومن معه، وقدمت المائدة فقعد سهل يأكل معه فقال له بابك بعتوه وجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما قد دفع إليه: أمثلك يأكل معي؟ فقام سهل عن الطعام وقال: أخطأت أيها الملك وأنت أحق من احتمل وليه، إذ كان ليس منزلتي منزلة من يأكل مع الملوك، وجاء بحداد فقال: مد رجلك أيها الملك، فأوثقه بالحديد الثقيل، فقال له بابك: أغدراً يا سهل. فقال: يا ابن الخبيثة إنما أنت راعي بقر وغنم وما أنت والتدبير وسياسة الملك وتدبير الجيوش ونظم السياسات؟! وقيد من كان معه، وبعث إلى الأفشين يخبره بالقصة، وإن الرجل في يده، فلما اتصل ذلك بالأفشين سرح إليه أربعة آلاف من رجاله عليهم خليفة له يقال له بوقادة (٣) فسلموا بابك ومن معه وأتي به الأفشين ومعه سهل بن سنباط، فرفع الأفشين منزلة سهل وخلع عليه وحمله وتوجه وقاد بين يديه وأسقط عنه الخراج، وأطلقت الطيور إلى المعتصم وكتب إليه بالفتح، فلما وصل ذلك إلى المعتصم ضج الناس بالتكبير وعمهم الفرح وظهر السرور، وكتب الكتب إلى الأمصار بالفتح، وقد كان أفنى عساكر السلطان. وسار الأفشين ببابك وقفل بمن معه من العساكر حتى أتى سامراء وذلك في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتلقى الأفشين هارون بن المعتصم وأهل بيت الخلافة وأهل الدولة ونزل بالقاطول على خمسة فراسخ من سامراء وبعث إليه بالفيل الأشهب، وكان قد حمله بعض ملوك الهند إلى المأمون، وكان فيلاً عظيماً قد جلل بالديباج الأحمر والأخضر وأنواع الحرير الملون، ومعه ناقة بختية عظيمة مجللة بما وصفنا، وحمل إلى الأفشين دراعة من الديباج الأحمر منسوجة بالذهب قد رصع صدرها بأنواع الياقوت والجوهر، ودراعة دونها، وقلنسوة عظيمة كالبرنس ذات سفاسك بألوان مختلفة، وقد نظم على القلنسوة كثير من اللؤلؤ والجوهر، فألبس بابك الدراعة الجليلة وألبس أخوه الأخرى وجعلت القلنسوة على رأس بابك وعلى رأس أخيه نحوها، وقدم إليه الفيل وإلى أخيه الناقة، فلما رأى صورة الفيل استعظمه وقال: ما هذه الدابة العظيمة؟ واستحسن الدراعة، قال: هذه كرامة ملك جليل لملك أسير بعد العز ذليل، أخطأته الأقدار وزال عنه الجد وأورطته المحن، وإنها لفرحة تعقبها ترحة، وضرب له المصاف صفين في الخيل والرجال والسلاح والحديد والرايات والبنود من القاطول إلى سامرا، وبابك على الفيل وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر به بين الصفين، وبابك ينظر ذات اليمين والشمال ويميز الرجال والعدد ويظهر التأسف على ما فاته من سفك دمائهم غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فلم ير الناس مثل ذلك اليوم ولا أحسن من تلك الزينة. ودخل الأفشين إلى المعتصم فرفع منزلته

стр. 233

وأعلى مكانه، وأتى ببابك فوقف بين يديه فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مراراً وبابك ساكت، فقام إليه الأفشين فقال له: الويل للآخر، أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر به فقطعت يداه ورجلاه. وفي رواية أنه قال له: نعم أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسين واسم أخيه عبد الله، فقال: جردوه، فسلبه الخزان ما كان عليه من الزينة فقطعت يمينه وضرب بها وجهه وفعل بيساره كذلك وثلث برجل وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله فلم يلتفت إلى قوله، فأقبل يضرب بما بقي من يديه وجهه، فأمر المعتصم السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه ففعل ذلك، ثم أمر بحز رأسه وضم أطرافه إلى جسده فصلب ثم حمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر، وحمل بعد ذلك إلى خراسان فطيف به في مدينة مدينة (١) من مدنها وكورها لما كان في الناس من استفحال أمره وعظم شأنه وكثرة جيوشه وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل ببابك بسر من رأى، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي عمارة سامراء يومئذ، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، فقام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلمت بالتهنئة وقالت الشعراء في ذلك، وتوج الأفشين بتاج ذهب مرصع بالجوهر وإكليل ليس فيه إلا الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب وألبس وشاحين، وزوج المعتصم الحسين (٢) بن الأفشين بأترجة بنت أشناس وزفت إليه وأقيم لها عرس يجاوز المقدار في الجمال والحسن وكانت توصف بجمال وكمال، ولما زفت إليه قال المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مراراً وبابك ساكت، فقام إليه الأفشين فقال له: الويل للآخر، أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر به فقطعت يداه ورجلاه. وفي رواية أنه قال له: نعم أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسين واسم أخيه عبد الله، فقال: جردوه، فسلبه الخزان ما كان عليه من الزينة فقطعت يمينه وضرب بها وجهه وفعل بيساره كذلك وثلث برجل وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله فلم يلتفت إلى قوله، فأقبل يضرب بما بقي من يديه وجهه، فأمر المعتصم السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه ففعل ذلك، ثم أمر بحز رأسه وضم أطرافه إلى جسده فصلب ثم حمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر، وحمل بعد ذلك إلى خراسان فطيف به في مدينة مدينة من مدنها وكورها لما كان في الناس من استفحال أمره وعظم شأنه وكثرة جيوشه وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل ببابك بسر من رأى، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي عمارة سامراء يومئذ، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، فقام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلمت بالتهنئة وقالت الشعراء في ذلك، وتوج الأفشين بتاج ذهب مرصع بالجوهر وإكليل ليس فيه إلا الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب وألبس وشاحين، وزوج المعتصم الحسين بن الأفشين بأترجة بنت أشناس وزفت إليه وأقيم لها عرس يجاوز المقدار في الجمال والحسن وكانت توصف بجمال وكمال، ولما زفت إليه قال المعتصم: زفت عروس إلى عروس ... بنت رئيس إلى رئيس أيهما كان ليت شعري ... أجل في الصدر والنفوس أصاحب المرهف المحلى ... أم ذو الوشاحين والشموس وكان مازيار بن قاران (٣) صاحب جبال طبرستان عصى في أيام المعتصم وكثرت عساكره واتسعت جيوشه، وكتب المعتصم إليه يأمره بالحضور فأبى، فكتب إلى عبد الله بن طاهر يأمره بحربه فسير إليه من نيسابور عمه الحسن بن الحسين بن مصعب فنزل مدينة السارية من بلاد طبرستان بعد حروب كثيرة كانت له مع المازيار، وأتت الحسن بن الحسين عيونه بركوب محمد بن قاران وهو المازيار للصيد في نفر يسير، فبادره الحسن وناوشه الحرب فأسره، وحمل إلى سامراء، فأقر على الأفشين أنه بعثه على الخروج والعصيان لمذهب كانا قد اجتمعا عليه ودين اتفقا عليه من مذهب الثنوية والمجوس، وقبض على الأفشين قبل قدوم المازيار بيوم وأقر عليه كاتب له يقال له سابور، فضرب المازيار بالسوط حتى مات بعد أن شهر، وصلب إلى جنب بابك، وقد كان المازيار رغب المعتصم في أموال كثيرة يحملها إليه إن هو من عليه بالبقاء فأبى قبول ذلك وتمثل: إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب ومالت خشبة بابك إلى خشبة المازيار فتلاقت أجسادهما، وقد كان صلب في ذلك الموضع باطس بطريق عمورية وقد انحنى نحوهما لميل خشبته، ففي ذلك يقول أبو تمام من كلمة له (٤) : ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيار ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما بالغار فكأنما انحنيا لكيما يطويا ... عن باطس خبراً من الأخبار

стр. 234

خركان (١) : في بلاد فارس بينها وبين الترمذ خمسة فراسخ، وفيه شعب بوان المشهور وفيه أشجار الجوز وجميع الفواكه نابتة في الصخر. خرشنة (٢) : مدينة في بلاد الروم أظنها في الثغور الشامية، فيها كان أسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان، وهو ابن عم سيف الدولة ممدوح المتنبي، قال أبو منصور الثعالبي: لما أدركت أبا فراس حرفة الأدب وأصابته عين في الكمال أسره الروم في بعض وقائعه وهو جريح، وقد أصابه سهم بقي نصله في فخذه وحصل مثخناً بخرشنة سنة ثم بقسطنطينية، وتطاولت مدته بها لتعذر المفاداة، وقد قيل: على كل محج رقيب من الآفات. وهو القائل بخرشنة (٣) : إن زرت خرشنة أسيراً ... فلقد أجلت بها مغيرا ولقد رأيت النار تن ... هب المنازل والقصورا ولقد رأيت السبي يج ... لب نحونا حواً وحورا من كان مثلي لم يبت ... إلا أميراً أو أسيرا ليست تحل سراتنا ... إلا الصدور أو القبورا قال ابن خالويه (٤) : قال لي الأمير أبو فراس: لما حصلت بالقسطنطينية أسيراً أكرمني ملك الروم لما حملت إليه كرامة لم يكرم بها أسير جاء قط، وذلك أن من رسومهم ألا يركب الأسير في مدينتهم دابة قبل لقائه الملك، وأن يمشي في ملعب لهم يعرف بالبطوم مكشوف الرأس ويسجد لله تعالى ثلاث سجدات ويدوس الملك رقبته في مجمع لهم يعرف بالقدر (٥) هذا في من كان له قدر من المسلمين، وأعفاني من ذلك كله ونقلني إلى دار حسنة وجعل فيها برطيسان (٦) يخدمني، ونقل إلي من أردته من المسلمين، وبدأ بي المفاداة منفرداً فأبيت من ذلك بعد ما وهب الله لي من العافية ورزقني من الجاه والكرامة، وكرهت أن أختار نفسي على المسلمين، وشرعت مع الملك في الفداء ولم يكن الأمير سيف الدولة يستبقي أسارى الروم إذا ظفر بهم، وكان في أيديهم يومئذ فضل ثلاثة آلاف أسير ممن أخذ من الأعمال والدساكر (٧) فابتعتهم من الملك بمائتي ألف دينار رومية على أن يوقع (٨) الفداء وضمنت المال والمسلمين، وخرجت بهم عن القسطنطينية وتقدمت بوجوههم إلى خرشنة ولم يعقد قط فداء (٩) مثل هذا مع أسير قبلي، فقلت في ذلك: ولله عندي في الأسار وغيره ... مواهب لم يخصص بها أحد قبلي حللت عقوداً أعجز الناس حلها ... وما زلت لا عقدي يذم ولا حلي إذا عاينتني الروم كبر صيدها ... كأنهم أسرى لدي وفي كبل وأوسع أيا ما حللت كرامة ... كأني من أهلي نقلت إلى أهلي فقل لبني عمي وأبلغ بني أبي ... بأني في نعماء يشكرها مثلي وما شاء ربي غير نشر محاسني ... وأن تعرفوا ما قد عرفتم من الفضل الخزر (١٠) : اسم إقليم تسير من بلاد البجاناكية إلى بلاد الخزر

стр. 235

عشرة أيام في مشاجر ومفاوز على غير طريق مسلوكة ومناهج معروفة حتى تنتهي إلى بلاد الخزر، وهي بلاد عريضة يتصل بها من إحدى جنباتها جبل عظيم يمر إلى بلاد تفليس أول حدود أرمينية، ومدينة الخزر العظمى قطعتان على الشرقي والغربي من نهر اثل، وهو نهر يخرج إليهم من الروس ويصب في بحر الخزر، ويحيط بالمدينتين سور ولهما أبواب ولهم حمامات وأسواق ومساجد وأئمة ومؤذنون. والخزر مسلمون ونصارى وفيهم عبدة أوثان، وأقل الفرق منهم اليهود، ومقدار من فيها من المسلمين يزيد على عشرة آلاف ولهم ثلاثون مسجداً، ولا يكون مقامهم في المدن إلا في الشتاء، وفي سائر العام يكونون في المزارع والبساتين، ولهم فواكه ونعم كثيرة وللخزر جمال فائق وحسن ظاهر، والذي يقع من رقيق الخزر هم أهل الأوثان الذين يستجيزون بيع أولادهم واسترقاق بعضهم بعضاً، وليس لملكهم من طاعتهم إلا الدعوة، ومدار أمرهم على إيران شاه وهو الذي يقود جيوشهم ويملك طاعتهم، وإذا خرجوا في وجهة خرجوا بأسلحة كاملة ودروع حصينة وجواشن محكمة وأعلام رفيعة، ولا يخرج أحد من أهل عسكرهم إلا ومعه عدة أوتاد، طول كل وتد ذراعان، فإذا نزلوا غرز كل واحد منهم بحياله تلك الأوتاد وشدوا إليها الأترسة فيصير حول العسكر في ساعة واحدة جدار من التراس، والغالب على قوتهم الأرز والسمك ولباسهم القراطق والأقبية، ولسان الخزر غير لسان الترك والفرس، وهي لغة لا تشاركها لغة من لغات الأمم، وهم ينتهون في مشتبهات أمورهم إلى عظيمهم المسمى خاقان خزر وهو أجل عندهم قدراً من الملك. خطرنية (١) : في سواد الكوفة منها أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب الدعوة العباسية، كان إذا خرج رفع أربعة آلاف أصواتهم بالتكبير وكان بين طرفي موكبه أكثر من فرسخ، وكان قد قتل في أصناف الناس، فقتل في المضرية حتى كاد يفني من بخراسان منها، ثم قتل في ربيعة واليمن ما لا يحصى، ثم قتل في الأعاجم وبيوت الملك والدهاقنة، وقتل في القضاة والفقهاء والعلماء والشعراء وقتل في أوساط الناس، وقتل في المذاربة والأكراد وأهل الجبال ولم يبق جيل من الأمة إلا قتل فيه، وكان قهرماناً لادريس بن معقل العجلي ثم صار ولاؤه لمحمد بن علي، وكان اسمه إبراهيم ويكنى أبا إسحاق فسماه إبراهيم عبد الرحمن وكناه بأبي مسلم فعظم شأنه، وكان يطعم كل يوم مائة شاة وعشر شياه سوى ما يتبع ذلك من الحملان وصنوف الطعام والفواكه، وكان خافض الصوت في كلامه ومحادثته فصيحاً، راوية للشعر، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً ولا خجلاً ولا قطوباً ولا عبوساً، سوطه سيفه، قليل الرحمة يقتل أكيله وجليسه وصديقه وذا المنزلة عنده، لم يشب قال بعضهم: ثلاثة عظم شأنهم وجلت أنباؤهم وتقاربت أسنانهم ولم تطل أعمارهم، كلهم مات دون الأربعين: الحجاج بن يوسف وعبد الرحمن بن مسلم والفضل بن سهل. ولما ولي أبو جعفر المنصور اطلع من أبي مسلم على غش له، ولاعب بعض قواده الشطرنج فتوجهت اللعبة عليه ثم ظفر فضر به فيها الغلب فقال: ذروني ذروني ما قدرت فإنني ... متى ما تهيجوني تميد بكم أرضي وأنهض في سرد الحديد إليكم ... كتائب سوداً طال ما انتظرت نهضي واستدل بذلك على نيته، وساير عيسى بن موسى في اليوم الذي قدم فيه على المنصور، وكان يثق به وبمودته فأنشد عيسى شعراً أنكره أبو مسلم وهو: سيفنيك ما أفنى القرون التي خلت ... وما حل في أكباد عاد وجرهم ومن كان أنأى منك عزاً ومفخراً ... وأنهض بالجيش اللهام العرمرم وقال: أيها الأمير أغدراً مع قرب الضمير بالأمان والعهود والمواثيق، فحلف له عيسى بالطلاق والعتاق أنه ما قصد لما ظن ولا عناه ولا أراده ولكنه شيء جرى على لسانه لم يتعمده، فقال له أبو مسلم: فهذا والله أغلظ له. ولما قدم على المنصور قال له يوم قتله: ما حملك على خلع حلة الوفاء والفخر ولبس رث النفاق والغدر، فقد كان عليك من الأول وسم جمال وصدق ثناء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت ألا تكلفني عذراً توجب علي معه ذنباً

стр. 236

فافعل، ولكن استأنف عفواً أجازك عنه شكراً، فقال: تجاوزت فيك قول الله تعالى: " لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد " ثم أمر بقتله، وقال الشاعر في قتله (١) : زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالصاع أبا مجرم سقيت كأساً كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم الخط (٢) : ساحل ما بين عمان إلى البصرة ومن كاظمة إلى الشحر، وقيل الخط قرية على ساحل البحرين فيها الرماح الجياد، وإذا نسبت إليها قلت: رماح خطية - بفتح الخاء - فإذا جعلت النسبة اسماً قلت: خطية - بكسر الخاء - وقيل الخط قرى عمان، والخط لا ينبت القنا ولكن مرسى سفن القنا، كما قيل مسك دارين ولا مسك يوجد بها إنما هي مرفأ سفن الهند. وحكوا أن العلاء بن الحضرمي لما وجهه الصديق إلى البحرين لمحاربة من ارتد بها، أتى إلى الخط حتى نزل على الساحل فجاءه نصراني فقال: ما لي إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين، قال: وما تسألني؟ قال: أهل بيت بدارين، وتمام الخبر في حرف الدال (٣) . الخلد (٤) : قصر ببغداد في الجانب الغربي كان ينزله هارون الرشيد، وكان وزيره يحيى بن خالد وابناه: الفضل وجعفر في رحبة الخلد، وكان أبو جعفر المنصور هو الذي بناه حين شرع في بناء بغداد. قال الربيع: جلس المنصور في قصره بالخلد فنظر إلى التجار من البزاز والصيرفي والقصاب وطبقات الناس من السوقة فتمثل: كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمعت من شتى لأمر جمعت حديدة وجمعت نصلاً ... ومن عقب البعير وريش نسر ثم قال: يا ربيع، إن هذه العامة تجمعها كلمة وترأسها السفلة فلا أرينك معرضاً عنها فإن إصلاحها يسير، وإصلاحها بعد فسادها عسير، فاجمعها بالرهبة واملأ صدورها بالهيبة، وما استطعت من رفق بها وإحسان إليها فافعل. وبالخلد كان محمد الأمين لما وصلته وفاة الرشيد أبيه في طوس سنة ثلاث وسبعين ومائة يوم خميس، فكتم الخبر وتحول ليلة الجمعة من الخلد إلى مدينة المنصور وصلى بالناس الجمعة، فلما قضى صلاته صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ونعى الرشيد وعزى نفسه والناس ووعدهم خيراً وبسط الآمال للأسود والأبيض، ومما حفظ من كلامه على المنبر: عندي التنفيس عن المكروبين والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين والتغمد لإساءة المسيئين. خلم (٥) : مدينة في خراسان من مدن بلخ، ولبلخ سبعة وأربعون منبراً في مدن ليست بالعظام. خلاط: من مدن أرمينية، وتقول: ما خالطت فلاناً وأنت تريد: ما سرت معه إلى خلاط، وفي جنوب (٦) خلاط بحيرة ملحة آخذة من المشرق إلى المغرب، طولها سبعة وخمسون ميلاً في سعة سبعة وعشرين ميلاً، ويستخرج من هذه البحيرة سمك صغار يعرف بالطريخ (٧) ويملح ويحمل إلى الجزيرة والموصل والرقة والعراق وحران، وفي أطراف هذه البحيرة البورق المحمول إلى العراق وغيره، وبالقرب منها مقاطع يستخرج منها الزرنيخ الأحمر والأصفر ومنها يتجهز به إلى جميع أقطار الأرض. وفي (٨) سنة اثنتين وستمائة كانت وقعة عظيمة للمسلمين من أهل خلاط وبلادها على نصارى الكرج حصل فيها ملكهم أسيراً ففدى نفسه من الملك الذي أسره بعشرين ديناراً، فلما تخلص وشاعت القصة علا المسلم الهم فمات.

стр. 237

خلية (١) : هما جزيرتان في أرض جزيرة صقلية في ناحية مسيني وهما جزيرتا البركان، واحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وفي هاتين الجزيرتين تتقد النار أبداً، فيرى لهب النار بالليل ودخانه بالنهار، ومن العجائب أن النار في إحدى الجزيرتين حديثة ولم تكن بها قبل وأنها ضعفت في الأخرى مذ ذاك، وهاتان الجزيرتان وما يليهما تسمى جزائر أوليا، سميت باسم أولين (٢) الذي ذكرت الفلاسفة الجاهلية أنه كان أميراً في تلك الجزائر وكان يعلم أهلها بما يجد في الرياح لتجارب حفظها فاتخذوه إلهاً. خليج القسطنطينية (٣) : من السواحل الشامية يأخذ من بحر مايطس (٤) وبحر نيطس ويجري الماء فيه جرياً ويصب إلى بحر الشام، ومسافة هذا الخليج ثلثمائة وخمسون ميلاً، وقيل أقل من ذلك، وعرضه في الموضع الذي يأخذ من بحر مايطس نحو من عشرة أميال، وهناك عمائر ومدينة للروم تدعى مسناة تمنع من يرد من ذلك البحر من مراكب الروس وغيرها، ثم يضيق هذا الخليج عند القسطنطينية فيصير عرضه، وهو موضع العبور من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي الذي فيه القسطنطينية، نحواً من أربعة أميال، وعليه العمائر، وينتهي إلى الموضع المعروف بأندلس. وهنالك جبال وعين ماء كبيرة ماؤها موصوف تعرف بعين مسلمة بن عبد الملك وكان نزوله عليها حين حاصر قسطنطينية، وأتته مراكب المسلمين، وفم هذا الخليج مما يلي بحر الشام ومنتهى مصبه يضيق، وهناك برج يمنع من فيه لمن يرد من مراكب المسلمين في الوقت الذي كانت للمسلمين فيه مراكب تغزو إلى الروم. وأما الآن (٥) فمراكب الروم تغزو بلاد الإسلام، قال المسعودي: وأخبرني أبو عمير علي بن أحمد بن عبد الباقي الأزدي وهو من أهل التحصيل، أنه حين عبر إلى القسطنطينية في هذا الخليج، حين دخل لإقامة الهدنة والفداء، كان يتبين جرية هذا الماء وبرده مما يلي بحر مايطس وربما يتبين في الماء الذي مما يلي بحر الشام فيجده فاتراً، وهذا يدل على اتصال ماء هذين البحرين وأنه قد دخل من بحر الروم إلى هذا الخليج أيضاً. قال المسعودي: وسمعت غير واحد من أهل التحصيل ممن غزا غزاة سلوقية مع غلام زرافة، وقد كانوا دخلوا إلى خليج القسطنطينية وساروا فيه مسافة بعيدة، أنهم وجدوا الماء في هذا الخليج يقل في أوقات من الليل والنهار ويكثر كالجزر والمد، وعليه المدن والعمائر، فلما أحسوا بنقصان الماء بادروا بالخروج منه إلى البر الرومي، وإن في مدخله من بحر الروم مدينة تقرب من فم الخليج، والخليج يطيف بالقسطنطينية من جهتين مما يلي الشرق ومما يلي الشمال. غدير خم (٦) : بازاء الجحفة، وتقدم ذكره في الجحفة، وقال أبو عبيدة: خم بئر احتفرها عبد شمس بالبطحاء بعد (٧) بئره العجول. الخندق: قبل وصولك إلى المدينة المكرمة من جهة المغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق الشهير الذي صنعه النبي ﷺ عند تحزب الأحزاب. وكانت (٨) وقعة الخندق في شوال بعد أحد بسنة لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير خرج من اليهود سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون، وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، في نفر من بني النضير وبني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ حتى قدموا مكة على قريش، فاستعدوهم واستنصروهم على رسول الله ﷺ ودعوهم إلى حربه وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أولئك

стр. 238

الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا "، " النساء: ٥١، ٥٢ "، فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشاً إليه، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك. وجعلت يهود لغطفان على الخروج نصف تمر خيبر في كل عام، فهؤلاء القوم الذين سماهم الله الأحزاب. وسمع النبي ﷺ ما اجتمعوا عليه فأخذ في حفر الخندق وضربه على المدينة وعمل ﷺ فيه ترغيباً للمسلمين في العمل فدأب عليه ودأبوا حتى أحكموه، وتسلل عنه رجال من المنافقين. فأنزل الله تعالى: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه " الآية ونزل " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً " وكانت في حفر الخندق آيات منها الكدية التي اشتدت عليهم في الخندق، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأساً ولا مسحاً، ومنها حفنة التمر التي جاءت بها عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير إلى أبيها وخالها، فمرت بالنبي ﷺ فقال: " يا بنية ما هذا معك "؟ قالت، قلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي، بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه، قال ﷺ : " هاتيه "، قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فملأتهما، ثم أمر ﷺ بثوب فبسط، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: " اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء "، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب. ومنها قصة شاة جابر بن عبد الله ﵄ ذبحها وشواها ثم قال: يا رسول الله صنعت لك شويهة ومعها شيء من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وأنا أريده وحده، فقال ﷺ : " نعم "، ثم أمر صارخاً صرخ أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل والناس معه، فجلس وأخرجناها له فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها ومنها قصة الناحية التي غلظت في الخندق على سلمان، فأخذ ﷺ المعول وضرب ضربة لمعت برقة ثم ضرب أخرى فلمعت برقة ثم ضرب الثالثة فلمعت برقة، قال، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت تحت المعول؟ قال ﷺ : " أو قد رأيت ذلك يا سلمان "؟ قلت: نعم، قال ﷺ : " أما الأولى فإن الله تعالى فتح علي بها اليمن، وأما الثانية فإن الله تعالى فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله تعالى فتح علي بها المشرق ". وقصة الأحزاب وانصرافهم خائبين مذكورة في سورة الأحزاب، وقد شرح ذلك أصحاب السير. خناصرة (١) : هي بلدة من بلاد الشام، وهي المذكورة في قول المعري (٢) : أفل نوائب الأيام وحدي ... إذا جمعت كتائبها احتشادا وقد أثبت رجلي في ركاب ... جعلت من الزماع له بدادا إذا أوطأتها قدمي سهيل ... فلا سقيت خناصرة العهادا قدما سهيل: كوكبان وراءه، يقول: إذا وطئت قدمي سهيل بقدمي وحللت ذروة الشرف فلست أبالي ما حل بالبلاد من صلاح أو فساد، وخص خناصرة بالذكر لقول عدي بن الرقاع: وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحص وجادها الأحص: من ديار بني تغلب. الخندمة (٣) : أحد جبال مكة، وهو المستعلي على أبي قبيس

стр. 239

من ناحية المشرق، وهو جبل أحمر محجر فيه صخرة كبيرة بيضاء كأنها معلقة، وفيه تحصن أهل مكة يوم القرمطي (١) . وكان (٢) رجل من قريش يعد سلاحاً فقالت له امرأته: لمن تعد هذا. قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: إني لأرجو أن أخدمك بعض نساء يثرب، وكانت تسر إسلامها، وقال: إن يقبلوا اليوم فمالي عله ... هذا سلاح كامل وأله ... وذو غرارين سريع السله ... وقالت: كأني بك جئت تطلب مختبأ اختبئك (٣) فيه لو قد رأيت خيل محمد ولما وصل رسول الله ﷺ يوم الفتح أقبل إليها فقال: ويحك هل من مختبأ؟ فقالت له: فأين الخادم. فقال: دعيني عنك، وأنشد: إنك لو أبصرت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمة ... وضربونا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة ... الخضراء (٤) : مدينة بالمغرب بقرب مليانة، وهي مدينة جليلة كثيرة البساتين ولذلك سميت الخضراء، وهي على نهر إذا حمل دخل بعضها والأظهر أنه شلف لأنه بمقربة منها. وهي (٥) مدينة صغيرة حصينة، وبها عمارات متصلة وكروم وبها من السفرجل كل شيء حسن، وبها سوق وحمام، وسوقها يجتمع إليه أهل تلك الناحية، ومنها إلى مليانة مرحلة. والخضراء (٦) أيضاً بالأندلس، وهي الجزيرة الخضراء ويقال لها جزيرة أم حكيم، وهي جارية طارق بن زياد مولى موسى بن نصير، كان حملها معه فتخلفها بهذه الجزيرة فنسبت إليها، وعلى مرسى أم حكم مدينة الجزيرة الخضراء، وبينها وبين قلشانة أربعة وستون ميلاً، وهي على ربوة مشرفة على البحر، سورها متصل به، وبشرقيها خندق وغربيه أشجار تين وأنهار عذبة، وقصبة المدينة موفية على الخندق وهي منيعة حصينة سورها حجارة وهي في شرقي المدينة ومتصلة بها، وبالمدينة جامع حسن البناء فيه خمس بلاطات وصحن واسع وسقائف من جهة الجوف، وهو في وسط المدينة في أعلى الربوة، وأسواقها متصلة من الجامع إلى شاطئ البحر، وعلى البحر بين القبلة والشرق من مدينة الجزيرة مسجد سري يعرف بمسجد الرايات ركزت فيه المجوس راياتها فنسب إليها وله باب من خشب سفن المجوس، وبها كان دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل وأتقن بناءها وعالى أسوارها ثم اتخذها المنتزون بها في الفتنة قصراً. وبغربي المدينة مدخل الوادي في البحر عليه بساتين كثيرة، ومهبطه من حيث تدخله السفن، ومنه شرب أهل الجزيرة ويسمونه وادي العسل، ويمده البحر إلى قدر شطر المدينة، وهو نحو نصف ميل، وتجاهه أثر مدينة الجلندى الملك صاحب قرطاجنة إفريقية بقبلي مدينة الجزيرة، وهي اليوم خربة تزدرع، وبها حائط عريض مبني بالحجارة داخل البحر، ومن هذا الحائط كانت تشحن المراكب وبنى عليه محمد بن فلان برجاً. ومدينة الجزيرة طيبة رفيقة بأهلها جامعة لفائدة البر والبحر، قريبة المنافع من كل وجه لأنها وسطى مدن الساحل وأقرب مدن الأندلس مجازاً إلى العدوة، ومنها تغلب ملوك الأندلس على ما تغلبوا عليه من بلاد إفريقية، ولها ثلاث حمامات، ولها كور كثيرة وكانت جبايتها ثمانية عشر ألفاً وتسعمائة. وأهل الجزيرة هذه هم الذين أبوا أن يضيفوا موسى والخضر ﵉، وبها أقام الخضر الجدار وخرق السفينة، والجلندى هو الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً، حكي ذلك عن وكيع بن الجراح. ومرسى الجزيرة مشتى مأمون وهو أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة ويحاذيه مرسى مدينة سبتة ويقطع البحر بينهما في ثلاثة مجار ويتلوه جبل طارق.

стр. 240

وللخضراء (١) هذه سور حجارة مفرغ بالجير (٢) ولها ثلاثة أبواب وبها دار صناعة داخل المدينة، وعلى نهرها المسمى نهر العسل بساتين وجنات بضفتيه معاً، وبالجزيرة الخضراء إنشاء وإقلاع وحط، وأمام المدينة الجزيرة المعروفة بأم حكيم المتقدمة الذكر، والجزيرة الخضراء أول مدينة افتتحت من الأندلس في صدر الإسلام سنة تسعين من الهجرة على يد موسى بن نصير من قبل المروانيين ومعه طارق بن عبد الله بن ونموا الزناتي في قبائل البربر. وعلى باب البحر مسجد يسمى مسجد الرايات يقال إن هناك اجتمعت رايات القوم للرأي، وكان وصولهم أيضاً من جبل طارق، وسمي بذلك لأن طارق بن عبد الله لما جاز بالبربر الذين معه تحصن بهذا الجبل وقدر أن العرب لا تثق به، وأراد أن ينفي عن نفسه التهمة فأمر بإحراق المراكب التي جاز بها فبرئ بذلك مما اتهم به. وبين هذا الجبل والجزيرة الخضراء ستة أميال، وهو جمل منقطع مستدير في أسفله كهوف فيها ماء. ولها من الأبواب الباب الكبير ويعرف بباب حمزة غربي وباب الخوخة قبلي وباب طرفة جوفي، ولها ثلاثة حمامات. وتغلب المجوس (٣) عليها في سنة خمس وأربعين ومائتين وأحرقت المسجد الجامع بها، وفي الشرق من مدينة الجزيرة مسجد يقال إنه من بناء صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ ، ويقال إنه أول مسجد بني بالأندلس، ويعرف الموضع الذي فيه بقرطاجنة فإذا أقحط أهل الجزيرة استسقوا فيه فسقوا بفضل الله ورحمته. والجزيرة في شرقي شذونة وقبلي قرطبة، ولها أقاليم عدة. خشك (٤) : من مدن كابل من ثغور طخارستان. ذو خشب (٥) : موضع متصل بالكلاب على مرحلة من المدينة على طريق الشام. وفيه قال مروان بن الحكم حين طرده ابن الزبير إلى الشام فمر به متأسفاً على أمواله بالمدينة وعقاره: لا مال إلا ما أحرزته العياب. الخشبات (٦) : بالعراق، من عبادان إلى الخشبات ستة أميال، وهذه الخشبات على متصل بحر فارس بمصب دجلة، وهى خشبات مغروزة في قعر البحر عليها مناصب من ألواح مهندمة يجلس عليها حراس البحر ومعهم زورق يركبون فيه إلى هذه الخشبات وبه ينزلون إلى الساحل، وهذا البحر الفارسي شطه الأيمن للعرب والآخر الأيسر لفارس، وعرضه من سبعين باعاً إلى ثمانين باعاً. خوي (٧) : من أذربيجان، وقيل: خوي والنسار موضع واحد، وبخوي كانت وقعة لبني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة على بني أسد وبني يربوع، وهناك فتك عمرو بن حسان الضبعي بيزيد بن القمارية وهي أمه، وفي ذلك يقول وائل بن شرحبيل: وغادرنا يزيد لدى خوي ... فليس بآيب أخرى الليالي خوار (٨) : موضع يجاور مكة تلقاء أجلى أنشد ابن الأعرابي: خرجن من الخوار وعدن فيه ... وقد وازن من أجلى برعن خولان (٩) : قرية باليمن قريبة من ذمار، وهي باردة الهواء حسنة البناء فيها حمامات وخانات وفواكه كثيرة، وتدخل منها بين جبال وأنهار وأرض حصباء فتفضي إلى ذمار. خوارزم: من بلاد خراسان، وخوارزم اسم للكورة، وتسمى مدينتها الكبرى قيلاً بالقاف (١٠) فقيل مدينة خوارزم، وأنشدوا لكعب الأشقري:

стр. 241

رمتك قيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف وسمرقند وخوارزم كور منقطعة من خراسان ومما وراء النهر، وتحيط بها المفاوز من كل جانب، وحدها يتصل بحدود الغزية مما يلي الشمال والمغرب، وحد جنوبها من شرقيها بلاد خراسان وما وراء النهر، وهي ناحية عريضة وخطة واسعة ومدن كثيرة، وهي آخر عمائر عمل جيحون وليس بعدها عليه عمارة حتى يقع ماء النهر في البحيرة، ومدينتها في الجانب الشمالي من جيحون، ولها من الجنوب مدينة كبيرة تسمى الجرجانية وهي أكبر مدينة بخوارزم بعد قصبتها قيل، وهي متجر الغزية ومنها تخرج القوافل إلى جرجان وكانت تخرج إلى الخزر على مر الأيام وإلى خراسان، وكانت قصبة الجرجانية تعرف باللغة الخوارزمية كاث وكانت أرباضاً (١) وطولها نحو ميل في مثله فابتنوا غيرها من ورائها، وهي الجرجانية اليوم، وقيل مدينة خوارزم. وخوارزم (٢) مدينة حصينة كثيرة الطعام والفواكه، والخواص من أهلها قيام على أنفسهم بالمروءة الظاهرة، وهم أكثر أهل خراسان سفراً، وليس بخراسان مدينة إلا وفيها منهم جمع كبير، ولغتهم ممتازة من لغة أهل خراسان، وزيهم القراطق والقلانس المعوجة، وخلقهم لا يخفى بين أهل خراسان ولهم بأس على الغربة ومنعة، وترتفع من خوارزم ثياب القطن والصوف وأمتعة كثيرة، وليس بخوارزم معادن، ويقع إليهم رقيق الصقلب والخزر وما والاها من رقيق الأتراك، ويقع إليهم الأوبار من الفنك والسمور والثعالب (٣) والخزوز وغير ذلك. وعرض نهر خوارزم عند المدينة فرسخان، وأول حدود خوارزم مما يلي ارموني بلد يسمى الطاهرية تجد فيها العمارة على جانبي جيحون ونهر جيحون ربما جمد في الشتاء حتى تعبر عليه الأثقال والأحمال والجمال ومن ناحية خوارزم يشتد في جموده، ومن مدن خوارزم غزنة وغيرها، وهم مياسير وأهل مروءة ظاهرة. ونزل الططر على خوارزم في سنة ثمان عشرة وستمائة فأقاموا على مدينة الجرجانية قاعدة خوارزم شاه، قالوا: ومرو ونيسابور وبلخ، مع عظم كل واحدة منها، مجموعها يقصر عن الجرجانية بانفرادها فإنها كانت سرير السلطان الأعظم صاحب الأقاليم السلطانية ورب العساكر الكثيفة، وكان بها يومئذ عسكر جليل وأمراء مشهورون إلى أن ملك الططر المدينة وقتلوا فيها كل ذي روح، والخبر مستوفى في ذكر الجرجانية. خوزستان (٤) : في أرض عبادان في شرقي موضع دجلة، وهي بلاد كبيرة وعمل فسيح وماؤها صحيح، وهي سهلة الأرجاء كثيرة المياه، وبلادها عامرة، وقاعدة بلادها الأهواز، ومن بلادها عسكر مكرم وتستر وجنداسابور ورامهرمز وغيرها. وبأرض خوزستان مياه جارية وأودية غزيرة وأنهار سائلة، وأكبر أنهارها نهر تستر، ويسمى دجيل الأهواز، وهو نهر عجيب منبعه من جبال هنالك وعليه الشاذروان الذي أمر بعمله سابور الملك، وهو من العجائب المشهورة فإنه بناء أمام تستر وثيق عال أقيم في صدر الماء سداً وثيقاً بالحجر والعمد، فارتدع به الماء حتى صار أمام تستر، لأن تستر في نشز من الأرض عال والماء، مرتدع بين يديها، ويجري هذا النهر من وراء عسكر مكرم وعليه هناك جسر كبير وتجري فيه السفن الكبار ويتصل بالأهواز. وبين عسكر مكرم والأهواز ثلاثون ميلاً في الماء ولا يضيع شيء من ماء هذا النهر إنما يتصرف كله في سقي الأرض وغلات القصب وضروب الحبوب والنخيل والبساتين والمزارع، وفيه المد والجزر، وأهل خوزستان يتكلمون بالفارسية والعربية ولسان آخر يستعملونه بينهم، وزيهم زي أهل العراق يلبسون القمص والطيالسة والعمائم، وفي أنفسهم وطباعهم الشر والتنافس بعضهم على بعض وفي ألوانهم صفرة وسمرة. الخورنق (٥) : تفسيره الموضع الذي يأكل فيه الملك ويشرب، والنجف: البساتين والمتنزهات التي يشرف الخورنق عليها، والخورنق بظهر الكوفة، وهو قصر النعمان بظهر الحيرة، قال عدي بن زيد: وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدى تفكير

стр. 242

سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير السدير: سدير النخل وهو سواده وشخوصه، يقال: سدير إبل وسدير نخل، وقال الأصمعي: السدير بالفارسية: سه دلى، كان له ثلاث شعب، وقيل: السدير النهر، والخورنق (١) : خرنقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك ويشرب، والنجف: البساتين والمتنزهات التي يشرف الخورنق عليها. وكان سبب (٢) بناء الخورنق أن يزدجرد بن سابور الأثيم كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل صحيح من الأدواء والأسقام، فذكر له ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس الأعور، وأمره ببناء الخورنق مسكناً له فبناه في عشرين حجة، وكان الذي بناه رجل يقال له سنمار، فلما فرغ من بنيانه عجب الناس من حسنه وإتقان عمله فقال: لو علمت أنكم توفوني أجري بنيته بناء يدور مع الشمس حيث ما دارت، فقال النعمان: وإنك لتقدر أن تبني أفضل منه فلم تبنه!! فأمر به فطرح من رأس الخورنق، فضربت به العرب المثل في الجزاء بالشر على فعل الخير، وفيه يقول الشاعر: جزى بنوه أبا غيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار وقال آخر: جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار مما كان يفعل قال البكري: والخورنق هو الذي يعني الأسود بن يعفر في قوله: والقصر في الشرفات من سنداد ... وهذا الذي قاله غير صحيح، فإن صدر البيت قوله: أهل الخورنق والسدير وبارق ... وقدم ذكر الخورنق ثم عطف عليه القصر ذا الشرفات، وقال أبو بكر: سنداد كان المنذر الأكبر اتخذه لبعض ملوك العجم، وقال المنخل (٣) : فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير وحكي أن أحد الملوك أشرف على النجف من أعلى الخورنق فقال لوزيره أو صاحب كان له: هل رأيت مثل هذا المنظر قط؟ قال: لا لو كان يلوم، قال له: فأين الذي يدوم؟ قال: عند الله في الآخرة حيث لا موت ولا سقم ولا هرم، قال: فبماذا يوصل إلى ذلك؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله تعالى، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وترهب وخرج هارباً لا يعلم به فسألوا عنه فلم يجدوه بعد، ففي مثل هذا الوزير الصالح يقول ﷺ : " من ولي شيئاً من أمر الدنيا فأراد الله به خيراً جعل معه وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه "، وقال ﷺ : " ما من رجل من المسلمين أعظم أجراً من وزير صالح مع إمام يطيعه فيأمره بطاعة الله تعالى ". وقال خالد بن صفوان بن الأهتم (٤) : أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق، قال: فقدمت عليه وقد خرج متبدياً بقرابته وحشمه وغاشيته وجلسائه، فنزل في أرض قاع صحيح منيف أفيح في عام قد كمل وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض زخرفها على اختلاف ألوان زينتها من نور ربيع مونق فهي في أحسن منظر وأجمل مختبر، بصعيد كأنه قطع الكافور، وقد ضرب له سرادق من حبرة كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن فيه فسطاط وفيه أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها، وعليه دراعة من خز أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم، قال: فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي شبه المستنطق فقلت له: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمه وسوغكها بشكره وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشداً، وعاقبة ما يؤول إليه حمداً أخلصه لك بالبقاء وكثره عليك بالنماء ولا كدر عليك منه ما صفا ولا خلط سروره بالردى، فقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحاً وملجأ، إليك يقصدون في مطالبهم ويفزعون في

стр. 243

أمورهم وما أجد شيئاً يا أمير المؤمنين هو أبلغ في قضاء حقك وتوقير مجلسك وما من الله تعالى علي به من مجالستك من أن أذكرك نعم الله تعالى عليك وأنبئك بشكرها، وما أجد في ذلك شيئاً هو أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به، قال: فاستوى جالساً وكان متكئاً وقال: هات يا ابن الأهتم، قال، فقلت: يا أمير المؤمنين إن ملكاً من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض ألوان زينتها في ربيع مونق فهي في أحسن منظر وأجمل مختبر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور وكان قد أعطي فتاء السن مع الكبرة والعظمة والقهر، فنظر فأبعد النظر، ثم قال لجلسائه: لمن مثل هذا، هل رأيتم مثل ما أنا فيه؟ وهل أعطي أحد مثل ما أعطيت؟ قال: وعنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضي على آداب الحق ومنهاجه، قال: ولم تخل الأرض من قائم لله بحجته في عباده، فقال: أيها الملك إنك قد سألت عن أمر فتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت هذا الذي أنت فيه، أهو شيء لم تزل فيه أم صار ميراثاً إليك وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذلك هو، قال: فلا أراك إلا أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلاً ثم تغيب عنه طويلاً، وتكون غداً بحسابه مرتهناً، قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك على ما ساءك وسرك ومضك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أمساحك وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي، فإن اخترت ما أنا فيه كنت لي وزيراً لا تعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقعر البلاد كنت رفيقاً لا يخالف، قال: فقرع عليه عند السحر بابه فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة، فلزما والله هذا الجبل حنى أتاهما أجلهما، وهو حيث يقول علي بن زيد أخو بني تميم (١) : أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنور خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... روم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير فارعوى قلبه وقال وما غب ... طة حي إلى الممات يصير ثم بعد الصلاح والملك والأم ... ة وارتهم هناك القبور ثم صاروا كأنهم ورق ج ... ف فألوت به الصبا والدبور قال: فبكى والله هشام حتى اخضلت لحيته وبل عمامته فأمر بنزع أبنيته وبنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين، أفسدت عليه لذته ونغصت عليه مأدبته، فقال: إليكم عني، فإني عاهدت الله تعالى عهداً ألا أخلو بملك إلا ذكرته الله . وهذا الملك الذي ذكره خالد بن صفوان هو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر.

стр. 244

خيبر (١) : أرض خيبر على ثمانية برد من المدينة، وبها حصون كبيرة، وأول حد خيبر الدومة وهو واد، وسوق خيبر اليوم المرطة، وكان عثمان ﵁ مصرها، ثم حصن وجدة وبه نخل وأشجار، ثم سلالم ثم الأهيل، جبل فيه آطام لليهود ومزارع وأموال تعرف بالوطيح ثم الكثيبة ثم الصهباء، وحصن خيبر الأعظم القموص، وهو الذي فتح علي بن أبي طالب ﵁، وأسفله مسجد النبي ﷺ ، وهناك نطاة والشق، وهما واديان تليهما أرض تسمى السبخة، وبالشق عين تسمى الحمة وهي التي سماها رسول الله ﷺ قسمة الملائكة يذهب ثلثا مائها في فلج والثلث الآخر في فلج والمسلك واحد، وقد اعتبرت منذ زمان رسول الله ﷺ إلى اليوم، تطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث ثمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليرد الماء إلى الفلج الآخر غلب الماء وفاض ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على الثلث. والعين العظمى بالنطاة تسمى اللحيحة. وكانت خيبر في صدر الإسلام دار بني قريظة وكان بها السموأل بن عادياء المضروب به المثل في الوفاء. وفي الخبر (٢) : لما نزل رسول الله ﷺ على خيبر في سنة سبع، وكان الله تعالى وعده إياها في قوله : " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه " يعني صلح الحديبية والمغانم فتح خيبر، ولما أشرف عليهم رسول الله ﷺ قال لأصحابه: " قفوا "، ثم قال: " اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها ثم قال: " اقدموا بسم الله "، وكان يقولها لكل قرية دخلها قال: واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: محمد والخميس معه، فأدبروا هراباً، فقال رسول الله ﷺ : " الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين "، وذلك لسنة سبع. وفيها سقط ترس علي ﵁ فأخذ باباً عند الحصن فترس به حتى فتح الله عليه ثم ألقاه، قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : فلقد رأيتني مع سبعة أنا أحدهم نجهد أن نقل ذلك الباب فما قوينا عليه، قال: ونزل رسول الله ﷺ للأموال يأخذها مالاً مالاً ويفتحها حصناً حصناً. وظهرت بخيبر في سنة تسع عشرة نار فسارت في الأرض، فأمر عمر ﵁ الناس بالصدقة فتصدقوا فهمدت. خيغون (٣) : بلد من مدن الصين عامرة والقاصد إليها كثير، وبها التجارات الكثيرة، وبأرضها توجد دواب المسك فهي صنف من المعز هي أشبه بالغزلان لكنها صغار، وألوانها ضربت (٤) إلى الحمرة، وجلودها لينة المجسة ورعيها أنواع نبات الطيب، ولها صرر يجتمع فيها دم، يكون دمها أول شيء أحمر ثم لا يزال يتغير إلى السواد حتى يكون لونه أسود إلى الشقرة فتتعلق بها الظباء فتحكها وتقرضها تارة بأظلافها وتارة بالعض بأفواهها إلى أن تسقط. وفي برية بلاد التبت جبلان يمر بينهما نهر عذب ينبت فيهما السنبل أو ضرب منه فترعاها الظباء المسكية وتأتي إلى ذلك الماء فتشرب منه فتنتفخ صررها وتمتلئ دماً فتحكها وتقرضها تارة بأظلافها حتى تنقطع. وهذه الدواب تصاد في وقت معلوم فتمسك إلى أن تؤخذ منها الصرر ثم تحمل إلى المواضع التي صيدت فيها فتطلق بها وهي بها مستأنسة لا تنفر كثيراً. وأما دابة الزباد فهي في الإقليم الثاني من أوله إلى آخره موجودة به، وهي دابة تشبه القط لكنها كبيرة وتمسك في أقفاص كبار وتطعم اللحم، فإذا كان في أول الصيف وآخر الربيع ابتدأ الرشح في أخصيتها فمتى نظر إليها وقد اجتمع من الزباد فيها شيء قبض عليها وجرد عنها ما اجتمع على خصاها من الدرن، فذلك الزباد المحض، ثم تعاد إلى أقفاصها إلى أن يجتمع بها الدرن وهكذا إلى آخر الخريف، وهذا الحيوان يكون بالمغرب الأقصى كثيراً في بلاد الملثمين، وهو مشهور عندهم.

стр. 245

ومدينة خيعون عليها حصن حصين وجناتها محدقة بها ولا عنب فيها ولا تين، وهي على ضفة خور (١) يصب في بحر الصين. الخيف (٢) : اسم يقع مضافاً إلى مواضع كثيرة، ولا يكون خيفاً إلا بين جبلين، وقيل: الخيف ارتفاع وهبوط في سفح جبل أو غلظ، وأشهرها خيف منى ومسجده مسجد الخيف، وقال الشاعر: ولم أر ليلى قبل موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المحصب وعن أسامة بن زيد ﵁ قال، قلت: يا رسول الله أين تنزل غداً في حجتك؟ قال: " هل ترك لنا عقيل منزلاً، نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على الكفر "، وذلك أن قريشاً حالفت بني كنانة على بني هاشم ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم.

стр. 246

حرف الدال دارا (١) : بلد ديار ربيعة بينها وبين نصيبين خمسة فراسخ، صلى بها أبو موسى ﵁ صلاة الخوف، وهي من بلاد الجزيرة، وهي مدينة رومية، وهي بيضاء كبيرة ولها قلعة مشرفة، ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين، وهي في سفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا المشهورة، وكلتا المدينتين معمورتان، وفتحها عياض بن غنم، وهي في سفح جبل عليها سور حجارة، وبها أنهار وكروم وأسواق ومسجد جامع ومنبر، وبينها وبين كفر توثا سبعة فراسخ. وقال الشاعر: ولقد قلت لرجلي ... بين حران ودارا اصبري (٢) يا رجل حتى ... يرزق الله حمارا دارين (٣) : وبعضهم يقول: دارون قرية في بلاد فارس (٤) على شاطئ البحر، وهي مرفأ سفن الهند بأنواع الطيب، فيقال مسك دارين وطيب دارين، وليس بدارين طيب. قال الأصمعي: سأل كسرى عن هذه القرية من بناها، فقالوا: دارين، أي عتيقة بالفارسية، وقيل: بل كسرى قال دارين لما لم يدر أوليتها. ومن قصيدة ابن حمديس المشهورة (٥) : وراهبة أغلقت ديرها ... فكنا مع الليل زوارها هدانا إليها شذا قهوة ... تذيع لأنفك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتى ... تيمم دارين أو دارها ولبعض المتأخرين: وإذ تنم وشاة الطيب عنك فلا ... أراك حتى أداري مسك دارين ولما نزل العلاء بن الحضرمي الخط لما وجهه الصديق ﵁ لمحاربة عبد القيس حين ارتدوا جاءه نصراني فقال له ما لي إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين؟ قال: ما تسألني؟ قال: أهل بيت بدارين، قال: هم لك، فخاض به وبالخيل إليهم فظهر عليهم عنوة وسبى أهلها ثم رجع إلى عسكره فحبس لهم البحر حتى خاضوه، وجازه العلاء وأصحابه مشياً على أرجلهم، وقد كانت تجري فيه السفن قبل، ثم جرت فيه بعد فأظفره الله تعالى بهم وسلموا إليه ما كانوا منعوه من الجزية التي صالحهم عليها رسول الله ﷺ . ويروى أنه كان للعلاء بن

стр. 247

الحضرمي ومن معه جؤار إلى الله تعالى في خوض هذا البحر، فأجاب الله تعالى دعاءهم، وفي ذلك يقول أحدهم: ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعظم من فلق البحار الأوائل فلما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح أهل هجر. دار ملول (١) : من البلاد الإفريقية. الدامغان (٢) : بخراسان بين الري ونيسابور، وهي أقرب إلى نيسابور، وبين الدامغان وسمنان مرحلتان، والدامغان هي مدينة قومس، وهي قليلة الماء متوسطة العمارة وأكثر ما يباع بها الأكسية البيض الطيالسة. وقالوا: قومس بلد جليل القدر واسع، واسم المدينة الدامغان، وهي أول مدن خراسان فتحها عبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاثين، وأهلها قوم عجم، وأحذق قوم بعمل الأكسية البيض الصوف القومسية. دابق (٣) : مدينة في أقاصي فارس يذكر ويؤنث، قال الشاعر: بدابق وأين مني دابق ... وقال آخر: لقد ضاع قوم قلدوك ثغورهم ... بدابق إذ قيل العدو قريب وهو مذكور في حديث مسلم بن الحجاج: ينزل الروم بدابق أو الأعماق، أو ما هذا معناه. قال عياض: بفتح الباء جاء في كتاب مسلم. وبدابق توفي سليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، وقال المسعودي (٤) : توفي سليمان بن عبد الملك بمرج دابق من أعمال جند (٥) قنسرين. وحدث عمر بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي في أيام السفاح لنبش قبور بني أمية فاستخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيره من بني أمية. وفي خبر خالد بن معدان: إذا أمر الناس بالغزو، كان فسطاطه أول فسطاط يضرب بدابق. داي (٦) : بأرض المغرب، بينها وبين أغمات أربعة أيام وبين داي وتادلى مرحلة، وداي في أسفل جبل خارج من جبل درن، وبها معدن النحاس الخالص الذي لا يعدله غيره من النحاس في أقطار الأرض ولونه إلى البياض، ويدخل في لحام الفضة، وينسب الناس هذا المعدن إلى السوس وليست داي من بلاد السوس بل بينهما أيام، وهي مدينة صغيرة لكنها كثيرة العامر، والقوافل عليها واردة وصادرة، ويزرع فيها القطن الكثير ويسافر به إلى كل الجهات، ولا يحتاجون مع قطنها إلى غيره من القطن المجلوب، وبها أرزاق ومعايش وخصب ونعم شتى، وأهلها أخلاط من البربر. دانية (٧) : مدينة بشرق الأندلس على البحر عامرة حسنة لها

стр. 248

ربض عامر وعليها سور حصين، وسورها من ناحية المشرق في داخل البحر قد بني بهندسة وحكمة، ولها قصبة منيعة جداً، وهي على عمارة متصلة وشجر تين كثيرة وكروم، والسفن واردة عليها صادرة عنها، ومنها كان يخرج الأسطول إلى الغزو، وبها ينشأ أكثره لأنها دار إنشائه، وفي الجنوب منها جبل عظيم مستدير (١) تظهر من أعلاه جبال يابسة في البحر. ومن دانية أبو عمرو الداني المقرئ المعروف بابن الصيرفي، له تواليف في القراءات، سمع بالأندلس من محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ووصل إلى المشرق فسمع من جماعة، توفي بدانية سنة أربع وأربعين وأربعمائة. دارقطن (٢) : من مدن خراسان، منها الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني، له تواليف كثيرة في علم الحديث، توفي ببغداد سنة خمس وثمانين وثلثمائة. دبا (٣) : مثل عصا، موضع بظهر الحيرة، ودبا فيما بين عمان والبحرين، كان وفد الأزد من أهل دبا على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، فبعث فيهم مصدقاً منهم يقال له حذيفة بن اليمان (٤) الأزدي من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم ثم رسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل ذلك حذيفة ورد فاضلها إلى رسول الله ﷺ إذ لم يجد لها موضعاً، فلما توفي رسول الله ﷺ منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة فأبوا، وأسمعوه شتم النبي ﷺ ، فقال: يا قوم أسمعوني الأذى في أبي وأمي ولا تسمعوني الأذى في رسول الله ﷺ ، فأبوا إلا ذاك وجعلوا يرتجزون: لقد أتانا خبر ردي ... أمست قريش كلها نبي ... ظلم لعمر الله عبقري ... فكتب حذيفة إلى أبي بكر الصديق ﵁ بما كان منهم فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظاً شديداً وقال: من لهؤلاء ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبي جهل، وكان النبي ﷺ استعمله على سفلى بني عامر بن صعصعة مصدقاً، فلما بلغته وفاة النبي ﷺ انحاز إلى تبالة في أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيماً بتبالة فجاءه كتاب أبي بكر ﵁، وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة: أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين ورأس أهل الردة لقيط بن مالك فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمة أنهم في جموع كثيرة فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضاً طليعة، فالتقت الطليعتان فتناوشوا ساعة ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارساً يخبر عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته ثم زحفوا جميعاً ميمنة وميسرة وسار على تعبئة حتى أدرك القوم فالتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله تعالى عكرمة عليهم الظفر فهزمهم وأكثر فيهم القتل، ورجعوا منهزمين أجمعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشراً كثيراً، منهم من قتل ومنهم من أسر، فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوي حذيفة بن اليمان ﵁ بمن معه من المسلمين فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة في أصحابه فقاتل معهم فأصابوا منهم مائة أو نحوها في المعركة ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا فتحصنوا فيها وحصرهم المسلمون شهراً أو نحوه وشق عليهم الحصار إذ لم يكونوا أخذوا له أهبة، فأرسلوا إلى حذيفة رجلاً منهم يسأله الصلح، فقال: إلا أخيرهم، بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر، نحكم فيكم بما رأينا فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا من مدينتكم عزلاً لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة ﵁: إني قد حكمت فيكم أن أقتل أشرافكم وأسبي ذراريكم، فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة، وهم ثلثمائة من المقاتلة وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملاً عليها لأبي بكر ﵁، فلما قدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة اختلف فيهم المسلمون فكان زيد بن أسلم يحدث عن أبيه أن أبا بكر رضي

стр. 249

الله عنه أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة، فكان من كلام عمر ﵁: يا خليفة رسول الله قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر ﵁ أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين بدار رملة حتى توفي أبو بكر ﵁ وولي عمر ﵁ فدعاهم فقال: قد كان من رأيي يوم قدم بكم على أبي بكر ﵁ أن يطلقكم وقد أفضى إلي الأمر فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب وهو غلام يومئذ، وكان في من نزل البصرة. وعن ابن عباس ﵄ أن رأي المهاجرين فيهم إذ استشارهم أبو بكر ﵁ كان قتلهم أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر ﵁ يرى ألا قتل عليهم ولا فداء، فلم يزالوا محتبسين حتى ولي عمر بن الخطاب ﵁ فأرسلهم بغير فداء. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى فيهم بأربعمائة، فصار فداء، ثم نظر في ذلك فقال: لا سباء في الإسلام فهم أحرار، والأول أكثر. وعن عروة: لما قدم أهل غزو دبا المدينة قافلين أعطاهم أبو بكر ﵁ خمسة دنانير خمسة دنانير. دبيل (١) : على وزن خليل، مدينة بالسند هي أول مدنها، وهي على ساحل البحر. دبوسية (٢) : من بلاد الصغد، مدينة حسنة كثيرة البساتين والثمار، ولها قرى ومزارع وعمارات حسنة، وفيها منبر وأسواق كثيرة، وليس لها كبير قرى ولا رساتيق، ولها سور تراب، وبها مياه جارية. الدثينة (٣) : مدينة بينها وبين القلزم أربعة وعشرون ميلاً كانت منزلاً لقوم من العماليق، وبها مصانع تجتمع فيها السيول، وكانت فيما مضى محكمة بأبواب مطبقة تفتح إذا شاءوا أن يسقوا أرضاً فإذا اكتفوا أرسلوا الأبواب فحبسوا الماء، وبين القلزم والدثينة الموضع المعروف بجسر القلزم وهو قنطرة على خليج من البحر تجري فيه قوارب من القلزم يحمل فيها الماء العذب والميرة للحاج، وأول من بناه عمرو بن العاصي وأكمله عبد الله بن أبي سرح ثم بناه عبد الملك بن مروان، وكان عمر بن الخطاب ﵁ أمر بحفر خليج من النيل إلى القلزم وقال: لا تتركن النساء يفدن إلى البيت، وعلى الجسر درابزين من خشب عن يمين وشمال، ويعبر الناس على القنطرة. دجلة (٤) : هي تخرج من بلاد آمد من ديار بكر، وهي من أعين ببلاد خلاط من أرمينية من الإقليم الخامس من موضع يعرف بحصن ذي القرنين، وتصب إليها أنهار سريط وساتيدما الخارجة من بلاد أرمينية: أرزن وميافارقين وتمر بالموصل، وتصب في نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية، والتقاؤه بدجلة في بلاد قردى وبازبدى من بلاد الموصل، وهذه الديار هي ديار بني حمدان، وفيها يقول الشاعر: بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أما ترابها ... فجمر وأما حرها فشديد وليس هذا نهر الخابور الذي يجري من مدينة رأس عين ويصب في الفرات ثم تمر إلى الداخلة فيصب فيها أسفل من الموصل والحديثة، على فرسخ من الحديثة، من الجانب الشرقي نهر الزاب الأكبر والأصغر الواردان من بلاد أرمينية وأذربيجان، ثم تنتهي الدجلة إلى تكريت وسامراء وبغداد فيصب فيها نهر عيسى، ثم تخرج دجلة من بغداد فتصب فيها أنهار كثيرة مثل نهروان الذي يلي بلاد جرجرايا من مدينة واسط والسيف وتل النعمانية، وإذا

стр. 250

خرجت من مدينة واسط تفرقت أنهاراً آخذة إلى بطيحة البصرة، ومقدار جريان الدجلة ثلثمائة فرسخ وقيل أربعمائة فرسخ. وكانت الدجلة، التي تدعى اليوم العوراء، قبل الإسلام تستقيم من عند المذار، وهي اليوم منقطعة من ثم خرقت الأرض ومرت ذاهبة، وكان كسرى ابرويز قد كسر دجلة عند الخيزرانة ليعود الماء إلى دجلة العوراء وأنفق عليها مالاً عظيماً فأعياه ذلك، ورام خالد بن عبد الله أن يكسرها وأنفق الأموال في ذلك فهدمت دجلة ذلك البنيان وخرقته، وأثار ذلك البنيان ترى، إذا مد الماء دجلة، من آجر وصاروج، وربما عطبت فيه السفن المارة. دجيل (١) : هو قناة من دجلة كان أبو جعفر المنصور حين بنى بغداد أخرج من دجلة دجيلاً ليسقي تلك القرى كلها، حفرها من دجلة في عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها معقودة وعليها عقد وثيق، وسماها دجيلاً. وفي دجيل قتل عبد الرحمن بن أبي ليلى والد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وكان عبد الرحمن هذا يروي عن عمر وعلي وعبد الله وأبي هريرة ﵃ وكان خرج مع ابن الأشعث فقتل بدجيل. دارابجرد (٢) : من كور فارس بينها وبين شيراز مائة وخمسون ميلاً، وهي دار الملك ونسبها إلى نفسه، وهي كبيرة عامرة آهلة بها تجار وأسواق وبيع وشراء، وهي مجتمع للتجار المتصرفين في ديار فارس، وعليها سور حصين ويدور به خندق تجتمع فيه فضول المياه التي تسقى بها النخيل وفضالات مياه وعيون جمة، وفيه سمك كثير لا عظم له ولا فلوس عليه، ولها أربعة أبواب، وفي وسطها جبل عال كالقبة (٣) ، وبنيانها بالحجارة والطين والجص. قالوا (٤) : وكان بدارابجرد بيت نار معظم كان زرادشت أمر يستاسف الملك أن ينقل ناراً كانت بمدينة خوارزم إلى دارابجرد فالمجوس تعظم هذه النار أشد تعظيم، وهي أكرم نيرانهم، والذي بنى دارابجرد هو دارا بن بهمن بن اسبنديار وهو الذي مات أبوه فخلفه حملاً فعقد له التاج في بطن أمه، وهو والد دارا الذي قتله الإسكندر. قالوا: ومن النسب الشاذ قولهم في دارابجرد: دراورد ي، وقال الشاعر (٥) : أقاتلي الحجاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا دراورد (٦) : قرية من خراسان منها عبد العزيز بن محمد الدراوردي أصله منها ولكنه ولد بالمدينة ونشأ بها. الدردور (٧) : موضع في بحر فارس مما يلي شط البحر حيث جبلا كسير وعوير، وهو موضع يدور فيه الماء كالرحى دوراناً دائماً من غير فترة ولا سكون، فإذا سقط إليه مركب أو غيره فلا يزال يدور حتى يتلف، وهو يضيق على مقربة من جبلي كسير وعوير، تسلكه السفن الصغار ولا تسلكه الكبار، وهذه الدردورات ثلاثة: منها هذا الواحد والثاني بمقربة من جزيرة قمار والدردور الثالث في آخر الصين. درن (٨) : جبل بالمغرب مشهور يعرف بسقنقور، وهو جبل عظيم معترض في الصحراء. وحكى البكري أن في الحديث أن بالمغرب جبلاً يقال له درن يزف يوم القيامة بأهله إلى النار كما تزف العروس إلى بعلها، وقل أن يكون في الجبال مثله سمواً وكثرة خصب وطول مسافة واتصال عمارة ومبدؤه من البحر المحيط في أقصى السوس، ويمر مع المشرق مستقيماً حتى يصل إلى جبال نفوسة، ويسمى هنالك بجبل نفوسة،
следующие страницы →