← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حرف الدال دارا (١) : بلد ديار ربيعة بينها وبين نصيبين خمسة فراسخ، صلى بها أبو موسى ﵁ صلاة الخوف، وهي من بلاد الجزيرة، وهي مدينة رومية، وهي بيضاء كبيرة ولها قلعة مشرفة، ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين، وهي في سفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا المشهورة، وكلتا المدينتين معمورتان، وفتحها عياض بن غنم، وهي في سفح جبل عليها سور حجارة، وبها أنهار وكروم وأسواق ومسجد جامع ومنبر، وبينها وبين كفر توثا سبعة فراسخ. وقال الشاعر: ولقد قلت لرجلي ... بين حران ودارا اصبري (٢) يا رجل حتى ... يرزق الله حمارا دارين (٣) : وبعضهم يقول: دارون قرية في بلاد فارس (٤) على شاطئ البحر، وهي مرفأ سفن الهند بأنواع الطيب، فيقال مسك دارين وطيب دارين، وليس بدارين طيب. قال الأصمعي: سأل كسرى عن هذه القرية من بناها، فقالوا: دارين، أي عتيقة بالفارسية، وقيل: بل كسرى قال دارين لما لم يدر أوليتها. ومن قصيدة ابن حمديس المشهورة (٥) : وراهبة أغلقت ديرها ... فكنا مع الليل زوارها هدانا إليها شذا قهوة ... تذيع لأنفك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتى ... تيمم دارين أو دارها ولبعض المتأخرين: وإذ تنم وشاة الطيب عنك فلا ... أراك حتى أداري مسك دارين ولما نزل العلاء بن الحضرمي الخط لما وجهه الصديق ﵁ لمحاربة عبد القيس حين ارتدوا جاءه نصراني فقال له ما لي إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين؟ قال: ما تسألني؟ قال: أهل بيت بدارين، قال: هم لك، فخاض به وبالخيل إليهم فظهر عليهم عنوة وسبى أهلها ثم رجع إلى عسكره فحبس لهم البحر حتى خاضوه، وجازه العلاء وأصحابه مشياً على أرجلهم، وقد كانت تجري فيه السفن قبل، ثم جرت فيه بعد فأظفره الله تعالى بهم وسلموا إليه ما كانوا منعوه من الجزية التي صالحهم عليها رسول الله ﷺ . ويروى أنه كان للعلاء بن

стр. 247

الحضرمي ومن معه جؤار إلى الله تعالى في خوض هذا البحر، فأجاب الله تعالى دعاءهم، وفي ذلك يقول أحدهم: ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعظم من فلق البحار الأوائل فلما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح أهل هجر. دار ملول (١) : من البلاد الإفريقية. الدامغان (٢) : بخراسان بين الري ونيسابور، وهي أقرب إلى نيسابور، وبين الدامغان وسمنان مرحلتان، والدامغان هي مدينة قومس، وهي قليلة الماء متوسطة العمارة وأكثر ما يباع بها الأكسية البيض الطيالسة. وقالوا: قومس بلد جليل القدر واسع، واسم المدينة الدامغان، وهي أول مدن خراسان فتحها عبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاثين، وأهلها قوم عجم، وأحذق قوم بعمل الأكسية البيض الصوف القومسية. دابق (٣) : مدينة في أقاصي فارس يذكر ويؤنث، قال الشاعر: بدابق وأين مني دابق ... وقال آخر: لقد ضاع قوم قلدوك ثغورهم ... بدابق إذ قيل العدو قريب وهو مذكور في حديث مسلم بن الحجاج: ينزل الروم بدابق أو الأعماق، أو ما هذا معناه. قال عياض: بفتح الباء جاء في كتاب مسلم. وبدابق توفي سليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، وقال المسعودي (٤) : توفي سليمان بن عبد الملك بمرج دابق من أعمال جند (٥) قنسرين. وحدث عمر بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي في أيام السفاح لنبش قبور بني أمية فاستخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيره من بني أمية. وفي خبر خالد بن معدان: إذا أمر الناس بالغزو، كان فسطاطه أول فسطاط يضرب بدابق. داي (٦) : بأرض المغرب، بينها وبين أغمات أربعة أيام وبين داي وتادلى مرحلة، وداي في أسفل جبل خارج من جبل درن، وبها معدن النحاس الخالص الذي لا يعدله غيره من النحاس في أقطار الأرض ولونه إلى البياض، ويدخل في لحام الفضة، وينسب الناس هذا المعدن إلى السوس وليست داي من بلاد السوس بل بينهما أيام، وهي مدينة صغيرة لكنها كثيرة العامر، والقوافل عليها واردة وصادرة، ويزرع فيها القطن الكثير ويسافر به إلى كل الجهات، ولا يحتاجون مع قطنها إلى غيره من القطن المجلوب، وبها أرزاق ومعايش وخصب ونعم شتى، وأهلها أخلاط من البربر. دانية (٧) : مدينة بشرق الأندلس على البحر عامرة حسنة لها

стр. 248

ربض عامر وعليها سور حصين، وسورها من ناحية المشرق في داخل البحر قد بني بهندسة وحكمة، ولها قصبة منيعة جداً، وهي على عمارة متصلة وشجر تين كثيرة وكروم، والسفن واردة عليها صادرة عنها، ومنها كان يخرج الأسطول إلى الغزو، وبها ينشأ أكثره لأنها دار إنشائه، وفي الجنوب منها جبل عظيم مستدير (١) تظهر من أعلاه جبال يابسة في البحر. ومن دانية أبو عمرو الداني المقرئ المعروف بابن الصيرفي، له تواليف في القراءات، سمع بالأندلس من محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ووصل إلى المشرق فسمع من جماعة، توفي بدانية سنة أربع وأربعين وأربعمائة. دارقطن (٢) : من مدن خراسان، منها الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني، له تواليف كثيرة في علم الحديث، توفي ببغداد سنة خمس وثمانين وثلثمائة. دبا (٣) : مثل عصا، موضع بظهر الحيرة، ودبا فيما بين عمان والبحرين، كان وفد الأزد من أهل دبا على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، فبعث فيهم مصدقاً منهم يقال له حذيفة بن اليمان (٤) الأزدي من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم ثم رسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل ذلك حذيفة ورد فاضلها إلى رسول الله ﷺ إذ لم يجد لها موضعاً، فلما توفي رسول الله ﷺ منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة فأبوا، وأسمعوه شتم النبي ﷺ ، فقال: يا قوم أسمعوني الأذى في أبي وأمي ولا تسمعوني الأذى في رسول الله ﷺ ، فأبوا إلا ذاك وجعلوا يرتجزون: لقد أتانا خبر ردي ... أمست قريش كلها نبي ... ظلم لعمر الله عبقري ... فكتب حذيفة إلى أبي بكر الصديق ﵁ بما كان منهم فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظاً شديداً وقال: من لهؤلاء ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبي جهل، وكان النبي ﷺ استعمله على سفلى بني عامر بن صعصعة مصدقاً، فلما بلغته وفاة النبي ﷺ انحاز إلى تبالة في أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيماً بتبالة فجاءه كتاب أبي بكر ﵁، وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة: أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين ورأس أهل الردة لقيط بن مالك فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمة أنهم في جموع كثيرة فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضاً طليعة، فالتقت الطليعتان فتناوشوا ساعة ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارساً يخبر عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته ثم زحفوا جميعاً ميمنة وميسرة وسار على تعبئة حتى أدرك القوم فالتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله تعالى عكرمة عليهم الظفر فهزمهم وأكثر فيهم القتل، ورجعوا منهزمين أجمعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشراً كثيراً، منهم من قتل ومنهم من أسر، فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوي حذيفة بن اليمان ﵁ بمن معه من المسلمين فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة في أصحابه فقاتل معهم فأصابوا منهم مائة أو نحوها في المعركة ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا فتحصنوا فيها وحصرهم المسلمون شهراً أو نحوه وشق عليهم الحصار إذ لم يكونوا أخذوا له أهبة، فأرسلوا إلى حذيفة رجلاً منهم يسأله الصلح، فقال: إلا أخيرهم، بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر، نحكم فيكم بما رأينا فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا من مدينتكم عزلاً لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة ﵁: إني قد حكمت فيكم أن أقتل أشرافكم وأسبي ذراريكم، فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة، وهم ثلثمائة من المقاتلة وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملاً عليها لأبي بكر ﵁، فلما قدم حذيفة ﵁ بسبيهم إلى المدينة اختلف فيهم المسلمون فكان زيد بن أسلم يحدث عن أبيه أن أبا بكر رضي

стр. 249

الله عنه أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة، فكان من كلام عمر ﵁: يا خليفة رسول الله قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر ﵁ أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين بدار رملة حتى توفي أبو بكر ﵁ وولي عمر ﵁ فدعاهم فقال: قد كان من رأيي يوم قدم بكم على أبي بكر ﵁ أن يطلقكم وقد أفضى إلي الأمر فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب وهو غلام يومئذ، وكان في من نزل البصرة. وعن ابن عباس ﵄ أن رأي المهاجرين فيهم إذ استشارهم أبو بكر ﵁ كان قتلهم أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر ﵁ يرى ألا قتل عليهم ولا فداء، فلم يزالوا محتبسين حتى ولي عمر بن الخطاب ﵁ فأرسلهم بغير فداء. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى فيهم بأربعمائة، فصار فداء، ثم نظر في ذلك فقال: لا سباء في الإسلام فهم أحرار، والأول أكثر. وعن عروة: لما قدم أهل غزو دبا المدينة قافلين أعطاهم أبو بكر ﵁ خمسة دنانير خمسة دنانير. دبيل (١) : على وزن خليل، مدينة بالسند هي أول مدنها، وهي على ساحل البحر. دبوسية (٢) : من بلاد الصغد، مدينة حسنة كثيرة البساتين والثمار، ولها قرى ومزارع وعمارات حسنة، وفيها منبر وأسواق كثيرة، وليس لها كبير قرى ولا رساتيق، ولها سور تراب، وبها مياه جارية. الدثينة (٣) : مدينة بينها وبين القلزم أربعة وعشرون ميلاً كانت منزلاً لقوم من العماليق، وبها مصانع تجتمع فيها السيول، وكانت فيما مضى محكمة بأبواب مطبقة تفتح إذا شاءوا أن يسقوا أرضاً فإذا اكتفوا أرسلوا الأبواب فحبسوا الماء، وبين القلزم والدثينة الموضع المعروف بجسر القلزم وهو قنطرة على خليج من البحر تجري فيه قوارب من القلزم يحمل فيها الماء العذب والميرة للحاج، وأول من بناه عمرو بن العاصي وأكمله عبد الله بن أبي سرح ثم بناه عبد الملك بن مروان، وكان عمر بن الخطاب ﵁ أمر بحفر خليج من النيل إلى القلزم وقال: لا تتركن النساء يفدن إلى البيت، وعلى الجسر درابزين من خشب عن يمين وشمال، ويعبر الناس على القنطرة. دجلة (٤) : هي تخرج من بلاد آمد من ديار بكر، وهي من أعين ببلاد خلاط من أرمينية من الإقليم الخامس من موضع يعرف بحصن ذي القرنين، وتصب إليها أنهار سريط وساتيدما الخارجة من بلاد أرمينية: أرزن وميافارقين وتمر بالموصل، وتصب في نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية، والتقاؤه بدجلة في بلاد قردى وبازبدى من بلاد الموصل، وهذه الديار هي ديار بني حمدان، وفيها يقول الشاعر: بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أما ترابها ... فجمر وأما حرها فشديد وليس هذا نهر الخابور الذي يجري من مدينة رأس عين ويصب في الفرات ثم تمر إلى الداخلة فيصب فيها أسفل من الموصل والحديثة، على فرسخ من الحديثة، من الجانب الشرقي نهر الزاب الأكبر والأصغر الواردان من بلاد أرمينية وأذربيجان، ثم تنتهي الدجلة إلى تكريت وسامراء وبغداد فيصب فيها نهر عيسى، ثم تخرج دجلة من بغداد فتصب فيها أنهار كثيرة مثل نهروان الذي يلي بلاد جرجرايا من مدينة واسط والسيف وتل النعمانية، وإذا

стр. 250

خرجت من مدينة واسط تفرقت أنهاراً آخذة إلى بطيحة البصرة، ومقدار جريان الدجلة ثلثمائة فرسخ وقيل أربعمائة فرسخ. وكانت الدجلة، التي تدعى اليوم العوراء، قبل الإسلام تستقيم من عند المذار، وهي اليوم منقطعة من ثم خرقت الأرض ومرت ذاهبة، وكان كسرى ابرويز قد كسر دجلة عند الخيزرانة ليعود الماء إلى دجلة العوراء وأنفق عليها مالاً عظيماً فأعياه ذلك، ورام خالد بن عبد الله أن يكسرها وأنفق الأموال في ذلك فهدمت دجلة ذلك البنيان وخرقته، وأثار ذلك البنيان ترى، إذا مد الماء دجلة، من آجر وصاروج، وربما عطبت فيه السفن المارة. دجيل (١) : هو قناة من دجلة كان أبو جعفر المنصور حين بنى بغداد أخرج من دجلة دجيلاً ليسقي تلك القرى كلها، حفرها من دجلة في عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها معقودة وعليها عقد وثيق، وسماها دجيلاً. وفي دجيل قتل عبد الرحمن بن أبي ليلى والد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وكان عبد الرحمن هذا يروي عن عمر وعلي وعبد الله وأبي هريرة ﵃ وكان خرج مع ابن الأشعث فقتل بدجيل. دارابجرد (٢) : من كور فارس بينها وبين شيراز مائة وخمسون ميلاً، وهي دار الملك ونسبها إلى نفسه، وهي كبيرة عامرة آهلة بها تجار وأسواق وبيع وشراء، وهي مجتمع للتجار المتصرفين في ديار فارس، وعليها سور حصين ويدور به خندق تجتمع فيه فضول المياه التي تسقى بها النخيل وفضالات مياه وعيون جمة، وفيه سمك كثير لا عظم له ولا فلوس عليه، ولها أربعة أبواب، وفي وسطها جبل عال كالقبة (٣) ، وبنيانها بالحجارة والطين والجص. قالوا (٤) : وكان بدارابجرد بيت نار معظم كان زرادشت أمر يستاسف الملك أن ينقل ناراً كانت بمدينة خوارزم إلى دارابجرد فالمجوس تعظم هذه النار أشد تعظيم، وهي أكرم نيرانهم، والذي بنى دارابجرد هو دارا بن بهمن بن اسبنديار وهو الذي مات أبوه فخلفه حملاً فعقد له التاج في بطن أمه، وهو والد دارا الذي قتله الإسكندر. قالوا: ومن النسب الشاذ قولهم في دارابجرد: دراورد ي، وقال الشاعر (٥) : أقاتلي الحجاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا دراورد (٦) : قرية من خراسان منها عبد العزيز بن محمد الدراوردي أصله منها ولكنه ولد بالمدينة ونشأ بها. الدردور (٧) : موضع في بحر فارس مما يلي شط البحر حيث جبلا كسير وعوير، وهو موضع يدور فيه الماء كالرحى دوراناً دائماً من غير فترة ولا سكون، فإذا سقط إليه مركب أو غيره فلا يزال يدور حتى يتلف، وهو يضيق على مقربة من جبلي كسير وعوير، تسلكه السفن الصغار ولا تسلكه الكبار، وهذه الدردورات ثلاثة: منها هذا الواحد والثاني بمقربة من جزيرة قمار والدردور الثالث في آخر الصين. درن (٨) : جبل بالمغرب مشهور يعرف بسقنقور، وهو جبل عظيم معترض في الصحراء. وحكى البكري أن في الحديث أن بالمغرب جبلاً يقال له درن يزف يوم القيامة بأهله إلى النار كما تزف العروس إلى بعلها، وقل أن يكون في الجبال مثله سمواً وكثرة خصب وطول مسافة واتصال عمارة ومبدؤه من البحر المحيط في أقصى السوس، ويمر مع المشرق مستقيماً حتى يصل إلى جبال نفوسة، ويسمى هنالك بجبل نفوسة،

стр. 251

ويتصل بعد ذلك بجبال طرابلس ثم يرق هنالك ويخفى أثره، ويقال إن هذا الجبل يصل إلى البحر حيث الطرف المسمى بأوثان. وفي كل هذا الجبل كل طريفة من الثمار وغرائب الأشجار والماء يطرد فيه، ويوجد بوسطه وحوافيه النبات مخضراً في كل الأزمان، وفي أعلاه جمل من قلاع وحصون تنيف على السبعين حصناً، ومنها الحصن المنيع القليل مثله في حصون الأرض بنية وتحصيناً ومنعة، وهو في أعلى الجبل حتى إن أربعة رجال يمسكونه ويمنعون الصعود إليه لأن الصعود إليه، من مكان ضيق وعر المرتقى لا ترتقي إليه دابة إلا بعد جهد ومشقة اسمه تامللت، وهو كان عمدة الإمام المهدي حين ظهر بالمغرب وهو الذي زاد في تحصينه وجعله مدخراً لأمواله، وبه الآن قبره، وعليه بناء متقن كالقبة العالية. وفي هذا الجبل من الفواكه: التين الطيب المتناهي في الطيب البالغ في الحلاوة (١) ، والعنب العسلي والجوز واللوز، ومن السفرجل والرمان ما يباع منه الحمل بقيراط لكثرته، وبه الإجاص والكمثرى والمشمش والأترج والقصب الحلو، وهم لا يتبايعونه بينهم لكثرته، وشجر الزيتون والخرنوب وسائر الفواكه، وبه الشجر المسمى آركان (٢) ويعصر منه دهن كثير جداً، وهم يستعملونه كثيراً وبه الصنوبر والأرز والبلوط. وهذا الجبل معترض في الصحراء، ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وإنه متصل بجبل المقطم الذي ببلدة مصر وفيه قبائل كثيرة من المصامدة، ويقال إنهم من العرب دخلوا تلك البلاد وسكنوا تلك الشعاب في الفتنة الواقعة عند هزيمة ميسرة التي تسمى غزوة الأشراف فكان البربر يطلبون العرب فتوغلوا في تلك الجبال وتناسلوا. فهم أهلها على الحقيقة، وفي الجبل من المصامدة أمم لا تحصى، وأكثر عيشهم من العنب والزبيب والرب وهم لا يستغنون عن شربه لشدة برد الجبل وثلجه، وخلفه بلد السوس. قال البكري: وهو متصل بجبل أوراس وبجبل نفوسة المجاور لطرابلس. قال: وتسير في هذا الجبل إلى موضع يقال له الملاحة، وفي أعلى الجبل نهر عظيم كبير والجبل كثير الأشجار. قال بعضهم: هذا الجبل فاصل بين الصحراء والساحل، ومنه ينفجر كل نهر هناك، وهم يختلفون في تسميته فأهل فاس وسجلماسة يسمونه درن كما وقع ذلك للمعتمد إذ رآه حين صير إلى تلك البلاد فقال: هذي جبال درن ... قلبي بها ذو درن يا ليتني لم أرها ... وليتها لم ترني والمصامدة ونول لمطة يسمونه جشكو، وهوارة يسمونه أوراس، ومما ينفجر منه نهر نفيس ووادي أغمات وغيرهما. دروقة (٣) : مدينة بالأندلس من عمل قلعة أيوب عظيمة في سفح جبل، وعلى مقربة منها كنيسة أبرونية لها ثلاثمائة باب وستون باباً، وهي من إحدى عجائب البنيان. وقيل بين دروقة وبين قلعة أيوب ثمانية عشر ميلاً، وهي مدينة صغيرة متحضرة كبيرة العامر كثيرة البساتين والكروم، وكل شيء بها كثير رخيص، وبينها وبين سرقسطة خمسون ميلاً. درعة (٤) : بالمغرب في جهة سجلماسة، وإنما تعرف درعة بواديها فإنه نهر كبير يجري من المشرق إلى المغرب وينبعث من جبل درن، وعليه عمارة متصلة نحو سبعة أيام، وهي مدينة عامرة آهلة بها جامع وأسواق حافلة كثيرة ومتاجر رائجة، ولها يوم الجمعة سوق في مواضع كثيرة، وقديماً كان سوقان في يوم واحد في المواضع المتباينة (٥) ، وهي في شرف من الأرض والنهر منها بقبليها، وجريه من المشرق إلى المغرب، ويهبط لها من ربوة حمراء وعليه الجنات الكثيرة فيها جميع الفواكه من النخل والزيتون وغيرهما، والحناء بدرعة كثير، ومنها يجلب إلى جميع البلاد لطيبها، ولها مزية في البيع على سواها، وشجر الحناء بها كثير كبير يحتمل أن يرقى الراقي إليها. وبوادي درعة شجر التاكوت (٦) ، وهو شجر يشبه الطرفاء

стр. 252

وبه يدبغ الجلد الغدامسي، ويوجد بوادي درعة حجارة تسمى تامطغيت (١) تحك باليد فتلين إلى أن تأتي في قوام الكتان فتصنع منها القيود للدواب والإمرة، وتغزل وينسج منها مناديل ولا تؤثر فيها النار مثل السمندل، وقد صنع منها لبعض ملوك زناتة كساء فكان عنده من أعظم الذخائر. وذكر البكري عن من أخبره أنه رأى تاجراً قد جلب منه منديلاً لبعض ملوك الروم، وأخبره أنه منديل كان لبعض الحواريين وجعله في النار أمام الملك فلم تؤثر فيه النار، فوصله ذلك الملك عليه بصلة كان فيها غناه إلى آخر الدهر، ويقال إن ذلك الملك بعثه إلى ملك الروم الأعظم وأخبره بخبره فوضعه في الكنيسة العظمى وبعث إليه بصلة سنية، وأمره أن يتوج بتاج بعثه إليه ورفعه على من سواه. وبين (٢) درعة وسجلماسة ثلاث مراحل وليست درعة بمدينة يحوطها سور ولا حفير إنما هي قرى متصلة وعمارات متقاربة ومزارع كثيرة، وفيها أخلاط من البربر، وهي على نهر سجلماسة النازل إليهم وعليه يزدرعون غلات الحناء والكمون والكراويا والنيلج، ونبات الحناء يكبر بها حتى يصير في قوام الشجر يصعدون إليها، ومنها يؤخذ بزره ويتجهز به إلى الجهات، ولا يوجد بزره إلا في هذا الإقليم فقط. وبين درعة والسوس الأقصى أربعة أيام. الدرب (٣) : هو جبل بين عمورية وطرسوس، وهو الذي عناه امرؤ القيس بقوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وهو حاجز بين بلاد إنطاكية وبلاد طرسوس منتصباً من الغرب إلى الشرق، وفيه أبواب عليها حصون وحراس ترتقب الداخل والخارج، ومن الدرب إلى البذندون، وهو حصن، اثنا عشر ميلاً. درجين (٤) : هي آخر البلاد الجريدية، مدينة قديمة بقرب نفطة، وهي كبيرة، والكساء الدرجيني يشبه الكساء السجلماسي في ثوبه ولونه، لكنه دونه في الجودة. دلاية (٥) : قرية بالأندلس من عمل المرية. دلوك (٦) : بلد من الثغور المتصلة ببلاد الروم وراء الفرات، وقال عدي بن الرقاع: فقلت لها كيف اهتديت ودوننا ... دلوك وأشراف الدروب القواهر دلاص (٧) : من البلاد المصرية في الضفة الشرقية من معظم النيل، تصنع بها اللجم الدلاصية، وهي مدينة صغيرة عامرة جليلة وصناعة الحديد فيها قائمة، وهي قديمة أزلية عجيبة البناء فيها غرائب، وهي كانت مجتمع سحرة مصر، وكانت في أيام القبط كبيرة إلا أنها الآن تسلط عليها البرابر من لواتة وشرار العرب فأفنوا عمارات أطراف هذه البلاد وأفسدوها فقل ساكنوها لذلك. دمقلة (٨) : في غربي النيل على ضفته، وهي قاعدة ملك النوبة، وأهلها سودان، ومن النيل يشرب أهلها، لكنهم أحسن الناس وجوهاً وأجملهم شكلاً وطعامهم الشعير والذرة، والتمر يجلب إليهم من البلاد المجاورة لهم، وشرابهم المزر المتخذ من الذرة. وبين دمقلة (٩) وعمل مصر أربعون يوماً، وهم نصارى يعقوبية ويقرأون الانجيل بلسان الروم الملكانية، وهم يغتسلون من الجنابة، لا يطأون في الحيضة، وملوكهم (١٠) يتخذون الخيل العتاق، وركوب عوامهم البراذين، ولهم النخل والكروم والذرة والموز والحنطة، والأترج عندهم كثير. وتسير من دمقلة في جبال وشعاب حتى تنتهي إلى صورا وهو آخر بلادهم.

стр. 253

ولما افتتحت (١) مصر أمر عمر ﵁ أن تغزى النوبة فوجدهم المسلمون يرمون الحدق فذهبوا إلى المصالحة فأبى عمرو بن العاصي ﵁ من مصالحتهم حتى صرف عن مصر ووليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين فقاتلوه قتالاً شديداً فأصيبت عين معاوية بن حديج ﵁ وعيون جماعته، فحينئذ سموا رماة الحدق. قال الشاعر: لم تر عيني مثل يوم دمقله ... والخيل تعدو بالدروع مثقله ... ورميهم عن قسي غريبة، ولحومهم لحم (٢) الإبل طرياً وملحاً يطبخونه بالنار، والسمك عندهم كثير جداً، وفي بلادهم الزراريف والفيلة والغزلان. دمهرة (٣) : وهي جزيرة القمر من جزر الهند، وهذه الجزائر فيها رئيس يجمعهم ويذب عنهم ويهادن على قدر طاقته، وزوجته تحكم بين الناس وتكلمهم ولا تستتر عنهم سترة دائمة لا ينتقلون عنها، وهي تلبس حلة الذهب المنسوج وعلى رأسها تاج الذهب المكلل بأنواع اليواقيت والجوهر والأحجار النفيسة، وتجعل في رجلها نعل الذهب، وليس يمشي أحد في هذه الجزائر بنعل إلا الملكة وحدها، ومتى عثر على أحد أنه يلبس النعل قطعت رجلاه. وتركب هذه الملكة في مدينتها وأعمالها ويركب خلفها جواريها بالزي الكامل من الفيلة والرايات والأبواق، والملك زوجها وجميع الوزراء يتبعونها على بعد منها، ولهذه الملكة أموال تجمعها من جبايات معلومة فتتصدق بهذه الأموال على فقراء أهل بلادها في ذلك اليوم ولا تتصدق بشيء إلا وهي واقفة تنظر، وأهل بلادها يعلقون على طرقها ومواضع سيرها أنواع ثياب الحرير، ولها زي حسن. ونساء هذه الجزيرة يمشين مكشوفات الرؤوس مضفورات الشعور، والمرأة الواحدة تمسك في رأسها عشرة أمشاط وأقل وأكثر، وهي حليهن. دمنهور (٤) : مدينة مسورة في بسيط من الأرض أفيح متصل من الإسكندرية إلى مصر والبسيط كله محترث، والقرى فيه يميناً وشمالاً لا تحصى كثيرة. دماميل (٥) : مدينة بينها وبين قوص من أرض مصر سبعة أميال، وهي محدثة حسنة البناء طيبة الهواء كثيرة الزراعات ممكنة الحنطة وسائر الحبوب، وأهلها أخلاط والغالب عليهم أهل المغرب والغريب عندهم مكرم محفوظ مرعي الجانب، وفي أهلها مواساة بالجملة. دمشق (٦) : هي قاعدة الشام ودار ملك بني أمية، سميت باسم صاحبها الذي بناها وهو دمشق بن قاني بن مالك بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﵇، وقيل سميت بدماشق بن نمرود بن كنعان، قال عياض: هي بكسر الدال وفتح الميم، ومنهم من يكسر الميم. وهي ذات العماد في قول عوف بن خالد وعكرمة وغيرهما، وقيل غير ذلك. قال مؤرخو أخبار العجم: في شهر أيار بنى دمشوش الملك مدينة جلق، وهي مدينة دمشق وحفر نهرها بردى ونقره في الجبل حتى جرى إلى المدينة. وحكي أن دمشق كانت دار نوح، ومن جبل لبنان كان مبدأ السفينة، واستوت على الجودي قبل قردى ولما كثر ولده نزلوا بابل السواد في ملك نمرود بن كوش أول ملك كان في الأرض. وسور دمشق تراب، ولها أربعة أبواب: الباب الغربي وهو باب الجابية، والباب الجنوبي (٧) ويسمى باب توما ويقال له اليوم باب المصادمة، والباب الشرقي وهو باب الغوطة، ومن الباب الشرقي دخل خالد بن الوليد ومنه فتح دمشق، والباب الشمالي

стр. 254

هو باب الفراديس وهو باب كيسان (١) ، ونهرها يحيط بمدينتها من كل ناحية حتى يلتقي من جهة الغوطة، وفي باب توما أربعة أنهار: نهر برزة ونهر ثورا (٢) ونهر يزيد ونهر القناة، وتسير في مدينة دمشق حتى تنتهي إلى باب الفراديس مقدار ميل إلى عين حران، وهي ثلاث ديارات، وقصر ابن طولون إلى جانبه، ومما يلي الباب الغربي وهو باب الجابية المصلى، وتسير من المدينة في بساتين إلى باب صغير وعليه خمس صوامع للرهبان. وفي سور دمشق فتح كالأبواب تدخل منها الأنهار إلى المدينة وهي تجري داخل المدينة وتخرق دورها وأسواقها، والأسواق كلها مسقفة على هيئة سقوف المسجد الجامع بها، وأرضها مفروشة. ومسجد جامعها بناه الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين، وهو داخل المدينة وليس (٣) على وجه الأرض مثله بناء ولا أحسن صفة ولا أتقن إحكاماً ولا أبدع منه تلميعاً بأنواع الفصوص المذهبة والآجر المحكوك والمرمر المصقول، فمن جاء من ناحية باب جيرون صعد إليه في درج رخام نحواً من ثلاثين درجة، ومن قصده من ناحية باب البريد والقبة الخضراء وباب الفراديس كان مدخله مع الأرض بغير درج. ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ولا يدخله الطائر المعروف بالخطاف، وفيه آثار عجيبة منها الخزان (٤) ، والقبة التي فوق المحراب عند المقصورة يقال إنها من بناء الصابئة، وكان مصلاهم بها، ثم صار في أيدي اليونانيين فكانوا يعظمون فيه دينهم ثم صار بعدهم لعباد الأوثان، فكان موضعاً لأصنامهم، ثم انتقل إلى اليهود فقتل في ذلك الزمان يحيى بن زكريا فنصب رأسه على باب المسجد المسمى بباب جيرون، ثم تغلب عليه النصارى فحولته بيعة يقيمون بها دينهم، ثم افتتحها المسلمون فاتخذوه جامعاً، فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان جعل أرضه رخاماً ومعاقد رؤوس أساطينه ذهباً ومحرابه مذهباً وسائر حيطانه مرصعة بأشباه الجوهر، والسقف كله مكتب بأحسن صنعة وأبدع تنميق، وأنفق في هذا المسجد خراج الشام كله سنتين. وكان (٥) بعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره باشخاص اثني عشر ألف صانع من جميع بلاده، وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن توقف عنه، فامتثل أمره مذعناً بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك، فشرع في بنائه وبلغ الغاية في التأنق فيه، وأنزلت جدره كلها بفصوص الفسيفساء وخلطت بأنواع من الأصبغة الغريبة وقد مثلت أشجاراً وفرعت أغصاناً منظومة بالفصوص ببدائع من الأصبغة الغريبة، فجاء يعشي العيون وميضاً، وكان مبلغ النفقة حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي (٦) في بنيانه أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار، فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار. والوليد هو الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه لأنه كان قسمين: قسماً للمسلمين وقسماً للنصارى، وهو الغربي، لأن أبا عبيدة ابن الجراح ﵁ دخل البلد من الجهة الغربية فانتهى إلى نصف الكنيسة وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى، ودخل خالد بن الوليد ﵁ عنوة من الجهة الشرقية وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقي، فاختاره المسلمون وصيروه مسجداً، وبقي النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى إلى أن عوضهم منه الوليد فأبوا ذلك فانتزعه من أيديهم قسراً وطلع لهده بنفسه، وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن، فبادر الوليد وقال: أنا أول من يجن في الله تعالى، وبدأ بالهدم بيده فبادر المسلمون هدمه، واستعدوا عمر بن عبد العزيز ﵁ أيام خلافته وأخرجوا العهود التي بأيديهم من الصحابة ﵃ في إبقائه عليهم فهم بصرفه إليهم فأشفق المسلمون من ذلك، ثم عوضهم من ذلك بمال عظيم أرضاهم به فقبلوه. ويقال إن أول من وضع جداره القبلي هود ﵇، وفي أثر أنه يعبد الله تعالى فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة، وذرعه في الطول من المشرق إلى المغرب مائتا خطوة وهما ثلثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الشمال مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا ذراع، فيكون تكسيره من المراجع أربعة وعشرين مرجعاً، وهو تكسير مسجد رسول الله ﷺ ، غير أن الطول في مسجد رسول الله ﷺ من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاث مستطيلة من المشرق إلى المغرب، سعة كل بلاطة ثمان عشرة خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وقد قامت على ثمانية وستين عموداً، منها أربع وخمسون

стр. 255

سارية وثماني (١) أرجل جصية واثنتان مرخمة ملتصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن، وأربع (٢) أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص الرخام ملونة قد نظمت خواتيم وصورت محاريب وأشكالاً غريبة قائمة في البلاط الأوسط، دور كل رجل منها اثنان وسبعون شبراً، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهات: الشرقية والغربية والشمالية، وسعة الصحن حاشا المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع، وعدد شمسيات الجامع الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون. وفي الجامع ثلاث مقصورات: مقصورة الصحابة ﵃ وهي مقصورة معاوية ﵁، هو أول من وضعها وبإزاء محرابها باب حديد كان يدخل منه معاوية إلى المقصورة، وبإزاء محرابها مصلى أبي الدرداء ﵁ وخلفها كانت دار معاوية ﵁، وهو اليوم سماط عظيم للصفارين بطول جدار الجامع القبلي (٣) . وفي الجامع عدة زوايا يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس، وهي من جملة مرافق الطلبة. وفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون باباً قد علتها قسي جصية كلها مخرمة على شبه الشمسيات. وللجامع ثلاث صوامع: واحدة في الجانب الغربي وهي كالبرج المشيد تحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، وبها كان معتكف أبي حامد الغزالي، وثانية بالجانب الغربي،، وثالثة (٤) بالجانب الشمالي. وللجامع مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على الثمانية آلاف دينار في السنة. وكان هذا الجامع ظاهراً وباطناً منزلاً كله بالفصوص المذهبة مزخرفاً بأبدع زخارف البناء فأدركه الحريق مرتين فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه واستحال رونقه. ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسناً وغرابة صنعة يتقد ذهباً كله قد قامت في وسطه محاريب صغار، وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في صف المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف عثمان الذي وجه به إلى الشام، وتفتح الخزانة كل جمعة إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله، ويكثر الزحام عليه. وهناك مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي ﵄ ثم نقل إلى القاهرة. وعن يمين الخارج من باب جيرون غرفة لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر وقد فتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيراً هندسياً، فعند انقضاء ساعة من النهار سقطت صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاس صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان. ويستدير بالجامع أربع سقايات في كل جانب سقاية، واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت والماء يجري في كل بيت، وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي أكبرها، فيها من البيوت نيف على ثلاثين، والبلد كله سقايات قل ما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه من سقاية. قالوا: ورأس يحيى بن زكريا ﵉ مدفون بالجامع في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية، وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة إلى الأسطوانة، وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف كالقدح الكبير. وفي الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ منه غار مستطيل ضيق قد بني عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة، وعليه صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأى إبراهيم الخليل ﷺ الكوكب ثم القمر ثم الشمس حسبما ذلك مذكور في الكتاب العزيز، ذكر ذلك ابن عساكر. وهناك مغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب صلوات الله وسلامه عليهم. ولكل مشهد من تلك المشاهد أوقاف معينة. وهناك الربوة المباركة التي أوى إليها المسيح ﵇ وأمه، وهناك بيت يقال إنه مصلى الخضر، وهذه الربوة رأس بساتين البلد ومنها ينقسم الماء على سبعة أنهار ولهذه الربوة أوقاف من بساتين وأرض بيضاء. وبغربي البلد جبانة تعرف بقبور الشهداء فيها كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الصالحين، فمنها قبر أبي الدرداء

стр. 256

وزوجته أم الدرداء ﵄، وفضالة بن عبيد، وسهل بن الحنظلية، ومعاوية بن أبي سفيان وأخته أم المؤمنين أم حبيبة، وواثلة بن الأسقع، وبلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، وأويس القرني، وخلفاء بني أمية ﵃. ولدمشق ثمانية أبواب: باب شرقي، وهو شرقي المدينة، وفيه منارة بيضاء يقال إن عيسى ﵇ ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويلي هذا الباب باب توما، ثم باب السلامة، ثم باب الفراديس، ثم باب الفرج، ثم باب النصر، ثم باب الجابية، ثم باب الصغير. والأرباض تطيف بالبلد كله إلا من جهة الشرق مع ما يتصل بالقبلة يسيراً وله أرباض كثيرة، والبلد ليس بمفرط الكبر وهو مائل للطول، وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن كبير تعرف بكنيسة مريم، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها، وهي بأيدي الروم لا اعتراض عليهم فيها. وبالبلد نحو عشرين مدرسة ومارستانان، أحدهما جاريه في اليوم نحو الخمسة عشر ديناراً وله قومة برسم المرضى والنفقة التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية، والأطباء يبكرون إليه كل يوم ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية، وفيه مجانين معتقلون لهم ما يخصهم من العلاج، وهم في سلاسل موثقون، نعوذ بالله من البلاء. ومن أغرب أحاديثهم أن رجلاً كان يعلم القرآن، وكان يقرأ عليه صبي من أهل البلد اسمه نصر الله هام به المعلم وزاد كلفه به حتى اختل عقله وأوى إلى المارستان، واشتهرت علته وفضيحته بالصبي، فقيل له: اخرج وعد إلى ما كنت عليه من القرآن، فقال متماجناً: وأي قراءة بقيت لي؟ ما بقي في حفظي من القرآن شيء سوى: " إذا جاء نصر الله والفتح " فضحك منه، نسأل الله العافية، وما زال هناك حتى مات، لطف الله به. وأما رباطات الصوفية التي يسمونها الخوانق فكثيرة، وهي قصور مزخرفة، في جميعها الماء يطرد. وهناك ديار موقوفة لقراءة كتاب الله تعالى يسكنونها، ومرافق الغرباء أكثر في البلد من أن تحصى لا سيما لحفاظ كتاب الله تعالى والمنتمين للطلب. وبهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية وهي بازاء باب الفرج، وبها جامع السلطان. وبهذه البلدة قرب مائة حمام، وفي أرباضها نحو أربعين داراً للوضوء يجري الماء فيها كلها، وهي أحسن البلاد للغريب لكثرة المرافق، وأسواقها من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاماً ولا سيما قيساريتها. وأهل دمشق يمشون أمام الجنازة بقراء يقرأون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية برفيع أصواتهم، وكلهم يمشون وأيديهم إلى خلف، قابضين بالواحدة على الأخرى، ويركعون للسلام على تلك الحالة، والمحتشم منهم من يسحب أذياله على الأرض شبراً ويضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى، ويستعملون المصافحة إثر الصلوات لا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر. ودمشق (١) جامعة لصنوف المحاسن وضروب الصناعات وأنواع الثياب الحرير كالخز والديباج النفيس ويتجهز به إلى جملة الآفاق، وفي داخل دمشق على أوديتها أرحاء كثيرة جداً، وبها من الحلاوات ما لا يوجد بغيرها، وأهلها في خصب أبداً، وهي أعز البلاد الشامية وأكملها حسناً. وكان الوليد فرش داخل المدينة بالرخام الأبيض المختم باللازورد تختيماً متداخلاً من أصل الحلقة، وحيطان المسجد بالفسيفساء وسقفه لا خشب فيه وهو مذهب كله، وله ثلاث منارات: المنارة الواحدة التي في مؤخر المسجد واثنتان في غربه وشماله والمسجد مذهب كله من أعلاه إلى أسفله ذهباً وفسيفساء، وفي صحن المسجد قبة قد أحكمت صنعتها وأتقنت أشد الإتقان، فيها فوارة من نحاس محكمة العمل يفور منها الماء ويرتفع نحو القامة ثم ينزل في حوض رخام بديع ويستدير بهذه القبة شباك من حديد، وسطح الفوارة فسيفساء فيه صور غزلان وغيرها من الحيوان، فإذا أشرفت على الفوارة وهي مملوءة ماء رأيت منظراً أنيقاً. وعند الباب الشرقي من المسجد قبة في أعلاها قناة رصاص ولها أنابيب من نحاس قد أخرجت من حدود القبة توقد فيها السرج، وفي حيطان المسجد قناة للماء بأقفال ينزل ماؤها في حياض رخام في وسط كل حوض عمود من نحاس يندفع منه الماء مرتفعاً علواً، وفي أعلى مسجد دمشق قبة خضراء مشرفة جداً. وجبانة دمشق في الجنوب منها، يكون طولها ميلاً في مثله. قالوا (٢) : ومر الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق برجل ممن يعمل في المسجد وهو يبكي، فقال: ما قصتك قال:

стр. 257

يا أمير المؤمنين كنت رجلاً جمالاً فلقيني رجل فقال: أتحملني إلى مكان كذا وكذا، موضعاً في البرية، قلت: نعم، فلما حملته وسرنا بعض الطريق التفت إلي فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حي أغنيك، وإن مت قبل بلوغي إليه فاحملني إلى الموضع الذي أصف لك، فإن ثم قصراً خراباً فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار ثم عد سبع شرافات من القصر واحفر تحت السابعة على قدر قامة فإنك ستظهر لك بلاطة فاقلعها، فإنك سترى تحتها مغارة فادخلها، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت، فاجعلني على أحد السريرين ومدني عليه وحمل جمالك هذه وحمارتك مالاً من المغارة وارجع إلى بلدتك. قال: فمات في الطريق، ففعلت ما أمرني به، وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالاً من المغارة وسرت بعض الطريق وكانت معي مخلاة فنسيت أن أملأها من ذلك المال وداخلني الشره، فقلت: لو رجعت فملأت هذه المخلاة، فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال، فدرت فلم أعرف، فلما يئست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها، فجعلت أدور في البرية أياماً فلم أجد لها أثراً، فلما يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة فلم أحصل على شيء، وألجأني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين، فها أنا أعمل كل يوم في التراب بدرهم فكلما تذكرت بكيت، فقال له الوليد: لم يقسم الله لك في تلك الأموال شيئاً وإلي صارت فبنيت بها هذا المسجد. وفي غربي دمشق لأقل من ميل منها قصر الإمارة، وهي مدينة مسورة، ولها بابان كبيران يسمى أحدهما باب الربوة والثاني باب حوران، وبينهما أبواب كثيرة تسمى الخوخات، وفيها مسجد جامع متقن إلا أنه لا يبلغ إتقان مسجد المدينة الكبرى، وفيها أسواق كثيرة، وبين قصر الإمارة والمدينة بساتين وأنهار جارية، وعلى قصر الإمارة قبة حمراء مشرفة، ويحيط بقصر الإمارة نهر من جميع جوانبه، وجبل اللكام جبل شاهق لاصق بمدينة دمشق، وبينهما نهر عليه قنطرة لطيفة، وهي تسقي بساتين الغوطة، وثنية العقاب على مقربة من مدينة دمشق تسير من الثنية في قرى النصارى حتى تفضي إلى باب توما. والخضراء من دمشق كان ينزلها معاوية بن أبي سفيان ﵁. ومرابط أهل دمشق بيروت، وهي مدينة على شاطئ البحر وفيها كان أبو الدرداء ﵁. وفتحت دمشق في زمان عمر ﵁ سنة أربع عشرة بعد أن لقيتهم جموع الروم بمرج الصفر عند طاحونة المرج فهزمت الروم، ويقال إن الطاحونة طحنت في ذلك اليوم من دمائهم وهرب هرقل إلى أنطاكية ثم إلى القسطنطينية. ولعبد الله بن أحمد الكاتب المعدل في ذكر دمشق، أنشده ابن عساكر في كتابه (١) : سقى الله ما تحوي دمشق وحياها ... فما أطيب اللذات فيها وأهناها نزلنا بها فاستوقفتنا محاسن ... يحن إليها كل قلب ويهواها لبسنا بها عيشاً رقيقاً رداؤه ... ونلنا بها من صفوة العيش أعلاها ولم يبق فيها للمسرة بقعة ... يفرح فيها القلب إلا نزلناها وكم ليلة نادمت بدر تمامها ... تقضت وما أبقت لنا غير ذكراها فآهاً على ذاك الزمان وطيبه ... وقل له من بعده قولتي آها فيا صاحبي إما حملت تحيتي ... إلى دار أحباب لنا طاب مغناها فقل ذلك الوجد المبرح ثابت ... وحرمة أيام الهوى ما أضعناها فإن كانت الأيام أنست عهودنا ... فلسنا على طول المدى نتناساها سلام على تلك المحاسن إنها ... محط (٢) صبابات النفوس ومثواها رعى الله أياماً تقضت بقربها ... فما كان أهناها لدينا وأمراها

стр. 258

ليالي لا أنفك في عرصاتها ... أنادم بدراً أو أعاتب تياها فمن مترف يستملك اللب حسنه ... وفاتنة يستأسر القلب عيناها إذا عدم الورد الجني أراك ما ... يفوق على الورد المورد خداها وإن غاب نور البدر في حلك الدجى ... أضاء كضوء الصبح نور محياها أحن إليها ثم أخشى رقيبها ... فما زلت أخشاها بوجدي فأغشاها وإن لم ترد طيب الخمور وفعلها ... أقمت مقام الكأس في فعلها فاها ومن أين للصهباء شمس مضيئة ... يعاطيك محياها رحيق ثناياها رعى الله عني عصبة أدبية ... فلم يجر خلق في البلاغة مجراها إذا ذكرتها النفس حنت لذكرها ... وإن ذكرتها العين حنت لرؤياها فلا برحت يستعبد الحر حسنها ... وتستخدم الألفاظ الطاف معناها وقال أبو الفرج عبد الله بن أسعد الموصلي الفقيه الشافعي المعروف بابن الدهان (١) : سقى دمشق وأياماً مضت فيها ... مواطر السحب ساريها وغاديها فللحاظ وللأسماع ما اقترحت ... من وجه شادنها أو صوت شاديها إذا العزيمة عن فرط الغرام ثنت ... قلباً تثنى له غصن فيثنيها ريم إذا جلبت حيناً لواحظه ... للنفس حيا بخديه فيحييها اشتاق عيشي بها قدماً ويذكرني ... أيامي السود بيضاً من لياليها ونحن في جنة لا ذاق ساكنها ... بأساً ولا عرفت بؤساً مغانيها سماء دوح ترد الشمس صاغرة ... عنا وتبدي نجوماً من نواحيها ترى النجوم بها في كل ناحية ... ممدودة للنجوم الزهر أيديها إذا الغصون هززناها لنيل جنى ... صارت كواكبها حصباً أراضيها من كل صفراء مثل الماء يانعة ... تخالها جمر نار في تلظيها لذيذة الطعم تحلو عند آكلها ... بهية اللون تجلى عند رائيها يا ليت شعري على بعد أذاكرتي ... عصابة لست طول الدهر ناسيها عندي أحاديث وجد بعد بعدهم ... أظل أجحدها والعين ترويها كم لي بها صاحب عندي له نعم ... كثيرة وأياد ما أؤديها فارقته غير مختار فصاحبني ... صبابة منه تخفيني وأخفيها رضيت بالكتب بعد القرب فانقطعت ... حتى رضيت سلاماً في حواشيها وقال إسماعيل بن أبي هاشم: قرأت على قصر بدمشق لبنى أمية:

стр. 259

ليت شعري ما حال أهلك يا قص ... ر وأين الذين علوا بناكا ما لأربابك الجبابرة الأملا ... ك شادوك ثم حلوا سواكا ألزهد يا قصر فيك تحامو ... ك ألا نبني ولست هناكا ليت شعري وليتني كنت أدري ... ما دهاهم يا قصر ثم دهاكا ليت أن الزمان خلف منهم ... مخبراً واحداً فاعلم ذاكا ومن خلف هذا جواباً عنهم: أيها السائل المفكر فيهم ... ما لهذا السؤال قل لي دعاكا أوما تعرف المنون إذا حل ... ت دياراً فلن تراعي هلاكا إن في نفسك الضعيفة شغلاً ... فاعتبر وامض فالمنون وراكا دندمة (١) : مدينة في أرض سفالة صغيرة على ضفة البحر، وأهلها في ذاتهم قلة وليس في أيديهم شيء يتصرفون به أو يعيشون منه إلا الحديد، فإن بلاد سفالة يوجد في جبالها معادن الحديد الكثيرة، وأهل جزائر الرانج وغيرهم من ساكني الجزائر المطيفة بها يدخلون إليهم ويخرجونه من عندهم إلى سائر بلاد الهند وجزائرها، فيبيعونه بالثمن الجيد لأن بلاد الهند أكثر تصرفهم وتجاراتهم بالحديد، ومع أن الحديد موجود في جزائر الهند ومعادنه بها، فإنه في بلاد سفالة أكثر وأطيب وأرطب، لكن الهنديون يحسنون صنعته وتركيب أخلاط الأدوية منه التي يسبكون بها الحديد اللين، فيعود هندياً ينسب إلى الهند. وبها دار لضرب السيوف وصناعهم يجيدونها فضلاً عن غيرهم من الأمم، وكذلك الحديد السندي (٢) والسرنديبي والبينماني في كلها تفاضل بحسب هواء (٣) المكان وجودة الصنعة وإحكام السبك والضرب وحسن الصقل والجلاء، لا يوجد شيء من الحديد أمضى من الحديد الهندي، وهذا شيء مشهور لا ينكر. ودندمة هذه إحدى قواعد سفالة. وبجميع (٤) بلاد سفالة يوجد التبر الذي لا يعدل به طيباً وكثرة وعظماً، وهم مع ذلك يفضلون النحاس على الذهب ومنه حليهم، وهذا التبر الموجود في أرض سفالة يوجد منه في التبرة مثقال ومثقالان وأكثر وأقل، وهم يسبكونه بنار أرواث البقر ولا يحتاجون فيه إلى جمع بزئبق ولا غيره كما يفعله أهل المغرب الأقصى، فانهم يؤلفون أجزاء تبرهم ويجمعونها بالزئبق وبعد ذلك يسبكونه بنار الفحم فيذهب الزئبق بالتراب ويبقى التبر مسبوكاً نقياً، وتبر أرض سفالة لا يحتاج إلى ذلك، يسبك بلا صنعة تدخله. دنباوند (٥) : من أعمال الجبل وبالقرب من قاشان، وقيل بين الري وطبرستان، ويقال إن فيه الضحاك الذي يقال له مام، ويقال إنه الذي قال له نوح ﵇ " يا بني اركب معنا " وهو ذو الأفواه والعجم تدعي الضحاك واليمن تدعيه وتزعم أنه ملك الأرض كلها وملك ألف سنة، ويقال إنه أول من سن الصلب ووضع العشور، ويقال إنه خرج في منكبيه سلعتان كل واحدة منهما كرأس الثعبان تتحركان تحت ثوبه إذا جاع أو غضب، فكان يشتد وجعه حتى يطليهما بدماغ إنسان فكان يقتل لذلك رجلين كل يوم، وكان يقسمهما على الآفاق، وزعموا أيضاً أنه نمرود صاحب إبراهيم ﵇، والفرس تزعم أنه بيوراسب الملك الفارسي وأنه ملك الأقاليم السبعة، وزعموا أنه مغلل في جبل دنباوند واتخذ اليوم الذي قيد فيه عيد المهرجان، قيده افريدون رجل من أصحاب أصبهان من أجل ابنين له قتلهما فدعا الناس إلى مجاهدته فأسرعوا إليه ونهدوا إلى الضحاك، فألقى الله الرعب في قلبه وجلا عن منازله. وافريدون أول من ذلل الفيلة وامتطاها ونتج البغال وعالج الترياق. وقد زعم بعضهم أن الضحاك كان في زمن نوح وأنه إليه أرسل.

стр. 260

وجبل دنباوند جبل عظيم، يحكى أن ظله في وقت العصر يطول اثني عشر ميلاً، وعلى رأسه دخان لا يفتر الدهر كله، وهو في نهاية العلو والمنعة، ويقال إنه يرى على مسافة خمسين فرسخاً لارتفاعه ولا يصح أن أحداً ارتقاه، وتنحدر منه مياه كثيرة، وحول قلعته قرى كثيرة. وذكر (١) الحربي أنه ورد في الحديث أن دنباوند بلدة السحرة، وفيها الساحر المحبوس في جبلها يقال إنه يفلت في آخر الزمان فيكون مع الدجال يعلمه السحر ويعمله له، والناس يصحفون هذا الاسم فيقولون: دنياوند يجعلون ثالثه ياء منقوطة من أسفل، وإنما هو دنباوند ثالثه باء منقوطة بواحدة. دنهاجة (٢) : من بلاد المغرب بالقرب من البصرة المعروفة بالحمراء، وهو على تل يعرف بقصر عبد الكريم، وكان من أشياخ كتامة القاطنين هناك، رأس واستوطن ذلك الموضع، وكانت فيه آثار قديمة، فبنى فيه داراً سميت قصراً لعدم القصور بتلك الجهة. دغول (٣) : قرية من قرى نيسابور، وقيل من قرى طرسوس. دغوطه (٤) : جزيرة في آخر بلاد سفالة، وهي على جون كبير، وأهلها عراة لا يستترون بشيء من الثياب لكنهم يستترون بأيديهم عند التقائهم بالتجار الداخلين إليهم من سائر الجزائر المجاورة لهم ونساؤهم محتجبات لا يدخلن (٥) الأسواق ولا المحافل لأنهن عراة فمن ذلك يلزمن أمكنتهن التي يأوين إليها، وفي هذه المدينة وبأرضها بوجد التبر مثل ما يوجد بغيرها من بلاد سفالة. دقوقا (٦) : مدينة في جهة اربل. وفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة قصدها جلال الدين خوارزمشاه بالخوارزمية فقاتل أهلها قتالاً شديداً إلى أن فتحها الخوارزمية بالسيف، وقتلوا كثيراً من أهلها، فأرسل إليه مظفر الدين صاحب اربل من المال والتحف ما ملأ عينه، وأشار عليه أن يترك بلاد الخليفة ويرسل إليه رسولاً بالطاعة لتقوم بذلك حرمته عند سلاطين البلاد ويسير إلى أذربيجان التي فيها عدوه ابن البهلول، ففعل. دستوا (٧) : من كور الأهواز، وقيل صوابه دستو، وإليها ينسب هشام بن أبي عبد الله الدستوائي وهذا من تغيير النسب وإنما قياسه دستوي. الدسكرة: مدينة فيما بين بغداد وبلاد خراسان (٨) ، وهي مدينة كبيرة بها قصر من بناء الأكاسرة له سور مشرف، له باب واحد مما يلي المغرب، وليس داخله بناء والطريق من الدسكرة إلى جلولاء بين جبال ورمال ونخيل. دهستان (٩) : مدينة على الضفة الشرقية من بحيرة طبرستان وهي من أبسكون على مائة وخمسين ميلاً، وليس في الضفة الشرقية من هذا البحر إلا دهستان. الدهناء (١٠) : رمال في طريق اليمامة إلى مكة لا يعرف طولها، وأما عرضها فثلاث ليال، وهي على أربعة أميال من هجر، ويقال في المثل: أوسع من الدهناء. دهلك (١١) : جزيرة بينها وبين بلاد الحبشة نصف يوم في البحر، وطول هذه الجزيرة مسيرة يومين، وحواليها ثلثمائة جزيرة معمورة أهلها مسلمون، وإذا أتت الحبشة لمناجزتهم صعدوا جبلاً عالياً يقابل جزيرة دهلك وأوقدوا فيه ناراً فيخرج المسلمون إليهم في السفن، وإلى ساحل جزيرة دهلك (١٢) هاجر أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي، وفي هذه الجزيرة مساجد جامعة وأحكام عادلة، وقد ولي القضاء فيها بعد الأربعمائة محمد بن يونس، مالكي من أهل الأندلس.

стр. 261

ومن هذه الجزيرة يحمل العبيد والإماء من الحبشة إلى سائر الآفاق، وأهل اليمن والحجاز ومكة يستحسنون اتخاذ السراري منهم، ويفضلونهن على جميع ما يتخذون، وفي هذه الجزيرة مغاص اللؤلؤ الجيد. دومة الجندل (١) : بضم الدال، ما بين برك الغماد ومكة، وقيل هي ما بين الحجاز والشام، والمعنى واحد، وهي على عشر مراحل من المدينة وعشرين (٢) من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي عشرة من مصر. قال عياض: هي بضم الدال وفتحها وأنكر ابن دريد الفتح، وهو موضع من بلاد الشام قرب تبوك، وسميت بدومان بن إسماعيل ﵇ كان ينزلها، ودومة حصن منيع ومعقل حصين وبه عمارة وتتصل به عين التمر. وبعث (٣) رسول الله ﷺ جيشاً إلى دومة وأقر عليهم عبد الرحمن بن عوف ﵁ وعممه بيده وقال: " اغد باسم الله فجاهد في سبيل الله تقاتل من كفر بالله، وأكثر من ذكري عسى أن يفتح الله على يديك، فإن فتح فتزوج بنت ملكهم ". وكان الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة ملكهم ففتحها وتزوج بنته تماضر بنت الأصبغ وكان افتتاح دومة صلحاً، وهي من بلاد الصلح التي أدت إلى رسول الله ﷺ الجزية وكذلك اذرح وهجر والبحران وأيلة. وقال ابن إسحاق (٤) : في سنة تسع فتح رسول الله ﷺ دومة وبعث خالد بن الوليد ﵁ فأتاه بأكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك من كندة، وكان ملكاً عليها وكان نصرانياً، فقال رسول الله ﷺ لخالد: " انك ستجده يصيد البقر "، فخرج حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة (٥) وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن (٦) يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فاستخرج له فركب وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه (٧) بمطاردهم، فلما خرجوا لقيتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذوه وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد ﵁ فبعث به إلى رسول الله قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم يتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ : " أتعجبون من هذا، فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن عبادة (٨) في الجنة أحسن من هذا ". ثم إن خالداً ﵁ قدم بأكيدر على رسول الله فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته وكان ذلك في غزوة تبوك. ودومة أيضاً أخرى عند الحيرة، ويقال لما حولها النجف. وأما دومة، بفتح الدال، فأخرى مذكورة في أخبار الردة. وبدومة الجندل اجتمع الحكمان (٩) : أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاصي ﵄، وذلك في سنة ثمان وثلاثين بعث علي ﵁، عبد الله بن عباس وشريح بن هانئ الهمداني ﵃، في أربعمائة رجل، وفيهم أبو موسى الأشعري ﵁، وبعث معاوية بن أبي سفيان بعمرو بن العاصي ومعه شرحبيل بن السمط ﵃ في أربعمائة رجل فلما دنا القوم من الموضع الذي كان فيه الاجتماع قال ابن عباس لأبي موسى: إن علياً لم يرض بك حكماً لفضل عندك والمقدمون عليك كثير، وإن الناس أبوا غيرك، وإني أظن ذلك لشر يراد بهم، وقد ضم إليك داهية العرب فمهما نسيت فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر، وليست فيه خصلة تباعده من الخلافة وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة. ووصى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى فقال له: يا أبا عبد الله إن أهل العراق قد أكرهوا علياً على أبي موسى؟ وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز وطبق المفصل ولا تلقه برأيك كله. ووافاهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير

стр. 262

وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي والمغيرة بن شعبة في ناس. فاستقر جميعهم بدومة الجندل، فالتقى الحكمان (١) ، فقال عمرو بن العاصي: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال: أشهد، قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى، قال: فإن الله قال: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً " فما يمنعك من معاوية ولي عثمان يا أبا موسى وبيته في قريش كما قد علمت، فإن تخوفت أن يقول الناس: ولى معاوية وليست له سابقة فإن لك في ذلك حجة، وجدته ولي عثمان بن عفان المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، وكاتب رسول الله ﷺ ، وقد صحبه فهو أحد الصحابة ﵃. ثم عرض له عمرو بالسلطان فقال: والله إن ولي أكرمك كرامة لم يكرمها خليفة، فقال له أبو موسى: يا عمرو اتق الله، فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه (٢) أهله، ولو كان للشرف كان هذا الأمر إلى أبرهة بن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع إني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علياً، وأما قولك إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر فإني لم أكن لأوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت لأرشى في حكم الله ، ولكن إن شئت أحيينا اسم عمر، فقال له عمرو: إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصدقه؟ قال: إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. ثم قال (٣) أبو موسى: قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبداً وأن أهل الشام لا يحبون علياً أبداً فهلم فلنخلعهما معاً ونستخلف عبد الله بن عمر، وكان عبد الله بن عمر مزوجاً على بنت أبي موسى، قال عمرو: ويفعل ذلك عبد الله؟ قال أبو موسى: نعم إذا حمله الناس على ذلك، فصوب عمرو كل ما قاله أبو موسى وقال له عمرو: هل لك في سعد؟ قال أبو موسى: لا، وعد له عمرو جماعة وأبو موسى يأبى إلا صهره ابن عمر، فقال له عمرو: أرأيت لو رضي أهل العراق بعبد الله بن عمر وأبى أهل الشام أتقاتل أهل الشام. قال أبو موسى: لا، فقال عمرو: ولو رضي به أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى: لا، فقال: أما إذا رأيت الصلاح والخير في هذا للمسلمين فقم فاخطب الناس واخلع صاحبينا جميعاً، وتكلم باسم هذا الذي تستخلف، فقال أبو موسى: بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك، فقال عمرو: ما أحب أن أتقدمك، وما قولي وقولك للناس إلا واحد فقم راشداً، فقام أبو موسى، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، إنا نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا في الصلاح ولم الشعث وحقن الدماء وجمع الألفة خلعنا علياً ومعاوية، وقد خلعت علياً ومعاوية كما خلعت عمامتي هذه، ثم أهوى إلى عمامته فخلعها، واستخلفنا رجلاً قد صحب رسول الله ﷺ بنفسه، وصحب أبوه النبي ﷺ فبرز في سابقته، وهو عبد الله بن عمر، وأطراه ورغب الناس فيه ثم نزل، فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال: أيها الناس إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع علياً وأخرجه من الأمر الذي يطلب وهو أعلم به، ألا وإني خلعت علياً معه وأثبت معاوية علي وعليكم، وقد صحب معاوية النبي ﷺ وصحب أبوه النبي ﷺ فهو الخليفة علينا وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان، فقام أبو موسى فقال: كذب عمرو، لم نستخلف معاوية ولكنا خلعناه وعلياً جميعاً، فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس قد خلع علياً ولم أخلع معاوية. وفي (٤) رواية: أن أبا موسى قال في خطبته: أيها الناس قد أجمعت أنا وصاحبي أن أخلع أنا علي بن أبي طالب ويعزل هو معاوية بن أبي سفيان، ونجعل هذا الأمر لعبد الله بن عمر فإنه لم يخض في الفتنة ولم يغمس يده في دم مسلم، ألا وإني قد خلعت علي بن أبي طالب كما أخلع سيفي هذا، ثم خلع سيفه من عاتقه ثم جلس، وقال لعمرو: قم، فقام عمرو بن العاصي فقال: أيها الناس إنه قد كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم، وإنه أشهدكم أنه خلع علي بن أبي طالب كما يخلع سيفه وأنا

стр. 263

أشهدكم أني قد أثبت معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا، وكان قد خلع سيفه قبل أن يقوم إلى الخطبة فأعاده على نفسه. فقال (١) أبو موسى لعمرو: لعنك الله فإنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال له عمرو: لعنك الله إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ثم ركل أبا موسى فألقاه لجنبه، فلما رأى شريح بن هانىء الهمداني ذلك قنع عمرواً بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، فكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط إلا أن أكون ضربته بالسيف، أتى بعد ذلك الدهر بما أتى. وانخزل أبو موسى فاستوى على راحلته ولحق بمكة ولم يعد إلى الكوفة، وآلى ألا ينظر في وجه علي ﵁ ما بقي، فقال ابن عباس ﵄: قبح الله رأي أبي موسى، حذرته وأمرته بالرأي فما عقل. وكان أبو موسى يقول: لقد كان ابن عباس حذرني غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لا يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة. وكان السبب في بعث الحكمين أن أهل الشام لما رأوا أهل العراق قد أشرفوا على الفتح رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح تالين: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم " ويقولون: حاكمونا إلى كتاب الله، ونادوا كتاب الله بيننا وبينكم، وكان الأشتر النخعي يومئذ قد أشرف على الفتح، وهو يومئذ كان على الناس، فركنوا إلى ذلك، وعزموا على علي ﵁ في البعث إليه، فأرسل إليه فقال: أحين أشرف على الفتح تبعث إلي؟ فأغلظوا له وألزموه بأن يبعث إليه، فبعث إليه كارهاً فانصرف ووقعت الفتنة والفرقة. دورق (٢) : كور الأهواز، ومن سوق الأهواز إليها في الماء ثمانية عشر فرسخاً، وعلى الظهر أربعة وعشرون، ينسب إليها أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي روى عن إسماعيل بن عقبة ومعمر بن سليمان وهاشم ويحيى القطان وأبي ثميلة والأشجعي، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والإمامان البخاري ومسلم وغيرهم، سكن بغداد ومات بها في رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ودورق أيضاً موضع بالبصرة وإليه ينسب بعضهم أبا يوسف هذا، فالله أعلم. دولاب (٣) : بينه وبين الأهواز فرسخان، فيه كانت الوقيعة بين أهل البصرة وبين الخوارج، قتل فيها نافع بن الأزرق رئيس الخوارج الأزارقة، وذلك في سنة خمس وستين، تزاحفوا فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى تكسرت الرماح وعقرت الخيل وكثرت الجراح والقتل وتضاربوا بالسيوف والعمد، وقتل في المعركة مسلم بن عبيس رئيس أهل البصرة ونافع بن الأزرق رئيس الأزارقة، وكانوا اقتتلوا زهاء شهر حتى كره بعضهم بعضاً وملوا القتال، فإنهم لمتواقفون متحاجزون إذ جاءت سرية للخوارج جامة لم تكن شهدت القتال فحملت على الناس فانهزم الناس وقتل أمير البصرة، وقال قطري بن الفجاءة في ذلك: لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيم من الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لذي بث ولا لسقيم لعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيم فلو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وأحلافها من يحمد وسليم ومال الحجازيون نحو بلادهم ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم وكان لعبد القيس أول حرها ... وولت شيوخ الازد فعل هزيم

стр. 264

فلم نر يوماً كان أكثر مقعصاً ... يمج دماً من فائظ وكليم وضاربة خداً كريماً على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريم أصيب بدولاب ولم تك موطناً ... له أرض دولاب ودير حميم فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم ولما أوقع الخوارج بدولاب بأهل البصرة هالهم ذلك وراعهم، ثم بلغهم أن الخوارج متوجهون نحو البصرة ففزعوا إلى الأحنف بن قيس، وقدم المهلب بن أبي صفرة خلال ذلك ومعه عهده بولاية خراسان من قبل عبد الله بن الزبير، فقال الأحنف: ما أرى لهذا الأمر إلا المهلب، وأجمع على ذلك الناس وامتنع المهلب من ذلك، فكتب على لسان ابن الزبير إلى المهلب إن الأزارقة المارقة قد أصابوا جنداً للمسلمين كان عددهم كثيراً وأشرافهم كثيراً، وقد كنت وجهتك إلى خراسان، وقد رأيت لما ذكر أمر هؤلاء الخوارج أن تكون أنت على قتالهم، ورجوت أن تكون ميموناً مباركاً على أهل مصرك، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خراسان، فسر إليهم راشداً، فقاتل عدو الله وعدوك ودافع عن حقوقك وحقوق أهل مصرك، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله. فانتخب من الناس اثني عشر ألفاً ثم تتام له زهاء عشرين ألفاً، ثم مضى يؤم سوق الأهواز، ثم خندق عليه ووضع المسالح وأذكى العين وأقام الأحراس، ولم يزل الجند على مصافهم والناس على راياتهم وأخماسهم، وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمراً محكماً، فلم يقابلهم قط إنسان كان أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه، والتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال، فصبر بعضهم لبعض عامة النهار، ثم إن الخوارج شدت على الناس في جمعها شدة منكرة فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوي أم على ولد حتى بلغت البصرة هزيمة الناس، فنادى مناد أن قتل المهلب، ونعي بالبصرة، فنسي الناس رجالهم وأقام أهل كل دار يبكون المهلب لا يسألون عن أحد، وضرب المهلب يومئذ على جبهته، ولم يبق يومئذ أحد من ولده إلا جرح، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المهزومين، ثم إنه نادى الناس: إلي عباد الله، فثاب إليه جماعة من قومه من أهل عمان، فاجتمع إليه منهم نحو ثلاثة آلاف، فلما نظرهم رضي جماعتهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع القليل فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن قلة، إني بجميعكم لراض، وإنكم لأنتم أهل الصبر وفرسان المصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزم معكم، لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، عزمت على كل واحد منكم لما أخذ عشرة أحجار معه أو ما استطاع، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن من ذلك آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، والله إني لأرجو ألا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم، ففعلوا، ثم أقبل زحفاً فلا والله ما شعرت الخوارج إلا والمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم، ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه وعليهم الدروع والسلاح كاملاً، فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه ثم يطعنه بعد ذلك برمحه أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيد الله بن الماحوز وأخوه عثمان وضرب الله وجوه أصحابه، وأخذوا عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعاً، وأقبل من كان من الأزارقة في طلب المنهزمين من أهل البصرة راجعين وقد وضع لهم المهلب خيلاً ورجالة في الطريق تختطفهم وتقتلهم فانكفأوا راجعين مفلولين، فلما أصبح المهلب غدا على القتلى فأصابوا ابن الماحوز مقتولاً، وقال رجل من موالي المهلب: لقد صرعت يومئذ بحجر واحد ثلاثة، رميت به رجلاً فأصبت أصل أذنه فصرعته ثم أخذت الحجر فضربت به آخر على هامته فصرعته، ثم ضربت آخر ثالثاً، وقال رجل من الخوارج: أتانا بأحجار ليقتلنا بها ... وهل يقتل الأبطال ويحك بالحجر ودعا المهلب الرقاد بن عبد وسعيد بن زيد الجهضمي فقال: أمعنا في الأرض فمن لقيتما من الناس فأعلماه حياتي، وامضيا إلى البصرة

стр. 265

فأخبرا أهلها بالظفر، وسبق غلام من بني سعيد إلى البصرة فأتى الأحنف فأخبره حتى انتهى إلى أمر المهلب وما صنع، فبكى الأحنف وقال: يا ابن أخي هلك المهلب وهلك أهل المصرين، فقال الغلام: عهدي والله بعبيد الله وعثمان ابني الماحوز قتيلين، إن الرائد لا يكذب أهله، قال: دعني من الظفر وأخبرني عن أخي المهلب، وكيف كان أمركم، فقال الغلام: نعم، أطبقت الحرب علينا يوماً وليلة لا تثني حداً ولا تزايل منكباً يموج بعضنا ببعض، ونادى مناد: قتل المهلب، فانجلت الغياية عن ابني الماحوز قتيلين في حماة القوم، وبقوا بغير أمير فولوا أمرهم قطرياً، وبقيت بقية وهم قل، ونظرت إلى السيوف قد طيرت قلنسوة المهلب عن رأسه مخضباً بالدماء، فلما رأينا وجهه جهرنا بالتكبير، وتركت رؤوس الخوارج تنغف وهي إليك سراع وأنا منصفك: إن كنت صادقاً فلي حكمي وإن كنت كاذباً فتحكموا في، فقال الأحنف: ما أظنك إلا كاذباً، والقصة أطول من هذا. الدينور (١) : مدينة من كور الجبل ما بين الموصل وأذربيجان، وهي في قبلة همذان، وهي كثيرة الثمار والزروع والبساتين والمياه حصينة، وأهلها أكرم جبلة من أهل همذان، وعلى القرب منها مدينة الصيمرة والشيروان، وابن قتيبة من أهل الدينور، وأبو حنيفة الدينوري اللغوي الإمام صاحب كتاب " النبات ". ديلمايا (٢) : موضع بالعراق على دجلة، هو معبر سهل. وفي الخبر أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما نزل بهرسير وهي المدينة الدنيا من المدائن طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شيء ووجد العجم قد ضموا السفن، فأقاموا أياماً يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، ودجلة قد طما ماؤها يندفق جانباها، فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا قائلاً يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، فأتاه قوم من العجم ممن اعتقد منه ذمة فقالوا: ندلك على موضع أقل غمراً من هذا، فدلوه على ديلمايا. وقيل إن سعداً رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وفي سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، وليس وراءكم شيء تخافونه، فقد كفاكم الله أهل الآثام وعطلوا ثغورهم، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولكم على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات، واستعمل عليهم عاصماً، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى يعبروا؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم، شدوا على خيولهم حزمها وأليافها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلاً مثلها فاقتحموا إليهم دجلة فلقوا عاصماً في السرعان وقد دنا من الفراض، فقال: الرماح، الرماح، أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا فاطعنوا في الماء، وتوخى المسلمون عيونهم فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيولهم حتى ما يملكون منها شيئاً، فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم ونجا باقيهم عوران، وجاءت بالمسلمين خيولهم حتى انتفضت على الفراض، وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين، وسميت هذه كتيبة الأهوال، لما رئي منهم في الماء والفراض، ولما رأى سعد ﵁ عاصماً على الفراض وقد منعها أذن للناس، وهذا الخبر مشروح بأكثر من هذا في حرف الميم في ذكر المدائن. الديبل (٣) : مدينة في جنوب البحر الفارسي، وقيل هي في أرض السند، ويقال لها أيضاً الديبلان، وهي مدينة كثيرة الناس جداً، جدبة الأرض قليلة الخصب ليس بها شجر ولا نخل، وجبالها جرد عديمة النبات، وأكثر بنيانهم بالطين والخشب، وإنما سكنها أهلها بسبب أنها (٤) فرضة لبلاد السند وغيرها، وتجارات أهلها من وجوه شتى وأسباب متفرقة، وتقصدها أيضاً

стр. 266

مراكب العمانيين بأمتعتها وبضائعها، وقد ترد عليها مراكب الصين والهند بالثياب والأفاوه العطرية الهندية فيشترون ذلك جزافاً لأنهم أهل يسار وأموالهم كثيرة، وبين الديبل وموقع نهر مهران قليل. دنيصر (١) : من الموصل إلى نصيبين إلى مدينة دنيصر، وهي مدينة في بسيط من الأرض فسيح وحولها بساتين الرياحين والخضر تسقى بالسواني، وكأنها بادية ولا سور لها، وهي مشحونة بشراً، ولها أسواق حفيلة والأرزاق بها واسعة، وهي مخطر (٢) لأهل بلاد الشام وبلاد الروم التي لطاعة الأمير مسعود، وبها المرافق الكثيرة. الديارات: هي كثيرة، نقتصر على المشتهر منها: دير القائم الأقصى (٣) : على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، والقائم الأقصى مرقب من المراقب التي كانت بين الفرس والروم على أطراف الحدود، وفي هذا الدير قال الشاعر: بدير القائم الأقصى ... غزال شادن أحوى برى حبي له جسمي ... ولا يدري بما ألقى وأخفي حبه جهدي ... ولا والله ما يخفى دير حنظلة (٤) : هو بالجزيرة في أحسن موضع فيها وأكثره رياضاً وزهراً وشجراً وهو موصوف مألوف، قال عبد الله بن محمد بن زبيدة: ألا يا دير حنظلة المفدى ... لقد أورثتني سقماً ووجدا ألا يا دير جادتك الغوادي ... سحاباً حملت برقاً ورعدا دير حنظلة (٥) بن عبد المسيح: بالحيرة، فيه يقول الشاعر: بساحة الحيرة دير حنظله ... عليه أذيال السرور مسبله ... أحييت فيه ليلة مقبله ... وكاسنا بين الندامى معمله ... والراح فيها مثل نار مشعله ... وكلنا مستنفد ما خوله ... دير مران (٦) : بنواحي الشام، على قلعة مشرفة على مزارع زعفران ورياض حسنة، نزله الرشيد وشرب فيه ومعه الحسين بن الضحاك، فقال الحسين: يا دير مران لا عريت من سكن ... قد هجت أشجاننا يا دير مرانا هل عند قسك من علم فيخبرني ... أم كيف يسعد وجه الصبر من بانا حث المدام، فإن الكأس مترعة ... مما يهيج دواعي الشوق أحيانا دير هند (٧) : بالحيرة، بنته هند بنت النعمان، وهي التي دخلت على خالد بن الوليد لما فتح الحيرة ودعت له لما برها وقضى حوائجها، فقالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا وصلتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا أزال من كريم نعمة إلا جعلك سبباً لردها إليه. وقالت: هذا دعاء كنا ندعو به لأملاكنا. وقال معن بن زائدة يذكر هذا الدير وهناك كان منزله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... لدى دير هند والحبيب قريب

стр. 267

فتقضى لبانات وتلقى أحبة ... ويورق غصن للسرور رطيب دير الجاثليق (١) : دير قديم البناء من طسوج مسكن في غربي دجلة بين أرض السواد وأول أرض تكريت، وفيه قتل مصعب بن الزبير، وقد تقدم. دير يونس (٢) : بناحية الرملة، نزل به الفضل بن إسماعيل بن صالح بن عبد الله بن العباس، فرأى فيه جارية حسناء بنتاً للقس، فخدمته مدة مقامه ثلاثة أيام وسقته شراباً عتيقاً، فلما انصرف أعطاها عشرة دنانير، وقال في طريقه: عليك سلام الله يا دير من فتى ... بمهجته شوق إليك طويل فلا زال من نوء السماكين نازل ... عليك يروي من ثراك هطول يعلك منه برهة بعد برهة ... سحاب باحياء الرياض كفيل إذا جاد روضاً دمعه بان منظر ... به لعيون الناظرين جميل ومشمولة أوقدت فيها لصحبتي ... مصابيح ما يخبو لهن فتيل تعللني بالراح هيفاء غادة ... يخال عليها للقلوب وكيل تجول المنايا بينهن إذا غدت ... لواحظها بين القلوب تجول أيا بنت قس الدير قلبي موكل ... عليك وجسمي مدنف وعليل دير مارت مريم (٣) : بالشام، فيه يقول بعض الشعراء: نعم المحل لمن يسعى للذته ... دير لمريم فوق الطهر معمور ظل ظليل وماء غير ذي أسن ... وقاصرات كأمثال الدمى حور دير عبدون (٤) : بظاهر المطيرة، بين شجر وبساتين ومياه، قال فيه ابن المعتز: سقى الجزيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر فطال ما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر أصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدارع نعارين في السحر مزنرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلاً من الشعر وزارني في قميص الليل ملتحفاً ... مستعجل الخطو من خوف ومن حذر وغاب ضوء هلال كنت أرقبه ... مثل القلامة قد قدت من الظفر فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر دير سمعان (٥) : بنواحي دمشق، حواليه قصور ومتنزهات وبساتين لبني أمية، وهنالك قبر عمر بن عبد العزيز ﵁، توفي سنة إحدى ومائة، وكان قد انتقل إليه واشترى موضع قبره من سمعان صاحب الدير بثلاثة دنانير وقيل بدينارين، وقال رجل يرثيه: قد غيبوا في ضريح الترب وانصرفوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين

стр. 268

من لم يكن همه عيناً يفجرها ... ولا النخيل ولا ركض البراذين أقول لما أتاني ذكر مهلكه ... لا يبعدن قوام العقل والدين وكان معاوية وجه ابنه يزيد لحرب الروم، فأقام بدير سمعان ووجه الجنود، فأصابهم الوباء، وتلك غزوة الطوانة، فقال يزيد: أهون علي بما لاقت جموعهم ... يوم الطوانة من حمى ومن موم إذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً ... بدير سمعان عندي أم كلثوم دير العذارى (١) : بسر من رأى بني قديماً وسكنه رواهب العذارى وكان كلما وهبت امرأة نفسها للتعبد سكنت معهن ويقال إنه رفع إلى بعض ملوك الفرس أن بذلك الدير من العذارى كل باهرة الجمال فأمر أن يحملن كلهن إليه فبلغهن ذلك، فقمن ليلتهن وأحيينها صلاة ودعاء وبكاء فطرقه طارق في تلك الليلة فأصبح ميتاً فأصبحن صياماً، والنصارى يصومون ذلك اليوم لهذا السبب وفي هذا الدير يقول جحظة: ألا هل إلى دير العذارى ونظرة ... إلى الدير من قبل الممات سبيل وهل لي بسوق القادسية سكرة ... تعلل نفسي والنسيم عليل وهل لي بحانات المطيرة وقفة ... أراعي خروج الزق وهو عليل إلى فتية ما شتت الود شملهم ... شعارهم عند الصباح شمول وقد نطق الناقوس بعد سكوته ... (٢) وشمعل قسيس ولاح قبيل دير النعمانية (٣) : بقرب دير العاقول مقابل غربي دجلة، وهي مدينة بها مسجد جامح وأسواق وبها تتخذ الطنافس الجيدة وهي من مدائن الحيرة ومنها إلى مدينة جرجرايا. دير زكى (٤) : بالرها (٥) ، فيه بساتين موصوفة بالحسن، مر به عبد الله بن طاهر ومعه أخ له فنزلا فيه وشربا أياماً ثم خرجا إلى مصر فمات أخوه بها وعاد هو فنزل بهذا الدير وقال يذكر سروتين قديمتين فيه: أيا سروتي بستان زكى سلمتما ... وغال ابن أمي نائب الحدثان ويا سروتي بستان زكى سلمتما ... ومن لكما أن تسلما بضمان دير حزقيال (٦) : قال شريح الخزامي (٧) : اجتزت بهذا الدير فبينما أنا أدور فيه إذا بكتابة على اسطوانة فقرأتها فإذا فيها: رب ليل كأنه نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتحاب ونعيم كوصل من بت أهوى ... قد تبدلته ببؤس العتاب نسبوني إلى الجنون ليخفوا ... ما بقلبي من صبوة واكتئاب ليت لي ما ادعوه من فقد عقلي ... فهو خير من طول (٨) هذا العذاب

стр. 269

وتحته: وإني على ما نابني وأصابني ... لذو مرة باق على الحدثان فإن تعقب الأيام أظفر ببغيتي ... وإن أبق مرمياً بي الرجوان فكم ميت هماً بغيظ وحسرة ... صبور لما يأتي به الملوان قال: فكتبت ذلك وسألت عن صاحبه فقالوا: هو رجل هوي ابنة عم له، فحبسه عمه في هذا الموضع خوفاً من فضيحة ابنته، فتجمع أهله وأخرجوه وزوجوه منها على كره من أبيها. دير الرصافة (١) : بدمشق، قال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً يتنزه في رصافة هشام بن عبد الملك فجعل يدور في قصوره وقصور ولده، ثم خرج فدخل إلى دير (٢) هناك قديم من بناء الروم بين مزارع وأنهار، فبينما هو يدور فيه بصر برقعة ملصقة فأمر أن تقلع فقلعت، فإذا فيها مكتوب: أيا منزلاً بالدير أصبح خالياً ... تلاعب فيه شمأل ودبور كأنك لم يسكنك بيض أوانس ... ولم تتبختر في فنائك حور وأبناء أملاك عباشم سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فعوابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور ليالي هشام في الرصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير إذ العيش غض والخلافة لدنة ... وأنت طرير والزمان غرير وروضك مرتاض ونورك نير ... وعيش بني مروان فيك نضير بلى فسقاك الغيث صوب غمامة ... عليك لها بعد الولي بكور تذكرت قومي خالياً فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جدير وعذبت نفسي وهي نفس لها إذا ... جرى ذكر قومي أنة وزفير لعل زماناً دار يوماً عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الزمان (٣) أسير فلما قرأها المتوكل ارتاع لها وتطير ثم دعا بصاحب الدير فقال له: من كتب هذه الرقعة؟ قال: لا أدري والله، وأنا منذ نزل أمير المؤمنين هذا المنزل لا أملك من أمره شيئاً يدخله الجند والشاكرية وغيرهم، وغاية قدرتي أني متوار في قلايتي، فهم بضرب عنقه وإخراب الدير، فكلمه أصحابه إلى أن سكن غيظه، ثم بان بعد ذلك أن الذي كتب الأبيات رجل من ولد روح بن زنباع الجذامي كانت أمه من موالي هشام بن عبد الملك. دير ميسون: بسر من رأى وهو مقصود لطيبه ونضرته وحسن موضعه وفيه يقول بعض الكتاب: يا رب دير عمرته زمناً ... ثالث قسيسه وشماسه لا أعدم الكاس من يدي رشأ ... يزري على المسك طيب أنفاسه كأنه البدر لاح في ظلم الل ... يل إذا حل بين جلاسه

стр. 270

كأن طيب الحياة واللهو وال ... لذات طراً جمعن في كاسه في دير ميسون ليلة الفصح و ... الليل بهيم صعب بحراسه دير سليمان (١) : بجسر منبج، كان إبراهيم بن المدبر لما ولي الثغور الجزرية خرج في بعض أيامه إليه وشرب فيه وقال: أيا ساقيينا عند دير سليمان ... أديرا كؤوساً فانهلاني وعلاني وعما بها الندمان والصحب أنني ... تنكرت عيشي بعد أهلي وجيراني ولا تتركا نفسي تمت بهمومها ... لذكرى حبيب قد شجاني وعناني وفارقته والله يجمع شمله ... بغلة محزون ولوعة حران دير الجماجم (٢) : بظاهر الكوفة على شاطئ الفرات، قيل سمي دير الجماجم لأنه كان تعمل فيه أقداح من خشب، وقيل سمي دير الجماجم بوقعة كانت فيه دفنت جماجمهم فيه، وهي وقعة إياد على أعاجم كسرى على شاطئ الفرات الغربي بظاهر الكوفة على طريق البر الذي يسلك إلى البصرة وبهذا الموضع كانت الوقيعة بين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وبين الحجاج بن يوسف فإنه قد كان خلع عبد الملك بن مروان سنة اثنتين وثمانين، فبعث إليه عبد الملك ابنه عبد الله في أهل الشام وأخاه محمد بن مروان في أهل الجزيرة، ومع عبد الرحمن خيار أهل الأرض من القراء خرجوا منكرين لأمر الحجاج، فخيراه في عزل الحجاج ومراجعة الطاعة فلم يجب إلى ذلك فولي الحجاج حربه، فكانت وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بدير الجماجم في شعبان من سنة ثلاث وثمانين، فهزم عبد الرحمن ولحق ببلاد الترك بعد أن كانت بينهما ثمانون وقعة أكثرها على الحجاج، وصار عبد الرحمن إلى رتبيل ملك الترك فقبله وأكرمه وصار إليه فل أصحابه وهم زهاء عشرين ألفاً، وكان ابن الأشعث لما انهزم توجه إلى نيسابور ثم إلى كرمان فأغلق الباب دونه فسار إلى رتبيل ملك الترك، فوجه إليه الحجاج من ضمن له ألف ألف وأربعمائة ألف درهم على أن يسلم ابن الأشعث إليه، ففعل فقتل نفسه خشية أن يمثل به، فحمل إليه رأسه. وقال الأصمعي كانت لابن الأشعث أربع وقعات: وقعة الأهواز ووقعة الزاوية ووقعة دير الجماجم ووقعة بدجيل. وفي كتاب الدولابي ما قدمناه كانت بينهما ثمانون وقعة، وفي ذلك قال أعشى همدان وكان ممن خرج مع ابن الأشعث: إنا سمونا للكفور الفتان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالقطا من قحطان ... ومن معد قد أتى ابن عدنان أمكن ربي من ثقيف همدان ... يوماً إلى الليل يسلي ما كان إن ثقيفاً منهم الكذابان ... كذابها الماضي وكذاب ثان وشرح القصة على التفصيل يطول ويتلف الغرض من هذا الكتاب. دير الزندورد (٣) : في الجانب الشرقي من بغداد وأرضه كلها فواكه وأترج وأعناب، وهي من أجود الأعناب التي تعتصر ببغداد، وفيها يقول أبو نواس: فسقني من كروم الزندورد ضحى ... ماء العناقيد في ظل العناقيد قال الفضل: سمعت محمداً الأمين يتكلم، وهو أول خليفة سمعت كلامه وقد عرض عليه كتاب فقال: كلام بليغ وليست له حلاوة وهو بمنزلة طعام طيب وليست له نظافة. دير ماسرجس (٤) : بعانة، وعانة على الفرات والدير بها،

стр. 271

والناس يقصدونه من هيت وغيرها. دير الأعور (١) : موضع في بلاد نصيبين فيه كانت الوقيعة بين عبد الله بن علي حين خالف على أبي جعفر المنصور ودعا إلى نفسه زاعماً أن أبا العباس السفاح جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل مروان بن محمد، فلما بلغ المنصور ذلك من فعل عبد الله كتب إليه: سأجعل نفسي منك حيث جعلتها ... وللدهر أيام لهن عواقب ثم بعث إليه بأبي مسلم فكانت له معه حروب كثيرة ببلاد نصيبين، وصبر الفريقان شهوراً على حروبهما واحتفروا الخنادق، ثم انهزم عبد الله بن علي في من كان معه وسار في نفر من أصحابه وخواصه إلى البصرة وعليها أخوه سليمان بن علي عم المنصور فظفر أبو مسلم بما كان في عسكر عبد الله، فبعث إليه المنصور بيقطين بن موسى فقبض الخزائن. فلما دخل يقطين على أبي مسلم قال: السلام عليك أيها الأمير، قال: لا سلم الله عليك يا ابن اللخناء، أؤتمن على الدماء ولا أؤتمن على الأموال!! فقال له: ما أحوجك إلى هذا أيها الأمير؟ قال: أرسلك صاحبك لقبض ما في يدي من الخزائن قال: امرأتي طالق إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك لغير تهنئتك بالظفر، فاعتنقه أبو مسلم وأجلسه إلى جانبه، فلما انصرف قال لأصحابه: والله إني لأعلم أنه قد طلق امرأته، ولكنه وفى لصاحبه. وسار أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على خلاف المنصور. الديلم (٢) : اسم ماء لبني عبس في أقاصي الدو. وهو (٣) أيضاً مدينة لهم بقرب مدينة سالوس، والديلم متحصنون في جبال لهم منيعة، والجبل الذي فيه الملك يسمى الطرم (٤) وفيه مقام آل حسان ورياسة الديلم فيهم، ويقال إن الديلم قبيلة تنتهي إلى ضبة، وجبالهم ونواحيهم كثيرة المطر والشجر والغياض، وأكثر ذلك في وجه الجبل الذي يقابل البحر وطبرستان، وهم أهل زروع وسوائم، وليس عندهم من الدواب ما ينتقلون (٥) بها، ولسانهم منفرد عن الألسن الفارسية والرانية والأرمينية، والغالب عليهم النحافة وقلة الشعر والطيش وقلة الثبات في الأمور، ولا يكترثون بشيء ولا يتألمون بمصاب إذا دهمهم، وكان الديلم كفاراً إلى مدة الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فداخلتهم العلوية فأسلم أكثرهم، وجبالهم متسعة ولكل جبل منها رئيس وهي في نهاية الخصب والرفاهية.

стр. 272

حرف الذال ذات أنواط (١) : شجرة عظيمة خضراء كانت تسمى بهذا الاسم، وكان كفار قريش ومن سواهم من العرب يأتونها يعلقون عليها أسلحتهم ويدعون عندها ويعكفون عليها يوماً، وقال أبو واقد الليثي: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : " الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم. ذات عرق (٢) : بقرب أوطاس وبينها وبين وجرة سبعة وعشرون ميلاً، وذات عرق ميقات أهل العراق، وهو منزل كثير الأهل والشجر وماؤه من البرك، والمسجد الذي في ذات عرق الكبير الذي فيه المنبر مسجد النبي ﷺ ، ومن ذات عرق إلى بستان ابن عامر (٣) اثنان وعشرون ميلاً، ومن بستان ابن عامر إلى مكة أربعة وعشرون ميلاً. ذات الرقاع (٤) : غزا رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، وهي غزوة ذات الرقاع، وفي البخاري: كانوا يعصبون على أرجلهم من الخرق إذ نقبت أقدامهم، فلقي رسول الله ﷺ جمعاً من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وخاف الناس بعضهم بعضاً حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف ثم انصرف بهم، وقيل التقى القوم على أسفل أكمة ذات ألوان فهي ذات الرقاع، والرقاع أيضاً اسم موضع. ذالان (٥) : مدينة صغيرة باليمن بنيانها بالصخر ولا سور عليها وفيها مسجد جامع، وبينها وبين ذمار أربعة فراسخ فمن شاء نزلها ومن شاء طواها. ذمار (٦) : بفتح أولها مكسورة الراء اسم مبني، مدينة باليمن على مرحلتين من صنعاء، وهي أربعون ميلاً، وهي مدينة كبيرة إلا أنها دون صنعاء، وهي من أعمالها، ولها سور محكم البناء، وهي كلها قصور، وكثيرة البساتين والمزارع والقرى والدساكر، وهي رخيصة الأسعار كثيرة الخيرات، ومياههم عيون جارية وآبار قريبة الأرشية، ولمعاذ بن جبل ﵁ فيها مساجد وآثار كثيرة. قالوا (٧) : ووجد في أساس الكعبة لما هدمته قريش في الجاهلية حجر مكتوب فيه: لمن ملك ذمار؟ لحمير الأخيار، لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار، لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار، لمن ملك ذمار؟ لقريش التجار. قالوا: وسميت بذمار

стр. 273

ابن يحصب بن دهمان بن مالك بن سعد بن عدي بن مالك بن ريد بن سدد (١) بن زرعة وهو سبأ الأصغر. ذمياط (٢) : مدينة في البلاد المصرية على ساحل البحر قريبة من تنيس إليها ينتهي ماء النيل، وبها تعمل الثياب الرفيعة وغيرها مما يقارب الثياب التنيسية. وفي سنة خمس عشرة وستمائة نزل الفرنج على ذمياط مدة وقصدوا أخذ يمنى النيل، وكانت للمسلمين هناك سلاسل حديد ممدودة في النيل تمنع وصول المراكب من البحر، وبرج عظيم لا يستطيع أحد يقرب السلاسل من محاربة المقاتلين فيه، فأقام الفرنج أربعة أشهر في قتال هذا البرج إلى أن ملكوه وقطعوا السلاسل، فنصب المسلمون جسراً عظيماً فاشتد قتالهم عليه، فأخذ الملك الكامل عدة من مراكب كبار وملاها من حجارة وخرقها فغرقت في طريق مراكبهم ومنعتها من الدخول فكانت من أحسن الحيل، ثم إن الفرنج أخذوا ذمياط بعد أن هلك أهلها بالجوع والوباء في السابع والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة، وخاف الملك المعظم من الفرنج على مدينة القدس حتى هدم سورها، وكانوا قد حصنوا ذمياط حتى انقطعت منها آمال المسلمين وتكاثر وصول جمعهم إليها في البحر، ثم إنهم خرجوا عنها لمحاربة السلطان الكامل فاجتمع عنده من ملوك الإسلام نحو عشرين، ودخل ابن جبارة الشاعر على الكامل وعنده الملوك وفيهم أخواه المعظم عيسى صاحب دمشق والأشرف موسى صاحب حران وما يليها، فأنشده في قصيدة: أعباد عيسى جاء عيسى بزعمكم ... وموسى جميعاً ينصران محمدا فاهتز الملك الكامل إذ اسمه محمد، وأمر للشاعر على حسن هذه التورية بمائة دينار وخلعة. ولما ملك الفرنج ذمياط أقاموا بها وبثوا سراياهم في كل ما جاورها من البلاد فجلا أهل تلك البلاد، ولما تسامع الفرنج الذين وراء البحر بفتحها أقبلوا إليها من كل جهة وعظمت المصائب، وقد أقبل الططر من المشرق فدوخوا بلاد المسلمين، ثم إنهم ساروا في الفارس والراجل وقصدوا الكامل حتى نزلوا في مقابلته وبينهما خليج من النيل يقال له بحر أشمون (٣) وجعلوا يرمون بالمجانيق إلى معسكر المسلمين، وتيقن الناس أنهم يملكون البلاد المصرية، واجتمع الأشرف مع أخيه الكامل وتقدما فقاتلا الفرنج، وتقدمت شواني المسلمين في النيل وقابلت شواني الفرنج وأخذت منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال وما احتوت عليه، ففرح المسلمون وقويت نفوسهم وجعلت الرسل تتردد في أمر الصلح، وبذل لهم الكامل البيت المقدس وعسقلان وطبرية وجميع ما فتحه صلاح الدين من بلاد الفرنج بالساحل ما عدا الكرك والشوبك على أن يسلموا ذمياط فلم يرضوا وطلبوا ثلثمائة ألف دينار ليعمروها بها فلم يتم أمر، وقالوا: لا بد من الكرك، وكان الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدة أيام ظناً أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم وأن القرى بأيديهم يأخذون منها ما شاؤوا من الميرة، فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج وفجروا النيل عليها، فركب الماء أكثر تلك الأرض، وصادف ذلك أيام الزيادة وليس للفرنج خبرة بأرض مصر، فلم يبق لهم فيها مسلك غير وجه واحد ضيق، فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل وعبرت عليها العساكر فملكت الطريق الذي تسلكه الفرنج إذا أرادوا العود إلى ذمياط فلم يبق لهم مخلص، واتفق أن وصل إليهم مركب كبير وحوله حراقات تحميه وفيه الفرنج والميرة والسلاح، فظفر به وبالحراقات المسلمون، فسقط في أيدي الفرنج ورأوا أنهم قد ضلوا عن الصواب ومفارقة بسيط الأرض إلى أرض يجهلونها، وعساكر الإسلام تحيط بهم وترميهم بالنشاب وتحمل على أطرافهم، وكان الفرنج يبيعون خيلهم وسلاحهم بالخبز لما دهمهم من الجوع إلى أن تم الصلح على تسليم ذمياط سابع رجب سنة ثمان عشرة وستمائة دون عوض، فكان ذلك من ألطاف الله الخفية التي لم تكن الآمال ترتقي إليها في ذلك الوقت، وانتقل ملوك الفرنج إلى الكامل والأشرف رهائن حتى تسلمهم المسلمون وكان فيهم ملك عكا وصاحب رومة وعدتهم عشرون، وتسلمهم المسلمون (٤) ، في تاسع رجب، وكان يوماً مشهوداً. ومن ألطاف الله تعالى أن المسلمين لما تسلموها وصارت بأيديهم بلغهم أن الفرنج وصلتهم نجدة عظيمة في البحر، فلو سبقوا

стр. 274

المسلمين إليها لامتنعوا من تسليمها ولم يلتفتوا إلى رهائنهم. وأكثر الشعراء تهنئة الملك الكامل بهذا الفتح، ومن أشهر ما قيل في ذلك قول بهاء الدين زهير المهلبي الحجازي المولد من قصيدة أولها (١) : بك اهتز عطف الدين في حلل النصر ... وردت على أعقابها ملة الكفر منها: ليهنك ما أعطاك ربك إنها ... مواقف هن العز في موقف الحشر وما فرحت مصر بذا الفتح وحدها ... لقد فرحت بغداد أعظم من مصر فأقسم لولا عزمة كاملية ... لخافت رجال بالمقام وبالحجر ومنها: به ارتجعت ذمياط قسراً من العدا ... وطهرها بالسيف والملة الطهر ورد على المحراب منه صلاته ... فكم بات مشتاقاً إلى الشفع والوتر وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى ... لما حلمت إلا بأعلامه الصفر ثلاثة أعوام ألحت وأشهراً ... تجاهد فيها لا بزيد ولا عمرو كفى الله ذمياط المخافة إنها ... لمن قبلة الإسلام في موضع النحر وما طاب ماء النيل إلا لأنه ... يحل محل الدين من ذلك الثغر لك الله من أثنى عليك فإنما ... من القتل قد أنجيته أو من الأسر ونصب الملك الكامل لكل ملك كان في نصرته دهليزاً، وقعد هو في أحد الدهاليز، وزين كل دهليز بالعدد السلطانية والذخائر الملوكية، فكان ملوك الفرنج كلما عبروا فرأوا دهليزاً حسبوا الملك الكامل فيه فيقتلون الأرض فيقال لهم: هذا الملك فلان، فما زالوا كذلك إلى أن وصلوا إليه وقد امتلأت عيونهم وصدورهم من عزة الإسلام. ذنب التمساح (٢) : موضع حفير على ميل من بلد القلزم، كان حفره بعض الملوك ليوصل ما بين القلزم والبحر الرومي فلم يتأت له ذلك لارتفاع القلزم وانخفاض بحر الروم، والله تعالى قد جعل بينهما حاجزاً كما ذكره تعالى في كتابه، وعليه قنطرة عظيمة يجتاز عليها حاج مصر، ولما لم يتأت له ذلك احتفر خليجاً آخر من بحر الروم مما يلي بلاد تنيس وذمياط، فاستمر الماء في هذا الخليج من بحر الروم إلى موضع يعرف بقيعان، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى هذه القرية وتدخل من بحر القلزم إلى آخر ذنب التمساح فيقرب ما في كل بحر إلى الآخر، ثم ارتدم ذلك على طول الدهر، وقد هم الرشيد أن يوصل ما بين هذين البحرين من أصل مصب النيل من نحر بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر فلم يتأت له قسمة ماء النيل، فرام ذلك مما يلي بلاد الفرما فقال له يحيى بن خالد: إن تم هذا يتخطف الناس من المسجد الحرام ومكة، فامتنع من ذلك. وقد أراد عمرو بن العاصي محاولة هذا عند توليه أمر مصر، فمنعه عمر بن الخطاب ﵁. الذنائب (٣) : موضع بنجد عن يسار فلجة مصعداً إلى مكة، وينسب إليه يوم من أيام حرب البسوس وفيه قتل كليب بن ربيعة، وفيه يقول مهلهل من قصيدته المشهورة: فإن يك بالذنائب طال ليلي ... فقد أبكي على الزمن القصير وكان السبب (٤) في قتل كليب أنه كان قد عز وساد في ربيعة فبغى بغياً شديداً، فكان هو الذي ينزلهم منازلهم ويرحلهم

стр. 275

فلا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره، وبلغ من بغيه أنه اتخذ جرو كلب فكان إذا نزل منزلاً فيه كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من أذن بحرب، فضرب به المثل في العز فقيل: أعز من كليب. وكان يحمي الصيد فيقول: صيد ناحية كذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئاً، ولا يمر بين يديه أحد إذا جلس، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره. وكان لمرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة عشرة بنين، جساس أصغرهم، وكانت أخته عند كليب، وكان قال لها: هل تعلمين على الأرض عربياً أمنع مني ذمة؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد الثالثة فقالت: نعم، أخي جساس. وقيل إنه قال لها وهي تغسل رأسه ذات يوم: من أعز وائل؟ فصمتت، فأعاد عليها، فلما أكثر قالت: نعم أخواي جساس وهمام، فنزع رأسه وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جساس وجارة بني مرة فقتله، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا على ذلك، ثم لقي كليب ابن البسوس فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟ قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، فأغمضوا على هذه أيضاً، ثم إن كليباً أعاد على امرأته فقال: من أعز وائل؟ فقالت: أخواي، فأضمرها وأسرها في نفسه وسكت حتى مرت به إبل جساس فرأى الناقة فأنكرها فقال: ما هذه الناقة؟ قالوا: لخالة جساس، فقال: أو قد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني، ارم ضرعها يا غلام، فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة فاختلط لبنها بدمها، فراحت الرعاة على جساس فأخبروه بالأمر، فقال: احلبوا لها مكيالي لبن، بمحلبها ولا تذكروا لها من هذا شيئاً، ثم أغمضوا عليها أيضاً، حتى أصابهم سماء فغدا في غبها يتمطر، وركب جساس بن مرة وابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل، وطعن عمرو كليباً فحطم صلبه، وقيل: سكت جساس حتى ظعن ابنا وائل، فمرت بكر بن وائل بماء يقال له شبيث، فنهاهم كليب عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على ماء آخر يقال له الأحص فنفاهم عنه، ثم مروا على ماء آخر فمنعهم إياه، فمضوا فنزلوا الذنائب، قال: فاتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، ثم مر عليه جساس وهو واقف على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشاً، فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون، فمضى جساس ومعه ابن عمه المزدلف، وقيل بل جساس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال: أو قد ذكرتها؟ أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل بها، فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه، فلما حضره الموت قال: يا جساس، اسقني من الماء فقال: ما عقلت استسقاءك الماء مذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه، فعطف عليه المزدلف عمرو بن ربيعة، فاحتز رأسه، فلما قتل كليباً أمال يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله، قال: وتقول أخته حين رأته لأبيها: يا أبتاه، إن ذا الجساس أتى خارجاً ركبتاه، قال: ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم، فلما جاء قال: ما وراءك يا بني، قال: ورائي أني قد طعنت طعنة تشغل شيوخ وائل زمناً، قال: أقتلت كليباً؟ قال: نعم، قال: وددت أنك وإخوتك متم قبل هذا، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل. وكان همام بن مرة آخى مهلهلاً وعاقده ألا يكتمه شيئاً، فجاءت أمة له فأسرت إليه قتل جساس كليباً، فقال له مهلهل: ما قالت، فلم يخبره، فذكره العهد بينهما فقال: أخبرت أن جساساً قتل كليباً، فقال: است أخيك أضيق من ذلك؟ وقيل قال له: أخبرتني أن أخي قتل أخاك، قال: هو أضيق استاً من ذلك. وتحمل القوم وغدا مهلهل بالخيل، وقالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم وبينهم، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل، فعظموا ما بينهم وبينه وقالوا له: اختر منا خصالاً، إما أن تدفع إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله، وإما أن تدفع إلينا هماماً، وإما أن تقيدنا من نفسك، فسكت وقد حضرته وجوه بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول، فقال: أما جساس فغلام حديث السن ركب فرسه (١) حين خاف ولا علم لي به، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم، لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره، وأما أنا فما أتعجل من الموت؟ وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل، ولكن لكم في غير ذلك، هؤلاء بني فدونكم أحدهم فاقتلوه به، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل، فغضبوا وقالوا: لم نأتك لتؤدي (٢) لنا بنيك ولا لتسومنا اللبن، فتفرقوا ووقعت الحرب.

стр. 276

وكانت حربهم أربعين سنة فيهن خمس وقعات مزاحفات، وكانت تكون بينهم مغاورات، وكان الرجل منهم يلقى الرجل، والرجلان الرجلين، وكان أول تلك الأيام يوم عنيزة، وهي عند فلجة، فتكافأوا فيه: لا لبكر ولا لتغلب، وفي ذلك يقول مهلهل: كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير ولولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور فتفرقوا ثم غبروا زماناً. ثم التقوا يوم واردات وكان لتغلب على بكر، وقتلوا بكراً أشد القتل وقتلوا بجيراً، وفي ذلك يقول مهلهل: فإني قد تركت بواردات ... بجيراً في دم مثل العبير ثم عادت الحرب بينهم زماناً وكان من الفريقين ما كان إلى أن صاروا إلى الموادعة. وكان جساس آخر من قتل في حرب بكر وتغلب، قاتل كليب، فإن أخت جساس كانت تحت كليب، فقتله جساس وهي حامل، فرجعت إلى أهلها، ووقعت الحرب فكان من الفريقين ما كان، وولدت أخت جساس غلاماً سمته الهجرس رباه جساس، فكان لا يعرف أباً غيره، فزوجه ابنته، فوقع بين الهجرس وبين رجل من بني بكر كلام، فقال له البكري: ما أنت بمنته حتى ألحقك بأبيك، فأمسك عنه ودخل إلى أمه كئيباً، فسألته عما به فأخبرها الخبر، فلما أوى إلى فراشه ونام إلى جنب امرأته وضع أنفه بين ثدييها فتنفس تنفيسة تنفط ما بين ثدييها من حرارتها، فقامت الجارية فزعة حتى دخلت على أبيها فقصت عليه قصة الهجرس، فقال جساس: ثائر ورب الكعبة، وبات جساس على مثل الرضف حتى أصبح فأرسل إلى الهجرس فأتاه فقال له: إنما أنت ولدي ومني بالمكان الذي قد علمت وقد زوجتك ابنتي وأنت معي، وقد كانت الحرب في أبيك زماناً طويلاً حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل في ما دخل فيه الناس من الصلح وأن تنطلق معي حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا، فقال الهجرس: أنا فاعل، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا بلأمته وفرسه، فحمله جساس على فرس وأعطاه لأمة ودرعاً، فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما، فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العاقبة، ثم قال هذا الفتى ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه ويعقد ما عقدتم، فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه ثم قال: وفرسي وأذنيه ورمحي ونصليه وسيفي وغراريه لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساساً فقتله ولحق بقومه، فكان آخر قتيل في بكر وائل. ولما قتل جساس بن مرة كليباً كانت جليلة أخت جساس تحت كليب، فاجتمع نساء الحي للمأتم يقلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب، فقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا وأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها، فلقيها أبوها مرة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ قالت: ثكل العدد وحزن الأبد، وفقد خليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد وتفتت الأكباد، قال لها: أو يكف ذلك كريم الصفح وإعلاء الديات، فقالت جليلة: أمنية مخدوع ورب الكعبة، أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها، وفي الخبر طول. ذو طوى (١) : عند مكة، فيه دفن عبد الله بن عمر ﵁ سنة ثلاث وسبعين، وقيل بل دفن بفج. ذو قار (٢) : واد على ثلاث ليال من منى، وقال أبو عبيدة: هو متاخم لسواد العراق، وفيه كانت الوقيعة بين العرب والفرس بسبب سلب النعمان بن المنذر، وذلك أن النعمان بن المنذر لما غضب عليه كسرى أبرويز بن هرمز بسبب إفساد زيد بن عدي بن زيد حاله عند كسرى أبرويز أتى هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فاستودعه ماله وأهله وولده وألف شكة، ويقال أربعة آلاف شكة، ووضع وضائع عند أحياء من العرب ثم هرب وأتى طيئاً فأبوا أن يدخلوه جبلهم، فخرج حتى وضع يده في يد كسرى فحبسه بساباط، وقيل بخانقين. قالوا: فلما هلك النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في

стр. 277

السواد، وبلغ كسرى أن مال النعمان وحليته وولده عند هانئ بن مسعود، فبعث إليه: إن النعمان إنما كان عاملي وقد استودعك ماله وأهله والحلقة، فابعث بها ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية، فبعث إليه هانئ: إن الذي بلغك باطل وما بيدي قليل ولا كثير، وإن يكن الأمر كما قد قيل فإنما أنا أحد رجلين: إما رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من أودعه إياها ولن يسلم الرجل الخير أمانته، أو رجل مكذوب عليه فليس ينبغي أن تأخذه بقول عدو أو حاسد. قالوا: وكانت الأعاجم قوماً لهم حلم قد سمعوا بعض علم العرب وعرفوا أن هذا الأمر كائن فيهم، فلما ورد على كسرى كتاب هانئ هذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد اقترب على أن أقبل حتى قطع الفرات وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانئ إياه ما منعه، فدعا إياس بن قبيصة واستشاره في الغارة على بكر بن وائل، فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته، وإن تطعني، لم يعلم أحد لأي شيء قطعت الفرات فيرون أن شيئاً من أمر العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى غرة منهم ثم ترسل كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون بهم وقعة الدهر، ويأتونك بطلبتك، فقال له كسرى: أنت رجل من العرب وبكر بن وائل أخوالك فأنت تتعصب لهم ولا تألوهم نصحاً، قال إياس: رأي الملك أفضل، فقام إليه عمرو بن عدي بن زيد العبادي، وكان كاتبه وترجمانه بالعربية وفي أمور العرب فقال له: أقم أيها الملك أفضل مقام وابعث إليهم الجنود يكفوك، وقام النعمان بن زرعة من ولد السفاح التغلبي فقال: أيها الملك إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظوا بذي قار تهافتوا تهافت الجراد في النار، فعقد للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لاياس بن قبيصة على جميع العرب ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف فارس من الأساورة، وعقد لجنابرزين (١) على ألف، وبعث معهم اللطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البز والعطر والألطاف توصل إلى باذام عامله باليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى اليمن، وأمر عمرو بن عدي أن يسير بها، وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل ودنوا منها أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهناً بما أحدثت سفهاؤهم فاقبلوا منهم ولا تقاتلوهم. فلما بلغ بكر بن وائل الخبر سار هانئ بن مسعود حتى نزل بذي قار، وأقبل النعمان بن زرعة حتى نزل على ابن أخته مرة بن عمرو، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنكم أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهباء والدوسر، وإن في الشر خياراً، ولأن يفتدى بعضنا ببعض خير من أن تصطلموا، انظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا رهناً من أبنائكم بما أحدث سفهاؤكم، فقال له القوم: ننظر في أمرنا، وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجهلتين، وجعلت لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: سيدنا في هذه الجماعة، يعني حنظلة بن ثعلبة بن سيار، فإذا به فقالوا: يا أبا معدان قد طال انتظارنا وقد كرهنا أن نقطع أمراً دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاء والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع عليه رأيكم واتفق عليه ملأكم؟ قالوا: قلنا إن اللخي أهون من الوهي، وإن في الشر خياراً ولأن يفتدي بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا جميعاً، فقال حنظلة: قبح الله هذا رأياً، والله لا تجر أحرار فارس غرلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع الصوت، ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار، ثم نزل ونزل الناس وأطافوا به، ثم قال لهانئ بن مسعود: يا أبا أمامة إن ذمتكم ذمتنا وإنه لن يوصل اليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك فإن تظفر فسترد عليك، وان تهلك فأهون مفقود، فأمر بها ففرقت عليهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى قومك سالماً، فرجع النعمان إلى قومه وأصحابه فأخبرهم بما رد عليه القوم، فباتوا ليلتهم يستعدون للقتال، وباتت بكر بن وائل يتأهبون للحرب، فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم، وأمر حنظلة بالظعن جميعاً فرفعها خلف الناس ثم قال: يا معشر بني بكر، قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا، فأقبلت الأعاجم يسيرون على تعبئة، فقال ربيعة بن غزالة السكوني ثم التجيبي: يا بني شيبان لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فيهلككم نشابها ولكن تكردسوا لهم كراديس فيشد عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شد الآخر. قالوا: فلما التقى الجمعان وتتام القوم قام حنظلة بن ثعلبة

стр. 278

فقال: يا معشر بكر بن وائل إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم فإذا أرسلوه لم يخطئكم فعاجلوهم باللقاء وابدروهم بالشدة، ثم قام هانئ بن مسعود فقال: يا قوم هالك معذور خير من منجى معرور، وإن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الأمر خير من استدباره، والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر، يا قوم جدوا فما من الموت بد، فتح لو كان له رجال، أسمع صوتاً ولا أرى قوماً يال بكر شدوا واستعدوا وإلا تشدوا تردوا. ثم قام شريك بن عمرو بن شراحيل فقال: يا قوم إنما تهابونهم إنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك أنتم في أعينهم، فعليكم بالصبر فإن الأسنة تردي الأعنة، يال بكر قدماً قدماً، ثم قام عمرو بن جبلة اليشكري فقال: يا قوم لاتغرركم هذي الخرق ... ولا وميض البيض في الشمس برق ... من لم يقاتل منكم هذا العنق ... فجنبوه الراح واسقوه المرق ... ثم إن القوم اقتتلوا صدر نهاهم أشد قتال رآه الناس قط إلى أن زالت الشمس فشد الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك، على الهامرز فقتله، وقتلت بنو عجل جنابرزين، وضرب الله تعالى وجوه الفرس فانهزموا، وقتل الأسود بن شريك بن عمرو وخالد بن يزيد البهراني وأفلت النعمان بن زرعة واياس بن قبيصة واتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم وليلتهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ودخلوه، وأقبلت بكر على الغنائم فقسموها بينهم وقسموا اللطائم بين نسائهم. قالوا: وكانت وقعة ذي قار لأربعين من مولد النبي ﷺ ، وفي رواية أنها كانت بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول الله ﷺ بالمدينة، فلما بلغه ذلك قال: " هذا أول ما انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا ". ويروى أن النبي مثلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه فدعا لبني شيبان ولجماعة ربيعة بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أري هزيمة الفرس. ويروى أنه ﷺ قال: " إيه بني أبي ربيعة، اللهم انصر بني أبي ربيعة " فهم إلى الآن إذا حاربوا دعوا بشعار النبي ﷺ ودعوته لهم وقال قائلهم يا رسول الله وعدك، فإذا دعوا بذلك نصروا. وقال بكر بن الأصم: إن كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقي على كرم بني همام وأبا ربيعة كلها ومحلما ... سبقوا بغاية أفضل الأقسام زحفوا بجمع لا ترى أقطاره ... لقحت به حرب لغير تمام عرب ثلاثة آلف وكتيبة ... ألفان عجم من بني الفدام ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم ... بالمشرفي على شؤون الهام وغدا ابن مسعود فأوقع وقعة ... ذهبت لهم في معرق وشآمي

стр. 279

حرف الراء رامة (١) موضع بالعقيق، وقيل بل هي وراء القريتين في طريق البصرة إلى مكة، قال الأصمعي: قيل لرجل من أهل رامة: إن قاعكم هذا لطيب لو زرعتموه، قال: قد زرعناه، قال: وما زرعتموه؟ قال: سلجماً، قال: وما حداكم على ذلك؟ قالوا: معاندة لقول الشاعر: تسألني برامتين سلجما ... يا مي لو سألت شيئاً أمما ... جاء به الكري أو تجشما ... رامين من عمل كرمان، بناها بهمن بن اسفنديار، وهي كبيرة، وحواليها ضياع ورساتيق عظيمة مقدار أربعمائة ضيعة. الراموسة (٢) ضيعة على ميلين من حلب، إليها كان سيف الدولة يبرز محلته إذا أراد الغزو. الرافقة (٣) مدينة إلى جنب الرقة، بناها المنصور أبو جعفر على هيئة مدينته ببغداد سنة خمس وخمسين ومائة، وأتمها المهدي ونزلها الرشيد، وهي مدينة واسعة عظيمة بها ينزل الأمراء، وهي مدورة كهيئة الطيلسان، ولها ربض في شرقيها عليه سور، ولها جامعان: جامع في الرافقة وجامع في الربض، والسور الخارج آخذ من الفرات إلى الشمال، وأسواقها في الربض وبساتينها شرقاً إلى الفرات، وحكى البلاذري أن الرافقة لم يكن لها أثر قديم وإنما بناها المنصور. الرافدان (٤) قال محمد بن حبيب: رافدا العراق الماهان: ماه البصرة وماه الكوفة، فماه البصرة نهاوند وماه الكوفة الدينور، والماه بالفارسية قصبة البلد أي بلد كان. وقيل الرافدان دجلة والفرات قال الفرزدق: أوليت العراق ورافديه ... فزارياً أحذ يد القميص راست (٥) مدينة الصقالبة في أول حد من حدودها تسير إليها في مفاوز وأرضين غير مسلوكة وعيون ومياه وأشجار ملتفة حتى تأتي بلادهم. وبلاد الصقالبة بلاد سهلية ومشاجر، وليس لهم كروم ولا مزارع، ولهم مثل الحباب من خشب معمول فيها نحلهم وعسلهم يخرج من الحب الواحد مقدار عشرة أباريق، وهم قوم يرعون الخنازير مع الغنم، وإذا مات منهم ميت حرقوه بالنار، ونساؤهم إذا مات لهن ميت قطعن أيديهن ووجوههن بالسكين، وإذا أحرق ذلك الميت صاروا إليه من الغد فأخرجوا الرماد من ذلك الموضع فجعلوه في برنية وجعلوه على تل، فإذا انقضت أيام السنة عمدوا إلى عشرين حباً من العسل أو أقل أو أكثر فذهبوا به إلى

стр. 280

ذلك التل، واجتمع أهل الميت هناك فأكلوا وشربوا ثم انصرفوا، وإن كان لميت ثلاث نسوة فزعمت واحدة منهن أنها محبة له قامت عند بيتها إلى خشبتين فأقامتهما في جرف أرض ثم وضعت خشبة أخرى معترضة على رأسها، وتعلق من طرف الخشبة حبلاً ثم تشد طرفه في عنقها وهي قائمة على كرسي من تحتها فتبقى معلقة حتى تختنق وتموت، فإذا ماتت المرأة ألقيت في النار وأحرقت. وهم كلهم عبدة نيران وأكثر زرعهم الدخن، فإذا كان أيام حصادهم وذريهم أخذوا من حب الدخن في مغرفة ثم رفعوه نحو السماء ويقولون: يا ربنا أنت الذي رزقتنا فأتمم نعمتك علينا، ولهم ضروب من العيدان والطنابير والمزامير، ومزمارهم يكون في طول ذراعين، وجمودهم عليه من الأوتار ثمانية، وأنبذتهم العسل، يطربون عند حرق الميت ويزعمون أنهم يفرحون برحمة ربهم إياه، وليس لهم من البراذين إلا القليل ولا يكون عند رجل منهم دابة إلا عند رجل مذكور، وأكثر ثيابهم القمص، وسلاحهم المزاريق والأترسة والرماح، ولملكهم دواب أكله مما يحلب من ألبانها، ويشتد البرد في بلادهم حتى يحفر الرجل منهم السرب تحت الأرض ثم يجعل له سقفاً من خشب يلقي عليه التراب، ويدخل الرجل بعياله ويضرم فيه النار حتى يحمى، وإذا صار إلى غايته رش عليه الماء فينتشر البخار في البيت، وتسكن هذه البيوت إلى أيام الربيع. وليس في نسائهم زنا، إلا ان الجارية إذا أحبت رجلاً صارت إليه فأقامت عنده ما أحبت، فإن وجدها زوجها عذراء قال لها: لو كان فيك خير وكان لك جمال لرغب فيك الرجال واخترت لنفسك من يأخذ عذرتك، فيخرجها ويتركها. الران: مدينة من بلاد أرمينية. الرامي (١) : جزيرة الرامي بالهند متصلة بجزيرة سرنديب، وهي مدينة الهند وبها عدة ملوك وفيها معادن وطيب، وطولها سبعمائة فرسخ في مثلها، وقيل ثمانمائة فرسخ في مثلها، وفيها الكركدن وهو دابة تكون دون الجمل وفوق الجاموس وفي عنقها عوج كعوج عنق الجمل، لكن اعوجاجه خلاف اعوجاج عنق الجمل، ورأسها مما يلي يديها، ولها قرن في وسط جبهتها طويل، في غلظه قبضتان، ويقال إن بعض هذه القرون إذا شقت ظهرت فيها صورة إنسان وصورة طائر وغيره من الصور كاملة الشكل بيضاء وهذا القرن الذي توجد فيه هذه الصورة تصنع منه مناطق تساوي قيمة كبيرة، وتكون الصورة التي توجد فيه من أوله إلى آخره. وحكى الجاحظ أن هذه الدابة تقيم في جوف أمها سبع سنين، وأنها تخرج رأسها وعنقها من فرج أمها فترعى الحشيش ثم تعيد رأسها إلى جوف أمها فإذا ابتدأ تكون قرنها امتنعت من الخروج إلى المرعى على حسب عادتها فتنقر في جوف أمها حتى تشقه فتخرج منه فتموت الأم، ومن الناس من يضعف هذا الخبر لأنه يقتضي فناء الأمهات. وملوك الهند تصنع من قرن هذه الدابة أنصبة السكاكين للموائد وإذا وضع الطعام بين أيديهم وكان فيه سم عرق ذلك النصاب فيعلم بذلك أن الطعام مسموم. وجزيرة الرامي طيبة الثرى معتدلة الهواء عذبة المياه، وفيها بلاد عدة وقرى ومعاقل، وفيها ينبت البقم وهو يشبه نبات الدفلى وخشبه أحمر وعروقه دواء من سم الأفاعي والحيات، قالوا: وقد جرب ذلك فصح. وفي هذه الجزيرة جواميس لا أذناب لها، وفي غياض هذه الجزيرة ناس عراة لا يفهم كلامهم، وهم يستوحشون من الناس وطول الواحد منهم أربعة أشبار وله ذكر صغير وكذلك للمرأة منهم فرج صغير، وشعورهم زغب أحمر، ولا يلحقون لسرعة جريهم. وبساحل هذه الجزيرة قوم يلحقون المراكب وهي تجري بالريح الطيبة، ويبيعون العنبر من أصحاب المراكب بالحديد، ويتجهز من هذه الجزيرة بالكافور الطيب وبها منه كثير، وشجره عظام تظل مائة رجل ومائتين وأكثر وأقل، ينقر أعلاها فيسيل منه الماء كافوراً، فإذا كان في آخره خرج أبيض، ثم ينقر أسفل ذلك بأوسط الشجر فينساب عليهم الكافوركأنه قطع الرخام في البياض ويسيل كما يسيل الصمغ، وهو صمغ هذا الشجر، ويتجهز منها أيضاً بضروب الأفاويه واللؤلؤ الفائق في الجودة. ومن هذه الجزيرة إلى سرنديب ثلاثة أيام. رأس عين (٢) : وبعضهم يقول راس العين، واسمها عين الوردة،

стр. 281

من كور الجزيرة وبمقربة من نصيبين، وبينها وبين الفرات أربعة فراسخ، وهي كلها بين الجزيرة والشام، وهي مدينة كبيرة عليها سوران، وهذا الاسم لها صادق جداً، فإن الله تعالى فجر أرضها عيوناً وأجراها ماء معيناً فتقسمت مذانب وانسابت جداول، في مروج خضر كأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها، وأعظم هذه العيون عينان إحداهما فوق الأخرى، فالعليا منهما نابعة تحت (١) الأرض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير متسع فينبسط الماء حتى يصير كالصهريج العظيم، ثم يخرج ويسيل نهراً كأكبر ما يكون من أنهار وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقي بمائها، وهذه العين الثانية تحت الأرض في الحجر الصلد نحو أربع قامات أو أزيد، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجاً كبيراً ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض، فربما يروم السابح القوي السباحة الشديد الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثه من منبعه، فلا يتناهى في غوصه إلا إلى مقدار نصف مسافة العين أو أقل، وماؤها أصفى من الزلال، ويصطاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك، وينقسم ماء هذه العين نهرين، أحدهما أخذ يميناً والآخر يساراً، فالأيمن يشق على خانقة مبنية للصوفية والغرباء بازاء العين، وهي تسمى الرباط، والأيسر يمر على جانب الخانقة وتفضي منه جداول إلى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية، ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا، وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحاء. ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور. قالوا (٢) : وهذه المدينة للبداوة بها اعتناء وللحضارة عنها استغناء، لا سور يحصنها ولا دور أنيقة البناء فيها، وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن، ولها جامعان حديث وقديم فالقديم بموضع العيون وتتفجر أمامه عين معينة، وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز، لكنه دثر، والجامع الآخر داخل البلد وفيه مجتمع أهله. والغالب عليها فخذ من بني ربيعة يقال لهم النمر، وبها نفر من بني تميم. وهي مدينة قديمة واسمها عين الوردة، وافتتحها عمير بن سعد الأنصاري من قبل عياض بن غنم، وأظنها التي عنى حسان بقوله: كأن سبيئة من رأس عين (٣) ... يكون مزاجها عسل وماء ومن رأس العين هذه يخرج نهر الخابور، وهي كلها من بلاد الجزيرة. وبعين الوردة (٤) كانت الوقيعة بين سليمان بن صرد وأصحابه التوابين الخارجين للطلب بدم الحسين ﵁ مع أهل الشام وفيهم عبيد الله بن زياد، فقتل سليمان وأكثر أصحابه، وذلك سنة خمس وستين، وفي القصة طول. رأس الماء (٥) : على مسيرة عشرة أيام من غانة في بلاد السودان وهناك تلقى النيل خارجاً من بلاد السودان وعليه قبائل من البربر مسلمون وبازائهم من الشط الثاني مشركو السودان. رأس المحجمة (٦) : جبل عال في بلاد عمان، عال على ضفة البحر ويندفن في الماء فلا يعلم حيث يصل وربما تكسرت المراكب عليه، وفي رأس المحجمة مغايص اللؤلؤ. رأس قنديلة: هو أنف جبل خارج في البحر، بحر فاران، يتصادم فيه ريحان: ريح تأتي من بحر أيلة، وريح تأتي من بحر القلزم فتلتقي فيه أمواج متضادة ويعظم الخطب هناك فتنشب السفن هناك، وتنتظر الريح المساعدة فإن خالفت الريح السفينة بعد خروجها عن المرسى هلكت إن لم يمكنها الرجوع. رادس (٧) : مرسى رادس هو مرسى بحر تونس، وهذا الاسم إما للمرسى أو للقرية المطلة عليه. وفي بعض الأخبار أن الروم أغاروا على مرسى رادس فقتلوا من بها وسبوا وغنموا وذلك في عهد حسان بن النعمان الذي كان عبد الملك بن مروان أغزاه إفريقية، فوصل إليها وحارب الكاهنة التي كانت بأوراس حتى قتلها وخرب

стр. 282

مدينة قرطاجنة، ولما بلغ حسان خبر رادس ركب إليها وقد بلغ من المسلمين أمرها كل مبلغ وكتب إلى الوليد بن عبد الملك (١) يعرفه بذلك وأرسل (٢) إليه أربعين رجلاً من أشراف العرب، فأقام حسان مرابطاً برادس حتى يأتيه رأي الوليد، فكتب علماء المشرق إلى إفريقية: من رابط عنا برادس يوماً حججنا عنه حجة، وعظم قدر رادس عند العلماء وفضلها، فلما ورد الخبر إلى الوليد بن عبد الملك بعث إلى عمه عبد العزيز بن مروان وهو على مصر وإفريقية يأمره أن يوجه ألف قبطي وألف قبطية ويحملهم إلى إفريقية، وأمره أن يخرج البحر إلى مدينة تونس ويعمل بها دار صناعة وأن يعمل المراكب ويستكثر منها ويجاهد الروم في البر والبحر وأن يغير على سواحل الروم ويشغلهم عن بلاد الإسلام، وفي رواية أن أنس بن مالك وزيد بن ثابت ﵄ قالا للمسلمين: من رابط يوماً برادس فله الجنة حتماً، وقالا لعبد الملك: أمد هذه البلاد وانصر أهلها ليأمنوا من الغدر ويكون لك ثوابها وأجرها فإنها من البلدان المقدسة المرحوم أهلها وهي حرس لقمونية (٣) ، يريد القيروان، وروي أن ببحر رادس حرق الخضر السفينة وأن الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً الجلندى ملك قرطاجنة فخرق الخضر السفينة ببحر رادس وقتل الغلام بطنبدة (٤) وهي المحمدية، وهناك فارق موسى الخضر ﵉، وطنبدة على عشرة أميال من تونس. رامهرمز (٥) : من كور الأهواز وبالقرب من واسط وهي خوزستان، ومن سوق الأهواز إلى رامهرمز عشرون فرسخاً. وفتحت رامهرمز (٦) عنوة في آخر أيام أبي موسى ﵁، كان عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرن، فخرج النعمان في أهل الكوفة فأخذ في وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان ثم أخذ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، ثم سار إلى الهرمزان وهو برامهرمز، فلما سمع الهرمزان بسير النعمان بادر إليه رجاء أن يقطعه وقد طمع في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه ونزلت أوائل أمدادهم تستر، فالتقى النعمان والهرمزان فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم هزم الله الهرمزان ولحق بتستر، وسار النعمان حتى نزل برامهرمز ثم سار إلى تستر ولحق به سائر جنود المسلمين فحاصروا الهرمزان بتستر ومعه الأعاجم أشهراً إلى أن كان من أمره ما هو مذكور في حرف التاء عند ذكر تستر. الرانج (٧) : جزائر الرانج كثيرة وأرضها واسعة، وهي تقابل بلاد الزنج الساحلية وأهلها سمر، ويقال إنه لما اضطرب أمر الصين وكثر الظلم والتخليط فيه صير أهل الصين تجاراً إلى الرانج وغيرها من جزائرها وعاملوا أهلها وأنسوا إليهم لعدلهم وحسن معاملتهم فهي لذلك عامرة والمسافر إليها كثير. راتج (٨) : تاؤها منقوطة باثنتين من فوق، أطمة من آطام المدينة لأناس من اليهود ثم لحلفاء بني الأشهل، وهو الذي عنى قيس بن الخطيم في قوله: ألا إن بين الشرعي وراتج ... ... البيت (٩) . الربذة: منزل فيه أعراب وماء كثير، وفيه منزل أبي ذر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وفيه قبره وفيها مسجد جامع، وهي من القرى القديمة في الجاهلية. والربذة هي التي جعلها عمر ﵁ حمى لإبل الصدقة، وهي في اللغة الصوفة من العين تعلق على البعير، وإليها نفى عثمان ﵁ أبا ذر ﵁ فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، وهو جندب بن عبادة ويقال ابن السكن، وهو من غفار قبيلة من كنانة. وكان النبي (١٠) ﷺ قال فيه في وجهته إلى تبوك، لما أبطأ بأبي ذر ﵁ جمله، فأخذ رحله فجعله على جمله (١١) ثم

стр. 283

خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشياً، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : " كن أبا ذر، رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده " الحديث. فلما خرج أبو ذر ﵁ إلى الربذة وأصابه بها أجله لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا به ذلك ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود ﵁ في رهط من أهل العراق، فلم يرعهم إلا الجنازة على ظهر الطريق وقد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام وقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، قال: فاستهل عبد الله بن مسعود ﵁ يبكي: صدق رسول الله ﷺ ، تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود ﵁ حديثه وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك. وفي الثغور (١) الرومية التي افتتحها مسلمة بن عبد الملك ربذة أخرى. وبالربذة مات عتبة بن غزوان سنة سبع عشرة، له الهجرتان وبدر والمشاهد كلها، وكان من الرماة المذكورين يوم بدر. ربعات (٢) : بتشديد الباء المدينة العظمى للحبشة ولما أغارت الحبشة زمن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إليهم علقمة بن مجزز (٣) في جمع كثير سنة عشرين فلما قرب من مدينتهم هذه وكانوا قد سموا المياه فمات أكثرهم ونجا علقمة في نفير وقال: أقول وقد شربن بربعات ... أبالغة بنا اليمن الركاب الرجان (٤) : أول مدن فارس بل هي كورة فيها مدن كثيرة منها صغار وكبار، وهي حد ما بين فارس وخوزستان، وهي مدينة حسنة في غاية الطيب ولها رساتيق ونخل وكروم وفواكه كثيرة مثل الجوز والأترج والخوخ والزيتون الكثير والزيت، وماؤها غير طيب ولا شروب. وعلى باب الرجان مما يلي خوزستان على نهر طاب قنطرة تنسب إلى الديلمى طبيب الحجاج بن يوسف، وهي طاق واحد سعتها بين عموديها على وجه الأرض ثمانون خطوة وارتفاعها مقدار ما يخرج منها راكب الجمل وبيده أطول الأعلام (٥) ، والرستاق باللسان الفارسي هو الإقليم، ومدينة الرجان مدينة جليلة أكثر أهلها العجم والفرس والمجوس. الرجيع (٦) : بفتح أوله وبالجيم والعين المهملة في آخره على وزن قتيل، ماء لبني لحيان من هذيل بين مكة وعسفان، وبه قتل بنو لحيان من هذيل عاصم بن ثابت وأصحابه، كان رسول الله ﷺ بعثهم وأمر عليهم عاصماً، حتى إذا كانوا بالرجيع - ويقال بالهدة (٧) وهما متجاورتان بين عسفان ومكة - ذكر أمرهم لبني لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم فأدركوهم فقتلوا في ذلك اليوم عاصم بن ثابت وأسروا خبيباً وابن الدثنة، وأرادوا أن يحتزوا رأس عاصم بن ثابت ﵁ فحمته الدبر وغلبتهم عليه فلم يستطيعوا الوصول إليه، وكان عاصم بن ثابت ﵁ عاهد الله تعالى ألا يمس مشركاً أبداً ولا يمسه تنجساً فمنعه الله تعالى منهم. وروي أيضاً أن الله تعالى بعث الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به، والأول أشهر، وفيه يقول حسان ﵁: لحى الله لحياناً فليست دماؤهم ... لنا من قتيلي غدرة بوفاء هم قتلوا يوم الرجيع ابن مرة ... أخا ثقة في وده وصفاء

стр. 284

رحبة مالك بن طوق (١) : هي مدينة في شرقي الفرات حصينة عامرة عليها سور تراب ولها أسواق وعمارات وكثير من التمر، ومنها مع الفرات إلى الخابور مرحلتان. رخج: بضم أوله وتشديد ثانيه وهو خاء منقوطة بعدها جيم، كورة من كور فارس، ورأيت في موضع آخر أنها من أعمال سجستان (٢) . ردمان (٣) : باليمن، فيه مات عبد المطلب بن هاشم، وفي ذلك يقول الشاعر يرثي من مات له: ميت بردمان وميت بسل؟ ... مان وميت بين غزات الرذ (٤) : قرية من ماسبذان، فيها مات المهدي الخليفة العباسي سنة تسع وستين ومائة، وقبره هناك، ويقال إنه أحد المسمومين، سمته حسنة جاريته لغيرة نالتها فأصابه ذلك. ركلة (٥) : مدينة بالأندلس بقرب سرقسطة وقلعة أيوب، عالية البنيان على وادي شلون، وبساتينها تسقى منه. ونزل بمدينة ركلة في أيام بني هود برد عظيم حطم أغصان شجر الكمثرى حتى تركها دون أغصان، وجد في زنة واحدة منها في اليوم الثاني من نزوله ثلاثة أرطال بالبغدادي، فسبحان من له القدرة الباهرة. الرملة (٦) : بالشام، سمتها الرملة لما غلب عليها الرمل، وهي من كور فلسطين، وبينها وبين القدس ثمانية عشر ميلاً، ومدينة الرملة واسطة بلاد فلسطين وهي مدينة مسورة ولها اثنا عشر باباً (٧) : باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور، وباب نابلس، ولها أربعة أسواق متصلة من هذه الأبواب إلى وسطها وهناك مسجد جامعها، فمن باب يافا يدخل في سوق القماحين حتى يتصل بمسجد جامعها، وهي سوق حسنة يباع فيها أنواع السلع، ويتصل بباب القدس سوق القطانين إلى سوق المشاطين الكبار إلى العطارين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور ثم سوق الجزارين ثم السقائين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور بآخر من أسواقها: سوق الأكافين وسوق الصياقلة ثم سوق السراجين إلى المسجد الجامع، ويقال إن الرملة أربعة آلاف ضيعة، وبين الرملة وايليا ثمانية عشر ميلاً في صحار ووهاد. وبمدينة الرملة نزل صالح النبي ﵇ ومن آمن معه بعد أن أهلك الله قومه حين عقروا الناقة، وقيل لما رأى أنها دار قد سخط الله عليها ارتحل هو ومن معه وأهلوا بالحج حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر. الرمادة (٨) : موضع بين الإسكندرية وبرقة، وهي أول منزل من منازل البربر يسكنها قوم من مزاتة وغيرهم من العجم الفدم وبها قوم من العرب من بلي وجهينة وبني مدلج وأخلاط. وأعوام الرمادة في زمان عمر ﵁ أعوام جدب تتابعت على الناس وجعلت الأرض رماداً. ويوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي (٩) أظن أصله من الرمادة هذه، وكان معاصراً للمتنبي، وهو القائل: لا تنكروا غزر الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يصير دموعا والعبد قد يعصي وأحلف أنني ... ما كنت إلا سامعاً ومطيعا

стр. 285

قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلماً ... يمنن علي برده مصدوعا وقال أبو عبيد: الرمادة مدينة بالشام افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية. الرمانية (١) : هي جزائر تنيف على ثلثمائة وخمسين جزيرة من عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين لأنهم لا صلح بينهم. رندة (٢) : بالأندلس من مدن تاكرنا، وهي مدينة قديمة بها آثار كثيرة، وهي على نهر ينسب إليها، واجتلب الماء إليها من قرية بشرقيها ومن جبل طلوبرة بغربيها، فيوافي الماء داخلها من شرقيها وغربيها، ويتوارى نهرها في غار فلا ترى جريته أميالاً ثم يظهر حتى يقع في نهر لكه. وبقرب مدينة رندة عين تعرف بالبراوة وتجري من أول الربيع إلى آخر الصيف فإذا دخل الخريف نضب ماؤها فلا تبض بقطرة إلى أول الربيع من عام ثان. الرصافة (٣) : كثيرة منها رصافة هشام بن عبد الملك بالشام، وهي قصور وحولها مساكن وقرى عامرة وأسواق وبيع وشراء وأخذ وعطاء، وهي قنسرين وفيها توفي هشام بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة وفيها بويع الوليد بن يزيد بعد هشام، وهي التي عنى الفرزدق بقوله: متى تردي الرصافة تسريحي ... من التهجير والدبر الدوامي وإياها عنى الوليد بن يزيد بن عبد الملك في قوله حين جاءه نعي هشام: إني سمعت خليلي ... نحو الرصافة رنه أقبلت أسحب ذيلي ... أقول ما حالهنه إذا بنات هشام ... يندبن والدهنه يدعون، ويلاً وعولاً ... والويل حل بهن ورصافة أخرى بشرقي بغداد، فيها اختط المهدي قصره إلى جانب المسجد الجامع الذي في الرصافة وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي، وفيها تربة الخلفاء العباسيين. ورصافة (٤) أخرى بالأنبار بناها أبو العباس، وقال لعبد الله بن الحسن ادخل فانظر، ودخل معه فلما رآه تمثل: ألم تر حوشباً أضحى يبني ... بناء نفعه لبني بقيله يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله فاحتملها أبو العباس ولم يجبه بشيء. ورصافة (٥) أخرى بقرطبة في الجهة الجوفية منها. ورصافة أخرى ببلنسية بينها وبين البحر، وأظن منها الرصافي الشاعر مادح عبد المؤمن بن علي (٦) . رضاء (٧) : بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانوا يعبدونها في الجاهلية وفيها يقول المستوغر بن ربيعة حين هدمها الإسلام: ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفراً بقاع أسحما رضوى (٨) : جبل ضخم من جبال تهامة وهو من ينبع على يوم ومن المدينة على تسع (٩) مراحل ميامنة طريق المدينة وعلى ليلتين من البحر وبقرب خيبر، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأسه من ينابيع الماء كخضرة البقل، وغلاة الشيعة تزعم أن محمد بن الحنفية لم يمت وأنه حي بجبل رضوى، وفي ذلك يقول السيد الحميري في كلمة له:
следующие страницы →