← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فحمل عليه سعد بن نجد فصرعه وقتله، وحمل عمرو القنا ففض الناس، وكانت له فرسان لا تخذله، فقال المغيرة بن المهلب لقطن بن قبيصة الهلالي، وكان سيد قيس، ما ترى يا قطن قال: أرى أن تبارزه فإنك له دون الناس، فحمل عليه المغيرة وشالت رجلاه فحامى عنه من فرسانه ثلاثة كانوا من فرسان قطري: بكر وحطان وعمرو، فما برحوا يطاعنون عنه حتى ركب، وبعث المغيرة بهزيمة القوم إلى المهلب وهو على المنبر لم ينزل بعد. سامان (١) . سامرا: هي سر من رأى وهي بالعراق، بناها المعتصم، وذكر أنها كانت مدينة سام بن نوح وأنها ستعمر بعد الدهور، على يد ملك جليل مظفر منصور، ذلك المعتصم بالله أمير المؤمنين. قالوا (٢) : وسر من رأى هي المدينة الثانية من مدن خلفاء بني العباس سكنها ثمانية منهم، وهم: المعتصم، وهو ابتدأها وأنشأها، والواثق هارون ابنه والمتوكل جعفر بن المعتصم والمنتصر محمد بن المتوكل والمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم والمعتز أبو عبد الله بن المتوكل والمهتدي محمد بن الواثق والمعتمد أحمد بن المتوكل. وكانت سر من رأى في متقدم الزمان صحراء لا عمارة فيها، وكان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة وصار الدير بيت المال، فلما قدم المعتصم من بغداد منصرفه من طرسوس في السنة التي بويع له فيها بالخلافة وهي سنة ثمان عشرة ومائتين نزل دار المأمون ثم بنى داراً في الجانب الشرقي من بغداد وانتقل إليها فأقام بها باقي سنة ثمان عشرة وتسع عشرة وعشرين وإحدى وعشرين ومائتين، وكان معه خلق من الأتراك، وهم يومئذ عجم، وكان يوجه في أيام المأمون إلى سمرقند في شراء الأتراك فكان يقدم عليه في كل سنة منهم جماعة فاجتمع له في أيام المأمون منهم زهاء ثلاثة آلاف غلام، فلما أفضت إليه الخلافة لج في طلبهم واشترى من كان ببغداد منهم من رقيق الناس، فكان في من اشترى منهم من بغداد جملة منهم أشناس، وكان مملوكاً لنعيم بن خازم، وإيتاخ كان مملوكاً لسلام الأبرش، ووصيف وكان زراداً مملوكاً (٣) لابن النعمان الزراد، وسيما الدمشقي وبغا الكبير (٤) وكان مملوكاً للفضل بن سهل، وكان أولاد الأتراك يركبون الدواب ويركضون فيصدمون الناس يميناً وشمالاً، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضاً ويضربون بعضاً، وتذهب دماؤهم هدراً لا يعدون على من فعل ذلك بهم، فثقل على المعتصم ذلك، وعزم على الخروج من بغداد، فخرج إلى الشماسية خارج بغداد، فضاقت عليهم أرض ذلك الموضع، وكره أيضاً قربها من بغداد، فمضى إلى البردان فأقام بها أياماً ثم مر (٥) إلى القاطول فقال: هذا أصلح المواضع، وصير الدير المعروف بالقاطول وسط المدينة وجعل البناء على دجلة وعلى القاطول، وابتدأ البناء وأقطع القواد والكتاب والناس فبنوا حتى ارتفع البناء واختطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة، وسكن هو في بعض ما بني له، ثم قال: أرض القاطول غير طائلة والبناء فيها صعب وليس لأرضها سعة، ثم ركب متصيداً، فمر في صيده حتى صار إلى موضع (٦) سر من رأى، وهي صحراء لا عمارة فيها ولا أنيس إلا دير للنصارى، فوقف بالدير وكلم من فيه من الرهبان فقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقال بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدمة أنه موضع يسمى سر من رأى، وأنه كان مدينة سام بن نوح، وأنه سيعمر بعد الدهور على يدي ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم طيور الفلاة، ينزلها وينزلها ولده، فقال: أنا والله أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد أمر الرشيد يوماً أن يخرج ولده إلى الصيد فخرجوا فخرجت مع محمد والمأمون وأكابر ولد الرشيد واصطاد كل واحد منهم صيداً وصدت بومة ثم انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه، فجعل من كان معنا من الخدم يقول: هذا صيد فلان وهذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي فلما رأى البومة، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها عليه لئلا يتطير بها أو تنالني منه غلظة، فقال: من صاد هذه؟ قالوا أبو إسحاق، فاستبشر وضحك وأظهر السرور ثم قال: إما إنه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه وجوههم مثل هذه

стр. 317

البومة فيبني مدينة وينزلها بهؤلاء القوم وينزلها ولده من بعده، وما سر الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة. ثم عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع فأحضر محمد بن عبد الملك الزيات وغيره وقال لهم: اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض وادفعوا لهم ثمنها أربعة آلاف دينار، ففعلوا ذلك ثم احضروا المهندسين وقالوا: اختاروا أصلح هذه المواضع، فاختاروا عدة مواضع للقصور، وصير إلى كل واحد من أصحابه بناء قصر، فصير إلى خاقان أبي الفتح بن خاقان بناء قصر الجوسق الخاقاني، وإلى عمر بن فرج بناء القصر المعروف بالعمري، ثم خط القطائع للقواد والكتاب، وخط المسجد الجامع ووسعت صفوف الأسواق وجعلت كل تجارة منفردة وكل قوم على حدتهم على ما رسمت عليه أسواق بغداد، وأشخص إليه البناءون والنجارون والحدادون وغيرهم، وسيق إليه الساج وسائر الخشب والجذوع من البصرة وما والاها من بغداد، ومن أنطاكية وسواحل الشام، وسيق إليه الرخام والعمد، فأقيمت باللاذقية دور صناعة للرخام، وأفرد قطائع الأتراك عن قطائع الناس جميعاً وجعلهم معتزلين عنهم لا يختلطون بقوم من المولدين ولا يجاورهم إلا الفراغنة، فأقطع أشناس وأصحابه الموضع المعروف بالكرخ وضم إليه عدة من قواد الأتراك والرجال وأمره أن يبني المساجد والأسواق، وأقطع خاقان وأصحابه مما يلي الجوسق الخاقاني وأمر بضم أصحابه ومنعهم من الاختلاط بالناس، وأقطع وصيفاً وأصحابه وبنى حائطاً سماه حائط الجسر (١) ممتداً وصير قطائع الأتراك جميعاً والفراغنة العجم بعيدة من الأسواق في شوارع واسعة ودروب طوال لا يختلط بهم غيرهم، وزوجهم السراري ومنعهم من التصاهر إلى أحد وأجرى لجواري الأتراك أرزاقاً قائمة وكتب أسماءهن في الديوان فلم يكن أحد يطلق امرأته ولا يفارقها، وجعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت للعامة مما لا بد لهم منه، وامتد بناء الناس من كل ناحية وجعلت الشوارع لقطائع قواد خراسان وأصحابهم من الجند والشاكرية وعن يمين الشوارع ويسارها الدروب وفيها منازل الناس كافة، واتسع الناس في البناء بسر من رأى أكثر من اتساعهم ببغداد وبنوا المنازل الواسعة، إلا أن شربهم جميعاً من دجلة مما يحمل في الروايا على البغال والإبل لأن آبارهم بعيدة الرشاء ملحة الماء فليس لهم اتساع في الماء. وبلغت غلات سر من رأى وأسواقها عشرة آلاف ألف درهم في السنة، وقرب محمل ما يأتي من الميرة من الموصل وسائر ديار ربيعة في السفن في دجلة فصلحت أسعارها. ثم لما فرغ المعتصم من الخطط ومن وضع أساس البناء الشرقي من دجلة، وهو جانب سر من رأى، عقد جسراً إلى الجانب الغربي من دجلة، وصير إلى كل قائد عمارة ناحية من النواحي، وحمل النخل من بغداد والبصرة وسائر النواحي وحملت الغروس من الجزيرة والشام والجبل والري وخراسان وسائر البلدان وكثرت المياه في هذه العمارات في الجانب الشرقي بسر من رأى، وصلح النخل ونبتت الأشجار وزكت الثمار وحسن الريحان والبقل وزرع الناس أصناف البقل والزرع والرياحين فزكا كل ما زرع فيها وغرس لجمام الأرض، حتى بلغ مستغل العمارة بالنهر الإسحاقي والعمري والعربات المحدثة وخراج الجنات والبساتين مائة ألف دينار في السنة، وأقدم المعتصم من كل بلد من يعمل عملاً من الأعمال ويعالج منه من مهن العمارة والزرع والنخل والغروس وهندسة الماء ووزنه واستنباطه، وحمل من مصر صناع القراطيس، ومن البصرة صناع الزجاج والخزف، وجعل لهؤلاء الواصلين من أصحاب المهن قصوراً وأسواقاً فحسنت العمارات ورغب وجوه الناس في أن يكون لهم بها أدنى أرض وتنافسوا في ذاك وبلغ الجريب من الأرض مالاً كبيراً. ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولي الخلافة ابنه هارون الواثق فبنى القصر المعروف بالهاروني على دجلة وانتقل إليه، ثم توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وولي جعفر المتوكل بن المعتصم فنزل الهاروني وآثره على جميع قصور المعتصم، ونزل محمد ابنه المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق وأنزل ابنه إبراهيم المؤيد المطيرة. ني وأمر بضم أصحابه ومنعهم من الاختلاط بالناس، وأقطع وصيفاً وأصحابه وبنى حائطاً سماه حائط الجسر ممتداً وصير قطائع الأتراك جميعاً والفراغنة العجم بعيدة من الأسواق في شوارع واسعة ودروب طوال لا يختلط بهم غيرهم، وزوجهم السراري ومنعهم من التصاهر إلى أحد وأجرى لجواري الأتراك أرزاقاً قائمة وكتب أسماءهن في الديوان فلم يكن أحد يطلق امرأته ولا يفارقها، وجعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت للعامة مما لا بد لهم منه، وامتد بناء الناس من كل ناحية وجعلت الشوارع لقطائع قواد خراسان وأصحابهم من الجند والشاكرية وعن يمين الشوارع ويسارها الدروب وفيها منازل الناس كافة، واتسع الناس في البناء بسر من رأى أكثر من اتساعهم ببغداد وبنوا المنازل الواسعة، إلا أن شربهم جميعاً من دجلة مما يحمل في الروايا على البغال والإبل لأن آبارهم بعيدة الرشاء ملحة الماء فليس لهم اتساع في الماء. وبلغت غلات سر من رأى وأسواقها عشرة آلاف ألف درهم في السنة، وقرب محمل ما يأتي من الميرة من الموصل وسائر ديار ربيعة في السفن في دجلة فصلحت أسعارها. ثم لما فرغ المعتصم من الخطط ومن وضع أساس البناء الشرقي من دجلة، وهو جانب سر من رأى، عقد جسراً إلى الجانب الغربي من دجلة، وصير إلى كل قائد عمارة ناحية من النواحي، وحمل النخل من بغداد والبصرة وسائر النواحي وحملت الغروس من الجزيرة والشام والجبل والري وخراسان وسائر البلدان وكثرت المياه في هذه العمارات في الجانب الشرقي بسر من رأى، وصلح النخل ونبتت الأشجار وزكت الثمار وحسن الريحان والبقل وزرع الناس أصناف البقل والزرع والرياحين فزكا كل ما زرع فيها وغرس لجمام الأرض، حتى بلغ مستغل العمارة بالنهر الإسحاقي والعمري والعربات المحدثة وخراج الجنات والبساتين مائة ألف دينار في السنة، وأقدم المعتصم من كل بلد من يعمل عملاً من الأعمال ويعالج منه من مهن العمارة والزرع والنخل والغروس وهندسة الماء ووزنه واستنباطه، وحمل من مصر صناع القراطيس، ومن البصرة صناع الزجاج والخزف، وجعل لهؤلاء الواصلين من أصحاب المهن قصوراً وأسواقاً فحسنت العمارات ورغب وجوه الناس في أن يكون لهم بها أدنى أرض وتنافسوا في ذاك وبلغ الجريب من الأرض مالاً كبيراً. ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولي الخلافة ابنه هارون الواثق فبنى القصر المعروف بالهاروني على دجلة وانتقل إليه، ثم توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وولي جعفر المتوكل بن المعتصم فنزل الهاروني وآثره على جميع قصور المعتصم، ونزل محمد ابنه المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق وأنزل ابنه إبراهيم المؤيد المطيرة. قالوا (٢) : والسر عند العرب السرور بعينه، فمعنى هذا الاسم سرور من رأى، ويجوز لك في إعرابه ما جاز في حضرموت وبعلبك. ووقع لفظ سامرا في شعر البحتري ممدوداً في قوله: وتركته علماً بسامراء (٣) ... ساكرة (٤) : مدينة من أعمال المنصورة على مقدار يومين من

стр. 318

مدينة الديبل، ويصل إليها مهران السند ويصب في البحر الهندي. سبسطية (١) مدينة للروم في طريق القسطنطينية في ساحل الشام، وهي مدينة عظيمة، فيها اثنا عشر ألف حائك، وعشرون ألف فاجرة على كل واحدة منهن للملك مثقالان ونصف خراجها في العام. سبيطلة هي مدينة قمودة، على سبعين ميلاً من القيروان، وقال عريب: على مسافة يومين من القيروان، قال اليعقوبي (٢) : وهو بلد واسع فيه مدن وحصون، والمدينة القديمة العظمى هي التي يقال لها سبيطلة، وهي كانت مدينة جرجير التي دخلها عليه المسلمون في جيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح في صدر الإسلام، وكان فيهم عبد الله بن الزبير، وكان جرجير الملك أبرز ابنته وحرض رومة على قتال المسلمين، ووعد من قتل عبد الله بن سعد بأن يعطيه ابنته ويشاطره في ملكه، وبلغ ذلك عبد الله بن سعد فحرض المسلمين ووعد من قتل الرومي الملك بأن ينفله ابنته، فقتله عبد الله بن الزبير ونفله ابن سعد ابنته، والخبر طويل مشهور (٣) . سبأ مدينة باليمن هي الآن خراب، وهي مدينة بلقيس صاحبة سليمان ﵇ المذكورة في القرآن، وبها طوائف من اليمن من أهل عمان، وبها كان السد الذي خرقه سيل العرم المذكور في القرآن. قالوا (٤) : ولم تزل أرض سبأ من أخصب أرض، وأهلها في أرغد عيش، وكانت مسيرة شهر للراكب المجد في مثل ذلك، وكان الملك يسير منها جناناً من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا تواجهه الشمس ولا يفارقه الظل مع تدفق المياه وصفاء الهواء واتساع الفضاء، فمكثوا كذلك ما شاء الله لا يعاندهم ملك إلا قصموه، ولا يعارضهم جبار إلا كسروه، وكانت سمة الملك الذي يملك البلد مأرب فاشتهر البلد باسمه قال الشاعر: من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وقيل: إن مأرب سمة قصر الملك في ذلك الزمان وقال أبو الطمحان: ألم تر مأرباً ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان وكانت أرض سبأ في بدء الزمان عامرة تركبها السيول وتعمها الوحول فجمع ملك من ملوك حمير الحكماء وأحضر البصراء وشاورهم في دفع ذلك السيل وإزاحة ما كان من أمره، فأجمعوا على حفر مصارف له إلى برار تؤديه إلى البحار، فحشد الملك لذلك أهل مملكته حتى صرف الماء واتخذ سداً في الموضع الذي كان فيه مبدأ جريان الماء من الجبل إلى الجبل، وذلك نحو فرسخ، رضمه بالحجارة والحديد، وجعل فيه ثلاثين مجرافاً للماء في استدارة الذراع على أصح هندسة وأكمل تقدير، يجتذبون منها مقداراً من الماء معلوماً وشرباً للأرض مقسوماً، وبعث الله إليهم اثني عشر نبياً، وكانوا يعبدون الشمس، فأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى الحق ويزجرونهم عن الباطل ويذكرونهم آلاء الله، فأنكروا نعمة الله وقالوا: إن كنتم صادقين فادعوا الله أن يسلبنا ذلك، حتى قالت امرأة منهم: إن كان ما نصبح في ظلاله ... من ربكم فلينطلق بماله ... إليه عنا وإلى عياله ... فدعت عليهم الرسل، فأرسل الله عليهم السيل بفأرة خرقت ذلك السد المحكم والصخر المرضم ليكون ذلك أثبت في العبرة، فأباد الله خضراءهم وأذهب أموالهم ومزقوا كل ممزق وباعد بين أسفارهم؛ وأول ما تكهن سطيح الغساني في أمر سيل العرم، وكان عمرو بن عامر بلغه علم ذلك فرأى يوماً جرذاً يقل برجله صخرة ما يقلها خمسون رجلاً، فرجع وهو يقول: أبصرت أمراً هاج لي برح السقم ... يسحب فهراً من جلاميد العرم ... فأجمع على الخروج من أرض سبأ وبيع ماله بها وأعمل الحيلة

стр. 319

في ذلك، وتم له ذلك ثم أنذر الناس فتفرقوا أيادي سبا وتمزقوا كل ممزق، وبعض هذا مذكور في ذكر مأرب. سبتة (١) : مدينة عظيمة على الخليج الرومي المعروف بالزقاق، وهو أول البحر الشامي المنتهي إلى مدينة صور من أرض الشام، وهي تقابل الجزيرة الخضراء والمعروف أنها مفتوحة السين والنسب إليها بكسرها مثل بصرة وبصري والبحر يحيط بسبتة شرقاً وجوفاً وقبلة، وليس لها إلى البر غير طريق واحدة من ناحية الغرب لو شاء أهلها أن يقطعوه قطعوه، ولها بابان أحدهما محدث، ولها من جهات البحر أبواب كثيرة، وفي آخر المدينة بشرقيها جبل كبير فيه شعراء كثيفة يسمى جبل المينا (٢) ، وقد كان عبد الملك بن أبي عامر (٣) أمر أن تبنى بهذا الجبل مدينة ينقل إليها أهل سبتة، فبنى سورها ومات ولم يتم له المراد، والسور باق إلى الآن كأنه بني بالأمس وهو يظهر من بر الأندلس لبياضه، ومن غرائب ما في ذلك السور أن فيه شقة مستطيلة بأبراجها مبنية بالزيت عوضاً عن الماء، وكان غرضه إتمام عمله على هذا النعت لولا الإنفاق الكثير، فإن البناء بالزيت أصلب وأبقى على مرور الدهر فلم يساعده الأجل. وسبتة (٤) سبعة أجبل صغار متصلة بعضها ببعض، معمورة، طولها من المشرق إلى المغرب نحو ميل، ويتصل بها من جهة المغرب وعلى ميلين منها جبل موسى، وهذا الجبل منسوب إلى موسى بن نصير الذي على يديه كان افتتاح الأندلس في صدر الإسلام، وتجاوره جنات وبساتين وأشجار وقرى كثيرة وقصب سكر وأترج يتجهز به إلى ما جاور سبتة من البلاد، وهو الموضع المسمى بليونش وبه مياه جارية وعيون مطردة وخصب زائد، ويلي المدينة من جهة المشرق جبل عال أعلاه بسيط، في أعلاه سور بناه محمد بن أبي عامر حين جاز إليها من الأندلس، وأراد أن ينقل المدينة إلى أعلى هذا الجبل عند فراغه من بناء أسوارها، وعجز أهل سبتة عن الانتقال، فمكثوا في مدينتهم وبقيت المدينة خالية (٥) وأسوارها قائمة قد نبت حطب الشعراء فيها، وهذه الأسوار تظهر من عدوة الأندلس لبياضها. وسبتة (٦) مدينة قديمة سكنها الأول، وفيها آثار كثيرة وكان لها ماء، مجلوب من نهر على ثلاثة أميال منها، يجري إليها من قناة مع ضفة البحر القبلي فكان يدخل كنيستها التي هي الآن جامع سبتة، وكان يوسف بن عبد المؤمن، سنة ثمانين وخمسمائة، أراد أن يجلب الماء إليها من قرية بليونش (٧) على ستة أميال من سبتة في قناة تحت الأرض على حسب ما فعله الأوائل في قناة قرطاجنة، وشرع في عمل ذلك ثم اقتصر عليه، وعلى قرية بليونش جبل عظيم فيه القردة، عبر من تحته موسى بن نصير إلى ساحل طريف، وكان عليه حصن هدمته مصمودة المجاورون له، ثم بناه الناصر عبد الرحمن المرواني فهدموه ثانية، وتحته أرض خصيبة فيها مياه عذبة وعليه قرية تعرف بقصر مصمودة، ولها نهر يصب في البحر عذب. والبحر (٨) يحيط بسبتة من جميع جهاتها إلا من جهة الغرب، فإن البحر يكاد يلتقي ولا يبقى بينهما إلا أقل من رمية قوس. وبسبتة مصايد للحوت، ويصاد بها منه نحو مائة نوع، ويصاد بها التن زرقاً بالرماح وفي أسنتها أجنحة تثبت (٩) في الحوت ولا تخرج وفي أطراف عصيها شرائط القنب الطوال ولهم في ذلك دربة وحكمة، ويصاد بها أيضاً شجر المرجان الذي لا يعدله مرجان، وبها سوق لتفصيله وحكه وثقبه وتنظيفه. قالوا: وتظهر سبتة عند صفاء البحر من الجزيرة الخضراء، ولذلك قال بعض المتأخرين (١٠) : لما حططت بسبتة قتب النوى ... والقلب يرجو أن يحول حاله

стр. 320

أبصرت من بلد الجزيرة مكنساً ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله كالشكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعز مناله السبخة ١ -: موضع بالمدينة، بين موضع الخندق وبين سلع، وبها جالت خيل المشركين وقد اقتحمت من مكان ضيق في الخندق منهم عمرو بن عبد ود، فقتله علي بن أبي طالب ﵁. والسبخة (٢) أيضاً موضع بالعراق فيه كانت وقيعة السبخة التي أوقع فيها المختار بن أبي عبيد الثقفي بقتلة الحسين بن علي ﵄ وكان بعثه الله تعالى نقمة عليهم فقتل منهم بشراً كثيراً، ولما أظفره الله بقتلة الحسين ﵁ أظهر العتو وادعى النبوة، وكانت هذه الوقيعة التي أوقع بهم فيها تعرف بوقيعة السبخة، وقتل فيها ربيعة بن شداد بن عوسجة وهرب الشمر بن ذي الجوشن ثم عثر عليه ليلاً فقتل، وقتل الذي جاء برأس الحسين وحرق بالنار، ووجه المختار أبا عمرة صاحب حرسه إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله وجاء برأسه إلى المختار، وابنه حفص جالس عنده فقال له: أتعرف هذا؟ قال: نعم ولا خير في الحياة بعده، قال: صدقت، فأمر به فقتل، ثم قال المختار: هذا بحسين بن علي وهذا بعلي بن حسين ولا سواء، والله لو قتلت منهم كذا لما وفوا بأنملة من أنامله. ثم بعث المختار برأس عمر بن سعد إلى المدينة حتى ألقي بين يدي علي بن الحسين فخر ساجداً، وفي الخبر طول. سبيبة (٣) : من القيروان إلى وادي الرمل أربعون ميلاً، ومنها إلى سبيبة، وهي مدينة أولية ذات أنهار وثمار، ومياهها سائحة تطحن عليها الأرحاء، وكانت على نظر كبير ومزدرعات كثيرة وقرى عامرة. ولها (٤) سور حجارة وربض فيه الخانات والأسواق. وتسكنها (٥) اليوم قبائل من البربر والعرب ويسمى ذلك النظر القرى، ولم يكن بإفريقية أخصب أرضاً منها ولا أكثر بساتين ومياهاً وعيوناً جارية. وبمدينة سبيبة عين عظيمة كبيرة من بنيان قديم من عمل الأول، ويقال إن فيها خبئاً، ومن أطرف ما يهتف به أهلها أنهم يقولون إنه يوجد فيها في رأس كل شهر دينار كبير وزنه عشرة مثاقيل، ولا يصل إليه ويأخذه إلا من يعرف رقية العين، ويقولون إن رجلاً كان يعرف رقية العين وكان يبخرها ببخور ويرقي بكلام غير مفهوم، فكان يجد فيها كل يوم ديناراً من تلك الدنانير حتى كسب من ذلك مالاً كثيراً. وبسبيبة كان التقاء جند زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب القيروان وجند منصور الطنبذي (٦) ، وكانت إفريقية قد انتقضت عليه وحكم كل رئيس على جهته، فتقاتل زيادة الله ومنصور الطنبذي قتالاً عظيماً وانهزم أصحاب زيادة الله واستفحل أمر القواد واستولوا على إفريقية، وفي هذه الوقيعة خاف زيادة الله على ملكه وتوقع انقطاع دولته وبلغ، ذلك منه كل مبلغ فدخلت عليه أمه فصبرته وسهلت عليه الأمر، ففكر ساعة ثم رفع رأسه فأنشدها أبياتاً فيها (٧) : أفنت سبيبة كل قرم باسل ... ومن العبيد جحاجحاً أبطالا فإذا ذكرت مصابنا بسبيبة ... فابكي جلاجل واندبي إعوالا (٨) سجستان: بلد جليل له من الكور مثل ما بخراسان وأكثر، غير أنها منقطعة متصلة ببلاد السند والهند، وكان يضاهي خراسان. وهم ينتفعون (٩) بالقنافذ كانتفاع أهل اليمامة بالحفاث، وفي عهد سجستان ألا يقتل قنقذ في بلادهم لأن بلدهم كثير الرمل بناه

стр. 321

ذو القرنين في مطافه، وهو كثير الأفاعي والحيات، ولولا كثرة القنافذ لتلف من هنالك. قال أصحاب المغازي (١) : قصد عاصم بن عمرو سجستان ولحقه عبد الله بن عمير فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم ثم اتبعوهم حتى حصروهم بزرنج، ومخر المسلمون سجستان ما شاء الله، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوه من الأرضين، فأعطاهم ذلك المسلمون، وكان فيما شرطوه من صلحهم أن قنافذها (٢) حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروها خشية أن يصيبوا منها فيخفروا، وأقيم أهل سجستان على الخراج، وكانت سجستان أعظم من خراسان، وأبعد فروجاً، يقاتلون القندهار والترك وأمماً كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله، فلم تزل أعظم البلدين وأصعب الفرجين وأكثرهما عدداً وجنداً حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بن زياد وهو يومئذ عامل سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم تلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يرى أنه قد فتح عليه، فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة ومضايق، وهؤلاء قوم غدر نكر، فيضطرب عليهما الحبل غداً، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها، وتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل وخافه أخوه، فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج فغزاها، فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة. قالوا: وصار رتبيل والذين جاءوا معه فنزلوا تلك البلاد فلم تنتزع إلى اليوم، وقد كانت البلاد مذللة إلى أن مات معاوية. ومن سجستان أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسماعيل بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني صاحب كتاب " السنن "، توفي بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين. وبسجستان قتلت الخوارج معن بن زائدة فتكاً به سنة اثنتين وخمسين ومائة، وكان معن أحد الأجواد، وقف عليه أعرابي فقال له: جعلت قصدك سببي إليك، وكرمك وسيلتي عندك واستشفعت بك إليك، قال: سل ما أحببت، قال: ألفا درهم، قال معن: الله أكبر، ربحنا أربعة آلاف درهم، فقال الأعرابي: أنت أكرم من أن تربح على مثلي، قال: صدقت، وأمر له بستة آلاف درهم. سجلماسة (٣) : في صحراء المغرب، بينها وبين البحر خمس عشرة مرحلة، وهي على نهر يقال له زيز، وليس بها عين ولا بئر، وزرعهم الدخن والذرة ولهم النخل الكثير. وسجلماسة (٤) من أعظم مدن المغرب، وهي على طرف الصحراء لا يعرف في قبليها ولا في غربيها عمران، وبينها وبين غانة في الصحراء مسيرة شهرين في رمال وجبال غير عامرة، قليلة الماء، يسكنها قوم من مسوفة رحالون لا يستقر بهم مكان، ليس لهم مدن ولا عمارة يأوون إليها إلا وادي درعة، وبينه وبين سجلماسة مسيرة خمسة أيام. وهي كثيرة (٥) العامر مقصد للوارد والصادر، كثيرة الخضر والجنات، رائعة البقاع والجهات، وهي قصور وديار وعمارات متصلة على نهر كثير الماء يأتي من جهة المشرق من الصحراء يزيد في الصيف، كزيادة النيل، ويزرع بمائه كحال ماء النيل، ولزراعته إصابة كثيرة، وفي السنة الكثيرة الأمطار ينبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر، وربما حصدوه عند تناهيه وتركوا جذوره فينبت من غير حاجة إلى البذر (٦) وحكي أن البذر يكون عاماً والحصاد فيه سبع سنين، وبها أنواع من الثمر لا يشبه بعضها بعضاً، وفيها الرطب المسمى البرني، وهي خضراء جداً وحلاوتها تفوق كل حلاوة ونواها في غاية الصغر، وعندهم غلات القطن والكمون والكراويا والحناء، ويتجهز منها إلى سائر بلاد المغرب وغيرها، وهم يأكلون الكلاب والحرذون، وقل ما يوجد في أهلها صحيح العينين. وسجلماسة (٧) محدثة، بنيت سنة أربعين ومائة، أسسها مدرار بن عبد الله، وكان رجلاً من أهل الحديث يقال إنه لقي بإفريقية عكرمة مولى ابن عباس ﵄، وسمع منه،

стр. 322

وكان صاحب ماشية، وكثيراً ما كان ينتجع موضع سجلماسة، وكان يجتمع بالموضع بربر تلك النواحي، فاجتمع إلى مدرار قوم من الصفرية، فلما بلغوا أربعين رجلاً، قدموا على أنفسهم مدراراً، وشرعوا في بناء سجلماسة فبنوها، ثم سورها أبو المنصور اليسع بن أبي القاسم بن مدرار، ولم يشركه في الإنفاق في بنائه أحد، أنفق فيه ألف مدي من طعامه. وقال آخرون: إن رجلاً جواداً اسمه مدرار كان من ربضية قرطبة، خرج من الأندلس عند وقعة الربض، فنزل منزلاً بقرب سجلماسة، وموضع سجلماسة إذ ذاك سوق لبربر تلك النواحي، فابتنى بها مدرار خيمة وسكنها، فبنى الناس حوله، فكان ذلك أصل عمارتها، وكان رجلاً أسود وهجي أولاده بذلك. ولسجلماسة اثنا عشر باباً ولها بساتين كثيرة، وهي كثيرة النخل والأعناب وجميع الفواكه، وزبيب عنبها المعرش الذي لا تناله الشمس لا يزبب إلا في الظل، ويسمى الظلي، وما أصابته الشمس منه زبب في الشمس. وهي على نهرين من عنصر واحد في موضع يسمى الحلف (١) وتمده عيون كثيرة، ولهم مزارع كثيرة يسقونها من النهر في حياض كحياض البساتين، ويزرع بأرض سجلماسة عاماً ويحصد من تلك الزريعة ثلاثة أعوام، لأنه بلد مفرط الحر شديد القيظ، فإذا يبس الزرع تناثر عند الحصاد، وأرضهم مشققة، فيقع ما يتناثر من الحب في تلك الشقوق، فإذا كان العام الثاني أخرجوا النهر على عادتهم، لأن ماء المطر قليل عندهم وحرثوا بلا بذر وكذلك العام الثالث. وقمحهم رقيق الحب يسع مد النبي ﷺ من قمحهم خمساً وسبعين ألف حبة، وهم يأكلون الزرع إذا أخرج شطأه، وهو عندهم مستظرف. ومن العجيب (٣) بسجلماسة أنها ليس فيها ذباب ولا كلاب لأنهم يسمنونها ويأكلونها كما يصنع أهل البلاد الجريدية، ويسمون الكنافين عندهم المجرمين (٣) والبناءون عندهم اليهود لا يتجاوزون بهم هذه الصناعة. والسبب في تسخير أهل سجلماسة لليهود في ذلك كونهم محبين في سكنى بلادهم للاكتساب، لما علموا أن التبر بها أمكن منه بغيرها في بلاد المغرب لكونها باباً لمعدنه، فهم يعاملون التجار به ليخدعوهم بالسرقة وأنواع الخداع، ولما علم منهم (٤) ذلك أبو عبد الله الداعي، عند استخراجه عبيد الله الشيعي من سجن اليسع بن مدرار بسجلماسة، وكان الذي عرف به ونم عليه يهودي، وحكى عبيد الله لأبي عبد الله ما جرى له معهم، قتل منهم الأغنياء وأخذ أموالهم بالعذاب وأمر من شاء منهم أن يقيم معهم في البلد بأن يتصرف في هذه الصناعة وفي شغل الكنافين، فمن دخل في الكنافين من أصناف الناس سموهم المجرمين لاجترامهم على حرفة موقوفة على اليهود. وقصروا البناء عليهم خاصة لأنهم خائفون من أن يجوز أحدهم المسلم فيهلكه فهم ينصحونهم في البناء ويلازمون الخدمة دون تردد، وهم الآن قد داخلوا المسلمين. وبسجلماسة كان قيام الدعوة العبيدية وإخراج أبي عبد الله الشيعي لعبيد الله المهدي من سجن اليسع بن مدرار. قالوا (٥) : وكان أبو عبد الله الشيعي محققاً لوجود الإمام المهدي، والخبر عن خروجه إلى شاطئ دجلة وقراءته لسورة الكهف ولقائه الشيخ الذي معه الغلام، وسؤال الشيخ الذي مع الغلام له عن قتل الغلام المذكور في الآية بأمر لا يتحقق، ثم اجتماعه به في منزله وقول الشيخ له: إن الغلام الذي معه هو ولده عبيد الله وإنه الإمام المنتظر، وقوله لأصحابه الذين كانوا معه: هذا ثاني عشرتكم، وتوجيهه له إلى المغرب ليكون آخر دعاته إلى المهدي عبيد الله، مطول (٦) مشهور فلنختصره. وكان ذلك في خلافة المعتضد سنة ثمانين ومائتين، ثم مات الشيخ والد عبيد الله، فهرب عبيد الله إلى مصر ونفذت مخاطبات المعتضد إلى صاحب مصر في طلبه والقبض عليه، وإلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة مثل ذلك، فلما خرج المهدي من مصر، بعث واليها في طلبه، فوجد راجعاً يذكر أنه يطلب كلباً هرب له، فحمل إلى الوالي، وقيل له: هو صياد هرب له كلب فطلبه، وشهد له بذلك شهود، وقيل: أعطى الوالي ما كان معه فأطلقه، ثم وصل إلى سجلماسة فدل عليه يهودي كان هناك، فأخذه اليسع بن مدرار وسجنه هناك وكبله، وتبعه ولده أبو القاسم، فسجنه أيضاً في قرية بالقرب من سجلماسة، فخاطب من السجن أبا عبد الله الداعي فأعلمه بحاله، فاستنفر الداعي قبائل كتامة ومن استجاب لدعوته وقصد سجلماسة،

стр. 323

وفر اليسع، فقتله جمع من رعيته لحقد كانوا يجدونه له، ووصل الداعي إلى عبيد الله فاستخرجه من سجنه وكسر كبله بيده وأركبه بغلته وكساه برنسه، وقال لهم: هذا مولاي الإمام ومولاكم، ثم استخرج ولده أبا القاسم من السجن وأركبه بغلة أخيه أبي العباس، وقال لأهل سجلماسة: لا يحل لكم أن تستوطنوا بلداً امتحن فيه الإمام، ففزعوا منه فخرجوا، فلما خرجوا أمر بسلبهم، ففتشوا كلهم رجالاً ونساء وأخذ أموالهم وصرفهم، وقيل: إنه تحصل له من التبر والحلي وقر عشرين جملاً أدخلها رقادة، وبايع بها لعبيد الله، وأدخله القيروان وبنى له المهدية، فكان عبيد الله يتساكر ويقتل جواريه ويرمي بهن خارج القصر، وأظهر مذهبه الذي يزعم الشيعة أنه مذهب أهل البيت، فأنكر كتامة ذلك واجتمعوا مع الداعي وأخيه أبي العباس: فقال لهم الداعي: إن الدعاء لأهل بيت رسول الله ﷺ واجب، والإمام المهدي حق والزمن مجهول عندي، وكنت ارتبت في والد عبيد الله فكيف لا أرتاب فيه (١) ، فسيروا إليه وقولوا له: إن أبا عبد الله وأبا العباس أخاه قد شكا في هذا الخاتم الذي ذكرت أنه بين كتفيك فأره لنا، فإن لم تعاينوه فشأنكم به، فلما صاروا إليه وقالوا تلك المقالة، قال لهم: ألم يعلماكم أنهما أيقنا به؟ قالوا: نعم، فقال: الشك لا يزيل اليقين، ثم التفت إلى صاحب شرطته، فقال له: يا عروبة (٢) ايتني برأسيهما، فمضى إليهما متنكراً، فقال له أبو عبد الله: ما الذي أتى بك يا عروبة؟ فقال: إن الذي أمرتني بطاعته أمرني بقتلك، فقتلهما وأتاه في الحين برأسيهما، فحضره أشياخ كتامة وأمر بالكتب إلى الأمصار أن أبا عبد الله أحدث حدثاً فطهرناه بالسيف ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه، وتمهد أمر عبيد الله الشيعي. وقد أكثر الناس من الاختلاف في دعوة عبيد الله، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: إنه عبيد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وقال الصولي: والده عبد الله بن سالم بن عبدان الباهلي، وجده سالم صلبه المهدي العباسي على الزندقة على ما قاله الذين فحصوا عن أمره، وأثبت آخرون نسبه ومات عبيد الله بالمهدية سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وولي ولده أبو القاسم فأظهر مذهب أهل البيت نسبة إلى جعفر بن محمد الصادق وإلى علي ﵄: منه توريث البنت إذا انفردت جميع المال، وأسقط الرجم على الزاني المحصن، والمسح على الخفين، وقول المؤذن: الصلاة خير من النوم، ونادى في الصبح: حي على خير العمل، والصوم بالعلامة والفطر بها لا بالرؤية، وأحل المطلقة ثلاثاً، وأسقط أيمان الحرج، ولا يقيم الحد على المحدود إلا أبواه أو جده أو قريبه، وأمرهم بجهاد من خالف مذهبهم. وقام عليه أو على ابنه إسماعيل المنصور أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار وكان على مذهب الصفرية في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة فكانت له فتنة عظيمة، وكان يعمل أكواماً من رؤوس المسلمين رعية الشيعة ويأمر المؤذنين فيؤذنون عليها، وواقف أبا القاسم الشيعي وهزمه وهرب أمامه إلى المهدية واتبعه أبو يزيد حتى ركز رمحه في الباب، فقال أبو القاسم: لا يعود إليه أبداً، وأمر بالركوب والخروج إليه، وأعطى الجند العطاء الجزيل، فخرجوا يريدون أبا يزيد، ودارت الحرب بينهم، وأثخن أبو يزيد بالجراح، وقبض عليه حياً فأدخل المهدية في قفص حديد وصلب على باب المهدية الذي طعن فيه برمحه، وكان ذلك على يد ابنه إسماعيل المنصور بن أبي القاسم، ودانت للشيعي بلاد المغرب كلها وإفريقية. السحاب (٣) : جزيرة من جزر الهند، سميت بذلك لأنه ربما طلع من ناحيتها سحاب أبيض يضل المراكب، فيخرج منها لسان رقيق طويل مع الريح العاصفة حتى يلتصق ذلك اللسان بماء البحر، فيعلو (٤) له ماء البحر ويضطرب مثل الزوبعة الهائلة، فإذا أدركت المركب ابتلعته، ثم يرتفع ذلك السحاب فيمطر مطراً. وفي هذه الجزيرة تلول إذا مستها النار عادت فضة خالصة، وفيما يليها من جزائر الواق واق مواضع مقطوعة بالجزائر والجبال فلا يصل السالك إليها لامتناع بلادها وصعوبة مسالكها، وسكانها مجوس لا يعرفون ديناً ولا اتصلت بهم شريعة، ونساؤهم يكشفن رؤوسهن ويجعلن فيها الأمشاط المتخذة من العاج مكللة بالصدف، وربما كان في رأس المرأة منهن عشرون مشطاً وغير ذلك، وهم متحصنون بجبالهم لا يصلون إلى أحد ولا يتصل بهم أحد، ولكنهم يشرفون على البحر ويتطلعون إلى المراكب، وربما تكلموا معهم بكلام لا يفهم منهم.

стр. 324

سحول (١) : قرية باليمن أو واد، إليها تنسب الثياب السحولية والملاحف السحولية، وقيل: هو واد بقرب الجند، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. السد ير (٢) : بالعراق، وهو سواد نخل، وقيل: السدير: النهر الذي هناك، وقيل: هو قصر عظيم من إنشاء ملوك لخم في القديم، وما بقي من قصورهم فهي بيع للنصارى، وإياه عنى عدي بن زيد في أبياته المشهورة في قوله: سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير وقال آخر: أبعد المنذرين أرى سواماً ... تروح بالخورنق والسدير قالوا: وسمي سديراً لأن العرب لما نظرت إلى سواد نخله سدرت أعينهم، فقالوا: ما هذا إلا سدير، قال المنخل: فإذا شربت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير سدوم (٣) : مدينة من مدائن قوم لوط، وهي وما حولها المؤتفكات وكانت خمس قريات، وسدوم هي القرية العظمى، وهي كلها خراب لا أنيس بها، وإلى أهلها أرسل الله سبحانه نبيه لوطاً ﵇، والحجارة الموسومة موجودة فيها يراها السفر سوداء براقة. وكان في كل قرية منها مائة ألف، ويضرب المثل بجور أحكام قاضي سدوم، وهي بأرض الشام. وسدوم هذه هي القرية التي أمطرت مطر السوء المذكور في سورة الفرقان " الآية: ٤٠ " لأنها رجمت. وقصة قوم لوط ﵇ وزوجه في القرآن وكانوا يعملون الخبائث كما قال الله تعالى وفيهم قالت الملائكة لإبراهيم ﵇: " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " وقالوا للوط ﵇: " إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل " الآية (هود: ٨١) قالوا: أدخل جبريل ﵇ جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط فقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصراخ الديكة، ثم قلبها دفعة واحدة وضرب بها على الأرض وأمطرت عليهم حجارة من سجيل. وكانت هذه القرى بين المدينة والشام ومنها صبعة وصعرة (٤) وعمرة وسدوم ودوما (٥) وهي المدينة العظمى، وقال بعض المفسرين: سدوم هي القرية التي كانت تعمل الخبائث، وقد يقال إنه بذال معجمة، وسدوم موضع بالشام كان قاضيه يضاف إلى الجور فيقال في المثل: أجور من قاضي سدوم (٦) ، ويقال أيضاً أجور من سدوم (٧) ، قال عمرو بن دراك العبدي (٨) : وإني إن قطعت حبال قيس ... وخالفت المزون على تميم لأعظم فجرة من آبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم وكانت لقوم لوط ﵇ مدينتان: سدوم وعامورا، وهما أعظم قراهم أهلكهما الله فيما أهلك منها، وقيل كان سدوم ملكاً وبه سميت المدينة، وكان من أجور الناس. السد: هو سد يأجوج ومأجوج المذكور في القرآن العزيز في قوله تعالى: " فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً ". وفي شعر الحماسة (٩) : فأوصيكما يا ابني نزار فتابعا ... وصية مضفي النصح والصدق والود

стр. 325

فما ترب أثرى لو جمعت ترابها ... بأكثر من إبني نزار على العد هما كنفا الأرض اللذا لو تزعزعا ... تزعزع ما بين الجنوب إلى السد والسدان المذكوران في قوله تعالى: " بين السدين " جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض وبين طرفي الجبلين فتح هو موضع الردم، وقيل: السدان أرمينية وأذربيجان، وقيل: هما من وراء بلاد الترك الذين قالوا: يا ذا القرنين، هم الذين كانوا بقرب السد. قالوا: وهذا السد بينه وبين حدود بلاد الخزر مسيرة شهر وأزيد. وذكر قتادة (١) ، قال رجل للنبي ﷺ : رأيت السد، قال: " كيف رأيته؟ "، قال: كأنه حبرة، قال: " فقد رأيته ". وبلاد يأجوج ومأجوج في الإقليم الخامس، وبلاد يأجوج عامرة، وهم عدد كثير وجمع غفير وأمم لا يحصون كثرة، وبلادهم بلاد خصب ومياه جارية ومدائن كثيرة، وهم من ولد سام بن نوح، وهم المفسدون في الأرض، وخلقهم خلق صغار جداً، ولا يعرف ما ديانتهم ولا أي شيء معتقدهم. فأما يأجوج فكلهم قصار جداً، حتى إن طول الرجل منهم لا يتجاوز ثلاثة أشبار، ونساؤهم مثل ذلك، وأوجههم مستديرة في غاية الاستدارة، وعليهم شبه الزغب كثير جداً، وآذانهم كبار مستديرة مسترخية حتى إن أذن الرجل إذا هي تعطفت تلحق طرف منكبه، وكلامهم شبيه بالصفير والشرة عليهم بادية، وهم خفاف الوثوب، وفيهم زنا فاحش، وبلادهم بلاد ثلج وشتاء دائم والبرد عندهم لازم في كل الأوقات. ويقال: إن يأجوج ومأجوج أخوان لأب ولأم، والغالب على ألوانهم البياض والحمرة، ونكاحاتهم كثيرة ونتاجهم فاش، وكانوا قبل أن يصل إليهم الإسكندر ويبني السد عليهم في باب جبلهم الذي كانوا يدخلون منه ويخرجون عليه، يغيرون على من جاورهم حتى أخلوا كثيراً من البلاد والمدن المجاورة لهم من غربي الجبل، وحديث سد ذي القرنين المبني عليهم، وأكثر تلك البلاد خالية لا ساكن بها لكثرة جبالها وغزر مياهها ووحشة أرضها، فلما طغت يأجوج ومأجوج وغلبوا وأكثروا الفساد في الأرض، شكي أمرهم إلى الإسكندر، فلما قصد أرضهم اختبرهم فوجد منهم أمماً عم خيرهم وقل ضررهم هاجروا إلى الإسكندر قبل أن يلحق أرضهم وتبرأوا له مما يفعل إخوانهم يأجوج ومأجوج، وشهد كثير من القبائل لهم بذلك وأنهم لم يزالوا أبد الدهر يطلبون السلامة، فتركهم الإسكندر خارج السد وأقطعهم تلك الأرض، فسمتهم العرب تركاً؛ لأنهم ممن ترك الإسكندر من يأجوج ومأجوج وأسكنهم خلف السد، فقروا في تلك الأرض، فجميع أصناف الترك، وهم أمم كثيرة، تركهم الإسكندر خلف الردم فانتشروا في الأرض وعمروها وكثرت أنسابهم، وأكثرهم مجوس وعباد نيران، والغالب عليهم الجفاء وغلظ النفوس وقلة الانقياد، وهم بالجملة طائعون لأولي الأمر منهم، وفيهم صرامة لازمة وحمية في طلب الثأر وجبايات الأقطار. فأما السد، فقال وهب بن منبه: إن ذا القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمال، فذرع ما بينهما فوجده مائة فرسخ، فحفر له أساً حتى بلغ إلى الماء ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً وجعل حشوه الصخور وطينته النحاس يذاب ويصب عليه، ثم علاه على الأرض بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل لذلك عمداً من النحاس الأصفر فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. ولما بعث عمر (٢) بن الخطاب ﵁، سراقة بن عمرو إلى الباب، بعد أن رد أبا موسى ﵁ مكانه إلى البصرة، وجعل عمر على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، وكان من فتح الباب ما كان، فحدث مطر بن ثلج التميمي، قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز وهو كان صاحب الباب عنده، فأقبل رجل عليه شحوب (٣) حتى جلس إلى شهربراز فتسارا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير، أتدري من أين جاء هذا الرجل. هذا رجل بعثته منذ سنتين (٤) نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه، وزودته

стр. 326

مالاً عظيماً، وكتبت إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينه وبينه حتى انتهى إليه، فلما انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه كتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، قال: فشكر لي البازيار، فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعدما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله وتفرست فيه ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسلك أكافئك، إنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه وألقاها في ذلك الهوي وانقضت عليها العقاب، فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم (١) في مخالبها، وإذا فيها ياقوتة فأعطانيها وهي هذه، فتناولها منه شهربراز حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه، فقال شهربراز: لهذه خير من هذا البلد، يعني الباب، وأيم الله لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى لكم ملككم الأكبر. فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال له: ما حال الردم وما يشبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنة أرضه حمراء ووشيه أسود أو وشيه أحمر وأرضه سواد، فقال مطر: صدق والله الرجل، لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ: " آتوني زبر الحديد " إلى آخر الآية. وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف وأكثر في تلك البلدان. وذكر ابن عفير أن معاوية بن أبي سفيان ﵄، أرسل خمسة وعشرين رجلاً إلى سد يأجوج ومأجوج ينظرون كيف هو، وكتب إلى ملك الخزر أن يجوزهم إلى من خلفه، وأهدى إليهم هدايا، ففعل حتى انتهوا إلى الجبلين فرأوا بينهما مثل البصيص وهو بريق الصفر في الحديد وسمعوا جلبة من داخل السور ورأوا درجاً يرقى فيه إلى أعلاه، فصعد فيه رجل منهم، فلما بلغ وسطه تحير فسقط فمات، وانصرفوا بقطعة مسحاة وجدوها عند السد، فأرسل معاوية ﵁ إلى رجل عالم فسأله فقال: يرسل ملك جنده إلى السد، فيهلك واحد منهم ويأتون بحديد ويجمعهم على مائدة فيها طعام، فوافى العالم وهم على تلك المائدة قد جمعهم عليها معاوية ﵁ وخلطهم بغيرهم، فقال هؤلاء هم، فعجب معاوية ﵁ من ذلك. وقال ابن خرداذبه (٢) : حدثني سلام الترجمان، وكان هو الذي يترجم كتب الترك التي كانت ترد على الواثق قال: لما رأى الواثق في المنام كأن السد الذي بناه ذو القرنين مفتوح وجهني وضم إلي خمسين رجلاً وقال لي: عاينه وجئني بخبره، ووصلني بخمسة آلاف دينار وعشرة آلاف درهم وأعطى كل رجل من الخمسين ألف درهم ورزق سنة وأعطاني مائتي بغل أحمل عليها الزاد والماء وكتب إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس في انفاذنا، فشخصنا إليه من سر من رأى، فكتب إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى بلد اللان، وكتب ملك اللان إلى فيلان شاه وهو ملك ما يلي الباب والأبواب من خارج، وكتب فيلان شاه إلى طرخان ملك الخزر، فوجه معنا ملك الخزر خمسة أدلاء، وسرنا من عنده خمسة وعشرين يوماً حتى انتهينا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة، وكنا قد تحملنا شيئاً نشمه ونحجب به نتن ريحها عند دخولها، فسرنا نحو عشرة أيام حتى أفضينا إلى مدن خراب، فسألنا عنها فأخبرنا أن يأجوج ومأجوج خربوها، فسرنا فيها سبعة وعشرين يوماً حتى أفضينا إلى حصن يقرب من الجبل الذي هو أحد الصدفين، تتصل به حصون فيها قوم يتكلمون بالعربية والفارسية مسلمون يقرأون القرآن ولهم مساجد، فسألونا من أين أقبلنا، فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين، فجعلوا يتعجبون ويقولون: أمير المؤمنين؟! فنقول: نعم، فيقولون: أشيخ هو أم شاب؟ فقلنا: شاب، فعجبوا أيضاً وقالوا: أين يكون؟ قلنا: بالعراق في مدينة يقال لها سر من رأى، فيقولون: ما سمعنا بهذا قط (٣) ، ثم سرنا إلى جبل أملس يكاد البصر ينبو عنه، وإذا جبل مقطوع عرضه مقدار مائة وخمسين ذراعاً، وإذا عضادتان مبنيتان

стр. 327

مما يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كل عضادة خمس وعشرون ذراعاً في سمك خمسين ذراعاً وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العتبتين، والظاهر منها خمسة أذرع، وهذا الذراع بذراع السواد، وعلى أعلى العضادتين دروند حديد طرفاه على العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعاً، والدروند العتبة العليا، وقد ركب فيها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع، ومن فوق الدروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب في النحاس إلى رأس الجبل وارتفاعه مدى البصر وفوقه شرافات حديد في طرف كل شرافة قرنان مثنيا الأطراف بعضهما إلى بعض، وللباب مصراعان معلقان، عرض كل مصراع خمسون ذراعاً في ثخن خمسة أذرع، وقائمتاهما في دوارة على قدر الدروند، وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة، وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعاً، وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف ذراع، وله اثنا عشر دندانجة، كل دندانجة منها كأغلظ ما يكون من دساتج الهواوين (١) كل واحدة منها معلقة في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار، والحلقة التي في السلسلة مثل حلقة المنجنيق، قال: ورئيس ذلك الحصن يركب في كل جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبة من حديد فيها خمسة (٢) أمنان، فيضربون القفل بتلك المرازب ثلاث مرات، فيسمع من وراء الباب الصوت، فيعلم أن هناك حفظة، ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا شيئاً في الباب، فإذا ضرب أصحاب الحصون القفل وضعوا آذانهم فيسمعون دوياً، ومع هذا الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مثلها، بينهما عين عذبة، وفي أحد الحصنين بقية من آلة البنيان التي بني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد والديدكانات، وعلى كل ديدكان (٣) أربع قدور مثل قدور الصابون، وهناك بقايا من لبن الحديد قد التصق بعضها ببعض، واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر، وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير، عشر فراسخ في مثلها تكسيرها مائة فرسخ، قال: وسألت من هناك، هل رأوا أحداً من يأجوج ومأجوج، فذكروا أنهم رأوا مرة واحدة عدداً منهم فوق الشرف، فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم من السد، وكان مقدار الرجل منهم، في رأي العين، شبراً ونصف شبر. قال: فلما انصرفنا أخذنا أدلاء فأخرجونا إلى ناحية خراسان حتى وصلنا إلى سمرقند، وكان أصحاب الحصون زودونا، ثم صرنا إلى عبد الله بن طاهر، قال سلام: فوصلني بمائة ألف درهم، ووصل كل رجل معي بخمسة آلاف درهم وأجرى علينا حتى وصلنا إلى الري، فوصلنا إلى سر من رأى لثمانية عشر شهراً وعشرين يوماً من يوم خرجنا منها. وفي بعض الأخبار أن الرجل الواحد منهم لا يموت حتى يولد له ألف ولد. سر من رأى (٤) : مدينة بالعراق، محدثة إسلامية، بناها المعتصم (٥) ، ثم عاجلها الخراب بعدما عمرت وبهر حسنها (٦) . السرر (٧) : موضع بقرب مكة، وفي حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: " فإذا كنت بين الأخشبين ومنى، ونفح بيمينه نحو المشرق، فإن هناك وادياً يقال له السرر فيه سرحة سر تحتها سبعون نبياً ". سرحة: مدينة في طريق اليمن بمقربة من عثر، وهي دونها في العظم. السراة (٨) : أعظم جبال العرب، وهو ما بين جرش والطائف، وقيل هو جبل الأزد الذين هم به يقال لهم السراة. وفي سير ابن إسحاق (٩) : أن أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو بن عامر، وقالت الأزد: لا نتخلف عنه، فساروا وتفرقوا في البلاد، فنزلت آل جفنة الشام، ونزل الأوس والخزرج يثرب، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل، الحديث بطوله.

стр. 328

وسراة (١) : بغير ألف ولام مدينة بين أردبيل والمراغة من عمل أرمينية، وهي مدينة لطيفة كثيرة الخير والبساتين والمياه والمزارع والفواكه والطواحين، وفيها أسواق حسنة، ومن كور سراة المراغة بينهما أربعة وثمانون ميلاً. سرف (٢) : أظنه بكسر الراء، قال البكري: هو بإسكان الثاني، ماء على ستة أميال من مكة، وهناك أعرس رسول الله ﷺ بميمونة، مرجعه من مكة حين قضى نسكه، وهناك ماتت ميمونة ﵂. لأنها اعتلت بمكة، فقالت: أخرجوني من مكة فإن رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة، فحملوها حتى أتوا بها سرفاً إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله ﷺ له تحتها في موضع القبة، فماتت هناك سنة ثمان وثلاثين، وهناك عند قبرها سقاية. وبسرف كان منزل قيس بن ذريح الكناني الشاعر، ولذلك قال حين نقلت لبنى عنه: الحمد لله قد أمست مجاورة ... أهل العقيق وأمسينا على سرف حي يمانون والبطحاء منزلنا ... هذا لعمرك شكل غير مؤتلف قد كنت آليت جهداً لا أفارقها ... أفٍ لأكثر ذاك القيل والحلف حتى تكنفني الواشون فافتلتت ... لا تأمنن أبداً إفلات مكتنف وبسرف مات عدو الله تعالى أبي بن خلف بسبب طعنة النبي ﷺ له بالحربة مرجعه من بدر في الخبر المشهور، ذكره ابن إسحاق مبسوطاً (٣) . سرت (٤) : مدينة في برقة، بينها وبين طرابلس مائتا ميل وثلاثون ميلاً وبينها وبين البحر ميلان، وعليها سور تراب، وفيها النخل، ولا زيتون بها، والتوت بها كثير وبعض شجر تين، غير أن العرب أتت على أكثرها وكانت فيها فواكه وأعناب ذهبت. وهي (٥) قديمة وأهلها أخس الناس خلقاً وأسوأهم معاملة، ولا يبتاعون إلا بسعر قد اتفقوا عليه، وربما نزل المركب بساحهم موسوقاً بزيت، وهم أحوج الناس إليه، فيعمدون إلى الزقاق الفارغة فينفخونها ويضعونها في حوانيتهم ليرى أهل المركب أن الزيت عندهم كثير بائر، فلو أقام أهل المركب ما شاء الله أن يقيموا ما باعوا منهم إلا على حكمهم، وهم يعرفون بعبيد قرلة ويغضبون لذلك. سرتة (٦) : هي دار مملكة النوبة في أحد شطي النيل، وقيل اسمها ويلولة (٧) من ناحية الصعيد، وهذا الشط أوسع مملكة من الآخر، وأهلها أصفى ألواناً وأحسن زياً وملوكهم يزعمون أنهم من حمير. سرين (٧) : مدينة عظيمة في طريق مكة من اليمن بمقربة من يلملم، وفيها أسواق ومسجد جامع، وسورها في البحر، وأكثر بنائها بالخشب والحشيش إلا المسجد الجامع فإنه مبني من المدر، والحمامات فيها من الحشيش والخشب، ولا يستعمل فيها وقود بل يسخن الماء خارجاً منها ويغتسل به داخلها، وماؤهم من السماء، وهي من عمل مكة، وفيها مزارع وشبه حظائر للمواشي، وأكثر زروعهم الذرة والسمسم، والميرة تجلب إليها من عثر وحردة (٩) وعثر منها على مسيرة عشرة أيام. سرنديب (١٠) : جزيرة بالهند في بحرهم المسمى هركند، وهي

стр. 329

جزيرة كبيرة مشهورة الذكر، وهي ثمانون فرسخاً في ثمانين فرسخاً. وبجزيرة سرنديب (١) هيكل عظيم من ذهب يفرطون في مبلغ زنته وقيمة الجوهر الذي عليه، وإليه يجتمع أهلها فيتدارسون سير آبائهم وقصص ملوكهم. وبهذه الجزيرة نزل آدم ﵇ حين أهبط من الجنة، نزل على جبل الرهون منها وهو جبل سامي الذروة عالي القمة ذاهب في الجو، يراه البحريون من مراكبهم عن مسيرة أيام، وهو الذي ذكر أن آدم ﵇ أهبط عليه، وعلى هذا الجبل يتلألأ نور يشبه البرق الدائري، عليه دائماً وحوله أنواع الياقوت الأحمر والأصفر والأكحل، والأحمر أشرفها وأنفسها لأنه إذا ألقي في النار ازداد حمرة وحسناً، وإن كانت فيه نكتة شديدة الحمرة وجعلت في النار انبسطت في الحجر تلك الحمرة فحسنته ولونته، ومبارد الحديد لا تؤثر في جميع ألوان الياقوت، والأصفر أقل صبراً على النار من الأحمر، وأما الأكحل فلا صبر له، قالوا: ومن تقلد حجراً أو تختم به من هذه الأصناف الثلاثة من الياقوت وكان في بلد قد وقع فيه الطاعون منع أن يصيبه ما أصاب أهل ذلك البلد. ويذكر البراهمة، وهم عباد الهند، أن على هذا الجبل أثر قدم آدم ﵇ مغموس في الحجر، وطوله سبعون ذراعاً، وأن على هذا الأثر نوراً يخطف شبيهاً بالبرق دائماً، وأن القدم الثانية منه جاءت في البحر عند خطوته، والبحر من الجبل على مسيرة يومين أو ثلاثة، وفي وادي هذا الجبل الماس الذي يحاول به نقش الفصوص من أنواع الحجارة، وعلى هذا الجبل أنواع من الطيب وضروب من صنوف العطر مثل العود والأفاويه ودابة المسك ودابة الزباد، وبه الأرز والنارجيل وقصب السكر، وفي أنهاره يوجد جيد البلور وكبيره. وبجميع سواحل هذه الجزيرة مغايص اللؤلؤ الجيد النفيس المثمن. وفي جزيرة سرنديب قواعد كثيرة، وملك هذه الجزيرة يسكن أغنا، وهي مدينة القصر، وبها دار ملكه، وهو ملك عادل كثير السياسة ناظر في أمور رعيته حافظ لهم ذاب عنهم، وله ستة عشر وزيراً: أربعة من أهل ملته وأربعة نصارى وأربعة مسلمون وأربعة يهود، وقد رتب لهم موضعاً تجتمع فيه أهل الملل وتكتب حججهم وأخبارهم، ويجتمع إلى علماء كل ملة: الهندية والرومية والإسلامية واليهودية، جمل من الناس وعدة طوائف، فيكتبون عنهم سير أنبيائهم وقصص ملوكهم في سائر الأزمان ويعلمونهم ويفهمونهم ما لا يعلمونه، وللملك في بده صنم من ذهب لا يدرى لما عليه من الدر والياقوت وأنواع الأحجار أثمان، وليس يملك أحد من ملوك الهند ما يملكه صاحب سرنديب من الدر النفيس والياقوت الجليل وأنواع الأحجار لأن أكثر ذلك يوجد في جبال جزيرته وفي أوديتها وبحرها، وإليها تقصد مراكب أهل الصين وسائر بلاد الملوك المجاورين له. وملك سرنديب تحمل إليه الخمر من العراق وفارس فيشتريها بماله وتباع له في بلاده، وهو يشرب ويحرم الزنا ولا يراه، وملوك الهند وأهلها يبيحون الزنا ويحرمون الشراب المسكر. ويجلب من سرنديب الحرير والياقوت بجميع ألوانه كلها والبلور والماس والسنباذج وأنواع من العطر كثيرة. ولأهل (٢) سرنديب نظر في زراعة النارجيل، ويقومون بحفظه ويبيحونه للصادر والوارد ابتغاء الأجر وطلب المثوبة، وأهل عمان وغيرها من بلاد اليمن ربما قصدوا إلى هذه الجزائر التي فيها النارجيل، فيقطعون من خشب النارجيل ما أحبوه ويصنعون من ليفه حبالاً يحرزون به ذلك الخشب وينشئون منه مراكب ويصنعون منه صواريها، ويفتلون من خوصه حبالاً، ثم يسقون تلك المراكب بخشب النارجيل ويمضون بها إلى بلادهم، فيبيعونه هناك ويتصرفون به. قالوا: ولما نزل آدم ﵇، على جبل الرهون من هذه الجزيرة وعليه الورق الذي خصفه فيبس فذرته الرياح في بلاد الهند، فيقال، والله أعلم، أن علة كون الطيب بأرض الهند من ذلك الورق، وقيل غير ذلك، ولذلك خصت أرض الهند بالعود والقرنفل والأفاويه والمسك وسائر الطيب، وكذلك الجبل لمعت عليه اليواقيت. قالوا: ولما أهبط آدم ﵇ من الجنة أخرج معه منها صرة من الحنطة وثلاثين قضيباً من شجر الجنة مودعة أصناف الثمار،

стр. 330

وقيل أهبط آدم ﵇ قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلق فيه بالهند على جبل يقال له مود، وقبل سرنديب كما قدمناه وهو المشهور الذي لا يدفعه علماء الإسلام وأهل التوراة والإنجيل. سرادق (١) : بحر سرادق متصل بخليج القسطنطينية، ونزل الططر على سرادق في سنة سبع عشرة وستمائة، ودوخوا تلك البلاد الشمالية من وراء سيحون إلى هذا البحر، نحو نصف سنة، وفعلوا في كل إقليم من أقاليمها العجائب، ورجعوا إلى ملكهم جنكزخان وهو على حصار الطالقان. سرمة (٢) : جزيرة تتصل ببلاد مشارق الشمس، عظيمة كثيرة الزرع والحبوب. وفيها أنواع من الطيور المأكولة التي ليست في بلاد الهند، وبها نارجيل كثير، ويتصل بهذه الجزيرة جزائر كثيرة صغار كلها معمورة وملكها يسمى قامرون، وبلادها كثيرة المطر والرياح، وفيها قوم يسمون القنجت (٣) مفلفلو الشعور سود، يخرجون إلى المراكب بالعدد والأسلحة والسهام المسمومة، وقليلاً ما ينجو منهم من يمر بهم أو سقط في أيديهم، وفي أرنبة كل واحد منهم حلقة حديد أو نحاس أو ذهب. السرير (٤) : هي مدينة تلي اللان بعد (٥) سمندر مما يلي بلاد الخزر وأهل المدينة نصارى، وسميت بالسرير لأن ملكاً من ملوك الفرس اتخذ بها لنفسه سرير ذهب يقصر الوصف عنه صنع في سنين، فهلك وتغلبت الروم على ملكه فأبقوا السرير على حاله، وملوكهم يسمون به. سردانية (٦) : جزيرة على طرف من البحر الشامي، وهي كبيرة النظر كثيرة الجبال قليلة المياه، طولها مائتان وثلاثون (٧) ميلاً وعرضها من الغرب إلى الشرق مائة وثمانون ميلاً، وفيها ثلاث مدن الفيصنة (٨) وهي مدينة عامرة، ومنها مدينة قالمرة، وهي رأس المجاز إلى جزيرة قرشقة، والثالثة تسمى قشتالة (٩) . وأهل سردانية في الأصل روم أفارقة متبربرة متوحشون من أجناس الروم، وهم أهل نجدة وحزم لا يفارقون السلاح. وفي سردانية معادن الفضة الجيدة ومنها تخرج إلى كثير من بلاد الروم، وبين سردانية وجزيرة قرشقة مجاز طوله عشرون ميلاً. وقيل سميت سردانية باسم ساردوس (١٠) بن هرقل إذ قصدها بجمع عظيم وحاصرها وافتتحها، وهي كثيرة الزرع والضرع كثيرة الخير، وقيل طولها مائة وثلاثون ميلاً وعرضها مائة وعشرون ميلاً وحكي أن دورها يزيد على أزيد من خمسمائة ميل، ويقابلها من المشرق مدينة رومية، وبها أربع مدن. وكان أبو الجيش مجاهد العامري الملقب بالموفق قد دخلها سنة تسع وأربعمائة وافتتح أكثرها وجدد إحدى مدنها فأصاب المسلمين فيها جوع ووباء، فخرج عنها بمن معه من المسلمين في سنة عشر وأربعمائة، فهدم الروم بعد ذلك مدينته فهي اليوم خرابة، وكان أبو الجيش هذا غزا سردانية قبل هذا فعصفت بشوانيه الريح وكسرتها على جزيرة تسمى مذ ذاك جزيرة الشهداء وقتل العدو من المسلمين خلقاً، ونالوا منهم نيلاً. ورأيت في موضع آخر أن جزيرة سردانية كثيرة الأنهار والخيرات، ويذكر أن من فيها من النصارى من ناقلة بلاد البربر، وهم يطيلون الشعور كشعور النساء، ولهم خيل موصوفة، وسلاحهم المزاريق، وهم كشف لا تراس لهم، وبسردانية حمات شديدة الحر، وليس يكون فيها شيء من الهوام المؤذية ولا تنبت شيئاً من الأشجار المسمومة. قال ابن عفير (١١) : لما غزا المسلمون أهل سردانية وعلموا أنهم مغلوبون عليها عمدوا إلى مبنى لهم في البحر فسكروه وأخرجوا ماءه تم قذفوا فيه آنيتهم من الذهب والفضة وسائر أمتعتهم، ودفنوا ذلك في الرمل وردوا عليه الماء، وعمدوا لكنيسة لهم فجعلوا لها

стр. 331

سقفاً دون سقف، ووضعوا ما كان لهم من المال بين السقفين، فنزل رجل من المسلمين يغتسل في ذلك الموضع الذي سكروه فوقعت رجله على شيء فأخرجه فإذا هو صحفة فضة، ثم غاص أيضاً فأخرج شيئاً آخر، فعلم بذلك المسلمون وحبسوا عنه الماء وأخرجوا جميع ما فيه، ونظر رجل من المسلمين في تلك الكنيسة ذات السمكين إلى حمام وكان عنده قوس بندق فرماه فأخطأه وأصاب خشب السمك فكسر منه شيئاً فانهار عليهم المال، فغل المسلمون يومئذ غلولاً كثيراً، فإن كان الرجل ليأخذ الهر فيذبحه ويرمي بما في جوفه ثم يحشوه مالاً ويخيط عليه ويرمي به في الطريق ليوهم من رآه أنه ميتة فإذا خرج أخذه، وكان الرجل ينزع نصل سيفه فيطرحه ويملأ الجفن غلولاً ويضع قائم سيفه في الجفن، فلما ركبوا السفن وتوجهوا سمعوا منادياً ينادي: اللهم غرق بهم، فعاذوا بالمصاحف وتقلدوها وغرقوا جميعاً إلا أبا عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله فإنهما لم يكونا تدنسا من الغلول بشيء، وما ذكر بعض المؤرخين من أن الذين غرقوا هم الذين غلوا من غنائم الأندلس فإنما هم الذين غلوا من غنائم سردانية. وفي (١) سنة سبع وثمانين (٢) ، أغزى موسى بن نصير عبد الله ابنه إلى سردانية فافتتح وأصاب سبياً وغنائم، وفي سنة ثلاث ومائة أغزى بشر بن صفوان يزيد بن مسروق اليحصبي سردانية ففتح وسبى وسلم وفي سنة ست ومائة أغزى بشر بن صفوان محمد بن أبي بكير مولى بني جمح فأصاب كرسقة وسردانية، وفي سنة تسع ومائة أغزى بشر بن صفوان من إفريقية حسان بن محمد بن أبي بكير مولى بني جمح سردانية فغنم وسبى، وفي سنة تسع عشرة أغزى ابن الحبحاب قثم بن عوانة فأصاب قلعة سردانية (٣) ، وغرق قثم في منصرفه ومراكب المسلمين وسلم بعضهم. سرطانية: هي بلاد البرجان قالوا: فيها جزيرة فيها عين ماء تجري، من شرب منه من الخلق وكان به وجع في عينيه أو غشاوة في بصره أو بياض أو أي ضرر كان فيهما ذهب عنه. سرغ (٤) : مدينة بالشام، وهي بالراء المسكنة والغين المعجمة، وهي التي جاءها عمر ﵁ في توجهه إلى الشام وبلغه أن الوباء قد وقع بالشام وأخبر بأن النبي ﷺ قال: " إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإن وقع بأرض لستم بها فلا تقدموا عليه "، فرجع عمر ﵁ من سرغ، والخبر مشهور. وافتتح أبو عبيدة بن الجراح ﵁ سرغ واليرموك والجابية. سرق (٥) : بلد من عمل البصرة كان وليه حارثة بن بدر الغداني وكان صاحب خمر فقال له أبو الأسود: أحار بن بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذاً فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئاً أصبته ... فحظك من ملك العراقين سرق وسرق يقال لها الدورق (٦) ، وبينها وبين سوق الأهواز أربعة وعشرون فرسخاً في الماء على الظهر، ومن سرق إلى أرجان اثنان وثلاثون فرسخاً، وبينهما قنطرة طويلة على وادي الملح، وبينها وبين أرجان اثنا عشر فرسخاً. وفتح أبو موسى (٧) ﵁، سرق على مثال رامهرمز، ثم غدروا، فوجه إليهم حارثة بن بحر الغداني المذكور، في جيش كثيف فلم يفتحها، فلما قدم عبد الله بن عامر فتحها عنوة. سروج (٨) : بلد من أرض الجزيرة وبمقربة من ملطية، وهي رستاق كثير القرى والكروم في بطن بين جبال. قال البلاذري (٩) : سروج ورأس كيفا وأرض البيضاء أتاها عياض بن غنم بعد صلح الرها سنة تسع عشرة.

стр. 332

ومن سروج (١) إلى حصن كيفا ستة فراسخ، ثم إلى سميساط سبعة فراسخ، ثم إلى ملطية عشرة فراسخ، ثم إلى زبطرة خمسة فراسخ. وسروج كثيرة الفواكه، وهي التي نسبها الحريري لأبي زيد تاج الغرباء، وفيها البساتين والمياه المطردة. سرخس (٢) : مدينة بينها وبين نيسابور ستة مراحل، وهي بين نيسابور ومرو، وهي على نهر لا يدوم جريانه لأنهم إنما تأتيهم فضلته، وكذلك نهر هراة، وليس لسرخس طواحين ماء إنما طحنهم بالدواب، وتكون سرخس في مقدار نصف مرو. ولما سار ابن عامر (٣) إلى الطبسين يريد أبرشهر، وهي نيسابور، فتح ما حولها: طوس وبيورد، ونسا وحمران، وسرخس. ويقال: بعث إلى سرخس عبد الله بن خازم ففتحها وأصاب جاريتين من آل كسرى. وهو بلد جليل، ومدينته عظيمة، وهو في برية في رمال فيها أخلاط من الناس، وهي طيبة الثرى (٤) معتدلة الهواء لها رساتيق وقرى، ولأهل بواديها همة في انتخاب الجمال وتنسيلها، وشربهم من مياه الآبار، وأرحاؤها تديرها الدواب، وبناؤها بالطين واللبن، ومنها إلى هراة خمس مراحل. وإلى سرخس هرب نصر بن سيار عامل مروان بن محمد لما استوسقت الأمور إلى أبي مسلم صاحب الدعوة فخاف على نفسه فهرب إلى سرخس. ولما غلب ابن عامر على ما بين سرخس إلى نيسابور أرسل إليه أهل مرو يطلبون الصلح، فصالحهم على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل ستة آلاف ألف ومائتي ألف. وفيها قتل المأمون وزيره الفضل بن سهل، دخل الحمام بسرخس فقتل غيلة، وأحضر المأمون قتلته فقتلهم. وذكر أن المأمون كان وقع للفضل بن سهل بخطه توقيعاً نسخته (٥) : أغنيت يا فضل بن سهل بمعاونتك إياي على طاعة الله تعالى وإقامة سلطاني عن معاضدة غيرك فرأيت أن أغنيك، وسبقت الناس من الحاضر كان لي والغائب عني، فأحببت أن أسبق إلى الكتاب لك بخطي بما رأيته لك على نفسي، وأنا أسأل الله تعالى تمامه فإن حولي وقوتي ومقدرتي وقبضتي وبسطي به لا شريك له، وقد أقطعتك السيب من أرض العراق حيازة تميم مولى أمير المؤمنين عطاء لك ولعقبك لما أنت عليه من النزاهة عن أموال رعيتي ولما قمت به من حق الله تعالى وحقي، فلم تأخذك في ذلك لومة لائم، وقد جعلت لك بعد ذلك مرتبة من يقول في كل شيء فيسمع منه ولا تتقدمك مرتبة أحد ما لزمت ما أمرتك به من العمل لله ولدينه والقيام بصلاح دولة أنت ولي القيام بها، وجعلت كله لك بشهادة الله تعالى وجعلته لك كفيلاً على عهدي، وكتبت خطي في صفر سنة أربع (٦) وتسعين ومائة. سروس (٧) : هي أم قرى جبل نفوسة (٨) ، وهي مدينة جليلة فيها آثار للأول، وأهلها اباضية، وليس فيها جامع ولا فيما حولها من القرى، وفي قطرها أزيد من ثلثمائة قرية لا يرون في مذهبهم الجمعة، وفي هذا الجبل أمم كثيرة على مذاهب شتى أكثرهم اباضية، ليس لهم أمير يرجعون إليه إنما لهم شيوخ وفقهاء على مذهبهم، ولهم رخص كثيرة في مذهبهم. وقال رجل من المغرب رأيت في بلادهم رجلاً أراد الطهر، فنزل على ماء ونزع ثيابه وجعل يشير كأنه يغتسل وكأنه يريق الماء على رأسه وعلى جسده فأخذه المغربي وحمله إلى الحاكم في البلد، فقال له الحاكم: من أين أنت؟ قال: من المغرب، فقال: والله لولا أنك غريب لأدبتك، ما يدريك لعل له عذراً، قال الله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وهذا أفضل مذاهبهم، ففيهم من لا يرى الاغتسال بالماء جملة ويتمرغ في التراب ويتيمم مكان الوضوء، وزنا الحرم بجبال نفوسة مباح في مذهبهم، وللغني منهم وصائف يزينهن ويحليهن ويبرزهن (٩) على الطريق للبغاء، ولهم ديار معدة للبغاء ولا ينكرونه.

стр. 333

سرقسطة (١) : في شرق الأندلس وهي المدينة البيضاء. وهي قاعدة (٢) من قواعد الأندلس، كبيرة القطر آهلة ممتدة الأطناب واسعة الشوارع، حسنة الديار والمساكن متصلة الجنات والبساتين، ولها سور حجارة حصين، وهي على ضفة نهر كبير يأتي بعضه من بلاد الروم من جبال قلعة أيوب ومن غير ذلك، فتجتمع هذه الأنهار كلها فوق مدينة تطيلة، ثم تنصب إلى مدينة سرقسطة ومدينة سرقسطة هي المدينة (٣) البيضاء، لكثرة جصها وجيارها، ومن خواصها أنها لا تدخلها حية البتة وإن جلبت إليها ماتت وحياً. فمن الناس (٤) من يزعم أن فيها طلسماً لذلك، ومنهم من يقول بنيانها من الرخام الرخو الذي هو صنف من الملح الدراني، ومن خاصيته ألا تدخل الحناش موضعاً يكون فيه، ولها أقاليم عدة (٥) . وبسرقسطة (٦) جسر عظيم يجاز عليه إلى المدينة، ولها أسوار منيعة ومبان رفيعة. واسمها مشتق من اسم قيصر (٧) ، وهو الذي بناها، وذكر أنها بنيت على مثال الصليب، وجعل لها أربعة أبواب: باب إذا طلعت الشمس أقصى المطالع في القيظ قابلته عند بزوغها، فإذا غربت قابلت الباب الذي بإزائه من الجانب الغربي، وباب إذا طلعت الشمس من أدنى مطالعها في الشتاء قابلته عند بزوغها وهو الباب القبلي، وإذا غربت قابلت الذي بإزائه من الجانب الغربي. وهذه المدينة على خمسة أنهار. وسرقسطة واسعة الخطة لا يعرف بالأندلس مدينة تشبهها، وقيل: تعرف بالبيضاء لأن أسوارها القديمة من حجر الرخام الأبيض، وكان الذي بنى (٨) المسجد الجامع بسرقسطة ووضع محرابه حنش بن عبد الله الصنعاني، فلما زيد فيه هدم الحائط القبلي، غير المحراب، فإنه احتفره من جوانبه حتى انتهى إلى قواعده، فأعملت الحيلة في حمله على الخشب وجره (٩) إلى الموضع الذي هو فيه اليوم، فتصدع وبني حواليه البناء الذي هو باق إلى الآن، وتوفي حنش هذا وعلي بن رباح اللخمي، وهما من جلة التابعين، بمدينة سرقسطة وقبراهما بها معروفان بمقبرة باب القبلة، وكان بعض من مضى من الملوك أراد أن يتخذ عليها مشهداً ويبني فوقها مصنعاً، فلما اعتزم على ذلك أتته امرأة معروفة بالصلاح والأمانة موسومة بالعدالة وأخبرته أنها رأتهما فيما يرى النائم، وأخبراها أنهما يكرهان أن يبنى على قبريهما شيء، فرجع عن ذلك الأمر الذي هم به. ومدينة سرقسطة أطيب البلدان بقعة وأكثرها ثمرة لكثرة الفواكه في بساتينهم حتى لا يقوم ثمنها. بمؤونة نقلها لرخصها فيتخذونها سرجيناً يدمنون به أرضهم، وربما بيع فيها وسق القارب من التفاح بما تباع به الأرطال اليسيرة في غيرها، ومما خصت به سرقسطة معدن الملح الدراني الذي لا يوجد مثله في مكان ولا يعدل به. وأخذ النصارى سرقسطة من أيدي المسلمين سنة اثنتين وخمسمائة بعد أن حاصروها تسعة أشهر، صلحاً، خرج إليها الإفرنج في خمسين ألف راكب، وابن ردمير في جملة أخرى، أعادها الله للإسلام بفضله. ومن سرقسطة قاسم بن ثابت صاحب " الدلائل " بلغ فيه الغاية من الإتقان ومات قبل أن يكمله، فأكمله أبوه ثابت بعده. وكان قاسم ورعاً فاضلاً أريد علي أن يلي قضاء سرقسطة، فأبى من ذلك، فأراد أبوه إكراهه على ذلك، فسأله أن يتركه ثلاثة أيام حتى ينظر في أمره ويستخير الله تعالى، فمات في هذه الثلاثة الأيام، فيروى أنه دعا لنفسه بالموت، وكان يقال إنه مجاب الدعوة، توفي بسرقسطة سنة اثنتين وثلثمائة. سرقوسة (١٠) : هي مدينة بينها وبين جزيرة صقلية مجاز لطيف،

стр. 334

وهي كبيرة عليها ثلاثة أسوار، وهي من مشاهير المدن وأعيان البلاد، يقصدها كل حاضر وباد من جميع الأقطار، والبحر محدق بها من جميع جهاتها، والدخول إليها والخروج منها على باب واحد شمالها، ولها مرسيان وليس مثلهما في جميع البلدان، أحدهما أكبر من الآخر، وبها فوارة اليهودي (١) تنبع من جرف على حاشية البحر، وهي عجيبة الأمر، وبها ما بأكثر المدن من الأسواق ذوات السماطات والخانات والديار والحمامات والمباني الرائعة والأفنية الواسعة، ولها إقليم كبير وضياع ومنازل خصيبة زكية المزارع، توسق فيها السفن بالطعام. وفي سرقوسة مات أسد بن الفرات الفقيه، كان وجهه زيادة الله الأغلبي أمير القيروان، غازياً إلى صقلية، فسار إليها مقلعاً من سوسة، ودخلها في عشرة آلاف فارس وكان أميراً قاضياً، فقاتل أهلها وفتح فيها بلاداً، وتوفي بها. وافتتحت سرقوسة (٢) ، سنة أربع وستين ومائتين، وكان جعفر بن محمد التميمي أخرج أبا العباس أحمد بن عبد الله بن يعقوب بالصائفة، فهزم أهل سرقوسة وقتل منهم مقتلة عظيمة، وحاصرها براً وبحراً، وفتحها بعد تسعة أشهر من نزوله عليها في شهر رمضان من العام المؤرخ، وأصاب فيها من المغانم ما لم يكن يصاب مثله في مدينة من مدن الشرك ولم يستحي من علوجها أحداً ولا أفلت منهم نافخ ضرمة. وسرقوسة مدينة كبيرة عليها ثلاثة أسوار، ولها مرسى يعرف بالمينا الصغيرة وبينه وبين مرسى المينا الكبيرة حفير، وعلى الحفير قنطرة إلى المدينة، والمينا الكبيرة مرسى مشتى للسفن، والفوارة على المرسى وعليها مسجد. سطيف (٣) : مدينة أو حصن، بينها وبين ميلة مرحلة، وهي قديمة أزلية كثيرة الخلق كالمدينة، كثيرة المياه والشجر المثمر بضروب الفواكه، ومنها يحمل الجوز المتناهي طيباً إلى الأقطار، وكان عليها سور صخر عظيم قديم خربته كتامة مع أبي عبد الله الشيعي، وهي رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه والثمار، غزيرة المياه والأنهار والبساتين والأشجار. سطفسيف (٤) : نهر تلمسان ينبعث من أسفل جبل البغل هناك ويصب في بركة عظيمة من عمل الأول، ويسمع لوقوعه فيها خرير شديد على مسافة، ثم ينشق منه بحكمة مدبرة إلى موضع يسمى المهراز (٥) ، ثم ينصب في أنهار كثيرة، وبعد ذلك ينحدر إلى البحر. سطح العيران: موضع على قسنطينة فيه تنزل المحلات. سطفورة (٦) : اسم إقليم جليل فيه قرى وقواعد، وهو على بنزرت، كان يقال له سطفورة، ومدنه: بنزرت وتينجة وغيرهما. سلقطة (٧) : مدينة بينها وبين المهدية ثمانية أميال، ويقال إن الكاهنة حصرها عدو في قصر الأجم، فحفرت سرباً في صخرة صماء منه إلى مدينة سلقطة يمشي فيه العدد الكثير، وبينهما ثمانية عشر ميلاً، ويقال إن الكاهنة كانت في سلقطة، فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدواب. سلمى (٨) : أحد جبلي طيء. سلمان (٩) : ماء لبني شيبان، على طريق مكة إلى العراق، فيه مات نوفل بن عبد مناف. سلع (١٠) : جبل متصل بالمدينة، وفي حديث الاستسقاء: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس ﵁: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت انتشرت ثم أمطرت، وقال الشاعر (١١) : إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلاً دمه ما يطل

стр. 335

سلا: ببلاد المغرب، بينها وبين مراكش على ساحل البحر تسع مراحل، وهي مدينة (١) قديمة أزلية، فيها آثار للأول معروفة بضفة الوادي، متصلة بالعمارة التي أحدثها هناك أحد ملوك بني عبد المؤمن، وكان قد اتخذ أرباب البلد مدينة بالعدوة الشرقية، وهي المعروفة الآن بسلا الحديثة، وهي على ضفة البحر، وسلا القديمة (٢) خراب الآن. وأما سلا الحديثة فهي منيعة من جهة البحر. لا يقدر أحد من أهل المراكب على الوصول إليها من جهته، وهي حسنة في أرض رمل، ولها أسواق نافقة وتجارات ودخل وخرج، ولأهلها سعة أموال، والطعام بها كثير رخيص جداً، وبها كروم وغلات وبساتين، ومراكب أهل اشبيلية وسائر المدن الساحلية من الأندلس يقلعون عنها ويحطون بها بضروب من البضائع، ويقصدها أهل اشبيلية بالزيت الكثير، ويتجهز منها بالطعام إلى سائر بلاد الأندلس الساحلية، ومرساها مكشوف، إنما ترسي المراكب الواردة عليها في الوادي وتجوزه بدليل لأن في فم الوادي حجارة وتروشاً تنكسر عليها المراكب، فلا يدخلها إلا من يعرفها، وهذا الوادي يدخله المد والجزر مرتين في كل يوم، فإذا كان المد دخلت المراكب به إلى داخل الوادي وكذلك تخرج في وقت خروجها، وفي هذا الوادي أنواع من السمك وضروب من الحيتان، ولا يباع بها ولا يشترى لكثرته وجودته، وكل شيء من المأكولات في مدينة سلا بأيسر القيمة. وكان يوسف بن عبد المؤمن أمر ببناء مدينة كبيرة متصلة بالقصبة التي كان أحدثها بها أمير المؤمنين وفيها جامع وقصور وصهاريج الماء، أمام الجامع وهو مجلوب من نحو عشرين ميلاً، وفي هذه المدينة المحدثة قيسارية عظيمة وحمام وفنادق وديار كثيرة ومياه مطردة وسقايات ومنافع أعدت لورود المحلات عليها، إذ وضعها على المجاز والمعبر إلى مراكش، وعلى هذا المعبر قنطرة مركبة على ثلاث وعشرين معدية، مدت عليها أوصال الخشب وصلبت عليها الألواح والفرش الوثيق الذي لا يؤثر فيه الحافر، تجوز عليه العساكر والمسافرون، ويتصيد حوله أنواع السمك الشابل وغيره، ويمد البحر فترتفع القنطرة ويغطي الجسر فتقوم عليه المراكب وترسي دونه الأجفان الكبار، وقلما تسلم عند دخولها أو خروجها لصعوبة المدخل، وهو مشهور عند أهل البحر، ويقابله من مراسي بلاد الأندلس وادي شلب، وبينهما في البحر يوم وليلة. وهذه البلدة وقت مرور المحلات عليها متفرج عظيم، ولا سيما في الأعوام الخصبة والفصول المعتدلة، وناهيك من ساحل طوله ميلان وعرضه نحو ميل، والزوارق هناك بركابها والمنارة مطلة عليها. وعلقات الثمار وعقد الزيتون وقباب الجلوس للسادة هناك فهي إحدى متنزهات الدنيا. ومن صور رسالة كتب بها أبو العباس بن أمية وهو بسبتة إلى الفقيه أبي المطرف بن عميرة وكان إذ ذاك بسلا: حلوا سلا فسلي فؤادي هل سلا ... النفس أنزع والصبابة أطوع بعدوا فهل لهم اضطلاع بالذي ... حملته من كلف الغرام الأضلع شطر أول ... شطر ثاني شطر أول ... شطر ثاني وقال الفقيه أبو المطرف في فصل جواب هذه الرسالة: قد كان صفو العيش يدنو لو دنا ... ثاو بسبتة من مقيم في سلا من بعدهم لم أرض ظلاً سجسجاً ... كلا ولا استعذبت ماء سلسلا ولا أدري هل سلا هذه هي التي ذكر أنها على ضفة النيل وشماله ببلاد السودان أو هي غيرها، فقالوا (٣) : سلى التي بضفة النيل مدينة حاضرة، بها مجتمع السودان، ومتاجرها صالحة وأهلها أهل بأس وعدة، وهي من عمالة التكروري، وهو سلطان له عبيد وأجناد، وله حزم وجلادة وعدل مشهور وبلاد آمنة، وموضع مستقره مدينة تكرور، وهي في جنوبي النيل، وبينها وبين سلى مقدار يومين في البحر وفي البر. سلاهط (٢) : جزيرة من جزر الهند بها صندل كثير وسنبل وقرنفل، وصفة شجر القرنفل يشبه نبات شجر الحناء ونباته في دقة أغصانه وحمرته، وله زهر يتفتح في كمام شبه شجر النارجيل سواء، فإذا سقط الزهر جففوا تلك الكمام إلى أن تصلح فيخرجونه ويبيعونه للتجار الواردين عليهم فيتجهزون به إلى أقطار الأرض، وفي آخر هذه الجزيرة بركان نار يتقد مقدار ارتفاعه مائة ذراع

стр. 336

فهو بالنهار دخان وبالليل نار تتقد. سلوق (١) : مدينة عظيمة جليلة كثيرة العمران عجيبة البنيان، كانت في ساحل أنطاكية. وسلوق (٢) أيضاً قرية باليمن تنسب إليها الدروع والكلاب، قال النابغة: تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب ولبعضهم: الناس طراً كلاب ... حفوا بكل طريق فمنهم قلطي ... ومنهم كلب سوق فإن ظفرت بحر ... منهم فذاك سلوقي سلمية (٣) : بفتح أوله وكسر الميم وتخفيف الياء، قرية من بلاد اليمامة حسنة عامرة قد أحدقت بها حدائق النخيل، لها تمور حسنة الألوان شهية المأكل. وسلمية (٤) أيضاً بلد من أعمال قنسرين بثغور الشام على طرف البادية، وهو حصن كالمدينة صغير عامر آهل، بينه وبين حمص مرحلة. سلي مانان (٥) : من كور خوزستان، على ضفة نهر الدجلة، حسنة المطلع بهية النواحي مفيدة الزراعات والغلات، بها حوت كثير ولحوم وأرزاق. سلحين (٦) : هو قصر سبأ بمأرب، وفيه أنشدوا: وبعد سلحين يبني الناس أبياتا ... سلى (٧) : بكسر أوله وتشديد ثانيه، موضع بناحية الأهواز، كانت فيه وقيعة عظيمة بين الخوارج الأزارقة وبين المهلب بن أبي صفرة، قتل فيها عبيد الله بن الماحوز رئيس الخوارج وأخوه، وولي بعده أمرهم قطري بن الفجاءة، فإن الخوارج لما أوقعوا بأهل البصرة الوقيعة المشهورة بدولاب هال ذلك أهل البصرة وراعهم، ثم بلغهم أن الخوارج متوجهون نحو البصرة ففزعوا إلى الأحنف بن قيس، فأجمع رأي الناس على أنه ليس للخوارج إلا المهلب، فكلموا المهلب على ذلك فقال: لا أفعل، هذا عهد أمير المؤمنين، يعني عبد الله بن الزبير معي على خراسان، فلم أكن لأدع عهده وأمره، فاحتالوا عليه بأن افتعلوا كتاباً على لسان ابن الزبير يقتضي تحريضه على النهوض إلى الخوارج لما فيه من الخير العاجل والآجل: فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان، فقبل المهلب منهم على شروط شرطها أجابوه إليها، فانتخب الناس فبلغت نخبته اثني عشر ألفاً وعقد الجسر وعبر إلى الخوارج فتنحوا عنه إلى الأهواز، ودس الجواسيس إلى عسكر الخوارج فإذا حشوة ما بين قصاب وصباغ ودابغ، فخطب الناس وذكر من هناك، ثم قال للناس: أمثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم؟! وما زال حتى تتام إليه زهاء عشرين ألفاً، ثم مضى يؤم سوق الأهواز حتى انتهى إلى منزل من منازل الأهواز يقال له سلى وسلبرى، فنزل به المهلب وخندق عليه ووضع المسالح وأذكى العيون وأقام الأحراس، فلم يزل الجند على مصافهم والناس على راياتهم وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمراً محكماً فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسان قط أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه، فبعث الخوارج عبيدة بن هلال والزبير بن الماحوز في جيش عظيم ليلاً إلى عسكر المهلب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن وجاء عبيدة من جانبه الأيسر، فكبروا وصاحوا بالناس فوجدوهم على تعبئتهم ومصافهم حذرين فلم يصيبوا للقوم غرة ولم يظفروا منهم بشيء، فلما أصبحوا أخرجهم المهلب على تعبئتهم: الأزد وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العافية في القلب وسط الناس، وخرجت الخوارج على تعبئة أيضاً وهم أحسن عدة

стр. 337

وأكرم خيولاً وأكثر سلاحاً من أهل البصرة لأنهم فجروا الأرض وأكلوا ما بين الأهواز إلى كرمان، فاقتتلوا أشد القتال، وصبر بعضهم لبعض عامة النهار، ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدة منكرة فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوي أم على ولد حتى بلغت البصرة هزيمة الناس، ونادى مناد أن قد قتل المهلب، ونعي بالبصرة، فنسي الناس رجالهم، وقام أهل كل دار يبكون المهلب لا يسألون عن أحد غيره، وضرب المهلب يومئذ على جبهته ولم يبق يومئذ أحد من ولده إلا جرح، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المنهزمين ثم إنه نادى الناس: إلي عباد الله، فثاب إليه جماعة من قومه من أهل عمان، فاجتمع إليه منهم نحو من ثلاثة آلاف رجل، فلما نظر إلى من قد اجتمع رضي جماعتهم، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع القليل فيظفرون، ولعمري ما بكم من قلة، إني بجماعتكم لراض، وإنكم لأنتم أهل الصبر وفرسان المصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزم معكم، لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، عزمت على كل امرئ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه أو ما استطاع، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن من ذلك آمنون، وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو ألا ترجع إليهم وخيلهم، حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم، ففعلوا ثم أقبل بهم زحفاً، فلا والله ما شعرت الخوارج إلا والمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم، ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه وعليهم الدروع والسلاح كاملاً، فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه ثم يطعنه بعد ذلك برمحه أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيد الله بن الماحوز وأخوه عثمان بن الماحوز، وضرب الله وجوه أصحابه فأخذ القوم عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعاً، وأقبل من كان من الأزارقة في طلب المنهزمين من أهل البصرة راجعين وقد وضع لهم المهلب خيلاً ورجالاً في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفأوا راجعين مفلولين محروبين مغلوبين، فلما أصبح المهلب غدا على القتلى فأصابوا ابن الماحوز قتيلاً، وفي ذلك يقول شاعرهم: مفلولين محروبين مغلوبين، فلما أصبح المهلب غدا على القتلى فأصابوا ابن الماحوز قتيلاً، وفي ذلك يقول شاعرهم: بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وعقرى من كميت ومن ورد وقال أيضاً عبيدة بن هلال منهم: لعمري لقد بعنا الحياة وعيشها ... برضوان رب بالخلائق عالم غداة نكر الخيل تدمى نحورها ... بدولاب يوم المأزق المتلاحم فإن تك قتلى يوم سلى تتابعت ... فكم غادرت أسيافنا من قماقم صريع ومن جيش الجناة، وأصبحت ... بواكيهم يعولن بين المآتم وقال رجل من موالي المهلب: لقد صرعت يومئذ بحجر واحد ثلاثة: رميت رجلاً فأصبت به أصل أذنه فصرعته، ثم أخذت الحجر فضربت به آخر على هامته فصرعته، ثم ضربت به آخر ثالثاً. وقال رجل من أصحاب المهلب: ويوم سلى وسلبرى أحاط بهم ... منا صواعق لا تبقي ولا تذر حتى تركنا عبيد الله منجدلاً ... كما تجدل جذع مال منقعر وانصرفت الخوارج حين انصرفت وإن أصحاب النيران الخمس أو الست ليجتمعون على النار الواحدة من الفلول وقلة العدد، حتى جاءتهم مادة من قبل البحرين، فخرجوا نحو كرمان وأصبهان. وقال المهلب لفارسين من أصحابه: أمعنا في الأرض فمن لقيتما من الناس فاعلماه حياتي وامضيا إلى البصرة فأخبرا أهلها بالظفر، والخبر أطول من هذا وفيما أوردناه كفاية. سلماس (١) : بلد في داخل المشرق، ذكرها السلفي في الأربعين البلدانية. سمنان (٢) : بين الري ونيسابور من عمل قومس التي بناها أنوشروان، وهي مدينة حسنة متوسطة بها أسواق وصناعات، ومن سمنان إلى الدامغان مرحلتان إلى جهة نيسابور.

стр. 338

السماوة (١) : مفازة ببن الكوفة والشام، وقيل بين الموصل والشام، وهي من أرض كلب، وكانت باسم ابن عمليق بن لاوذ بن إرم من العماليق صارت إلى أرض السماوة وهي بين العراق والشام، فأهلكها الله تعالى بالريح السوداء لإفسادها فلم يبق به منهم باقية. سمقندة (٢) : في بلاد السودان بينها وبين كوغة في جهة المغرب عشرة أيام. سمرقند (٣) : مدينة من خراسان، ويقال: إن شمر بن إفريقش (٤) غزا أرض الصغد حتى وصل إلى سمرقند فهدمها ثم ابتناها، ويقال إنها بنيت أيام الإسكندر وتولى ذلك شمر فقيل شمرقند، وعربت فقيل سمرقند، وإلى ذلك أشار دعبل في قوله من قصيدته التي افتخر فيها على الكميت: وهم كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الصين كانوا الكاتبينا وهم وسموا بشمر سمرقنداً ... وهم غرسوا هناك الثبتينا وهي مدينة حسنة (٥) كبيرة على جنوب وادي الصغد، وقصبة الصغد سمرقند، ولها شوارع ومبان وقصور سامية وفنادق وحمامات، وعليها سور تراب متسع (٦) يطيف به خندق، وهي كثيرة الخصب والنعم والفواكه، ولها أربعة أبواب، ويدخل المدينة ماء يجلب إليها، يدخل على باب كبير ويعم أكثر قصورها، ولهذا النهر حفظة وحراس لئلا يصل إليه شيء من الفساد، ولها قهندز حصين، والمسجد الجامع بأسفل المدينة وبينهما عرض المحجة، وفي المدينة ديار شامخة وقصور عظيمة، وقلما يكون فيها قصر ولا دار كبيرة إلا وفيها بستان ومياه متدفقة، وكانت الولاة قبل هذا بسمرقند إلى أن تحولت إلى بخارى، وأكثر سمرقند اليوم خراب لعود الرياسة إلى بخارى. وابتدأ بنيان سمرقند تبع الأكبر وأتم ذلك ذو القرنين. وهي في الإقليم الخامس، وكان طولها في قديم الدهر اثني عشر فرسخاً، وقد تهدم وخرب منها كثير، والعمران منها اليوم أربعة فراسخ، ويضم سورها اثني عشر ألف بستان، ومسجد جامعها أسفل القهندز وبينهما عرض الطريق، وهو منها في ناحية المشرق، وإذا كان يوم الجمعة غدا أهل الناحية الغربية إليه ثم ينصرفون بعد الصلاة فلا يصلون إلى محالهم إلا بعد صلاة العصر. ويشتمل (٧) على سمرقند سور له أربعة أبواب: باب من ناحية المشرق يقال له باب الصين مرتفع عن الأرض ينزل منه في عدد درج مطل على وادي الصغد، وبابها مما يلي المغرب يسمى النوبهار وهو على شرف من الأرض أيضاً، ومما يلي الشمال باب بخارى، ومما يلي الجنوب باب كش، وهي كثيرة الحمامات والخانات، وفي المدينة مياه ظاهرة وبساتين، ودار الإمارة بالمدينة، والربض ممتد من وراء نهر الصغد بموضع يعرف بأفشينة، وقطر السور المحيط بالربض نحو فرسخين في فرسخين، وليس على هذا السور غلق، ومجتمع الأسواق رأس الطاق، ثم يتصل بصغار الأسواق وشوارع السكك، فليس من سكة ولا دار إلا وفيها ماء جار، وقل دار تخلو من بستان. والبلد كله، طرقه وسككه، مفروش بالحجارة. وذكر من يرجع إلى خبرة، أن سمرقند تشتمل على أزيد من ألفي مكان يستقى منه ماء الجمد مسبلة للأجر من بين سقاية مبنية وحباب نحاس منصوبة وقلال خزف في الحيطان مثبتة. وفي الشمال من سمرقند جبل كبير يخرج من تحته عين خرارة قد صنع لها في أصل الجبل طيقان وجلب عليها الماء في قنوات رصاص حتى يصب في سمرقند بمجرى اسمه بارمس (٨) يصب في البحيرة التي في أصل بنكث من سمرقند على نحو ثلاثين فرسخاً، ويخرج في شرقي سمرقند فيصير إلى ماء الصغد وهو موضع درغش (٩)

стр. 339

ومن مدينة سمرقند على أربعة فراسخ يخرج خليج من هذا الوادي يسمى العريش يسقي الرساتيق. ولم يكن لمدينة سمرقند حائط غير سور المدينة، فلما وردها أبو مسلم صاحب الدعوة، بنى حائطاً يحيط بها، وعرض سور المدينة خمسون ذراعاً وارتفاعه من قبل الخندق مائة ذراع، وارتفاع حائط أبي مسلم خمس عشرة ذراعاً، وعرضه سبعة أذرع واستدارته سبعون ألف ذراع وعليه ثلثمائة برج، والغالب على هوائها اليبس، وأهلها يستعملون دسم الطعام كثيراً، ويشتكون بالبواسير ليبسها، وعامة تجارها مراوزة، وعربها من محارب وشيبان والأزد وباهلة وطيء، ويقال: إن فقراء أهلها الذين يعطون الزكاة سبعة عشر ألفاً، وفقراء ربضها وسوادها خمسون ألفاً، وفي باب سمرقند مكتوب: بين هذه المدينة وصنعاء ألف فرسخ. وسمرقند من عمل الصغد وهو كله من خراسان، وحد عمل الصغد غرباً ما بين كرمينية والدبوسية وشمالاً وادي الشاش ومنبرها الأجل سمرقند ثم كش ثم نسف ثم الكشانية ثم اوفر (١) ثم الدبوسية ثم درغش. وذكروا أن الططر (٢) نزلوا على سمرقند انقضاء سنة ست عشرة وستمائة وفي سنة سبع عشرة، وبها من جند خوارزم شاه خمسون ألف فارس، فاغتر بهم أهل المدينة وسبقوهم بالخروج إلى الططر، وأخذ الجند في الاحتياط لما عرفوه من أمور الططر، فتورط البلديون، وقتل منهم في وقعة واحدة سبعون ألفاً، وطلب الجند الأمان، فقال لهم الططر: أعطونا سلاحكم وخيلكم واخرجوا في أمان الله، فلما أخذوا سلاحهم وخيلهم قال شيخ مجرب منهم: أهكذا نقتل كما يقتل كذا؟ أما تعلمون غدر هؤلاء القوم وكيف قتلوا جند بخارى وجميع عامتها بعد العذاب والفضيحة في الحرم؟ والله لا أنزل حتى أقتل أو أرى ما يفعل الله بأصحابي، فحكي ذلك لجنكيزخان، فقال: ما في هذه المدينة رجل غير هذا الشيخ، يقف حتى يشاهد ما نفعل بأصحابه، ثم قتلوا عن آخرهم وهو ينظر إليهم، وقيل للشيخ: قد أعتقك خاقان لأنك رجل، فسر حتى تحدث خوارزم شاه، فسار على فرسه إلى خوارزم شاه وجعل يحذر الجند والعامة من أن يركنوا إلى أمان الططر وغدرهم (٣) ومكرهم. ثم أنهم فعلوا بعامة سمرقند ما فعلوه بأهل بخارى ورحلوا عن المدينة وهي خاوية على عروشها. وكانت سمرقند في نهاية العظم، وكان بها جامع على قدر المدينة، وأهلها حنفية لا يرون الصلاة في جامعين، فكانوا إذا صلي الظهر من يوم الجمعة ركبوا أو باتوا في أماكن لهم قرب الجامع لتقرب عليهم المسافة يوم الجمعة، فقس على هذا كيف كانت هذه المدينة وما كان فيها من العدد. سميساط (٤) : بلد من بلاد العجم منها السميساطي (٥) ، رجل من العجم كان موصوفاً بالورع والزهد، كان بنى خانقة للصوفية بدمشق في موضع الدار التي كانت لعمر بن عبد العزيز ﵁ كان اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة، وأمر أن يدفن فيها ويختم عليه القرآن كل ليلة جمعة، وعين من تلك الأوقاف لكل من يحضر لذلك في كل ليلة جمعة رطلاً من خبز الحوارى، وكان سبب تموله أنه وجد يوماً من الأيام إزاء داره المذكورة رجلاً أسود مريضاً مطروحاً بموضعه لا يلتفت إليه أحد فتأجر الله تعالى فيه والتزم تمريضه وخدمته اغتناماً للثواب فجاءت وفاة الرجل، فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور وقال: أنت قد أحسنت إلي وخدمتني ولطفت بي ومرضتني، وأشفقت لحالي وغربتي، فأنا أريد أن أكافئك على ذلك زائداً على مكافأة الله تعالى لك عني في الآجل، إن شاء الله تعالى، إني كنت أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسي معروفاً بزمام الدار؛ وكانت لي حظوة ومكانة، فعتب علي في بعض الأمر فخرجت طريداً فانتهيت إلى هذه البلدة، فأصابني من أمر الله تعالى ما أصابني، فقيضك الله تعالى لي رحمة، فأنا أقلدك أمانة وأعهد إليك عهداً، إذا أنا مت وغسلتني ودفنتني فانهض إلى بغداد، وتلطف في السؤال عن دار زمام فتى الخليفة، فإذا أرشدت إليها فتحيل في اكترائها وأرجو أن الله تعالى يعينك على ذلك، فإذا سكنتها فاعمد إلى موضع سماه له وذكر له إمارة عليه فاحفر فيه مقدار كذا، وانزع اللوح الذي تجد متعرضاً تحت الأرض، وخذ الذي تجده مدفوناً وصيره في منافعك وما يوفقك الله إليه من وجوه الخير وأعمال البر

стр. 340

مباركاً لك في ذلك إن شاء الله تعالى، ثم توفي الرجل المريض وتوجه الموصى إليه بعهده إلى بغداد، فيسر الله له في اكتراء الدار، وانتهى إلى الموضع المذكور، فاستخرج منه ذخائر لا قيمة لها عظيمة الشأن كبيرة القدر، فدسها في أحمال متاع ابتاعها وخرج من بغداد إلى دمشق، فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز ﵁، وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها، وابتاع لها الأوقاف ضياعاً ورباعاً، وجعلها برسم الصوفية، وأوصى بأن يدفن فيها وأن يختم القرآن على قبره كل جمعة، وعين لكل من حضر لذلك ما ذكرناه، فوجد الغرباء والفقراء في ذلك مرفقاً كثيراً، فتغص الخانقة بالفقراء (١) في كل ليلة جمعة فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز على الصفة المذكورة. سمندر (٢) : مدينة بالهند، واسعة المتاجر كثيرة المنافع لأهلها بضائع وأحوال (٣) كثيرة، والإقلاع منها والحط بها كثير، وهي من أعمال القنوج (٤) وهو ملك تلك البلاد، وهي أيضاً على جون (٥) يصل إليها من مدينة قشمير، وفيها حبوب وأرز كثير وحنطة ممكنة، ويحمل إليها العود من مسيرة خمسة عشر يوماً في ماء عذب من بلاد كارموت، وهناك منابت عود جيد طيب. ولهذه المدينة جزيرة كبيرة تسامتها وبينهما مجرى ساعة، وهذه الجزيرة عامرة بالناس والتجار من كل الآفاق، ومنها إلى جزيرة سرنديب أربعة مجار. وكانت سمندر (٦) دار مملكة الخزر على ثمانية أميال من مدينة الباب، والخزر بلاد كبيرة، مسلمون ونصارى وفيهم عباد أوثان ولهم بلاد ومدن منها سمندر هذه، وهي خارج الباب والأبواب. وبلنجر وغيرها، وكانت تلك البلاد بناها أنوشروان كسرى، وهي الآن عامرة، ومن باب الأبواب إلى سمندر أربعة أيام، وبين باب الأبواب ومملكة السرير ثمانية أيام، ويسكن سمندر اليوم خلق من الخزر، وكانت افتتحت في بدء الزمان على يد سليمان بن ربيعة الباهلي ﵁، وقد كان يهود ملك الخزر في خلافة الرشيد فانصرف إليه خلق من اليهود ووردوا عليه من سائر أمصار المسلمين وبلاد الروم. وهم يحرقون موتاهم ودواب بيتهم والآلة والحلي، وإذا مات الرجل منهم أحرقت معه امرأته وهي بالحياة، وإن ماتت المرأة لم يحرق الرجل، وإن مات منهم عزب زوج بعد وفاته، يرتجين في تحريق أنفسهن دخول الجنة، وهذا كما تفعله الهنود بأنفسها. وكانت (٧) سمندر قبل هذا عامرة وكان بها من الأشجار والكروم ما لا يحصى فأتت قبيلة الروس عليها فأهلكتها وغيرت حالها، ومن آخر حدودها إلى أول عمالات صاحب السرير أحد وخمسون ميلاً. سمورة (٨) : هي دار مملكة الجلالقة، على ضفة نهر كبير جداً خرار كثير الماء شديد الجرية عميق القعر، وبين سمورة و (٩) البحر ستون ميلاً، وسمورة مدينة جليلة قاعدة من قواعد الروم، وعليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمته الملوك السابقة، وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة. وقد كان عبد الرحمن بن محمد الخليفة الأموي بالأندلس غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة (١٠) ألف من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة وهي سمورة هذه. وكان (١١) أشد ما على الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، على أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً، وكان لعبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس وزير من ولد أبيه (١٢) يقال له أحمد بن إسحاق، قبض عليه عبد الرحمن لموجدة وجدها عليه، فقتله عبد الرحمن، وكان لذلك الوزير أخ يقال له أمية في مدينة شنترين من ثغور الأندلس، فلما نمي إليه ما فعل

стр. 341

بأخيه عصى عبد الرحمن وصار في حيز رذمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام عن المدينة يتصيد في بعض متنزهاته، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعه من الدخول إليها، وكاتب عبد الرحمن، فمضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى رذمير فاصطفاه واستوزره وصيره في جملته. وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس مدينة سمورة دار مملكة الجلالقة، وكان في أزيد من مائة ألف فكانت الوقيعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوال سنة سبع وعشرين وثلثمائة كما قدمناه، فكانت للمسلمين عليهم، ثم ثابوا بعد أن حصروا وألجئوا إلى المدينة، فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفاً، وقيل إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، خوفه الكمين ورغبه في ما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية هذا استأمن عبد الرحمن بعد ذلك وتخلص من رذمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبول، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الوقيعة جند عساكر مع عدة من قواده إلى دار الجلالقة، فكانت لهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقيعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم. ومدينة سمورة محدثة، اتخذت داراً سنة ثمان وثمانين ومائتين. ال سنح (١) : منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة النبوية، وهو أطم من آطام المدينة، وبه سميت تلك الناحية، وفي الخبر أن أبا بكر ﵁ كان ساعة موت النبي ﷺ في أهله ب السنح . سنح (٢) : في بلاد التبت من أرض الأتراك، وهي متوسطة الكبر في رأس جبل منيع، عليها سور حجارة حصين، ولها باب واحد وبها صناعات للترك وأعمال وتجارات كثيرة مع من جاورهم وسار إليهم من أرض كابل وأرض الجبل، ويجلب إليها الحديد المنسوب إلى التبت والمسك. ويحكى أن في هذا الجبل المتصل بسنح ينبت السنبل كثيراً وفي غياضه دواب المسك ترعى السنبل وتشرب من ماء الوادي الجاري إلى سنح فيكون من غذائها هذا المسك، وفي هذا الجبل كهف بعيد القعر يسمع فيه خرير ماء جار، ولا يدرك لهذا الكهف قعر ألبتة، وصوت الماء وخريره مسموع سماعاً فاشياً ولا يعلم حقيقة ما هو عليه إلا الله سبحانه. وينبت بهذا الجبل كثيراً الراوند الصيني ومنه يتجهز به إلى كثير من الآفاق ويتصل بالمشرق والمغرب. سنترية (٣) : مدينة متصلة بأرض الجفار، وهي مدينة صغيرة بها منبر وقوم من البربر وأخلاط من العرب المتحضرة، وهي على أول الصحراء، ومنها إلى البحر الشامي في جهة الشمال تسع مراحل، وشرب أهلها من الآبار وعيون قليلة، وبها نخل كثير. ومن سنترية يسير من أراد الدخول إلى أرض كوار وسائر بلاد السودان، وكذلك من سنترية إلى أوجلة عشرة أيام. سنجة (٤) : قرية من قرى مرو بعمل خراسان. قال المسعودي (٥) : قنطرة سنجة إحدى عجائب العالم، وهي ناحية سميساط من الثغور الجزرية، وسنجة نهر تعرف القنطرة به يصب في الفرات. سنداد (٦) : نهر فيما بين الحيرة إلى الأبلة. وقصر سنداد بظهر الكوفة، وهو الذي ذكره الأسود بن يعفر في قصيدته المشهورة، فقال (٧) : ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد

стр. 342

أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد أرض تخيرها لطيب مقيله ... كعب بن مامة وابن أم دواد جرت الريح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد سنابل (١) : قرية بأرض عمان منها مازن بن الغضوبة الطائي (٢) وفد على النبي ﷺ ، قالوا: وسبب إسلامه ووفوده على النبي ﷺ وإقطاعه له أرض عمان، قال: عترت يوماً عتيرة، وهي الذبيحة، فسمعت صوتاً من الصنم يقول: يا مازن أقبل أقبل فاسمع ما لا يجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل، عن حر نار تشعل، وقودها بالجندل. قال مازن: فقلت والله إن هذا لعجب، ثم عقرت بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتاً أبين من الأول، وهو يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر بعث نبي من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتاً من حجر، تسلم من حر سقر. قال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب، وإنه لخير يراد بي، وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك. قال: خرج بتهامة رجل يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله، يقال له أحمد، فقلت: هذا والله نبأ ما سمعت، فثرت إلى الصنم فكسرته أجذاذاً، وشددت راحلتي ورحلت حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فشرح لي الإسلام فأسلمت، وأنشأت أقول: كسرت يا جر (٣) أجذاذاً وكان لنا ... رباً نطيف به ضلاً بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منا على بال يا راكباً بلغن عمراً وإخوتها ... أني لما قال ربي ياجر قال وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر وبالهلوك إلى النساء، وألحت علي السنون فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتني بالحيا ويهب لي ولداً، فقال النبي ﷺ : " اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وأتهم بالحيا وهب له ولداً "، فقال مازن: فأذهب الله عني كل ما أجد. وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر ووهب الله تعالى لي حبان (٤) بن مازن وأنشأت أقول: إليك رسول الله سقت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى ... فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر خالفت في الله دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت امرءاً بالدعب والخمر مولعاً ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فأصبحت همي في جهاد ونيتي ... ولله ما صومي ولله ما حجي سنجار (٥) : هي برية الثرثار، ومدينتها الحضر، وهي كلها من الجزيرة، وفي سنجار فوهة نهر الخابور، ويمر حتى يصب في الفرات، وهو الذي يقول فيه الشاعر: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور وفي سنة ست عشرة وستمائة (٦) مات صاحب سنجار قطب الدين أبو المظفر محمد بن عماد الدين زنكي فقام ابنه شاهنشاه مقامه، فأساء السيرة، فهرب كثير من أكابر الدولة إلى جاره الملك الأشرف بن العادل، فوصلوا في خدمته إلى سنجار وحصره حتى استولى عليها وأخرجه فمات سليباً غريباً.

стр. 343

سندروسة (١) : هي جزيرة في البحر المحيط، حكي أن قوماً مروا بجزيرة في هذا البحر، والبحر قد هاج وعظم، فنظروا فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية وعليه ثياب خضر وهو مستقل على الماء بقول: سبحان من دبر الأمور، وعلم ما في ضمائر الصدور، وألجم بقدرته البحور، سيروا بين الغرب والشرق حتى تنتهوا إلى جبال، فاسلكوا أوسطها تنجوا بحول الله وتسلموا، فركبوا السمت الذي حد لهم حتى انتهوا إلى جزيرة سندروسة هذه، وفيها أمة طوال الوجوه معهم قضبان الذهب المخلوقة يعتمدون عليها ويحاربون بها، على رؤوسهم الذهب، وثيابهم منسوجة بالذهب وطعامهم الموز، فأقاموا عندهم شهراً وأخذوا من قضبان الذهب التي عندهم ما استطاعوا حمله، ثم ساروا على السمت فخلصوا. وكان الذي أرشدهم الخضر ﵇ وتلك الجزيرة مكان قراره وهي وسط البحر الأعظم. السند: بلاد كبيرة فيما بين ديار فارس وديار الهند، وبلغ المأمون أن بشر بن داود المهلبي والي السند أنشد في مجلسه بيت دعبل: من أي ثنية نجمت معد ... وكانوا معشراً متنبطينا فقال المأمون: جواب هذا يأتي بعد إن شاء الله تعالى، وأنفذ غسان بن عباد إلى السند، وأمره في بشر بأمره، فأنفذ بشراً مقيداً، فقال المأمون: هذا وقت الجواب، قولوا لبشر نجمت معد من الثنية التي نجم عليك منها غسان فهد أركانك وأزال سلطانك وأخذ مالك وأرمل عيالك. والسند مما يلي الإسلام ثم الهند، ولغتهم غير لغة الهند، وفي شرقي بلاد السند مكران وطراز وشيء من بلاد الهند، وفي غربيها كرمان ومفازة سجستان وأعمالها، وفي الشمال منها بلاد الهند. سناسنا (٢) : جزيرة بالهند عامرة كثيرة الصادر والوارد، بينها وبين الساحل أقل من نصف مجرى. قالوا: وفيها بئر تخرج منها في بعض الأوقات نار محرقة. سفوان (٣) : ماء بين ديار بني شيبان وديار بني مازن على أربعة أميال من البصرة، ومكان سفوان من البصرة كمكان القادسية من الكوفة، التقت عليه القبيلتان فتنازعتا فيه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظهرت بنو تميم وشلوا (٤) بني شيبان، وقال الشاعر: رويداً بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غداً خيلي على سفوان وسفوان أيضاً واد بقرب بدر موضع الوقيعة المباركة النبوية، وهو الذي بلغ إليه النبي ﷺ في غزوة بدر الأولى. سقمانية (٥) : مدينة في بلاد الترك تلي الأرض المنتنة من جهة شمالها، وهي مدينة كبيرة عامرة لا ملك لها ولا رئيس، إنما يتولى أحكامها ويتصرف في أمورها شيوخها ورؤوسها، وهذه المدينة في رأس جبل منيع، ولأهلها مزارع ومدافن في حضيض جبلها، ويسمى جبلها طغورا، سمي الجبل باسم طغورا، مدينة هناك على ست مراحل من مدينة سقمانية، والمدينتان معاً في الأرض المنتنة وفي غربي أرض سيسان (٦) وأرض سيسان، كلها خراب من قبل أيام الإسكندر وبنيانه السد. السقيا (٧) : بالحجاز، قرية جامعة في طريق مكة من المدينة، ومن العرج إلى السقيا ستة وثلاثون ميلاً، وهي منزل عظيم فيه أهل كثير وبساتين كثيرة وفيه شجر ونخيل، ومن السقيا إلى الأبواء سبعة وعشرون (٨) ميلاً. سقوطرى (٩) أو سقطرى: جزيرة معروفة من الإقليم الأول، وبينها وبين الساحل مجريان بالريح الطيبة، وهي جزيرة واسعة

стр. 344

القطر جليلة القدر نامية الشجر، طولها ثمانون فرسخاً، وأكثر نباتها شجر الصبر، ولا صبر يفوق صبرها في الطيب كالذي يتخذ بحضرموت اليمن وبالشحر وغيرها، وتتصل من جهة الشمال والمغرب ببلاد اليمن، بل هي محسوبة منه ومنسوبة إليه، وبها من جميع قبائل مهرة، وبها نخل كثير، ويسقط إليها العنبر، وإذا قيل لمهري: يا سقطري، غضب، وتقابلها بلاد الزنج، وأكثر أهل هذه الجزيرة نصارى، لأن الإسكندر لما غلب على ملك فارس وغزت أساطيله جزائر الهند وقتل ملك الهند، وكان معلمه أرسطوطاليس قد أوصاه بطلب جزيرة الصبر فكان في بال الإسكندر ذلك من أجل وصية معلمه، فعند فراغه من أخذ جزائر الهند وتغلبه عليها وعلى ملوكها أخذ راجعاً في بحر الهند إلى جهة البحر العماني إلى أن وصل إلى جزيرة سقطرى فأعجبه طيب ثراها واعتدال هوائها، فكتب إلى معلمه بذلك، فأجابه يأمره بأن ينقل أهلها عنها ويستبدلهم باليونانيين ويوصيهم بحفظ شجرة الصبر وحياطتها لما في ذلك من المنافع الطبية، وأنه لا تتم الايارجات إلا به، مع انتفاع جميع الأمم بتصريفه لأنه في ذاته دواء جليل كثير المنافع، ففعل الإسكندر ذلك فأخرج عنها جملة أهلها ونقل إليها قوماً من اليونانيين، وأمرهم بحفظ شجرة الصبر والقيام بها وغراستها وإدامة تنميتها، ففعلوا ذلك إلى أن ظهر دين المسيح فآمنت به، فدخل أهل سقوطرى في دين النصرانية، وبقايا ذراريهم بها إلى هذا الوقت مع سائر من سكنها من غيرهم، وأوراق شجر الصبر تجمع في شهر يوليه، ويستخرج لعابها ويطبخ في قدور النحاس وغيرها، ويوضع في زقاق ويجفف في شهر أغشت للشمس، ويباع منه بهذه الجزيرة قناطير فيتجهز به إلى الآفاق شرقاً وغرباً. وقد يسقط العنبر إلى جزيرة سقوطرى (١) ، ومن عمان إلى الساحل إلى سقوطرى، والطريق من عمان إلى مسقط على الساحل ثم منه إلى سقوطرى، وبها الصبر الذي لا يعدل به كما قلناه. سقوما (٢) : قلعة سقوما على مقربة من فاس بالمغرب. ولما وصل موسى بن نصير إلى طنجة، مال عياض بن عقبة إلى قلعة سقوما ومال معه سليمان بن مهاجر وسألا موسى الرجوع معهما فأبى، وقال: هؤلاء قوم في الطاعة، فأغلظا له القول حتى رجع فقاتل أهل سقوما، فكان لهم على العرب ظهور، فجاءهم عياض بن عقبة من خلفهم فتسور عليهم في قلعتهم، فانهزم القوم واشتد القتل فيهم فغلبوا، وكتب موسى إلى الوليد بن عبد الملك أنه سار إليك يا أمير المؤمنين من بني سقوما مائة ألف رأس، فكتب إليه الوليد: ويحك أظنها بعض كذباتك، فإن كنت صادقاً فهذا محشر الأمم. ولم يكن بالمغرب أعظم من مدينة سقوما. سهرورد (٣) : بلدة بين زنجان وهمذان. السواجير (٤) : موضع بالشام. سويقة (٥) : بالتصغير، موضع بشق اليمامة. وسويقة أيضاً بمقربة من المدينة بها كانت منازل حسن بن حسن بن علي ﵃، قال موسى بن عبد الله بن حسن: خرجت من منازلنا بسويقة جنح ليل، وذلك قبل خروج محمد أخي، فإذا أنا بنسوة توهمت أنهن خرجن من ديارنا فأدركتني غيرة عليهن، فاتبعتهن لأنظر أين يردن، حتى إذا كن بطرف الحفير (٦) التفتت إلي إحداهن وهي تقول: سويقة بعد ساكنها يباب ... لقد أمست أجد بها الخراب فقلت لهن: أمن الإنس أنتن، فلم يراجعنني، فخرج محمد هذا فقتل وخربت ديارنا. وقال إسماعيل (٧) : لقيني موسى بن عبد الله فقال لي: هلم حتى أريك ما صنع بنا بسويقة، فانطلقت معه، فإذا نخلها قد عضد عن آخره، وديارها ومصانعها قد خربت فخنقتني العبرة، فقال: إليك فنحن والله كما قال دريد بن الصمة:

стр. 345

تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا لكن جبلت على الصبر وقال سعيد بن عقبة: نزلت ببطحاء سويقة فاستوحشت لخرابها إلى أن خرجت ضبع من دار عبد الله بن حسن فقلت: إني مررت على دار فأحزنني ... لما مررت عليها منظر الدار وحشاً خراباً كأن لم تغن عامرة ... بخير أهل لمعتر وزوار لا يبعد الله قوماً كان يجمعهم ... جنبا سويقة أخيار لأخيار الرافعين لساري الليل نارهم ... حتى يؤم على ضوء من النار والدافعين عن المحتاج خلته ... حتى يحوز الغنى من بعد إقتار وسويقة بني مسعود بالقرب من طرابلس تسكنها قبائل من هوارة تحت طاعة العرب، وبها سوق مشهورة وقصور كثيرة، وأهلها يحرثون الشعير على السقي. السوس: من كور الأهواز وهي مدينة الأهواز في القديم، وهي بالفارسية شوش أي جيد. وفتحها أبو موسى الأشعري ﵁ سنة تسع عشرة فدل على جثة دانيال (١) ، فقام رجل إلى جنبه فكانت ركبة دانيال محاذية رأسه، وأخذ أبو موسى ﵁ خاتمه وفصه حجر أحمر، نقشه دبان مختلفة أوساطه، ووجدت معه كتب صحف، فبيعت بأربعة وعشرين درهماً، فوقعت إلى الشام. قالوا (٢) : ولما نزل أبو موسى ﵁ على السوس قاتل أهلها وحاصرهم حتى نفد ما عندهم من الطعام فضرعوا إلى الأمان وسأل مرزبانهم أن يؤمن ثمانون منهم على أن يفتح باب المدينة ويسلمها، فسمى الثمانين (٣) وأخرج نفسه منهم، فأمر به أبو موسى ﵁ فضربت عنقه ولم يعرض للثمانين وقتل من سواهم من المقاتلة، وأخذ الأموال وسبى الذرية، ورأى أبو موسى ﵁ في قلعتهم بيتاً عليه ستر، فسأل عنه، فقيل إن فيه جثة دانيال، وأنهم كانوا قحطوا فسألوا أهل بابل دفعه إليهم يستسقون به ففعلوا، وكان بخت نصر سبى دانيال وأتى به بابل فقبض بها، فكتب أبو موسى ﵁ بذلك إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر ﵁ أن كفنه وادفنه، فسكر أبو موسى نهراً حتى إذا انقطع الماء عنه دفنه فيه ثم أجرى الماء عليه. ومن طريف ما حكي في فتح السوس ما ذكره سيف، قال (٤) : لما أحاط المسلمون بالسوس ناوشوهم مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين (٥) ، فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا، وصادف ابن صياد يومئذ في خيل المسلمين، فأتى باب السوس غضبان فدقه برجله وقال: انفتح، فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق، وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح، الصلح، فأجابهم المسلمون إلى ذلك بعدما دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ثم افترقوا. والسوس أيضاً في أقصى بلاد المغرب، وهي مدينة جليلة حاضرة جامعة لكل خير وفضل، وأهلها أخلاط، وهي بلاد السكر ويصنع بها منه كل شيء كثير ويتجهز منه إلى الآفاق ويصل فاضله إلى أقصى خراسان، ويصنع بها من الخز العتيق كل جليلة، وبها فواكه كثيرة. وهذا السوس (٦) الغربي قرى وعمارات كثيرة متصلة بعضها ببعض، وبها من الفواكه الجليلة أجناس مختلفة وأنواع كثيرة كالجوز والتين والعنب العذاري والسفرجل والرمان والأترج الكثير

стр. 346

والمشمش والتفاح المنهد وقصب السكر الذي ليس في الأرض مثله طولاً وعرضاً وحلاوة وكثرة ماء، ويعمل منه ببلاد السوس من السكر ما يعم أكثر أهل الأرض ويشف على كل أنواع السكر في الطيب والصفاء، وتعمل بالسوس الأكسية الرقاق ومن الثياب ما لا يقدر أحد على عمله، وفي نسائهم جمال فائق وحسن بارع وحذق بصناعات أيديهن. وهي بلاد حنطة وشعير وأرز ممكن بأيسر قيمة، والغالب على أسعارها الرخص وعلى أهلها الجفاء وغلظ الطبع، وهم أخلاط من البرابر والمصامدة، وزيهم لباس أكسية الصوف التفافاً، ولهم بشعورهم اهتمام يغسلونها بالحناء في كل جمعة مرتين برقيق البيض والطين الأندلسي، ولا يمشي الرجل منهم أبداً إلا وفي يده رمحان قصار العصي طوال الأسنان رقاقها، ويأكلون الجراد أكلاً لما مقلواً ومملوحاً، وهم فرقتان: مالكية وحشوية (١) ، وبينهم القتال والفتنة أبداً، غير أنهم أرفه الناس وأكثرهم خصباً، وشرابهم المسمى آنريز حلو ويسكر سكراً عظيماً ويفعل بشاربه ما لا تفعله الخمر لمتانته وغلظ مزاجه، وهم يرونه حلالاً ما لم يتعد به حد السكر، وبين السوس وأغمات ست مراحل. ومن السوس الإمام المهدي محمد بن تومرت (٢) ، كان يقال له الفقيه السوسي. ويقال للسوس: السوس الأقصى (٣) ، وهي مدن كثيرة وبلاد واسعة، يشقها نهر عظيم يصب في البحر المحيط يسمى وادي ماست، وجريه من القبلة إلى الجوف كجري نيل مصر، وعليه القرى المتصلة والعمارة الكثيرة، والبساتين والجنات بأنواع الفواكه والثمار والأعناب وقصب السكر، ولم يتخذ الساكنون على هذا الوادي قط رحى، فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: كيف نتخذ هذا الماء المبارك في إدارة الأرحاء. وهم يتطيرون بها، وعلى هذا النهر قرية كبيرة جداً تعرف بتارودانت، وهي أكثر بلاد الدنيا قصب سكر، وفيها معاصر للسكر كثيرة. وهذه البلاد أخصب بلاد المغرب وأكثرها فواكه وخيرات، ومنها يجلب السكر إلى جميع بلاد المغرب والأندلس وإفريقية، وهو المشهور بالطبرزذ المعروف عند الأطباء، وعلى مصب هذا الوادي في البحر رباط مقصود له موسم عظيم ومجتمع جليل وهو مأوى للصالحين، ومن وادي السوس إلى مدينة نول ثلاث مراحل في عمارة متصلة تسكنها جزولة ولمطة، وهم أمم كثيرة، وقاعدة بلاد السوس ايكلي (٤) ، وهي مدينة كبيرة قديمة في سهل من الأرض على النهر الكبير المذكور، وهي كثيرة البساتين والتمر وجميع الفواكه، وربما بيع فيها التمر. بما دون كراء الدابة من الجنات إلى السوق، ومعاصر قصب السكر بها كثيرة، وأكثر شرب أهلها إنما هو قصب السكر، ويعمل بها النحاس المسبوك ويتجهز به إلى بلاد السودان. ووصل عقبة بن نافع إلى هذه المدينة عند دخول بلاد المغرب وافتتحها، فأخرج منها سبياً لم ير مثله حسناً، فكانت الجارية الواحدة منهن تباع بألف دينار وأكثر لحسنها وتمام خلقتها. ويعمل بهذه المدينة زيت الهرجان (٥) ، وشجره يشبه الكمثرى إلا أنه لا يعلو كعلو شجر الكمثرى ولا يفوت اليد. وأغصانه نابتة من أصله لا ساق لشجرته، ولها شوك، فيجمع ويترك حتى يذبل ثم يوضع في مقلى فخار على النار فيستخرج دهنه، وطعمه يشبه طعم القمح المقلو، وهو حينئذ محمود الغذاء يسخن الكلى ويدر البول. وبالسوس عسل يفوق عسل جميع الأمصار، ويلقي البلديون (٦) على الكيل منه خمسة عشر كيلاً وحينئذ يتأتى نبيذاً، فإن كان الماء أقل من ذلك بقي حلواً ولا ينحل إلا بالماء الشديد الحرارة، ولونه أخضر في لون الزمرد. ومن مدن السوس تامدلت (٧) ونول لمطة، وغيرهما. السويداء: مدينة بقرب دمشق بينهما ستة فراسخ، وهي على رأس جبل، حصينة، وحواليها مزارع وأشجار الزيتون والكروم، وماؤها من عين تجتمع في بركة. السويدية (٨) : مدينة هي فرضة أنطاكية على البحر، وبها يقع

стр. 347

نهر أنطاكية المسمى العاصي، ويحتمل أن تكون هي السويداء المتقدمة الذكر (١) . سوق الأهواز (٢) : ويقال لها سوق الأربعاء، بينها وبين عسكر مكرم مرحلة، وهي من عمل خوزستان، وهي مدينة حسنة بها سوق مشهورة في يوم معلوم، وبها فواكه ونعم كثيرة ومتاجر ودخل وخرج وجباية كثيرة. قالوا (٣) : ولما انهزم الهرمزان بالقادسية استمد عتبة بن غزوان سعد بن أبي وقاص فأمده بمدد فاقتتلوا، فهزم الهرمزان ومن كان معه، وأصاب منهم المسلمون ما شاءوا واتبعوهم حتى وقفوا على شواطئ دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بجبال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها وصار دجيل بينه وبين المسلمين، فرأى الهرمزان ما لا طاقة له به، فطلب الصلح وكتب إلى عتبة فأجابه إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان ما خلا نهر تيرى، ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، قال: فإنا لا نرد عليهم ما تنقذنا. سوق ماكسن (٤) : مدينة على وادي شلف لصنهاجة عليها سوق وفيها عيون. سوسة: من بلاد إفريقية، وإليها تنسب الثياب الرقيقة السوسية، ويقال لها البيضاء، ومنها ركب أسد بن الفرات البحر غازياً إلى صقلية في الزمان الأول. وهي مدينة (٥) قديمة فيها آثار للأول، وهي على ساحل البحر، وفيها بنيان عظيم يسمى الملعب، وهو من أغرب البنيان، فيه أقباء معقودة بحجر النشف الذي يطفو فوق الماء المجلوب من بركان صقلية، وداخل المدينة هيكل عظيم يسميه البحريون الفنطاس، وهو أول ما يرون من البحر إذا قصدوا من صقلية وغيرها. وسوسة في سند عال ترى دورها منه، وهي مخصوصة بكثرة الأمتعة وجودة حوك الثياب الرقاق وقصارتها، وجميع أشغال الثياب الرفيعة من طرز وكمد لا يصنع ببلد مثل صنعته بهذه المدينة، ويباع الغزل بها زنة المثقال بمثقالين، ولحم سوسة أطيب لحوم بلاد إفريقية لطيب مراعيها، وبالقرب منها محرس المنستير الذي جاء فيه الأثر الوارد، وهو حصن عالي البناء متقن العمل وفيه جماعة من الصالحين حبسوا أنفسهم فيه للعبادة، وأهل تلك البلاد يخرجون إليهم بالصدقات. وبقربه نحو خمسة محارس متقنة البناء معمورة بالصالحين. وبين سوسه (٦) وحصن اهرقلية ثمانية عشر ميلاً وسوسة عامرة بالناس كثيرة المساجد، والمسافرون إليها قاصدون وعنها صادرون وبها المتاع الذي لا يوجد في غيرها وأسواقها عامرة، ومياههم من المواجل، وعليها سور من حجر حصين. وكان بين أهلها وبين أهل المهدية في القديم مشاحنة مشهورة، ومن المداعبات كان الأستاذ أبو عبيد الله (٧) محمد بن عبد الجبار السوسي ﵀ يسأل عن قول الشاعر: لا (٨) تلمني على الدناءة إني ... تونسي وجزت يوماً بسوسه فيقال (٩) له: أي البلدين أعظم دناءة؟ والبيت المشهور إنما هو: وقد سكنت الجزيرة. وبالصين أيضاً مدينة سوسة (١٠) ، وهي مشهورة مذكورة، كثيرة التجارات متصلة العمارات، وأموال أهلها كثيرة، وتجاراتهم موفورة، وعمال فراضهم مفترقون في الآفاق، وتتصل بكل الأمصار، ويصنع بها الغضار الصيني الذي لا يعدله شيء من فخار الصين جودة، وبها طرز كثيرة مشهورة بعمل الحرير الصيني الرفيع القيمة

стр. 348

المحكم الصنعة الذي لا يقرن به غيره. السواد (١) : سواد الكوفة: كسكر إلى الزاب إلى عمل حلوان إلى القادسية، وسواد البصرة: الأهواز وفارس ودهستان، وهذه كلها من أرض العراق. وعن الشعبي (٢) : أن عمر بن الخطاب ﵁، بعث عثمان بن الأحنف، فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، يعني موضع الغلة فيه، وأما على تكسير الذراع فمائتا ألف ألف وخمسة وعشرون ألف ألف جريب، فوضع منها بالتخمين آكاماً وآجاماً وسباخاً وطرقاً ومجاري أنهار ومواضع المدن والقرى الثلاث، ويبقى بعد ذلك مائة ألف ألف وخمسة وسبعون ألف ألف جريب، وكان قيمة ما يلزم كل جريب من الخراج على التخمين درهمين، وذلك أقل من العشر، وإذا أضيف ذلك إلى خراج أهل الذمة بلغ من الورق مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم، فقيل وضع عليه عمر ﵁ درهماً واحداً وقفيزاً، فجبى عمر ﵁ السواد من الورق مائة ألف ألف درهم وثمانية وعشرين ألف ألف درهم، وجباه عمر بن عبد العزيز ﵁ مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف، وجباه الحجاج بظلمه وعسفه ثمانية عشر ألف ألف، ومنع أهل السواد ذبح البقر ليكثر الحرث والزرع، فقال الشاعر: شكونا إليه خراب العراق ... فحرم فينا لحوم البقر وكان كما قال من قبلنا ... أريها السهى وتريني القمر وقد كانت هيت وعانات أيام الفرس داخلة في حد السواد من طسوج الأنبار (٣) إلى أن بلغ أنوشروان أن طائفة من العرب أغارت من ماء قريب من حد السواد إلى البادية فأمر بحفر خندق من هيت حتى يأتي كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر ليكون ذلك مانعاً لمن أراد السواد، والسواد اثنتا عشرة كورة. سورا (٤) : مدينة بناحية السواد، حسنة متوسطة القدر ذات سور وأ سواق ، وبها عمارة كافية ونخيل وأشجار وبساتين وفواكه جمة وزراعات واسعة، ومنها ينصب الفرات فيما يحاذي قصر ابن هبيرة، وبها قبر الحسين بن علي ﵄، وله مشهد عظيم في أوقات من السنة. سواكن (٥) : مدينة بقرب جزيرة عيذاب، وهي ذات مرسى، ومنها تسير السفن إلى مدينة سواكن، وهي مدينة عامرة في ساحل بلاد البجاة وبلاد الحبشة، وفيها متاجر، ويخرج منها رقيق البجاة والحبشة واللؤلؤ الجيد، وفيها قطاط برية في عظم الكلب الكبير تؤذي الناس، وهناك دابة من دواب البحر يقال له الطلوم (٦) لها فرج كفرج المرأة وثديان كثدييها يقع عليها الملاحون، وتسير منها السفن إلى جزيرة باضع، وهي أيضاً في ساحل البجاة والحبشة وأهلها مسلمون. سواق (٧) : مدينة بالهند على ساحل البحر بها أشجار الساج وغيره، ولهذه الأشجار أوراق عراض، كل ورقة تقطع للرجل سراويل، فإذا طلعت منها شجرة من الأرض استوت في السماء صاعدة لا يخرج لها شيء من الأغصان البتة مقدار مائة وعشرين ذراعاً، وورقها في رأسها، ويبلغ ثمن كل ساجة خمسمائة دينار إلى ستمائة. وقال أبو خراسان مولى صالح بن الرشيد: كان مولاي صالح بن الرشيد على البصرة، فلما أحدث جبريل بن بختيشوع داره التي في الميدان ببغداد سأل صالح بن الرشيد أن يهدي له خمسمائة ساجة، فكانت الساجة بثلاثة عشر ديناراً، فاستعظم مولاي المال وقال: أما خمسمائة فلا، ولكنني أكتب في حمل مائتي ساجة إليك، فقال جبريل: ليست بي حاجة إليها، قال أبو خراسان: فقلت لسيدي: أرى جبريل سيدبر عليك تدبيراً بغيضاً، فقال سيدي: جبريل أهون علي من كل هين لأني لا أشرب له دواء ولا أقبل له علاجاً. ثم استزار مولاي صالح أمير المؤمنين المأمون فلما استوى المجلس بالمأمون، قال له جبريل: أرى وجهك

стр. 349

متغيراً، ثم قام إليه فجس عرقه، ثم قال: يشرب أمير المؤمنين شربة سكنجبين ويؤخر الغداء حتى يفهم الخبر، ففعل المأمون ما أشار به، وأقبل يختبر عرقه في الوقت بعد الوقت، ثم لم يشعر بشيء حتى دخل غلمان جبريل ومعهم رغيف واحد وألوان من الحوت وقرع وماش وما أشبه ذلك، فقال: إني لأكره لأمير المؤمنين أن يأكل في يومه هذا شيئاً من لحوم الحيوان وليأكل من هذه الألوان، فأكل منها وقام، فلما انتبه من قائلته قال له: يا أمير المؤمنين رائحة النبيذ تزيد في الحرارة والرأي لك الانصراف، فانصرف وتلفت نفقة مولاي كلها، فقال لي مولاي: يا أبا خراسان التمييز بين مائتي ساجة واستزارة الخليفة لا يجتمعان. سوف (١) : مدينة بالقرب من درجين وبقرب نفطة (٢) من البلاد الجريدية ولا يعرف عليها عمران إلا جبال ورمال يصاد بها الفنك الجيد الذي لا يوجد لجلده نظير في الدنيا، وأهل تلك البلاد يخبرون أن قوماً أرادوا المعرفة بما وراء بلاد قسطيلية، مثل توزر وغيرها فأعدوا الأزودة والمياه وتاهوا في تلك الصحراء والرمال أياماً فلم يروا أثراً لعمران وهلك أكثرهم في تلك الرمال. سورية: اسم الشام، وفي بعض كلام هرقل حين دخل المسلمون الشام وتغلبوا على أكثر مدنه، فهرب هرقل إلى انطاكية، وانتقل من بلد إلى بلد فراراً أمام المسلمين أنه التفت إلى بلاده فقال: السلام عليك يا سورية سلام من لا يراك أبداً، والقصة مشهورة نقلها أصحاب فتوح الشام (٣) . السيالة (٤) : قرية جامعة بينها وبين المدينة النبوية تسعة وعشرون ميلاً (٥) على طريق مكة، وهي الروحاء (٦) وفيها أهل وسوق صغير وماؤها من الآبار، وبينها وبين ملل تسعة أميال وملل أدنى إلى المدينة، ويباع بالسيالة شواهين وصقور، ومن السيالة إلى الرويثة أربعة وثلاثون ميلاً، ومن الرويثة إلى العرج أربعون ميلاً. سيحان (٧) : وسيحون، نهر يحيط بأرض كوش وهو نهر أذنة من الثغر الشامي، ويصب في البحر الرومي، ومخرجه من نحو ثلاثة أيام من مدينة ملطية، ويجري في بلاد الروم، وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصيصة. سيراف: في بلاد فارس ومن مدن سابور منها أبو سعيد السيرافي شارح كتاب سيبويه، وهي (٨) على ساحل البحر الفارسي كبيرة بها تجار مياسير، وأهلها مولعون بكسب المال واستجلابه على أي وجه أمكن، وهم أكثر عباد الله تعالى تغرباً ومخراً (٩) إلى الآفاق حتى إن الواحد منهم يتجول عشرين عاماً لا يرجع إلى أهله ولا يكترث بمن خلفه. وسيراف فرضة فارس ومبانيها بالساج، وأبنيتهم طبقات مشبكة، ولأهلها همم في نفقات الأبنية وضروب التحسين والتحصين وفواكههم ومياههم تصل إليهم من جبل مشرف عليهم يطل على البحر، وليس بها زرع ولا ضرع، وهي شديدة الحر جداً ولها منبران أحدهما نجيرم وهي مدينة على البحر، وسيراف مرفأ للسفن ومنها يتجهز التجار إلى عدن وعمان وديبل والصين وغيرها من النواحي. السيارة (١٠) : جزيرة في البحر الأعظم من عمل صاحب كاوران (١١) التي في البحر الأعظم، والبحريون مجمعون على إثبات الجزيرة السيارة ومنهم من يزعم أنه رآها مراراً كثيرة لا يشكون فيها، وهي جزيرة فيها جبال وشجر وعمارة فإذا هبت الريح من المغرب صارت إلى الشرق، وإذا هبت من الشرق صارت إلى المغرب، هذا دأبها ويذكرون أن حجارتها شفافة خفيفة جداً تكون زنة الحجر الضخم الذي يقدر مثله بقناطير عشرة أرطال وأقل، ويحمل الإنسان القطعة الكبيرة من جبالها على عاتقه ولا يجد لذلك ثقلاً.

стр. 350

فراغ

стр. 351

حرف الشين الشام (١) : مهموز الألف ولا يهمز، في الإقليم الخامس، قيل سمي شاماً لشامات هناك حمر وسود، ولم يدخلها سام بن نوح قط، فانه قال بعض الناس: إنه أول من اختطها فسميت به، واسمه سام بالسين، فعربت فقيل: شام، بالشين المعجمة، وكانت العرب تقول: من خرج إلى الشام نقص عمره وقتله نعيم الشام، وأنشد ثعلب: يقولون إن الشام يقتل أهله ... فمن لي إن لم آته بخلود تعرق آبائي فهلا صراهم ... عن الموت أن لم يشئموا وجدودي وقيل: إن الناس لما تفرقت لغاتهم ببابل تيامن بعضهم يمين الشمس وتشاءم بعضهم شمالها، فسميت بهذا الاسم. والشام بلاد كثيرة وكور عظيمة وممالك، وقسمت الأوائل الشام خمسة أقسام: الأول فلسطين وفيها غزة والرملة، والشام الثانية مدينتها العظمى طبرية والغور واليرموك، والثالثة الغوطة ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس الشام، والرابعة أرض حمص وقنسرين ومدينتها العظمى حلب وساحلها انطاكية، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بلادها مفسراً على الأبواب، والشام اسم لجميع ذلك من البلاد والكور، وأول طول الشام من ملطية إلى رفح. الشاش: مدينة (٢) جليلة من عمل سمرقند وقصبتها بنكث (٣) ، وله مدن كثيرة، ويتصل ببلاد الشاش بلد ايلاق، وهما جميعاً لا فصل بينهما، عمارتهما متصلة متكاثفة لا تنقطع، فمقدار عرضهما مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان وما وراء النهر كورة ولا إقليم على مقدارها في المساحة أكثر منابر وقرى عامرة من هذه الناحية، وآخر حدودها انتهى إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم. والشاش في أرض مستوية لا جبل فيها ولا أرض مرتفعة، وبساتينها ومتنزهاتها كثيرة، وهي من الثغور التي في ناحية الترك، ولأهلها سطوة ومنعة. ومن الشاش أبو بكر محمد بن علي الشاشي القفال (٤) ، كان إماماً، وله مصنفات، وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. وكان محمد بن أحمد الشاشي ورعاً، روى أن النبي ﷺ قال: " لما ألقي إبراهيم الخليل ﵇ في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فما احترق منه إلا موضع الكتاف ". الشاشين (٥) : جزيرة من الجزائر التي في البحر المحيط الموازية

стр. 352

لخط الأندلس الأقصى، وهي مجاورة لبلد افرنجة والصقالبة، وطولها مسيرة عشرين يوماً، وهي كثيرة الخيل والماشية، وهي مخصبة من السلت والخرطال، وهي قليلة القمح والعسل وليس بها كرم، واللحم أكثر شيء عندهم يباع الكبش الكبير بثلاثة قناشير، والبقرة الجيدة بعشرين قنشاراً، وإذا استجادت المرأة منهم الصوف مشطت الشاة كل صباح ودهنت صوفها بشحم الخنزير فيلين الصوف ويأتي كالحرير فيتخذون منه الثياب الفيروزجية المستعملة في بلاد افرنجة، وأهلها وإن كانوا شجعاناً فليسوا بفرسان على كثرة خيلهم، وهم ينزلون عند اللقاء، ولباسهم ضيق مفرج كلباس الجليقيين، ولا بد لكل واحد منهم، شريفاً كان أو وضيعاً، من طوق يكون عرضه قدر أربع أصابع وطوله قدر ثلاثة أذرع، فإن كان شريفاً كان منسوجاً بالذهب وكذلك جميع تفاريج ثيابه، وليس لأكلهم حد ولا لنومهم وقت معلوم، ويقومون في الليل مرتين وثلاثاً فيأكلون ويشربون، وليس في الأرض أحد أحب في حلي الذهب من الشاشين، فإن الرجل منهم لا يكاد يخلو من سواري ذهب لا يفارقه فإن ضعف عنهما فواحد، فإن دار عليه غرم أو نابته نائبة أو مال باع داره وعقاره ورقيقه وماشيته ولم يبع سواريه ولا فارقهما. ومن الغريب بجزيرة الشاشين (١) الطائر الذي يسمونه ماركروه، ومعناه في لسانهم المتخلق في البحر، وذلك أنه ينبت في هذه الجزيرة جنس من الشجر على شاطئ البحر، فإذا انهارت الأجراف هناك وسقط في البحر لم يزل يضطرب في الأمواج حتى يعلوه طخاً أبيض في خلق بيض الطائر، ثم لا يزال كذلك حتى ينفرج عن فرخ طائر وصورته ملصق الرجلين والمنقار في ذلك العود ثم يكتسي ريشاً وتنفصل رجلاه ومنقاره عن ذلك العود فيصير في الأحياء إلا أنه لا يفارق الماء، وطيرانه مع سطح الماء، فإن فارق الماء دقيقة مات، ولذلك لا يصاد حياً لأنه إنما ينصب له هنالك عند جزر الماء فيعاوده الماء في الشباك. ويقال إن غليالم أتي إليه بعود قد تعلقت فيه جملة من هذا البيض فأمر بقبة كبيرة، فملئت بماء البحر، وطرح فيها العود ثم ترك على الصفة التي ذكرنا فتحولت الطير من العود وصارت في الماء داخل القبة فوقف على ذلك مشاهدة، وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي تسميه العامة الغطاس. شابل: جزيرة في البحر الصنفي معمورة مجتمعة الأهل، فيها حنطة وأرز وموز كثير وقصب سكر، وبها سمك كثير لذيذ الطعم يغني أكله عن اللحم. شاوة (٢) : جزيرة بقرب البحر الكبير المحيط بالجهة الغربية من كرة الأرض، يقال: إن ذا القرنين نزلها قبل أن تدخلها الظلمة وبات بها، وكانوا يرمون بالحجارة، وأوذي بذلك جماعة من أصحابه. شارية (٣) : مدينة من مدن طبرستان، وهي المدينة العظمى هنالك التي كان ينزل بها الولاة، وبها نزل محمد بن طاهر وكذلك سليمان أخوه بعده، ولديها بناء حسن لم ير مثله، وهما مدينتان متقابلتان بينهما أربعة فراسخ، الواحدة في سفح الجبل والثانية مما يلي البحر. الشاقة (٤) : بلدة بجزيرة صقلية على ساحل البحر مشرفة بها عمارات وأسواق ومتاجر وديار كثيرة، وهي أم الأقاليم التي تليها والأعمال التي حولها، ومرساها أبداً معمور، والسفر إليها من إفريقية وطرابلس أبداً كثير. وعملها هو عمل قلعة البلوط، وقلعة البلوط (٥) حصن منيع عالي (٦) الذرى شامخ صعب الارتقاء له بواد شريفة خصيبة وضياع طيبة وأصناف من الثمار غريبة. وبها عيون وأودية عليها كثير من الأرحاء، وكان بها خلق كثير فانتقلوا إلى الشاقة ولم يبق به إلا رجال قلائل يحرسونه عن من يريده، ومن هذه القلعة إلى البحر اثنا عشر ميلاً، ومنه إلى الشاقة سبعة أميال، ومن الشاقة إلى مازر (٧) مرحلتان. شامة: بالميم، جبل على بريد من مكة، وهو الذي عناه بلال ﵁ في قوله (٨) :

стр. 353

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل شانس: مدينة في بلاد الإفرنج بالقرب من مدينة بلدينة، وهي مبنية بالصخر الجليل حصينة لها نهر، وكانت لها قنطرة مبنية بالصخر العظيم، فتغلب عليها المجوس وهدموا بعض المدينة والقنطرة فلم يبق منها إلا رجلها وبرجان اتخذا على جنبتي القنطرة للمنع منها، ونهرها كثير السمك ويخرج منه حوت مفرط الكبر يسمونه لوح وهو لطيف الغذاء مريه لا يضر بالمرضى، وأحواز مدينة شانس تنتهي في الجوف إلى البحر المحيط. شابه: بالباء، جبل معروف. وشابه أيضاً من مدن زغاوة بأرض السودان، وهي صغيرة شبيهة بالقرية الجامعة، وأهلها قليلون، وقد انضوى أكثر أهلها إلى مدينة كوكو، وبينهما نحو ست عشرة مرحلة. وأهل شابة يشربون الألبان، ومياههم زعاق وعيشهم من اللحوم الطرية والمقددة، ويتصيدون الأحناش كثيراً ويطبخون بها بعد سلخها وقطع رؤوسها وأذنابها، والجرب لا يفارق أعناق هؤلاء الزغاويين وهم مشهورون به، وبه يعرف الزغاوي في جميع الأرض، ولولا أنهم يأكلون الأحناش لتقطعوا جذاماً، وهم عراة، يسترون عوراتهم فقط بالجلود المدبوغة من الإبل والمعز، ولهم في هذه الجلود التي يستترون بها ضروب من القطع معلومة وأنواع محكمة. شاطبة: بالأندلس، مدينة جليلة متقنة حصينة لها قصبتان ممتنعتان، وهي كريمة البقعة كثيرة الثمرة عظيمة الفائدة طيبة الهواء، وهي قريبة من جزيرة شقر، ويعمل بها كاغد لا نظير له بمعمور الأرض يعم المشرق والمغرب. وفي شاطبة يقول الشاعر يذمها: شاطبة الشرق شر دار ليس لسكانها فلاح الكسب من شأنهم ولكن أكثر مكسوبهم سلاح وفيها بنيان قديم من عمل الأول يقولون له الصنم، وفيه يقول شاعرهم: بقية من بقايا الروم معجبة أبدى البناة لنا من أمرها حكما لم ندر ما أضمروا فيها سوى أمم من الأوائل سموه لنا صنما كالمبرد الفذ ما أخطا مشبهه حقاً لقد برد الأيام والأمما وهي حاضرة آهلة بها جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي. الشاهجان: من كور سابور، ويقال: مرو الشاهجان. شالوس: مدينة بين جرجان وطبرستان، فيها منبر وأسواق، وعلى فرسخ منها حد الديلم. شبام: بكسر أوله وقد يفتح، جبل لهمدان باليمن، قال ابن الكلبي: شبام قبيلة، منسوبون إلى جبل وليس بأب ولا أم. ومن مأرب إلى مدينة شبام من بلاد حضرموت أربع مراحل.

стр. 354

وشبام حصن منيع جامع آهل في قنة جبل شبام، وهو جبل منيع جداً لا يرتقى إلى أعلاه إلا بعد جهد، وفي أعلاه قرى كثيرة عامرة ومزارع ومياه جارية وغلات. ولما وقع الزلزال باليمن سنة إحدى عشرة ومائتين، انهدمت شبام جميعاً إلا دار إبراهيم بن الصباح، وكان كثير الصدقة، فيقال إن ذلك من قبل الصدقة. شبرو: موضع على مقربة من تبسة من البلاد الإفريقية، به كانت وقيعة للشيخ أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص ملك إفريقية على يحيى بن إسحاق المسوفي الميورقي في آخر ذي القعدة من سنة أربع وستمائة، وذلك أن صاحب المغرب محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالناصر لما طلع إلى مراكشه من حركة إفريقية، وقد طرد عنها يحيى بن إسحاق هذا، قدم على البلاد هذا الشيخ أبا محمد عبد الواحد وعلم أنه لا يسد ثغرها سواه، فبقي عبد الواحد يصلح أمر إفريقية ويذب عنها ويحيى بن إسحاق منزو عنه في أطراف إفريقية، فلما علم بانفصال الخليفة عنها طمع في العود إليها، فكاتب القبائل واستنفر الأعراب ووعدهم ومناهم، فاجتمعت له جموع كثيرة فبسطوا أيديهم في الأطراف، وعاثوا في البلاد، وبلغ ذلك صاحب إفريقية فخرج من تونس بأجناده وموحديه فنزل المحمدية، وكاتب من أطاعه من العرب، وجد به السير حتى وصل أحواز تبسة، ولم يصله من العرب إلا القليل، وعلم يحيى بن إسحاق بإقباله، فزحف إليه بجموعه، فالتقى الجمعان بشبرو ووقع بينهم قتال كثير، وحمل يحيى على قلب عسكر الموحدين فخلي له، وفي رجوعه طعنه رجل من عبيد المخزن بالرمح في فخذه، فأنفذ الرمح إلى بداد السرج، وكاد يسقط، فجاءوا أصحابه وخلصوه، وحملت أيضاً ميمنته على ميسرة الموحدين فأزالوها نحو العشرة أميال وكاد الخلل يظهر، ولما رجع يحيى بن إسحاق مطعوناً حملت ميسرة الموحدين على جمع الميورقي فهزموهم نحو العشرين ميلاً، وكان الشيخ أبو محمد عبد الواحد في القلب فحمل بأصحابه على من يليهم فتمت عليهم الهزيمة، ووقع في الموارقة القتل والنهب، وكان ذلك سبب الفتح بعد أن أتى القتل على جملة من أصحاب يحيى، وانساب يحيى في جملة من أصحابه طريداً جريحاً على إكاف لا يلوي على شيء، ورجع الشيخ أبو محمد مظفراً غانماً، وكانت الهزيمة من أول الزوال إلى غروب الشمس وحال بينهم الليل، وفقد من جموع الموارقة نحو الخمسمائة وأخذت لهم نحو مائة وخمسين فرساً ونحو ألفي جمل بحمولتها. الشحر: بكسر أوله وإسكان الحاء المهملة، هو شحر عمان، وهو ساحل اليمن، وهو ممتد بينها وبين عمان. وأرض الشحر متصلة بأرض حضرموت، وفيها قبائل مهرة، وهي دار عاد الأولى، الذين أرسل الله تعالى إليهم نبيهم هوداً ﵇، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان الملك بعد نوح ﵇ تأثل في عاد الأولى قبل سائر الممالك، وذلك قوله تعالى: " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله " قيل: كانوا في هيئة النخل طولاً، وكانوا في القوة واتصال الأعمار بحسب ذلك، وآثارهم بالشحر ومواضع مساكنهم تدل على عظم أجسامهم، وكان عاد جباراً بعيد العمر، وتزوج ألف امرأة، ورأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وعاش ألف سنة ومائتي سنة، وابنه شداد هو الذي بنى إرم ذات العماد، وهذه عاد الثانية، إذ قال تعالى في الأولى: " أهلك عاداً الأولى "، وقال في هذه الثانية: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد "، وبلاد عاد: الشحر وحضرموت والأحقاف، فلما سخط الله تعالى عليهم جعلها مفاوز، وكانت أخصب البلاد.

стр. 355

والشحر مدينة كبيرة وليس بها زرع ولا ضرع، ويكون بها العنبر، وشجرها الكندر، ومنها يحمل إلى الآفاق، واللاك بها كثير. والإبل المنتجة عند هؤلاء العرب لا يعدل بها شيء في سرعة جريها ومن غريب ما ينسب إليها أنها تفهم الكلام وتعلم ما يراد منها بأقل أدب تعلمه، ولها أسماء إذا دعيت بها أجابت بلا تأخر. وقصبة أرض مهرة تسمى الشحر، ولسان مهرة مستعجم جداً لا يكاد يفهم، وهو اللسان الحميري في القديم، وهم أكثر أهل الأرض رواحل، وجل مكاسبهم الإبل والمعز، والسمك يصاد في ذلك البحر وبلاد عمان، وعندهم حوت صغير جداً يصاد ويشمس وتعلف به الدواب والإبل. وأهل مهرة لا يعرفون الحنطة ولا خبزها إنما أكلهم السمك وشربهم الألبان وقليل الماء، قد اعتادوا ذلك وألفوه فلا يعدلون عنه، ومن تغرب منهم فأكل الحنطة تألم وربما مرض. وطول بلاد مهرة تسعمائة ميل، وهي كلها رمال سيالة والرياح تسفيها، ومن آخر بلاد الشحر إلى عدن ثلثمائة ميل. وفي هذه المدينة أشجار اللاك والكندر، وهي أشجار مثل أشجار التوت إلا أنها لا تورق بل تحمل أغصانها كلها الكندر. شجس: قرية بالأندلس قريبة من بطرير وهي قرية جامعة مفيدة، وهي قريبة من شاطبة. شذونة: بالأندلس، وهي كورة متصلة بكورة مورور، وعمل شذونة خمسون ميلاً في مثلها، وهي من الكور المجندة، نزلها جند فلسطين من العرب. وكورة شذونة كورة جليلة القدر، جامعة لخيرات البر والبحر، كريمة البقعة عذية التربة، تغيض مياهها فلا تذوي مع المحل ثمارها، وقد لجأ إليها عامة أهل الأندلس سنة ست وثلاثين ومائة. وكانت الأندلس قد قحطت ستة أعوام. ومن كور شذونة شريش وغيرها، وفيها كانت الهزيمة على لذريق حين افتتحت الأندلس سنة ست وتسعين، وبقرب شذونة موضع يعرف بالجبل الواسط، وهو جبل فيه آثار للأول، وفي شق صخرة داخل كهف فيه فأس حديد متعلق من الشق الذي في الصخرة تراه العين وتلمسه اليد، فمن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة ثم يعود إلى حالته؛ ويذكر مشايخ كور شذونة أن النار أوقدت على الموضع ورش بالخل لينكسر ويوصل إلى استخراج الفأس فلم يقدر على ذلك وأعضلهم أمره، وقرنت الثيران في بعض الأزمنة وجعلت عجلتان وشد بهما طرفا حبل وثيق قد ربط في الفأس، وحملوا على الثيران لينقلع الفأس فلم يستطع ذلك. قالوا: وأطيب العنبر العربي إنما يوجد بساحلها، وبساحل شذونة يوجد الحوت التن لا في غيره من سواحل الأندلس، فيظهر في أول شهر مايه، لا يرى قبل هذا الشهر، فإنه يخرج من البحر المحيط فيدخل إلى البحر المتوسط الذي يسمى البحر الرومي، فيصاد مدة ظهوره أربعين يوماً، ثم لا يظهر إلى مثل ذلك الوقت من العام الآخر، وبساحل شذونة المقل الذي يعظم جماره حتى يكون قلبه مثل قلب النخل، وكانت ترد منه الغرائب على الخلفاء، وكانت جباية شذونة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسين ألفاً وستمائة. شرمساح: مدينة في ضفة النيل الشرقية من بلاد مصر، وهي مدينة جليلة لكنها ليست بالكبيرة ولها سوق جامعة. الشرف: ماء لبني كلاب، وقيل لباهلة. والشرف أيضاً من سواد اشبيلة بالأندلس، وهو جبل شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه، وزيته من أطيب الزيوت، كثير الريع عند العصر لا يتغير على
следующие страницы →