← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من كور الجزيرة وبمقربة من نصيبين، وبينها وبين الفرات أربعة فراسخ، وهي كلها بين الجزيرة والشام، وهي مدينة كبيرة عليها سوران، وهذا الاسم لها صادق جداً، فإن الله تعالى فجر أرضها عيوناً وأجراها ماء معيناً فتقسمت مذانب وانسابت جداول، في مروج خضر كأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها، وأعظم هذه العيون عينان إحداهما فوق الأخرى، فالعليا منهما نابعة تحت (١) الأرض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير متسع فينبسط الماء حتى يصير كالصهريج العظيم، ثم يخرج ويسيل نهراً كأكبر ما يكون من أنهار وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقي بمائها، وهذه العين الثانية تحت الأرض في الحجر الصلد نحو أربع قامات أو أزيد، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجاً كبيراً ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض، فربما يروم السابح القوي السباحة الشديد الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثه من منبعه، فلا يتناهى في غوصه إلا إلى مقدار نصف مسافة العين أو أقل، وماؤها أصفى من الزلال، ويصطاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك، وينقسم ماء هذه العين نهرين، أحدهما أخذ يميناً والآخر يساراً، فالأيمن يشق على خانقة مبنية للصوفية والغرباء بازاء العين، وهي تسمى الرباط، والأيسر يمر على جانب الخانقة وتفضي منه جداول إلى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية، ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا، وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحاء. ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور. قالوا (٢) : وهذه المدينة للبداوة بها اعتناء وللحضارة عنها استغناء، لا سور يحصنها ولا دور أنيقة البناء فيها، وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن، ولها جامعان حديث وقديم فالقديم بموضع العيون وتتفجر أمامه عين معينة، وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز، لكنه دثر، والجامع الآخر داخل البلد وفيه مجتمع أهله. والغالب عليها فخذ من بني ربيعة يقال لهم النمر، وبها نفر من بني تميم. وهي مدينة قديمة واسمها عين الوردة، وافتتحها عمير بن سعد الأنصاري من قبل عياض بن غنم، وأظنها التي عنى حسان بقوله: كأن سبيئة من رأس عين (٣) ... يكون مزاجها عسل وماء ومن رأس العين هذه يخرج نهر الخابور، وهي كلها من بلاد الجزيرة. وبعين الوردة (٤) كانت الوقيعة بين سليمان بن صرد وأصحابه التوابين الخارجين للطلب بدم الحسين ﵁ مع أهل الشام وفيهم عبيد الله بن زياد، فقتل سليمان وأكثر أصحابه، وذلك سنة خمس وستين، وفي القصة طول. رأس الماء (٥) : على مسيرة عشرة أيام من غانة في بلاد السودان وهناك تلقى النيل خارجاً من بلاد السودان وعليه قبائل من البربر مسلمون وبازائهم من الشط الثاني مشركو السودان. رأس المحجمة (٦) : جبل عال في بلاد عمان، عال على ضفة البحر ويندفن في الماء فلا يعلم حيث يصل وربما تكسرت المراكب عليه، وفي رأس المحجمة مغايص اللؤلؤ. رأس قنديلة: هو أنف جبل خارج في البحر، بحر فاران، يتصادم فيه ريحان: ريح تأتي من بحر أيلة، وريح تأتي من بحر القلزم فتلتقي فيه أمواج متضادة ويعظم الخطب هناك فتنشب السفن هناك، وتنتظر الريح المساعدة فإن خالفت الريح السفينة بعد خروجها عن المرسى هلكت إن لم يمكنها الرجوع. رادس (٧) : مرسى رادس هو مرسى بحر تونس، وهذا الاسم إما للمرسى أو للقرية المطلة عليه. وفي بعض الأخبار أن الروم أغاروا على مرسى رادس فقتلوا من بها وسبوا وغنموا وذلك في عهد حسان بن النعمان الذي كان عبد الملك بن مروان أغزاه إفريقية، فوصل إليها وحارب الكاهنة التي كانت بأوراس حتى قتلها وخرب

стр. 282

مدينة قرطاجنة، ولما بلغ حسان خبر رادس ركب إليها وقد بلغ من المسلمين أمرها كل مبلغ وكتب إلى الوليد بن عبد الملك (١) يعرفه بذلك وأرسل (٢) إليه أربعين رجلاً من أشراف العرب، فأقام حسان مرابطاً برادس حتى يأتيه رأي الوليد، فكتب علماء المشرق إلى إفريقية: من رابط عنا برادس يوماً حججنا عنه حجة، وعظم قدر رادس عند العلماء وفضلها، فلما ورد الخبر إلى الوليد بن عبد الملك بعث إلى عمه عبد العزيز بن مروان وهو على مصر وإفريقية يأمره أن يوجه ألف قبطي وألف قبطية ويحملهم إلى إفريقية، وأمره أن يخرج البحر إلى مدينة تونس ويعمل بها دار صناعة وأن يعمل المراكب ويستكثر منها ويجاهد الروم في البر والبحر وأن يغير على سواحل الروم ويشغلهم عن بلاد الإسلام، وفي رواية أن أنس بن مالك وزيد بن ثابت ﵄ قالا للمسلمين: من رابط يوماً برادس فله الجنة حتماً، وقالا لعبد الملك: أمد هذه البلاد وانصر أهلها ليأمنوا من الغدر ويكون لك ثوابها وأجرها فإنها من البلدان المقدسة المرحوم أهلها وهي حرس لقمونية (٣) ، يريد القيروان، وروي أن ببحر رادس حرق الخضر السفينة وأن الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً الجلندى ملك قرطاجنة فخرق الخضر السفينة ببحر رادس وقتل الغلام بطنبدة (٤) وهي المحمدية، وهناك فارق موسى الخضر ﵉، وطنبدة على عشرة أميال من تونس. رامهرمز (٥) : من كور الأهواز وبالقرب من واسط وهي خوزستان، ومن سوق الأهواز إلى رامهرمز عشرون فرسخاً. وفتحت رامهرمز (٦) عنوة في آخر أيام أبي موسى ﵁، كان عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرن، فخرج النعمان في أهل الكوفة فأخذ في وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان ثم أخذ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، ثم سار إلى الهرمزان وهو برامهرمز، فلما سمع الهرمزان بسير النعمان بادر إليه رجاء أن يقطعه وقد طمع في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه ونزلت أوائل أمدادهم تستر، فالتقى النعمان والهرمزان فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم هزم الله الهرمزان ولحق بتستر، وسار النعمان حتى نزل برامهرمز ثم سار إلى تستر ولحق به سائر جنود المسلمين فحاصروا الهرمزان بتستر ومعه الأعاجم أشهراً إلى أن كان من أمره ما هو مذكور في حرف التاء عند ذكر تستر. الرانج (٧) : جزائر الرانج كثيرة وأرضها واسعة، وهي تقابل بلاد الزنج الساحلية وأهلها سمر، ويقال إنه لما اضطرب أمر الصين وكثر الظلم والتخليط فيه صير أهل الصين تجاراً إلى الرانج وغيرها من جزائرها وعاملوا أهلها وأنسوا إليهم لعدلهم وحسن معاملتهم فهي لذلك عامرة والمسافر إليها كثير. راتج (٨) : تاؤها منقوطة باثنتين من فوق، أطمة من آطام المدينة لأناس من اليهود ثم لحلفاء بني الأشهل، وهو الذي عنى قيس بن الخطيم في قوله: ألا إن بين الشرعي وراتج ... ... البيت (٩) . الربذة: منزل فيه أعراب وماء كثير، وفيه منزل أبي ذر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وفيه قبره وفيها مسجد جامع، وهي من القرى القديمة في الجاهلية. والربذة هي التي جعلها عمر ﵁ حمى لإبل الصدقة، وهي في اللغة الصوفة من العين تعلق على البعير، وإليها نفى عثمان ﵁ أبا ذر ﵁ فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، وهو جندب بن عبادة ويقال ابن السكن، وهو من غفار قبيلة من كنانة. وكان النبي (١٠) ﷺ قال فيه في وجهته إلى تبوك، لما أبطأ بأبي ذر ﵁ جمله، فأخذ رحله فجعله على جمله (١١) ثم

стр. 283

خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشياً، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : " كن أبا ذر، رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده " الحديث. فلما خرج أبو ذر ﵁ إلى الربذة وأصابه بها أجله لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا به ذلك ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود ﵁ في رهط من أهل العراق، فلم يرعهم إلا الجنازة على ظهر الطريق وقد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام وقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، قال: فاستهل عبد الله بن مسعود ﵁ يبكي: صدق رسول الله ﷺ ، تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود ﵁ حديثه وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك. وفي الثغور (١) الرومية التي افتتحها مسلمة بن عبد الملك ربذة أخرى. وبالربذة مات عتبة بن غزوان سنة سبع عشرة، له الهجرتان وبدر والمشاهد كلها، وكان من الرماة المذكورين يوم بدر. ربعات (٢) : بتشديد الباء المدينة العظمى للحبشة ولما أغارت الحبشة زمن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إليهم علقمة بن مجزز (٣) في جمع كثير سنة عشرين فلما قرب من مدينتهم هذه وكانوا قد سموا المياه فمات أكثرهم ونجا علقمة في نفير وقال: أقول وقد شربن بربعات ... أبالغة بنا اليمن الركاب الرجان (٤) : أول مدن فارس بل هي كورة فيها مدن كثيرة منها صغار وكبار، وهي حد ما بين فارس وخوزستان، وهي مدينة حسنة في غاية الطيب ولها رساتيق ونخل وكروم وفواكه كثيرة مثل الجوز والأترج والخوخ والزيتون الكثير والزيت، وماؤها غير طيب ولا شروب. وعلى باب الرجان مما يلي خوزستان على نهر طاب قنطرة تنسب إلى الديلمى طبيب الحجاج بن يوسف، وهي طاق واحد سعتها بين عموديها على وجه الأرض ثمانون خطوة وارتفاعها مقدار ما يخرج منها راكب الجمل وبيده أطول الأعلام (٥) ، والرستاق باللسان الفارسي هو الإقليم، ومدينة الرجان مدينة جليلة أكثر أهلها العجم والفرس والمجوس. الرجيع (٦) : بفتح أوله وبالجيم والعين المهملة في آخره على وزن قتيل، ماء لبني لحيان من هذيل بين مكة وعسفان، وبه قتل بنو لحيان من هذيل عاصم بن ثابت وأصحابه، كان رسول الله ﷺ بعثهم وأمر عليهم عاصماً، حتى إذا كانوا بالرجيع - ويقال بالهدة (٧) وهما متجاورتان بين عسفان ومكة - ذكر أمرهم لبني لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم فأدركوهم فقتلوا في ذلك اليوم عاصم بن ثابت وأسروا خبيباً وابن الدثنة، وأرادوا أن يحتزوا رأس عاصم بن ثابت ﵁ فحمته الدبر وغلبتهم عليه فلم يستطيعوا الوصول إليه، وكان عاصم بن ثابت ﵁ عاهد الله تعالى ألا يمس مشركاً أبداً ولا يمسه تنجساً فمنعه الله تعالى منهم. وروي أيضاً أن الله تعالى بعث الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به، والأول أشهر، وفيه يقول حسان ﵁: لحى الله لحياناً فليست دماؤهم ... لنا من قتيلي غدرة بوفاء هم قتلوا يوم الرجيع ابن مرة ... أخا ثقة في وده وصفاء

стр. 284

رحبة مالك بن طوق (١) : هي مدينة في شرقي الفرات حصينة عامرة عليها سور تراب ولها أسواق وعمارات وكثير من التمر، ومنها مع الفرات إلى الخابور مرحلتان. رخج: بضم أوله وتشديد ثانيه وهو خاء منقوطة بعدها جيم، كورة من كور فارس، ورأيت في موضع آخر أنها من أعمال سجستان (٢) . ردمان (٣) : باليمن، فيه مات عبد المطلب بن هاشم، وفي ذلك يقول الشاعر يرثي من مات له: ميت بردمان وميت بسل؟ ... مان وميت بين غزات الرذ (٤) : قرية من ماسبذان، فيها مات المهدي الخليفة العباسي سنة تسع وستين ومائة، وقبره هناك، ويقال إنه أحد المسمومين، سمته حسنة جاريته لغيرة نالتها فأصابه ذلك. ركلة (٥) : مدينة بالأندلس بقرب سرقسطة وقلعة أيوب، عالية البنيان على وادي شلون، وبساتينها تسقى منه. ونزل بمدينة ركلة في أيام بني هود برد عظيم حطم أغصان شجر الكمثرى حتى تركها دون أغصان، وجد في زنة واحدة منها في اليوم الثاني من نزوله ثلاثة أرطال بالبغدادي، فسبحان من له القدرة الباهرة. الرملة (٦) : بالشام، سمتها الرملة لما غلب عليها الرمل، وهي من كور فلسطين، وبينها وبين القدس ثمانية عشر ميلاً، ومدينة الرملة واسطة بلاد فلسطين وهي مدينة مسورة ولها اثنا عشر باباً (٧) : باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور، وباب نابلس، ولها أربعة أسواق متصلة من هذه الأبواب إلى وسطها وهناك مسجد جامعها، فمن باب يافا يدخل في سوق القماحين حتى يتصل بمسجد جامعها، وهي سوق حسنة يباع فيها أنواع السلع، ويتصل بباب القدس سوق القطانين إلى سوق المشاطين الكبار إلى العطارين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور ثم سوق الجزارين ثم السقائين إلى المسجد الجامع، ويتصل سوق الخشابين من باب يازور بآخر من أسواقها: سوق الأكافين وسوق الصياقلة ثم سوق السراجين إلى المسجد الجامع، ويقال إن الرملة أربعة آلاف ضيعة، وبين الرملة وايليا ثمانية عشر ميلاً في صحار ووهاد. وبمدينة الرملة نزل صالح النبي ﵇ ومن آمن معه بعد أن أهلك الله قومه حين عقروا الناقة، وقيل لما رأى أنها دار قد سخط الله عليها ارتحل هو ومن معه وأهلوا بالحج حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر. الرمادة (٨) : موضع بين الإسكندرية وبرقة، وهي أول منزل من منازل البربر يسكنها قوم من مزاتة وغيرهم من العجم الفدم وبها قوم من العرب من بلي وجهينة وبني مدلج وأخلاط. وأعوام الرمادة في زمان عمر ﵁ أعوام جدب تتابعت على الناس وجعلت الأرض رماداً. ويوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي (٩) أظن أصله من الرمادة هذه، وكان معاصراً للمتنبي، وهو القائل: لا تنكروا غزر الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يصير دموعا والعبد قد يعصي وأحلف أنني ... ما كنت إلا سامعاً ومطيعا

стр. 285

قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلماً ... يمنن علي برده مصدوعا وقال أبو عبيد: الرمادة مدينة بالشام افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية. الرمانية (١) : هي جزائر تنيف على ثلثمائة وخمسين جزيرة من عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين لأنهم لا صلح بينهم. رندة (٢) : بالأندلس من مدن تاكرنا، وهي مدينة قديمة بها آثار كثيرة، وهي على نهر ينسب إليها، واجتلب الماء إليها من قرية بشرقيها ومن جبل طلوبرة بغربيها، فيوافي الماء داخلها من شرقيها وغربيها، ويتوارى نهرها في غار فلا ترى جريته أميالاً ثم يظهر حتى يقع في نهر لكه. وبقرب مدينة رندة عين تعرف بالبراوة وتجري من أول الربيع إلى آخر الصيف فإذا دخل الخريف نضب ماؤها فلا تبض بقطرة إلى أول الربيع من عام ثان. الرصافة (٣) : كثيرة منها رصافة هشام بن عبد الملك بالشام، وهي قصور وحولها مساكن وقرى عامرة وأسواق وبيع وشراء وأخذ وعطاء، وهي قنسرين وفيها توفي هشام بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة وفيها بويع الوليد بن يزيد بعد هشام، وهي التي عنى الفرزدق بقوله: متى تردي الرصافة تسريحي ... من التهجير والدبر الدوامي وإياها عنى الوليد بن يزيد بن عبد الملك في قوله حين جاءه نعي هشام: إني سمعت خليلي ... نحو الرصافة رنه أقبلت أسحب ذيلي ... أقول ما حالهنه إذا بنات هشام ... يندبن والدهنه يدعون، ويلاً وعولاً ... والويل حل بهن ورصافة أخرى بشرقي بغداد، فيها اختط المهدي قصره إلى جانب المسجد الجامع الذي في الرصافة وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي، وفيها تربة الخلفاء العباسيين. ورصافة (٤) أخرى بالأنبار بناها أبو العباس، وقال لعبد الله بن الحسن ادخل فانظر، ودخل معه فلما رآه تمثل: ألم تر حوشباً أضحى يبني ... بناء نفعه لبني بقيله يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله فاحتملها أبو العباس ولم يجبه بشيء. ورصافة (٥) أخرى بقرطبة في الجهة الجوفية منها. ورصافة أخرى ببلنسية بينها وبين البحر، وأظن منها الرصافي الشاعر مادح عبد المؤمن بن علي (٦) . رضاء (٧) : بيت كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانوا يعبدونها في الجاهلية وفيها يقول المستوغر بن ربيعة حين هدمها الإسلام: ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفراً بقاع أسحما رضوى (٨) : جبل ضخم من جبال تهامة وهو من ينبع على يوم ومن المدينة على تسع (٩) مراحل ميامنة طريق المدينة وعلى ليلتين من البحر وبقرب خيبر، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأسه من ينابيع الماء كخضرة البقل، وغلاة الشيعة تزعم أن محمد بن الحنفية لم يمت وأنه حي بجبل رضوى، وفي ذلك يقول السيد الحميري في كلمة له:

стр. 286

وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما لقد أمسى بمورق شعب رضوى ... تراجعه الملائكة السلاما وإن له لرزقاً من طعام ... وأشربة يعل بها الطعاما الرقة (١) : مدينة بالعراق مما يلي الجزيرة، وكل أرض إلى جانب واد ينبسط عليها الماء عند المد فهي رقة، وبه سميت المدينة. والرقة (٢) واسطة بلاد مضر، ومن مدنها الرها وسروج وشمشاط ورأس العين وغيرها، والرقة على شارعة الفرات في الشمال منه، وعليها سوران، وهي في فحص يبعد عن الجبال على مسافة أكثر من يومين، وفي شرقيها جبلان يسميان المنخرين. وفتح الرقة عياض بن غنم (٣) سنة ثمان عشرة، فإنه لما مات أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف عياضاً فورد عليه كتاب عمر ﵁ بتوليه حمص وقنسرين والجزيرة فصار إليها في خمسة آلاف، على مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، وعلى ميمنته سعيد بن عامر الجمحي، وعلى ميسرته صفوان بن المعطل السلمي، ويقال إن خالد بن الوليد ﵁ كان على ميسرته، ويقال أيضاً إن خالداً ﵁ لم يسر تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة ﵁ ولزم حمص حتى توفي سنة إحدى وعشرين. فانتهت طليعة لعياض إلى الرقة فأغاروا على حاضر كان حولها للعرب وعلى قوم من الفلاحين فأصابوا مغنماً، وهرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة، وأقبل عياض في عسكره حتى نزل ببابها المعروف بباب الرها في تعبئته، ثم تأخر عنها لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم وركب فطاف حول المدينة ووضع على أبوابها روابط، ثم رجع إلى عسكره وبث السرايا فآبت بالأسرى من القرى بالأطعمة الكثيرة، فلما مضت خمسة أيام أو ستة وهم على ذلك أرسل بطريق المدينة إلى عياض يطلب الأمان وقال: الأرض لنا قد وطئناها وأحرزناها (٤) ، فصالحه عياض على أن أمن جميع أهلها على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم فأقرها في أيديهم على الخراج، ووضع الجزية على رقابهم وألزم كل رجل منهم ديناراً في كل سنة وقمحاً وشيئاً من زيت وخل وعسل، ويقال إن عمر ﵁ كتب إليه فألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير كما ألزم أهل الذهب، وفتحوا أبواب المدينة وأقاموا للمسلمين سوقاً وكتب لهم عياض كتاباً. وكان أبو جعفر (٥) المنصور شخص إلى بيت المقدس فصلى فيه ثم انثنى إلى الرقة فأتى فيها منصور بن جعونة فقتله، وسبب ذلك أن المنصور قال فيما يقول: إن الله تعالى قد رفع الطاعون عن الشام ببركتنا ويمن ولايتنا، فقال له: ما كان الله ليجمعكم والطاعون في بلد. وبالرقة قتل أنس بن أبي شيخ (٦) وصلب، وكان أحد البلغاء وكان انقطاعه إلى جعفر بن يحيى، وكان يرمى بالزندقة، وحضر عرساً لجعفر فجعل أنس يذكر أهل بيت رسول الله ونسلهم حتى ذكر فاطمة بنت رسول الله بسوء، والبيت غاص بوجوه الناس، قال معاوية بن بكير: فقمت إليه فقلت: يا ابن الزانية، وأخذت بحلقه ورميت به تحتي وأقبلت أخنقه وهو يصيح: قتلني وأيم الله، لو كان معي سيفي لقتلته، قال: فخليت عنه، فبلغ الخبر الرشيد، فلما خرج الرشيد إلى الرقة نظر إلي يوماً فقال: يا معاوية، قلت: لبيك يا سيدي، ثم التفت فقال: يا سندي علي بأنس بن أبي شيخ، وذكر ما كان بيني وبينه، فأحضر ودعاني فأمرني فضربت عنقه وصلبه، وكان الرشيد لما انصرف عن الري اجتاز ببغداد فطواها ولم ينزلها وجعلها طريقه إلى الرقة فأمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى عند اجتيازه بها، وبالرقة توفي يحيى بن خالد في حبسه بها سنة تسع وثمانين ومائة وصلى عليه ابنه الفضل قبل خروجه. وفيها مات عبد الملك بن صالح (٧) بن علي فدفن بقصر الرشيد بالرقة وكان من أفصح بني هاشم في أيامه، ويقال إن الرشيد لما دخل منبج قال: لمن هذا؟ يعني بستاناً وقصراً أعجباه، فقال: هو لك ولي بك، قال:

стр. 287

وكيف بناؤه؟ يريد القصر، قال: دون منازل أهلي وفوق نازل الناس، قال: وكيف مدينتك؟ قال: عذبة الماء باردة الهواء طيبة الوطاء قليلة الأدواء، قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله. وذكر المسعودي (١) إن الرقة هي عين البذندون التي مات فيها المأمون وأن مولده اقتضى أنه يموت بمكان يقال له الرقة فكان كذلك وحمل إلى طرسوس فدفن بها. رقادة (٢) : على أربعة أميال من قيروان إفريقية وكانت مدينة كبيرة دورها أربعة وعشرون ألف ذراع وأربعون ذراعاً، وكانت أكثر بلاد إفريقية بساتين وفواكه، وليس بإفريقية أعدل هواء من رقادة ولا أرق نسيماً ولا أطيب تربة، ويقال إن من دخلها لم يزل ضاحكاً مستبشراً مسروراً من غير سبب كالذي يحكى عن أرض تبت، وكان أحد ملوك الأغالبة أصابه أرق شديد أياماً فعالجه إسحاق المتطبب، وهو الذي ينسب إليه الأطريفل (٣) ، فأمر الملك بالخروج والتنزه والمشي، فلما وصل إلى موضع رقادة نام، فسميت رقادة من يومئذ واتخذت موضع فرجة ومتنزهاً للملوك، ويقال إن إبراهيم بن أحمد الأغلبي هو الذي بناها وجعلها دار مملكته ومسكنه، قالوا: ومنع بيع النبيذ بالقيروان وأذن فيه في رقادة بسبب جنده وعبيده، وقال بعض المجان في ذلك: يا سيد الناس وابن سيدهم ... ومن إليه القلوب منقاده ما حرم الشرب في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقاده وبرقادة بويع عبيد الله الشيعي، ثم إن رقادة خربت وانتقل الناس عنها ولم يبق لها عين ولا أثر. الرقيم (٤) : قال الله تعالى: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً " قيل المعنى إنكار اعتقاد كون ذلك عجباً، أي لا يعظم ذلك فإن سائر آيات الله تعالى أعظم من قصتهم وأعجب، وهذا هو الأشهر، وقيل يجوز أن يكون المراد: هل علمت أن أصحاب الكهف كانوا عجباً. بمعنى إثبات أنهم عجب، والكهف: اللحف المتسع في الجبل، فإن صغر فهو الغار، والرقيم القرية التي كانت بإزاء الكهف، وقيل الوادي الذي كان بازائه وهو واد بين بيسان وأيلة دون فلسطين، وقيل هو الجبل الذي فيه الكهف، وقيل الصخرة التي كانت على الكهف، هذا قول من جعله موضعاً وحيزاً، والآخرون قالوا: هو كتاب مرقوم، وكان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى أو غيره في لوح نحاس أو رصاص أو حجارة، على اختلافهم في ذلك. وكانوا فتية في غابر الدهر فروا بدينهم، فدخلوا كهفاً خائفين من ملكهم وكان عابد وثن. قالوا: مر ابن عباس ﵄ في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله فمشى الناس إليه فوجدوا عظاماً فقالوا: هذه عظام أهل الكهف، فقال لهم ابن عباس ﵄: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة، فسمعه راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف هذا، فقيل له: هذا ابن عباس ابن عم نبينا ﷺ ، فسكت. قال ابن عطية: وبالشام، على ما سمعت من ناس كثير، كهف فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة. قال (٥) : وفي الأندلس في جهة أغرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، قال: ودخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهما بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق وقد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى حضرة أغرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب وقبوراً. وقال المسعودي (٦) : قيصر فلبس هو الذي دعي إلى دين

стр. 288

النصرانية فأجاب، وترك ما كان عليه من مذاهب الصابئين، واتبعه على ذلك خلق كثير من أهل مملكته، فآل ذلك إلى تحزبهم واختلاف كلمتهم في الديانة، وكان ممن خالف عليه بطريق من بطارقته يقال له داقيوس، فقتل فلبس واستولى على الملك، وملك سنتين، وتتبع النصارى فقتل منهم مقتلة عظيمة، ومنه هرب الفتية أصحاب الكهف، وهم في جبل من جبال الروم يعرف بخاوس (١) شرقي مدينة افسيس وعلى نحو ألف ذراع منها، وكانت هذه المدينة على البحر الرومي فبعد البحر عنها. وقال جماعة: أصحاب الكهف غير أصحاب الرقيم، وكلا موضعيهما بأرض الروم، وقد مر في حرف الخاء، في ذكر مدينة خارمي، ذكر هذا الكهف، فلنكتف بهذا القدر هنا. الرقمتان (٢) : تثنية رقمة، موضعان، قال مالك بن الريب: فلله دري يوم أترك طائعاً ... بني بأعلى الرقمتين وماليا وقال زهير: ودار لها بالرقمتين كأنها ... مواضع وشم في نواشر معصم وقيل هما روضتان: إحداهما قريب من البصرة والأخرى بنجد، وقيل: بل كل روضة رقمة، وقيل: الرقمتان في أطراف اليمامة، وفي شعر مهيار الديلمي: سقى دارها بالرقمتين وحياها ... ملث يحيل الترب في الدار أمواها الرس (٣) : واد بنجد، وهو أيضاً الركية التي لم تطو، وهو أيضاً نهر يأخذ من مدينة قالي قلا على فرسخين ثم يشق مغرباً إلى دبيل، وخلف الرس، فيما يقال، ثلثمائة وستون مدينة خراباً وهو قول الله : " وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيراً "، وقيل: الرس بناحية صيهد من أرض اليمن، وذكر الهمداني حنظلة بن صفوان وقال: وجد في قبره لوح مكتوب فيه: أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله، بعثني الله إلى حمير وهمدان والعريب من اليمن فكذبوني وقتلوني، وذكره المسعودي (٤) في الأنبياء، وكان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ فأرسل إلى أصحاب الرس، وكانوا من ولد إسماعيل ﵇، وهم قبيلتان: قدمان ويامن، فقام فيهم حنظلة بن صفوان بأمر الله فقتلوه، فأوحى الله إلى نبي من بني إسرائيل من سبط يهوذا أن يأمر البخت ناصر أن يسير إليهم، فأتى عليهم، فذلك قوله تعالى: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ". رسوب (٥) : هو جبل الأحقاف في عمان، وقد تقدم ذكر الأحقاف وقوم عاد في حرف الألف، ورسوب متصل بأرض الأحقاف، وهو بلد واسع غلب عليه الرمل بسوافي الرياح فعفا أثره، وهو الذي ذكره الله ، والبحر يضرب بسفح الجبل، ويركب منه البحر إلى جزيرتين ينزلهما قوم من مهرة بأغنامهم، طولهما اثنا عشر فرسخاً. رستقباذ (٦) : موضع بين الكوفة والبصرة، قريب من دستوا، كان الحجاج خرج إليه فثار الناس به هناك مع عبد الله بن الجارود وأصحابه، وذلك سنة خمس وسبعين، فاقتتلوا، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث الحجاج بثمانية عشر رأساً من أصحابه فنصبت برامهرمز للناس، وكان الحجاج قام في الناس فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق ولست أجيزها، فقال له عبد الله بن الجارود العبدي: ليست بزيادة فاسق ولا منافق ولكنها زيادة عبد الملك أمير المؤمنين وقد أثبتها لنا، فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على عبد الملك وبايعه وجوه الناس فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل ابن الجارود في جماعة من أصحابه وبعث برؤوس عشرة من أصحابه إلى المهلب. رشيد (٧) : من مدن البلاد المصرية كبيرة على كثيب رمل عظيم،

стр. 289

إذا هبت الريح الغربية ملأت عليهم سككهم وبيوتهم رملاً، فلا يقدرون على التصرف في أسواقهم، وهي على ضفة النيل، وضفة النيل (١) من مصر إلى مدينة رشيد هذه من أعجب متنزهات الدنيا، وليس لغلات هذه الناحية نظير في الدنيا، ورئي في تلك الجهات ضيعة لأحد المصريين يغل رمانها وموزها خاصة خمسة عشر ألف مثقال في العام، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد وكان يقول: يدخل علي كل سنة خمسون ألف دينار ما وجبت علي زكاتها قط. الرها (٢) : بضم الراء والمد، مدينة من أرض الجزيرة متصلة بحران، وإليها ينسب الورق الجيد من ورق المصاحف، وهي مدينة ذات عيون كثيرة عجيبة تجري منها الأنهار، وبينها وبين حران ستة فراسخ. والرها مدينة رومية عليها سور حجارة، تدخل منها أنهار وتخرج عنها، وهي سهلية جبلية كثيرة البساتين والخيرات، مسندة إلى جبل مشرفة على بساط من الأرض ممتد إلى حران، ولها أربعة أبواب منها في الجنوب باب حران وفي الشرق الباب الكبير، وعلى هذا الباب حصن منيع جداً تحصن فيه المسلمون بعد أخذ الروم للرها ستة أشهر ولم ينزلوا إلا على اختيارهم؛ وفي الشمال باب سبع وفي الغرب باب الماء، وبساتينها في الشرق منها ويشق بعضها نهر يسمى بالسكيرات، وتخرج من الرها عين تسمى بعين مياس، وليس في جميع بلاد الجزيرة أحسن منها منتزهات ولا أكثر منها فواكه، وعنابها على قدر التفاح، وقد ذكر أنه لم يوجد بناء خشب أحسن من بناء كنيستها لأنها مبنية بخشب العناب، وليس بمدينة الرها ربض، والفرات منها في ناحية المغرب على مسيرة يومين، وفي ناحية الشمال على مسيرة يوم، وهي من حران ما بين المغرب والشمال، وبينهما نحو أربعة فراسخ، وهذا خلاف ما تقدم. ويمتاز أهل الرها من أهل تلك الناحية بجمال الصور وكمال الخلق. قال العلاء بن أبي عائشة: كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: سل أهل الرها هل عندهم صلح، فسألتهم، فأتاني أسقفهم بحق فيه كتاب صلحهم فإذا فيه: كتاب من عياض بن غنم ومن كان معه من المسلمين لأهل الرها، إني أمنتهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم وبلادهم إذا أدوا الحق الذي عليهم، شهد الله وملائكته. قال: فأجازه لهم عمر بن عبد العزيز. وذكر أن عياضاً لما صالح أهل الرها دخل أهل الجزيرة فيما دخلوا فيه من الصلح. ولما نزل (٣) عياض على حران سنة ثمان عشرة فحاصرها كلمه أهلها أن يصير إلى الرها، فما صالحوه عليه صالحوه بمثله، ورضي النصارى بذلك، فأتى الرها فخرجت مقاتلتهم فهزمهم المسلمون حتى ألجأوهم إلى المدينة فطلبوا الأمان والصلح فأجابهم عياض إليه وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها، إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا لي عن كل رجل منكم ديناراً ومديي قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم، عليكم إرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين، شهد الله وكفى به شهيداً. وصالح عياض أهل حران على مثل صلح الرها وفتحوا له أبوابها، وولاها رجلاً ثم سار إلى شمشاط (٤) . وقد استولى الروم بعد عشرين وأربعمائة على مدينة الرها وكان في كنيستها مال عظيم من قبل أن يفتتحها المسلمون في سرب في جوف الكنيسة كان أهلها يراعونه ويكتمون أمره، فلما دخلها الروم أظهروه وأخرجوه وحملوه إلى القسطنطينية. قالوا (٥) : وبنى كنيسة الرها يسطانياس الملك، وهو الذي شيد مدن النصرانية وأظهر مذهب الملكية. وكنيسة الرها إحدى عجائب العالم والهياكل التي فيها. قالوا: وكان في هذه الكنيسة منديل يعظمه أهل النصرانية، وهو أن إيشوع الناصري حين أخرج من ماء المعمودية نشف به، فلم يزل هذا المنديل يتداول إلى أن حصل بكنيسة الرها، فلما اشتد أمر الروم على المسلمين وحاصروها سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أعطي هذا المنديل للروم فجنحوا إلى الهدنة، وكان للروم عند تسليمهم هذا المنديل فرح عظيم. قال حمزة الشامي: اجتزت بكنيسة الرها عند مسيري إلى العراق فدخلتها لأشاهد ما كنت أسمعه عنها، فبينا أنا أطوف فيها

стр. 290

رأيت على ركن من أركانها مكتوباً بحمرة: حضر فلان بن فلان وهو يقول: من إقبال ذي الفطنة إذا ركبته المحنة انقطاع الحياة وحضور الوفاة، وأشد العذاب تطاول الأعمار في حال الإدبار وأنا القائل: ولي همة أدنى منازلها السهى ... ونفس تعالى في المكارم والبها وقد كنت ذا حال بمرو قوية ... فبلغت الآمال في بيعة الرها ولو كنت معروفاً بها لم أقم حياً ... ولكنني أصبحت ذا غربة بها ومن عادة الأيام إبعاد مصطفى ... وتفريق مجموع وتبغيض مشتهى رهاط (١) : بضم أوله، قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة بها كان سواع، صنم لهذيل، وقال أبو صخر: فماذا ترجي بعد آل محرق ... عفا منهم وادي رهاط إلى رحب روذبار (٢) : هو اسم لساحل جيحون كله. روذان (٣) : بلدة حسنة من كور الجبل، وهي إقليم حسن وناحية شريفة، ومنها إلى نهاوند عشرون ميلاً، وبينها وبين همذان ثلاثة فراسخ، ويعمل بها الزعفران، فهي تعرف ببلد الزعفران. روذة (٤) : بضم أوله وبالذال المعجمة، موضع من قرى نهاوند، قالوا: خرج عمرو بن معدي كرب الزبيدي في جماعة من بني مذحج زمان عثمان ﵁ يريد الري ودستبى، فنزلوا خاناً من تلك الخانات، وكان عمرو إذا أراد الحاجة لم يستعجل عنها، فأمعن عمرو في حاجته وأبطأ، وأرادوا الرحيل، وكره كل منهم أن يدعوه وذلك من إعظامهم إياه حتى طال عليهم، فجعلوا يقولون: أي أبا ثور، أي أبا ثور، وجعلوا يسمعون علزاً ونفساً شديداً، قال: فخرج عليهم محمرة عيناه مائل الشق والوجه مفلوجاً، وإذا الشيطان قد ساوره، فسار معهم محمولاً مرحلة أو دونها فمات فدفن بروذة، وقالت امرأته ترثيه: لقد غادر الركب الذين تحملوا ... بروذة شخصاً لا ضعيفاً ولا غمرا وروي أيضاً أنه شهد فتح نهاوند مع النعمان بن مقرن وقاتل يومئذ فأثبتته الجراحات، فحمل فمات بروذة من قرى نهاوند، وقال ابن دريد: مات عمرو بن معدي كرب على فراشه من حية لسعته. رومة (٥) : بضم أوله، بئر رومة بالمدينة، وكانت ليهودي يبيع المسلمين ماءها فقال رسول الله ﷺ : " من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين وله بها مشرب في الجنة "؟ فاشتراها عثمان ﵁ بعشرين ألفاً. ومن بئر رومة كانت تحمل المرأة الزريقية الماء إلى تبع في القرب فأثابها، فلذلك صار ولدها أكثر بني زريق مالاً. ورومة أيضاً مدينة عظيمة للنصارى هي ركن من أركانهم وكرسي من كراسيهم (٦) ، وبأنطاكية كرسي، وبالإسكندرية أيضاً كرسي، وببيت المقدس كرسي لكنه محدث لم يكن في أيام الحواريين واتخذ بعدهم ليعظم بيت المقدس. ويذكر أن محيطها تسعة أميال ولها سوران من الحجر، وعرض السور الداخل اثنا عشر شبراً وسمكه اثنان وسبعون ذراعاً. وكانت (٧) رومة دار مملكة الروم، ونزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكاً ثم نزل بعمورية (٨) منهم ملكان، ثم انتقلت مملكتهم إلى رومة فنزلها ملكان ثم ملك بها قسطنطين الأكبر فانتقل إلى القسطنطينية.

стр. 291

ورومة هي مدينة الحكام. وهي (١) في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد، عليها منها جبل عوذية (٢) بينها وبينه ستة أميال، ودور (٣) مدينة رومة أربعون ميلاً وقطرها اثنا عشر ميلاً، يشقها نهر يسمى تيبرس وينقسم قسمين ثم يلتقيان آخرها، وفي وسط هذه المدينة حصن يسمى منت أقوط (٤) في صخرة مرتفعة لم يظفر بهذا الحصن عدو قط. ورومة قد تغلب عليها ثلاث مرات، ولها سبعة أبواب، وبين رومة والبحر الشامي اثنا عشر ميلاً، وكذلك بينها وبين البحر الجوفي، وأهل رومة أجبن خلق الله تعالى ويدبر أمرهم برومة البابه، ويجب على كل ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبل رجلي البابه ولا يرفع رأسه حتى يأمره البابه بالقيام. وكانت رومة القديمة تسمى رومة (٥) بالية، أي عجوز، وكان النهر يعترضها فبنى يوانش الأسقف خلف الوادي مدينة أخرى فلذاك صار النهر يشقها، وفرش النهر بلبن الصفر وألزقه بالقصدير والرصاص، وألبست حيطانه بمثل ذلك. وفي داخل رومة كنيسة شنت باطر، وفيها صورة قارله من ذهب بلحيته وجميع هيئته، وهو في خلق عبوس قد رفع عن الأرض في خشبة مصلوباً، وفي وسط هذه الكنيسة صورة أخرى لبعض ملوكهم من ذهب أيضاً، ولهذه الكنيسة أربعة أبواب من فضة سبكاً واحداً، وهي كلها مسقفة بقراميد الصفر ملصقة بالقصدير، وحيطانها كلها نحاس أصفر رومي، وأعمدتها وأساطينها من بيت المقدس، وهي في غاية الحسن والجمال، ويزعمون أن تحت هذه الكنيسة أبنية وبيوتاً وسوراً فيها آلات وعدة، وفي وسط صحنها صورة مثقبة من رخام تنساب منها المياه، وصحنها مرتفع جداً يرقى إليه على ثلاثين درجة، ويزعمون أن في هذه الكنيسة مخلبين من مخاليب العنقاء، طول كل مخلب منهما اثنا عشر شبراً، وداخل هذه الكنيسة بيت بني باسم بطرش وبولش الحواريين، وطول هذه الكنيسة ثلثمائة ذراع وسمكها مائتا ذراع. والذي (٦) فرش النهر، في مدينة رومة، بلبن الصفر في ملكه على ما ذكر مؤرخو العجم قيصر أكتبيان في السنة الرابعة من دولته، عهد إلى جميع عماله مع دور الأرض والبحر المحيط بضرب ضرائب الصفر على الناس وأدائها إليه، فلما اجتمع أمر بضربه صفائح وبسط بها قعر نهر رومة وفرش به وذلك مسافة عشرين ميلاً، وبهذا النهر يؤرخ الروم فيقولون: من تاريخ عام الصفر. ومدينة رومة كثيرة الطواعين وذلك أنهم لا يدفنون موتاهم، وإنما يدخلونهم في مغارات ويدعونهم بها فيستوبئ هواؤهم إذا استحروا، وهم يجتنبون أكثر ثمارها لوقوع ذبان الموتى عليها، والدليل على أن العلة في ذلك أجساد موتاهم، أن الطاعون لا يتعدى رومة وما دونها بعشرين ميلاً. ومما (٧) يذكر من الأعاجيب برومة أن فيها كنيسة بها برج طوله في الهواء مائة ذراع، وعلى رأس البرج قبة مبنية بالرصاص، وعلى رأس القبة زرزور من صفر فإذا كان أوان إدراك الزيتون انحشرت إليه الزرازير من الأقطار البعيدة وفي منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان، وموضع الكنيسة لا زيتون فيه، فيطرحها على ذلك البرج، فيستصبح بدهن تلك الزيتون في الكنيسة عامة العام، ويقال: إن قسطنطين الملك بناها في شهر حزيران، وهو أول من تنصر، وإن في هذه الكنيسة قبر رجلين من الحواريين. ويزعم النصارى، وهو من تكاذيبهم وفاسد نواميسهم، أن في هذه الكنيسة أو غيرها برومة، قبر حواري يفتح عنه الملك كل عام في يوم فصحهم، ويدخله فيحلق رأس الحواري ولحيته ويقلم أظفاره، ثم يقسم لكل رجل من أهل مملكته شعرة شعرة، ويخص كبارهم بفسيط من قلامة أظفاره. وأهل رومة (٨) أجمعون يحلقون لحاهم، ويحلقون أوساط هامهم، ويزعمون أن كل من لم يحلق لحيته لا يكون نصرانياً خالصاً، ويقول علماؤهم إن سبب ذلك أن شمعون الصفا جاءهم والحواريون، وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب، قالوا: ونحن ملوك نلبس الديباج

стр. 292

ونجلس على كراسي الذهب، فدعونا إلى النصرانية فلم نجبهم، وأخذناهم فعذبناهم وحلقنا رؤوسهم ولحاهم، ولما ظهر لنا صدق قولهم، حلقنا لحانا، كفارة لما ركبنا من حلق لحاهم. وإنما صار النصارى يعظمون الأحد لأنهم يزعمون أن المسيح قام في القبر ليلة الأحد وارتفع إلى السماء ليلة الأحد بعد اجتماعه مع الحواريين، وهم لا يرون الغسل من الجنابة ولا وضوء عندهم للصلاة وإنما عبادتهم النية، ولا يأخذون القربان حتى يقولوا: هذا لحمك ودمك، يريدون المسيح، والسكر عندهم حرام، ولا يتكلم أحدهم إذا أخذ القربان حتى يغسل فمه (١) ، وإذا تقربوا قبل بعضهم بعضاً وتعانقوا، ولا يتزوج أحد منهم أكثر من امرأة واحدة ولا يتسرى عليها، فإن زنت باعها وإن زنا باعته، وليس لهم طلاق، ويورثون النساء جزأين والذكور جزءاً، ومن سننهم أن لا يلبس الجباب الحمر إلا ملك، وهم يخففون الحكم عن الشريف ويثقلون على الوضيع حتى يبلغ به البيع، ومن أحكامهم أن من زنا بأمة غيره في دار سيدها فعليه حد معروف، فإن زنا بها خارج الدار فلا شيء عليه كأنه لم يأت ريبة، ومن أولد عندهم أمته فولده منها زنيم ولا يجوز لذلك الولد عندهم رتبة القسيسية ولا يرث أباه إذا كان له ولد من حرة، وولد الحرة يحيط بميراثه، وإن لم يكن له ولد غير ولد الأمة ورثه، وهم يفطرون في صومهم يومين من كل جمعة، وهما: يوم السبت ويوم الأحد، وأمر الصوم عندهم خفيف ليس بالشديد اللزوم وإنما أصله عندهم الصوم الذي كان صامه المسيح بزعمهم استدفاعاً لإبليس، وكان صومه أربعين يوماً موصولة بلياليها في قولهم، وهم لا يصومون يوماً كاملاً ولا ليلة كاملة، ومن كان بين المسلمين منهم يؤخر الفطر حياء منهم، وهم في موضع مملكتهم لا يصومون إلا نصف النهار أو نحوه، والمواظب منهم للصلوات والجماعات من شهد الكنيسة يوم الأحد وليلته وأيام القرابين السبعة، ولو غاب عنها عمره كله لم يطعن عليه بذلك طاعن ولا عابه عائب، وليس يشتمل مصحف النصارى الذي هو ديوان فقههم وكنز علمهم وعليه معولهم في أحكامهم واعتمادهم في شرائعهم إلا على خمسمائة وسبع وخمسين مسئلة، ومن هذه المسائل على قلتها مسائل موضوعة لا معنى لها ولا حاجة بهم إلى تقييدها لم تقع في سالف الزمن ولا تقع في غابره. وليست سنتهم مأخوذة من تنزيل ولا رواية عن نبي وإنما جميعها عن ملوكهم، وأيمانهم التي لا بعدها: بالله الذي لا بعده (٢) غيره ولا يدان إلا له، وإلا فخلع النصرانية وبرئ من المعمودية وطرح على المذبح حيضة يهودية، وإلا فلعنه البطريق الأكبر والشمامسة والديرانيون وأصحاب الصوامع ومقربة القربان، وإلا فبرئ من الثلثمائة والثمانية عشر أسقفاً الذين خرجوا من بيوتهم حتى أقاموا دين النصرانية، وإلا فشق الناقوس وطبخ فيه لحم جمل وأكل يوم الإثنين مدخل الصوم، وإلا تلقى الله بعمل إسحاق طرى اليهودي. رومية المدائن (٣) : هي إحدى بلدان المدائن التي كان ينزلها كسرى ملك الفرس بالعراق، يقال لها رومية المدائن، والمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة يشق بينها، ولذلك سميت المدائن، والغربية منها تسمى بهرسير والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه، وتتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها، وفيها الإيوان إيوان كسرى العجيب البنيان، الشاهد بضخامة ملك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه، وهو من أكابر ملوكهم، كما بنى ببلاد فارس وخراسان مدناً كثيرة. وكان الإسكندر، وقيل إنه ذو القرنين، بلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبخراسان سمرقند ومدينة الصغد، وبخراسان السفلى مرو وهراة، وبناحية الجبل جي وهي أصبهان، ومدناً كثيرة في نواحي الأرض وأطرافها، وجال الدنيا كلها فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن، بناها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق، وهي التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، وبها مات، وحمل إلى الإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك. وفي رومية كان إيقاع أبي جعفر المنصور بأبي مسلم بالقتل سنة ست وثلاثين ومائة، وكان المنصور بعث إليه بعد ظفره بعسكر عبد الله بن علي وكان خرج على المنصور وحاربه أشهراً، ثم انهزم عبد الله وظفر أبو مسلم بعسكره، فبعث المنصور يقطين بن

стр. 293

موسى لقبض الخزائن، فلما دخل يقطين على أبي مسلم قال: السلام عليك أيها الأمير، قال: لا سلم الله عليك يا ابن اللخناء، أؤتمن على الدماء ولا أؤتمن على الأموال؟! فقال له: فما الذي أبدى منك هذا أيها الأمير؟ قال: أرسلك صاحبك لقبض ما في يدي من الخزائن، فقال له: امرأتي طالق ثلاثاً إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك لغير تهنئتك بالظفر، فاعتنقه أبو مسلم وأجلسه إلى جانبه، فلما انصرف قال لأصحابه: إني والله أعلم أنه قد طلق، ولكنه وفى لصاحبه. وسار أبو مسلم من الجزيرة، وقد أجمع على خلاف المنصور، فأخذ طريق خراسان منكباً عن العراق، وسار المنصور من الأنبار فنزل رومية المدائن وكتب إلى أبي مسلم: إني قد أردت مذاكرتك بأشياء لم يخلصها الكتاب فأقبل فإن مقامك عندنا قليل، فقرأ الكتاب ومضى إلى وجهه، فسرح إليه المنصور جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي وكان واحد زمانه دهاء ومعرفة، وكانت المعرفة بينهما قديمة فقال له: أيها الأمير ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت ثم تنصرف على هذه الحال؟ ما آمن من يعيبك من هناك وهاهنا وإن يقال طلب ثار قوم ثم نقض بيعتهم فيخالفك من تأمن مخالفته إياك وإن الأمر لم يبلغ عند خليفتك ما تكره ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فأراد أن يجيب إلى الرجوع، فقال له مالك بن الهيثم: لا تفعل فقال: لقد بليت بإبليس، يعني الجريري، فلم يزل به حتى أقبل به إلى البصرة. فكان أبو مسلم يجد خبره في الكتب السالفة وأنه يقتل بالروم، وكان يكثر من قول ذلك وأنه مميت دولة ومحيي أخرى، فلما دخل على المنصور رحب به وعانقه وقال له: كدت أن تمضي قبل أن أفضي إليك بما أريد، قال: قد أتيت يا أمير المؤمنين فمر بأمرك، فأمره بالانصراف إلى منزله وانتظر به الغوائل، ثم بعد ذلك ركب أبو مسلم إلى مضرب المنصور، وهو على دجلة برومية المدائن، فجلس تحت الرواق والمنصور يتوضأ، وكان تقدم إلى صاحب حرسه عثمان بن نهيك في عدة أن يقوموا خلف السرير الذي وراء أبي مسلم، فإذا صفق بيد على يد فليظهروا وليضربوا عنقه وما أدركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور فدخل عليه أبو مسلم، فسلم، فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ساعة ثم أقبل يعاتبه ويقول: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ليس يقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة وإنما فعلت ذلك بجدنا وحظوظنا ولو كان مكانك أمة سوداء لأجزت، ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب فلانة بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس؟! لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال المنصور، وهو آخر ما كلمه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم، فضربه عثمان بن نهيك ضربة خفيفة بالسيف قطعت نجاد سيفه، وضربه آخر فقطع رجله واعتورته السيوف فقضت عليه، والمنصور يصيح: اضربوا قطع الله أيمانكم، وقد تقدم في حرف الخاء طرف آخر من هذا الفصل. الرويثة (١) : بضم أوله وفتح ثانيه وبالثاء المثلثة، قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخاً، وعن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة عن يمين الطريق، ووجاه الطريق، في مكان سهل حتى يفضي من أكمة دون الرويثة بميلين وتكون الرويثة آهلة أيام الحاج، وفيها برك للماء يقال لها الأحساء، ومن الرويثة إلى العرج أربعون ميلاً. الروحاء (٢) : قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلاً. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما، وروى غير واحد أن رسول الله ﷺ قال، وقد صلى في المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية: " هذا واد من أودية الجنة، قد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبياً، وقد مر به موسى بن عمران حاجاً أو معتمراً في سبعين ألفاً من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء، عليه عباءتان قطويتان يلبي، وصفاح الروحاء تجاوبه ". وقال مالك: إذا كانت القرية متصلة البيوت كالروحاء وشبهها لزمتهم الجمعة. قيل: وسميت الروحاء لكثرة أرواحها، وفيها ما يزعمون أنه قبر مضر بن نزار. والروحاء هي السيالة (٣) وفيها أهل وسوق صغير،

стр. 294

وماؤها من الآبار وتباع بها شواهين وصقور. ومن قصيدة لأبي عبد الله بن الأبار الكاتب ذكر فيها البقاع الحجازية يتشوق إليها ويتطلب إلى ممدوحه الأمير الأجل أبي زكريا ملك إفريقية تسريحه إلى الحجاز: ويرتاح للروحاء قلبي وفجها ... إذا سلكت شعباً ركابي أو فجا رودس (١) : بضم أوله جزيرة في البحر من الثغور الشامية، افتتحها جنادة بن أبي أمية عنوة في خلافة معاوية. وعن مجاهد قال، قال لي شيخ في غزوة رودس وقد كان أدرك الجاهلية، قال: كنت أسوق لأى لنا، يعني بقرة، فسمعت من جوفها: يال ذريح، قول نصيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله، قال: فقدمنا فوجدنا النبي ﷺ قد خرج بمكة. ورودس هو حصن إغريقيا، وهو في الأرض الكبيرة مقدار عشرين ميلاً، وبينها وبين قبرس عشرون ميلاً، وبين ساحل الإسكندرية أربعة أيام. وذكر أبو نصر الفارابي أن هذه الجزيرة كانت مقراً لتعليم الفلسفة قبل انتقال التعليم إلى الإسكندرية، ورودس بلغة الإغريقيين: الورد. الرويان: مدينة في حد الديلم اسمها كجة (٢) ، منها بزرجمهر ابن البختكان وزير كسرى أنوشروان وصاحب خزانة كتبه، وهو الذي جلب إليه كتاب " كليلة ودمنة " من الهند، وألف كتاباً في سير أنوشروان تولى فيه تقريظه، وسماه " كتاب العدل " فحظي بذلك عنده، وهو منشئ كتاب " مزدك " (٣) الذي هو مسرح كل أديب، ومخيلة كل كاتب، يتنافسون في اكتتابه، ويديمون مطالعته لما يكتسبون من آدابه، ويحتذون من أمثلته، ولم يزل بزرجمهر في رسم من يدعى رأس الكتاب، بقية (٤) دولة أنوشروان إلى أن قتله أبرويز، فكتب إليه أبرويز (٥) : جنت لك ثمرة العلم القتل، فقال بزرجمهر: لما كان معي الجد كنت أنتفع بثمرة العلم، وإن فقدت كثيراً من الخير فقد استرحت من كثير من الشر. والرويان مدينة عظيمة جليلة كثيرة الأهل، وأكثرهم شيعة من الزيدية. الرود (٦) : جزيرة في البحر المحيط أو غيره من البحار فيها الرود، وهم خلق ذوو أجنحة وشعور وخراطيم يمشون على رجلين كمشي الناس، وعلى أربع كالبهائم ويطيرون في الهواء مع الطير. الري (٧) : كورة معروفة تنسب إلى الجبل وليست منه بل هي أقرب إلى خراسان، وهي بقرب دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان. ولما فتح نعيم بن مقرن الري خرب مدينتها القديمة، وهي التي يقال لها العتيقة، وبنى الري الحديثة. وهي مدينة ليس بعد بغداد في المشرق مدينة أعمر منها إلا نيسابور فإنها أكبر منها عرصة وأوسع رقعة، فأما اشتباك البناء وكثرة العمارة فالري أعمر من نيسابور، ومقدار الري فرسخ في مثله، ويخترقها نهر يقال له روذة (٨) ، وقدام المسجد الجامع قلعة الري على قنة الجبل صعبة المرتقى متكائدة المطلع، فإذا صرت فيها اطلعت على طسوج الري كلها، وأبواب الري باب باطاق (٩) يخرج منه إلى الجبال والعراق، وباب بليستان (١٠) يخرج منه إلى قزوين، وباب كوهك يخرج منه إلى طبرستان، وباب هشام يخرج منه إلى قومس، وباب خراسان (١١)

стр. 295

يخرج منه إلى قم. وزي أهلها زي العراق ولهم دهاء وتجارات، وبها قبر محمد بن الحسن الفقيه الكوفي وقبر الكسائي وقبر الفزاري المنجم. ولما نزلها المهدي في خلافة المنصور لما توجه لمحاربة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ولد له بها الرشيد. وافتتحها قرظة بن كعب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، كذا وجدت في بعض الأخبار، وهو خلاف ما تقدم إلا أن يكون نعيم بن مقرن قدمه لذلك فباشر الحرب أو بالعكس أو تكرر فتحها والله أعلم، فأما أصحاب المغازي فقالوا (١) : خرج نعيم بن مقرن إلى الري فلقيه أبو الفرخان مسالماً ومخالفاً لملك الري يومئذ سياوخش بن مهران، وكان سياوخش قد استمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان وقال: قد علمتم أن هؤلاء إن حلوا الري أنه لا مقام لكم فاحتشدوا له، فناهدهم المسلمون، فالتقوا بصفح جبل الري الذي إلى جانب مدينتها فاقتتلوا به، وقد كان أبو الفرخان قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة، فابعث معي خيلاً أدخل مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك، فبعث معه نعيم من الليل خيلاً عليها ابن أخته (٢) المنذر بن عمرو فأدخلهم المدينة ولا يشعر القوم، وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم، فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا فيها بالقصب، وأفاء الله على المسلمين بالري نحواً من فيء المدائن، وصالح أبو الفرخان نعيماً على أهل الري، فلم يزل بعد شرف الري في آله وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم مدينة الري وهي التي يقال لها العتيقة وأمر أبا الفرخان ببناء مدينة الري الحدثى، وكتب لهم نعيم كتاباً أعطاهم فيه الأمان لهم ولمن كان معهم من غيرهم على أن على كل حالم من الجزية طاقته في كل سنة وعلى أن ينصحوا ولا يغلوا ولا يسلوا وينزلوا المسلم ويقروه يوماً وليلة ويفخموه، فمن سب مسلماً أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غر جماعته، وقال أبو نجيد في يوم الري: ألا هل أتاها أن بالري معشراً ... شفوا سقماً لما استجابوا وقتلوا لهم موطنان عاينوا الملك فيهما ... بأيد طوال لم يخنهن مفصل وخيل تعادى لا هوادة عندها ... وراد وكمت تمتطى ومحجل ودهم وشقر ينشر العتق بينها ... إذا ناهدت قوماً تولوا وأوهلوا قتلناهم بالسفح مثنى وموحداً ... وصار لنا منهم مراد ومأكل جزى الله خيراً معشراً عصبوهم ... وأعطاهم خير العطاء الذي ولوا وبالري واد عظيم يأتي من بلاد الديلم يقال له نهر موسى. ولما مات بها محمد بن الحسن والكسائي قال الرشيد: دفنت الفقه والعربية بالري. ويرتفع من الري إلى البلاد الثياب المنيرة من الزهيري (٣) والبرود والأكسية. والإمام الحافظ المصنف فخر الدين أبو عبيد الله محمد بن عمر الرازي كان والده خطيب الري، والنسبة إلى الري رازي على غير قياس. ريدان (٤) : بلد باليمن، وهو قصر المملكة بظفار. الريدال (٥) : بالألف واللام، موضع فيه كانت بساتين القيروان وجناتها ومتنزهاتها زمان عمارتها وعظم شأنها. ريا: مدينة على رأس قنديلة حيث بحر فاران الذي فيه غرق فرعون، وهي مدينة صغيرة لها رساتيق ونخل ومياه طيبة على قرب متناول، وبها مسجد جامع متقن البناء، ولها ساحل. ريه (٦) : كورة من كور الأندلس في قبلي قرطبة نزلها جند الأردن

стр. 296

من العرب، وهي كثيرة الخيرات. ريو (١) : مدينة من بلاد قلورية على ضفة المجاز إلى صقلية، وبين ريو ومدينة مسيني من جزيرة صقلية سبعة أميال، وذلك سعة المجاز بين المدينتين. وريو مدينة صغيرة فيها فواكه كثيرة وبقول وهي متحضرة ولها أسواق عامرة وحمامات، وسورها حجر، وهي على نحر البحر في الضفة الشرقية من المجاز. الريب (٢) : موضع باليمن، وأنشدوا لبعض بني قشير: خليلي ممن يسكن الريب قد بدا ... هواي ولا أدري على م هواكما فإن كنتما مثلي مصابين في الهوى ... فروحا فإني قد مللت ثواكما ريام (٣) : بيت كان لحمير باليمن يعظمونه في الجاهلية ويتجرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال لتبع ملك اليمن حبران من يهود المدينة كان استصحبهما: إنما هو شيطان يعينهم فحل بيننا وبينه، قال: فشأنكما به، فاستخرجا منه، فيما يزعم أهل اليمن، كلباً أسود فذبحاه ثم هدما البيت فبقاياه فيها أثر الدماء التي كانت تهراق عليه، كذا حكى ابن إسحاق (٤) . ريغة (٥) : قرية ريغة بقرب مليانة، وبالقرب من جبل وانشريس، وهي قرية أرضها متسعة ذات حروث ممتدة وفواكه كثيرة وبساتين، ولها سوق في كل يوم جمعة تقصد من الجهات، وبها مياه كثيرة وعيون مطردة. ريميه (٦) : مدينة بالأندلس تعرف بمدينة بني راشد، بها أنشام عادية تأوي إليها عقبان كثيرة فلا تؤذيهم في شيء من دجاجهم وهي تأتي على ما في سائر القرى المجاورة لها، وإذا حصرها الثلج هناك ومنعها من التصرف صرصرت من الجوع وارمقت بأصواتها فيلقي إليها أهل ريميه من فضول ما عندهم فتأكل وتسكن. ريزو (٧) : جزيرة في بحر إفريقية تتصل بجزيرة جربة من بعض نواحيها، وقد تقدم ذكرها مع جربة في حرف الجيم.

стр. 297

حرف الزاي الزابان (١) : ويقال الزابيان بزيادة الياء، نهران أسفل الفرات، قال محمد بن سهل: هي ثلاثة زواب معروفة من سواد العراق: الزاب الأعلى والزاب الأوسط والزاب الأسفل. قالوا: وإذا اجتمع الزابان كانا نصف دجلة وأكثر، وهما واردان من بلاد أرمينية وأذربيجان، ومدينة الزاب بينها وبين هيت ستة وثلاثون ميلاً، وهي مدينة عامرة ذات قرى وبساتين وعمارة، وهي ما بين المدائن وواسط، وهي النعمانية (٢) وفيها دير هزقل الذي يعالج فيه المجانين، قال المسعودي (٣) : الزاب اسم ملك من ملوك الفرس احتفر النهرين المعروفين بالزابين: الصغير والكبير الخارجين من بلاد أرمينية الصابين في دجلة. وبالزاب من أرض الموصل كان التقاء إبراهيم بن (٤) الأشتر النخعي بعبيد الله بن زياد سنة سبع وستين فقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء وحرق بالنار. وعلى الزاب (٥) الصغير نزل مروان بن محمد وأتاه عبد الله بن علي في عساكر أهل خراسان وقوادهم وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فالتقيا وقد كردس مروان خيله كراديس ألفاً وألفين، وكانت على مروان فانهزم وقتل، وغرق من أصحابه خلق عظيم، وكان في من غرق في الفرات ذلك (٦) اليوم من بني أمية ثلثمائة رجل دون من غرق من سائر الناس، ومضى مروان في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من دخولها وأظهروا السواد لما رأوه من تولي الأمر عنه، وأتى حران فكانت داره وبها مقامه إلى أن كان من أمره ما كان (٧) . والزاب (٨) : أيضاً على أطراف الصحراء في سمت البلاد الجريدية من عمل إفريقية وهو مثلها في حر هوائها وكثرة نخيلها، وهو مدن كثيرة وأنظار واسعة وعمائر متصلة فيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة، ومن مدنها المسيلة ونقاوس وطبنة وبسكرة وتهودة وغيرها وأقرب ما لقلعة حماد من بلاد الزاب المسيلة، وبين الزاب والقيروان عشر مراحل، وهذا الزاب هو المذكور في قصيدة محمد بن هانئ الأندلسي التي مدح بها جعفر بن علي بن حمدون صاحب بلاد الزاب هذه، وأولها (٩) : أحبب بتياك القباب قبابا ... يقول فيها: قد طيب الأفواه طيب ثنائه ... فمن أجل ذا تجد الثغور عذابا آليت أصدر عن ركابك بعدما ... (١٠) جئت السماء ففتحت أبوابا

стр. 298

ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا أرض وطئت الدر رضراضاً بها ... والمسك ترباً والرياض حبابا وسمعت فيها كل خطبة فيصل ... حتى حسبت ملوكها أعرابا ورأيت أجبل أرضها منقادة ... فحسبتها مدت إليك رقابا وسألت ما للدهر فيها أشيباً ... فإذا به من هم (١) بأسك شابا زاقة (٢) : موضع أو قرية عند باجة من الأعمال الإفريقية بها واد بهيج المنظر، اجتاز مرة عليه أمير إفريقية حينئذ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص فأعجبه فقال لكاتبه محمد بن أحمد بن نخيل (٣) قل فيه، فقال على البديهة: واد بزاقة قد حفت جوانبه ... بالدوح ملتفة الأغصان منتظمه يسيل رهواً على حصباء قد ظهرت ... من الضياء كدر أعجز النظمه طربت فيه إلى راح مشعشعة ... وكف أحور أبدى أنفه شممه إذا بدا الكأس منظوم الحباب به ... وريح رياه طيباً خلت ثم فمه ثم انثنيت على الساقي وقهوته ... وريقه كضريب يبرئ السقمه من سيد عظمت فينا مكارمه ... فغاية الغيث أن يحكي لنا كرمه أعدى على النظم فكري فاهتديت له ... ولم أكن ناظماً من قبله كلمه سما إلى المجد مذ شدت تمائمه ... وهام بالمجد حتى صار ذاك سمه زالع (٤) : ومن الناس من يقول زيلع بالياء المنقوطة من أسفل بدل الألف، مدينة على ساحل البحر الحبشي المالح المتصل بالقلزم، ومن زالع إلى ساحل البحر ثلاث مجار مقدرة الجري، وهي صغيرة القطر كثيرة الناس، والمسافر إليها كثير، وأكثر مراكب القلزم تصل إلى هذه المدينة بأنواع من التجارات التي يتصرف بها في بلاد الحبشة، ويخرج منها الرقيق والفضة، والذهب بها قليل، وشرب أهلها من الآبار. الزارة (٥) : مدينة من مدن فارس، وهي التي بارز البراء بن مالك مرزبانها فقطع يديه وأخذ سواريه ومنطقه، فقال عمر ﵁: كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء بلغ مالاً وأنا مخمسه، فكان أول سلب خمس في الإسلام، وكان ذلك السلب بلغ ثلاثين ألفاً. زالة (٦) : بين أوجلة التي بأرض برقة وبين زالة هذه عشرة مراحل، وهي مدينة صغيرة عامرة وفيها أخلاط من البربر ومن هوارة، وبها تجارات، وفي أهلها مروءة، ومن زالة يدخل إلى مدينة زويلة، ومن زالة إلى أرض ودان ثلاثة أيام. الزابوقة: موضع قريب من البصرة، وهو الموضع الذي كانت فيه وقيعة يوم الجمل، قاله أبو عبيد (٧) .

стр. 299

الزاوية (١) : بالعراق عند البصرة بينهما فرسخان، قال البخاري: كان أنس بن مالك ﵁ في قصره بالزاوية (٢) أحياناً يجمع وأحياناً لا يجمع. ولما توجه (٣) علي ﵁ إلى البصرة بعد مخرج طلحة والزبير وعائشة ﵃ إليها للطلب بدم عثمان ﵁ سار حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات وعفر خديه في التراب وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع رأسه يدعو: اللهم رب السموات وما أظلت والأرضين وما أقلت ورب العرش العظيم رب محمد، هذه البصرة، أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا علي وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين. وبعث إليهم من يناشدهم الله تعالى في الدماء وقال علام تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فاقتتلوا، فقتل الزبير وطلحة ﵄ في خلق من الناس وعقر جمل عائشة ﵂، فقام علي ﵁ خطيباً في الناس رافعاً صوته يقول: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا مدبراً ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله تعالى وقصة الجمل على طولها مشهورة فليقتصر على هذا القدر. وبالزاوية هذه أيضاً كانت الوقيعة بين الحجاج بن يوسف وبين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس وكان عبد الرحمن قد خلع الحجاج وعبد الملك وبايعه الناس على ذلك وبايعه عليه أهل الفضل والقراء وقاموا منكرين لأمر الحجاج، فكانت بينهم وقائع كثيرة هذه منها، وذلك سنة اثنتين وثمانين أو في سنة ثلاث وثمانين، وكان دخل البصرة فبايعه أهلها على حرب الحجاج وخلع عبد الملك وكان هزم الحجاج وملك البصرة وبعد ذلك انهزم عبد الرحمن ولحق بالكوفة ثم توالت عليه الهزائم إلى أن فر عبد الرحمن إلى رتبيل ملك الترك واستجار به، فبعث إليه الحجاج من ضمن له الأموال فأسلمه فقتل نفسه، فسيق رأسه إلى الحجاج وكانوا أولاً تزاحفوا فاشتد قتالهم وهزمهم أهل العراق حتى انتهوا إلى الحجاج وحتى قاتلوهم على خنادقهم، ثم إنهم تزاحفوا فانهزم أهل العراق فخر الحجاج فيه ساجداً، وأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه أهل القوة من أصحابه إلى أن كان من أمره ما ذكرناه وكانت بينهم وقائع ننبه عليها حين يأتي ذكر شيء من مواضعها. الزاهرة (٤) : مدينة متصلة بقرطبة من البلاد الأندلسية، بناها المنصور بن أبي عامر لما استولى على دولة خليفته هشام، قال ابن حيان (٥) : كان الخليفة الحكم وقف من الأثر على البقعة التي بنيت فيها الزاهرة، وكانت ملوك المروانية قبله تتخوف ذلك، وكان ألهجهم بشأنها الحكم، فنظر فيها وقاس على مجالها (٦) البقعة المدعوة بألش، بفتح اللام، وهي بغربي مدينة الزهراء، ووجد انتقال الملك إليها فأمر حاجبه أبا أحمد الصقلي (٧) بالسبق إلى بنائها طمعاً في مزية سعدها، ولا يخرج الأمر عن يده ولده فأنفق عليها مالاً عظيماً، فمن الغرائب أن محمد بن أبي عامر تولى له شأنها ولا يعلم يومئذ به ثم وقع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع (٨) وأنها بشرقي مدينة قرطبة وأنفذ بفتاه (٩) للوقوف عليها فانتهى إلى منزل ابن بدر المسمى ألش مضمومة اللام. وأصاب هناك عجوزاً مسنة وقفته على حد الارتياد وقالت له: سمعنا قديماً أن مدينة تبنى هنا ويكون على هذه البئر نزول ملكها، فكم تعنى (١٠) أمير المؤمنين بالسؤال عنها وأمر الله تعالى واقع لا محالة فعاد الرسول بالجلية فلم تطل المدة حتى بناها محمد بن أبي عامر وبنوا أرجاء تلك البئر قرارة. قال الفتح بن خاقان (١١) : لما استفحل أمره واتقد جمره وجل شأنه وظهر استبداده وكثر حساده وخاف على نفسه من الدخول إلى قصر السلطان وخشي أن يقع لطالبه في أشطان توثق لنفسه. وكشف له ما ستره عنه في أمسه من الاعتزاز عليه. ورفض الاستناد

стр. 300

إليه، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته ويتم به تدبيره وسياسته ويجمع فيه فتيانه وغلمانه ويحشر إليه صنائعه، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالمشيدات الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، وشرع في بنائها سنة ثمان وستين وثلثمائة فحشر إليها الصناع والفعلة، وأبرزها بالذهب واللازورد متوجة منعلة، وجلب نحوها الآلات الجليلة، وسربلها بما يرد العيون كليلة، وتوسع في اختطاطها وتولع في انتشارها في البسيط وانبساطها (١) ، وبالغ في رفع أسوارها وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها، وأوثق أبوابها وأتقن مضايقها (٢) فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأبنية الغريبة، وبني معظمها في عامين، وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته، فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته،، واتخذ فيها الدواوين للعمال، ترتفع فيها ضروب الأعمال، والاصطبلات لأنواع الكراع، وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرحاء، ثم أقطع وزراءه وكتابه، وقواده وحجابه، القطائع الواسعة فابتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات القصور، واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة، والمنازه المثيرة، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة وقامت فيها الأسواق، وكثرت فيها الأرزاق، وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنو من صاحب الدولة، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكان الفراغ منها سنة سبعين وثلثمائة. وفي هذه السنة نزل فيها بخاصته وعامته وخلع الخليفة إلا من الاسم الخلافي، ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة في أن تحمل إلى مدينته تلك الأموال والجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، فانحشد إليها الناس من جميع الأقطار وحجر على خليفته كل تدبير، واتفق له ذلك بسرعة بطشه، وأقام الخليفة منذ نقل عنه الملك إلى قصر الزاهرة، مهجور الفناء، محجور الغناء، خفي الذكر، مسدود الباب، محجوب الشخص، لا يخاف منه باس ولا يرجى منه إنعام، وليس له إلا الرسم السلطاني في السكة والدعوة والاسم الخلافي، وأزال أطماع الناس منه وصيرهم لا يعرفونه، واشتد ملكه منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها وتجنيد أفنيتها حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الحسن والجمال، وما زالت هذه المدينة رائقة متناسقة السعود، تراوحها الفتوح وتغاديها، لا تزحف منها راية إلا إلى الفتح، ولا يصدر عنها تدبير إلا بنجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقيض لها من المكروه نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كل عقيدة. زيان (٣) : حصن بالمغرب له نهر كثير الثمار والأشجار، وبالقرب منه حصن العروس (٤) ، وهو على قنة جبل على ضفة البحر، وبالقرب من هذا الحصن الوردانية وحصن هنين، ومرساه مقصود وله بساتين كثيرة. زبالة (٥) : من قرى المدينة، سميت بضبطها الماء وأخذها منه كثيراً (٦) ، وقيل سميت بزبالة بنت مسعود من العماليق نزلت موضعها فسميت بها. وكانت (٧) فيما سلف مدينة، وما بها الآن إلا رسم محيل وموضع يأوي إليه المسافرون، وليست بمدينة ولا حصن. زبيد (٨) : مدينة باليمن بقرب الجند ومعاثر (٩) ، تسير في صحراء ورمال حتى تنتهي إلى زبيد، وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد ولا أغنى أهلاً ولا أكثر خيراً منها، وهي واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه والموز وغيره، ومن زبيد إلى عدن على الساحل عشر مراحل في برية ليس فيها عمارة ولا يركبها إلا السابلة والصيادون. والمسافرون إلى زبيد كثير، وبها مجتمع التجار من أرض الحجاز وأرض الحبشة وأرض مصر الصاعدون في مراكب جدة، وأهل الحبشة يجلبون رقيقهم إلى زبيد، وتخرج منها ضروب الأفاويه

стр. 301

الهندية والمتاع الصيني وغيره، وهي على نهر صغير، ومنها إلى صنعاء مائة ميل واثنان وثلاثون ميلاً. زبطرة (١) : من الثغور الجزرية، بينها وبين ملطية أربعة فراسخ وزبطرة حصن منيع كثير الأهل قديم رومي، فتحه حبيب بن مسلمة الفهري وكان قائماً إلى أن أخربته الروم أيام الوليد بن يزيد، فبني بناء غير محكم فهدمته الروم في فتنة مروان، فأعاده المنصور فهدمته الروم فبناه الرشيد وشحنه، فطرقته الروم في خلافة المأمون وأغاروا على سرح أهله فأمر المأمون بمرمته وتحصينه. ثم خرجت الروم (٢) إلى زبطرة أيام المعتصم بالله عليهم توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره، ومعه ملوك برجان والبرغز والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم، فنزلوا على زبطرة وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وفتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير، وسبى وأغار على ملطية، فضج الناس في الأمصار واستغاثوا في المساجد والديار، ودخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم فأنشده قصيدة طويلة منها: يا غيرة الله قد عاينت فانتقمي ... تلك النساء وما منهن يرتكب هب الرجال على إجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب ويقال إن المعتصم بلغه أن رومياً لطم أسيرة في زبطرة فصاحت: وامعتصماه، فأحفظه ذلك وأغضبه، فخرج من فوره نافراً عليه دراعة من الصوف بيضاء قد تعمم بعمة الغزاة، فعسكر غربي دجلة، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسالت العساكر والمطوعة من سائر بلاد الإسلام، فمن مكثر يقول: سار في خمسمائة ألف، ومقلل يقول: سار في مائتي ألف، ولقي الأفشين أحد قواده ملك الروم فهزمه وقتل أكثر بطارقته ووجوه أصحابه، وفتح المعتصم حصوناً، ونزل على عمورية ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاوي (٣) البطريق منها وأسلمها إليه، وأسر منها البطريق الكبير باطس (٤) ، وقتل فيها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق. وفي وصف هذه الحال يقول أبو تمام حبيب بن أوس الطائي قصيدته المشهورة التي أولها: السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب يقول فيها: يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلاً معسولة الشنب ألفيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين وجد الشرك في صبب يقول فيها للمعتصم: لبيت صوتاً زبطرياً هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب يعني صوت التي صاحت: وامعتصماه، ثم أمر المعتصم ببناء زبطرة وشحنها، فرامها العدو بعد ذلك فلم يقدر عليها. زحالة (٥) : في البلاد الإفريقية وبناحية الأربس، بها وصل الخبر بمقتل عبد العزيز بن إبراهيم وأصحابه إلى أحمد بن مرزوق وهو في الجنود الإفريقية متوجه إليه، فاختلت محلة عبد العزيز وفسد أمره وقتل، وسيق رأسه إلى أحمد بن مرزوق، وظهر صنع الله تعالى في البغاة، وبسط هذا مذكور في افرن. الزرادة (٦) : مدينة بناحية اليمن، كان أبو سعيد الجنابي، وهو من جزيرة جنابا، من جملة من قام بدعوة القرامطة، وكان يبيع الطعام بالزرادة، وكان بها أيضاً رجل يعرف بإبراهيم الصائغ وكان

стр. 302

داعيتهم أيضاً وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس، وكان قيام القرمطي بالقطيف. وكان ابتداء أمرهم أن رجلاً منهم قدم إلى (١) سواد الكوفة من ناحية خوزستان، فأقام بموضع يعرف بالنهرين يظهر الزهد والتقشف ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة، ويبتاع كل ليلة من عمل يده رطل تمر يفطر عليه، وإذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا، وعلمه أن المفروض على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام عدل من أهل بيت الرسول ﷺ ، فلم يزل على ذلك يقصد إليه الجماعة بعد الجماعة والفوج من الناس بعد الفوج، فيخبرهم بما يعلق بقلوبهم إلى أن أجابه أهل تلك الناحية وما والاها واتخذ منهم اثني عشر نقيباً، أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه، وقال لهم: أنتم كحواريي عيسى، فاشتغل أكثر أهل ذلك الصقع عن أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة، وكانت للهيصم (٢) في تلك الناحية ضياع أنكر تقصير الأكرة فيها وفي عمارتها فأعلم أن ذلك من أجل اشتغالهم بالصلاة عن أعمالهم، فوجه الهيصم في طلبه حتى أتي به إليه، فسأله عن أمره، فأخبره بمذهبه، فآلى ليقتلنه، ثم أمر بحبسه في بيت من بيوت الدار وأقفل عليه ووضع المفتاح تحت وساده وتشاغل بالشراب عنه، وكانت جارية من جواريه سمعت يمينه ليقتلنه فرقت له، فلما نام الهيصم أخذت المفتاح ففتحت عنه القفل وأرسلته ثم ردت المفتاح تحت الوسادة: فلما أصبح الهيصم أخذ المفتاح ففتح الباب فلم يجد أحداً، فشاع خبر القرمطي وازداد أهل الناحية به فتنة، وزعموا أنه رفع ثم ظهر في مكان آخر ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم، وزعم أن أحداً لا يقدر عليه بسوء، فعظم في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى الشام وتسمى كرميتة. وذكر أن ابتداء أمرهم أن رجلاً كان يعرف بيحيى بن المعلى صدر من ناحية الكوفة إلى القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي (٣) بن المعلى بن حمدان كان يترفض وأظهر أنه رسول المهدي المنتظر وذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين، وأنه خرج يتبع شيعته في البلاد ويدعوهم إلى المسارعة في أمره وأن خروجه قد قرب، وأظهر كتاباً زعم أنه من المهدي، وكان في من أجابه أبو سعيد الجنابي من جزيرة جنابا، كان يبيع الطعام بالزرادة، كما قلنا، ويحسب لهم حسابهم، ولا يعرف من كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ حرفاً، وكان قميئاً قبيحاً، وكان بالزرادة رجل يعرف بإبراهيم الصائغ، كان داعية لهم، وجهزه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز لدعاء الناس، قال ابن أبي الطاهر: فجاءني يوماً وقال لي: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت أمس مع أبي سعيد الجنابي وقد قدم عليه رجل من أهل جنابا فأكلنا عنده، فلما فرغ قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى في بيت وقال لها: إذا أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. قال أبو علي عريب بن سعيد: وكان قيام القرمطي سنة سبع وثمانين ومائتين بدخول أبي سعيد القرمطي هجر بعد حصار أربع سنين، فوصل إلى قوم هلكى ضراً وهزلاً بعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق كثير فقتل منهم القرمطي ثلاثمائة ألف وطرحهم أحياء في النار، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال، ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلاً، وسار جماعة من أصحاب الجنابي إلى حصن يقال له الفلج بينه وبين هجر ستة أيام، وبين هذا الحصن وبين مكة سبعة أيام. وقال قتادة: إن أصحاب الرس الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه كانوا أهل فلج. زرنج (٣) : هي المدينة العظمى من بلاد سجستان وهي كبيرة عامرة الأسواق وأسواقها دائرة بالمسجد الجامع ولها أرباض عامرة، وفي كل مكان منها أسواق على غاية العمارة. ولها سور حصين وخندق دائر بالحصن الذي بها ولها على أرباضها حصون وخنادق وفي الخندق المستدير بسور الحصن ماء نابع ينبع من مكانه ويقع فيه جمل من فضول المياه التي في المدينة، وللمدينة خمسة أبواب، وللربض ثلاثة عشر باباً وبناؤها بالطين آزاجاً معقودة لأن الخشب بها يسوس فلا يقيم، ومسجدها الجامع في المدينة دون الربض، وفي داخل المدينة ثلاثة أنهار تدخل على أبوابها وهي كلها صغار مفرقة في دور المدينة وبساتينها وحماماتها، وأرض زرنج سبخة رملية في سهل متصل لا يرى فيه شيء من الجبال، وهي حارة لا يقع فيها ثلج وأكثر ما بها الرياح العواصف

стр. 303

الدائمة، حتى إنهم صنعوا أرحاء تطحن بالريح لكثرة رياحهم، والرمل في أكثر الأحوال يضربهم. زرود (١) : حبل رمل بين ديار بني عبس وديار بني يربوع، وبزرود أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت تغلب، وأسر حزيمة (٢) وفي ذلك يقول الكلحبة اليربوعي من كلمة له (٣) : فقلت لكأس ألجميها فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا ولما وجه عمر ﵁ سعد بن أبي وقاص ﵁ لحرب العراق، خرج فنزل فيد فأقام بها شهراً، ثم كتب إليه عمر أن يرتفع إلى زرود، فأتاها فأقام بها، وأتاه ممن حولها من بني تميم بن حنظلة وأتته سعد والرباب وعمرو، وكان ممن أتاه عطارد بن لبيد بن عطارد والزبرقان وحنظلة بن ربيعة اليشكري وربعي بن شبث بن ربعي وهلال بن علقمة التميمي والمنذر بن حسان الضبي، فقالت رؤساء حنظلة: يا بني تميم قد نزل بكم الناس، وهم قبائل الحجاز واليمن وأهل العالية، وقد لزمكم قراهم فشاطروهم الرسل ففعلوا، فمن كانت له لقحتان فض إحداهما عليهم، ومن كان له أكثر فعلى حساب ذلك، فقروهم شتوة بزرود، ونزل الناس معه في أول الشتاء بزرود وتفرقوا فيما حولها، وأقام سعد ينتظر اجتماع الناس، ثم كتب عمر إلى سعد أن سر حتى تنزل شراف واحذر على من معك من المسلمين، إلى أن كان من أمر القادسية ما كان. زرند (٤) : قهندز عظيم من أعمال كرمان وهي الشيرجان، كان لمرزبان صرد كرمان ما حواليها من الضياع والرساتيق، وغلب عليها قوم من العرب أيام الجليلان المرزبان، وكان ولاة كرمان من العرب ينزلون الشيرجان، وبينها وبين زرند خمسون فرسخاً ومرزبان زرند في صلحهم يؤدي الخراج إليهم، فورد أعرابي على جليلان المرزبان واسمه محمد بن قرة كما يخرج الأعراب من البادية في يده جراب وعصا، واستأجره الجليلان ترجماناً ينفذ مع من يحمل الخراج إلى الشيرجان، فأنس منه رشداً، فأظهره وعرضه للمنافع حتى أنس به ووثق بناحيته وكسب مالاً وارتبط دواب، وكتب إلى البادية فاستقدم من أهله قوماً، وجعل يحمل المال كل سنة ويؤديه عن المرزبان، فلما كان في بعض السنين اتصل به موت عامل كرمان، وهو قد صدر بالمال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف درهم سوى الهدايا، فجمع هناك أهل بيته وغلمانه. بموضع يقال له جفار طارق، فاتصل الخبر بالجليلات، فأرسل رسولاً فتوعده، فزبر الرسول وطرده، فدعا الجليلان ولده وحاشيته وشاورهم فمنهم من يقول: أنا أذهب فأحمله إليك مقيداً، ومنهم من يقول: نأخذ منه المال ونرسله كما جاء، فقال المرزبان: ليس الوجه هذا، فإن هذه دولة جديدة، وقد جمع لنفسه من لفيف أهل بيته وصار له حشم فلأن نداريه ولا محالة أصلح. فغلب ابن قرة على أكثر ضياعهم وجعل المرزبان خولاً لنفسه وقوي أمره، إلا أنه ترك للمرزبان وأهل بيته ما يعيشون به، فكان هذا سبب ورود العرب الناحية، ثم جعلوا الشيرجان مأواهم وبنوا بها القصور واعتقدوا بها في رساتيقها الضياع. زرق: قرية على تسعة فراسخ من مرو بخراسان، وفيها قتل يزدجرد (٥) آخر ملوك الفرس، وهو الذي حاربه المسلمون وخربوا ملكه، وكان آخر أمره أنه فر إلى مرو ونزل بهذه القرية عند طحان هناك متنكراً، فقتله الطحان أو دل عليه، وكان ذلك في أول سنة إحدى وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، وكان نزل النهر فرآه رجل فقال: خذ خاتمي ومنطقتي وعم عني، فقال: اعطني أربعة دراهم، فقال له: الذي أعطيك أعظم من آلاف، فقال: إنما أريد أربعة دراهم، فضحك وقال: قد كان قيل لي إنك ستحتاج إلى أربعة دراهم ولا تجدها، فهجموا عليه، فقال: لا تقتلوني واحملوني إلى ملك العرب أصالحه عليكم وتأمنون، فأبوا، وقتلوه وألقي جسده في النهر، وبعد ذلك أخرج منه وجعل في تابوت وحمل إلى اصطخر، وفي اسم المرغاب من حرف الميم بقية هذا الخبر. الزلاقة (٦) : بطحاء الزلاقة من إقليم بطليوس من غرب الأندلس

стр. 304

فيها كانت الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة اذفونش بن فرذلند، بحميد سعي المعتمد محمد بن عباد، وكان ذلك في الموفي عشرين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنعقد بين المعتمد وبين الطاغية المذكور بسبب إفناء هذه الضريبة ما في أيدي المسلمين من كور فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي جرت عادته يؤديها فيه بغزو ابن صمادح صاحب المرية واستنقاذه ما في يديه بسبب ذلك، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها، فاستشاط الطاغية غضباً وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حمل كان بها حين أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة، لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون المسجد الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء، غربي مدينة قرطبة، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع، وزعم أن الأطباء أشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما أشار عليه القسيسون بالجامع، وسفر بذلك بينهما يهودي كان وزيراً لابن فرذلند، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك، فأغلظ له اليهودي في القول وشافهه بما لم يحتمله، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه، فأنزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي، فبدره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب به القتل إذ ليس له أن يفعل ما فعل، وقال للفقهاء حين خرجوا: إنما بدرت بالفتوى خوفاً أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدوة عسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً. وبلغ الفنش ما صنع ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه باشبيلية ويحصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه، وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس، ويغير على تلك التخوم والجهات ثم يمر على لبلة إلى اشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم فسلك طريقاً غير طريق صاحبه، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين ودمر حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد. وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان واشتد علي الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عني، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية تريح منك لا تروح عليك إن شاء الله. فلما ترجم لابن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك، وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند فاستبشر الناس وفتحت لهم أبواب الآمال. وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك فمنهم من كتب إليه ومنهم من شافهه، كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، أي إن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً لابن فرذلند أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة، وكان مشهوراً بوثاقة الاعتقاد، وقال لعذاله ولوامه: يا قوم أنا من أمري على حالين: حالة يقين وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفي لي ويبقي علي ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين فهي إني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه؟ وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه. فلما عزم خاطب جاريه: المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس وعبد الله بن حبوس بن ماكسين الصنهاجي صاحب غرناطة يأمرهما أن يبعث إليه كل واحد منهما قاضي حضرته، ففعلا، ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه. فلما اجتمع القضاة عنده باشبيلية، أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى ابن زيدون ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية. وكان يوسف بن تاشفين

стр. 305

لا يزال يفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين الله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيستمع إليهم ويصغي إلى قولهم وترق نفسه لهم، فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد، وقد آذن صاحب سبتة بقصده الغزو وتشوفه إلى نصرة أهل الأندلس وسأله أن يخلي الجيوش تجوز في المجاز، فتعذر عليه، فشكا يوسف إلى الفقهاء فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب سبتة. ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم وأكرم مثواهم وجددوا الفتوى في حق صاحب سبتة بما يسره، واتصل ذلك بابن عباد فوجه من اشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ثم انصرفت إلى مرسلها، ثم عبر يوسف البحر عبوراً هيناً حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وجعلوا سماطاً أقاموا فيه سوقاً جلبوا إليها ما عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيها، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء المطوعين، وتواصوا بهم خيراً. فلما عبر يوسف وجميع الجيوش انزعج إلى اشبيلية على أحسن الهيئات جيشاً بعد جيش وأميراً بعد أمير وقبيلاً بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها على اشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من اشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه، وأتى محلة يوسف فركض نحو القوم وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل واحد منهما المودة والخلوص، فشكرا نعم الله وتواصيا بالصبر والرحمة وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه مقرباً إليه، وافترقا فعاد يوسف لمحلته، ورجع ابن عباد إلى جهته، ولحق بابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وألطاف أوسع بها محلة ابن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلما صلوا الصبح ركب الجميع، وأشار يوسف على ابن عباد بالتقدم إلى إشبيلية ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر وأعان وخرج وأخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف، بكل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا. ولما تحقق ابن فرذلند جواز يوسف استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والافرنجة وما يليهم ما لا يحصى عدده، وجعل يصغي إلى أنباء المسلمين متغيظاً على ابن عباد حانقاً ذلك عليه متوعداً له، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث ابن فرذلند إلى ابن عباد أن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاد بعيدة وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أنا أمضي إليه وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لأهل وده ووزرائه: إني رأيت إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني بين جدرها ربما كانت الدائرة علي فيكتسحون البلاد ويحصدون من فيها في غداة واحدة، لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فان كانت علي اكتفوا بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها. ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دارع، ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد واثنان، وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك ويقوله، واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين. ورأى ابن فرذلند في نومه كأنه راكب على فيل فضرب نقيرة طبل فهالته رؤياه وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، ودس يهودياً عن من يعلم تأويلها من المسلمين فدل على عابر فقصها عليه ونسبها إلى نفسه، فقال له العابر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني عن صاحبها وإلا لم أعبرها لك، فقال: اكتم ذلك، هو الفنش بن فرذلند، فقال العابر: قد علمت أنها رؤياه، ولا ينبغي أن تكون لغيره وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال الله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضرب النقيرة فقد قال الله (١) تعالى: " فإذا نقر في الناقور "، فانصرف اليهودي إلى ابن

стр. 306

فرذلند وجمجم له ولم يفسرها له. ثم خرج ابن فرذلند ووقف على الدروب ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس فتقدم يوسف فقصده وتأخر ابن عباد لبعض الأمر ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو يتفاءل لنفسه مكملاً البيت المشهور: لا بد من فرج قريب ... يأتيك بالعجب العجيب غزو عليك مبارك ... سيعود بالفتح القريب لله سعدك إنه ... نكس على دين الصليب لا بد من يوم يكو ... (١) ن أخاً له يوم القليب ووافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب وبالأقوات والضيافات، وبذل مجهوده، ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه أو لقضاء حاجته فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيل على أفواه طرق محلاتهم، فلا يكاد الخارج منهم عن المحلة يخطئ ذلك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم. ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية أو يأذن بحرب، فامتلأ غيظاً وراجعه بما دل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم ونشروا أناجيلهم، وخرجوا فتبايعوا على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار، وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة، فرجع الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة فبعث لابن عباد يقول: غداً يوم الجمعة، وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو عيدنا، فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت، فعرف المعتمد ذلك يوسف فقال: نعم، فقال له المعتمد: هذه خديعة من ابن فرذلند، إنما يريد غدر المسلمين فلا تطمئن إليه وليكن الناس على استعداد له طول يوم الجمعة على احتراس كثير، وابن عباد مواظب على احتراس جميع المحلات خائفاً عليها من كيد العدو، وبعد هزيع من الليل (٢) انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي (٣) - وكان في محلة ابن عباد - فرحاً مسروراً يقول إنه رأى النبي ﷺ فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غد، وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فرذلند، فحذروا أجمعين ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر. ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلات ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة، فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الجهاد، غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، وإن انكشف لكم هان عليكم هؤلاء الصحراويون بعده ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة. وعند ذلك بعث ابن عباد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه جلية الأمر،

стр. 307

فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله، وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً ما دام ابن فرذلند مشتغلاً مع ابن عباد، وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد فلم يصله إلا وقد غشيه جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد صدمة قطعت آماله ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه وأحاطوا به من كل جهة فاستحر القتل فيهم، وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب واشتد البلاء وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وجرحت يمنى يديه وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وهو يقاسي حياض الموت يضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحال ابناً له صغيراً كان مغرماً به، كان تركه بإشبيلية عليلاً اسمه المعلى (١) وكنيته أبو هاشم فقال: أبا هاشم هشمتني الشفار ... فلله صبري لذاك الأوار ذكرت شخيصك تحت العجاج ... فلم يثنني ذكره للفرار ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً فنفس بمجيئه عن ابن عباد، ثم أقبل يوسف بعد ذلك وطبوله تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه وقصده بمعظم جنوده، وقد كان علم حساب ذلك من أول النهار فأعد له هذه الأشكولة وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد ووجد ريح الظفر وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم وخاضت الخيل في الدماء وصبر الفريقان صبراً عظيماً، ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين فصدقوا الحملة فانكشف الطاغية ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي أثرها بقية عمره، فكان يخمع منها، فلجأ إلى تل كان يلي محلته في نحو الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ذلك من رؤوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه، وأقبل ابن عباد على يوسف فصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف مقامه وحسن بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه، فقال: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك. ولما انحاز الطاغية بشرذمته جعل ابن عباد يحرض على اتباع الطاغية وقطع دابره، فأبى ابن تاشفين واعتذر بأن قال: إن اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين فيهلكهم، بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا أصحابنا ويجتمعون بنا ثم نرجع إليه فنحسم داءه، وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه، ويوسف مصر على الامتناع من ذلك، ولما جاء الليل تسلل ابن فرذلند وهو لا يلوي على شيء، وأصحابه يتساقطون في الطريق واحداً بعد واحد من أثر جراحهم، فلم يدخل طليطلة إلا في دون المائة. وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين، فقالت شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الرأي في معاجلته لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيقع استغناء عنه، وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العود إلى جزيرة الأندلس، وقال آخرون: كلا الرجلين أسر حسواً في ارتغاء (٢) وإن كان ابن عباد كان أحرى بالصواب. وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمين وفتح لهم الفتح المبين، وأذاق المشركين العذاب الأليم والخطب الجسيم، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة والمسرة الكبيرة هزيمة أذفونش، أصلاه الله تعالى الجحيم ولا أعدمه الوبال العظيم، بعد إتيان النهب على محلاته واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده وحماته وقواده، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فلله الحمد على جميل صنعه،

стр. 308

ولم يصبني بحمد الله إلا جراحات يسيرة آلمت، لكنها فرحت بعد ذلك وغنمت وأظفرت (١) . ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة تواردت عليه أنباء من قبل السفن فلم يجد معها بداً من سرعة الكرة فانصرف إلى اشبيلية فأراح بظاهرها ثلاثة أيام ونهض نحو بلاده. ومشى ابن عباد معه يوماً وليلة، فع زم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب، وتورم كلم رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضة المجاز حتى يعبر البحر إلى بلاده. ولما دخل ابن عباد اشبيلية جلس للناس وهنئ بالفتح، وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشده إياها فقرأ القارئ: " إلا تنصروه فقد نصره الله "، فقلت: بعداً لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به؛ واستشهد في هذا اليوم جماعة من أعيان الناس كابن رميلة المتقدم الذكر وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما، وطار ذكر ابن عباد بهذه الوقيعة وشهر مجده، ومالت إليه القلوب، وسالمته ملوك الطوائف، وخاطبوه جميعاً بالتهنئة، ولم يزل ملحوظاً معظماً إلى أن كان من أمره مع يوسف ما كان. قال مؤلف هذا الكتاب رحمة الله عليه: خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهمم ووقوعها في الزمن الخامل، والله سبحانه يفعل ما يشاء وهو المستعان. زم (٢) : بضم أوله وتشديد ثانيه موضع ببلاد بني ربيعة، وقيل ببلاد بني قيس بن ثعلبة، قال الأعشى (٣) : ونظرة عين على غرة ... مكان الخليط بصحراء زم وزم أيضاً من حفائر عبد شمس بن عبد مناف بمكة، وبعضهم يقول في التي بمكة رم بالراء المهملة، والأول أثبت، وهي التي عند دار خديجة بنت خويلد ﵂. وزم (٤) أيضاً في خراسان على نهر بلخ من آمل طالعاً مع النهر أربع مراحل، وزم تقابل آمل في الكبر، وبها ماء جار وبساتين وعمارات وزروع وتجارات. وقال يحيى بن يوسف الزمي: كنا عند مالك بن أنس وعنده رجل أحسبه من أهل الشام وهو يصف له الشام وخبره، فقال له مالك: ألا أحدثك بحديث هو خير من شامكم، حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : " من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين أمن من الفقر ومن وحشة القبر واستجلب بها الغنى واستفتح بها باب الرحمة ". زمزم (٥) : بئر مكة، ويقال لها زمزم وزمزم وزمزم وهي الشياعة وركضة جبريل وحفيرة عبد المطلب وطيبة وبرة والمضنونة وماؤها لما شرب له. قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة، قال، قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم فقلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبداً ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. قال ابن إسحاق: فلما بين له شأنها ودل على موضعها غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم حتى أحاكمكم إليه قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من

стр. 309

قريش نفر، قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز نفد (١) ماء عبد المطلب ومن معه من بني عبد مناف وظمئوا حتى أيقنوا بالهلاك، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا أن يسقوهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم، فقال عبد المطلب لمن معه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفيرة لنفسه فمن مات دفناه في حفرته، ففعلوا وجلسوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم قال لهم: اركبوا نطلب الماء، فركبوا وتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قدر الله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، فلم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. قال: فلما تمادى (٢) في الحفر وجد فيها غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافاً قلعية وأدراعاً، قال: فضرب الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج. قال ابن إسحاق (٣) : فعفت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب. قالوا (٤) : وكانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيماً لجدها إبراهيم وتمسكاً بهديه، وكان ساسان إذا أتى البيت طاف بها وزمزم على بئر إسماعيل، وقيل إنما سميت زمزم لزمزمته عليها هو وغيره من فارس، وفي ذلك قيل قديماً: زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم وكان صنع خالد القسري فيما بين زمزم والحجر الأسود حوضاً كحوض العباس ﵁ وجلب إليه الماء العذب من أصل جبل ثبير، وكان ينادي مناديه: هلموا إلى الماء العذب واتركوا أم الخنافس، يعني زمزم، أخزاه الله، فلما مضت دولة بني أمية غير أهل مكة تلك السقاية وهدموها ولم يتركوا لها أثراً. زمخشر (٥) : قرية من قرى خوارزم منها محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري أبو القاسم الأستاذ صاحب التفسير المسمى ب " الكشاف عن حقائق التنزيل " العلامة النحوي، ذكره السمعاني، قال: كان ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، لقي الأفاضل الكبار وصنف التصانيف في التفسير وغريب الحديث والنحو وغيرها، ورد بغداد غير مرة، ودخل خراسان عدة نوب وما دخل بلدة إلا اجتمعوا إليه وسلموا له واستفادوا منه، وكان علامة الأدب ونسابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه آباط الإبل وتحط بفنائه رحال الرجال، ثم خرج منها إلى الحج وأقام برهة من الزمان بالحجاز، ثم انكفأ راجعاً إلى خوارزم، وتوفي بها ليلة عرفة من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وله: " الكشاف " في التفسير و " الفائق " في غريب الحديث و " المفصل " في النحو وغيرها، وله يرثي أستاذه أبا مضر: وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني وله أشعار جيدة وغزل مليح، ومن شعر أبي الحسن علي بن عيسى (٦) بن حمزة الحسني المالكي في الزمخشري:

стр. 310

جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوأتها داراً فداء زمخشرا وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ ... إذا عد من أسد الشرى زمخ الشرى زنجان: آخرها نون، في خراسان (١) بينها وبين النهر خمسة عشر فرسخاً. قالوا (٢) : أذربيجان وقزوين وزنجان كور تلي (٣) الجبل من بلاد العراق وتلي كور أرمينية من جهة المغرب، وهي تلي الزعفرانية في الجبل، بينها وبين همذان ثلاثة فراسخ، سميت بذلك لأن بها زعفراناً كثيراً يسافر به إلى البلدان. وزنجان (٤) كورة واسعة وهي أكبر من أبهر وأهل أبهر أحذق وأنبل طباعاً (٥) ، غير أن زنجان يغلب على أهلها الغفلة. زعورا (٦) : مدينة من مدائن قوم لوط. قالوا: لم ينج من العذاب سواها لأنها كانت مختصة بلوط ﵇ وهلك ما عداها كما قال الله تعالى: " جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل "، وبقية خبرهم يرد في ذكر سدوم. زغوان (٧) : جبل عظيم بقرب جزيرة شريك من أعمال تونس، مشرف، يسمى كلب الرفاق لظهوره وعلوه واستدلال المسافرين به أينما توجهوا فإنه يرى على مسيرة الأيام الكثيرة، ولعلوه يرى السحاب دونه وكثيراً ما يمطر سفحه ولا يمطر أعلاه، وأهل إفريقية يقولون لمن يستثقلونه من الناس: هذا أثقل من زغوان وأثقل من جبل الرصاص وهو على تونس، وقال الشاعر يخاطب حمامة أرسلها بكتاب من القيروان إلى تونس: وفي زغوان فاستعلي علواً ... وداني في تعاليك السحابا وبزغوان قرى كثيرة آهلة كثيرة المياه والثمار والبساتين، وفيه قوم عباد منقطعون عن الناس. وقلعة زغوان قلعة قديمة رومية منيعة، كان حسان بن النعمان لما أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية بموضع فحص أبي صالح، وبه سمي، فقاتل أهلها ثلاثة أيام فلم يقدر عليهم، فرحل حسان إلى زغوان في خيل مجردة، ففتحها صلحاً ثم سار يريد قرطاجنة فحاصرها وملك فحص تونس وقرطاجنة، فلما رأت الروم قوته سألوه الصلح وأن يضع عليهم الخراج، فأجابهم إلى ذلك، فأدخلوا ثقلهم في مراكب كانت حاضرة وهربوا ليلاً من باب يقال له باب النساء، فمضى بعضهم إلى الأندلس وبعضهم إلى صقلية، فدخلها حسان وأخربها وأحرقها وبنى بها مسجداً ورجع إلى القيروان. زغاوة (٨) : من بلاد السودان، بينها وبين أنجيمي ستة أيام، وزغاوة مجتمعة الكور كثيرة البشر، شرب أهلها من الآبار، ولهم تجارات يسيرة وبضائع (٩) يتعاملون بها، وأكلهم الذرة ولحوم الجمال المقددة والحوت المصبر، والألبان عندهم كثيرة، ولباسهم الجلود المدبوغة يستترون بها، وهم أكثر السودان حزناً (١٠) ، وفي مانان يسكن أمير زغاوة وعاملها. الزقاق (١١) : بحر الزقاق هو الداخل من البحر المحيط الذي عليه سبتة الذي يضيق من المشرق إلى المغرب حتى يكون عرضه ثلاثة أميال (١٢) وهو بساحل الأندلس الغربي، بمكان يقال له الخضراء ما بين طنجة من أرض المغرب وبين الأندلس، ثم يتسع الزقاق كلما امتد حتى يصير إلى ما لا ذرع له ولا نهاية، وهو مخرج بحر الروم المتصاعد إلى الشام، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكر سبتة. وفي بعض الأخبار (١٣) أنه قبل افتتاح المسلمين البلاد المصرية بمائة سنة طمى ماء البحر وزاد فأغرق القنطرة التي كانت بين بلاد

стр. 311

الأندلس وبين ساحل طنجة من أرض المغرب، وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم لها في معمور الأرض نظير، يقال إنها من بناء ذي القرنين، مبنية بالحجارة تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها اثني عشر ميلاً في عرض واسع وسمو كثير، وربما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها، والناس يقولون: لا بد من ظهورها قبل فناء الدنيا. الزهراء (١) : مدينة في غربي قرطبة بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها وبينها وبين قرطبة خمسة أميال. وكانت (٢) قائمة الذات بأسوارها ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع. ثم خرب ذلك كله وأصابه ما أصاب قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. الزوراء (٣) : هو اسم يقع على عدة مواضع منها الزوراء المتصلة بالمدينة التي زاد عليها عثمان النداء الثالث يوم الجمعة لما كثر الناس، لأحيحة بن الجلاح. والزوراء (٤) موضع آخر في ديار بني أسد. والزوراء (٥) رصافة هشام بالشام كانت للنعمان بن جبلة، وفيها كان، وإليها كانت تنتهي غنائمه، وكان على بابها صليب لأنه كان نصرانياً، وأنشدوا قول النابغة (٦) : ظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب الزوراء (٧) بالحيرة، هدمها أبو جعفر المنصور،، وتذاكروا عند الصادق الزوراء فقالوا: الزوراء بغداد، فقال الصادق: ليس الزوراء بغداد، لكن الزوراء الري. وزوراء (٨) بغير ألف ولام دار كانت بالحيرة لملوكهم. وسميت بغداد بالزوراء لانعطافها بانعطاف دجلة، وتسمى به القوس لانعطافها، وفي مطلع قصيدة أبي العلاء (٩) : هات الحديث عن الزوراء أو هيتا ... زواغة: من بلاد إفريقية، سميت بزواغة قبيلة من البربر. زريران (١٠) : قرية بالعراق من أحسن قرى الأرض وأجملها منظراً وأفسحها ساحة وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل، وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن، وحسبك من شرف موضعها أن دجلة تسقي شرقيها والفرات يسقي غربيها، وهي كالعروس بينهما، والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين، وبإزاء هذه القرية في جهة الشرق منها إيوان كسرى وأمامها بيسير مدائنه، وهذا الإيوان بناء عال في الهواء شديد البياض. زويلة (١١) : مدينة كبيرة قديمة في الصحراء بقرب بلاد كانم من السودان وأظنها التي يقال لها زويلة ابن خطاب، وبينها وبين سويقة ابن مثكود ست عشرة مرحلة، وهي صغيرة بها أسواق،

стр. 312

ومنها يدخل إلى بلاك السودان، وشرب أهلها من آبار عذبة، وبها نخل كثير وتمرها حسن، والعرب تجول بنواحيها وتضر بأهلها، وكان بناها عبد الله بن خطاب الهواري وسكنها هو وبنو عمه سنة ست وثلثمائة، وهي منسوبة إلى هذا الرجل، وهي الآن عامرة، وهي مجمع الرفاق، وإليها يجلب الرقيق ومنها يخرج إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد. ولما فتح (١) عمرو بن العاصي برقة وجبل نفوسة بعث عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وافتتحها، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبقرب زويلة قصر واجان، وهو قصر عظيم على رأس جبل في طرف المفازة، وهو مثل المدينة، فسار إليهم خمسة عشر يوماً، فنزل عليهم وحاصرهم نحو شهر فلم يقدر عليهم، فمضى أمامه على قصور كوار ففتحها وأخذ ملكها فقطع إصبعه، فقال له: لم فعلت هذا. فقال له عقبة: إذا نظرت إلى إصبعك لم تقاتل العرب، وفرض عليهم ثلثمائة وستين رأساً، ثم سألهم هل وراءهم أحد، فلم يعلموا أن وراءهم أحداً، فكر راجعاً على قصر واجان فلم يعرض له ولا نزل عليه، وسار ثلاثة أيام، فلما رأوا أنه لم يعرض لهم أمنوا وانبسطوا، فأقام عقبة بموضع يسمى اليوم ماء الفرس، فنفد ماؤهم وأصابهم العطش حتى كاد يهلكهم، قال: فصلى عقبة بأصحابه ركعتين ودعوا الله تعالى، فجعل فرس عقبة يبحث بيده في الأرض حتى انكشف له صفاة فنبع ماء، فنادى عقبة الناس أن احفروا فاحتفروا، فوجدوا ماء معيناً زلالاً فسمي ماء الفرس، وكان يقال له عقبة المستجاب، ثم كر راجعاً إلى قصر واجان من غير طريقه الذي أقبل منه، فلم يشعروا حتى طرقهم ليلاً فوجدهم مطمئنين فاستباح ما في مدينتهم من ذراري وأموال ونساء، وقتل مقاتلتهم، ثم انصرف راجعاً إلى زويلة، ومن زويلة كر إلى غدامس بعد خمسة أشهر، وسار متوجهاً إلى المغرب وجانب طريق الجادة وأخذ أرض مزاتة، فافتتح قصورهم حتى انتهى إلى قفصة ففتحها وافتتح بلاد قصطيلية ثم انصرف إلى القيروان، فتوفي شهيداً بتهودة، من بلاد الزاب، حسبما يأتي ذكر ذلك في موضعه. وزويلة (٢) أيضاً إحدى المهديتين، كانت متصلة بالمهدية، وكان السلطان وخاصته وجنوده يسكنون المهدية، والأسواق والناس في زويلة، وكانت حسنة المباني والشوارع، وأهلها مياسير نبلاء ذوو أفهام ثاقبة وطريقة في المعاملات جيدة، وأسوارها عالية حصينة وهي مبنية بالحجر، وبها فنادق وحمامات جمة (٣) ، ولها من جهة البر خندق كبير تستقر فيه مياه السماء، وبخارجها حمى كان قبل دخول العرب إفريقية وإفسادهم لها جنات وبساتين بسائر الثمار العجيبة والفواكه الطيبة، ولم يبق بها الآن من ذلك كله شيء بل خربت زويلة فلم يكد يبقى لها أثر، وحولها قرى كثيرة ومنازل وقصور يسكنها البداة، ولهم زروع ومواش وأغنام وأبقار وإصابات في القمح والشعير، وبها زيتون كثير يخرج منه زيت طيب عجيب يعم سائر البلاد الإفريقية، وكان يتجهز به إلى المشرق، وبين المدينتين (٤) رملة قدر رمية قوس. الزبداني (٥) : بلدة كثيرة المياه والأشجار بين دمشق وبعلبك، منها محمد بن هبة الله الأنصاري الزبداني قاضي الزبداني، كان إذا حل ملك كبير ببلده أظهر في ضيافته ما يتعجب منه كثرة واتقاناً، وهو القائل وقد مرض محبوب له: قد قلت للدهر على أنني ... أنهاه كي يرجع عن حكمه أمرضت من أهوى وعافيتني ... فقال موت المرء من فهمه قد نلت من قلبك لما اشتكى ... أكثر مما نلت من جسمه وهو القائل وقد خدم أميراً جميل الصورة: أحمد الله على ما تم لي ... أنجح السعي وصح الأمل الذي أخدمه أعشقه ... فمديحي في علاه غزل

стр. 313

حرف السين ساوة (١) : قرية في الطريق ما بين همذان والري بينهما اثنان وعشرون فرسخاً، وفي بعض كلام سطيح الكاهن في تفسير الرؤيا التي رآها كسرى أنوشروان بن قباذ ملك الفرس، وفيها أنه رأى ارتجاس الإيوان وخمود النيران وسقوط أربع عشرة شرفة من قصره ورؤيا الموبذان وأن بحيرة ساوه غاضت، فقال سطيح في حكاية طويلة: إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة وخمدت نار فارس، وغارت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، فليست الشام لسطيح شاماً، إلى آخرها. قال: وفي ساوة مات نصر بن سيار عامل مروان بن محمد على خراسان، فإنه لما أدبر الأمر عنه بظهور الدولة العباسية هرب فمات بهذه القرية كمداً. ساباط المدائن: بالعراق وفي الجانب الغربي من دجلة. قالوا (٢) : كان سعد بن أبي وقاص ﵁، لما خرج من كوثى، قدم زهرة بن الحوية إلى بهرسير في المقدمات، وتبعته المجنبات، وأخرج سعد بعده هاشماً في خيل وخرج سعد في أثره، وقد فل زهرة كتيبة كسرى التي كانت تدعى بوران حول المظلم. مظلم ساباط، وكان رجال يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا. ولما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به فلما نزله (٣) قرأ: " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال "، ووافق ذلك رجوع " المقرط " أسد كان كسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد فنزل إليه هاشم فقتله فقبل سعد رأسه وقبل هاشم قدمه. وقيل نظر هاشم إلى الناس قد أحجموا ووقفوا فقال: ما لهم؟ فقيل له: أسد قد منعهم، ففرج هاشم الناس وقصد له، فثاوره الأسد وضربه هاشم فقطع وصليه كأنما احتدم (٤) غضباً ووقعت الضربة في خاصرته، وقيل ضربه على هامته فقتله. وأغارت خيول سعد على ما بين دجلة وكان ما كان من إعزاز الله تعالى الإسلام ونصره أهله. ويقال إن المسلمين لما انتهوا إلى مظلم ساباط أشفقوا أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس وجبنوا عنه فكان أول من وصله بجيشه هاشم، فلما أجاز ألاح للناس بسيفه فعرف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة ثم لحق سعد بالناس حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة الفرس فكانت وقعة جلولاء. وبساباط (٥) المدائن سجن كسرى أبرويز ملك الفرس النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان عدي بن زيد العبادي ترجمان أبرويز وكاتبه بالعربية فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس وأشار عليه بتوليته العرب واحتال في ذلك حتى ولاه من بين إخوته وكان أذمهم وأقبحهم، ثم بلغ النعمان عن عدي شيء خافه، فاحتال حتى وقع في يده فحبسه فقال في ذلك أشعاراً بعث بها إليه منها قوله:

стр. 314

ألا من مبلغ النعمان عني ... علانية وما يغني السرار فيها: فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار تمثل به معاوية عند موته، ومنها قوله: أبلغ النعمان عني مألكاً ... إنه قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري فلم يزل في حبسه حتى مات، ويقال إنه قتله. وكان لعدي ابن يقال له زيد، فوصل إلى أبرويز حتى حل محل أبيه، ثم ذكر له بنت النعمان وجمالها، فأرسل فيها، فكتب إليه النعمان يحقر حالها وقال للرسول، وهو زيد بن عدي: يا زيد أما لكسرى في مها السواد كفاية حتى تخطى إلى العربيات!! فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك، أبيت اللعن، بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعل، وسأحسن ذلك عنده وأعذرك بما يقبله، فقال النعمان: فافعل فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الفضاضة والشناعة. فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه راغب عنه، وأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه وأوجده عليه، فقال: رب عبد قد صار من الطغيان إلى أقبح من هذا، فلما بلغت كلمته النعمان تخوفه، فخرج هارباً حتى أتى إلى طيء لصهر له فيهم، ثم خرج من عندهم حتى أتى بني رواحة بن ربيعة بن مازن، فقالوا له: أقم معنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزاهم خيراً ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى: ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الدهر لو أن امرءاً كان ناجياً فلم أر مسلوباً له مثل ملكه ... أقل صديقاً معطياً ومواسيا خلا أن حياً من رواحة حافظوا ... وكانوا أناساً يتقون المخازيا فقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم توديع ألا تلاقيا وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فصف له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر السواد فعلم النعمان أنه غير ناج منه. ولقيه زيد بن علي، فقال له النعمان: فعلتها؟ لئن تخلصت لك لأسقينك بكأس أبيك، فقال زيد: امض نعيم فقد آخيت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن، فأمر به كسرى فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكر ذلك الأعشى في قوله (١) : ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي الصكوك ويأفق ويقسم أمر الناس يوماً وليلة ... وهم ساكتون والمنية تنطق فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق وكان النعمان حين توجه إلى كسرى مستسلماً مر على بني شيبان فأودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود الشيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانئ بن مسعود يطالبه بتركته فامتنع وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي هاج حرب ذي قار (٢) . وقال إبراهيم بن رزمان: كان لنا جار ينزل في دار الحسن بن شعيب الساباطي، وكان يعرف بخصيب من أهل أصبهان، وكان له كلب جاء به من الجبل، قال: فرأيته يوماً وقد وقع بينه وبين جار له كلام إلى أن تواثبا، فلما رأى الكلب الرجل قد وثب على صاحبه قفز إليه فوضع مخالبه في أخدعيه، فرأيت الدماء

стр. 315

تسيل على ثيابه، ذكر ذلك أبو جعفر المرزباني في رسالة له في تفضيل الكلب على الصديق، ولأبي نواس أو غيره: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس ولم أدر منهم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط القفار البسابس الأبيات. سامة (١) : من أعمال غانة ببلاد السودان، ويعرف أهلها بالبكم، وبينها وبين غانة مسيرة أيام، وهم يمشون عراة إلا أن المرأة تستر فرجها بسيور مضفورة، ونساؤهم يوفرن شعر العانة ويحلقن شعر الرأس، وحدث رجل ممن دخل تلك البلاد أنه رأى منهن امرأة وقفت على رجل من العرب له لحية عظيمة طويلة، فتكلمت بكلام (٢) لم يفهمه العربي، فسأل الترجمان عن مقالتها، فأخبره أنها تمنت أن يكون شعر لحيته في عانتها فغضب الأعرابي وأوسعها سباً، ويورث الرجل منهم أكبر بنيه ماله كله ويحرم الصغير (٣) ، ولو كان أحب إليه، ولهم حذق بالرمي، ويرمون بالسهام المسمومة. الساحل (٤) : بعمل القيروان، وليس بساحل بحر، بل هي بلاد وقرى كثيرة السواد من الزيتون والشجر والكروم، وهي قرى يتصل بعضها ببعض. سابور (٥) : مدينة من مدن فارس، بناها سابور أحد ملوك الفرس الساسانية وسميت باسمه، وهي إحدى البلاد التي كانت عليها حروب المهلب مع الأزارقة، وهي تضاهي اصطخر في هيئتها وأبنيتها لكن سابور أكثر بشراً وعمارة وأهلاً وأوفر حالاً، وبها جامع ومنبر. وحكوا (٦) أن المهلب بن أبي صفرة وعبد الرحمن بن مخنف قصدا الأزارقة برامهرمز بكتاب الحجاج إليهما بذلك، فأجلوهم عن رامهرمز حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية حتى نزلوا بسابور بأرض منها يقال لها كازرون، وسار المهلب وعبد الرحمن حتى نزلوا بهم، فخندق المهلب عليه، قال لعبد الرحمن: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل، وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنما خندقنا بسيوفنا، فزحف الخوارج ليلاً إلى المهلب ليبيتوه فوجدوه قد خندق وقد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه فانهزم عنه أصحابه ونزل فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله، وجاء المهلب فصلى على ابن مخنف وأصحابه وصار جنده في جند المهلب. وقالوا (٧) : وبينا المهلب على المنبر يوم النحر بسابور يخطب الناس إذ أقبلت الأزارقة يقدمها عمرو القنا، فلما رآهم المهلب قال: سبحان الله أفي مثل هذا اليوم؟ ولكن الله تعالى يقول: " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " يا مغيرة اكفنيهم وقدم أمامك سعد بن نجد، ودع الناس وعيدهم، فخرج إليهم المغيرة بن المهلب وأمامه سعد بن نجد الأزدي، وكان متقدماً في شجاعته، وكان الحجاج إذا ظن برجل أنه قد أعجبته نفسه قال: لو كنت سعد بن نجد ما عدا، فتوجه المغيرة وسعد معه وتبعهما جماعة من فرسان المهلب، وتلقاهم عمرو القنا على باب الخندق، وإذا غلام شاب من الخوارج يقال له معاذ، وكان أحد فرسان قطري فأقبل يحمل على الناس وهو يقول: نحن صبحناكم غداة النحر ... بالخيل أمثال الوشيج تجري ... يقدمها عمرو القنا في الفجر ... إلى أناس لهجوا بالكفر ... اليوم أقضي في الدماء نذري ...

стр. 316

فحمل عليه سعد بن نجد فصرعه وقتله، وحمل عمرو القنا ففض الناس، وكانت له فرسان لا تخذله، فقال المغيرة بن المهلب لقطن بن قبيصة الهلالي، وكان سيد قيس، ما ترى يا قطن قال: أرى أن تبارزه فإنك له دون الناس، فحمل عليه المغيرة وشالت رجلاه فحامى عنه من فرسانه ثلاثة كانوا من فرسان قطري: بكر وحطان وعمرو، فما برحوا يطاعنون عنه حتى ركب، وبعث المغيرة بهزيمة القوم إلى المهلب وهو على المنبر لم ينزل بعد. سامان (١) . سامرا: هي سر من رأى وهي بالعراق، بناها المعتصم، وذكر أنها كانت مدينة سام بن نوح وأنها ستعمر بعد الدهور، على يد ملك جليل مظفر منصور، ذلك المعتصم بالله أمير المؤمنين. قالوا (٢) : وسر من رأى هي المدينة الثانية من مدن خلفاء بني العباس سكنها ثمانية منهم، وهم: المعتصم، وهو ابتدأها وأنشأها، والواثق هارون ابنه والمتوكل جعفر بن المعتصم والمنتصر محمد بن المتوكل والمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم والمعتز أبو عبد الله بن المتوكل والمهتدي محمد بن الواثق والمعتمد أحمد بن المتوكل. وكانت سر من رأى في متقدم الزمان صحراء لا عمارة فيها، وكان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة وصار الدير بيت المال، فلما قدم المعتصم من بغداد منصرفه من طرسوس في السنة التي بويع له فيها بالخلافة وهي سنة ثمان عشرة ومائتين نزل دار المأمون ثم بنى داراً في الجانب الشرقي من بغداد وانتقل إليها فأقام بها باقي سنة ثمان عشرة وتسع عشرة وعشرين وإحدى وعشرين ومائتين، وكان معه خلق من الأتراك، وهم يومئذ عجم، وكان يوجه في أيام المأمون إلى سمرقند في شراء الأتراك فكان يقدم عليه في كل سنة منهم جماعة فاجتمع له في أيام المأمون منهم زهاء ثلاثة آلاف غلام، فلما أفضت إليه الخلافة لج في طلبهم واشترى من كان ببغداد منهم من رقيق الناس، فكان في من اشترى منهم من بغداد جملة منهم أشناس، وكان مملوكاً لنعيم بن خازم، وإيتاخ كان مملوكاً لسلام الأبرش، ووصيف وكان زراداً مملوكاً (٣) لابن النعمان الزراد، وسيما الدمشقي وبغا الكبير (٤) وكان مملوكاً للفضل بن سهل، وكان أولاد الأتراك يركبون الدواب ويركضون فيصدمون الناس يميناً وشمالاً، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضاً ويضربون بعضاً، وتذهب دماؤهم هدراً لا يعدون على من فعل ذلك بهم، فثقل على المعتصم ذلك، وعزم على الخروج من بغداد، فخرج إلى الشماسية خارج بغداد، فضاقت عليهم أرض ذلك الموضع، وكره أيضاً قربها من بغداد، فمضى إلى البردان فأقام بها أياماً ثم مر (٥) إلى القاطول فقال: هذا أصلح المواضع، وصير الدير المعروف بالقاطول وسط المدينة وجعل البناء على دجلة وعلى القاطول، وابتدأ البناء وأقطع القواد والكتاب والناس فبنوا حتى ارتفع البناء واختطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة، وسكن هو في بعض ما بني له، ثم قال: أرض القاطول غير طائلة والبناء فيها صعب وليس لأرضها سعة، ثم ركب متصيداً، فمر في صيده حتى صار إلى موضع (٦) سر من رأى، وهي صحراء لا عمارة فيها ولا أنيس إلا دير للنصارى، فوقف بالدير وكلم من فيه من الرهبان فقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقال بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدمة أنه موضع يسمى سر من رأى، وأنه كان مدينة سام بن نوح، وأنه سيعمر بعد الدهور على يدي ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم طيور الفلاة، ينزلها وينزلها ولده، فقال: أنا والله أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد أمر الرشيد يوماً أن يخرج ولده إلى الصيد فخرجوا فخرجت مع محمد والمأمون وأكابر ولد الرشيد واصطاد كل واحد منهم صيداً وصدت بومة ثم انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه، فجعل من كان معنا من الخدم يقول: هذا صيد فلان وهذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي فلما رأى البومة، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها عليه لئلا يتطير بها أو تنالني منه غلظة، فقال: من صاد هذه؟ قالوا أبو إسحاق، فاستبشر وضحك وأظهر السرور ثم قال: إما إنه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه وجوههم مثل هذه

стр. 317

البومة فيبني مدينة وينزلها بهؤلاء القوم وينزلها ولده من بعده، وما سر الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة. ثم عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع فأحضر محمد بن عبد الملك الزيات وغيره وقال لهم: اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض وادفعوا لهم ثمنها أربعة آلاف دينار، ففعلوا ذلك ثم احضروا المهندسين وقالوا: اختاروا أصلح هذه المواضع، فاختاروا عدة مواضع للقصور، وصير إلى كل واحد من أصحابه بناء قصر، فصير إلى خاقان أبي الفتح بن خاقان بناء قصر الجوسق الخاقاني، وإلى عمر بن فرج بناء القصر المعروف بالعمري، ثم خط القطائع للقواد والكتاب، وخط المسجد الجامع ووسعت صفوف الأسواق وجعلت كل تجارة منفردة وكل قوم على حدتهم على ما رسمت عليه أسواق بغداد، وأشخص إليه البناءون والنجارون والحدادون وغيرهم، وسيق إليه الساج وسائر الخشب والجذوع من البصرة وما والاها من بغداد، ومن أنطاكية وسواحل الشام، وسيق إليه الرخام والعمد، فأقيمت باللاذقية دور صناعة للرخام، وأفرد قطائع الأتراك عن قطائع الناس جميعاً وجعلهم معتزلين عنهم لا يختلطون بقوم من المولدين ولا يجاورهم إلا الفراغنة، فأقطع أشناس وأصحابه الموضع المعروف بالكرخ وضم إليه عدة من قواد الأتراك والرجال وأمره أن يبني المساجد والأسواق، وأقطع خاقان وأصحابه مما يلي الجوسق الخاقاني وأمر بضم أصحابه ومنعهم من الاختلاط بالناس، وأقطع وصيفاً وأصحابه وبنى حائطاً سماه حائط الجسر (١) ممتداً وصير قطائع الأتراك جميعاً والفراغنة العجم بعيدة من الأسواق في شوارع واسعة ودروب طوال لا يختلط بهم غيرهم، وزوجهم السراري ومنعهم من التصاهر إلى أحد وأجرى لجواري الأتراك أرزاقاً قائمة وكتب أسماءهن في الديوان فلم يكن أحد يطلق امرأته ولا يفارقها، وجعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت للعامة مما لا بد لهم منه، وامتد بناء الناس من كل ناحية وجعلت الشوارع لقطائع قواد خراسان وأصحابهم من الجند والشاكرية وعن يمين الشوارع ويسارها الدروب وفيها منازل الناس كافة، واتسع الناس في البناء بسر من رأى أكثر من اتساعهم ببغداد وبنوا المنازل الواسعة، إلا أن شربهم جميعاً من دجلة مما يحمل في الروايا على البغال والإبل لأن آبارهم بعيدة الرشاء ملحة الماء فليس لهم اتساع في الماء. وبلغت غلات سر من رأى وأسواقها عشرة آلاف ألف درهم في السنة، وقرب محمل ما يأتي من الميرة من الموصل وسائر ديار ربيعة في السفن في دجلة فصلحت أسعارها. ثم لما فرغ المعتصم من الخطط ومن وضع أساس البناء الشرقي من دجلة، وهو جانب سر من رأى، عقد جسراً إلى الجانب الغربي من دجلة، وصير إلى كل قائد عمارة ناحية من النواحي، وحمل النخل من بغداد والبصرة وسائر النواحي وحملت الغروس من الجزيرة والشام والجبل والري وخراسان وسائر البلدان وكثرت المياه في هذه العمارات في الجانب الشرقي بسر من رأى، وصلح النخل ونبتت الأشجار وزكت الثمار وحسن الريحان والبقل وزرع الناس أصناف البقل والزرع والرياحين فزكا كل ما زرع فيها وغرس لجمام الأرض، حتى بلغ مستغل العمارة بالنهر الإسحاقي والعمري والعربات المحدثة وخراج الجنات والبساتين مائة ألف دينار في السنة، وأقدم المعتصم من كل بلد من يعمل عملاً من الأعمال ويعالج منه من مهن العمارة والزرع والنخل والغروس وهندسة الماء ووزنه واستنباطه، وحمل من مصر صناع القراطيس، ومن البصرة صناع الزجاج والخزف، وجعل لهؤلاء الواصلين من أصحاب المهن قصوراً وأسواقاً فحسنت العمارات ورغب وجوه الناس في أن يكون لهم بها أدنى أرض وتنافسوا في ذاك وبلغ الجريب من الأرض مالاً كبيراً. ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولي الخلافة ابنه هارون الواثق فبنى القصر المعروف بالهاروني على دجلة وانتقل إليه، ثم توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وولي جعفر المتوكل بن المعتصم فنزل الهاروني وآثره على جميع قصور المعتصم، ونزل محمد ابنه المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق وأنزل ابنه إبراهيم المؤيد المطيرة. ني وأمر بضم أصحابه ومنعهم من الاختلاط بالناس، وأقطع وصيفاً وأصحابه وبنى حائطاً سماه حائط الجسر ممتداً وصير قطائع الأتراك جميعاً والفراغنة العجم بعيدة من الأسواق في شوارع واسعة ودروب طوال لا يختلط بهم غيرهم، وزوجهم السراري ومنعهم من التصاهر إلى أحد وأجرى لجواري الأتراك أرزاقاً قائمة وكتب أسماءهن في الديوان فلم يكن أحد يطلق امرأته ولا يفارقها، وجعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت للعامة مما لا بد لهم منه، وامتد بناء الناس من كل ناحية وجعلت الشوارع لقطائع قواد خراسان وأصحابهم من الجند والشاكرية وعن يمين الشوارع ويسارها الدروب وفيها منازل الناس كافة، واتسع الناس في البناء بسر من رأى أكثر من اتساعهم ببغداد وبنوا المنازل الواسعة، إلا أن شربهم جميعاً من دجلة مما يحمل في الروايا على البغال والإبل لأن آبارهم بعيدة الرشاء ملحة الماء فليس لهم اتساع في الماء. وبلغت غلات سر من رأى وأسواقها عشرة آلاف ألف درهم في السنة، وقرب محمل ما يأتي من الميرة من الموصل وسائر ديار ربيعة في السفن في دجلة فصلحت أسعارها. ثم لما فرغ المعتصم من الخطط ومن وضع أساس البناء الشرقي من دجلة، وهو جانب سر من رأى، عقد جسراً إلى الجانب الغربي من دجلة، وصير إلى كل قائد عمارة ناحية من النواحي، وحمل النخل من بغداد والبصرة وسائر النواحي وحملت الغروس من الجزيرة والشام والجبل والري وخراسان وسائر البلدان وكثرت المياه في هذه العمارات في الجانب الشرقي بسر من رأى، وصلح النخل ونبتت الأشجار وزكت الثمار وحسن الريحان والبقل وزرع الناس أصناف البقل والزرع والرياحين فزكا كل ما زرع فيها وغرس لجمام الأرض، حتى بلغ مستغل العمارة بالنهر الإسحاقي والعمري والعربات المحدثة وخراج الجنات والبساتين مائة ألف دينار في السنة، وأقدم المعتصم من كل بلد من يعمل عملاً من الأعمال ويعالج منه من مهن العمارة والزرع والنخل والغروس وهندسة الماء ووزنه واستنباطه، وحمل من مصر صناع القراطيس، ومن البصرة صناع الزجاج والخزف، وجعل لهؤلاء الواصلين من أصحاب المهن قصوراً وأسواقاً فحسنت العمارات ورغب وجوه الناس في أن يكون لهم بها أدنى أرض وتنافسوا في ذاك وبلغ الجريب من الأرض مالاً كبيراً. ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولي الخلافة ابنه هارون الواثق فبنى القصر المعروف بالهاروني على دجلة وانتقل إليه، ثم توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وولي جعفر المتوكل بن المعتصم فنزل الهاروني وآثره على جميع قصور المعتصم، ونزل محمد ابنه المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق وأنزل ابنه إبراهيم المؤيد المطيرة. قالوا (٢) : والسر عند العرب السرور بعينه، فمعنى هذا الاسم سرور من رأى، ويجوز لك في إعرابه ما جاز في حضرموت وبعلبك. ووقع لفظ سامرا في شعر البحتري ممدوداً في قوله: وتركته علماً بسامراء (٣) ... ساكرة (٤) : مدينة من أعمال المنصورة على مقدار يومين من

стр. 318

مدينة الديبل، ويصل إليها مهران السند ويصب في البحر الهندي. سبسطية (١) مدينة للروم في طريق القسطنطينية في ساحل الشام، وهي مدينة عظيمة، فيها اثنا عشر ألف حائك، وعشرون ألف فاجرة على كل واحدة منهن للملك مثقالان ونصف خراجها في العام. سبيطلة هي مدينة قمودة، على سبعين ميلاً من القيروان، وقال عريب: على مسافة يومين من القيروان، قال اليعقوبي (٢) : وهو بلد واسع فيه مدن وحصون، والمدينة القديمة العظمى هي التي يقال لها سبيطلة، وهي كانت مدينة جرجير التي دخلها عليه المسلمون في جيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح في صدر الإسلام، وكان فيهم عبد الله بن الزبير، وكان جرجير الملك أبرز ابنته وحرض رومة على قتال المسلمين، ووعد من قتل عبد الله بن سعد بأن يعطيه ابنته ويشاطره في ملكه، وبلغ ذلك عبد الله بن سعد فحرض المسلمين ووعد من قتل الرومي الملك بأن ينفله ابنته، فقتله عبد الله بن الزبير ونفله ابن سعد ابنته، والخبر طويل مشهور (٣) . سبأ مدينة باليمن هي الآن خراب، وهي مدينة بلقيس صاحبة سليمان ﵇ المذكورة في القرآن، وبها طوائف من اليمن من أهل عمان، وبها كان السد الذي خرقه سيل العرم المذكور في القرآن. قالوا (٤) : ولم تزل أرض سبأ من أخصب أرض، وأهلها في أرغد عيش، وكانت مسيرة شهر للراكب المجد في مثل ذلك، وكان الملك يسير منها جناناً من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا تواجهه الشمس ولا يفارقه الظل مع تدفق المياه وصفاء الهواء واتساع الفضاء، فمكثوا كذلك ما شاء الله لا يعاندهم ملك إلا قصموه، ولا يعارضهم جبار إلا كسروه، وكانت سمة الملك الذي يملك البلد مأرب فاشتهر البلد باسمه قال الشاعر: من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وقيل: إن مأرب سمة قصر الملك في ذلك الزمان وقال أبو الطمحان: ألم تر مأرباً ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان وكانت أرض سبأ في بدء الزمان عامرة تركبها السيول وتعمها الوحول فجمع ملك من ملوك حمير الحكماء وأحضر البصراء وشاورهم في دفع ذلك السيل وإزاحة ما كان من أمره، فأجمعوا على حفر مصارف له إلى برار تؤديه إلى البحار، فحشد الملك لذلك أهل مملكته حتى صرف الماء واتخذ سداً في الموضع الذي كان فيه مبدأ جريان الماء من الجبل إلى الجبل، وذلك نحو فرسخ، رضمه بالحجارة والحديد، وجعل فيه ثلاثين مجرافاً للماء في استدارة الذراع على أصح هندسة وأكمل تقدير، يجتذبون منها مقداراً من الماء معلوماً وشرباً للأرض مقسوماً، وبعث الله إليهم اثني عشر نبياً، وكانوا يعبدون الشمس، فأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى الحق ويزجرونهم عن الباطل ويذكرونهم آلاء الله، فأنكروا نعمة الله وقالوا: إن كنتم صادقين فادعوا الله أن يسلبنا ذلك، حتى قالت امرأة منهم: إن كان ما نصبح في ظلاله ... من ربكم فلينطلق بماله ... إليه عنا وإلى عياله ... فدعت عليهم الرسل، فأرسل الله عليهم السيل بفأرة خرقت ذلك السد المحكم والصخر المرضم ليكون ذلك أثبت في العبرة، فأباد الله خضراءهم وأذهب أموالهم ومزقوا كل ممزق وباعد بين أسفارهم؛ وأول ما تكهن سطيح الغساني في أمر سيل العرم، وكان عمرو بن عامر بلغه علم ذلك فرأى يوماً جرذاً يقل برجله صخرة ما يقلها خمسون رجلاً، فرجع وهو يقول: أبصرت أمراً هاج لي برح السقم ... يسحب فهراً من جلاميد العرم ... فأجمع على الخروج من أرض سبأ وبيع ماله بها وأعمل الحيلة

стр. 319

في ذلك، وتم له ذلك ثم أنذر الناس فتفرقوا أيادي سبا وتمزقوا كل ممزق، وبعض هذا مذكور في ذكر مأرب. سبتة (١) : مدينة عظيمة على الخليج الرومي المعروف بالزقاق، وهو أول البحر الشامي المنتهي إلى مدينة صور من أرض الشام، وهي تقابل الجزيرة الخضراء والمعروف أنها مفتوحة السين والنسب إليها بكسرها مثل بصرة وبصري والبحر يحيط بسبتة شرقاً وجوفاً وقبلة، وليس لها إلى البر غير طريق واحدة من ناحية الغرب لو شاء أهلها أن يقطعوه قطعوه، ولها بابان أحدهما محدث، ولها من جهات البحر أبواب كثيرة، وفي آخر المدينة بشرقيها جبل كبير فيه شعراء كثيفة يسمى جبل المينا (٢) ، وقد كان عبد الملك بن أبي عامر (٣) أمر أن تبنى بهذا الجبل مدينة ينقل إليها أهل سبتة، فبنى سورها ومات ولم يتم له المراد، والسور باق إلى الآن كأنه بني بالأمس وهو يظهر من بر الأندلس لبياضه، ومن غرائب ما في ذلك السور أن فيه شقة مستطيلة بأبراجها مبنية بالزيت عوضاً عن الماء، وكان غرضه إتمام عمله على هذا النعت لولا الإنفاق الكثير، فإن البناء بالزيت أصلب وأبقى على مرور الدهر فلم يساعده الأجل. وسبتة (٤) سبعة أجبل صغار متصلة بعضها ببعض، معمورة، طولها من المشرق إلى المغرب نحو ميل، ويتصل بها من جهة المغرب وعلى ميلين منها جبل موسى، وهذا الجبل منسوب إلى موسى بن نصير الذي على يديه كان افتتاح الأندلس في صدر الإسلام، وتجاوره جنات وبساتين وأشجار وقرى كثيرة وقصب سكر وأترج يتجهز به إلى ما جاور سبتة من البلاد، وهو الموضع المسمى بليونش وبه مياه جارية وعيون مطردة وخصب زائد، ويلي المدينة من جهة المشرق جبل عال أعلاه بسيط، في أعلاه سور بناه محمد بن أبي عامر حين جاز إليها من الأندلس، وأراد أن ينقل المدينة إلى أعلى هذا الجبل عند فراغه من بناء أسوارها، وعجز أهل سبتة عن الانتقال، فمكثوا في مدينتهم وبقيت المدينة خالية (٥) وأسوارها قائمة قد نبت حطب الشعراء فيها، وهذه الأسوار تظهر من عدوة الأندلس لبياضها. وسبتة (٦) مدينة قديمة سكنها الأول، وفيها آثار كثيرة وكان لها ماء، مجلوب من نهر على ثلاثة أميال منها، يجري إليها من قناة مع ضفة البحر القبلي فكان يدخل كنيستها التي هي الآن جامع سبتة، وكان يوسف بن عبد المؤمن، سنة ثمانين وخمسمائة، أراد أن يجلب الماء إليها من قرية بليونش (٧) على ستة أميال من سبتة في قناة تحت الأرض على حسب ما فعله الأوائل في قناة قرطاجنة، وشرع في عمل ذلك ثم اقتصر عليه، وعلى قرية بليونش جبل عظيم فيه القردة، عبر من تحته موسى بن نصير إلى ساحل طريف، وكان عليه حصن هدمته مصمودة المجاورون له، ثم بناه الناصر عبد الرحمن المرواني فهدموه ثانية، وتحته أرض خصيبة فيها مياه عذبة وعليه قرية تعرف بقصر مصمودة، ولها نهر يصب في البحر عذب. والبحر (٨) يحيط بسبتة من جميع جهاتها إلا من جهة الغرب، فإن البحر يكاد يلتقي ولا يبقى بينهما إلا أقل من رمية قوس. وبسبتة مصايد للحوت، ويصاد بها منه نحو مائة نوع، ويصاد بها التن زرقاً بالرماح وفي أسنتها أجنحة تثبت (٩) في الحوت ولا تخرج وفي أطراف عصيها شرائط القنب الطوال ولهم في ذلك دربة وحكمة، ويصاد بها أيضاً شجر المرجان الذي لا يعدله مرجان، وبها سوق لتفصيله وحكه وثقبه وتنظيفه. قالوا: وتظهر سبتة عند صفاء البحر من الجزيرة الخضراء، ولذلك قال بعض المتأخرين (١٠) : لما حططت بسبتة قتب النوى ... والقلب يرجو أن يحول حاله

стр. 320

أبصرت من بلد الجزيرة مكنساً ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله كالشكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعز مناله السبخة ١ -: موضع بالمدينة، بين موضع الخندق وبين سلع، وبها جالت خيل المشركين وقد اقتحمت من مكان ضيق في الخندق منهم عمرو بن عبد ود، فقتله علي بن أبي طالب ﵁. والسبخة (٢) أيضاً موضع بالعراق فيه كانت وقيعة السبخة التي أوقع فيها المختار بن أبي عبيد الثقفي بقتلة الحسين بن علي ﵄ وكان بعثه الله تعالى نقمة عليهم فقتل منهم بشراً كثيراً، ولما أظفره الله بقتلة الحسين ﵁ أظهر العتو وادعى النبوة، وكانت هذه الوقيعة التي أوقع بهم فيها تعرف بوقيعة السبخة، وقتل فيها ربيعة بن شداد بن عوسجة وهرب الشمر بن ذي الجوشن ثم عثر عليه ليلاً فقتل، وقتل الذي جاء برأس الحسين وحرق بالنار، ووجه المختار أبا عمرة صاحب حرسه إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله وجاء برأسه إلى المختار، وابنه حفص جالس عنده فقال له: أتعرف هذا؟ قال: نعم ولا خير في الحياة بعده، قال: صدقت، فأمر به فقتل، ثم قال المختار: هذا بحسين بن علي وهذا بعلي بن حسين ولا سواء، والله لو قتلت منهم كذا لما وفوا بأنملة من أنامله. ثم بعث المختار برأس عمر بن سعد إلى المدينة حتى ألقي بين يدي علي بن الحسين فخر ساجداً، وفي الخبر طول. سبيبة (٣) : من القيروان إلى وادي الرمل أربعون ميلاً، ومنها إلى سبيبة، وهي مدينة أولية ذات أنهار وثمار، ومياهها سائحة تطحن عليها الأرحاء، وكانت على نظر كبير ومزدرعات كثيرة وقرى عامرة. ولها (٤) سور حجارة وربض فيه الخانات والأسواق. وتسكنها (٥) اليوم قبائل من البربر والعرب ويسمى ذلك النظر القرى، ولم يكن بإفريقية أخصب أرضاً منها ولا أكثر بساتين ومياهاً وعيوناً جارية. وبمدينة سبيبة عين عظيمة كبيرة من بنيان قديم من عمل الأول، ويقال إن فيها خبئاً، ومن أطرف ما يهتف به أهلها أنهم يقولون إنه يوجد فيها في رأس كل شهر دينار كبير وزنه عشرة مثاقيل، ولا يصل إليه ويأخذه إلا من يعرف رقية العين، ويقولون إن رجلاً كان يعرف رقية العين وكان يبخرها ببخور ويرقي بكلام غير مفهوم، فكان يجد فيها كل يوم ديناراً من تلك الدنانير حتى كسب من ذلك مالاً كثيراً. وبسبيبة كان التقاء جند زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب القيروان وجند منصور الطنبذي (٦) ، وكانت إفريقية قد انتقضت عليه وحكم كل رئيس على جهته، فتقاتل زيادة الله ومنصور الطنبذي قتالاً عظيماً وانهزم أصحاب زيادة الله واستفحل أمر القواد واستولوا على إفريقية، وفي هذه الوقيعة خاف زيادة الله على ملكه وتوقع انقطاع دولته وبلغ، ذلك منه كل مبلغ فدخلت عليه أمه فصبرته وسهلت عليه الأمر، ففكر ساعة ثم رفع رأسه فأنشدها أبياتاً فيها (٧) : أفنت سبيبة كل قرم باسل ... ومن العبيد جحاجحاً أبطالا فإذا ذكرت مصابنا بسبيبة ... فابكي جلاجل واندبي إعوالا (٨) سجستان: بلد جليل له من الكور مثل ما بخراسان وأكثر، غير أنها منقطعة متصلة ببلاد السند والهند، وكان يضاهي خراسان. وهم ينتفعون (٩) بالقنافذ كانتفاع أهل اليمامة بالحفاث، وفي عهد سجستان ألا يقتل قنقذ في بلادهم لأن بلدهم كثير الرمل بناه
следующие страницы →