← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حرف الشين الشام (١) : مهموز الألف ولا يهمز، في الإقليم الخامس، قيل سمي شاماً لشامات هناك حمر وسود، ولم يدخلها سام بن نوح قط، فانه قال بعض الناس: إنه أول من اختطها فسميت به، واسمه سام بالسين، فعربت فقيل: شام، بالشين المعجمة، وكانت العرب تقول: من خرج إلى الشام نقص عمره وقتله نعيم الشام، وأنشد ثعلب: يقولون إن الشام يقتل أهله ... فمن لي إن لم آته بخلود تعرق آبائي فهلا صراهم ... عن الموت أن لم يشئموا وجدودي وقيل: إن الناس لما تفرقت لغاتهم ببابل تيامن بعضهم يمين الشمس وتشاءم بعضهم شمالها، فسميت بهذا الاسم. والشام بلاد كثيرة وكور عظيمة وممالك، وقسمت الأوائل الشام خمسة أقسام: الأول فلسطين وفيها غزة والرملة، والشام الثانية مدينتها العظمى طبرية والغور واليرموك، والثالثة الغوطة ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس الشام، والرابعة أرض حمص وقنسرين ومدينتها العظمى حلب وساحلها انطاكية، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بلادها مفسراً على الأبواب، والشام اسم لجميع ذلك من البلاد والكور، وأول طول الشام من ملطية إلى رفح. الشاش: مدينة (٢) جليلة من عمل سمرقند وقصبتها بنكث (٣) ، وله مدن كثيرة، ويتصل ببلاد الشاش بلد ايلاق، وهما جميعاً لا فصل بينهما، عمارتهما متصلة متكاثفة لا تنقطع، فمقدار عرضهما مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان وما وراء النهر كورة ولا إقليم على مقدارها في المساحة أكثر منابر وقرى عامرة من هذه الناحية، وآخر حدودها انتهى إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم. والشاش في أرض مستوية لا جبل فيها ولا أرض مرتفعة، وبساتينها ومتنزهاتها كثيرة، وهي من الثغور التي في ناحية الترك، ولأهلها سطوة ومنعة. ومن الشاش أبو بكر محمد بن علي الشاشي القفال (٤) ، كان إماماً، وله مصنفات، وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. وكان محمد بن أحمد الشاشي ورعاً، روى أن النبي ﷺ قال: " لما ألقي إبراهيم الخليل ﵇ في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فما احترق منه إلا موضع الكتاف ". الشاشين (٥) : جزيرة من الجزائر التي في البحر المحيط الموازية

стр. 352

لخط الأندلس الأقصى، وهي مجاورة لبلد افرنجة والصقالبة، وطولها مسيرة عشرين يوماً، وهي كثيرة الخيل والماشية، وهي مخصبة من السلت والخرطال، وهي قليلة القمح والعسل وليس بها كرم، واللحم أكثر شيء عندهم يباع الكبش الكبير بثلاثة قناشير، والبقرة الجيدة بعشرين قنشاراً، وإذا استجادت المرأة منهم الصوف مشطت الشاة كل صباح ودهنت صوفها بشحم الخنزير فيلين الصوف ويأتي كالحرير فيتخذون منه الثياب الفيروزجية المستعملة في بلاد افرنجة، وأهلها وإن كانوا شجعاناً فليسوا بفرسان على كثرة خيلهم، وهم ينزلون عند اللقاء، ولباسهم ضيق مفرج كلباس الجليقيين، ولا بد لكل واحد منهم، شريفاً كان أو وضيعاً، من طوق يكون عرضه قدر أربع أصابع وطوله قدر ثلاثة أذرع، فإن كان شريفاً كان منسوجاً بالذهب وكذلك جميع تفاريج ثيابه، وليس لأكلهم حد ولا لنومهم وقت معلوم، ويقومون في الليل مرتين وثلاثاً فيأكلون ويشربون، وليس في الأرض أحد أحب في حلي الذهب من الشاشين، فإن الرجل منهم لا يكاد يخلو من سواري ذهب لا يفارقه فإن ضعف عنهما فواحد، فإن دار عليه غرم أو نابته نائبة أو مال باع داره وعقاره ورقيقه وماشيته ولم يبع سواريه ولا فارقهما. ومن الغريب بجزيرة الشاشين (١) الطائر الذي يسمونه ماركروه، ومعناه في لسانهم المتخلق في البحر، وذلك أنه ينبت في هذه الجزيرة جنس من الشجر على شاطئ البحر، فإذا انهارت الأجراف هناك وسقط في البحر لم يزل يضطرب في الأمواج حتى يعلوه طخاً أبيض في خلق بيض الطائر، ثم لا يزال كذلك حتى ينفرج عن فرخ طائر وصورته ملصق الرجلين والمنقار في ذلك العود ثم يكتسي ريشاً وتنفصل رجلاه ومنقاره عن ذلك العود فيصير في الأحياء إلا أنه لا يفارق الماء، وطيرانه مع سطح الماء، فإن فارق الماء دقيقة مات، ولذلك لا يصاد حياً لأنه إنما ينصب له هنالك عند جزر الماء فيعاوده الماء في الشباك. ويقال إن غليالم أتي إليه بعود قد تعلقت فيه جملة من هذا البيض فأمر بقبة كبيرة، فملئت بماء البحر، وطرح فيها العود ثم ترك على الصفة التي ذكرنا فتحولت الطير من العود وصارت في الماء داخل القبة فوقف على ذلك مشاهدة، وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي تسميه العامة الغطاس. شابل: جزيرة في البحر الصنفي معمورة مجتمعة الأهل، فيها حنطة وأرز وموز كثير وقصب سكر، وبها سمك كثير لذيذ الطعم يغني أكله عن اللحم. شاوة (٢) : جزيرة بقرب البحر الكبير المحيط بالجهة الغربية من كرة الأرض، يقال: إن ذا القرنين نزلها قبل أن تدخلها الظلمة وبات بها، وكانوا يرمون بالحجارة، وأوذي بذلك جماعة من أصحابه. شارية (٣) : مدينة من مدن طبرستان، وهي المدينة العظمى هنالك التي كان ينزل بها الولاة، وبها نزل محمد بن طاهر وكذلك سليمان أخوه بعده، ولديها بناء حسن لم ير مثله، وهما مدينتان متقابلتان بينهما أربعة فراسخ، الواحدة في سفح الجبل والثانية مما يلي البحر. الشاقة (٤) : بلدة بجزيرة صقلية على ساحل البحر مشرفة بها عمارات وأسواق ومتاجر وديار كثيرة، وهي أم الأقاليم التي تليها والأعمال التي حولها، ومرساها أبداً معمور، والسفر إليها من إفريقية وطرابلس أبداً كثير. وعملها هو عمل قلعة البلوط، وقلعة البلوط (٥) حصن منيع عالي (٦) الذرى شامخ صعب الارتقاء له بواد شريفة خصيبة وضياع طيبة وأصناف من الثمار غريبة. وبها عيون وأودية عليها كثير من الأرحاء، وكان بها خلق كثير فانتقلوا إلى الشاقة ولم يبق به إلا رجال قلائل يحرسونه عن من يريده، ومن هذه القلعة إلى البحر اثنا عشر ميلاً، ومنه إلى الشاقة سبعة أميال، ومن الشاقة إلى مازر (٧) مرحلتان. شامة: بالميم، جبل على بريد من مكة، وهو الذي عناه بلال ﵁ في قوله (٨) :

стр. 353

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل شانس: مدينة في بلاد الإفرنج بالقرب من مدينة بلدينة، وهي مبنية بالصخر الجليل حصينة لها نهر، وكانت لها قنطرة مبنية بالصخر العظيم، فتغلب عليها المجوس وهدموا بعض المدينة والقنطرة فلم يبق منها إلا رجلها وبرجان اتخذا على جنبتي القنطرة للمنع منها، ونهرها كثير السمك ويخرج منه حوت مفرط الكبر يسمونه لوح وهو لطيف الغذاء مريه لا يضر بالمرضى، وأحواز مدينة شانس تنتهي في الجوف إلى البحر المحيط. شابه: بالباء، جبل معروف. وشابه أيضاً من مدن زغاوة بأرض السودان، وهي صغيرة شبيهة بالقرية الجامعة، وأهلها قليلون، وقد انضوى أكثر أهلها إلى مدينة كوكو، وبينهما نحو ست عشرة مرحلة. وأهل شابة يشربون الألبان، ومياههم زعاق وعيشهم من اللحوم الطرية والمقددة، ويتصيدون الأحناش كثيراً ويطبخون بها بعد سلخها وقطع رؤوسها وأذنابها، والجرب لا يفارق أعناق هؤلاء الزغاويين وهم مشهورون به، وبه يعرف الزغاوي في جميع الأرض، ولولا أنهم يأكلون الأحناش لتقطعوا جذاماً، وهم عراة، يسترون عوراتهم فقط بالجلود المدبوغة من الإبل والمعز، ولهم في هذه الجلود التي يستترون بها ضروب من القطع معلومة وأنواع محكمة. شاطبة: بالأندلس، مدينة جليلة متقنة حصينة لها قصبتان ممتنعتان، وهي كريمة البقعة كثيرة الثمرة عظيمة الفائدة طيبة الهواء، وهي قريبة من جزيرة شقر، ويعمل بها كاغد لا نظير له بمعمور الأرض يعم المشرق والمغرب. وفي شاطبة يقول الشاعر يذمها: شاطبة الشرق شر دار ليس لسكانها فلاح الكسب من شأنهم ولكن أكثر مكسوبهم سلاح وفيها بنيان قديم من عمل الأول يقولون له الصنم، وفيه يقول شاعرهم: بقية من بقايا الروم معجبة أبدى البناة لنا من أمرها حكما لم ندر ما أضمروا فيها سوى أمم من الأوائل سموه لنا صنما كالمبرد الفذ ما أخطا مشبهه حقاً لقد برد الأيام والأمما وهي حاضرة آهلة بها جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي. الشاهجان: من كور سابور، ويقال: مرو الشاهجان. شالوس: مدينة بين جرجان وطبرستان، فيها منبر وأسواق، وعلى فرسخ منها حد الديلم. شبام: بكسر أوله وقد يفتح، جبل لهمدان باليمن، قال ابن الكلبي: شبام قبيلة، منسوبون إلى جبل وليس بأب ولا أم. ومن مأرب إلى مدينة شبام من بلاد حضرموت أربع مراحل.

стр. 354

وشبام حصن منيع جامع آهل في قنة جبل شبام، وهو جبل منيع جداً لا يرتقى إلى أعلاه إلا بعد جهد، وفي أعلاه قرى كثيرة عامرة ومزارع ومياه جارية وغلات. ولما وقع الزلزال باليمن سنة إحدى عشرة ومائتين، انهدمت شبام جميعاً إلا دار إبراهيم بن الصباح، وكان كثير الصدقة، فيقال إن ذلك من قبل الصدقة. شبرو: موضع على مقربة من تبسة من البلاد الإفريقية، به كانت وقيعة للشيخ أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص ملك إفريقية على يحيى بن إسحاق المسوفي الميورقي في آخر ذي القعدة من سنة أربع وستمائة، وذلك أن صاحب المغرب محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالناصر لما طلع إلى مراكشه من حركة إفريقية، وقد طرد عنها يحيى بن إسحاق هذا، قدم على البلاد هذا الشيخ أبا محمد عبد الواحد وعلم أنه لا يسد ثغرها سواه، فبقي عبد الواحد يصلح أمر إفريقية ويذب عنها ويحيى بن إسحاق منزو عنه في أطراف إفريقية، فلما علم بانفصال الخليفة عنها طمع في العود إليها، فكاتب القبائل واستنفر الأعراب ووعدهم ومناهم، فاجتمعت له جموع كثيرة فبسطوا أيديهم في الأطراف، وعاثوا في البلاد، وبلغ ذلك صاحب إفريقية فخرج من تونس بأجناده وموحديه فنزل المحمدية، وكاتب من أطاعه من العرب، وجد به السير حتى وصل أحواز تبسة، ولم يصله من العرب إلا القليل، وعلم يحيى بن إسحاق بإقباله، فزحف إليه بجموعه، فالتقى الجمعان بشبرو ووقع بينهم قتال كثير، وحمل يحيى على قلب عسكر الموحدين فخلي له، وفي رجوعه طعنه رجل من عبيد المخزن بالرمح في فخذه، فأنفذ الرمح إلى بداد السرج، وكاد يسقط، فجاءوا أصحابه وخلصوه، وحملت أيضاً ميمنته على ميسرة الموحدين فأزالوها نحو العشرة أميال وكاد الخلل يظهر، ولما رجع يحيى بن إسحاق مطعوناً حملت ميسرة الموحدين على جمع الميورقي فهزموهم نحو العشرين ميلاً، وكان الشيخ أبو محمد عبد الواحد في القلب فحمل بأصحابه على من يليهم فتمت عليهم الهزيمة، ووقع في الموارقة القتل والنهب، وكان ذلك سبب الفتح بعد أن أتى القتل على جملة من أصحاب يحيى، وانساب يحيى في جملة من أصحابه طريداً جريحاً على إكاف لا يلوي على شيء، ورجع الشيخ أبو محمد مظفراً غانماً، وكانت الهزيمة من أول الزوال إلى غروب الشمس وحال بينهم الليل، وفقد من جموع الموارقة نحو الخمسمائة وأخذت لهم نحو مائة وخمسين فرساً ونحو ألفي جمل بحمولتها. الشحر: بكسر أوله وإسكان الحاء المهملة، هو شحر عمان، وهو ساحل اليمن، وهو ممتد بينها وبين عمان. وأرض الشحر متصلة بأرض حضرموت، وفيها قبائل مهرة، وهي دار عاد الأولى، الذين أرسل الله تعالى إليهم نبيهم هوداً ﵇، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان الملك بعد نوح ﵇ تأثل في عاد الأولى قبل سائر الممالك، وذلك قوله تعالى: " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله " قيل: كانوا في هيئة النخل طولاً، وكانوا في القوة واتصال الأعمار بحسب ذلك، وآثارهم بالشحر ومواضع مساكنهم تدل على عظم أجسامهم، وكان عاد جباراً بعيد العمر، وتزوج ألف امرأة، ورأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وعاش ألف سنة ومائتي سنة، وابنه شداد هو الذي بنى إرم ذات العماد، وهذه عاد الثانية، إذ قال تعالى في الأولى: " أهلك عاداً الأولى "، وقال في هذه الثانية: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد "، وبلاد عاد: الشحر وحضرموت والأحقاف، فلما سخط الله تعالى عليهم جعلها مفاوز، وكانت أخصب البلاد.

стр. 355

والشحر مدينة كبيرة وليس بها زرع ولا ضرع، ويكون بها العنبر، وشجرها الكندر، ومنها يحمل إلى الآفاق، واللاك بها كثير. والإبل المنتجة عند هؤلاء العرب لا يعدل بها شيء في سرعة جريها ومن غريب ما ينسب إليها أنها تفهم الكلام وتعلم ما يراد منها بأقل أدب تعلمه، ولها أسماء إذا دعيت بها أجابت بلا تأخر. وقصبة أرض مهرة تسمى الشحر، ولسان مهرة مستعجم جداً لا يكاد يفهم، وهو اللسان الحميري في القديم، وهم أكثر أهل الأرض رواحل، وجل مكاسبهم الإبل والمعز، والسمك يصاد في ذلك البحر وبلاد عمان، وعندهم حوت صغير جداً يصاد ويشمس وتعلف به الدواب والإبل. وأهل مهرة لا يعرفون الحنطة ولا خبزها إنما أكلهم السمك وشربهم الألبان وقليل الماء، قد اعتادوا ذلك وألفوه فلا يعدلون عنه، ومن تغرب منهم فأكل الحنطة تألم وربما مرض. وطول بلاد مهرة تسعمائة ميل، وهي كلها رمال سيالة والرياح تسفيها، ومن آخر بلاد الشحر إلى عدن ثلثمائة ميل. وفي هذه المدينة أشجار اللاك والكندر، وهي أشجار مثل أشجار التوت إلا أنها لا تورق بل تحمل أغصانها كلها الكندر. شجس: قرية بالأندلس قريبة من بطرير وهي قرية جامعة مفيدة، وهي قريبة من شاطبة. شذونة: بالأندلس، وهي كورة متصلة بكورة مورور، وعمل شذونة خمسون ميلاً في مثلها، وهي من الكور المجندة، نزلها جند فلسطين من العرب. وكورة شذونة كورة جليلة القدر، جامعة لخيرات البر والبحر، كريمة البقعة عذية التربة، تغيض مياهها فلا تذوي مع المحل ثمارها، وقد لجأ إليها عامة أهل الأندلس سنة ست وثلاثين ومائة. وكانت الأندلس قد قحطت ستة أعوام. ومن كور شذونة شريش وغيرها، وفيها كانت الهزيمة على لذريق حين افتتحت الأندلس سنة ست وتسعين، وبقرب شذونة موضع يعرف بالجبل الواسط، وهو جبل فيه آثار للأول، وفي شق صخرة داخل كهف فيه فأس حديد متعلق من الشق الذي في الصخرة تراه العين وتلمسه اليد، فمن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا رفعته اليد ارتفع وغاب في شق الصخرة ثم يعود إلى حالته؛ ويذكر مشايخ كور شذونة أن النار أوقدت على الموضع ورش بالخل لينكسر ويوصل إلى استخراج الفأس فلم يقدر على ذلك وأعضلهم أمره، وقرنت الثيران في بعض الأزمنة وجعلت عجلتان وشد بهما طرفا حبل وثيق قد ربط في الفأس، وحملوا على الثيران لينقلع الفأس فلم يستطع ذلك. قالوا: وأطيب العنبر العربي إنما يوجد بساحلها، وبساحل شذونة يوجد الحوت التن لا في غيره من سواحل الأندلس، فيظهر في أول شهر مايه، لا يرى قبل هذا الشهر، فإنه يخرج من البحر المحيط فيدخل إلى البحر المتوسط الذي يسمى البحر الرومي، فيصاد مدة ظهوره أربعين يوماً، ثم لا يظهر إلى مثل ذلك الوقت من العام الآخر، وبساحل شذونة المقل الذي يعظم جماره حتى يكون قلبه مثل قلب النخل، وكانت ترد منه الغرائب على الخلفاء، وكانت جباية شذونة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسين ألفاً وستمائة. شرمساح: مدينة في ضفة النيل الشرقية من بلاد مصر، وهي مدينة جليلة لكنها ليست بالكبيرة ولها سوق جامعة. الشرف: ماء لبني كلاب، وقيل لباهلة. والشرف أيضاً من سواد اشبيلة بالأندلس، وهو جبل شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه، وزيته من أطيب الزيوت، كثير الريع عند العصر لا يتغير على

стр. 356

طول الدهر، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً. وكل ما استودع أرض اشبيلية وغرس في تربتها نما وزكا وفضل وجل، ويقال: إن في الشرف ثمانية آلاف قرية عامرة وديارها حسنة، وبين الشرف واشبيلية ثلاثة أميال، وسمي بذلك لأنه مشرف من ناحية اشبيلية ممتد من الجنوب إلى الشمال، وهو كله تراب أحمر، وشجر الزيتون فيه من هذا المكان إلى قنطرة لبلة. شريش: من كور شذونة بالأندلس، بينها وبين قلشانة خمسة وعشرون ميلاً، وهي على مقربة من البحر، يجود زرعها ويكثر ريعها، وبين المغرب والقبلة من شريش حصن روطة على شاطئ البحر، بينهما ستة أميال، وهو موضع رباط ومقر للصالحين يقصد من الأقطار، وبروطة هذه بئر خصت بماء لا يعلم مثله في بقعة، وهي بئر أولية قديمة البنية، ينزل المرء فيستقي الماء بيده حيث انتهى من البئر، فكلما كثر البشر بحصن روطة واجتمعت إليه المرابطة طما الماء في البئر وزاد حتى يستقى من رأس البئر باليد دون معاناة ولا مشقة، فإذا قل الناس بها وتفرقوا نضب الماء حتى يكون بآخر درك. وشريش متوسطة حصينة حسنة الجهات قد أطافت بها الكروم الكثيرة وشجر الزيتون والتين، والحنطة بها ممكنة. شرشارة: قلعة في الهند كانت مستقر ملك من ملوكهم، وهي من جملة ما فتحه محمود، سلطان خراسان، في غزاته المشهورة سنة ثمان وأربعمائة، فتحها بعد امتناعها من قبل على من رامها وغنم جماعة المسلمين جميع أموالها وسبوها وتركوها عبرة لمن أبصرها. شرشال: مدينة في المغرب في ناحية برشك بينهما عشرون ميلاً، وهي متحضرة بها مياه جارية وآبار عذبة وفواكه كثيرة وسفرجل عظيم الجرم ذو أعناق كأعناق القرع الصغار، وهو غريب في ذاته، وبها كروم، وما دار بها بادية لأهلها مواش وأغنام كثيرة، والنخل عندهم كثير والعسل ممكن، وأكثر أموالهم الماشية، ولهم من زراعة الحنطة والشعير ما يزيد على الحاجة، ومن شرشال إلى جزائر بني مزغنا سبعون ميلاً. وبشرشال آثار للأول، وأظنها الآن غير مسكونة، وفيها بنيان عجيب يسمى محراب سليمان ﵇ قد علا في الهواء، ويقابلها من الأندلس مرسى لقنت. شريرة: جزيرة في بحر الهند تسمى أرض الذهب طولها سبعمائة فرسخ، وشجرها البقم والكافور والعود، وفيها ثمر يسمى درنيك يأكلونه، وثمر آخر على صفة الرمان وليس به وهو ألذ منه وأطيب، وشجر الرمان فيها كثير، وفي هذه الجزيرة أكثر من عشرين جنساً من الموز. شروان: هي إحدى مدن ارمينية، قالوا: والصخرة في قول الله تعالى: " إذ أوينا إلى الصخرة " هي صخرة شروان والبحر بحر جيلان، ومجمع البحرين: من بحر فارس والروم، قاله قتادة، قال غيره: بحر إفريقية، وخرق الخضر السفينة في بحر رادس، والملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً الجلندى بن الجلندى، وقتل الغلام بطنبذة وهي المحمدية، ومن ذلك الموضع فارق موسى ﵇. وكان الروس وهي أمة كبيرة لا تنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة، وفيهم تجار يختلفون إلى ملك البرغز، فلما كان بعد الثلثمائة ورد لهم نحو من خمسمائة مركب، في كل مركب مائة نفس، فدخلوا خليج نيطس المتصل بنهر الخزر، وهنالك رجال لملك الخزر مرتبون بالعدد القوية، يصدون من يرد من ذلك البحر ومن يرد من ذلك الوجه من البر الذي يتشعب من بحر الخزر ويتصل ببحر نيطس، لأن بوادي الترك الغز ترد إلى ذلك البر فتشتي هنالك، فربما جمد هذا الماء المتصل من نهر الخزر إلى بحر نيطس فتعبر الغز عليه بخيولها وهو ماء عظيم فلا ينخسف من تحتهم لشدة استحجاره، فتغير على بلاد الخزر، فربما

стр. 357

خرج إليهم ملك الخزر إذا عجز من هنالك من رجاله المرتبين عن دفعهم فمنعهم العبور على ذلك الجمد، ودفع عن مملكته، وأما في الصيف فلا سبيل للترك إلى العبور عليه، فلما أن وردت مراكب الروس إلى رجال الخزر المرتبين على فم الخليج، راسلوا ملك الخزر في أن يجتازوا بلاده وينحدروا في نهره فيدخلوا بحر جرجان وطبرستان وغيرهما من الأعاجم، على أن يعطوه النصف مما يغنمون من هنالك من الأمم على ذلك البحر، فأباحهم ذلك، فدخلوا الخليج واتصلوا بمصب النهر وصاروا مصعدين في تلك الشعبة من الماء حتى وصلوا نهر الخزر وانحدروا فيه إلى مدينة إثل واجتازوا بها وانتهوا إلى النهر ومصبه إلى بحر الخزر ومصب النهر إلى مدينة إثل، وهو نهر عظيم وماء كثير، فانتشرت مراكب الروس في هذا البحر وطرحت سراياها إلى الجبل والديلم وبلاد طبرستان وسواحل جرجان وبلاد النفاطة وبحر بلاد أذربيجان، فسفكت الروس الدماء واستباحت النسوان والولدان وغنمت أموالاً وشنت الغارات وأحرقت، فضج من حول هذا البحر من الأمم لأنهم لم يكونوا يعهدون في قديم الزمان عدواً يطرقهم فيه، وإنما تختلف فيه مراكب التجار والصيد، وكانت لهم حروب مع الجيل والديلم ومع قائد لابن أبي الساج وانتهوا إلى ساحل النفاطة من مملكة شروان، فكانت الروس تأوي عند رجوعها من سواحل البحر إلى جزائر تقرب من النفاطة وعلى أميال منها، وكان ملك شروان يومئذ علي بن الهيثم، فاستعد الناس وركبوا في قوارب ومراكب التجار وساروا نحو تلك الجزائر، فمالت عليهم الروس فقتل من المسلمين وممن غرق ألوف، وأقام الروس شهوراً كثيرة في هذا البحر على ما وصفنا، ولا سبيل لأحد ممن جاور هذا البحر من الأمم إليهم، والناس متأهبون لهم حذرون منهم، لأنه بحر غاص بمن حوله من الأمم، فلما غنموا وسئموا مما هم فيه ساروا إلى فم نهر الخزر ومصبه، فراسلوا ملك الخزر وحملوا إليه الأموال والمغانم على ما اشترطه عليهم وملك الخزر لا مراكب له ولا لرجاله بها عادة ولولا ذلك لكان على المسلمين منه آفة عظيمة وعلمت بشأنهم اللارسية ومن في بلاد الخزر من المسلمين فقالوا لملك الخزر: خلنا وهؤلاء القوم فقد أغاروا على بلاد إخواننا المسلمين وسفكوا الدماء وسبوا النساء، فلم يمكنه منعهم، وبعث إلى الروس فأعلمهم بما عزم عليه المسلمون من حربهم، وعسكر المسلمون وخرجوا يطلبونهم منحدرين مع الماء، فلما وقعت العين على العين خرجت الروس على مراكبها وصافوا المسلمين، وكان مع المسلمين من النصارى المقيمين بمدينة إثل، وكان المسلمون في نحو من خمسة عشر ألفاً بالخيول والعدد، وأقامت الحرب بينهم ثلاثة أيام، ونصر الله المسلمين فأخذهم السيف فمن قتيل وغريق، ونجا منهم نحو خمسة آلاف ركبوا في المراكب إلى ذلك الجانب مما يلي برطاس، فتركوا مراكبهم وتعلقوا بالبر، فمنهم من قتله أهل برطاس، ومنهم من وقع إلى بلاد البرغز من المسلمين فقتلوهم، وأحصي من قتلاهم على شاطئ نهر الخزر نحو من ثلاثين ألفاً، ولم يكن للروس من تلك السنة عودة إلى ما ذكرنا. شراف: مبني على الكسر مثل: حذام وقطام، موضع كانت فيه وقعة لطيء على بني ذبيان، وهي من أعمال المدينة. ولما توجه سعد بن أبي وقاص ﵁ في الجنود إلى العراق، في خلافة عمر ﵁، نزل فيه، فأقام بها ثم كتب إليه عمر ﵁ أن يرتفع إلى زرود فأقام بها شتوة، ثم كتب إليه أن انزل شراف واحذر على من معك من المسلمين، إلى أن كان من أمر القادسية ما كان. شروسان: مدينة بمقربة من مهران السند، بينها وبين المنصورية أربع مراحل، وهي مدينة جليلة المقدار كثيرة العيون والأنهار، وأسعارها رخيصة ونعمها كثيرة ولأهلها كفاف مال وتجاراتهم حسنة، والقاصد إليهم كثير، والبضائع إليهم نافقة.

стр. 358

شكلة (١) جزيرة في البحر الشامي، وهي قريبة من نابل (٢) الساحلية، وهي جزيرة خصيبة تسمى ميور (٣) ، ويقال للجزيرة شكلة ميور، وبينها وبين نابل ثلاثون ميلاً، وبالقرب من مرسى البوالص من جزيرة صقلية قلعة تسمى شكلة (٤) أيضاً وهي من أجل القلاع وأفضل البقاع، وهي من البحر على ثلاثة أميال وهي بادية وحاضرة وبها أسواق وتجارات وخيرات وجنات، ويسافر إليها في البحر من بلاد قلورية ومن إفريقية ومالطة وغيرهما، وباديتها طيبة، وبها أنهار غزيرة عليها أرحاء، ومن الغرائب أن بها عيناً تعرف بعين الأوقات تجري في أوقات الصلوات وتجف في غير ذلك. شلب (٥) من بلاد الأندلس، وهي قاعدة كورة اكشونبة، وهي بقبلي مدينة باجة، ولها بسائط فسيحة وبطائح عريضة، ولها جبل عظيم منيف كثير المسارح والمياه، وأكثر ما ينبت فيه شجر التفاح العجيب يتضوع منه روائح العود إذا أرسلت فيه النار. وهي (٦) في بسيط من الأرض عليها سور حصين، ولها جنات وغلات، وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميال ولها مرسى في الوادي وبها الإنشاء (٧) ، والعود بجبالها كثير يحمل منها إلى كل الجهات. والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة بديعة البناء مرتبة الأسواق وأهلها وسكان قراها عرب من اليمن وغيرها وكلامهم بالعربية الصريحة، وهم فصحاء يقولون الشعر، وهم نبلاء خاصتهم وعامتهم، وأهل بوادي هذه البلدة في غاية من الكرم لا يجاريهم فيه أحد. ومن شلب إلى بطليوس ثلاث مراحل، ومن شلب إلى مارتلة أربعة أيام. وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة (٨) في ربيع الآخر منها نازل ابن الرنق (٩) صاحب قلمرية وما إليها من غرب الأندلس، مدينة شلب هذه، فلم يزل محاصراً لها إلى أن ضاق أهلها بالحصار وخافوا الغلبة عليهم فصالحوه على أن يخرجوا سالمين في أنفسهم ويتركوا البلد بجميع ما فيه من أموالهم وأثاثهم، فأجابهم إلى ذلك، ووفى لهم بما صالحهم عليه، ودخلها في الموفي عشرين من رجب هذه السنة. وبلغ أمر شلب إلى صاحب المغرب والأندلس المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فامتعض لذلك وأنف منه وكبر عليه فاعترض جنوده، واستنفر وضم حشوده، واستعد الأسلحة وفرق الأموال، وخرج من مراكش قاصداً إلى الأندلس في وسط ذي الحجة من هذه السنة، واستمر سيره إلى أن وصل إلى رباط الفتح من مدينة سلا فأقام بها نحواً من ثلاثين يوماً إلى أن توافت الحشود وتكاملت القبائل، وورد عليه في أثناء مقامه برباط الفتح فتح فتح عليه في المغرب وهنئ به، وفيه يقول أبو بكر بن مجبر: قلائد (١٠) فتح كان يذخرها الدهر ... فلما أردت الغزو أبرزها النصر القصيدة بطولها. وتحرك المنصور من رباط الفتح في أخريات المحرم عام ستة وثمانين وخمسمائة، وركب البحر من قصر مصمودة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأقام بطريف إلى أن تحرك منها في غرة ربيع الآخر، وسار إلى قرطبة وعقدت له الرايات بجامعها الأكبر، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة التي أولها (١١) : بشراي هذا لواء قل ما عقدا ... إلا ومد له الروح الأمين يدا وأقبل النصر لا يعدو مناحيه ... فحيثما قصدت راياته قصدا

стр. 359

واستقبلته تباشير الفتوح وقد ... كادت تكون على أكتافه لبدا إلى آخر القصيدة وهي طويلة. ثم تحرك من اشبيلية إلى قصر أبي دانس من غربي الأندلس فنزلوا على حكمه فاحتملوهم إلى مراكش، ورحل من قصر أبي دانس إلى حصن بلماله (١) ، فاستسلموا ورغبوا في الأمان على أن يتركوا الحصن ويسلموا في أنفسهم وينصرفوا إلى بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك، وخلي سبيلهم فنهضوا إلى بلادهم، وانتهب جميع ما كان في الحصن ثم هدم، ثم قصد إلى حصن المعدن فافتتح وهدم، وبعد الفراغ من ذلك كان النهوض إلى شلب، فوصلها في ثاني جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فأحدقت الجيوش بها وأخذت بمخنقها ونصب عليها المجانيق وآلات الحرب، وجدوا في قتالها وبالغوا في نكاية أهلها، فطلبوا الأمان في أنفسهم على أن يسلموا المدينة ويخرجوا إلى بلادهم فأجيبوا إلى ذلك، وخرجوا منها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر قصيدته المشهورة التي أولها: دعا الشوق قلبي والركائب والركبا ... فلبوا جميعاً وهو أول من لبى وظلنا نشاوى للذي بقلوبنا ... نخال الهوى كأساً ويحسبنا شربا إذا القضب هزتها الرياح تذكروا ... قدود الحسان البيض فاعتنقوا القضبا القصيدة. ثم أخذ المنصور في الرحيل إلى مراكش. شلير (٢) : هو جبل الثلج المشهور بالأندلس، وهو جبل البيرة، وهو متصل بالبحر المتوسط، ينتظم بجبل ريه، ويذكر ساكنوه أنهم لا يزالون يرون الثلج نازلاً فيه شتاء وصيفاً، وهذا الجبل يرى من أكثر بلاد الأندلس ويرى من عدوة البحر ببلاد البربر. وفي هذا الجبل أصناف الفواكه العجيبة، وفي قراه المتصلة به يكون أفضل الحرير والكتان الذي يفضل كتان الفيوم، وطوله يومان، وهو في غاية الارتفاع، والثلج به دائماً في الشتاء والصيف. ووادي آش وغرناطة في شمال هذا الجبل، ووجه الجبل الجنوبي مطل على البحر، يرى من البحر على مجرى ونحوه، وفيه يقول ابن صارة (٣) واستغفر الله من كتب هذا الاستخفاف: يحل لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميا وهو شيء محرم فراراً إلى نار الجحيم فإنها ... أمن علينا من شلير وأرحم فإن كنت ربي مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم شلوبينية (٤) : قرية مسكونة على ضفة البحر بينها وبين المنكب عشرة أميال، ويجود فيها الموز وقصب السكر، ولعل الأستاذ أبا علي الشلوبيني (٥) منسوب إليها. ويقال (٦) شلوبينية تقابل من العدوة الأخرى مرسى مدينة مليلة، ويقطع البحر بينهما في مجريين. شلف (٧) : نهر بالمغرب مشهور بقرب مليانة، وعليه مدينة قديمة أزلية فيها آثار أولية كانت تسمى شلف، وإليها ينسب هذا النهر وهي اليوم خراب. شلطيش (٨) : بالأندلس، بقرب مدينة لبلة. وهي جزيرة (٩) لا سور لها ولا حظيرة، إنما هي بنيان متصل

стр. 360

بعضه ببعض، وبها دار صناعة الحديد الذي يعجز عن صنعته أهل البلاد لجفائه (١) ، وهي صنعة المراسي التي ترسي بها السفن وقد تغلب عليها المجوس مرات، ويحيط بجزيرة شلطيش البحر من كل ناحية إلا مقدار نصف رمية حجر، فمن هناك يجوزون لاستقاء الماء لشربهم، وطول الجزيرة نحو ميل وأزيد، والمدينة منها في جهة الجنوب، وهذه الجزيرة بازاء مدينة أونبة ومقدار المجاز بينهما أربعة أميال. وفي صفة استدارة البحر بهذه الجزيرة يقول عبد الجليل بن وهبون من قصيدة يمدح بها المعتمد بن عباد: ألم تر للجزيرة كيف أوفى ... عليها مثل ما انعطف السوار أعد بها على شاطيه دستاً ... ومد يداً إليك بها يشار فإن تقبل تحيته فأجدر ... فربما تواصلت البحار تحيط كما يحيط بها ولكن ... لسمط الدر في العنق افتخار وكان بهذه الجزيرة بيع للأول واتخذت في الفتنة مدينة، ولها أرباض واسعة، وبها آبار عذبة قريبة الأرشية وبساتين حسنة وفيها أطيب الصنوبر، ولها مراع خصيبة لا تصوح وعيون ماء عذب تصلح بها الألبان والقطاني، ومن خاصتها الثريد النفيس. ومدينة شلطيش مرفأ للسفن وركاب البحر، ومرساها يكن بكل ريح، وهي كثيرة السفن، وبها دار صناعة لإنشائها، ويسكنها جماعة من النصارى، ويكون طولها نحو أربعة أميال في عرض يسير. شلم (٢) : بفتح أوله وثانيه وتشديده، اسم لبيت المقدس، وقال الهمداني: شلم: ايليا، وقد تعربها العرب فتقول: سلم، بالسين المهملة، قال الأعشى: وقد طفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأوري شلم قال أبو عبيدة: أوري شلم: بيت المقدس، وروي شلم، بكسر الشين. شلبطرة (٣) : بالأندلس، من بلاد الأذفونش، وهو حصن من حصون الأندلس من عمل قلعة رباح، كان الملك الناصر أبو عبد الله محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب نزل عليها وحاصرها بالمجانيق الضخام والآلات الحربية حتى قهر أهلها وملكها، وذلك في أول سنة ثمان وستمائة، وكان نزل أولاً على حصن اللج فتملكه، ثم رجع الحصار كله على حصن شلبطرة، فنصب عليها المجانيق ورميت بالحجارة الصم الكبار، وطال حصارها إلى أن ضاق أهلها وأعياهم الأمر، فطلبوا أجلاً يستجلبون فيه ملكهم صاحب طليطلة وقشتيلة الأذفونش بن شانجه، فأعطوا ما طلبوا، فخرج قوم من ثقاتهم إلى طليطلة والتقوا مع ملكهم أذفونش بها أو بغيرها من بلاده وأعلموه. بما انتهوا إليه من الشدة وما بلغوا من الجهد والمشقة، وحملوا إليه بعض أحجار المجانيق التي يرمون بها، فعذرهم، ولم تكن عنده قدرة لدفع ما نزل بهم، ولا استطاع الدفاع عنهم، فأذن لهم في الخروج عنها، فرجعت ثقاتهم بذلك، فطلبوا الخروج مسلمين في أنفسهم فوفى لهم بذلك، ومكنوه من الحصن، وانفصل الناس عنها في صدر ربيع الأول من سنة ثمان وستمائة، وكان الحصار فيها إحدى وخمسين ليلة، ورغم الأذفونش وتنحى ولم يقدر في ذلك الوقت على شيء حتى استغاث بأهل ملته، وكاتب من قرب وبعد منهم وشكا إليهم ما دهاه من المسلمين، وحثهم على حماية دينهم ونصرة ملتهم، فاستجابوا له، وجاءوه من كل جهة وانثالوا عليه، فكان من وقيعة العقاب على الملك الناصر في عام تسعة وستمائة ما هو مذكور في موضعه. ولما ملك الناصر حصن شلبطرة نفذت عنه المخاطبات بهذا الفتح، فمن فصل من ذلك خاطب به صاحب إفريقية حينئذ الشيخ المعظم أبا محمد عبد الواحد (٤) ، وهذا كتابنا إليكم من منزل الموحدين

стр. 361

بمنزل أندوجر، ولما كان صاحب قشتالة أقرب من تعينت حربه داراً وأكثرهم مهما استطاع اضراراً (١) كان أولى من نوينا ووجب تقديم غزوه علينا، وكان المعقل المعروف بشلبطرة قد علقت به حبائل الصلبان، وضج من ناقوسه ما في جهاته الأربع من التكبير والأذان، مرقب الدو، وعقاب الجو، العلم المطل على الأعلام، والنكتة السوداء التي بقيت في بساط الإسلام، والخبأة الطلعة، الذي لا حال للمسلمين معه، قد جعلته النصرانية إلى كل غاية جناحاً، وأعدته إلى أبواب المعاقل والمدائن مفتاحاً، فاستخرنا الله تعالى على منازلته وقلنا هو يمين صاحب قشتالة إن قطعت قعد مقعد الذليل، ومظنة غيرة إن لم يتحرك لها، فقد قام على ضعفه أوضح دليل، ونحن في ذلك نبرأ من القوة والحول، ونتوكل على الله ذي الفضل والطول، فقبل النزول من السروج ووضع المهند والوشيج حباهم الله (٢) بكل ضرب وجيع، وموت وحي سريع، وملكوا عليهم أرباضهم وكانت من الذروة إلى البطحاء، فأضرموها ناراً من جميع الأنحاء، ونسخوا فيها آية النهار بالظلماء، فألقوا يد الاستسلام، وذلوا لعزة الإسلام، ورغبوا في أمد يقيمون فيه الحجة على صاحبهم، فأذنا لرسلهم في التوجه إليه، لعلمنا أن ذلك أشد من وقع السيوف عليه، فحين إذ وافته رسلهم اعترف لهم بالصغار، وقلة القوة على الانتصار، وفارقوه على تسليم الدار، لمن له عقبى الدار، فنبذنا إليهم بأنفسهم احتقاراً، وساروا إلى قومهم يحملون هموماً طوالاً وآمالاً قصاراً، وعلى أثرهم طهر الله تعالى المعقل من الأدران، ورقيت أعاليه ألوية الإيمان، وبدل الله فيه الناقوس بالأذان، وحولنا كنيسته مسجداً ومنبراً على تقوى من الله ورضوان. شمنصير (٣) : وقيل شماصير بالألف بدل النون، جبل ململم من جبال تهامة لم يعله قط أحد ولا درى ما على ذروته، وبأعلاه القرود، والمياه حواليه ينابيع تنساب، وبطرفه قرية يقال لها رهاط، وبغربيه قرية يقال لها الحديبية ليست بالكبيرة، وهذه القريات لسعد ومسروح، وفي سعد هذه نشأ رسول الله ﷺ ، ومن الحديبية إلى المدينة تسع مراحل، وإلى مكة مرحلة، وأصحاب الحديث يقولون: الحديبية بئر، وهناك مسجد الشجرة. شمشاط (٤) : مدينة في أرمينية، وهي أول حدود أرمينية، وهي على الفرات، ومنها إلى ملطية أحد وخمسون ميلاً. وشمشاط مدينة رومية كبيرة بها يكون والي ثغور الجزيرة، ومنها تخرج جيوش المسلمين إلى بلاد الروم، وهي على تخوم أرمينية وفيها قبر صفوان بن المعطل السلمي صاحب رسول الله ﷺ . وبين شمشاط (٥) وحصن زياد شجرة لا يعرف أحد ما هي ولا يدرى لها نظير، لها حمل شبيه اللوز إلا أنه يؤكل بقشره، وهو أحلى من الشهد. ولما جمع عثمان بن عفان لمعاوية ﵄ الشام والجزيرة وثغورها، أمره أن يغزو شمشاط، فوجه إليها حبيب بن مسلمة الفهري وصفوان بن المعطل، ففتحاها بعد أيام من نزولهما عليها صلحاً على مثل صلح الرها، فأقام بها صفوان وبها توفي في آخر خلافة معاوية ﵁، ويقال: إن معاوية غزاها بنفسه، ولم تزل شمشاط خراجية حتى صيرها المتوكل على الله عشرية أسوة غيرها من الثغور، ومبلغ مجبى شمشاط وما ينضاف إليها سبعمائة ألف وخمسة عشر ألف درهم. وبشمشاط (٦) قلعة حصينة تحتف بها جبال فيها الجوز والكروم وسائر الثمار. الشماسية: بالعراق، كان المعتصم (٧) خرج من بغداد يرتاد موضعاً لمدينة يبنيها فمر بالشماسية، وهي خارج بغداد فضاقت عليه ولم يرضها حتى أتى موضع سر من رأى فأرضاه، فابتدأ بناءها. وفي خبر أن مهدي بن علوان الشاري (٨) كان خرج على المأمون أو على أبيه وانتهت خيله إلى الشماسية بالعراق، وأما البردان وقطربل ومسكن وما والاهما فكانت بها منازله، قال الفضل بن مروان: في سنة ست ومائتين أتى المأمون بمهدي الشاري أسيراً

стр. 362

ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه فوصفه بالعقل وقال: انتهت خيله إلى الشماسية. قال: وكان فرات جلولاء في يد المعتصم، وهو أمير، فكتبت إليه عنه: لعبد الله مهدي أمير المؤمنين من أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين يسأله الكف عن ضياعه ويبذل له عليها شيئاً من المال، ووجه بالكتاب معي، فصرت إليه وهو بجلواباذ عليه دراعة وسيف وعمامة هارونية، فقلت له: قد أتيتك بكتاب ما أتاك مثله، أعني مخاطبة أبي إسحاق إياه بالخلافة، قال: فدعا بكتب كثيرة من الهاشميين وغيرهم يخاطبونه بالخلافة، قال: فكتب لي بما أردت وأعطاني خاتمه فختمت به الكتاب، فكان أول خاتم باطل وقع في يدي ثم ردفه خاتم إبراهيم بن المهدي. قال: ومرت بنا امرأة نصرانية فقال لي مهدي: هذه أمي وليس يحل لي أن أكرهها على الإسلام. قال: وذكر علي بن أبي طالب ﵁ بسوء، فقال: هل لكم فيما هو خير من هذا كله؟ نكله إلى الله . وقال يحيى بن أكثم: كنت أساير المأمون فوق باب الشماسية وهو على بغل، فخرج من زرع كان بالقرب من الطريق رجل معه قصة، فنفر البغل ورمى بالمأمون، فقال المأمون: والله لأقتلنك، فلما استوى على بغلته قال له الرجل: يا أمير المؤمنين لأن تلقى الله حانثاً خير لك من أن تلقاه قاتلاً، قال: صدقت والله، وقضى حاجته ووقع في قصته ما أراد. وقال أحمد بن أبي دواد: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله، فخرج المعتصم يوماً إلى الشماسية في حراقة يشرب ووجه في طلبي فصرت إليه، فلما قربت منه سمعت غناء حيرني وشغلني عن كل شيء، فسقط سوطي من يدي، فالتفت إلى غلامي أطلب منه سوطه فقال لي: قد والله سقط مني، قلت له: فأي شيء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته شغلني عن كل شيء فسقط سوطي من يدي، فإذا قصته قصتي، قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفز به الناس منه ويغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم فيه، فلما دخلت عليه يومئذ أخبرته بالخبر، فضحك وقال: هذا عمي كان يغني: إن هذا الطويل من آل حفص ... نشر المجد بعد ما كان ماتا فإن كنت تبت مما كنت تناظرنا عليه في ذم الغناء سألته أن يعيده، ففعلت وفعل، وبلغ الطرب مني أكثر مما كان يبلغني عن غيري فأنكره، ورجعت عن رأيي فيه منذ ذلك اليوم. شنترين (١) : بالأندلس مدينة معدودة في كور باجة، وهي مدينة على جبل عال كثير العلو جداً، ولها من جهة القبلة حافة عظيمة ولا سور لها، وبأسفلها ربض على طول النهر، وشرب أهلها من العيون ومن ماء النهر، ولها بساتين كثيرة وفواكه ومباقل، وبينها وبين بطليوس أربع مراحل. وهي من أكرم الأرضين (٢) ، ونهرها يفيض على بطحائها كفيض نيل مصر فيزدرع أهلها على ثراه عند انقطاع الزريعة في البلاد وذهاب أوانها فلا يقصر عن نمائه الطيب ولا يتأخر إناه وإدراكه. ومن أقاليمها صقلب (٣) ، وهي أطيب بقاع الأرض يرفع في أرضه عند توسط الرياع للحبة مائة، وعند كماله للحبة مائتان. ولشنترين جزائر في البحر مسكونة. وكانت جباية شنترين ألفين وتسعمائة دينار، وأحوازها متصلة بأحواز باجة. وكان يوسف بن عبد المؤمن (٤) ملك المغرب اجتاز عليها في حركته الأندلسية بعسكره وهو أربعون ألفاً من أنجاد العرب الفرسان، ومن الموحدين والجنود والمطوعة وفرسان الأندلس وأجنادها ما ينيف على مائة ألف فارس، وبرز أسطوله على الأشبونة وحاصرها عشرين يوماً ونزل على أعظم قواعد ابن الرنق عدو المغرب، وكان مؤذياً للمسلمين من قاعدته (٥) ، وهي شنترين هذه، فبرز عليها في أمم لا تحصى، وهناك عرض له المرض الذي توفي فيه، أقام يرحل به على مطية مضطجعاً على فراشه وضعفه يتزايد إلى أن تفقد في بعض أميال فوجد ميتاً، وذلك في سنة ثمانين وخمسمائة، فتقدم

стр. 363

للأمر ولده يعقوب المنصور، فقفل بالناس إلى اشبيلية فبويع بها ورجع إلى مراكش. شنتجالة (١) : في طرف كورة تدمير بالأندلس مما يلي الجوف، ويقال لها أيضاً: جنجالة، وإليها ينسب الوطاء الجنجالي لعمله بها. شنترة (٢) : من مدائن الأشبونة بالأندلس، على مقربة من البحر، ويغشاها ضباب دائم لا ينقطع، وهي صحيحة الهواء تطول أعمار أهلها، ولها حصنان في غاية المنعة، وبينها وبين البحر قدر ميل، وهناك نهر ماؤه يصب في البحر ومنه شرب جناتهم، وهي أكثر البلاد تفاحاً ويجل عندهم حتى يبلغ دورها أربعة أشبار، وكذلك الكمثرى، وبجبل شنترة ينبت البنفسج بطبعه ويخرج من شنترة عنبر جيد، ويخرج أيضاً في شذونة من بلاد الأندلس. شندان (٣) : مدينة من بلاد السند بينها وبين البحر ميل ونصف، وهي مدينة متحضرة الأهل أهلها تجار مياسير متجولون، والمسافر إليها كثير والخارج عنها كثير. شبوة (٤) : مدينة في أول مدائن حضرموت، يباع فيها حمل بدرهم. شنتمرية (٥) : مدينة في الأندلس من مدن اكشونبة. وهي أول الحصون التي تعد لبنبلونة (٦) ، وهي أتقن حصون بنبلونة بنياناً وأعلاها سموكاً، مبتناة على نهر أرغون على مسافة ثلاثة أميال منه. وبناحية شنتمرية أعجوبة عاينها كل من دخل تلك الناحية من المسلمين، وذلك عين تنفجر بماء كثير يبصر ذلك الناس عياناً، فإذا قربوا منها ووقفوا عليها انقطع جريانها فلا تبض بقطرة، فإذا تباعد الناس عنها عادت إلى حالها، وهذا مستفيض لا يجهله أحد ممن صاقب تلك الناحية. وشنتمرية (٧) على معظم البحر الأعظم، سورها يصعد ماء البحر فيه إذا كان فيه المد، وهي مدينة متوسطة القدر حسنة الترتيب بها مسجد جامع ومنبر وجماعة، وبها المراكب واردة وصادرة، وهي كثيرة الأعناب والتين، وبينها وبين شلب ثمانية وعشرون ميلاً. وإليها ينسب الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري (٨) الأعلم ذو التصانيف المشهورة. وهي مدينة أولية، وبها دار صناعة الأساطيل وبازائها جزائر في البحر تنبت شجر الصنوبر، ومن الغرائب ما ظهر بشنتمرية هذه في عشر الستين والخمسمائة، وذلك صبي يتواصف المحققون ممن عاين أمره أن سنه خمسة أعوام أو نحوها بلغ مبلغ الرجال وأشعر، وهذا مستفيض عندهم. شنت ماركو (٩) : قلعة بصقلية عظيمة ذات آثار قديمة وعمارتها كثيرة، وبها أسواق وحمام وجمل من الفواكه والثمار، ولها بادية ومزارع واسعة ومياه ناشعة، وينبت بها من جميع جهاتها البنفسج الذكي الرائحة العطر، وساحلها حسن تنشأ به المراكب من خشب جبالها. شنت زلايه (١٠) : مدينة أو قرية بالأندلس على طريق قلشانة وهي عن يمين الطريق، وناقوسها ملقى في الأرض لا حارس له ولا رقبة عليه، ويزعم أهلها أنه معقود ممنوع من جميع الناس وأن من أخذه لا يمكنه الخروج به من القرية وإن خصيتي من أخذه تنتفخ ويشتد وجعها (١١) حتى يصرفه إلى موضعه، هذا عندهم صحيح لا يشكون فيه.

стр. 364

شنت ياقوب (١) : كنيسة عظيمة عندهم، وهي في ثغور ماردة، وهذه الكنيسة مبنية على جسد يعقوب الحواري، يذكرون أنه قتل في بيت المقدس وأدخله تلامذته في مركب، فجرى به المركب في البحر الشامي إلى أن خرج به إلى البحر المحيط حتى انتهى به إلى موضع الكنيسة بساحل فيه فبنيت الكنيسة عليه وسميت باسمه فيقصد إليها من افرنجة ومن رومة والقسطنطينية ليوم معروف جعل عيداً لها. وغزا شنت ياقوب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر سنة سبع وثمانين وثلثمائة، وأوسع أهلها قتلاً وأسراً، وقراها وأسوارها هدماً وإحراقاً، ومن إنشاء القسطلي رسالة إلى الخليفة هشام بن الحكم بن عبد الرحمن يخبره بالفتح ويصف الكنيسة وأرضها وله فيها قصيدة مشهورة (٢) . شنفيره (٣) : حصن على أربع مراحل من مرسية بالأندلس في شرقيها مشهور بالمنعة، طرقه في الصلح محمد بن هود سنة أربع عشرة وستمائة ومعه خمسمائة من أجناد الرجال فغدر به، لأن أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص الهنتاتي لما طاف على حصون الأندلس يتفقدها في أيام الهدنة نظر إلى هذا المعقل وهو بارز إلى السماء مع وثاقة بنائه فأعجبه وقال: كيف أخذ الروم هذا الحصن من المسلمين؟ فقيل: غدروا به في زمان الصلح، فقال: أما في أجناد المسلمين من يجاريهم بفعلهم. فسمعه ابن هود فأسرها في نفسه إلى أن تمت له الحيلة، فطلع في سلم من حبال فذبح السامر الذي يحرس بالليل، ولم يزل يطلع رجاله واحداً بعد واحد إلى أن حصلوا بجملتهم في الحصن وفر الروم الذين خلصوا من القتل إلى برج مانع، فقال ابن هود: إن أصبح هؤلاء في هذا البرج جاءهم المدد من كل مكان، فالرأي أن نطلق النيران في بابه، فلما رأوا الدخان وأبصروا اشتعال النار (٤) ، طلبوا الصلح على أن يخرجوا بأنفسهم، فكان ذلك، واستولى المسلمون على الحصن، وكان الروم قد أرسلوا في الليل شخصاً دلوه من البرج، فأصبحت الخيل والرجال على الحصن، وقد أحكم المسلمون أمره، فانصرفوا في خجلة وخيبة، وترددت في شأنه المخاطبات إلى مراكش فقال الوزير ابن جامع لابن الفخار (٥) : أخذناه في الصلح كما أخذتموه في الصلح، ومن هذه الواقعة اشتهر ابن هود عند أهل شرق الأندلس، وصاروا يقولون: هو (٦) الذي استرجع شنفيره. شعب بوان (٧) : موضع في بلاد فارس منسوب إلى بوان بن إيران بن سام بن نوح، وبوان هذا هو الذي ينسب إليه شعب بوان، وهو أحد المواضع المشهورة في العالم بالحسن، وإياه عنى أبو الطيب في قوله: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان شفلودي (٨) : مدينة بجزيرة صقلية كثيرة الخصب واسعة المرافق منتظمة الأشجار والأعناب وغيرها، مرتبة الأسواق، وفيها جبل على قنته قلعة لم ير أمنع منها، اتخذوها عدة لأسطول يفجأهم من جهة المسلمين. شقبنارية (٩) : مدينة في بلاد إفريقية بمقربة من مدينة الأربس، فيها آثار عظيمة، ويقال إنها كانت من أعظم مدن إفريقية، وكان بها ماء مجلوب، وبقي فيها اليوم مواجل عظيمة ما تغير منها شيء، وفيها عين عظيمة عذبة، ولها سرب كبير تحت الجبل يمشي فيه الفارس بأطول ما يكون من الرماح في يده فلا يلحق سمك ذلك السرب، ويقال إن فيه كنوزاً وأموالاً، ويقال إنه كان بمدينة شقبنارية كنيسة فيها مرآة قد صنعت من أخلاط عجيبة إذا اتهم الرجل أهله بأحد نظر في تلك المرآة فيرى وجه الرجل المتهم. ويقال إنه كان في تلك الناحية رجل بربري يدعي أنه من أهل الخير والصلاح، فاتهم ملك شقبنارية أهله بذلك البربري، فنظر في المرآة فرأى صورة البربري مع امرأته، فأوقف على ذلك الشهود

стр. 365

وأخذ البربري فقتله، فغضب لذلك أهل البربري ودخلوا تلك الكنيسة فكسروا تلك المرآة ونزعوها. وهذا الجبل حيث مدينة شقبنارية فيه مدينة خربة فيها آثار عظيمة، وهو كثير العمائر والقرى، وهو بلد الزرع والضرع. وكان الكاتب أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي ولى قضاء مدينة الأربس وشقبنارية إلى نظر قاضي الأربس، فمن قوله في شقبنارية: إن الشقاء برى بشقبنارية ... جسدي وأسلمني لأكبر داهيه من بلدة عنا نأت خيراتها ... لكن قطوف الشر منها دانية ملك العقارب والرتيلا أرضها ... والجو صاعقة وريح عاتيه قال الذين تخيروها منزلاً ... فيها لنا عنب وعين جاريه فأجبت بالشهوات حفت مثلما ... حفت بها نار الجحيم الحاميه شقندة (١) : قرية بعدوة نهر قرطبة قبالة قصرها، فيها اجتمع وجوه العجم يتشاورون في حرب العرب ويحذرونهم من القعود عنهم، ويحضون بعضهم بعضاً على أن يكونوا يداً واحدة، وقدموا على لذريق بقرطبة بسبب ذلك، فنزلوا أكناف شقندة هذه ولم يطمئنوا إلى الدخول على لذريق أخذاً بالحزم. شقورة (٢) : مدينة من أعمال جيان بالأندلس، قالوا: وجبل شقورة ينبت الورد الذكي العطر والسنبل الرومي الطيب وفي غيران شنت مرتين من جبل شقورة اشقاقل كبير قوي الفعل يفوق غيره؟ وإذا نزل بتلك الغيران أحد كثر منه الاحتلام، وربما نزل المني منه بغير إرادة ولا تذكر، ويقال: إن في قرية هناك عين ماء تفعل مثل ذلك. وفي جبل شقورة شجر الطخش الذي تتخذ منه القسي وعصير ورقه سم قتال وحي، وفي تلك الناحية عين ماء صغيرة في حجر قدر ما تدخل الدابة رأسها فيه فتشرب، ويتتابع على ذلك العدد الكثير من الدواب فتصدر رواء، فإذا استقي في إناء لم يكد يروي الرجل. ولعلي بن أبي جعفر بن همشك وكتب على قبره بشقورة: لعمرك ما أردت بقاء قبري ... وجسمي فيه ليس له بقاء ولكني رجوت وقوف بر ... على قبري فينفعني الدعاء " سبيل الموت غاية كل حي " (٣) ... فكل سوف يلحقه الفناء ومن شقورة أبو بكر بن مجبر الشاعر المفلق المجيد شاعر دولة بني عبد المؤمن. شقر (٤) : جزيرة بالأندلس، قريبة من شاطبة وبينها وبين بلنسية ثمانية عشر ميلاً. وهي حسنة البقعة كثيرة الأشجار والثمار والأنهار وبها ناس وجلة، وبها جامع ومساجد وفنادق وأسواق، وقد أحاط بها الوادي، والمدخل إليها في الشتاء على المراكب، وفي الصيف على مخاضة. وفي إحاطة الوادي بها يقول ابن خفاجة في شعر يتشوق فيه إلى معاهده ويندب ماضي زمانه (٥) : بين شقر وملتقى نهريها ... حيث ألقت بنا الأماني عصاها وتغنى المكاء في شاطئيها ... يستخف النهى فحلت حباها

стр. 366

عيشة أقبلت شهي جناها ... وارف ظلها لذيذ كراها لعبت بالعقول إلا قليلاً ... بين تأويلها وبين سراها فانثنينا مع الغصون غصوناً ... مرحاً في بطاحها ورباها ثم ولت كأنها لم تكد تل ... بث إلا عشية أو ضحاها فاندب المرج فالكنيسة فالش ... ط وقل آه يا معاهد آها آه من عبرة ترقرق بثاً ... آه من رحلة تطول نواها آه من فرقة لغير تلاق ... آه من دار لا يجيب صداها لست أدري ومدمع المزن رطب ... أبكاها صبابة أو سقاها فتعالي يا عين نبك عليها ... من حياة إن كان يغني بكاها وشباب قد فات الا تناسي ... هـ ونفس لم يبق إلا شجاها خل عيني تبكي عليها وقلبي ... يتمنى سواده لو فداها وفي جزيرة شقر يقول الكاتب أبو المطرف بن عميرة: كفى حزناً نأي عن الأهل بعدما ... نأينا عن الأوطان فهي بلاقع نوى غربة حتى بمنزل غربة ... لقد صفع البين الذي هو صانع وكيف بشقر أو بزرقة مائه ... وفيه لشقر أو لزرق شوارع وقال من قصيدة يمدح فيها صاحب إفريقية الأجل أبا زكريا: وعاد قلبي من شوق أندلس ... عيد أسى فته وما فتر فأين منا منازل عصفت ... ريح عليها من العدا صرصر ودون شقر ودون رزقته ... أزرق يحكي قناه أو أشقر ؟ شقوبيه (١) : بالأندلس، هذه ليست بمدينة إنما هي قرى كثرة متجاورة متقاربة متلاصقة متداخلة العمارات، فيها بشر كثير وجم غفير، وهم في نظر صاحب طليطلة، وهم أنجاد أجلاد، ومنها إلى طليطلة (٢) مائة ميل. ؟ شهدروج (٣) : مدينة في وسط جزيرة كبيرة بأرض الترك يقال لها جزيرة شهدروج، وهذه المدينة جليلة عامرة بها أسواق وصناعات قائمة وغلات، وهي منيعة وعلى شفير الأرض المنتنة من جهة شرقيها، وهذه الأرض المنتنة ممتدة حرشاء سوداء، طولها عشرة أيام، وهي جرداء من النبات لا يوجد فيها ولا في جبالها شيء منه، وهي وحشية الأكناف بعيدة الأطراف ماؤها غائر ودليلها جائر وريحها منتنة، وليس فيها مأوى لعابر ولا مسلك لقاصد، وفي آخرها مما يلي شمالها مدينة سقمانية (٤) . شهرزور (٥) : في جهة حلوان وبقرب كوى من بابك هاروت وماروت، ومعنى شهرزور نصف الطريق، وكان منتصف طريقهم إلى بيت نار لهم، وكانت شهرزور مضمومة إلى الموصل حتى فرقت في آخر خلافة الرشيد. ومن شهرزور ابن الصلاح، المحدث المؤلف المشهور أبو عمرو

стр. 367

عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر المعروف بابن الصلاح، له تصنيف في علوم الحديث مفيد جداً، توفي بدمشق سنة ثلاثين وستمائة. وبشهرزور توفي الإسكندر بعد أن غزا الهند ومشارق الأرض وقتل ملوكها ودانت له عامة البلاد وانتهى إلى البحر المحيط، فهال ذلك ملوك غرب الأرض، فوفدت عليه رسلها بالانقياد والطاعة، وقيل سمه بعض خدمه بأرض بابل فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة، عاش منها بعد قتل دارا خمس سنين، وكان عمره ستاً وثلاثين سنة باتفاق، وعرض الإسكندر جنده بعد أن غلب على ملك الفرس فوجدهم ألف ألف وأربعمائة ألف مقاتل، ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي في أربعمائة رجل من أصحابه يطلب عين الحياة، فسار فيها ثمانية عشر يوماً وبنى اثنتي عشرة مدينة منها هراة ومرو وسمرقند وأصبهان. وشهرزور مشهورة بالعقارب، ولذلك قال ابن الرومي في قينة: فقرطها بعقرب شهرزور ... إذا غنت وطوقها بأفعى شهرستان (١) : إحدى مدن اصبهان، وهي اثنتا عشرة مدينة، وهذه من مشاهيرها. شوذر (٢) : بالأندلس من كور جيان، وهي قرية تعرف بغدير الزيت لكثرة زيتونها، وهي كثيرة المياه والبساتين، كثيرة السقي، بها جامع من ثلاث بلاطات على أعمدة رخام، وسوق حافلة يوم الثلاثاء. شيروان: قال اليعقوبي: هي مدينة عظيمة من كور الجبل قديمة بين جبال وشعاب، وهي أشبه المدن بمكة شرفها الله تعالى، وفيها عيون. وقال غيره (٣) : على القرب من مدينة الدينور مدينة الصيمرة والشيروان، وهما مدينتان نظيفتان جيدتا المباني، مبانيهما جص وآجر كمدينة الموصل، وهما كثيرتا المياه سائحة في دورهم مطردة في منازلهم، وكثيرتا الأشجار والزروع. شيره: جزيرة بقرب ساحل وادي القرى تضيق هناك الشعاب والجزائر، فيرصد أهل السفينة فتور الماء في أول المد وفي آخر الجزر وقبل طغيان الماء وشدته، ويدخلون موضعاً يسمى بالزنقة بين تلك الجبال والشعاب، تسير السفينة فيه نحو خمسين ميلاً، وهي أكثر من ثلاثمائة جزيرة، ولا يسلك هذا الموضع إلا من عرفه، وهذه الجزائر أكثر بلاد الله تعالى سمكاً وأطيبه، وفيها يكون الحوت المسمى السفن، فإذا انتهت السفينة آخر هذه الشعاب وصلت إلى مضيق كالذي دخلت منه، يسمى أيضاً بزنقة، فإن كانت السفينة كبيرة بقي أهلها هناك إلى فيض الماء وزيادته في رؤوس الأهلة فيجوزون ذلك الموضع حتى تخرج من هذا المضيق. شيراز (٤) : مدينة بأرض فارس، وهي مدينتها العظمى ودار مملكة فارس، وينزلها الولاة والعمال، وبها الديوان والمجبى، وهي مدينة إسلامية بناها محمد بن القاسم بن أبي عقيل ابن عم الحجاج. وتفسير شيراز: جوف الأسد، سميت بذلك لأنها تجلب إليها الميرة من سائر البلاد، ولا تخرج منها الميرة البتة. ولما وصل عسكر الإسلام إلى فارس عرس العسكر بمكانها وأقام به حتى افتتحت اصطخر وجميع كورها، فتبرك المسلمون بذلك وبنوا شيراز بذلك المكان. وهي مدينة جليلة المقدار حسنة النواحي طولها نحو من ثلاثة أميال، وهي متصلة البناء لا سور لها ولا أسواق ولا عمارة، وهي قرارة الجيوش وأولي الحرب والدواوين والجبايات، وشرب أهلها من الآبار. وليس فيها منزل إلا ولصاحبه فيه جميع الثمار والرياحين والبقول وكل ما يكون في البساتين، وقيل: كل شرب أهلها من عيون

стр. 368

تجري في الأنهار، ولو لم يكن من فضلها إلا أن الإمام أبا إسحاق الشيرازي الفقيه المصنف المشهور منها (١) ، له سير وأخبار مشهورة. شيزر: مدينة بالشام من أعمال حمص، وإياها عنى امرؤ القيس بقوله: تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا الشيرجان (٢) : مدينة هي قاعدة كرمان من أرض فارس وخراسان وسجستان، وهي التي ينزلها الوالي، وبني سورها أيام الرشيد، ولها ثمانية أبواب، أحدها باب الميدان ويخرج منه إلى درب وسكك حتى ينتهي إلى مصلى حاجب إلى دار المرضى ثم إلى الدروب المعروفة بباب بيمند، وهو باب المغرب، وخارج هذا الدرب قصر خراب يعرف بقصر حاجب بن صالح، وكان سبب بنيانه أنه أول ما قدم كرمان والياً عليها، قصد دار عبد الله بن غسان فنزلها، وعبد الله بن غسان غائب، فصار إليه الأدهم بن ثعلبة المازني مع اثني عشر ابناً له كهولاً ومشايخ، فلما سلم عليه فاتحه بأن قال: أيها الأمير أما تستحي أن تنزل بنسوة أشراف وصاحبهن غائب؟! فأجابه حاجب وقال مغضباً: بأي شيء يأمرنا الشيخ أن ننزل؟ قال: بالعراء، قال حاجب لجلسائه: ليس العجب من هذا الشيخ الخرف ولكن العجب من هؤلاء المشايخ الذين يمشون معه، قالوا: أيها الأمير إنهم ولده، فرده وقال: أيها الشيخ حق لك أن تزهى، نعم وكرامة أنزل بالعراء، فأمر بضرب خبائه في مصلى وما زال نازلاً بالجبانة إلى أن بني له هذا القصر وفرغ منه ثم تحول إليه. ويطل على مدينة الشيرجان جبل منقطع في الجبال طوله خمسة فراسخ وعرضه فرسخ. وكان ولاة كرمان (٣) من العرب ينزلون الشيرجان وبينها وبين زرند خمسون فرسخاً، ومرزبان زرند في صلحهم يؤدي الخراج إليهم، فورد أعرابي على جليلان المرزبان اسمه محمد بن قرة كما يخرج الأعراب من البادية في يده جراب وعصا، فاستأجره الجليلان ترجماناً ينفذ مع من يحمل الخراج إلى الشيرجان، فآنس منه رشداً، فأظهره وعرضه للمنافع حتى أنس به ووثق بناحيته، وكسب مالاً ودواب واستقدم من أهله قوماً، وجعل يحمل المال كل سنة ويؤديه عن المرزبان. فلما كان في بعض السنين اتصل به على فرسخ من زرند موت عامل كرمان، وهو قد صدر بالمال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف درهم سوى الهدايا، فجمع هناك أهل بيته وغلمانه بموضع يقال له جفار طارق، وكان موضع متنزه مهرويه بن المرزبان، واتصل الخبر بالجليلان فأرسل رسولاً يدعوه، فزبر الرسول وطرده، فدعا الجليلان ولده وغاشيته وشاورهم، فمنهم من يقول: أنا أذهب فأحمله إليك مقيداً، ومنهم من يقول: نأخذ منه المال ونرسله كما جاء، فقال المرزبان: ليس الوجه هذا، فإن هذه دولة جديدة، وقد جمع لنفسه من لفيف أهل بيته وصار له حشم، فلأن نداريه ولا نخالفه أصلح، فغلب ابن قرة على أكثر ضياعهم وجعل المرزبان خولاً لنفسه وقوي أمره، إلا أنه ترك للمرزبان وأهل بيته ما يعيشون به ويكرمونهم، فهذا كان سبب ورود العرب هذه الناحية، ثم جعلوا الشيرجان مأواهم وبنوا بها القصور واعتقدوا بها وبرساتيقها الضياع.

стр. 369

حرف الصاد الصافية ١: موضع على يوم من النعمانية بشط دجلة، فيه قتل أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين سنة أربع وخمسين وثلثمائة منصرفه من حضرة الأمير أبي شجاع، تولى قتله فاتك بن أبي الجهل الأسدي في نيف وثلاثين فارساً رامحين وناشبين، وذلك أن فاتكاً هذا له قرابة من ضبة بن يزيد الذي هجاه أبو الطيب بقوله: ما أنصف القوم ضبه ... وهى من سخيف شعره، فكانت سبب قتله، وفي خبر أنه قيل له: أعطهم شيئاً فقال: أبذرق ومعي سيفي؟! وقاتل حتى قتل. صاهك ٢: موضع في بلاد فارس، فيه كان التقى المهلب بن أبي صفرة والأزارقة، بعث الحجاج إلى المهلب سيفاً ليتقلده، فدفعه إلى ابنه المغيرة، فقاتل به في هذا اليوم، لأنه التقى يوم صاهك جمع المهلب والأزارقة وفيهم المهلب وقطري بن الفجاءة فقال المهلب لابنه المغيرة: يا أبا خراش إن الحجاج بعث إلي بهذا السيف الذي في عنقي، أحب أن أتقلده وعزم علي في ذلك فألقيت سيف سعد وكاد خيراً من سيف الحجاج، كما أن سعداً خير من الحجاج، فدونك فقاتل به اليوم ولا ترده إلي حتى تجربه، فأخذه المغيرة وجاءت الأزارقة يقودها ابن مخراق فلقيه المغيرة، فذكروا أن المغيرة ضرب ابن مخراق صالحاً على بيضته فقدها من خلفها حتى أسرع السيف في عنقه مما يلي وداجه، وصرع صالح وحماه فوارس من أهل الجزيرة من بني شيبان، فرجع المغيرة إلى المهلب بسيفه مدمى، فقال المهلب: أخذته بحقه وما أحب أن غيرك من ولدي فعل ذلك، أنا كاتب إلى الحجاج بأمرك، ولولا عزيمته علي لقلدتكه، وكان سيفاً مأثوراً بعث به محمد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن، وكان عليها، وكان وجده مع حبى ولميس ابنتي تبع في قبرهما، وكان معهما لوح مكتوب فيه: أنا حبى وهذه لميس أختي متنا لا نشرك بالله شيئاً، فقال الحجاج: يا أهل الشام من أحق بهذا السيف؟ قالوا: أنت قال: لا، بل أحق به مني المهلب، فبعث به إليه وعزم عليه بأن يتقلده، فزعموا أن ابن مخراق كان يضع على قفاه بعد ذلك اليوم مصدغة محشوة قزاً مخافة ضربة المغيرة، فقال الجرمي في ذلك: قل للمهلب قد وقيت نفوسنا ... ببنيك فعلة تبع ذي التاج كانت إذا غشيت غياية مذحج ... أنساهم ببنيه كل عجاج فلقد نصبت أبا خراش للعدا ... فحداهم بصفيحة الحجاج صدر النهار يكر فيهم مهره ... حتى تضمنه البهيم الداجي أخذ الحسام بكفه ومضى به ... وأبو خراش للزيادة راج

стр. 370

ضرب ابن مخراق بصاهك ضربة ... بين العكيف ومجمع الأوداج والخيل تعلم والفوارس أنه ... كبش الأزارق كل يوم هياج الصالحة: كان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب الملقب بالمنصور أمر باختطاط المدينة الصالحة في بلاد المغرب، وشرع في بنائها وأجرى وسطها الماء العذب إلى أن كمل أمرها. صبر ة: مدينة بناحية طرابلس إفريقية. لما نزل (١) عمرو بن العاصي ﵁، طرابلس سنة اثنتين وعشرين، فحاصرها شهراً لا يقدر منها على شيء، ثم غاض البحر من ناحية المدينة، فوجدوا مسلكاً إليها من الموضع الذي حسر منه البحر فدخلوا حتى أتوا من ناحية الكنيسة وكبروا فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم، ثم أقبل عمرو ﵁ بحاشية حتى دخل فلم يفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم، وغنم عمرو ﵁ ما كان في المدينة، وكان من ب صبرة متحصنين وهي المدينة العظمى، وسوقها السوق القديم (٢) ، فلما بلغهم محاصرة عمرو ﵁ بمدينة طرابلس جرد خيلاً كثيفة من ليلته وأمرهم بسرعة المسير، فصبحت خيله مدينة صبرة وهم غافلون، وقد فتحوا أبوابها لتسرح ماشيتهم، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى أصحاب عمرو ﵁ على ما فيها ورجعوا إلى عمرو، وبعد ذلك كتب عمرو إلى عمر ﵁ يستأذنه في دخول إفريقية فجاءه كتاب عمر ﵁ ينهاه عن دخول إفريقية بالجيش وقال: ليست بإفريقية ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت، فرجع عمرو رضي الله. وصبرة (٣) : أيضاً مدينة بالقيروان كبيرة بناها إسماعيل العبيدي وسماها المنصورية سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، وكان لها فائد كثير، يقال إنه كان يدخل أحد أبوابها كل يوم ستة وعشرون ألف درهم، وهي منزل الولاة إلى حين خرابها، وكان نقل إليها معد بن إسماعيل أسواق القيروان كلها وجميع الصناعات، ولها خمسة أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة، وهو جوفي، وباب الفتوح ومنه تخرج الجيوش، وكان فيها في مدة عمارتها ثلثمائة حمام أكثرها للديار وباقيها مبرز للناس، وهي الآن (٤) خراب لا ساكن بها، وعلى ثلاثة أميال منها قصور رقادة، وفيها يقول أبو علي بن رشيق (٥) . أصاب القيروان وساكنيها ... ودار الملك صبرة كل باس فلا الدنيا التي بقيت بدنيا ... ولا الناس الذين بقوا بناس ؟ صبر (٦) : هو جبل باليمن ويقال لمدينته مدينة صبر، وهذا الجبل فيه ألف قرية والمرتقى إليه مسيرة يوم، وفي أعلاه الأنهار والطواحن، وعرض هذا الجبل أربعة وعشرون فرسخاً، وهو بقرب الوادي المعروف بسحول وبقرب مدينة الجند، وتدخل منه إلى صحراء ورمال حتى تنتهي إلى زبيد. صحار (٧) : مدينة كبيرة بأرض عمان وهي قصبة عمان، وهي على ساحل البحر، مقدارها فرسخ في فرسخ، ومياهها من الآبار. وهي أقدم (٨) مدن عمان وأكثرها أموالاً قديماً وحديثاً، ويقصدها في كل سنة من تجار البلاد ما لا يحصى عددهم، وإليها تجلب جميع بضائع اليمن ويتجهز منها بأنواع التجارات، وأحوال أهلها واسعة، وبها النخيل والموز والرمان والسفرجل وكثير من الثمار الطيبة، وكان في قديم الزمان تسافر منها مراكب الصين

стр. 371

فانقطع ذلك لأن عامل جزيرة كيش أنشأ أسطولاً، فغزا به بلاد اليمن الساحلية فأضر بالمسافرين والتجار ولم يترك لأحد مالاً وأضعف البلاد وانقطع السفر عن عمان، وعاد إلى عدن. وكان بصحار مجتمع للتجار، ومنها يتجهز لكل بلدة وإلى بلاد الهند والصين. الصخرة: قيل هي بيت المقدس نفسه، وقيل موضع قبلته. ولما جاء عمر ﵁ الشام باستدعاء أبي عبيدة إياه لما امتنع أهل ايليا من مصالحته حتى يكون عمر ﵁ هو الذي يتولى مصالحتهم، سخر أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس، وكانت فيه مزبلة عظيمة، وجاء عمر ﵁ ومعه كعب الأحبار، فقال: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: اذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً ثم احفر فإنك تجدها، قال: وهي يومئذ مزبلة، قال: فحفروا، فظهرت، فقال عمر ﵁ لكعب: أين ترى قبلة المسجد؟ قال: اجعلها خلف الصخرة فتجمع القبلتين: قبلة موسى وقبلة محمد عليهما الصلاة والسلام، قال: ضاهيت اليهود يا أبا إسحاق، خير المساجد مقدمها، فبنى القبلة في مقدم المسجد ثم بنى عبد الملك بن مروان مسجد بيت المقدس سنة سبعين، وحمل إلى بنيانه خراج مصر سبع سنين، وبنى القبة على الصخرة. الصخور (١) : حصن صغير على نهر مرسية من الأندلس فيه دعا لنفسه محمد بن هود سنة خمس وعشرين وستمائة وأبو العلا ادريس المأمون في اشبيلية وقد صفت له، وكان عازماً على التحرك إلى بر العدوة، فبينا هو يروم ذلك إذ وصله الخبر بقيام ابن هود هذا وكان من الجند، ولم يكن إذ ذاك أحد من أكابر الأندلسيين يطمع في ثيارة ولا يحدث بها نفسه كبني مردنيش في بلنسية وبني عيسى في مرسية وبني صناديد في جيان وبني نصر في غرناطة وبني فارس في قرطبة وبني وزير في اشبيلية لانتظام البرين على طاعة الدولة الممهدة القواعد، ورجوع أمورهما إلى إمام واحد، حتى اتفقت ثيارة العادل بمرسية ثم ثيارة البياسي وفتنته ثم مبايعة أبي العلا بإشبيلية، ففتحوا على دولتهم باباً يدخل منه غيرهم، فأوقع الله تعالى في خاطر ابن هود هذا أنه يملك الأندلس، وتحدث بذلك مع من يثق به، وذكر أنه محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العليم بن أحمد المستنصر بن هود، واحتقر السيد الذي كان في مرسية من قبل أبي العلا فجمع أصحابه وخرج بهم إلى الحصن المعروف بالصخور فدعا لنفسه، واجتمع له جمع من القطاع ودعار الشعاري والضياع وقال لهم: أنا صاحب الزمان، وأنا الذي أرد الخطبة عباسية وخاطب بذلك أبا الحسن القسطلي (٢) قاضي مرسية يومئذ وأعلمه أنه إن تمكن من هذا الغرض فإن الدولة تكون في يده، فأصغى الشيخ إليه إصغاء أذهله عن حتفه الذي بحث عنه بظلفه، وواعده، ثم حضر القاضي القسطلي عند السيد الملقب بأبي الأمان وقد لاحت عليه دلائل الخذلان فقال: يا سيدنا هذا الرجل الذي كان في الصخور ما زال خديمكم يكتب له ويرغبه في الطاعة ويعده بما يكون من الخير في أثر ذلك حتى أذعن، وها هو قد وصل لتقبيل يدكم الكريمة، وسيدنا يرتب له ولأصحابه ما يكفهم عن الثيارة ويرجى أن ينتفع بهم في قطع الفساد عن جهات هذه البلاد، فابتهج السيد وأنفذ إليه بالمبادرة فلم يمر إلا القليل حتى دخل ابن هود وأصحابه مرسية على السيد في السلاح، فعندما مالوا لتقبيل يده قبضوا عليه ثم حبسوه وأجلسوا ابن هود في مكانه، وخطب في أول جمعة للمستنصر العباسي ثم لنفسه بالمتوكل على الله أمير المؤمنين، وعندما وصل الخبر بذلك إلى أبي العلا، وكان عزم على جواز البحر، تمثل: إن الطبيب إذا تعارض عنده ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا وصرف وجهته إلى مرسية، ففي أول منزلة نزل بها قام الأستاذ أبو علي الشلوبيني فابتدأ يخطب، وقال: ثلمك الله ونثرك، يريد: سلمك الله ونصرك، وكان يرد السين والصاد ثاء، وقام بعده أبو الحسن بن أبي الفضل فأنشده قصيدة أولها:

стр. 372

خدمتك السيوف والأقلام ... وأصاخت لأمرك الأيام وقام الكاتب البلوي فأنشد قصيدة منها: إن تك مرسية قد عصت ... فما قد بقي طائعاً أكثر منابرنا لك قد أصبحت ... فما ضر أن قد عصى منبر فكره أبو العلا ما أتوا به واسود وجهه وتطير الحاضرون بذلك، وامتنع أبو العلا بعد هذا المجلس من كلام الخطباء وإنشاد الشعراء في هذه القضية، وأقام محاصراً لمرسية حتى رحل في السنة الثانية إذ علم أهلها أنهم لا ينفعهم معه إلا التجريد عن ساعد الجد، وعلم هو أنه لا تجوز عليهم حيلة ولا تنفع فيهم موعظة، وكان الأمر على ما نطق به القدر على ألسنة أولئك. صداء (١) : ويقال صدى بالقصر، وصدءاء وصداء، ويروى صيداء بياء قبل الدال وهي ركية ليس عند العرب أعذب من مائها، ومن أمثال العرب " ماء ولا كصدى " كما قالوا: " مرعى ولا كالسعدان " ولبعض الشعراء: يا وزراء السلطان ... أنتم وآل خاقان كبعض ما روينا ... في سالف الأزمان ماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان صدينة (٢) : في بلاد عمان، قرية ذات مياه سائحة. وصدينة (٣) أيضاً من كور شذونة بالأندلس أزلية قائمة الأسوار باقية الآثار تطرد المياه داخلها من عين ثرة تطحن على جداولها الأرحاء، وهي في غاية الحصانة لا ينفذ جيش إليها ولا يتوصل عسكر للنزول عليها، وهذه العين عنصر نهر بوصة (٤) . صرار: موضع قريب من المدينة النبوية، وهو اسم أطم هنالك وبه سميت الناحية صراراً وهي لبني حارثة بن الحارث، وفيه يقول الشاعر: لعل صراراً أن تجيش بئاره ... ويسمع بالريان تبنى مشاربه والريان كان لأصحاب صرار. وقيل: هو بئر على نحو ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم، وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال له في قدومه من بعض سفراته: " هل تزوجت؟ "، وقال له في أثناء كلامه: " لو جئنا صراراً أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم " إلى آخر الخبر. وصرار (٦) على ثلاثة أميال من المدينة وقال زيد بن أسلم: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ حتى إذا كنا بحرة واقم إذا بنار تؤرث بصرار، فسرنا حتى أتيناها، فقال عمر ﵁ السلام عليكم يا أهل الضوء، وكره أن يقول يا أهل النار، أندنو؟ فقيل له: ادن بخير أو دع، فإذا بهم ركب قد قصر بهم الليل والجوع، وإذا امرأة وصبيان، فنكص على عقبيه، وأدبر يهرول حتى أتى دار الدقيق فاستخرج عدل الدقيق وجعل فيه كبة من شحم، ثم حمله حتى أتاهم فقال: ذري وأنا أحر (٧) لك يريد: أتخذ لك حريرة.

стр. 373

الصريف (١) : هي جزيرة في بحر الصنف والذي في جزائره مملكة المهراج، وهو الذي يخرج رأسه من الظلمة الشمالية ويمر على بلاد الواق واق. وفي هذه الجزيرة التي في هذا البحر مساكن ظاهرة وقباب بيض لائحة، كلما هم بالوصول إليها أحد وقرب منها تباعدت عنه، فلا يزال كذلك حتى ييأس منها وينصرف عنها، وهم يرون فيها شخوصاً وشجراً وعمارة ودواب، ولا يعلم أن أحداً وصل إليها. صرصر (٢) : نهر يصب في دجلة تجري فيه السفن، وعليه مدينة بينها وبين بغداد سبعة أميال، وهي مدينة كبيرة عامرة كثيرة الأشجار والأسواق، وفيها فواكه وخير وافر، ولا سور لها، وبها جسر من مراكب يعبر عليه الناس. صرواح (٣) : مدينة باليمن بقرب صنعاء، وهي خراب، كانت لعمرو بن عامر مزيقيا صاحب سد مأرب وبناؤها كلها من رخام، وباقية أهلها يزعمون أنها بنيت في عشية واحدة، وفي كلام لحمير: بنينا صرواح ومرواح. وقيل (٤) : إن سليمان ﵇ كان أمر الجن أن تبنيه لبلقيس (٥) وفيه كانت مملكة خولان. الصرح (٦) : هو البناء الذي بناه نمرود بن قاش بأرض بابل، وكان ملك خمسمائة سنة، وهو ملك النبط، وفي زمانه فرق الله الألسنة، وبنى الصرح بعد البلبلة، وهو البناء الذي يسمى المجدل، وكان ارتفاعه خمسة آلاف باع ومائة وسبعين باعاً، وكان أسفله أوسع من أعلاه، وكانت فيه محاريب عجيبة من فائق الرخام مزينة بالذهب والجوهر وما لا يكاد سامعه يصدق الخبر عنه، ويقال إنه بناه بأرض فارس لأنه بعد البلبلة انتقل عن بابل إلى أرض فارس، وفرض على الناس عبادة النار. قالوا: ولما ظن أنه أسند الصرح إلى السماء وارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم، أتى الله بنيانه من القواعد: " فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون "، فيقال: عند ذلك تبلبلت الألسنة من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل، وإنما كان اللسان سريانياً. ونمرود هذا هو الذي جوع الأربعة أنسر وقرنهن بالتابوت فلم يزل يرفع اللحم حتى وقع في ظلمة لا يرى ما فوقها ولا ما تحتها، ففزع وألقى اللحم فانقضت النسور، وكان طيرانهن من بيت المقدس وسقوطهن بجبل الدجال، وذلك قوله تعالى: " وقد مكروا مكرهم "، ثم إنه بعد ذلك شرع في بناء الصرح. الصراة (٧) : نهر ينشعب من الفرات ويجري إلى بغداد، ويقال: الصرا، بلا هاء أيضاً، لأنه صري عن الفرات، أي: قطع. وقيل هو مجتمع دجلة والفرات وعليه دل قول أبي العلاء المعري يذم إبلاً له (٨) : تمنت قويقاً، والصراة حيالها ... تراب لها من أينق وجمال قويق: نهر حلب، وهو صغير، فدعا عليها حين آثرت قويقاً على الصراة جهلاً منها. وقال إبراهيم بن المهدي (٩) : كنت مع محمد الأمين في الحصار وقد اشتد علينا، فخرج من قصر الذهب ليلة وصار إلى قصر القرار بقرب الصراة، وأحضرني فقال: يا عم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر فيها ومكاننا على دجلة والصراة؟

стр. 374

فهل لك في أن نشرب فيها من وقتنا ونخفف بها الهم عن قلوبنا. فقلت: من أعظم الميل، والمكان في غاية الحسن، فعلى اسم الله فاشرب، فشرب رطلاً وسقاني مثله، ثم قال: ما ترى في الغناء على ما نحن فيه؟ قلت: ما نستغني عنه، فدعا بجارية متقدمة يقال لها ضعفاء، فتطيرت من اسمها، فحضرت فقال: غني، فغنت بشعر النابغة الجعدي: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم فنظر إلي واشتد عليه وعلي، إلا أني لم أره ذلك، فقال لها: غني غير هذا، فغنت: أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم ... حتى تفانوا وصرف الدهر عداء فصاح عليها: لعنك الله، أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقالت: ما تغنيت إلا ما عهدتك تحبه، ثم غنت: أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك إلا بنقل السلطان من ملك ... قد انقضى ملكه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفان ولا بمشترك فصاح بها: قومي، غضب الله عليك ولعنك، فقامت مذعورة وعثرت بقدح بلور حسن الصنعة جداً كان يختصه ويسميه: رب رباح، كان موضوعاً إلى ناحيته، فكسرته، فزاد عليه الأمر وقال: أما ترى يا عم ما قد منيت به الليلة؟ ما أرى السرور إلا قد قوض والأمر قد اقترب، فقلت: إنما هو اتفاق وقع، والله يطيل عمرك ويكبت عدوك، فسمعنا قائلاً يقول من الشط: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فوثب عن المجلس وقال: أما سمعت يا إبراهيم؟ فقلت: ما سعت شيئاً، وقد كنت سمعت، فقال: ما بعد الفأل دليل، فما عدت إلى المجالسة بعد ذلك، وقتل محمد بعد أيام. صطفورة (١) : بإفريقية، وهو عمل بنزرت. فم الصلح (٢) : بكسر الصاد، نهر ميسان من أعمال واسط، وفي " مختصر العين " (٣) الصلح: نهر ميسان. قالوا: والصلح منزل القرن المبارك، والمبارك هو نهر خالد بن عبد الله القسري، وهو الذي أعرس بفمه المأمون إذ بنى على بوران بنت الحسن بن سهل وزيره (٤) ، وهو من أرض السواد، ووصل الحسن بن سهل أباها بعشرة آلاف ألف درهم وأقطعه الصلح، فلما أن انصرف خرج مشيعاً، فقال له: يا أبا محمد سل حاجتك، فقال له: أسألك يا أمير المؤمنين أن تحفظ لي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك، فتبسم المأمون ثم قال: شهدت جعفر بن يحيى وقد ودع الرشيد فقال: سل حاجتك يا أبا الفضل، فقال: تجعل بيني وبينك بيت كثير حيث يقول (٥) : وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب وهذه الحاجة ما قدر أن تقضى. وكان المأمون خرج إلى البناء ببوران فعسكر بفم الصلح، فدخل بها في عقب رمضان، واسمها خديجة، وعاد إلى بغداد لست مضين من شوال، وكانت نفقة الحسن عليها عظيمة جداً، قال الحسن بن رجاء: كنا نجري على الملاحين مدة الأيام التي كان المأمون مقيماً فيها بفم الصلح، فكانوا ستة وثلاثين ألف ملاح، ولقد عز الحطب يوماً على عظم مقدار ما استعد منه مما أعد حولاً كريتاً فجعلنا نوقد تحت القدور

стр. 375

بخيش كنا أعددناه للصيف بعد أن نغمسه في الزيت، وجليت بوران على المأمون وقد فرش لها حصير من ذهب، وجيء بمكتل من ذهب مرصع بجوهر فيه در كبار فنثر على من حضر من النساء وفيهن رشيدة وحمدونة بنت الرشيد وأشباههما، فما مس من حضر منهن شيئاً منه حتى قال المأمون لهن: شرفن أبا محمد وأكرمن عروسنا، فمدت كل واحدة منهن يدها فأخذت درة، وبقي سائر الدر يلوح على حصير الذهب، فقال المأمون: قاتل الله الحسن بن هانئ، كأنه رأى هذا المنظر حيث يقول: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب قيل: وأنفق الحسن بن سهل حين أعرس المأمون ببوران بنته ثمانية وثلاثين ألف ألف درهم، قيل وأخذت شمعتا عنبر ودخل بهما ليلاً فأوقدتا بين يديه فكثر دخانهما وأفرط، فقال المأمون: ارفعوهما فقد آذانا الدخان وهاتوا الشمع. ودخل الحسن على ابنته بوران لما اجتلاها المأمون وأجلست إلى جنبه ومعه ست لآل عظيمة الخطر لم توجد لهن سابعة فنثرن عليها، فالتقط المأمون منهن اثنتين إعجاباً بهما وأخذ الأربع من حضر من الكبراء، وكانت وليمة المأمون هذه تدعى وليمة الإسلام إذ لم يكن في ولائم الإسلام قط مثلها. صنف (١) : جزيرة من جزر الهند، بها يوجد العود الصنفي وهو أفضل من القماري لأنه يغرق في الماء لجودته وثقله، وبها بقر وجواميس لا أذناب لها، وبها النارجيل والموز وقصب السكر، وأهلها لا يذبحون شيئاً من الحيوان ولا الهوام من الحشرات وإنما تؤكل عندهم إذا ماتت، بل يعافها أكثرهم ولا يأكلها، ومن قتل بقرة لزمه القتل وتقطع يده، وإذا وقفت البقرة عن الخدمة والتصرف وضعت في بيت وتركت حتى تموت موتها الطبيعي، ومياههم عذبة. وبحر الصنف هو الذي بعده بحر الصين، وبعرضه الجبل الذي يتوقد ليلاً ونهاراً أو يسمع فيه مثل قواصف الرعد دوي الأصوات الهائلة التي تدل على هلاك ملكهم. صنكان (٢) : بلد على ساحل بحر القلزم، أهله مقيمون لا يتجرون (٣) والناس واردون عليهم وصادرون عنهم، وبضائع أهلها قليلة وأموالهم يسيرة وصنائعها نزرة وجملتها غير حسنة، لكن الله تعالى حبب الوطن لأهله. صنعاء (٤) : مدينة عظيمة باليمن كان اسمها في القديم أزال فلما وافتها الحبشة ونظروا إلى مدينتها فرأوها مبنية بالحجارة قالوا: هذه صنعة وتفسيرها بلسانهم حصينة، فسميت صنعا. قالوا: والذي أسس غمدان وابتدأ بنيانه واحتفر بيده الذي هو اليوم سقاية بمسجد جامع صنعاء، سام بن نوح ﵇؛ لأنه سار يطلب حر البلاد وموضع اعتدال الحر والبرد فلم يجده إلا في جزيرة العرب، فنظر الحجاز فوجده مفرط الحر لمقام الشمس شهرين في مثل ثلاث درجات وكسر على سمته، فسار في الإقليم الأول حتى صار إلى حقل صنعاء فوجده أطيب باعتداله وصحة هوائه، ورآه أرجح إلى البرد منه إلى الحر، ورأى ميله وسطاً لا مثل ميل الحمل المتقارب تسير الشمس فيه طولاً درجة وعرضاً قريباً من نصفها، ولا مثل ميل الجوزاء الذي هو تسع طوله، ورأى الشمس تسامته في السنة كرتين في ثماني درجات من الثور وثلاث وعشرين من الأسد، فإذا كانت الشمس فيها ترى الشمس في أيار صنعاء انتصاف النهار. وصنعاء (٥) مدينة كثيرة الخيرات متصلة العمارات ليس في بلاد اليمن أقدم منها عهداً ولا أكبر قطراً ولا أكثر ناساً، وهي في صدر الإقليم الأول معتدلة الهواء طيبة الثرى، والزمان بها أبداً معتدل الحر والبرد، وكانت ملوك اليمن قاطبة تنزل بها، وهي ديار العرب، وكان لملوكها بها بناء كبير عظم الذكر وهو قصر غمدان، فهدم وصار كالتل العظيم، وأكثر بنيانها في هذا الوقت بالخشب، وبها دار لعمل (٦) الثياب المنسوبة إليها، وهي قاعدة اليمن، وهي على نهر صغير يأتي إليها من جبل في شمالها فيمر بها

стр. 376

نازلاً إلى مدينة ذمار ويصب في البحر اليماني، ومن صنعاء إلى ذمار ثمانية وأربعون ميلاً. وإلى صنعاء ينسب الوشي، ولبعض المتأخرين يذكر ممدوحاً له: وشى نضار صلاته بلجينه ... أعجب بحسن الوشي من صنعاء وبصنعاء مات وهب بن منبه سنة عشر أو سنة أربع عشرة ومائة. وذكر ابن إسحاق (١) في خبر سيف بن ذي يزن لما وفد على كسرى يستنصره على الحبشة المتغلبين على اليمن أن كسرى وجه معه ثمانمائة رجل واستعمل عليهم وهرز، وكان ذا سن فيهم، فخرج في ثماني سفائن غرقت منها سفينتان، ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن، فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلي مع رجلك حتى نموت جميعاً أو نظفر جميعاً، فقال له وهرز: أنصفت، ثم إنهم صافوا مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجميع جنده، فرماه وهرز فأصابه بنشابة فقتله، وانهزمت جموع الحبشة وهربوا في كل وجه، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكسة أبداً، اهدموا الباب، فهدموه، ثم دخلها ناصباً رايته، في خبر طويل. وتعمل بصنعاء الحبرات من القطن التي لا يقدر في غيرها على اتخاذ مثلها ومنها تحمل إلى البلاد، وكذلك الأردية والعمائم العدنية والثياب السحولية والأدم الطائفي لا يوجد في قطر من الأقطار مثله، والبقر الملمعة فيها تواليع بين بياض وصفرة كأحسن الوشي. وصنعاء لا تمطر إلا في حزيران وفي تموز وآب وبعض أيلول، ولا تمطر إلا بعد الزوال في أغلب الأمر، يلقى الرجل الرجل نصف النهار والسماء مصحية ليس فيها طخرية فيقول: عجل قبل أن تصب السماء، لأنهم قد علموا أنه لا بد من المطر في ذلك الوقت. ولما ظهر أمر الأسود العنسي الكذاب (٢) بصنعاء، بعث رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد أو من خزاعة في أمر الأسود، فدخل صنعاء مختفياً، فنزل على داذويه الابنائي فأخفاه عنده، وتواترت الأنباء في قتل الأسود، فتحرك في قتله نفر منهم قيس بن عبد يغوث المكشوح وفيروز الديلمي وداذويه، وكانت المرزبانة زوجه قد أبغضته، إذ كان تزوجها قسراً وكانت من عظماء فارس، فوعدتهم موعداً أتوا لميقاته وقد سقته الخمر حتى سكر، فسقط نائماً كالميت، فدخل عليه قيس وفيروز ونفر معهما، فوجدوه على فراش عظيم من ريش قد غاب فيه، وأشفق فيروز أن يتمادى عليه السيف إن ضربه به، فوضع ركبته على صدر الكذاب ثم فتل عنقه فحولها حتى حول وجهه من قبل ظهره، وأمر فيروز قيساً فاحتز رأسه، فرمى به إلى الناس، ففض الله تعالى الذين اتبعوه وألقى عليهم الخزي والذلة، وأتى الخبر بذلك إلى رسول ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، فقال ﷺ وذكر الأسود: قتله الرجل الصالح فيروز الديلي وداذويه، والأمر إلى قيس بن المكشوح فكان أمير صنعاء، وكان بها جماعة من أصحاب الأسود، فلما بلغتهم وفاة النبي ﷺ ثبت قيس والأبناء وأهل صنعاء على الإسلام إلا أصحاب الأسود، ثم ارتد قيس بن المكشوح وأخرج الأبناء من صنعاء فلم يبق بها أحد إلا في جوار، وبلع خالد بن سعيد بن العاصي ﵁ ردة أهل صنعاء فسار يومها إلى أن كان من أمره وأمر قيس ثم إسلامه ما هو مذكور في مواضعه. وصنعاء (٣) أيضاً قرية بدمشق. صنغانة (٤) : في بلاد السودان، وعندها تنتهي بلاد الإسلام، وهي مدينتان على ضفتي النيل متصلة إلى البحر المحيط، ولهاتين المدينتين نظر واسع وعمارات متصلة، يقال إن عمارتهما وقراهما تتصل بالبحر المحيط. صعدة (٥) : مدينة باليمن أيضاً بينها وبين صنعاء ستون

стр. 377

فرسخاً، والنسب إليها صاعدي على غير قياس، والذي يتجهز به من صعدة الأديم، لأن بها صناعة الأديم العديم المثال، وبها تجتمع التجار، وأهلها أهل أموال وافرة وبضائع وتجارات كثيرة. ؟ الصعيد: هو أعالي بلاد مصر وكأنه الصاعد منها، ومنها الرجل الذي كان في الأقباط بأرض الصعيد الذي أرسل إليه أحمد بن طولون (١) صاحب مصر في سنة نيف وستين (٢) ومائتين، وكان مولعاً بمعرفة الآثار القديمة، فذكر له أن رجلاً من الأقباط بأرض الصعيد له نحو مائة وثلاثين سنة، وهو ممن عني من لدن حداثته بالعلم والإشراف على الملل والآراء والنحل من مذاهب المتفلسفين وغيرها وأنه علامة بالممالك والملوك، ذو معرفة بهيئة الأفلاك والنجوم، وكان نصرانياً على مذهب اليعقوبية، فبعث ابن طولون إليه قائداً من قواده فحمله إليه في النيل مكرماً، وكان الشيخ قد انفرد عن الناس في مكان اتخذه وسكن في أعلاه، وقد رأى الرابع عشر من ولد ولده، فلما وصل إلى أحمد بن طولون أكرمه وبره وأسكنه بعض مقاصيره ومهد له في موضع جلوسه، وحمل إليه لذيذ المآكل والمشارب، فأبى الشيخ أن يغتذي إلا مما حمل مع نفسه من كعك وسويق وغيرهما، وقال: هذه بنية ما ترون من الغذاء فإن سمتموني النقلة عن العادة كان ذلك سبب انحلال البنية ويفوتكم مني ما تطلبونه، فتركه ابن طولون وما يريده، ثم أحضره مجلسه مع أهل الدراية من أصحابه وخواص مجلسه، وصرف إليه همته، فمما سأله عنه بحيرة تنيس ودمياط، فقال (٣) : كان موضع البحيرة أرضاً لم يكن بديار مصر مثلها لطيب التربة وزكاء الريع، وكانت جناناً متصلة، ولم تكن بمصر كورة يقال إنها تشبه الفيوم إلا هي وحدها، وكانت أكثر فاكهة منها، وكان الماء ينحدر إلى قرى موضع البحيرة صيفاً وشتاء يسقون منه متى شاءوا، وفضلة الماء تصب في البحيرة، وكان بين العريش وقبرس طريق مسلوكة في تنيس، وبينهما اليوم سير طويل في البحر، فلما كان قبل استفتاح المسلمين بلاد مصر بمائة سنة طمى ماء البحر وزاد فأغرق القرى التي كانت في موضع البحيرة، وما كان منها في البقاع المرتفعة فهي باقية إلى الآن قد أحاط بها الماء. قال: وعند هذه الزيادة التي زادها البحر طمى الماء على القنطرة التي كانت بين بلاد الأندلس وبين ساحل طنجة من أرض المغرب، وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم في معمور الأرض مثلها مبنية بالحجارة تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها اثني عشر ميلاً في عرض واسع وسمو كثير، وربما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها. وسئل عن ممالك الأحابيش التي على النيل فقال: لقيت منهم ستين ملكاً كل ملك منهم ينازع من يليه، قال: وبسبب استحكام النارية في بلادهم تكون معادن الذهب كثيرة، فإن حرارة الشمس ويبسها يغير الفضة ذهباً، فإذا أطبخ ذلك الذهب بالملح والزاج والطوب خرج ما فيه من الفضة. وسئل عن منتهى النيل في أعلاه فقال: أصله من البحيرة التي لا يدرك طولها ولا عرضها، وهي تحت خط الاستواء تحت قطر الفلك المستقيم، وهو الموضع الذي الليل والنهار فيه متساويان الدهر كله. وسئل عن الأهرام فقال: إنها قبور الملوك، كان الملك إذا مات وضع في حوض من رخام ثم أطبق عليه وبني له هرم، ويصنع باب الهرم تحت الحوض (٤) ثم يحفر له طريق في الأرض ويعقدونه آزاجاً. فقيل له: فكيف هذه الأهرام المملسة وكيف كانوا يصعدون لبنيانها؟ فقال: كانوا يبنون الهرم مدرجاً ذا مراقي يصعد فيها فإذا فرغوا من عمله نحتوه، قيل له: وكيف كانوا يصنعون بهذه الحجارة العظيمة التي لا يقدر مائة رجل أن يزحزح منها حجراً واحداً؟ قال: كانت لهم قراقل قد دبروها بأخلاط من المعادن وأنواع الحكمة فكانوا يضربون به الحجر الكبير فينقسم لهم على القدر الذي يريدونه ويتأتى لهم النحت، ومع هذا فانهم كان لهم صبر وجلد على أعمالهم ليس لمن بعدهم. الصغانيان: من مدن ما وراء النهر من خراسان مثل الترمذ وكش ونسف وبخارى وسمرقند وخجندة وأشروسنة والشاش وفرغانة وفارياب، وهي أكبر المدن التي عن يسار المشرق من مدينة بلخ.

стр. 378

وهي أكبر (١) من الترمذ ولها ربض وعليه سور تراب، وبها أسواق وتجار وقرى وعمارات وصنائع، ولها أحواز وقرى عامرة ومنافع وغلات، ولها ربض عليه سور حصين ومساكنها وشوارعها فساح وأهلها قليلون، والترمذ أكثر منها أهلاً وأعظم أموالاً، ولها مسجد جامع وخطبة، وفقهاء وطلاب العلم، ولها رستاق وبها مياه جارية (٢) . وفي ما وراء النهر من معادن الذهب والفضة والزئبق ما لا يقاربه معدن في سائر البلاد كثرة، وليس في الأقطار مثل النوشادر عندهم، وبصقلية نوشادر لا يعدل به ولا يدانيه، وإليهم يصل مسك التبت ومن عندهم يرفع، وهو يفوق كل مسك طيباً ويربي عليه ثمناً، ويرفع من الصغانيان من السمور والسنجاب وسائر الأوبار ما لا يرفع من سائر البلاد. وما وراء النهر أخصب الأقاليم خصباً وأكثرها متنزهاً، والصلاح على أهله غالب والخير فيهم فاش، ولهم الغنى والثروة والوفر والجدة، وليس بينهم في شيء من ذلك تنافس ولا يتخرقون فيه تخرق أهل زمانهم ممن همته دنيا ينالها ولذة يبلغها، بل يصرفونه إلى قرى الأضياف ومواساة الناس وسبل الجهاد وعمارة الطرق والمنازل وتعاهد المراحل والمناهل، فما ينزل بأحدهم ابن سبيل ولا يحل به إلا غمره ببره وأنساه وطنه. الصغد (٣) : من بخارى إليها سبع مراحل، وهو قطر واسع له مدن جليلة متسعة حصينة منها: دبوسية وكشانية وكش وغيرها. افتتحها قتيبة بن مسلم الباهلي أيام الوليد بن عبد الملك. والصغد (٤) بين بخارى وسمرقند، وهم رهط من الترك، وأهل بيت المملكة منهم بفرغانة، وفيهم كان الملك وهو خاقان الخواقين، وكان يجمع ملكه سائر الممالك، ثم انتثرت مملكتهم، وتسمى بهذا الاسم فريق منهم ببلاد التبت، وكان ممن ينقاد إلى خاقان، فلما انحل عقد نظامهم تسمى بهذا الاسم تشبهاً به. ومن كش مدينة الصغد العظمى إلى سمرقند أربع مراحل. والصغد (٥) هم الهياطلة، وهم بين بخارى وسمرقند. وحكوا أن مسلم بن عقبة لما خرج من المدينة بعد وقعة الحرة يريد مكة متوجهاً إلى حرب عبد الله بن الزبير ﵄ فبلغ المشلل دون قديد مات هناك، أخزاه الله، فأخبرت بذلك أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة، وكانت تنزل قريباً من قديد فجاءته فنبشته فحرقته بالنار، وحرقت كفيه وبقرت بطنه وضربت بكبده أنفه، أخرجتها رطبة، وكانت خراسانية أو صغدية، فقالت قريش: لا تشتروا إلا الخراسانيات والصغديات فإنهن يطلبن بالثار، فذكر من رآه مصلوباً على المشلل أنه رآه يرمى بالحجارة كما يرمى قبر أبي رغال...... والصغد أكبر من الترمذ وبها ربض وعليه ... الخ (٦) الصفراء (٧) : قرية فوق ينبع، على ست مراحل من المدينة وهي كثيرة المزارع والنخل، ماؤها من عيون يجري فضلها من ينبع، وبين ينبع والمدينة ست مراحل ويسكن في الصفراء جهينة والأنصار ونهد. وبالصفراء مات عبيدة بن الحارث بن المطلب وكانت قطعت رجله ببدر، فوصل إليها مرتثاً، وقالت امرأته ترثيه: لقد ضمنوا الصفراء مجداً وسؤدداً ... وحلماً أصيلاً وافر اللب والعقل وفيها أو بقرب منها قتل رسول الله ﷺ النضر بن الحارث مرجعه من بدر بموضع يقال له الأثيل، وقد مر هذا (٨) . الصفا (٩) : في قوله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله "

стр. 379

هو في أصل جبل أبي قبيس، والمروة أصل جبل قعيقعان. الصفاح (١) : موضع بالروحاء، ذكره ابن حلزة اليشكري في قصيدته (٢) : فالمحياة فالصفاح فأعنا ... ق فتاق فعاذب فالوفاء وفي كتاب الأطعمة من سنن أبي داود أن عبد الله بن عمرو ﵄ كان بالصفاح، وهو مكان بمكة، فجاءه رجل بأرنب قد صادها، فقال: يا عبد الله بن عمرو: ما تقول؟ قال ﵁ قد جيء بها إلى رسول الله ﷺ وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض. وقال عمر بن أبي ربيعة (٣) قامت راءى بالصفاح كأنما ... كانت تريد لنا بذاك ضراراً وقيل: الصفاح ثنية من وراء بستان ابن معمر (٤) ، قال الفرزدق (٥) : حلفت بأيدي البدن تدمى نحورها ... نهاراً وما ضم الصفاح وكبكب وبرقة الصفاح - بفتح الصاد - هكذا ذكرها صاعد قال البكري: أنا أراه برقة الصفاح منسوب إلى هذا الموضع. صفورية (٦) : موضع في ثغور الشام معروف. ولما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط قال: أأقتل من بين قريش!! فقال له النبي ﷺ : " وهل أنت إلا يهودي من صفورية "؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: حن قدح ليس منها. وذكر الكلبي أن أمية خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين فوقع على أمة يهودية للخم من أهل صفورية يقال لها ترنى فولدت ذكوان، فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو. صفين (٧) : موضع بالعراق معروف على الفرات، ويقال فيه صفون أيضاً فهو يقال صفين في حال الرفع والنصب والجر، ومنهم من يقول صفون في الرفع، والأغلب على صفين التأنيث. وقيل لأبي وائل شقيق بن سلمة: أشهدت صفين؟ قال: نعم، وبئست صفون؛ وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني: كما بلغت أيام صفين نفسه ... تراقيه والشامتي شهود وهي صحراء ذات كدى وأكمات، وبها كانت الوقيعة العظيمة بين علي ومعاوية ﵄، وأهل العراق وأهل الشام، والتي جاء فيها الحديث المتفق على صحته: " لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة "، وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وقيل في ربيع الآخر، وأقام علي ومعاوية ﵄ بصفين سبعة أشهر، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفاً، وقتل في ثلاثة أيام ثلاثة وسبعون ألفاً من الفريقين وقتل فيها من أصحاب معاوية ﵁ خمسة وأربعون ألفاً على اختلاف في ذلك كله، وكان أهل الشام خمسة وثلاثين ألفاً ومائة ألف، وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ألفاً ومائة ألف، وقتل في أصحاب علي ﵁ خمسة وعشرون بدرياً، وكان معه منهم سبعون رجلاً وممن بايع تحت الشجرة سبعمائة، وعلي فيما لا يحصى من أصحاب رسول الله ﷺ ومن خيار التابعين، ومع علي ﵁ رايات كانت مع رسول الله ﷺ يقاتل بها، وقيل: بل لم يشهدها من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت، وهو قول مرغوب عنه، فإن من البدرية عمار بن ياسر ﵁ وقد قتل معه، وبه عرفت الفئة الباغية في قوله ﷺ ، فإنه قال لعمار حين جعل يحفر الخندق: " ويح ابن سمية تقتلك فئة باغية "، وجعل يمسح رأسه، أخرجه مسلم، قالوا: وهو خبر متواتر من أصح الحديث، وحين لم يقدر معاوية ﵁ على إنكار هذا الحديث قال: إنما قتله من

стр. 380

أخرجه، وقد أجاب علي ﵁ عن قول معاوية ﵁ بأن قال: فرسول الله ﷺ إذاً قتل حمزة حين أخرجه. قال الإمام عبد القاهر في كتاب " الإمامة " من تأليفه: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي أهل الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين أن علياً ﵁ مصيب في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتاله لأهل الجمل، وقالوا أيضاً: إن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم. قال إمام الحرمين: كان علي ﵁ إماماً حقاً ومقاتلوه بغاة وحسن الظن بهم يقتضي أن يظن بهم قصد الخير وإن أخطأوه. وكان علي ﵁ ركب بغلة رسول الله ﷺ ثم تعصب بعمامة رسول الله ﷺ السوداء ثم نادى: أيها الناس من يشتري نفسه من الله؟ من يبيع الله نفسه؟ فانتدب لها ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفاً فحمل بهم حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية ﵁ فدعا بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في الركاب تمثل بقول عمرو بن الاطنابة: وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك حمدي أو تستريحي فأقام. قال بشير الأنصاري: والله الذي بعث محمداً ﷺ ما سمعنا برئيس قوم قط أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب علي يومئذ بيده، أنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل من رجال العرب كان يخرج إليهم فيضرب فيهم ثم يجيء بسيفه منحنياً.. وسئل خبار: لم كان علي ﵁ يحب ركوب البغال دون الخيل، قال: لأنه لم يكن ممن يفر فيطلب السوابق، ولا يطلب الهارب، فاقتصر على ما يحصل به فارساً دون ما يكون به فاراً أو طالباً. وكانت درعه صدراً بلا ظهر، فقيل له: لو أحرزت ظهرك، فقال: إذا وليت فلا وألت. وكان إذا استعلى الفارس قده وإذا استعرضه قطعه، والقد القطع طولاً والقطع القطع عرضاً. ولما رأى معاوية ﵁ ما لا قبل له به لأنه رأى أمر علي ﵁ يقوى وأمره يضعف شاور عمراً ﵁ فقال له: ما ترى. قال: مر الناس برفع المصاحف، فأمر برفع مائة مصحف، فرفعت، فلما رأى ذلك أصحاب علي ﵁ كفوا عن القتال، فقال لهم علي ﵁: إن هذه لخديعة، فسلوهم ما شأن هذه المصاحف، فقال معاوية ﵁: نجعل القرآن حكماً بيننا ونثوب إلى السلم، فكان ذلك سبباً لتحكيم الحكمين: أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاصي ﵄، وخروج الخوارج على علي ﵁، وافتراق الناس واختلاف أصحابه. قال شقيق بن سلمة: والله لكأني أنظر يومئذ إلى رجل واقف على فرس على تل ومعه رمح طويل في رأسه مصحف يقول: بيننا وبينكم ما في هذا المصحف، ثم قرأ: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون " ثم يقول: من لفارس، من للروم، فقال أناس من أصحاب علي ﵁: يا أمير المؤمنين أنصف القوم، فقال علي ﵁: والله ما كتاب الله يريدون. فلم يزالوا به، قالوا له: ابعث حكماً منك وحكماً منهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: ومعاذ الله أن يكون الحكمان حكما عليه بالخلع، وإنما حكم عليه بذلك عمرو وحده، وقد أنكر ذلك عليه أبو موسى وأغلظ له في القول، وعلى أنهما لو اتفقا جميعاً على خلعه لم ينخلع حتى يكون الكتاب والسنة المجتمع عليهما يوجبان خلعه أو واحداً منهما. وذكر (١) صعصعة بن صوحان العبدي، قال: كان علي ﵁ مصاف أهل الشام يوماً بصفين حتى برز رجل من حمير من آل ذي يزن اسمه كريب بن الصباح ليس في أهل الشام يومئذ أشهر بشدة البأس منه، برز بين الصفين ثم نادى: من يبارز، فبرز إليه شرحبيل بن طارق البكري، فقتل شرحبيل، ثم نادى كريب: من يبارز. فبرز إليه الحارث بن الجلاح، فاقتتلا، فقتل الحارث، ثم نادى: من يبارز فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتل عائذ، ثم رمى كريب بأجسادهم

стр. 381

بعضها على بعض، ثم قام عليها بغياً وعدواناً، ثم قال: هل بقي لنا من مبارز. فخرج إليه علي بن أبي طالب ﵁ فناداه: ويحك يا كريب، إني أحذرك الله وأدعوك إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ويلك لا يدخلك النار، فقال له كريب: ما أكثر ما سمعت منك هذه المقالة، لا حاجة لنا فيها، أقدم إن شئت، من يأخذ سيفي هذا وهذا أثره، فقال علي ﵁: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم مشى إليه علي ﵁ فالتقيا هنيهة، ثم إن علياً ﵁ ضربه فقتله، ثم نادى علي ﵁: من يبارز؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري، فقتله علي ﵁، ثم نادى: من يبارز؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتله، ثم نادى: يا معشر المسلمين: " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله مع المتقين "، ثم نادى علي ﵁: ويحك يا معاوية، هلم فبارزني ولا تفنين العرب بيننا فقال عمرو ﵁: اغتنمه، فقد قتل أربعة من فرسان العرب، وأنا أطمع أن يظفرك الله به، فقال معاوية ﵁: والله إن تريد إلا قتلي فتصيب الخلافة، اذهب إليك، فليس مثلي يخدع، ما بارز ابن أبي طالب رجلاً إلا سقى الأرض من دمه. وافترقوا (١) قبل التحكيم عن سبعين ألف قتيل على أصح الروايات بعد أن تراموا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقطعت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض قد كسروا جفون سيوفهم واضطربوا. بما بقي من السيوف وعمد الحديد فلا تسمع إلا غمغمة القوم، فلما صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة، ثم جثوا على الركب فتحاثوا التراب في الوجوه ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس وثار القتام وارتفع الغبار وضلت الألوية والرايات، ومرت مواقيت أربع صلوات لأن القتال كان بعد صلاتهم الصبح، فاقتتلوا إلى نصف الليل، وهي ليلة الهرير جعل بعضهم يهر على بعض، وهو الصوت يشبه النباح، وكبروا في أوقات الصلوات خاصة، وقاتلهم علي ﵁ ولم يذفف على جريح ولا تبع منهزماً ولا أخذ أسيراً ولا سبى امرأة ولا كشف عورة ولا أخذ مالاً، إلا ما أجلبوا به عليه من سلاح أو كراع فإنه يرده إلى أهلهم. قالوا: ولا خلاف بين أهل الحل والعقد أن علياً ﵁ كان أحق بالخلافة والإمامة في ذلك الوقت من كل من على وجه الأرض عموماً، وأفضل من معاوية خصوصاً، لأنه ابن عم رسول الله ﷺ لحاً وأخوه نسباً وقسيمه حسباً، ومن الأولين السابقين والمهاجرين المذكورين في الكتاب، ومن العشرة المقطوع لهم بالجنة، وشهد بدراً، وقد غفر الله لكل من شهد بدراً من المسلمين، وقتل فيها يومئذ ثلث المقاتلين، وتحرك به جبل حراء وهو مع ابن عمه ﷺ ، وصلى القبلتين، وفداه ﷺ ليلة الغار بنفسه، وشهد بيعة الرضوان، وبايع تحت الشجرة، وكتب كتاب المقاضاة بيده، وأعطاه ﷺ لواءه في غير موقف، وزوجه البتول سيدة نساء أهل الجنة، وهو أبو سيدي شباب أهل الجنة، وخامس أصحاب العباءة، ويحب الله ويحبه الله، باتفاق من الصحيحين، وأنزله منه (٢) ﷺ بمنزلة هارون من موسى، وعهد إليه أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. صفاقس (٣) : مدينة بإفريقية، بينها وبين قفصة ثلاثة أيام، وهي مدينة قديمة عامرة، لها أسواق كثيرة وعمارة شاملة وعليها سور حجارة وعلى أبوابها صفائح حديد منيعة، وعلى أسوارها محارس للرباط، وشرب أهلها من المواجل، ويجلب إليها من قابس نفيس الفواكه، ويصاد بها من السمك ما يعظم خطره - وأكثر صيدهم في الماء الميت بضروب حيل، وجل غلاته الزيتون، والزيت بها منه شيء كثير، ومرساها حسن ميت الماء، ولأهلها نخوة وفي أنفسهم عزة، وملكها طاغية صقلية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ثم استنقذت منه وعمرت، ومنها إلى المهدية مرحلتان. ومن الناس من يكتب صفاقس بالسين، ومن قابس (٤) إلى عين الزيتونة إلى منزل في طرف ساحل الزيتون (٥) ، ومن هناك إلى غافق، وهو بلد معمور، ومن هناك إلى صفاقس، وبها أسواق

стр. 382

كثيرة ومساجد ومسجد جامع، وسورها صخر وطوب، وبها حمامات وفنادق وبواد عظيمة وقصور جمة وحصون ورباطات على البحر، منها محرس فيه منار مفرط الارتفاع يرقى إليه في مائة وست وستين درجة. وصفاقس في وسط غابة زيتون، ومن زيتها يمتار أهل مصر والمغرب و صقلية والروم، وربما بيع الزيت بها أربعين ربعاً بمثقال واحد، وهي محط لسفن الآفاق، وإذا جزر الماء بقيت السفن في الحمأة فإذا مد رجعت السفن وعامت، ولا بد من المد والجزر كل يوم. وكان الأديب أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي تميم ولي في المدة المستنصرية اشرافها فلم توافقه فقال (١) : صفاقس لا صفا عيش لساكنها ... ولا سقى أرضها غيث إذا انسكبا ناهيك من بلدة من حل ساحتها ... عانى بها العاديين الروم والعربا وليتها فتولتني الهموم وقد ... لقيت من سفري في أرضها نصبا كم ظل في البر مسلوباً بضاعته ... وبات في البحر يشكو الأسر والعطبا قد عاين البحر قبحاً في جوانبها ... فكلما هم أن يدنو لها هربا ويقصدونها (٢) التجار من الآفاق بالأموال الجزيلة لابتياع المتاع والزيت وعمل أهلها في القصارة والكمد كعمل أهل الإسكندرية وأحسن، وتقابل صفاقس في البحر جزيرة قرقنة، وهذه الجزيرة في وسط القصير، بينها وبين مدينة صفاقس في ذلك البحر الميت القصير القعر نحو عشرة أميال، وليس للبحر هناك حركة، وحذاء هذا الموضع في البحر على رأس القصير بيت مشرف مبني بينه وبين البر الكبير نحو الأربعين ميلاً، فإذا رأى ذلك البيت ركاب السفن الواردة من الإسكندرية والشام وبرقة أداروها إلى مواضع معلومة. صقلية: جزيرة صقلية في قطعة من البحر الشامي بينها وبين أقرب بر من مالطة ثمانون ميلاً؟ افتتحها المسلمون في صدر الإسلام وغزاها أسد بن الفرات الفقيه أميراً وقاضياً سنة اثنتي عشرة ومائتين، ففزع فيمه (٣) البطريق النصراني قائد صاحب صقلية إلى زيادة الله فعرض عليه أمر صقلية، والظفر بها، فولى زيادة الله أسد بن الفرات القاضي الفقيه على جيش إفريقية من قريش والعرب والبربر وغيرهم وأقره على القضاء مع القيادة، فخرج أسد في جيش عظيم وجمع كثير وعدة كاملة في شهر ربيع الأول من العام المذكور، وكان فصوله من مدينة سوسة في سبعين مركباً يوم السبت للنصف من ربيع الآخر ووصل إلى مرسى مازر يوم الثلاثاء بعده، وكانت طريقه من المرسى على قلعة بلوط ثم على قرى الريش ثم صار إلى قلعة الدب، وسميت بذلك لأنهم أصابوا فيها دباً أنيساً، ثم إلى قرية الطواويس، وسميت بذلك لأنهم أصابوا فيها طاووساً، ثم إلى معركة بلاطة (٤) ، وهناك ظهر لهم جمع الروم فنازلهم فانهزم المشركون وأصيب لهم كراع وسلاح ولذلك سميت معركة بلاطة، وهو اسم ملك النصارى، ثم رحل إلى حصون الروم وقراهم يغير ويسبي، وبث السرايا في جميع الجزيرة وكثرت المغانم عند المسلمين وصاروا في رغد من العيش، وسارع الناس إلى إمدادهم من إفريقية والأندلس، وحاصر أسد مدينة سرقوسة وقاتلهم (٥) براً وبحراً وأحرق مراكبهم وقتل جماعة من أهلها، ومات أسد سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو محاصر لسرقوسة، ووقع الموتان في عسكر المسلمين. واختلفت عليهم بعده الولاة، ثم كان فيها من العلماء والعباد والفقهاء والشعراء وأعيان الناس ما لا يأخذه عد ولا يأتي عليه إحصاء، إلى أن طال الأمد وقست القلوب واختلفت الأهواء ووقعت الفتن بين أهلها، وخلفت فيهم خلوف، ومضت الأعصار الطويلة فتغلب عليها النصارى في سنة أربعمائة وثلاث وخمسين، ومازال

стр. 383

الطاغية رجار الفرنجي يفتحها قطراً قطراً ويأخذها كفراً كفراً إلى أن استولى على جميعها وذلك في مدة ثلاثين عاماً (١) إلا أنه أقر الناس بها على ديانتهم وشرائعهم وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهلهم وذراريهم، وأقام على ذلك مدة حياته إلى أن مات سنة أربع وتسعين وأربعمائة، فخلفه ابنه رجار الثاني فحذا حذوه وسار بسيرته فركن إليه الناس ورضوا بتسليم الأمور له. وصقلية اسم لإحدى مدنها فنسبت الجزيرة كلها إليها، وفيها مدن (٢) كثيرة، وهي جزيرة عظيمة ضخمة حصينة خطيرة قيل إن فيها مائة بلد وثلاثين بلداً بين مدينة وقلعة غير ما بها من الضياع والمنازل. وطول هذه الجزيرة سبعة أيام وعرضها خمسة أيام، وفتحت في سنة اثنتي عشرة ومائتين، فتحها زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير القيروان، بعث إليها أسد بن الفرات، كما قدمناه، فمشى في مراكبه إلى سرقوسة، مدينة من مدن الجزيرة، فنزل بمرساها، وقاتل البطريق الذي كان بها حتى قتله. قالوا: ومعنى صقلية باللسان القديم: تين وزيتون، وهو الذي أراد أبو علي حسن بن رشيق في مدح قاعدتها بلرم المدعوة باللسان العربي المدينة في قوله: أخت المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سواها من البلدان والتمس وعظم الله معنى ذكرها قسماً ... قلد إذا شئت أهل العلم أو فقس يشير إلى قوله تعالى: " والتين والزيتون ". وقال البكري (٣) : سميت صقلية باسم سيقلو أخو ايطال (٤) الذي به سميت ايطالية وكانت تعرف قبل تري قريا، ومعناه باللسان الإغريقي: ثلاثة في أربعة (٥) ، وإنما ذلك لثلاثة مواضع مشرفة فيها وهي: بلرم التي هي قاعدتها وباجنة ولياوم (٦) ، وبين صقلية وبلد إيطالية خليج من البحر. وقال ارشيوس عرض جزيرة صقلية مائة وسبعة وخمسون ميلاً وطولها مائة وسبعة وسبعون ميلاً، وقال غيره: دور صقلية الذي يحيط بها خمسمائة ميل وطول جزيرة صقلية من جبل بلرم إلى جل بحيتة، وعرضها من جبل باجنة إلى جبل انتسوا عند مرسى علي، ويذكر أنها مثلثة الشكل. وقال بعضهم: لا أدري جزيرة في البحر أكثر منها بلاداً ولا عمارة أقطار، فالثلث الشرقي منها، من مسيني إلى جزيرة الأديب، مائتا ميل، ومن جزيرة الأديب إلى طرابنش أربعمائة ميل وخمسون ميلاً، وهو الوجه الجنوبي، والوجه الثالث من طرابنش إلى الحراش اثنان وخمسون ميلاً. وهي كثيرة الزرع والضرع والفواكه، وبلرم قاعدتها في شمال الجزيرة على سبع ليال من المجاز. وبجزيرة صقلية البركان العظيم (٧) الذي لا يعلم في العالم أشنع منظراً منه ولا أغرب خبراً، وهو في جزيرتين شمالاً من هذه الجزيرة، وإذا هبت الريح الجوفية سمع له دوي هائل كالرعد القاصف. وقد كان بروفوريوس الفيلسوف شخص من مدينة صور إلى صقلية لينظر إلى البركان ويعاين فعل الطبيعة هناك ويخبر عنه وعن العلة فيه بقول واضح، فمات بها وقبره بها معروف، وقبر جالينوس أيضاً هناك معلوم، وكان قد شخص من مدينة رومة يريد الشام ليلقى أصحاب عيسى ﵇. وبصقلية مياه حامضة، وبها معدن من الكبريت الأصفر الذي لا يوجد بموضع مثله، وهو بجزيرة البركان، وله قطاعون وعمالون عالمون بتناول ذلك قد تمرطت شعورهم وتصلبت (٨) أظفارهم، ويذكرون أنهم يجدونه في بعض الأزمنة سيالاً متميعاً فيجدون له في الأرض مواضع يجتمع فيها، ثم يجدونه في غير ذلك الأوان قد تحجر وحمض فيقطعونه بالمعاول.

стр. 384

وبجزيرة صقلية آبار ثلاث عند قلعة مينا (١) من إقليم سرقوسة يخرج منها في وقت معلوم من السنة زيت النفط وذلك في شهر شباط وشهرين (٢) بعده، وينزل من البر عليه على درك ويرقى على درك آخر، ويخمر الذي يدخل البئر رأسه ويسد مسام أنفه، وإن تنفس في أسفل البئر هلك من ساعته، وما أخرج منه وضع في قصار يعلو الدهن منه. وفي بعض التواريخ أن جزيرة صقلية كان يسكنها في قديم الزمان أمة مهملة كانت تأكل الناس، ويقال إنه كان فيها جنس من المسوخ بعين واحدة (٣) . وفي السنة التي بويع فيها علي بن أبي طالب ﵁ سار قسطنطين بن هرقل في ألفي (٤) مركب يريد بلاد المسلمين، فسلط الله تعالى عليه عاصفاً من الريح فغرقها ونجا قسطنطين فلجأ إلى صقلية، فصنعوا له حماماً ودخله فقتلوه فيه. وبمدينة صقلية نهران مطردان من عين واحدة. وكان بجزيرة صقلية ملوك وقواد وجيوش للمسلمين ورؤساء وعلماء وصالحون، فصنف ابن القطاع " الدرة الخطيرة في محاسن الجزيرة " ذكر فيها شعراءها وجملة من رجالها، وكان تغلب العدو عليها في سنة أربعين - أو ستين على الرواية الأخرى - وأربعمائة، وممن بكاها عبد الجبار بن حمديس الشاعر في قصيدته المشهورة التي أولها: قضت في الصبا النفس أوطارها ... وأبلغها الشيب إنذارها نعم وأجيلت قداح الهوى ... عليها فقسمن أعشارها يقول في آخرها: ذكرت صقلية والأسى ... يهيج للنفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارها وزعموا أن في جزيرة صقلية، في ناحية منها، عينين تجريان: إحداهما أيما امرأة شربت منها حبلت، والأخرى أيما أنثى شربت منها حبلت وتوأمت (٥) . الصقالبة (٦) : في سنة ثمان وتسعين سار مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية في البر، وعمر بن هبيرة في البحر، فجازا الخليج ودارا ما بين الخليج وبينها، وفتحا مدينة الصقالبة. الصهباء (٧) : بالحجاز، في طريق خيبر، وعلى اثني عشر ميلاً منها، وبها مر ﷺ في طريقه إلى خيبر وصلى بها العصر، وبها بنى بصفية بنت حيي بن أخطب ﵂، وهي على طريق وادي القرى، وقد كان ﷺ أراد أن يبتني بها بثبار (٨) ، على ستة أميال من خيبر، فأبت عليه حتى وجد في نفسه، فلما بلغ الصهباء مال إلى دومة هناك فطاوعته، فقال لها ﷺ : " ما حملك على ما صنعت حين أردنا النزول بثبار؟ "، فقالت: يا رسول الله خفت عليك يهود، فلما بعدت منهم أمنت، فزادها عنده خيراً وعرف أنها قد صدقته. صهاب (٩) : قرية بفارس، بها كانت الوقيعة على المسلمين وأميرهم الحكم بن أبي العاصي بن بشير الثقفي أخو عثمان بن أبي العاصي، وقال الشاعر: وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بصهاب هامدة كأمس الدابر

стр. 385

صور ا (١) : هي آخر بلاد النوبة، تسير من دمقلة في جبال وشعاب حتى تنتهي إلى صورا هذه، وهي مدينة كبيرة على شاطئ النيل. صور (٢) : من بلاد الشام بحرية، بها دار الصنعة، ومنها تخرج مراكب السلطان، وهي حصينة جليلة، قريبة من عكا، ويضرب بها المثل في الحصانة، وهي أنظف من عكا سككاً وشوارع، ولها بابان: أحدهما في البر والآخر في البحر، وهو يحيط بها إلا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، والذي في البحر هو مدخل بين برجين مقدرين (٣) إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعاً منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب، ويحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص، والسفن تدخل تحت السور وترسي فيها، وتعترض من البر بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، فلا مجال للمراكب إلا عند إزالتها، وعلى ذلك الباب حراس وأمناء، لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج إلا على أعينهم، ولعكا مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحتمل السفن الكبار حمل تلك. وأخذت الروم (٤) صور من أيدي المسلمين سنة ثمان عشرة وخمسمائة في أيام الآمر بأحكام الله خليفة مصر الشيعي، وكان أهلها عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا عليهم سيوفهم غيرة من تملك النصارى لهم، ثم يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة، ويصدموهم حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه لهم، فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم، فأجمعوا على دفع البلد والخروج عنه بسلام، فكان ذلك، وتفرقوا في بلاد المسلمين، ومنهم من استهواه حب الوطن فأقام بها. وصور وعكا (٥) لا بساتين حولهما إنما هما في بسيط من الأرض متصل بسيف البحر، والفواكه تجلب إليهما من رساتيقهما التي بالقرب منهما. ولصور عند بابها البري عين معينة ينحدر إليها على أدراج، والآبار والجباب فيها كثيرة لا تخلو دار منها. ومنها عبد المحسن الصوري الشاعر. وهي الآن للروم وبينها وبين الإسكندرية خمسة عشر ميلاً، وهي مدينة (٦) حسنة وبها للمراكب إقلاع وحط، وقد أحاط البحر بها من ثلاثة أركانها، ولها ربض كبير يعمل فيه جيد الزجاج والفخار، ويعمل بها من الثياب القمص المحمولة إلى كل الآفاق كل شيء حسن، ومن صور إلى دمشق خمسة أيام. صور: قرية كبيرة على فم الخليج الذي يتصل بشرقي أرض الواحات. الصيمرة (٧) : مدينة في الجبل، وهي في مرج أفيح فيه عيون وأنهار، ومنها الصيمري صاحب " التبصرة " في النحو، وأجود الجبن الصيمري. صيمور (٨) : مدينة في الهند واسعة حسنة جليلة المباني حسنة الجهات، بها نارجيل كثير وقنا هندية، وبجبالها كثير من نبات العطر المحمول إلى سائر الآفاق. هي من بلاد الملك المسمى بلهرا، وملكه عظيم، وبلاده واسعة العمارات جامعة للخيرات، وجبايته وافرة وأمواله مقنطرة وفي بلاده أنواع من صنوف الأفاويه العطرية، وتفسير بلهرا: ملك الملوك، وهو اسم يتوارثه الملوك كما أن البغبوغ اسم يتوارثه ملوك الصين، وكذلك بلهرا في الهنود، والغالب على هذا البلد الكفرة، وفيه مسلمون لا يلي عليهم إلا مسلم من قبل البلهرا يستخلفه عليهم، وكذلك في كثير من البلدان التي في أطراف المسلمين، فيغلب

стр. 386

عليها ملوك الكفر، كالخزر واللان وغيرهم، لا يمضي على المسلمين هناك حكم لكافر، ولا يقيم عليهم شهادة إلا المسلمون، وإن قلوا. وببلاد البلهرا مساجد تقام فيها الصلوات والجمع وتقام الجمعات بالأذان والأعلام، وهي مملكة عريضة، وزي المسلمين هناك واحد في اللبسة وإرسال الشعر، وزعموا أن الهند اسم نهر هناك وبه تسمى الهند. وصيمور (١) أيضاً جزيرة من جزائر بحر الصين ، بها من المسلمين نحو من عشرة آلاف، ومن مذاهب هؤلاء الصينيين أن ما ينالهم من النعيم في المستقبل مؤجلاً بقدر ما تعذب به أنفسها في هذه الدار معجلاً، قال المسعودي: رأيت منهم رجلاً ببلاد صيمور وهو يطوف في أسواقهم ومعه جماعة أهله وقد أضرمت له النار وقد وضع على رأسه الجمر والكبريت، فيسير وهامته تحترق، وروائح دماغه تتضوع فلما دنا من النار أخذ خنجراً فوضعه على فؤاده فشقه، ثم أدخل يده الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم، فقطعها بالخنجر، ودفعها إلى بعض إخوانه تهاوناً بالموت ولذة بالنقلة ثم هوى بنفسه في النار. صهيون (٢) : كنيسة عند بيت المقدس جليلة حصينة، فيها العلبة التي أكل فيها المسيح مع تلامذته. الصين: بلاد في مطلع الشمس، يقال إن فيها ثلثمائة مدينة ونيفاً عامرة كلها سوى القرى والرساتيق، ومن خرج إليها قطع سبعة أبحر، لكل بحر منها لون وريح وسهك ليس في غيره، أول بحورهم بحر فارس. وفي الصين عجائب كثيرة، والأصل في ذلك أن قوماً من بني عامور بن يافث قطعوا إلى ناحية الصين، وكان عامور قد عمل فلكاً حكى به سفينة جده نوح ﷺ ، فركب فيها هو وولده وأهله، وقطع البحار إلى الصين، فبنى هو وولده المدائن وعملوا الحكم ودقائق الصناعات، وملكهم ثلثمائة سنة، وملك ابنه صاين مائتي سنة وبه سميت الصين، ومدينتهم العظمى يقال لها انموا (٣) بينها وبين خانقو (٤) التي تنزل فيها مراكب التجار ثلاثون يوماً، وأهل الصين بيض إلى الصفرة فطس، يبيحون الزنا ولا ينكرون شيئاً منه، ويورثون الأنثى أكثر من الذكور، ولهم عند دخول الشمس في الحمل عيد كبير يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. وأشرف حليهم (٥) من قرون الكركدن، لأنها متى قطعت قرونها ظهرت فيها صور عجيبة مختلفة، والكركدن دابة لها قرن واحد في الجبهة طوله ذراع، وغلظه قبضتان، فيه صور من أوله إلى آخره، وإذا شق رأيت الصورة بيضاء في سواد صورة إنسان أو دابة أو سمكة أو غير ذلك، فيتخذه أهل الصين مناطق تبلغ المنطقة منه مائتين وثلثمائة دينار إلى ثلاثة آلاف دينار إلى أربعة آلاف. والذهب عندهم هين حتى يتخذون منه لجم دوابهم وسلاسل كلابهم، ووراءهم صين الصين وهم أمم عراة يلتفون في شعورهم، ومنهم أمم زعر لا شعر لهم، وأمم حمر الوجوه شقر الشعور. وبحر الصين (٦) بحر خبيث بارد، ريحه من قعره تغلي كغليان الماء على جاحم النار، ويخبر الثقات من ركابه أنه بحر مسكون له أهل في بطن الماء، وأنهم يرونهم إذا هاج البحر ليلاً كهيئة الزنج، ويطلعون المراكب. وفي بحر الصين سمكة مثل الحراقة يرمي بها الموج إلى الساحل، فإذا جزر الماء بقيت على الطين، فلا تزال تضطرب حتى تنسلخ في اضطرابها من إهابها، فيكون لها جناح تستقل به فتطير، وفيه سمكة تلتقم الناس، وربما مات الرجل من ركاب البحر فيرمى به في البحر فلا يخطئ فاهة السمكة، كأنما كانت له رصداً. وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صورة الإنسان إلا أنه مفرط الكبر مستدير يشبه لون القمر. وفي تخوم (٧) بحر الصين جزيرة النساء، ليس يسكنها أحد إلا النساء، وهن يلقحن من الريح ويلدن النساء، وقيل: إنهن

стр. 387

يلقحن من شجر عندهن يأكلن منه. ويذكر أن الذهب عندهن عروق مثل الخيزران، وأنه وقع إليهن رجل فهممن بقتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة في البحر، فأدارته الأمواج حتى أتت به بعض بلاد الصين، فوصل إلى ملك الصين وعرفه حال الجزيرة، فجهز إليها المراكب، فأقاموا يطوفون في البحر ثلاثة أعوام يطلبونها فلم يقفوا لها على أثر. وأهل الصين (١) شعوب وقبائل كقبائل العرب وأفخاذها وتشعبها في أنسابها، ولهم مراعاة لذلك وحفظ له، وينتسب الرجل منهم إلى خمسين أباً إلى أن يتصل بعامور، وأكثر من ذلك وأقل، ولا يتزوج أهل كل فخذ من فخذه، مثل أن يكون الرجل من مضر ويتزوج في ربيعة، ومن ربيعة فيتزوج من مضر، ومن كهلان فيتزوج في حمير، ومن حمير فيتزوج في كهلان، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية وان ذلك أصح للبقاء وأتم للعمر. ولم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل، على حسب ما جرى، به الأمر فيما سلف من ملوكهم، إلى سنة أربع وستين ومائتين، فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام وانتقضت به أحكام الشرائع، وهو أن نابغاً نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدن الصين، يقال له باشموا (٢) ، اجتمع إليه أهل الدعارة والشر، ولحق الملك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره، وأنه ممن لا يبالى به، فاشتد أمره وكثر عتوه وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، فعظم جيشه، فشن الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقو (٣) ، وهي مدينة عظيمة، وقد تقدم ذكرها وذكر هذا الثائر ونزوله على خانقو وأخذه لها واستباحته لحريمها في حرف الخاء. وأبواب الصين اثنا عشر باباً، وهي جبال في البحر، بين كل جبل فرجة يسار منها إلى موضع تصيبه من مدائن الصين، وتصعد المراكب في مدائن الصين الشهر والأكثر والأقل، بين جنات وغياض وناس لهم أموال زاكية وأغنام ومياه، والمد والجزر يدخلانها من البحر كل يوم وليلة مرتين، وفي هذه المرافئ أسواق وتجار، ودخل وخرج ومراكب وبضائع تحمل وأخرى تجيء، وبها الأمن المتصل، وفي ملوكها العدل، وهي سنتهم وعليه يعولون، وبذلك اتصلت عمارتهم وحسنت في بلادهم، وقل جزعهم وعظم أمنهم، واتسعت أيديهم في الأموال. وأهل الهند والصين يقتلون السارق، ويؤدون الأمانة، وينصفون من أنفسهم من غير احتياج إلى حاكم أو مصلح، طبعاً وسجية. وفي بحر الصين دابة لها جناحان تنشرهما في الجو، تحمل على المراكب فتقلبها، يكون طول الدابة مائة ذراع ونحوها، وإذا رأى أهل المراكب هذه الدابة ضربوا الخشب بعضه ببعض فتنفر منها تلك الدابة وتخرج لهم عن الطريق، وقد قيض الله لهذه الدابة سمكة صغيرة إذا رأتها هذه الدابة الكبيرة نفرت منها، فمرت على وجهها فلا يستقر بها مكان من البحر ما دامت السمكة تتبعها. ولملك الصين (٤) أربعمائة ألف مرتزق، وهو لا يكاد يبدو لأحد، ولا يصل إليه إلا وزيره أو حاجبه أو رسول ملك يرد عليه، ووجوه عسكره ورؤساء أصحابه يصلون إليه في كل أسبوع، فإن تعذر ذلك عليهم أكثر من هذه المدة ضجوا وسألوا الوصول إليه كيلا يكون قد مات وأخفي ذلك عنهم. وإذا أراد الملك أن يركب ضرب بجرس فيدخل الناس منازلهم ويخلون الطرقات. وسميت الصين (٥) بأول من نزلها، وهو صائن بن عامور بن يافث، وهو الذي أثار المعادن من الذهب، وعمل الحكمة ودقائق الصناعات، وملكهم أزيد من مائتي سنة، فلما مات جعلوا جسده في تمثال ذهب، وأقاموا يطوفون به على سرير من ذهب، فصار ذلك رسماً لكل من ملك منهم، فالملك منهم إذا مات أدخلوه في تمثال ذهب، وأجلسوه على سرير ذهب مرصع بالجوهر، وبنوا له هيكلاً يكون فيه، فيسجدون له، واتخذ لهم بعض ملوكهم سياسة شرعية وفرائض عقلية، وجعلها رباطاً، ورتب لهم قصاصاً وحدوداً ومستحلات للمناكح، وصلوات تقرب إلى معبودهم، إنما لا سجود فيها، وأمرهم بقرابين للهياكل ودخن وأبخرة للكواكب، فهم باقون على ذلك، وملة الصين تدعى السمنية.

стр. 388

ومملكة الصين أعظم ممالك تلك الناحية وأكثرها جنداً وأموالاً، وبلاد الصين واسعة، والغالب على أهلها استدارة الوجوه وفطس الأنوف، ولباس (١) رجالهم ونسائهم الديباج والحرير المرتفع، ولباس إمائهم وسفلتهم الحرير الدون، ودورهم واسعة مزوقة المجالس بالتماثيل، وهم يتباهون بنظافة الثياب ونبل الدور وكثرة الأواني، وإذا ورد على ملكهم رسول من بعض الملوك أدخل عليه في الوقت الذي يأذن له، فيقف أحد وزرائه عن يمينه والآخر عن يساره، ويقف الرسول بالبعد منه، على حسب مرتبة مرسله، ولا يرفع رأسه حتى يؤمر بذلك، ثم يتقدم إلى الحاجب أو الوزير فيخبره عما وجه إليه، فيأمر الملك له بتخت ديباج وجام فضة مذهبة، ويعاد به كل يوم إلى دار الملك ليتغدى هناك، وإذا أراد الملك النوم أو الدخول على بعض جواريه صعد منجموه سطح البيت الذي هو فيه ورصدوا له الكواكب، واختاروا له وقت مباشرته إياهن. ومن سيرهم (٢) أن المرأة إذا لم تكن محصنة وأرادت الفجور رفعت رقعة إلى الملك تذكر حالها وما ذهبت إليه، فيبعث إليها حلقاً من نحاس فتجعله في عنقها، ولبست المصبغات، وعملت ما شاءت علانية، فإذا ولدت الذكور خصوا واستعملهم الملك في داره وأعماله، وإن كان الذي ولدت أنثى كانت على رسم أمها، ومن سنتهم أن يورثوا الإناث أكثر من الذكور ولهم عند حلول الشمس بالحمل عيد معظم يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. وبلاد الصين تجاور بلاد البرغز، فيها ملوك من ملوك الصين لهم أجناد وعدد وأموال طائلة، وحزم وجلادة على مكايدة الترك وغزوهم ومنعهم من أذية ديارهم. وأهل هذه الجهة من الصينيين زيهم زي الأتراك في اللباس والمركوب والآلات والحروب، وعندهم الفيلة يقدمون بها في صدور مراكبهم، والأتراك يهابون سطوتهم ويخافون شوكتهم، فيمسكون عن أذية بلادهم، ويحملون إلى الصين كثيراً مما عندهم من الصناعات والتمر والعسل وكثيراً من السلاح والشكة مثل الدروع والجواشن والأتراس والمقامع والنشاب والسكر ونحو ذلك مما يحتاجون إليه وأهل الصين يهادنونهم بسبب ذلك، ويترفعون عن غزوهم، ولكنهم غير متغافلين في جانبهم. قالوا (٣) : وفي أقاصي بلاد الصين هيكل مدور له سبعة أبواب، في داخله قبة عظيمة الشأن، في أعلاها جوهرة أكبر من رأس العجل، تضيء منها جميع أقطار ذلك المكان، وقد رام جماعة من الملوك أخذها فلم يدن أحد منها على عشرة أذرع إلا مات، وإن رام أخذها بشيء من الآلات الطوال إذا بلغ ذلك المقدار انعكس، فليس يتأتى تناولها بشيء ولا سبب، وإن تعرض أحد لهدم شيء من الهيكل مات مكانه بقوة دافعة منفرة قد عملت من أنواع الأحجار المغنيطسية. وفي هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس متى أكب امرؤ على رأسها تهور، وصار في قرارها على رأسه، وعلى البئر شبه الطوق مكتوب عليه، بقلم قديم، قلم السندهند (٤) : هذي البئر تؤدي إلى مخزن الكتب الأول من تاريخ الدنيا وعلوم السماء، وما كان فيما مضى وما يكون فيما يأتي، وتؤدي هذه البئر إلى خزائن وغرائب هذا العالم، لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا وساوى معلومه علمنا. وإن وقع البصر على هذا الهيكل وقع في قلب الرائي له جزع منه وحنين إليه مختلطان، وهو على جبل شامخ صلد لا يتأتى فيه نفوذ ولا حفر البتة. والثمار كلها في الصين إلا النخل. وهم من أحذق (٥) عباد الله تعالى كسباً وصناعة ومما أعانهم على ذلك أن الملك إذا أوتي بمعجزة من الصناعات والرقوم والنقوش وضعه على باب دار مملكته حولاً، فإن ذكر أحد فيه عيباً يتبين وصل وحرم الصانع، وإلا أجزلت صلة الصانع، وإن رجلاً منهم صور سنبلة سقط عليها عصفور في ثوب حرير لا يشك الناظر أنها سنبلة سقط عليها عصفور، فبقي الثوب مدة حتى اجتاز به رجل أحدب فعابها، وأدخل على الملك وحضر صانعها، فسئل عن العيب فقال: إنه لا يقع عصفور على سنبلة إلا أمالها، وهذه منتصبة قائمة، فصدق ولم يثب الصانع شيئاً، وقصدهم في هذا وشبهه الرياضة. وليس للجاني عندهم إلا القتل إلا جناية قذف، فإنه من قذف إنساناً ضرب بالخشبة ضرباً مبرحاً وخلي سبيله.

стр. 389

ويذكر قوم ممن سكن الصين أنهم سمعوا أن وراء الصين أمة شقر الألوان حمر الوجوه والشعور، يسكنون أسراباً قد اتخذوها لشدة حر الشمس عندهم، فإذا طلعت دخلوا الأسراب، إلى أن تزول وتغرب فيخرجون. ولا أحد من الصينيين إلا وهو يحفظ أيام عمره، كان شيخاً أو صبياً، وكلهم يكتب، واليتيم أمره إلى السلطان في تعليم الكتاب، ينفق عليه من بيت مال السلطان، فإذا أدرك أخذ منه الجزية، وإذا بلغ الشيخ سبعين إلى الثمانين أجري عليه من بيت المال، وإذا أذنب الشيخ ذنباً يجب عليه فيه القتل، وهو ابن ثمانين سنة، صفح عنه لكبر سنه. صينية الصين (١) : مدينة في أقصى الصين، لا تعدلها مدينة في الكبر وكثرة العامر وسعة التجارات وكثرة البضائع، واجتماع التجار بها من سائر الأقطار ومن بعض المدن الهندية المجاورة (٢) للصين، وملكها من بيت الملك ولكنه تحت يد البغبوغ، وهو الملك الأعظم. صيونة (٣) : مدينة متصلة بأرض سفالة، متوسطة القدر، وأهلها جماعات من أهل الهند والزنوج وغيرهم، وهم على ضفة النيل، وبها يسكن رئيس هذه المدن، وله عساكر رجالة ولا خيل عندهم، وهم على جون تدخله المراكب المسافرة إليها. صيدا (٤) : بأرض الشام، بينها وبين بيروت يومان، وهي على ساحل البحر، وعليها سور حجارة، وتنسب إلى امرأة كانت في الجاهلية، وهي مدينة كبيرة عامرة الأسواق رخيصة الأسعار، محدقة بالبساتين والأشجار، غزيرة المياه، ولها أربعة أقاليم، وهي متصلة بجبل لبنان. وهي المذكورة في شعر النابغة (٥) . وبصيدا سمك على طول الإصبع تصاد وقت سفادها ثم تجفف، فإذا احتيج إليها أخذت منها الواحدة فسحقت واستفت بالماء، فينعظ الذي يستفها إنعاظاً قوياً وجامع ما شاء لا يصيبه عجز ولا فتور، وهذه السمك صغار على هيئة الوزغ، لها أيد وأرجل صغار. صيدون (٦) : جزيرة في البحر المحيط مسيرة شهر في مثله، وكان صيدون ملكاً بها، وكان بصيدون عجائب ومصانع كثيرة وأنهار وأشجار، وكان صيدون ساحراً، وكانت الجن تطيف به وتعمل له العجائب، وكان له في وسط الجزيرة مجلس من ذهب، على عمد من رفيع الجواهر تشرف على جميع الجزيرة، فدل بعض الجن سليمان ﵇ عليه، فغزاه وخرب الجزيرة، وقتله وقتل أكثر أهلها لأنهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقاً فآمنوا، وأسر ابنة صيدون، ولم يكن على وجه الأرض أجمل منها وجهاً، ولا أكمل حسناً وظرفاً، فاصطفاها لنفسه فتزوجها، وكانت تديم البكاء لمفارقتها أباها، فقال لها سليمان ﵇: مالي أراك كئيبة، وأنا خير لك من أبيك، وملكي أجل من ملكه؟! قالت: أجل، ولكن إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج ذلك لي حزناً ووجداً، فلو أمرت الشياطين أن يصوروا لي صورته، لعلي إذا رأيتها سلوت عنه، فأمر الشياطين فعملوا لها صورة في مجلس مثل المجلس الذي كان فيه، وكان الشيطان يصحب أباها، وهو الذي أشار عليها بذلك، فكان ذلك المجلس والصورة في مقاصيرها التي صنع لها سليمان، وقد غرس لها فيها بدائع الأشجار، وفجر فيها الأنهار، في قني ذهب وفضة مطوقة بأصناف الجواهر، فعمدت إلى صورة أبيها فألبستها أصناف الحرير والثياب المنسوجة بالذهب، وجعلت على رأسه إكليلاً من الجوهر النفيس، وألبسته تاجاً منظوماً بالجوهر الفاخر الملون، وجعلت حوله مساند الديباج المذهب، ونثرت عليه سحيق المسك، وأوقدت بين يديه دخن العنبر وضروب الطيب، وفرشت بحذائه - على بعد منه - أصناف الأفاويه والرياحين، وكانت تدخل عليه بكرة وعشية، فتسجد له مع وصائفها وخدمها، كما كانت تصنع لأبيها، وكان قد دخل في هذا الصنم شيطان، فخاطب المرأة بلسان أبيها يقول: قد أحسنت فيما فعلت، وما فقدت بك شيئاً، فاتصل أمرها بآصف

стр. 390

بن برخيا، وكان كاتب سليمان ومن أهله، وهو الذي كان عنده علم الكتاب، وهو الذي أحضر عرش بلقيس، وكان علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبه لها، فلم يدر كيف يتوصل لتعريفه بما أحدثت عنده، إلى أن اتجه له ذلك، فقال: يا نبي الله، إني قد كبرت ولا آمن الموت، وقد أردت أن أقوم مقاماً أذكر فيه الأنبياء وأثني عليهم، فتأمر بإحضار الناس ووجوه بني إسرائيل، فأجابه سليمان ﵇ إلى ذلك، فقام آصف على المنبر فخطب، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وأقبل يذكر الأنبياء نبياً نبياً، ويثني عليه في صغره وفي كبره ومدة أيامه، إلى أن بلغ داود ﵇، فأثنى عليه واستغفر له، ثم ذكر سليمان، فأثنى عليه في صغره خاصة ولم يذكره في كبره، ولا ذكر شيئاً من أيامه بخير ولا شر، فأحفظ ذلك سليمان ﵇، فاستدعاه خالياً، ووقفه على ذلك، فقال: ذكرت ما علمت، فلما ألح عليه قال: وبم استحللت أن أثني عليك في أيامك، وغير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوماً؟! ما هذا جزاء نعمته عندك ولا شكر تمليكه لك، فارتاع لذلك سليمان ﵇، وقام فعاقب المرأة، وكسر الصنم، وهرب شيطانه، فظفر به فسجنه، وفتن سليمان بذلك، وأخذت الجن خاتمه، وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فينكرونه، ثم رد الله تعالى عليه ملكه وخاتمه بعد أربعين يوماً، وهي مدة الأيام التي سجدت المرأة فيها للصنم، ثم إن المرأة تابت وصح إسلامها، وكان ولد سليمان علية السلام منها، وذكروا أن اسمها جرادة.
следующие страницы →