← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عليها ملوك الكفر، كالخزر واللان وغيرهم، لا يمضي على المسلمين هناك حكم لكافر، ولا يقيم عليهم شهادة إلا المسلمون، وإن قلوا. وببلاد البلهرا مساجد تقام فيها الصلوات والجمع وتقام الجمعات بالأذان والأعلام، وهي مملكة عريضة، وزي المسلمين هناك واحد في اللبسة وإرسال الشعر، وزعموا أن الهند اسم نهر هناك وبه تسمى الهند. وصيمور (١) أيضاً جزيرة من جزائر بحر الصين ، بها من المسلمين نحو من عشرة آلاف، ومن مذاهب هؤلاء الصينيين أن ما ينالهم من النعيم في المستقبل مؤجلاً بقدر ما تعذب به أنفسها في هذه الدار معجلاً، قال المسعودي: رأيت منهم رجلاً ببلاد صيمور وهو يطوف في أسواقهم ومعه جماعة أهله وقد أضرمت له النار وقد وضع على رأسه الجمر والكبريت، فيسير وهامته تحترق، وروائح دماغه تتضوع فلما دنا من النار أخذ خنجراً فوضعه على فؤاده فشقه، ثم أدخل يده الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم، فقطعها بالخنجر، ودفعها إلى بعض إخوانه تهاوناً بالموت ولذة بالنقلة ثم هوى بنفسه في النار. صهيون (٢) : كنيسة عند بيت المقدس جليلة حصينة، فيها العلبة التي أكل فيها المسيح مع تلامذته. الصين: بلاد في مطلع الشمس، يقال إن فيها ثلثمائة مدينة ونيفاً عامرة كلها سوى القرى والرساتيق، ومن خرج إليها قطع سبعة أبحر، لكل بحر منها لون وريح وسهك ليس في غيره، أول بحورهم بحر فارس. وفي الصين عجائب كثيرة، والأصل في ذلك أن قوماً من بني عامور بن يافث قطعوا إلى ناحية الصين، وكان عامور قد عمل فلكاً حكى به سفينة جده نوح ﷺ ، فركب فيها هو وولده وأهله، وقطع البحار إلى الصين، فبنى هو وولده المدائن وعملوا الحكم ودقائق الصناعات، وملكهم ثلثمائة سنة، وملك ابنه صاين مائتي سنة وبه سميت الصين، ومدينتهم العظمى يقال لها انموا (٣) بينها وبين خانقو (٤) التي تنزل فيها مراكب التجار ثلاثون يوماً، وأهل الصين بيض إلى الصفرة فطس، يبيحون الزنا ولا ينكرون شيئاً منه، ويورثون الأنثى أكثر من الذكور، ولهم عند دخول الشمس في الحمل عيد كبير يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. وأشرف حليهم (٥) من قرون الكركدن، لأنها متى قطعت قرونها ظهرت فيها صور عجيبة مختلفة، والكركدن دابة لها قرن واحد في الجبهة طوله ذراع، وغلظه قبضتان، فيه صور من أوله إلى آخره، وإذا شق رأيت الصورة بيضاء في سواد صورة إنسان أو دابة أو سمكة أو غير ذلك، فيتخذه أهل الصين مناطق تبلغ المنطقة منه مائتين وثلثمائة دينار إلى ثلاثة آلاف دينار إلى أربعة آلاف. والذهب عندهم هين حتى يتخذون منه لجم دوابهم وسلاسل كلابهم، ووراءهم صين الصين وهم أمم عراة يلتفون في شعورهم، ومنهم أمم زعر لا شعر لهم، وأمم حمر الوجوه شقر الشعور. وبحر الصين (٦) بحر خبيث بارد، ريحه من قعره تغلي كغليان الماء على جاحم النار، ويخبر الثقات من ركابه أنه بحر مسكون له أهل في بطن الماء، وأنهم يرونهم إذا هاج البحر ليلاً كهيئة الزنج، ويطلعون المراكب. وفي بحر الصين سمكة مثل الحراقة يرمي بها الموج إلى الساحل، فإذا جزر الماء بقيت على الطين، فلا تزال تضطرب حتى تنسلخ في اضطرابها من إهابها، فيكون لها جناح تستقل به فتطير، وفيه سمكة تلتقم الناس، وربما مات الرجل من ركاب البحر فيرمى به في البحر فلا يخطئ فاهة السمكة، كأنما كانت له رصداً. وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صورة الإنسان إلا أنه مفرط الكبر مستدير يشبه لون القمر. وفي تخوم (٧) بحر الصين جزيرة النساء، ليس يسكنها أحد إلا النساء، وهن يلقحن من الريح ويلدن النساء، وقيل: إنهن

стр. 387

يلقحن من شجر عندهن يأكلن منه. ويذكر أن الذهب عندهن عروق مثل الخيزران، وأنه وقع إليهن رجل فهممن بقتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة في البحر، فأدارته الأمواج حتى أتت به بعض بلاد الصين، فوصل إلى ملك الصين وعرفه حال الجزيرة، فجهز إليها المراكب، فأقاموا يطوفون في البحر ثلاثة أعوام يطلبونها فلم يقفوا لها على أثر. وأهل الصين (١) شعوب وقبائل كقبائل العرب وأفخاذها وتشعبها في أنسابها، ولهم مراعاة لذلك وحفظ له، وينتسب الرجل منهم إلى خمسين أباً إلى أن يتصل بعامور، وأكثر من ذلك وأقل، ولا يتزوج أهل كل فخذ من فخذه، مثل أن يكون الرجل من مضر ويتزوج في ربيعة، ومن ربيعة فيتزوج من مضر، ومن كهلان فيتزوج في حمير، ومن حمير فيتزوج في كهلان، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية وان ذلك أصح للبقاء وأتم للعمر. ولم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل، على حسب ما جرى، به الأمر فيما سلف من ملوكهم، إلى سنة أربع وستين ومائتين، فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام وانتقضت به أحكام الشرائع، وهو أن نابغاً نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدن الصين، يقال له باشموا (٢) ، اجتمع إليه أهل الدعارة والشر، ولحق الملك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره، وأنه ممن لا يبالى به، فاشتد أمره وكثر عتوه وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، فعظم جيشه، فشن الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقو (٣) ، وهي مدينة عظيمة، وقد تقدم ذكرها وذكر هذا الثائر ونزوله على خانقو وأخذه لها واستباحته لحريمها في حرف الخاء. وأبواب الصين اثنا عشر باباً، وهي جبال في البحر، بين كل جبل فرجة يسار منها إلى موضع تصيبه من مدائن الصين، وتصعد المراكب في مدائن الصين الشهر والأكثر والأقل، بين جنات وغياض وناس لهم أموال زاكية وأغنام ومياه، والمد والجزر يدخلانها من البحر كل يوم وليلة مرتين، وفي هذه المرافئ أسواق وتجار، ودخل وخرج ومراكب وبضائع تحمل وأخرى تجيء، وبها الأمن المتصل، وفي ملوكها العدل، وهي سنتهم وعليه يعولون، وبذلك اتصلت عمارتهم وحسنت في بلادهم، وقل جزعهم وعظم أمنهم، واتسعت أيديهم في الأموال. وأهل الهند والصين يقتلون السارق، ويؤدون الأمانة، وينصفون من أنفسهم من غير احتياج إلى حاكم أو مصلح، طبعاً وسجية. وفي بحر الصين دابة لها جناحان تنشرهما في الجو، تحمل على المراكب فتقلبها، يكون طول الدابة مائة ذراع ونحوها، وإذا رأى أهل المراكب هذه الدابة ضربوا الخشب بعضه ببعض فتنفر منها تلك الدابة وتخرج لهم عن الطريق، وقد قيض الله لهذه الدابة سمكة صغيرة إذا رأتها هذه الدابة الكبيرة نفرت منها، فمرت على وجهها فلا يستقر بها مكان من البحر ما دامت السمكة تتبعها. ولملك الصين (٤) أربعمائة ألف مرتزق، وهو لا يكاد يبدو لأحد، ولا يصل إليه إلا وزيره أو حاجبه أو رسول ملك يرد عليه، ووجوه عسكره ورؤساء أصحابه يصلون إليه في كل أسبوع، فإن تعذر ذلك عليهم أكثر من هذه المدة ضجوا وسألوا الوصول إليه كيلا يكون قد مات وأخفي ذلك عنهم. وإذا أراد الملك أن يركب ضرب بجرس فيدخل الناس منازلهم ويخلون الطرقات. وسميت الصين (٥) بأول من نزلها، وهو صائن بن عامور بن يافث، وهو الذي أثار المعادن من الذهب، وعمل الحكمة ودقائق الصناعات، وملكهم أزيد من مائتي سنة، فلما مات جعلوا جسده في تمثال ذهب، وأقاموا يطوفون به على سرير من ذهب، فصار ذلك رسماً لكل من ملك منهم، فالملك منهم إذا مات أدخلوه في تمثال ذهب، وأجلسوه على سرير ذهب مرصع بالجوهر، وبنوا له هيكلاً يكون فيه، فيسجدون له، واتخذ لهم بعض ملوكهم سياسة شرعية وفرائض عقلية، وجعلها رباطاً، ورتب لهم قصاصاً وحدوداً ومستحلات للمناكح، وصلوات تقرب إلى معبودهم، إنما لا سجود فيها، وأمرهم بقرابين للهياكل ودخن وأبخرة للكواكب، فهم باقون على ذلك، وملة الصين تدعى السمنية.

стр. 388

ومملكة الصين أعظم ممالك تلك الناحية وأكثرها جنداً وأموالاً، وبلاد الصين واسعة، والغالب على أهلها استدارة الوجوه وفطس الأنوف، ولباس (١) رجالهم ونسائهم الديباج والحرير المرتفع، ولباس إمائهم وسفلتهم الحرير الدون، ودورهم واسعة مزوقة المجالس بالتماثيل، وهم يتباهون بنظافة الثياب ونبل الدور وكثرة الأواني، وإذا ورد على ملكهم رسول من بعض الملوك أدخل عليه في الوقت الذي يأذن له، فيقف أحد وزرائه عن يمينه والآخر عن يساره، ويقف الرسول بالبعد منه، على حسب مرتبة مرسله، ولا يرفع رأسه حتى يؤمر بذلك، ثم يتقدم إلى الحاجب أو الوزير فيخبره عما وجه إليه، فيأمر الملك له بتخت ديباج وجام فضة مذهبة، ويعاد به كل يوم إلى دار الملك ليتغدى هناك، وإذا أراد الملك النوم أو الدخول على بعض جواريه صعد منجموه سطح البيت الذي هو فيه ورصدوا له الكواكب، واختاروا له وقت مباشرته إياهن. ومن سيرهم (٢) أن المرأة إذا لم تكن محصنة وأرادت الفجور رفعت رقعة إلى الملك تذكر حالها وما ذهبت إليه، فيبعث إليها حلقاً من نحاس فتجعله في عنقها، ولبست المصبغات، وعملت ما شاءت علانية، فإذا ولدت الذكور خصوا واستعملهم الملك في داره وأعماله، وإن كان الذي ولدت أنثى كانت على رسم أمها، ومن سنتهم أن يورثوا الإناث أكثر من الذكور ولهم عند حلول الشمس بالحمل عيد معظم يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. وبلاد الصين تجاور بلاد البرغز، فيها ملوك من ملوك الصين لهم أجناد وعدد وأموال طائلة، وحزم وجلادة على مكايدة الترك وغزوهم ومنعهم من أذية ديارهم. وأهل هذه الجهة من الصينيين زيهم زي الأتراك في اللباس والمركوب والآلات والحروب، وعندهم الفيلة يقدمون بها في صدور مراكبهم، والأتراك يهابون سطوتهم ويخافون شوكتهم، فيمسكون عن أذية بلادهم، ويحملون إلى الصين كثيراً مما عندهم من الصناعات والتمر والعسل وكثيراً من السلاح والشكة مثل الدروع والجواشن والأتراس والمقامع والنشاب والسكر ونحو ذلك مما يحتاجون إليه وأهل الصين يهادنونهم بسبب ذلك، ويترفعون عن غزوهم، ولكنهم غير متغافلين في جانبهم. قالوا (٣) : وفي أقاصي بلاد الصين هيكل مدور له سبعة أبواب، في داخله قبة عظيمة الشأن، في أعلاها جوهرة أكبر من رأس العجل، تضيء منها جميع أقطار ذلك المكان، وقد رام جماعة من الملوك أخذها فلم يدن أحد منها على عشرة أذرع إلا مات، وإن رام أخذها بشيء من الآلات الطوال إذا بلغ ذلك المقدار انعكس، فليس يتأتى تناولها بشيء ولا سبب، وإن تعرض أحد لهدم شيء من الهيكل مات مكانه بقوة دافعة منفرة قد عملت من أنواع الأحجار المغنيطسية. وفي هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس متى أكب امرؤ على رأسها تهور، وصار في قرارها على رأسه، وعلى البئر شبه الطوق مكتوب عليه، بقلم قديم، قلم السندهند (٤) : هذي البئر تؤدي إلى مخزن الكتب الأول من تاريخ الدنيا وعلوم السماء، وما كان فيما مضى وما يكون فيما يأتي، وتؤدي هذه البئر إلى خزائن وغرائب هذا العالم، لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا وساوى معلومه علمنا. وإن وقع البصر على هذا الهيكل وقع في قلب الرائي له جزع منه وحنين إليه مختلطان، وهو على جبل شامخ صلد لا يتأتى فيه نفوذ ولا حفر البتة. والثمار كلها في الصين إلا النخل. وهم من أحذق (٥) عباد الله تعالى كسباً وصناعة ومما أعانهم على ذلك أن الملك إذا أوتي بمعجزة من الصناعات والرقوم والنقوش وضعه على باب دار مملكته حولاً، فإن ذكر أحد فيه عيباً يتبين وصل وحرم الصانع، وإلا أجزلت صلة الصانع، وإن رجلاً منهم صور سنبلة سقط عليها عصفور في ثوب حرير لا يشك الناظر أنها سنبلة سقط عليها عصفور، فبقي الثوب مدة حتى اجتاز به رجل أحدب فعابها، وأدخل على الملك وحضر صانعها، فسئل عن العيب فقال: إنه لا يقع عصفور على سنبلة إلا أمالها، وهذه منتصبة قائمة، فصدق ولم يثب الصانع شيئاً، وقصدهم في هذا وشبهه الرياضة. وليس للجاني عندهم إلا القتل إلا جناية قذف، فإنه من قذف إنساناً ضرب بالخشبة ضرباً مبرحاً وخلي سبيله.

стр. 389

ويذكر قوم ممن سكن الصين أنهم سمعوا أن وراء الصين أمة شقر الألوان حمر الوجوه والشعور، يسكنون أسراباً قد اتخذوها لشدة حر الشمس عندهم، فإذا طلعت دخلوا الأسراب، إلى أن تزول وتغرب فيخرجون. ولا أحد من الصينيين إلا وهو يحفظ أيام عمره، كان شيخاً أو صبياً، وكلهم يكتب، واليتيم أمره إلى السلطان في تعليم الكتاب، ينفق عليه من بيت مال السلطان، فإذا أدرك أخذ منه الجزية، وإذا بلغ الشيخ سبعين إلى الثمانين أجري عليه من بيت المال، وإذا أذنب الشيخ ذنباً يجب عليه فيه القتل، وهو ابن ثمانين سنة، صفح عنه لكبر سنه. صينية الصين (١) : مدينة في أقصى الصين، لا تعدلها مدينة في الكبر وكثرة العامر وسعة التجارات وكثرة البضائع، واجتماع التجار بها من سائر الأقطار ومن بعض المدن الهندية المجاورة (٢) للصين، وملكها من بيت الملك ولكنه تحت يد البغبوغ، وهو الملك الأعظم. صيونة (٣) : مدينة متصلة بأرض سفالة، متوسطة القدر، وأهلها جماعات من أهل الهند والزنوج وغيرهم، وهم على ضفة النيل، وبها يسكن رئيس هذه المدن، وله عساكر رجالة ولا خيل عندهم، وهم على جون تدخله المراكب المسافرة إليها. صيدا (٤) : بأرض الشام، بينها وبين بيروت يومان، وهي على ساحل البحر، وعليها سور حجارة، وتنسب إلى امرأة كانت في الجاهلية، وهي مدينة كبيرة عامرة الأسواق رخيصة الأسعار، محدقة بالبساتين والأشجار، غزيرة المياه، ولها أربعة أقاليم، وهي متصلة بجبل لبنان. وهي المذكورة في شعر النابغة (٥) . وبصيدا سمك على طول الإصبع تصاد وقت سفادها ثم تجفف، فإذا احتيج إليها أخذت منها الواحدة فسحقت واستفت بالماء، فينعظ الذي يستفها إنعاظاً قوياً وجامع ما شاء لا يصيبه عجز ولا فتور، وهذه السمك صغار على هيئة الوزغ، لها أيد وأرجل صغار. صيدون (٦) : جزيرة في البحر المحيط مسيرة شهر في مثله، وكان صيدون ملكاً بها، وكان بصيدون عجائب ومصانع كثيرة وأنهار وأشجار، وكان صيدون ساحراً، وكانت الجن تطيف به وتعمل له العجائب، وكان له في وسط الجزيرة مجلس من ذهب، على عمد من رفيع الجواهر تشرف على جميع الجزيرة، فدل بعض الجن سليمان ﵇ عليه، فغزاه وخرب الجزيرة، وقتله وقتل أكثر أهلها لأنهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقاً فآمنوا، وأسر ابنة صيدون، ولم يكن على وجه الأرض أجمل منها وجهاً، ولا أكمل حسناً وظرفاً، فاصطفاها لنفسه فتزوجها، وكانت تديم البكاء لمفارقتها أباها، فقال لها سليمان ﵇: مالي أراك كئيبة، وأنا خير لك من أبيك، وملكي أجل من ملكه؟! قالت: أجل، ولكن إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج ذلك لي حزناً ووجداً، فلو أمرت الشياطين أن يصوروا لي صورته، لعلي إذا رأيتها سلوت عنه، فأمر الشياطين فعملوا لها صورة في مجلس مثل المجلس الذي كان فيه، وكان الشيطان يصحب أباها، وهو الذي أشار عليها بذلك، فكان ذلك المجلس والصورة في مقاصيرها التي صنع لها سليمان، وقد غرس لها فيها بدائع الأشجار، وفجر فيها الأنهار، في قني ذهب وفضة مطوقة بأصناف الجواهر، فعمدت إلى صورة أبيها فألبستها أصناف الحرير والثياب المنسوجة بالذهب، وجعلت على رأسه إكليلاً من الجوهر النفيس، وألبسته تاجاً منظوماً بالجوهر الفاخر الملون، وجعلت حوله مساند الديباج المذهب، ونثرت عليه سحيق المسك، وأوقدت بين يديه دخن العنبر وضروب الطيب، وفرشت بحذائه - على بعد منه - أصناف الأفاويه والرياحين، وكانت تدخل عليه بكرة وعشية، فتسجد له مع وصائفها وخدمها، كما كانت تصنع لأبيها، وكان قد دخل في هذا الصنم شيطان، فخاطب المرأة بلسان أبيها يقول: قد أحسنت فيما فعلت، وما فقدت بك شيئاً، فاتصل أمرها بآصف

стр. 390

بن برخيا، وكان كاتب سليمان ومن أهله، وهو الذي كان عنده علم الكتاب، وهو الذي أحضر عرش بلقيس، وكان علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبه لها، فلم يدر كيف يتوصل لتعريفه بما أحدثت عنده، إلى أن اتجه له ذلك، فقال: يا نبي الله، إني قد كبرت ولا آمن الموت، وقد أردت أن أقوم مقاماً أذكر فيه الأنبياء وأثني عليهم، فتأمر بإحضار الناس ووجوه بني إسرائيل، فأجابه سليمان ﵇ إلى ذلك، فقام آصف على المنبر فخطب، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وأقبل يذكر الأنبياء نبياً نبياً، ويثني عليه في صغره وفي كبره ومدة أيامه، إلى أن بلغ داود ﵇، فأثنى عليه واستغفر له، ثم ذكر سليمان، فأثنى عليه في صغره خاصة ولم يذكره في كبره، ولا ذكر شيئاً من أيامه بخير ولا شر، فأحفظ ذلك سليمان ﵇، فاستدعاه خالياً، ووقفه على ذلك، فقال: ذكرت ما علمت، فلما ألح عليه قال: وبم استحللت أن أثني عليك في أيامك، وغير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوماً؟! ما هذا جزاء نعمته عندك ولا شكر تمليكه لك، فارتاع لذلك سليمان ﵇، وقام فعاقب المرأة، وكسر الصنم، وهرب شيطانه، فظفر به فسجنه، وفتن سليمان بذلك، وأخذت الجن خاتمه، وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فينكرونه، ثم رد الله تعالى عليه ملكه وخاتمه بعد أربعين يوماً، وهي مدة الأيام التي سجدت المرأة فيها للصنم، ثم إن المرأة تابت وصح إسلامها، وكان ولد سليمان علية السلام منها، وذكروا أن اسمها جرادة.

стр. 391

حرف الضاد ضارج (١) : ماء لبني عبس، قال الطوسي: هو موضع باليمن، وأنشد قول امرئ القيس (٢) : قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وروي أن ناساً من اليمن خرجوا يريدون رسول الله ﷺ ، فأصابهم ظمأ شديد كاد يقطع أعناقهم، فلما أتوا ضارجاً ذكر أحدهم قول امرئ القيس (٣) : ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي فقال أحدهم: والله ما وصف امرؤ القيس شيئاً إلا على حقيقة وعلم، فالتمسوا الماء فهذا ضارج، وكان ذلك وقت الظهر، فمشوا على فيء الجبل حتى عثروا على العين، فسقوا واستقوا، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، لولا بيت امرئ القيس لهلكنا، وأنشدوه إياهما، فقال: " ذلك نبيه الذكر في الدنيا خامله في الآخرة، كأني أنظر إليه يوم القيامة بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار ". وفي طريق آخر أن قوماً أقبلوا من اليمن يريدون رسول الله ﷺ فأضلوا الطريق، وفقدوا الماء ثلاثاً، فجعل الرجل منهم يأوي إلى فيء سمرة وطلحة آيساً من الحياة، فبينما هم كذلك أقبل راكب وهو ينشد: ولما رأت أن الشريعة همها ... وان البياض من فرائصها دامي تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي قيل: يصف حمير وحش عطشت، وخافت من ورود الشريعة لأجل القناص، وقيل: يصف ناقته، وفي رواية: سمع رجلاً منا ينشد ذلك، فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس قال: ما كذب، وهذا ضارج عندكم، فانصرفوا إليه يزحفون نحو خمسين ذراعاً، فإذا ماء غدق عليه العرمض، وهو الطحلب، يفيء عليه الظل، كما قال، فشربوا وحملوا الماء حتى بلغوا النبي ﷺ فقالوا: أحيانا الله تعالى ببيتين من شعر امرئ القيس، قال: وكيف ذلك؟ فأخبروه فقال: " ذلك رجل مشهور في الدنيا خامل في الآخرة يجيء معه لواء الشعراء إلى النار ". والفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي ترعد عند الفزع. وفي رواية (٤) كانت جميلة المدنية واحدة في الأغاني يجتمع

стр. 392

إليها أهل المدينة، فأتاها عبد الله بن جعفر ﵄، فلما رأته قالت: مرحباً وأهلاً لم لا وجهت إلي يا سيدي، فأصير إليك؟ فقال ﵁: في بيته يؤتى الحكم يا جميلة، بلغني أنك تجيدين صوتاً أنقذ الله تعالى به نفراً من المسلمين من الهلكة، فقالت: ما هو؟ قال: قول امرئ القيس: ولما رأت أن الشريعة همها ... فلما أن غنت به قالت له: يا ابن رسول الله، كيف نجى الله تعالى بهذا الشعر نفراً من المسلمين؟ فقال: إن قوماً من أهل اليمن خرجوا من بلدهم يريدون رسول الله ﷺ فلما كانوا في بعض طريقهم أضلوا الطريق ونفد ماؤهم، وأيقنوا بالهلكة، فاستندوا: كل رجل منهم بشجرة (١) مسلمين للهلكة، فإذا رجل قد أقبل على بعير، وقد أنشد بعضهم البيتين، فقال لهم الراكب، هذا ضارج عندكم، وإذا العين إلى جنبهم، قد ستر عليها الشجر، فجثوا على الركب إليها فشربوا وارتووا وتزودوا، وسألوا الرجل عن الطريق فأرشدهم، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، خلصنا الله من الهلكة ببيتين لامرئ القيس، وأنشدوه البيتين، فقال رسول الله ﷺ : " ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة " ... الخبر. ضبا (٢) : من عمل المدينة النبوية، وهو مرفأ للسفن مأمون، وفيه آبار عذبة، وشجر المقل فيه كثير، وبين ضبا ومدين جبال شامخة متكائدة. ضجنان (٣) : جبل بناحية مكة على طريق المدينة. وفي حديث الإسراء (٤) : أنه ﷺ قال: " ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياماً، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تضرب (٥) من البيضاء ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان: إحداهما سوداء والأخرى برقاء فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم إلا الجمل الأورق كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءاً ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى، ولم يجدوا فيه ماء ... الحديث بطوله. وعن ابن عباس (٦) ﵄، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ بسورة براءة، فلما بلغ أبو بكر ﵁ ضجنان سمع بغام ناقة علي ﵁. وفي حديث عمر ﵁ أنه مر بضجنان فقال: لقد رأيتني بهذا الجبل أحتطب مرة وأختبط أخرى، على حمار للخطاب، وكان شيخاً غليظاً، وأصبحت والناس تحتي ليس فوقي أحد. ضخم (٧) : من مدن عمان وهي في الجبال، وماؤها من العيون، وبها نخل كثير، وقصب السكر، وبها أشجار يقال لها الأطواق تشبه شجر المقل، تقطع منها عروق ثم توضع في الماء فيسيل منها ماء يسكر من ساعته، وعامتهم أصحاب شعور وجمم. ضروان (٨) : موضع فيه كانت نار اليمن التي كانوا يعبدونها ويتحاكمون إليها، فإذا اختصم خصمان خرج إليهما منها لسان، فإن ثبتا أكلت الظالم، وهذه النار ظهرت في بعض قرانات مثلثات الحمل، فأقامت قراناً كاملاً، وبلغت حدود شبام أقيان، ورئام البيت الذي كانوا يعبدونه هناك أيضاً. قال العلماء (٩) : ضروان هي الجنة التي اقتص الله خبرها في سورة نون.

стр. 393

ضرية (١) : نسبت إلى ضرية بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال إنه منسوب إلى خندف أم مدركة وإخوته، وروي أنه خلق جؤجؤ آدم من كثيب ضرية. وضرية مكان ينسب إليه الحمى، وهو أكبر الأحماء، وهو من ضرية إلى المدينة، وهو أرض مرب منبات كثيرة العشب، وهو سهل الموطئ كثير الحموض، تطول عنه الأوبار، وتتفتق الخواصر. وأول من أحمى هذا الحمى عمر بن الخطاب ﵁ لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان حماه ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية، وضرية أواسط الحمى، فكان على ذلك إلى صدر خلافة عثمان ﵁، إلى أن كثر النعم حتى بلغ نحواً من أربعين ألفاً، فأمر عثمان ﵁ أن يزاد في الحمى ما يحمل إبل الصدقة، فزاد فيها زيادة لم تحدها الرواة، إلا أن عثمان ﵁ اشترى ماء من مياه بني ضبينة، فدخل ذلك في حمى ضرية في أيام عثمان ﵁، ثم لم تزل الولاة بعد ذلك تزيد فيه، وكان أشدهم في ذلك انبساطاً إبراهيم بن هشام. وفيه يقول نصيب: ألا يا عقاب الوكر وكر ضرية ... سقيت الغوادي من عقاب ومن وكر وقال الأصمعي: لما صدر الرشيد من الحج، صدر على طريق البصرة، فلما نزل ضرية أتاني أعرابي من قيس، وبيده جويرية سوداء ومعه قطعة رق، فقال لي: يا هذا، اكتب لي عتق هذه الجارية عقلة (٢) ، فقلت: أمل علي، قال: وما تكتب من تلقائك؟ قلت: لا، قال: فاكتب، هذا ما استشهدني به عبد الله بن قيس الكلابي، أشهد أنه أعتق جويريته لؤلؤة السوداء ابتغاء وجه الله وخوفاً من العقبة، الله أعتقك وله المنة عليك وعلي، ولا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء: قال فحدثت بهذا الحديث الرشيد، فأمر بمائة عبد أن يعتقوا هذا العتق. ضل: موضع بالحجاز، إليه نفى رسول الله ﷺ هيتاً المخنث ضمير (٣) : بالشام، على خمسة عشر ميلاً من دمشق، فيه مات عبيد الله بن معمر التيمي، وكان سبب موته هناك أن ابن أخيه عمر بن موسى بن معمر خرج مع ابن الأشعث، فأخذه الحجاج، فبلغ ذلك عبيد الله وهو بالمدينة، فخرج يطلب فيه إلى عبد الملك، فلما بلغ ضميراً بلغه أن الحجاج ضرب عنقه، فمات كمداً هناك. وفي هذا الموضع يقول أبو الطيب: لأن تركنا (٤) ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم ضمار (٥) : حجر كان لبني سليم يعبدونه، وبينا عباس بن مرداس يوماً عند ضمار بعد أن جاء الله تعالى بالإسلام سمع من جوفه هاتفاً يقول: قل للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وفاز أهل المسجد فكان ذلك سبب إسلامه. الضفر (٦) : بفتح أوله وكسر ثانية بعده راء مهملة، موضع قريب من المدينة النبوية، به كان قبر أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وهو أحد الأجواد المطعمين. قالوا: ركب إبراهيم بن هشام والي المدينة إلى موضع له بملل فلما أراد الانصراف قال: اجعلوا طريقكم على أبي عبيدة، فنفجؤه (٧) عسى أن نبخله، قال: فهجم عليه فرحب به واستنزله، فقال له إبراهيم: إن كان شيء عاجل، وإلا فإني لست أقيم، قال: وما عسى أن يكون عندي عاجلاً يكفيك ويكفي من معك!! ولكن نذبح لهم، فأبى إبراهيم إلا الانصراف فقال: انزل عندي على العاجل، فجاءه بتسعين كرشاً فيها الرؤوس مع كثير من بوارد الطعام، واستأنف الذبح لهم، فعجب ابن هشام وقال: تراه ذبح في ليلته من الغنم عدد هذه الرؤوس؟!

стр. 394

ضهر (١) : بلد باليمن سمي بضهر بن سعد، وأهل اليمن يقولون: خرج من ضهر سبعة من الفراعنة، وفرعون من الإبل وهو عسكر، بعير عائشة يوم الجمل، بعث به يعلى بن منية. وضهر على ساعة من صنعاء وهو أطيب بلاد اليمن فاكهة، وبين ضهر وصنعاء جبل ينور، وبضهر قنة جبل عالية صلدة لا يرتقى إليها، وهم يضربون بجنها (٢) المثل في الخبث. ضواحي البصرة (٣) : أطرافها وما لا سواد فيه.

стр. 395

حرف الطاء الطائف: مخلاف من مخاليف مكة على مرحلتين من مكة وقيل بينهما ستون ميلاً، وهي إحدى القريتين المذكورتين في القرآن، وكان اسم الطائف وج سميت بوج بن عبد الحي من العمالقة، ثم سكنتها ثقيف، فبنوا عليها حائطاً مطيفاً بها فسموه الطائف. وهو منازل (١) ثقيف وهي مدينة صغيرة متحضرة، مياهها عذبة وهواؤها معتدل وفواكهها كثيرة وضياعها متصلة وعنبها كثير جداً، وزبيبها معروف يتجهز به إلى جميع الجهات وأكثر فواكه مكة من الطائف، وبها تجار مياسير، وجل بضائعهم الأديم وهو غاية في الجودة رفيع القيمة والنعل الطائفي يضرب به المثل. والطائف على جبل غزوان وبه جملة من قبائل هذيل وهو جبل مشهور بالبرد وربما جمد الماء في الصيف لشدة برده. وكانت ثقيف (٢) كلها عاقدت هوازن يوم حنين على حرب رسول الله ﷺ ومضى فلهم حين فرغ رسول الله ﷺ من حنين فأغلقوا عليهم أبواب مدينتها ثم صنعوا الصنائع للقتال فسار إليهم رسول الله ﷺ فنزل عليهم فحاصرهم، وفي ذلك قال كعب بن مالك: قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممن السيوفا نخيرها فلو نطقت لقالت ... قواطعهن دوساً أو ثقيفا فحاصرهم رسول الله ﷺ بضعاً وعشرين ليلة أو بضع عشرة ليلة فقاتلهم قتالاً شديداً وتراموا بالنبل، ورماهم رسول الله ﷺ بالمنجنيق وهو أول من رمى به في الإسلام ودخل نفر من أصحابه تحت دبابة زحفوا بها إلى جدار الطائف فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالاً، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون ثم أخبر رسول الله ﷺ أنه لم يؤذن في ثقيف فأذن الناس بالرحيل وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم، ثم أسلموا بعد ذلك. وكانت لثقيف بالطائف اللات، فلما جاء الله بالإسلام هدمت، تولى ذلك خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة. وبالطائف توفي عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين ودفن في مسجدها وكانت ثقيف بنته لما أسلمت في موضع مصلى رسول الله ﷺ بناه منهم عمرو بن أمية بن وهب، وكان في ذلك المسجد سارية فيما يزعمون، لا تطلع الشمس عليها يوماً من الأيام إلا سمع لها نقيض وهو الصوت. والطائف أكثر بلاد الله عنباً. ولما دخل (٣) سليمان بن عبد الملك الطائف فنظر إلى بيادر الزبيب

стр. 396

فقال: ما تلك الحرار السود؟ فقيل له: ليست بحرار يا أمير المؤمنين، ولكنها بيادر الزبيب، فقال لله در قسي، علم في أي عش وضع أفرخه. قال الأصمعي: دخلت الطائف فكأني كنت أبشر وكان قلبي يطفح بالسرور وما أجد لذلك إلا انفساح جوها وطيب نسيمها. وعسل الطائف من فائق العسل. وزي ثقيف الأقبية المصبغة بالورس والعصفر، ويحزمون على أوساطهم ملاءات القطن الرقاق وعليها البرود العجيبة. ويحكى (١) أن الوليد بن عبد الملك أفسد في أرض لعبد الله بن يزيد بن معاوية، فشكا ذلك أخوه خالد بن يزيد إلى عبد الملك؟ فقال له عبد الملك: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " فقال له خالد: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " فقال عبد الملك أفي عبد الله تتكلم وبالأمس دخل إلي فعثر في لسانه ولحن في كلامه؟! قال: أفعلى الوليد تعول؟ قال: إن كان الوليد لحاناً فسليمان أخوه! قال خالد: وإن كان عبد الله لحاناً فأخوه خالد، فقال الوليد: أتتكلم ولست في العير ولا في النفير؟! فقال خالد: ألم تسمع ما يقول يا أمير المؤمنين؟ أنا والله ابن العير والنفير (٢) ، ولكن لو قلت: حبيلات (٣) وغنيمات والطائف ورحم الله عثمان قلنا صدقت. أراد بذلك أن رسول الله ﷺ نفى الحكم بن أبي العاص إلى الطائف فصار راعياً حتى رده عثمان ﵁. طاوران (٤) : جزيرة في البحر الأعظم، وطاوران اسم ملكهم وله أربعة آلاف امرأة ومن لم يكن له ذلك فليس بملك ويتفاخرون بكثرة الأولاد، وعندهم أشجار إذا أكلوا منها قووا على الباءة قوة عجيبة. طاب (٥) : نهر طاب يجري في جنوب خوزستان وهذا الحد المميز بين خوزستان وفارس، وجميع مياه خوزستان كلها تتألف وتصب في البحر وأرضها كلها رمل وسهول وليس فيها من الجبال إلا ما كان بنواحي تستر. طابة: اسم من أسماء المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. الطاقة (٦) : إحدى بلاد السودان أكثر شجرها يسمونه تادموت (٧) ، وهو شجر الأراك، إلا أن ثمره كالبطيخ داخله شيء يشبه القند تشوب حلاوته حموضة نافع للمحمومين ومن هناك إلى خليج من النيل يقال له زوغوا (٨) مسيرة يوم لا يعبره الناس إلا في القوارب. الطاحونة (٩) : بينها، بين الإسكندرية ستة وثمانون (١٠) ميلاً. الطالقان: مدينة في خراسان من سرخس إلى الطالقان أربع مراحل وهي بين جبلين عظيمين. وهي (١١) مدينة كبيرة نحو مرو الروذ في الكبر ولها مياه وجباية وعمارات متصلة وبساتين قليلة وهي أصح هواء من مرو الروذ، ومن مرو الروذ إليها ثلاثة وسبعون ميلاً، وهي في سفح جبل ولها رساتيق في الجبل، وبها عمل اللبود الطالقانية. والطالقان على جبل متصل بجبل الجوزجان ومرو الروذ، بينها وبين الجبل مما يلي المشرق فرسخان، وبينها وبين الجبل مما يلي المغرب ثلاثة فراسخ وبناؤها بالطين. وكان فتح الطالقان (١٢) على يد الأحنف بن قيس حين وجهه عبد الله بن عامر في أربعة آلاف بعد صلح مرو الروذ إلى طخارستان وجمع أهل طخارستان والطالقان والجوزجان والفارياب، فكانوا ثلاثة زحوف ثلاثين ألفاً وأتى الأحنف خبرهم فاستشار

стр. 397

الناس فاختلفوا فمن قائل يقول: نرجع إلى مرو، وقائل يقول: نرجع إلى أبرشهر وقائل يقول: نقيم ونستمد وقائل يقول: نلقاهم فنناجزهم فلما أمسى الأحنف خرج يمشي في العسكر يسمع حديث الناس فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن، وهم يخوضون ويذكرون العدو فقال بعضهم: الرأي للأمير، إذا أصبح، أن يسير حتى نلقى القوم حيث لقيناهم فإنه أرعب لهم فنناجزهم، فقال صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ وأخطأتم أتأمرونه أن يلقى العدو مصحراً في بلاده، فيلقى جمعاً كثيراً بعدد قليل فإن جالوا جولة اصطلمونا؟! ولكن الرأي له أن ينزل بين المرغاب والجبل فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقى من عدوه وإن كثروا، إلا عداد أصحابه، فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال، فضرب عسكره وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه، فقال: إني أكره أن نستنصر بالمشركين فأقيموا على ما أعطيناكم، فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم، قال: فوافق المسلمين صلاة العصر، فعاجلهم المشركون فناهضوهم وقاتلوا وصبروا الفريقان حتى أمسوا والأحنف يتمثل: أحق من لم يكره المنيه ... حزور ليست له ذريه ... وقيل: قاتلهم حتى ذهب عامة الليل، فهزمهم الله تعالى فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى دسكرة (١) وهي على اثني عشر فرسخاً من قصر الأحنف. وفي سنة سبع عشرة وستمائة نزل خاقان الططر على الطالقان، وهي من معاقل خراسان، فترك عليها عسكراً وسار إلى هراة، فجرى فيها على عادتهم الذميمة من القتل والتخريب ثم عاد إلى الطالقان وهي محصورة، فلما كان بعد عشرة أشهر من يوم حصارها، وقد يئس أهلها من النصرة، ولم يجدوا إلى الصبر رغبوا في الشهادة وخرجوا يداً واحدة على عساكر الططر، فمنهم من تعلق بالجبال فسلم ومنهم من مات على سيفه، وبعدها شرع خاقان في أخذ قواعد خراسان فأناخ على بلخ، حسبما ذكر في حرف الباء. طالقة (٢) : مدينة بالأندلس بقرب اشبيلية وهي من المدن القديمة وكانت دار مملكة الأفارقة بالأندلس، وكانت من مدن اشبيلية المتصلة بها في سالف الدهر وهي خراب، إذ كان اشبان بن طيطش غزا طالقة وحصر ملكهم بها حتى فتحها وتغلب على مملكتهم فهدم طالقة ونقل رخامها وآلاتها إلى اشبيلية، وبه سميت، واتخذها دار ملكه وكثرت جموعه فعلا في الأرض وغزا من اشبيلية ايليا بعد سنتين من ملكه، خرج إليها في السفن ففتحها وهدمها وقتل من اليهود مائة ألف، واسترق مائة ألف، وفرق في البلاد مائة ألف وانتقل رخام ايليا وآلاتها إلى الأندلس والغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس كمائدة سليمان التي ألفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة وقليلة الدر التي ألفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة وغيرها من الذخائر، إنما كانت مما صار لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر. وحكوا أن الخضر وقف باشبان هذا وهو يحرث الأرض في حداثته، فقال له: يا اشبان إنك لذو شان وسوف يحظيك زمان ويعليك سلطان، فإذا أنت غلبت على ايليا فارفق بذرية الأنبياء، فقال له اشبان: أساخر أنت، رحمك الله!! أنى يكون هذا وأنا ضعيف مهين؟! فقال: قدر ذلك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه، فنظر اشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت، فريع لما رأى، وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك الكلام في نفسه والثقة بكونه، فترك الامتهان، وداخل الناس وصحب أجل الناس وسما به جده فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيماً وكان ملكه عشرين سنة، واتصلت مملكة الاشبانيين إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكاً. وكانت بطالقة آثار عجيبة وعجائب غريبة، فمن ذلك صورة جارية من مرمر لم يسمع في الأخبار، ولا رئي في الآثار صورة أبدع منها في قالب جارية كاملة القد حسنة الجسم جميلة الوجه، قد صور كل عضو من أعضائها وكل جارحة من جوارحها على أتم ما يكون وأفضل ما يستحسن في جوارح المرأة، وفي حضنها صورة صبي على مثل ذلك من الحكمة والإتقان وقد صورت حية تصعد من قدمها كأنها تريد نهش الصبي، قسمت

стр. 398

الصورة نظرها بين مصعد الحية ومكان الطفل كالمشفقة الحذرة، يتبين ذلك في التفاتها، ولو وقف الناظر يتأملها عامة نهاره لم يسأم ذلك ولا مله لدقيق صنعتها وغريب حكمتها، وهذه الصورة موضوعة في بعض حمامات اشبيلية، وقد تعشقها جماعة من العوام، وشغف بها ناس من الطغام، فتعطلت أشغالهم وانقطعت متاجرهم بالنظر إليها. طارق (١) : جبل طارق، فيه خرج طارق بن زياد ومنه افتتح الأندلس، وهو عند الجزيرة الخضراء، وبجبل طارق مرسى يكن من كل ريح، وبه غريبة، وهو غار هناك يعرف بغار الأقدام، يرى من البطحاء التي تلي الغار أثر قدم أبداً وليس هناك طريق ولا منفذ إلى غير الغار (٢) ، وقد مسحت تلك البطحاء وسويت، ثم أتوها من الغد فوجدوها فيها أثر القدم، جرب ذلك مراراً. وكان أحد خلفاء بني عبد المؤمن (٣) أمر ببناء مدينة على جبل طارق، فندب إليها البناة والنجارين وقطاع الحجر للبنيان والجيار من كل بلدة وخطت فيه المدينة وقدم إليها من المال ما يعجز كثرة واتخذ فيها الجامع وقصراً له وقصوراً تجاوره للسادة بنيه، وتوالى العمل في ذلك وأقطع أعيان وجوه البلاد فيه منازل نظروا في بنائها بعد أن حفروا في سفح الجبل مواضع نبع فيها الماء وجمع بعضها إلى بعض حتى سال منها جدول عم المدينة لأنفسهم وماشيتهم من أعذب الماء وأطيبه، يصب في صحن عظيم اتخذ له، وأجري إلى الجنات المغترسة بها عن أمره، فللحين ما جاءت مدينة تفوت المدن حسناً وحصانة، لا يدخل إليها إلا من موضع واحد قد حصن بسور منيع من البنيان الرفيع، وسميت بمدينة الفتح، وقالت الشعراء بها، ثم جاز إليها في سنة ست وخمسين وخمسمائة، وورد الوفود عليه هناك فتلقاهم بالتكرمة، وفت ذلك في عضد العدو. طارنت (٤) : مدينة كبيرة قديمة على قطيعة من البحر الشامي بالقرب من الوادي المعوج في بلاد الروم، وهي حسنة المباني والديار، كثيرة التجار والسفار، توسق منها السفن وتقصدها الرفاق، وهي ذات متاجر وأموال طائلة، وبها مرسى فيه بحر حي، وفي شمالها بحيرة تدويرها من القنطرة إلى أن تعود إلى باب المدينة اثنا عشر ميلاً، وهذه القنطرة بين البحر الحي والبحيرة، وطول القنطرة من جهة ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسة عشر ذراعاً، وفي هذه القنطرة منافس تفرغ من البحر إلى البحيرة في اليوم مرتين، وفي الليل مرتين، وتفرغ في هذه البحيرة ثلاثة أودية، وعمق هذه البحيرة من ثلاثين قامة إلى خمس عشرة قامة إلى عشر قيم، ويحيط بهذه المدينة البحر الحي والبحيرة من كل الجهات خلا الوجه الواحد مما (٥) يلي الشمال. الطاق (٦) : بخراسان بمقربة من طبرستان، كان خزانة لملوك الفرس اتخذه منوجهر، وهو نقر في جبل فيه خمسمائة بيت وأحواض للماء منقورة في صخرة صماء، وعلى الباب صخرة مهندسة مسواة يرسلها ألف رجل وكان صاحبها مزيد صالح أصبهبذ طبرستان وتفسيره بالفارسية حافظ الجيش، فلم يزل بعد ذلك يعطي الشيء اليسير فيقبل منه لصعوبة ذلك البلد وخشونته فإذا أحس من صاحب خراسان بضعف لم يعط شيئاً ولا أرى طاعة حتى ولي أبو جعفر الخلافة وقتل أبا مسلم فهابه الأصبهبذ فكتب إليه بالطاعة ووجه رسله فقبل أبو جعفر ذلك وبر رسوله ثم جعل يوجه إليه الهدايا والألطاف في كل نوروز ومهرجان، ثم إن الأصبهبذ استطال أيام أبي جعفر وأمسك عن البعثة إليه وأعان على ذلك خلاف عبد الجبار بن عبد الرحمن بخراسان، فلما وجه إليه أبو جعفر أبا عون القائد مع ابن الخصيب فأسراه بخراسان كتب أبو جعفر إلى ابن الخصيب بولايته على قومس وطبرستان وجرجان وأمره بدخول طبرستان فوجه إلية قائداً في عشرة آلاف وهو خزيمة بن خازم التميمي وروح بن حاتم المهلبي ومعهما مروان بن الخصيب وبلغ الأصبهبذ ذلك فنقل حرمه وخزائنه إلى الطاق وكان أعد فيه الطعام والآلة وما يحتاج إليه، وحمل جميع حرمه وخزائنه إليه وخلف عليهم ألف رجل مقاتلة، وأرسل الصخرة على الباب وخرج هو بنفسه وأصحابه إلى الديلم،

стр. 399

فعظمه أهل الديلم وانقادوا له وأفضل عليهم بالأموال ليستعين بهم على العرب، فنزل جند الخليفة أسفل الطاق، فعاينوا منه مؤيساً لهم، فكتب صاحب الجيش إلى الخليفة أنه لا يمكنه في الحرم والخزائن شيء، فكتب إليه يأمره بالمقام مع جميع الجند هناك حتى يفتحوا الطاق أو يكون محشرهم منه، فأقاموا عليه سنتين وسبعة أشهر وسووا المنازل ورسل الأصبهبذ تختلف من الديلم في السر يتحملون الأموال من دفائن الساحل وينصرفون إليه بالأخبار وكان المتخلفون (١) بالطاق يدورون كل ليلة دورة بالسلاح حيث يراهم جند العرب، فأرسل الله عليهم الموت ووقع في الرجال الوبأ فمات منهم في يوم واحد ثلثمائة رجل، ففزع النساء والحرم، وتقززوا من الموتى وضاق بهم الحصن وكانت فيهم الحرة أرومندخت بنت الفرخان الأعظم، وكان للأصبهبذ هناك ثلاثة بنين وثلاث بنات سماهم الخليفة: عيسى وموسى وإبراهيم بني خرشيد الأصبهبذ، فطلب الحرم الأمان على أن يدلوا على موضع الباب والمصعد إليهم، فدلوا على الباب ففتحوه، وأعان من بقي من رجالهم من فوق، فدخلوا الطاق وأصيب فيه من الأموال والذخائر ما لم يقدروا على حمله كثرة ولا فرغ من استخراجه من الطاق إلا في سبعة أيام، وحملوا الحرم والأولاد مكرمين. وبلغ الأصبهبذ ما وقع في أصحابه من الموت وفتح الطاق، فأمسك عن محاربة العرب، وقد كان تهيأ له ما أراد، فقال: ما حاجتي بعد الحرم والأولاد، فكتب إلى نسائه قبل الخليفة في العمل له في الموادعة على أن يحمل الضعف مما كان يحمل كل سنة، فكلموا الخليفة في ذلك فأجاب، وأمر بكتب السجلات، ودفعت إلى رسوله، ووصل الخبر قبل وصولها بموت خرشيد الأصبهبذ بالديلم فاسترجعت السجلات. طاووس: موضع في بلاد فارس قريب من اصطخر كانت فيه وقعة للمسلمين على أهل فارس في خلافة عمر ﵁. قالوا (٢) : كان العلاء بن الحضرمي يباري (٣) سعد بن أبي وقاص ﵁ لصدع صدعه القضاء بينهما، وكان أبو بكر ﵁ قد استعمله على البحرين، وأذن له في قتال أهل الردة، واستعمله أيضاً عمر ﵁ ونهاه عن البحر اقتداء بالنبي ﷺ وأبي بكر ﵁ إذ لم يغزيا فيه أحداً فطال العلاء على سعد ﵁ في الردة بالفضل، فلما ظفر سعد ﵁ بالقادسية وأزاح الأكاسرة واستعلى بأعظم مما جاء فيه العلاء، أصر العلاء أن يصنع شيئاً في الأعاجم، ورجا أن يدال كما قد كان أديل، ولم يفكر العلاء فيما بين فضل الطاعة والمعصية، فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك، وفرقهم أجناداً، وهو على خاصة الناس، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا إلى اصطخر وبازائهم أهل فارس، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فاقتتلوا بموضع يقال له طاووس، فقتل أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها، وخرج المسلمون إلى البصرة إذ غرقت سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلاً، فوجدوا سهرك (٤) قد أخذ عليهم الطرق فبلغ عمر ﵁ ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر، فاشتد غضبه على العلاء وكتب يعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، تأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص في من قبلك، فخرج نحوه بمن معه، وكتب عمر ﵁: إن العلاء بن الحضرمي حمل جنداً من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله تعالى فخشيت عليهم ألا ينصروا ويثبتوا، كتب بذلك إلى عتبة بن غزوان في خبر طويل. طبرستان: من بلاد خراسان، بفتح أوله وثانيه، سميت بذلك لأن الشجر كان حولها شيئاً كثيراً فلم يصل إليها جنود كسرى حتى قطعوه بالفأس والطبر بالفارسية الفأس (٥) واستان الشجر. وطبرستان (٦) بلد عظيم كثير الحصون والأعمال منيع بالأودية، وأهله أشراف العجم وأبناء ملوكهم، وهم أحسن الناس وجوهاً. وطبرستان من الحصانة والمنعة بحيث لا يبلغه وصف، وكانت ملوك الفرس توليها رجلاً من أهل بيت المملكة وتسميه الأصبهبذ، وهو حافظ الجيش في لغتهم كما تقدم. وحد طبرستان مما يلي المشرق جرجان وقومس، ومما يلي المغرب الديلم، ومما يلي الشمال

стр. 400

البحر، ومما يلي الجنوب بعض قومس، وطول هذا الحد خمسون فرسخاً، وعرضه مما يلي قومس أربعون فرسخاً. وبحر طبرستان (١) هو المسمى بحر الخزر، وما حوله من أقطار الخزر والغزية، وهذا البحر منقطع غير متصل بشيء من البحار، وطوله نحو ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل، وفيه أربع جزائر، وهو بحر مظلم لا مدَّ فيه ولا جزر، وهو مظلم القعر بخلاف بحر القلزم وغيره لأن تراب قعره طين، وما قيل أن هذا البحر متصل ببحر نيطس من تحت الأرض وبينهما نحو ست مراحل فليس بصحيح. وكان مزيد صالح (٢) أصبهبذ طبرستان ثم لم يزل بعد ذلك يعطي الشيء اليسير فيقبل منه لصعوبة مسلك البلد وخشونته فإذا أحسَّ من صاحب خُراسان بضعف لم يعط شيئاً ولا أرى طاعة، حتى ولي أبو جعفر الخلافة وقتل أبا مسلم فهابه الاصبهبذ، فكتب إليه بالطاعة ووجَّه رسله، فقبل أبو جعفر ذلك وبرَّ رسوله، ثم جَعَل يوجّه بالهدايا والألطاف في كل نوروز ومهرجان، ثم إن الاصبهبذ استطال أيام إلى جعفر فأمسك عن البعثة إليه، وبقية الخبر في رسم الطاق فانظره هناك. وافتتحت طبرستان سنة اثنتين وأربعين ومائة، وأكبر مدنها الجبل وبها مستقر الولاة، وكانوا من قبل يسكنون سارية. وحكى البلاذري (٣) أن المأمون كان ولى مايزديار أعمال طبرستان والرويان ودنباوند وسمّاه محمداً، وجعل له مرتبة الأصبهبذ، فلم يزل على ذلك أيام المأمون وصدراً من خلافة المعتصم بالله نحواً من ست سنين ثم إنه كفر وغدر، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر بن الحسين عامله على خُراسان وسجستان والري وقومس وجرجان يأمره بمحاربته، فوجّه عبد الله الحسنَ بن الحسين عمه في رجال خُراسان، ووجّه المعتصم بالله محمد بن إبراهيم بن مصعب في من ضم إليه من جند الحضرة، فلما توافت الجيوش في بلاده كاتب أخْ له يقال له قوهيان (٤) بن قارن الحسن ومحمداً وأعلمهما أنه معهما عليه، وقد كان يحقد عليه أشياء يناله بها من الاستخفاف، وكان أهل عمله قد ملّوا سيرته لتجبره وعسفه، فكتب إلى الحسن يشير عليه بأن يكمن في موضع سماه له، وقال للمايزديار: إن الحسن قد أتاك وهو بموضع كذا وكذا، وذكر غير الموضع، وهو يدعوك إلى الأمان ويريد مشافهتك، فسار مايزديار يريد الحسن، فلما صار بقرب الموضع الذي كان الحسن كامناً فيه آذنه قوهيان بمجيئه، فخرج إليه في أصحابه، وكانوا منقطعين في الغياض فجعلوا ينثالون (٥) إليه، فأراد مايزديار الهرب فأخذ قوهيان بمنطقته، وانطوى عليه أصحاب الحسن، فأخذوه بغير عهد ولا عقد، فحمل إلى سرّ من رأى في سنة خمس وعشرين ومائتين، وضرب بالسياط بين يدي المعتصم ضرباً مبرحاً، فلما وقعت السياط عليه مات، فصلب بسرّ من رأى مع بابك الخرّمي على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة، ووثب بقوهيان بعض خاصة أخيه، فقتل بطبرستان، وتولى طبرستان، سهلها وجبلها، عبد الله بن طاهر وطاهر ابنه بعده. والذي ارتفع من خراج طبرستان وكورها سنة ست وثلاثين ومائتين سوى الضياع من المورّق (٦) أربعة آلاف ألف ومائتا ألف وثلاثة وسبعون ألف درهم (٧) ، وجميع المراحل ببلاد طبرستان أيام الطاهرية مائتان وثلاثون. وليس (٨) في بلاد الإسلام والكفر ناحية تقارب طبرستان في كثرة الابريسم، ومنها يرتفع الابريسم وأكسية الصوف والبرنكانات العجيبة، وليس في جميع الأرض أكسية تبلغ قيمة أكسيتهم، والغالب على أهلها وفور الشعر واقتران الحواجب وسرعة الكلام والعجلة والطيش، والغالب على طعامهم خبز الأرز وكذلك الديلم والجيل. ومما يوصف من كثرة ذخائر خرشيد الاصبهبد أن رجلاً من أهل خُراسان أتى طبرستان فأهدى إليه ديكاً من ذهب، وفي عيني الديك ياقوتتان حمراوان لا يدرى ما قيمتهما، فأكرمه وقبل هديته، فكان ذلك الرجل يكثر أن يقول: حملت إلى الملك شيئاً ليس

стр. 401

عند أحد من الخلق هو، فانتهى الخبر إلى الاصبهبذ، فأمر من الغد بنصب سماطين، فأحضر أصحابه للشراب، وأحضر الرجل الخُراساني، وأمر ألا يخرج بيومه ذلك من الجامات إلا ديكة مكللة من الجواهر، ودفع إلى كل رجلين من السماطين ديكاً من الديكة التي أخرجت من الخزائن، فبهت الخُراساني مما رأى، وفطن أنه إنما عرّض به لما كان يكثر أن يقوله، فقام فقال: أيها الملك، أخطأت فأقلني، فأمر له بصِلة جزيلة وردّ ذلك الديك إليه ولم يقبله. وكانت خزائن الملوك كلها صارت إليه. وطبرستان وجرجان وموقان وجيلان كلها وما والاها على ساحل الخزر ونزل الططر على طبرستان في سنة ست عشرة وستمائة واستولوا عليها قتلاً ونهباً وتخريباً وفعلوا العظائم، على عادتهم. طبرمين (١) : حصن بصقلية منيع، بينه وبين مسيني مرحلة، وهو بلد شامخ رفيع أزلي من أشرف البلاد، وهو على جبل مطل على البحر، وبه مرسى حسن، والسفر إليه من كل الجهات، ويحمل منه كثير من الغلات وفيه منازل وأسواق، وتجتمع فيه القوافل الواصلة من مسيني، وبه ضياع صالحة ومزارع طيبة، وبه معدن الذهب، وبه الجبل المشهور المسمى بالطور (٢) ، وأنهار غزيرة عليها أرحاء كثيرة، وبها جنات قلائل، وبها واد عليه قنطرة عجيبة يدل بناؤها على قدرة بانيها وقوة سلطانه، وبها ملعب من ملاعب الروم القديمة تدل رسومه على شرف ملك وشماخة قدر. وكانت طبرمين فتحت على يد إبراهيم بن أحمد بن الأغلب في سنة تسع وثمانين ومائتين، بعد أن حاصرها ووقف بنفسه يحرض المسلمين على القتال، ومس الفريقين ألم الجراح وهمَّ كل بالانحياز، فقرأ قارئ كان بين يدي إبراهيم " هذانِ خَصمانِ آخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ " إلى آخر الآية فحمل حينئذ جملة العسكر وأهل البصائر منهم بنيات صادقة، فانهزم الكفرة وولوا هاربين وقتلهم المسلمون أبرح قتل، واقتفوا آثارهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال، ودخل إبراهيم ومن معه طبرمين بلا عهد ولا عقد، فقتل وسبى والتجأ بعضهم إلى بعض القلاع، وفي ذلك يقول شاعره: قد فتح الله طبرمينا ... في عام سبع وثمانينا وشهر شعبان فأعظم به ... شهراً يراه الله ميمونا فأيَّد الله إمام الهدى ... وزاده عزاً وتمكينا ثم رحل طالباً لكل من بقلورية (٣) من الروم بقتل وسبي فهربوا بين يديه، ومضى إلى كشنته (٤) فحاصرها، فطلبوا الأمان وأداء الجزية، فأبى ولم يجبهم، وحلت به عليه علته التي مات منها وزادت العلة به فمات سنة تسع وثمانين، وحمل إلى بلرم فدفن بها وأدى أهل كشنته الجزية وهم لا يعلمون بموته وكان فتحه لمدينة طبرمين (٥) سنة سبع وثمانين ومائتين، وقتل من أهلها بشراً عظيماً ثم عفا عنهم، وكان متولي حرب أهل بلرم ابنه أبو العباس (٦) ، الذي كان جعله ولي عهده. طبرية: مدينة من بلاد الأردن بالشام، بينها وبين عكا يومان، وبنى هذه المدينة طيباريوس أحد ملوك الروم، وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب حين افتتحت البلاد فقالت: طبرية. وهو الذي لخمس عشرة سنة من ملكه كان تعميد يشوع الناصري في نهر الأردن، وزعموا أن المعمد له يحيى بن زكريا ابن خالة يشوع، وهو عندهم عيسى ﵊. وطبرية (٧) مدينة جليلة على جبل مطل، وهي طويلة في ذاتها قليلة العرض في طولها نحو ميلين. قال اليعقوبي (٨) : وهي مدينة الأردن، وهي في أصل جبل على بحيرة جليلة عذبة يخرج منها نهر الأردن المشهور وتحمل فيها الغلات إلى المدينة، ويعمل بها من الحصر السامانيّة كل عجيبة وفيها حمّامات حامية من غير نار في الشتاء والصيف، وبها عيون حارة يأتيها أصحاب البلاء من المقعدين والمفلوجين وأصحاب القروح فيقيمون بها في الماء ثلاثة أيام فيخرجون بارئين بإذن الله . وفي الخبر أن يأجوج ومأجوج يجتازون في خروجهم عليها

стр. 402

فيشربها أولهم، ويجتاز آخرهم فيقول: قد كان هاهنا مرة ماء، أو هذا معناه. وفي طبرية مياه تنبع حارة تفور في الصيف والشتاء لا تنقطع فتدخل المياه الحارة إلى حماماتهم فلا يحتاجون إلى وقود. وإليها ينسب الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (١) صاحب التفسير والتاريخ والمصنفات الكثيرة، نزل بغداد ومات سنة عشر وثلثمائة. وطولها نحو فرسخ مع طول الجبل، وعرضها أقل من نصف ميل، ولها بابان، وهي في المشرق من البحيرة، وطول البحيرة اثنا عشر فرسخاً في مثلها. وقال علي بن محمد الحلبي: يخرج من بحيرة طبرية قار من أعمق وسط البحيرة، ثم تقذفه الريح في حافتها فيجتمع هناك ويستعمله أهل انطاكية وطرسوس وما إلى تلك البلاد، يطلون به أصول الكروم والشجر فلا يصعد إليها دود ولا نمل ولا حيوان مؤذ. ومن غريب ما حكي أن لأهل طبرية قرية فيها شجر أترج، تخرج الأترجة على مثال النساء، الأترجة لها ثديان وما يشبه اليدين والرجلين، وموضع الفرج مفتوح، وأمر هذه القرية في الأترج مستفيض عندهم لا يُدفع، وهي قرية ناصرة حيث وُلِد المسيح ﵇ ويزعم أهل طبرية أنه لا يولد لأهل ناصرة بكر إلى هذه الغاية لأنهم عيّروا مريم بنت عمران، وأهل بيت المقدس يدفعون ما يقول أهل طبرية من ولادة المسيح عندهم، ويزعمون أنها ببيت المقدس وأن آثار ذلك ظاهرة. الطبران: مدينة من مدن طوس بخراسان ومنها الطبراني المؤِّلف المشهور (٢) . طميسة (٣) : من عمل طبرستان، متاخمة لجرجان وعليها سوران وثيقان من آجر، وفي ربضها خانات وأسواق وبها ضرب من الخبز يسكر من أكله، وليس لأحد من أهل طبرستان أن يخرج إلى جرجان ولا أن يدخل من طبرستان إلى جرجان إلا عليها لأنها درب الحائط الممدود من حرف البحر إلى الجبل، وهو الذي كان كسرى أنوشروان بناه ليحول بين الترك وبين الإغارة على طبرستان. وطميسة هذه في سفوح جباله. وهي مدينة (٤) على ساحل البحر نزل عليها سعيد بن العاصي أيام عثمان فقاتله أهلها حتى صلَّى يومئذ صلاة الخوف، وهم يقتتلون، وكان معه حذيفة بن اليمان ﵁، فسأله كيف صلاها رسول الله ﷺ ، وضرب يومئذ سعيد بن العاص ﵁ رجلاً من المشركين على حبل عاتقه فخرج السّيف من تحت مرفقه، وحاصرهم فطلبوا الأمان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن فقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً وحوى ما كان في الحصن. الطبسان: من كرمان، فتحها (٥) عبد الله بن بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر ﵁ بعد فتحه لكرمان، كذا ذكر المدائني، ثم قدم على عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إني افتتحت الطبسين فأقطعنيها فأراد أن يفعل، فقيل لعمر ﵁: إنها رستاقان عظيمان فلم يعطهما إياه، وهما بابا خُراسان. طبرقة (٦) : بين درنة وباجة من البلاد الإفريقية، وبينها وبين بنزرت سبعون ميلاً، وهي قديمة فيها آثار كثيرة للأُول، وهي على نهر كبير بقرب البحر تدخله السفن، وبالقرب منها مدينة مرسى الخزر، والبحر محيط بها من كل جهة إلا مسلكاً لطيفاً ربما قطعه البحر في زمن الشتاء، وعليها سور قديم، وبها كانت تنشأ السفن لغزو بلاد الروم، وفيها يخرج المرجان ومنها يُحْمَل إلى جميع بلاد الدنيا، وهناك قوم لهم مراكب وزوارق ليس لهم حرفة إلا إخراج المرجان من قعر البحر، وهو نبات شجر له أغصان. ويقال إنه في قعر البحر ليّن رطب، فإذا مسَّه الهواء اشتد ويخرج منه في ذلك البحر مئون من قناطير في كل سنة، وهو أنفس مرجان في الدنيا، وأنفقُ شيء بالهند والصين، ويكون في الزقاق بساحل بليونش

стр. 403

من قرى سبتة، وهو مثله في الطيب أو أجلّ، ويكون في بحر الأندلس وفي بعض جزائر البحر الأخضر، وهذا أنفسها. وبين طبرقة هذه ومدينة باجة بحيرة عظيمة دورها أربعون ميلاً تصب في البحر، ويصب البحر فيها، وماؤها لا حلو ولا ملح، فيها أنواع من الحوت، وبها البوري الذي لا نظير له في الدنيا، يكون في الكبير منه عشرة أرطال وأزيد، وأهل تلك النواحي يستخرجون دهنه ويستعملونه في مصالحهم (١) . وطبرقة (٢) حصن على ساحل البحر وفيها آثار للأول وبنيان عجيب، وهي عامرة لورود التجار إليها، وبها نهر كبير تدخله السفن حتى إلى باب المدينة، وهي قليلة العمارة، وحولها عرب لا خلاق لهم، وروي أن الكاهنة ملكة البربر في الجاهلية قتلت بطبرقة على يد أهل الإسلام، وخبرها مشهور. طبنة (٣) : أعظم بلاد الزاب، بينها وبين المسيلة مرحلتان، وهي حسنة كثيرة المياه والبساتين والزروع والقطن والحنطة والشعير، وعليها سور تراب، وبها أخلاط من الناس، وبها صنائع وتجارات، ولأهلها تصرف في ضروب من التجارات والتمر وسائر الفواكه بها كثير. وهي (٤) مدينة كبيرة ولها حصن قديم عليه سور من حجر جليل ضخم متقن البناء من عمل الأول، ولها أرباض واسعة، وهي مما افتتح موسى بن نصير حين دخل بلاد إفريقية فبلغ سبيها عشرين ألف رأس، وتشق طبنة جداول الماء العذب، ولها بساتين كثيرة فيها النخل والثمار، ولها نهر يشق غابتها، وقد بني له صهريج كبير يقع فيه وتسقى منه جميع بساتينها وأرضها، ولم يكن من القيروان إلى سجلماسة مدينة أكبر منها. ومنها أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني (٥) ، كانت له رحلتان إلى المشرق، وأخذ العلم عن جماعة من أهل مكة ومصر والقيروان وأخذ بالأندلس عن جماعة منهم القنازعي. طبيرة: لا أدري أهي طلبيرة بزيادة لام أو غيرها (٦) فإن كانت هي فهي مذكورة بعد. طنبدة (٧) : قرية بإفريقية على عشرة أميال من تونس تسمى المحمدية، يقال إن الخضر ﵇ خرق السفينه ببحر رادس وقتل الغلام بطنبدة، وهناك فارق موسى الخضر ﵉، وقد مرَّ ذلك في حرف الراء (٨) . طخارستان: من بلاد خُراسان، يقال بالطاء وبالتاء، كان عبد الله بن عامر بعث الأحنف بن قيس لما صالح أهل مرو الروذ إلى طخارستان، فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف ومرو الروذ وجمع أهل طخارستان وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب وكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفاً، فقاتلهم الأحنف من صلاة العصر إلى أن ذهب عامة الليل فهزمهم الله وقتلهم المسلمون، وقد مرَّ بسط ذلك في حرف الجيم في ذكر الجوزجان. طزر (٩) : مدينة بين همذان والري وليس فيها ماء عذب في حفائر ولا سبخ، وإنما يشربون من حوض يجتمع فيه ماء الأمطار من قنوات قد اتخذت هناك، وإذا أعوزهم ذلك ولم يجدوا ماء ولهم مثالج (١٠) تحت الأرض فإذا كان زمان الربيع استخرجوها، ومن طزر إلى الأساورة أربعة فراسخ. وفي الرشاطي طرز من مدن إفريقية ينسب إليها موسى بن عبد الله الطرزي، كان يؤدب أولاد السلاطين وكان شاعراً مجيداً، عفيفاً، ذكره الزبيدي (١١) . طرّة (١٢) : من مدن نفزاوة، مسورة حصينة، لها غابة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه.

стр. 404

طرسوس (١) : مدينة بالشام حصينة، عليها سوران بينهما فصيل وخندق، ويجري الماء حواليها. وفي سنة سبعين ومائة (٢) بني سور طرسوس على يد أبي مُسْلِم فرج الخصي (٣) التركي، وجّهه مولاه هارون الرشيد لذلك، وأنزلها الناس عام ولي الخلافة، في جيش كثيف وعسكر ضخم إلى الثغور، وأمره أن يبني مدينة طرسوس في المرج الذي في سفح الجبل، ولم يكن هناك بناء قط، وأن يجعل النهر يشق وسطها، فابتدأ بناءها في جمادى سنة سبعين ومائة، فخطَّ بها سبعة وثمانين برجاً مستديرة ومربعة، على كل برج عشرون شرفة، وبين كل برجين ست وخمسون شرفة، عرض الشرفة ذراعان ونصف في ارتفاع مثل ذلك، وحوالي سورها فصيل واسع متقن مرتفع السمك، وخلف الفصيل خندق عريض عميق مبني بالصخر من أعلاه وأسفله مفروش كله بالصخر، ولها خمسة أبواب: باب الجهاد، وهو الباب الذي يخرج منه إلى المرج الذي يعسكر فيه أمراء الطوائف، وباب الصفصاف، وبين هذين البابين مدخل النهر الأعظم، وعلى مدخله شباك حديد وثيق مفرط العظم، وباب الشام ومنه يدخل زقاق أذنة والمصيصة والشام، وباب كذا وباب البحر، وعنده مخرج النهر ومصبّه في البحر، وهناك أيضاً شباك حديد مثل الذي عند مدخله، وباب يعرف بالباب المسدود ولم يفتح قط وعلى النهر داخل المدينة قنطرتان عظيمتان إحداهما تعرف بباب الصفصاف، وأخرى تعرف بباب البحر، فكمل بناؤها في سنة اثنتين وسبعين ومائة، وسكنها المجاهدون والمرابطون واختطت بها الخطط والمنازل سنة ثلاث وسبعين ومائة، فلم تبن مدينة أعظم غناء عن الإسلام ولا أشد نكاية على الكفرة، ولا أجمع للمجاهدين ولا أبعد صوتاً، ولا أجل مرأى، ولا أتقن بناءً منها. فلما نزل الرشيد طرسوس أفرد الثغور من الجزيرة والشام، وسمى الثغور الشامية والثغور الجزرية، ونهرها يأتي من جبل الروم حتى يشق وسطها. ولي قضاءها أبو عبيد القاسم بن سلام وفيها دفن المأمون بن الرشيد وكان خرج غازياً فمرض بعين البذندون فمات هناك، فحمل إلى طرسوس فدفن بها، وفي ذلك يقول أبو سعيد المخزومي (٤) : ما رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون شيئاً وملكه المأسوسِ خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثلما خلفوا أباه بطوس وذكر الحسين بن الضحاك قال: استحضر المأمون الجلساء والمغنين آخر جلسة جلسها بدمشق، وقد عزم على الخروج إلى البذندون، وقال لمخارق وعلويه: غنّيا، فسبق مخارق فغنى بشعر جرير: لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوتُ الدجاج وقرع بالنواقيس فقلت للركب إذ جدّ المسير بنا ... يا بُعْدَ يبرين من بابِ الفراديس فغنى علويه في معنى شعر (٥) : ألحَيْنُ ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأَهلنا بلدا فضرب بالقدح الأرض وقال: مالك فض الله فاك، ودمعت عينه، وقال لأخيه أبي إسحاق: أَسمعت، لا أحسبني والله أرى بالعراق أبداً، وقال: خذوا بيد هذا الجاهل أو النذير، واعطوا مخارقاً ثلاثة آلاف درهم، وتقوض المجلس ولم يعد بعد. قال علويه: وكدت أحبس لولا كرم المأمون، وصار إلى البذندون على أثر ذلك فهلك في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. وطرسوس (٦) مدينة كبيرة كثيرة المتاجر، والعمارة والخصب الزائد وبينها وبين البحر اثنا عشر ميلاً. وفي سنة اثنتين وخمسين (٧) وثلثمائة تغلب الروم على طرسوس

стр. 405

واحتلت ثغور الشام الأدنى إلا من رضي بأداء الجزية من المسلمين وعمرت طرسوس وما والاها بالروم فلما كان سنة سبع وخمسين وثلثمائة زحف ابن نوح صاحب خُراسان بعساكر جرارة إلى طرسوس وأوقع بالروم وهزمهم، وجاوز الدرب إلى أرض القسطنطينية فالتقى جيوش المشركين وعليهم ابن الشمشكي بطريق نقفور، فمنح الله تعالى المسلمين النصر عليهم، ولم ينج ابن الشمشكي إلا وحيداً، ثم جهز نقفور جيشاً آخر احتفل فيه لنصر ابن الشمشكي، فكان خلاف ما أمله، وصاروا بعد الطعن والضرب والمجالدة بالسيوف إلى المعانقة والمغافصة بالأيدي والتناصي بالشعور فما حجز بينهم إلا الليل، وثبت المسلمون في مصافهم، وباتوا على ظهور دوابهم، وناجزوهم بجد وحزم فإذا الأرض قد غصت بجثثهم، ولا أثر لمن بقي منهم ولا عين، قد تفرقوا في جنح الليل، وافتتح ابن نوح قلاعاً كثيرة مما كان تغلب عليها الطاغية، منها مرعش وغيرها. طُرَيْثيث (١) : بينها وبين نيسابور ثلاث مراحل، منها أحمد بن علي الطريثيثي، روى عن أَنَس بن مالك ﵁ قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يتجر بمال له ولغيره، ويضرب به الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً فخرج مرة فلقيه لص مقنعاً في السلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: وما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال قال: إن المال لي فلست أريد إلا دمك، فقال: أما إذ أبيت فذرني أصلّي ركعتين، قال: صلَ ما بدا لك، فتوضأ ثم صلَى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعّال لما يريد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شرّ هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرّات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم، ثم قال: من أنت بأبي أنت وأمي، فقد أغاثني الله بك، قال: أنا ملك من السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول، فسمعت لأهل السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله، قال أنس ﵁: فاعلم أن من توضأ وصلَى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروباً كان أو غير مكروب. طرسونة (٢) : بالأندلس كانت مستقر العمال والقوّاد بالثغر، وكان أبو عثمان عبيد الله بن عثمان المعروف بصاحب الأرض اختارها محلاً وآثرها على مدن الثغور منزلاً، وكانت ترد عليه عشور مدينة أربونة وبرشلونة. ثم عادت طرسونة من بنات تطيلة عند تكاثر الناس بتطيلة وإيثارهم لها، لفضل بقعتها واتساع خطتها، وبينهما اثنا عشر ميلاً. طرابلس: من مدن إفريقية، وهي (٤) مدينة كبيرة أزلية على ساحل البحر يضرب في سورها، وهو من حجر جليل من بناء الأول، قيل وتفسير طرابلس ثلاث مدن وقيل مدينة الناس (٥) ، وبها أسواق حافلة وحمامات كثيرة، وفي شرقيها بساتين كثيرة فيها فواكه كثيرة وخيرات جمة، وأهلها تجار يسافرون براً وبحراً، وهم أحسن الناس معاملة بضدّ أهل سرت، وداخل سورها بئر تعرف ببئر أبي الكنود، يقال إنه من شرب من مائه حمق، فهم يعيرون به، فيقال للرجل منهم إذا أتى ما يلام عليه: لا عتب عليك لأنك شربت من بئر أبي الكنود. ومن طرابلس إلى جبل نفوسة ثلاثة أيام، وطرف هذا الجبل الخارج في البحر هو طرف أوثان ما بين طرابلس والاسكندرية، وهذا الطرف الخارج في البحر إذا عدّته المراكب استبشرت بالسلامة، ومن هذه المدينة تعد بلاد إفريقية. وبينها وبين سرت عشر مراحل، وفيها رباطات كثيرة يأوي إليها الصالحون. وذكر الليث بن سعد قال (٦) : غزا عمرو بن العاصي ﵁ مدينة طرابلس سنة ثلاث وعشرين حتى نزل القبة التي على الشرف من شرقها، فحاصرها أشهراً لا يقدر منهم على شيء،

стр. 406

فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم من معسكر عمرو متصيداً في سبعة نفر، فمضوا بغرب المدينة، ولم يكن فيه بين البحر والمدينة سور، وكانت سفن البحر شارعة في مرساها إلى بيوتهم، فنظر المدلجي وأصحابه فإذا البحر غاض من ناحية المدينة، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة فكبروا، فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم، وأقبل عمرو بجيشه حتى دخل عليهم، فلم يفلت الروم إلا بما خف لهم في مراكبهم، وغنم عمرو ما كان في المدينة. وإنما بنى سور مدينة طرابلس هرثمة بن أعين في حين ولايته. ولمدينة طرابلس فحص يسمى سوفجين (١) ، وهم يقولون: فحص سوفجين يصيب سنة في سنين. ومن طرابلس إلى جبل نفوسة مسيرة ثلاثة أيام، وجبل نفوسة على ستة أيام من القيروان، وطول الجبل من المشرق إلى المغرب ستة أيام. وكان طاغية صقلية (٢) طرقها واستولى عليها في سنة أربعين وخمسمائة ثم استرجعها المسلمون، وحكم عليها أيضاً قراقش الغزي سنة ست وثمانين وخمسمائة، ثم دخل في طاعة المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن خليفة مراكش. وطرابلس (٣) أيضاً مدينة بالشام عظيمة، عليها سور صخر منيع، ولها رساتيق وأكوار وضياع جليلة، وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير، والوارد والصادر إليها كثير، والبحر محدق بها من ثلاثة أوجه، وهي معقل من معاقل الشام، وتقصد بضروب الغلات والأمتعة والتجارات، وتضاف إليها عدة قلاع وحصون داخلة في أعمالها وحوالي مدينتها أشجار الزيتون. وهو كان أطيب بلاد الشام ثماراً فسكنه قوم أذنبوا وأسرفوا فأمطرهم الله النار والكبريت (٤) ، فصار حينئذ رماداً، حتى الآن ترى فيها آثار النار في أرضها وأشجارها، وتنبت ثماراً تخالها طيبة فإذا عض عليها العاض ثار منها دخان وصارت رماداً. طرابنش (٥) : آخرها شين معجمة، بجزيرة صقلية، والنصارى يسمونها أطرابنه، وبينها وبين مرسى علي ثلاثة وعشرون ميلاً، وهي مدينة قديمة مسورة بيضاء كالحمامة، وبينها وبين مدينة تونس مسيرة يوم وليلة، والسفن منها وإليها لا تتعطل شتاء ولا صيفاً، وبها السوق والحمّام وجميع ما يحتاج إليه من مرافق المدن، لكنها في لهوات البحر لاحاطته بها من جهاتها الثلاث، وأدنى البر منها من جهة واحدة ضيقة، والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات، وأهلها يرون أنه لا بد من التقامه لها، ومحرثها عظيم، وكان سكانها مسلمين ونصارى، وللفريقين فيها مساجد وكنائس، وبركنها من جهة المشرق جبل حامد، وهو جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه فيه معقل للروم، وبينه وبين الجبل قنطرة تتصل به، وفي الجبل بلد كبير يقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة، وبهذا الجبل الكروم، ويقال إن فيه نحواً من أربعمائة عين متفجرة، والصعود إليه هين من إحدى جهاته، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة فلا يتركون مسلماً يصعد إليه، ولذلك أعدوا فيه ذلك المعقل، فلو أَحسّوا بحادثة جعلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة. وطرابنش هذه في البسيط لا ماء لها إلا من بئر على البعد منها. والبحر يحدق (٦) بها من جميع جهاتها، وإنما يسلك إليها على قنطرة، ومرساها في الجانب الجنوبي منها، وهو مرسى ساكن غير متحرك تشتي فيه أكثر السفن آمنة من جميع الأنواء، موْجه هادٍ عند هيجان الرياح، ويصاد به السمك الكثير، ويؤخذ بها التن بشباك كبار، ويوجد ببحرها المرجان السنيّ، وعلى بابها سباخ الملح، ولها إقليم واسع الجهات، وأرضها من أكرم الأرضين في الزراعة، كثيرة الفوائد والغلات، وأسواق المدينة رحيبة، ومعايشها خصيبة، وبقربها جزيرة الراهب وجزيرة اليابسة وجزيرة مليطمة. وطرابنش يسافر إليها في أيام الشتاء لجودة مرساها واعتدال بحرها وهوائها، وبينها وبين جبل حامد نحو عشرة أميال. طرنش (٧) : من أشرف مدائن افرنجة، ولها موسم عظيم في الخريف يتصل ثمانية أيام، وليس هناك موسم أعظم منه، ويجتمع

стр. 407

فيه التجار من الأقاليم، وطرنش على نهر هو أعظم أنهار افرنجة، وعليه حصن من خشب عظيم جداً، وأبوابه من خشب. وإنما عظموا مدينة طرنش للكنيسة التي بها، وهي كنيسة عظيمة في وسطها صنم من فضة على صورة شنت مرتين، وبها عظامه، وبهذه الكنيسة من صدقات قارلُهْ تاجه الذي كان يلبسه مرصعاً برفيع الجواهر، وعصاه مفرغة ذهباً وقميصه منسوج بالذهب منظوم باللؤلؤ وفيها مصاحف إنجيلهم ألواحاً من ذهب مكللة بالياقوت والزمرد، وقارلُه هذا أول ملوكهم. وفي الافرنج جمال، وأكثرهم بيض شقر وقد يوجد فيهم سمر وسود الشعور، ولهم عقول صحيحة، وفيهم كيد ودهاء وكبر وبأس شديد وقسوة، لا رأفة عندهم، يموت حميم الرجل فلا يبكيه، وهم أسخياء بطعامهم، ويأكلون في اليوم مرات، ويغتسلون ويتطيبون ويغسلون شعورهم بالصابون، ولهم حمامات يصنعونها لاستخراج فضول الأبدان بحجارة محماة يضعون عليها الكراسي ويصبون فوق تلك الحجارة الماء، فيرتفع لذلك بخار يسيل عرق الأبدان، وإذا اشتد الحر بافرنجة استحجرت الأرض وكثر الزلق، فلا يركب الفارس إلا على خطر لا سيما إذا نزل المطر على النهر، وإذا نزل الثلج على ذلك الجمد تسهلت الأرض وأمكن الركوب. طرطوشة (١) : من بلنسية إلى طرطوشة مائة ميل وعشرة أميال، مسيرة أربعة أيام، وهي في سفح جبل، ولها سور حصين، وبها أسواق وعمارات وضياع وفعلة، وإنشاء المراكب الكبار من خشب جبالها وبجبالها خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ الصواري والقرى، وهو خشب أحمر صافي البشرة بعيد التغير لا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره من الخشب، ومنها إلى طركونة خمسون ميلاً، وبينها وبين البحر الشامي عشرون ميلاً. وقصبة طرطرشة على صخرة عظيمة سهلة الأعلى وفي الشرق من القصبة جبل الكمين (٢) ، وهو جبل أجرد، والمصلى والمدينة في غربي القصبة وجوفيها، وعلى المدينة سور صخر من بناء بني أمية على رسم أولي قديم، ولها أربعة أبواب، وأبوابها كلها ملبسة بالحديد، ولها أرباض من جهة الجوف والقبلة، ودار الصناعة، قد أحدق على ذلك كله سور صخر حصين بناه عبد الرحمن بن النظام، وبها جامع من خمس بلاطات، وله رحبة واسعة، بني سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وبها أربعة حمامات، وسوقها قي الربض القبلي جامعة لكل صناعة ومتجر، وهي باب من أبواب البحر ومرفأ من مرافئه يحلها التجار من كل ناحية، وهي كثيرة شجر البقس، ومنها تفترق إلى النواحي، وخشبها الصنوبر له خاصية في الجودة تفوق جميع خشب الأمصار. وقصبة طرطوشة من المنعة والسمو في حد لم يستوفه بالصفة إلا عبد الملك بن ادريس الكاتب المعروف بالجزيري (٣) حين سجنه بها المنصور بن أبي عامر فقال يصف حاله هناك من قصيدة طويلة مشهورة: في رأس أجردَ شاهقٍ عالي الذرى ... ما بعده لمؤملٍ من مبصر يهوي إليه كل أجرد ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر ويكاد من يرقى إليه مرة ... من دهره يشكو انقطاع الأبهر وأول هذا الشعر: ألوى بعزم تجلدي وتصبري ... نأي الأحبة واعتياد تذكري شحط المزار ولا مزارَ ونافرت ... عيني الهجوعَ فلا خيال يعتري وقصرت عنهم فاقتصرت على جوى ... لم يدع بالواني ولا بالمقصر ومن أهل طرطوشة الفقيه الإمام الزاهد أبو الوليد الطرطوشي الفهري (٤) نزيل الاسكندرية، صاحب التعليقة في الخلاف وكتاب

стр. 408

" الحوادث والبدع " وغير ذلك، سكن بغداد وتفقه على أبي بكر الشاشي، وسمع بها الحديث، وهو مالكي المذهب، قالوا: وزهده أكثر من علمه، وانتفع به جماعة، وأنجب أكثر من مائتي فقيه مفت، ومن كبار أصحابه أبو الطاهر بن عوف وسند بن عنان الأزدي، وعاصر الغزالي، وله في إحيائه كلام، وكان منحرفاً عنه سيء الاعتقاد فيه، وكانت وفاته بعد العشر والخمسمائة. طركونة (١) : بالأندلس، بينها وبين لاردة خمسون ميلاً، وطركونة مدينة أزلية، قاعدة من قواعد العمالقة، وجعلها قسطنطين في القسم الثالث من الأندلس، وأضاف إليها مدن ذلك القسم. وهي مبنية (٢) على ساحل البحر الشامي ومعالمها باقية لم تتغير، وأكثر سورها باق لم يتهدم، وهي أكثر البلاد رخاماً محكماً، وسورها من رخام أسود وأبيض، وقليلاً ما يوجد مثله. ومن الغرائب بطركونة أرحاء نصبها الأول تطحن عند هبوب الريح وتسكن بسكونها. وذكر أهل العلم باللِّسان اللطيني أن معنى طركونة الأرض المشبهة بالمعجنة (٣) ، وكانت في قديم الزمان خالية لأنها كانت فيما بين حد المسلمين والروم، والأحناش بها مؤذية كثيرة، ومياهها كثيرة، وبها أساطين رفيعة مما تضل الأوهام في حكمته، ويعجز المتكلفون اليوم عن صنعته. وذكر شيخ ثقة من أهل شبرانة يقال له ابن زيدان أنه كان يخرج في السرايا إلى تلك الناحية، فنزل في بعض خرجاته مع جماعة من أصحابه في البنيان الذي تحت مدينة طركونة، فأرادوا التحوّل منه فضلوا ولم يهتدوا منه لمخرج، وترددوا كذلك ثلاثة أيام حتى اهتدوا في آخر اليوم الثالث لما أراد الله تعالى من إبقائهم، وزعم قوم أنهم وجدوا هناك بيوتاً مملوة قمحاً وشعيراً من الأزمان السالفة قد اسودّ حبّه وتغير لونه، وفي هذه المدينة يكمن المسلمون عند طلب الفرصة في الغزو، وفيها يكمن العدو أيضاً للمسلمين. طراقية (٤) : مدينة تلي من ناحية الشرق مدينة القسطنطينية، ومن ناحية الجوف إلى الأشبان، ومن ناحية الغرب بلاد مجدونية (٥) ، سميت بطراقي بن يافث، وزعموا أن أهلها أول من عمل اللجم للخيل وأنهم الذين ابتدعوا رياضة الخيل والبيطرة. طريف (٦) : جزيرة طريف على البحر الشامي في أول المجاز المسمى بالزقاق، ويتصل غربيها ببحر الظلمة، وهي مدينة صغيرة عليها سور تراب، ويشقها نهر صغير، وبها أسواق وفنادق وحمّامات، ومن جزيرة طريف إلى الخضراء ثمانية عشر ميلاً. وكتب موسى بن نصير إلى الوليد يستأذنه في اقتحام الأندلس فراجعه: خضها بالسّرايا ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال، فراجعه: ليس ببحر زخار، إنما هو خليج يبين للناظر ما خلفه، فجاوبه: وإن كان، فلا تدعنّ (٧) اختباره بالسرايا قبل اقتحامه، فبعث موسى رجلاً من مواليه من البربر اسمه طريف يكنى أبا زرعة في أربعمائة رجل معهم مائة فرس في أربعة مراكب، فنزل بالخضراء التي هي معبر سفائنهم، وهي التي يقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها فأغار عليها، فأصاب سبياً لم يرَ موسى ولا أصحابه مثله حسناً، ومالاً جسيماً وأمتعة وذلك سنة إحدى وتسعين. الطران: مدينة للمسلمين تلي بلاد الأتراك، وبينهم حصون منسوبة إليهم، ويليها من شمالها الترك الخرلخية، وبينهم في أكثر الأوقات حروب وغارات، وإذا كانت الهدنة كانت بينهم تجارات ومعاملات (٨) بالأمتعة والسائمة والأبقار. طَرْيانة (٩) : من كور اشبيلية بالأندلس، بها كان ألفنش بن فرذلند الطاغية، واعد قواد جيوشه للاجتماع فيها عام الزلاقة لمحاصرة

стр. 409

ابن عباد باشبيلية في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فأخلف الله ظنه وعكس عليه أمله، وكان ما كان في الزلاقة من نصر الله تعالى للمسلمين والفتح لهم فله الحمد، وقد مرَّ ذلك في رسم الزلاقة. ومن كلام عامة اشبيلية: " يفتك وطريانة تؤدي الجعل ". طلمنكة (١) : مدينة بثغر الأندلس، بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن منها أحمد بن محمد بن عبد الله بن لب بن يحيى المعافري الطلمنكي المقرئ (٢) ، وبينها وبين وادي الحجارة عشرون ميلاً. طليطلة (٣) : بالأندلس بينها وبين البرج المعروف بوادي الحجارة خمسة وستون ميلاً، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس لأن منها إلى قرطبة تسع مراحل، ومنها إلى بلنسية تسع مراحل أيضاً، ومنها إلى المرية في البحر الشامي تسع مراحل أيضاً. وطليطلة (٤) عظيمة القطر كثيرة البشر، وهي كانت دار الملك بالأندلس حين دخلها طارق، وهي حصينة لها أسوار حسنة وقصبة حصينة، وهي أزلية من بناء العمالقة، وهي على ضفة النهر الكبير، وقلما يرى مثلها إتقاناً وشماخة بنيان، وهي عالية القدر حسنة البقعة، ولها قنطرة من عجائب البنيان، وهي قوس واحدة، والماء يدخل تحتها بعنف وشدة جري، ومع آخر (٥) النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة. وكانت طليطلة دار مملكة الروم، وكان بطليطلة بيت مغلق متحامى الفتح على الأيام، عليه عدة من الأقفال، يلزمه قوم من ثقات القوط قد وكلوا به لئلا يفتح، قد عهد الأول في ذلك إلى الآخر، فلما قعد لذريق ملكاً أتاه أولئك الموكلون بالبيت يسألونه أن يقفل على الباب فقال: لا أفعل حتى أعلم ما فيه ولا بد لي من فتحه، فقالوا: أيها الملك إنه لم يفعل هذا أحد قبلك، فلم يلتفت إليهم ومضى إلى البيت، فأعظمت ذلك العجم، وضرع له أكابرهم، فلم يفعل، وظن أنه بيت مال قد اختزنته الملوك، ففض الأقفال عنه ودخل، فأصابه فارغاً لا شيء فيه إلا تابوتاً عليه قفل، فأمر بفتحه فألفاه أيضاً فارغاً ليس فيه إلا شقة مدرجة صورت فيها صور العرب، عليهم العمائم وتحتهم الخيول العراب متقلدي السيوف متنكبي القسي رافعي الرايات على الرماح، وفي أعلاها أسطر مكتوبة بالعجمية، قرئت فإذا فيها: إذا كسرت الأقفال عن هذا البيت، وفتح هذا البيت فظهر ما فيه من هذه الصور، فإن هذه الأمة المصورة في هذه الشقة تدخل الأندلس فتغلب عليها وتملكها، فوجم لفريق وندم على ما فعل وعظم غمه وغم العجم لذلك، وأمر بردّ الأقفال وإقرار الحراس وأخذ في تدبير ملكه وذهل عما أنذر به، إلى أن كان من أمر يليان عامل لذريق على سبتة وأمر ابنته في الخبر المشهور ما سبب إثارة عزمه على إدخاله العرب إلى الأندلس، إلى أن كان ذلك وسبب الله فتحها بسبب ذلك، وما بعد ذلك يذكر في غير هذا المكان. ووجد (٦) أهل الإسلام فيها ذخائر عند افتتاح الأندلس كادت تفوت الوصف كثرة، فمنها مائة وسبعون تاجاً من الذهب مرصعة بالدر، وأصناف الحجارة الثمينة، ووجد فيها ألف سيف مجوهر ملوكي، ووجد بها من الدر والياقوت أكيال وأوساق، ومن آنية الذهب والفضة وأنواعها ما لا يحيط به وصف، ووجد بها مائدة سليمان بن داود ﵉، وكانت فيما يذكر من زمردة وهذه المائدة اليوم بمدينة رومة. وزعم رواة العجم أنها لم تكن لسليمان ﵇، قالوا: وإنما أصلها أن العجم في أيام ملكهم كان أهل الحسبة في دينهم إذا مات أحدهم أوصى بمال للكنائس، فإذا اجتمع عندهم ذلك المال صاغوا منه آلات من الموائد والكراسي وغيرها، من الذهب والفضة، يحمل الشمامسة والقسوس فوقها مصاحف الأناجيل إذا أبرزت في أيام المناسك، ويضعونها على المذابح في الأعياد للمباهاة بزينتها، فكانت تلك المائدة بطليطلة مما صنع في هذه السبيل، وبالغت الأملاك في تحسينها، يزيد الآخر منهم فيها على الأول، حتى برزت على جميع ما اتخذ من تلك الآلات وطار الذكر بها كل مطار، وكانت مصوغة من خالص الذهب

стр. 410

مرصعة بفاخر الدر والياقوت والزبرجد، لم تر العين مثلها بولغ في تحسينها من أجل دار المملكة وأنه لا ينبغي أن يكون بموضع آلة جمال إلا ما يكون فيها وكانت توضع على مذبح كنيسة طليطلة فأصابها المسلمون هناك، وقصة إيصالها إلى سليمان بن عبد الملك، ومنازعة موسى بن نصير وطارق مولاه في رجلها مشهورة. قال ابن حيان: مضى طارق خلف فرار أهل طليطلة فسلك إلى وادي الحجارة ثم استقبل الجبل فقطعه، فبلغ مدينة المائدة، والمائدة خضراء من زبرجد، حافاتها منها وأرجلها، وكان لها ثلثمائة وخمسة وستون رجلاً، فأحرزها عنده. وبطليطلة (١) بساتين محدقة وأنهار مخترقة ودواليب دائرة وجنّات يانعة وفواكه عديمة المثال ولها من جميع جهاتها أقاليم وقلاع منيعة، وعلى بعد منها في جهة الشمال الجبل العظيم المعروف بالشارات، فيه من الغنم والبقر الشيء الكثير الذي يتجهز به الجلابون إلى سائر البلاد، ولا يوجد شيء من أبقاره وأغنامه إلا في غاية السمن، ولا يوجد مهزولاً البتة، ويضرب بها المثل في ذلك في جميع الأقطار بالأندلس، وعلى مقربة من طليطلة قرية تسمى بمغام في (٢) جبالها وترابها الطين المأكول يتجهز به إلى مصر والشام والعراق، ليس على قرار الأرض مثله في لذة أكله وتنظيف غسل الشعر به، وفي جبال طليطلة معادن الحديد والنحاس. وزعموا أن (٣) معنى طليطلة باللطيني " تولاطو " - معناه " فرح ساكنها " يريدون لحصانتها ومنعتها، وفي كتب الحدثان كان يقال: طليطلة الأطلال، بنيت على الهرج والقتال، إذا وادعوا الشرك، لم يقم لهم سوقة ولا ملك، على يد أهلها يظهر الفساد، ويخرج الناس من تلك البلاد. ومدينة طليطلة قاعدة القوط ودار مملكتهم، ومنها كانوا يغزون عدوهم، وإليها كان يجتمع جيوشهم، وهي إحدى القواعد الأربع، إلا أنها أقدمهن، ألفتها القياصرة مبنية، وهي أول الإقليم الخامس من السبعة الأقاليم التي هي ربع معمور الأرض، وإليها انتهى حدّ الأندلس، ويبتدئ بعدها الذكر للأندلس الأقصى، أوفت على نهر تاجُه، وبها كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها، وكان خرابها في أيام الإمام محمد. ومن خواص طليطلة أن حنطتها لا تسوس على مَرِّ السنين، يتوارثها الخلف عن السلف، وزعفران طليطلة هو الذي يعم البلاد ويتجهز به إلى الآفاق، وكذلك الصمغ السماوي (٤) . وأول من نزل (٥) طليطلة من ملوك الأندلس لوبيان وهو الذي بنى مدينة رقوبل (٦) ، وهي على مقربة من طليطلة وسماها باسم ولده: ومنها ولى الأساقفة على الكور، وبها مجتمعهم للمشورة، وكان عددهم ثمانين أسقفاً لثمانين مدينة من حوز الأندلس كجليقية، وطركونة وقرطاجنة، وكانت قبل ولايته فرقاً، فائتلف أمر الناس وانقطع الاختلاف وأحبه الخاص والعام، وهو الذي بنى الكنائس الجليلة والمعالم الرفيعة، وبنى الكنيسة المعروفة بالمردقه (٧) واسمه مزبور على بابها، وهي بين حاضرة البيرة ووادي آش. وبطليطلة ألفيت ذخائر الملوك، وعلى مقربة من طليطلة قرية قنبرشه (٨) وهي حارتان فيهما عينا ماء، إذا نضبت إحداهما جرت الأخرى، هذا دأبهما كل عام، ماؤهما متعاقب لا يجري في زمان واحد، وغربيها على نحو عشرين ميلاً منها تمثالان عظيمان على صورة ثورين قد نحتا من حجر صلد وذكر بعض المؤرخين أن طارقاً لما غزا طليطلة اعترض جنده وهو راكب أحدهما. قالوا: لما مضى طارق بن زياد إلى طليطلة دار مملكة القوط، ألفاها خالية قد فرَّ أهلها عنها، فضمَّ إليها اليهود، وخلى بها رجالاً من أصحابه ومضى خلف فرَّار أهل طليطلة، فسلك إلى وادي الحجارة، ومنه اقتحم أرض جليقية فخرقها ودوخ الجهة ثم انصرف إلى طليطلة وذلك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة. وفي سنة خمسين وأربعمائة نتجت بغلة بطليطلة (٩) فلواً في

стр. 411

صورة مهر، وكانت بغلة كميتاً لبعض السائقين، فتشاءم به النصارى، ولم يزالوا يختلونه حتى عقروه. وبقلعة الفهمن (١) من جوفي طليطلة على خمسة عشر ميلاً منها بئر لم يعرف فيها قط علق، فنبشت في بعض السنين ليكثر ماؤها، فكثر العلق فيها كثرة مفرطة فنظروا فيما استخرجوه من نبشها فإذا فيه علقة نحاس فردت في البئر فانقطع العلق منها، وقيل إنما ذلك في حصن وقش في عين بجوفي الحصن، وفي قرية على عشرة أميال من طليطلة في طريق مجريط بئر معروفة، إذا شرب من مائها المعلوق سقطت العلق، كان إنساناً أو دابة أو غير ذلك. وكان أخذ النصارى لطليطلة في منتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. طلياطة (٢) : بالأندلس بينها وبين اشبيلية محلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة محلة مثلها. وفي جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وستمائة كانت الوقيعة على أهل اشبيلية بفحص طلياطة، فأغار الروم الغربيون على تلك الجهة فغنموا ما وجدوا واستاقوا ما أصابوا، والعادل صاحب المغرب يومئذ باشبيلية ووزيره أبو زيد بن يوجان (٣) ، ومعهما أهل الدولة وأشياخ الأمر، ولا غناء لديهم ولا مدفع عندهم، إذ كان الأمر قد أدبر، ورونق الدولة قد تغير، ومن نزلت به من الناس مصيبة أو أغير له على سرح لم يرج مغيثاً ولا يجد نصيراً، وكان خبر هؤلاء الروم بلغ اشبيلية قبل ذلك بأيام، واجتمع جمع كثير من العامة في المسجد الجامع، فلما فرغ من صلاة الجمعة قاموا فصاحوا بالسلطان يحملونه على الخروج، فلما كان يوم السبت خرج المنادي ينادي الناس بالخروج إلى العدو، فأخذوا في ذلك وتجهزوا، وخرج بعضهم في ذلك اليوم، ولما كان يوم الأحد جد بالناس الخروج، فخرجوا على كل صعب وذلول، كبارهم وصغارهم، بسلاح وبغير سلاح، كما يخرجون إلى نزههم في البساتين والجنات، فتكامل جمعهم في جهة طلياطة يوم الأحد، ولم يخرج معهم من الخيل إلا دون المائة، والروم في عدد ضخم، عليهم الدروع وبأيديهم الأسلحة، وأكثر جمع (٤) المسلمين بغير سلاح إلا ما لا قدر له، وإنما هم أهل الأسواق والباعة، وكان فيمن خرج من الجند أبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن وزير (٥) ، وهو أعلم بالحرب من هؤلاء الرعاع والغوغاء الذين لا يعقلون، فصاحوا به أن يصير بهم إلى لقاء العدو، فأبى عليهم ونهاهم وحذرهم، فأبوا عليه إلا اللقاء وسبوه وآذوه بالقول، فتركهم وانصرف عنهم هو ومن كان معه من الخيل، إذ رأوا ما لم يروه، وعاينوا ما لم يعاينوه، وأبصروا ما لا طاقة لهم به، فلما رأى الروم ذلك مالوا على أولئك العامة، فلما رأوهم مستقبلين لهم أخذوا في الفرار فوقع القتل بهم، فأفني منهم بالقتل كثير، وأسر منهم كثير، وأفلت كثير، وكان الناس بعد يختلفون في مقدار من أتى القتل عليه من أهل اشبيلية والأَسْرُ، فمقلل ومكثر، فالمكثر يقول بلغوا عشرين ألفاً، وقيل دون ذلك، فالله أعلم. وخرج العادل من اشبيلية متوجهاً إلى حضرة مراكش في ذي القعدة من هذه السنة، وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة. طلبيرة (٦) : بالأندلس أيضاً، بينها وبين وادي الرمل خمسة وثلاثون ميلاً. وطلبيرة (٧) أقصى ثغور المسلمين، وباب من الأبواب التي يدخل منها إلى أرض المشركين، وهي قديمة أزلية على نهر تاجه، وهي في الجزء الثالث من قسمة قسطنطين، وهي مبنية على جبل عظيمٍ، يخرج من تحته عين خرارة، يطحن على جريها عشرون رحى. وهي مدينة (٨) كبيرة وقلعتها أرفع القلاع حصناً، ومدينتها أشرف البلاد حسناً، وهو بلد واسع الساحة كثير المنافع به أسواق وديار حسنة، ولها على نهر تاجه أرحاء كثيرة، ولها عمل واسع ومزارعها زاكية وبينها وبين طليطلة سبعون ميلاً. طنجة (٩) : مدينة بالمغرب قديمة على ساحل البحر، فيها آثار

стр. 412

كثيرة للأول وقصور وأقباء، وكان فيها ماء مجلوب، وبخارجها عين ماء طيب يسمونه برقال، ويقال إنه يحدث الحمق لشاربه، فهم يعيرون بذلك فيقال لمن تهافت منهم: شربت ماء برقال، لا جناح عليك، وقال الشاعر: بطنجة عين ماء وسط رمل ... لذيذ ماؤه كالسلسبيل خفيف وزنه عذب ولكن ... يطير بشاربيه ألف ميل وبين طنجة (١) وسبتة ثلاثون ميلاً في البر، وفي البحر نصف مجرى وتعرف طنجة بالبربرية " وليلي " افتتحها عُقْبة بن نافع وقتل رجالها وسبى من فيها، وهي على شاطئ بحر الزقاق. وكان (٢) فيها رخام كثير وحجر منحوت جليل، ومنها كانت القنطرة على بحر الزقاق إلى ساحل الأندلس التي لم يكن في العالم مثلها، وكانت تمر عليها القوافل والعساكر من ساحل طنجة إلى ساحل الأندلس، فلما كان قبل الفتح الإسلامي (٣) طغى ماء البحر وزاد وخرج من البحر المحيط إلى بحر الزقاق، وأغرق هذه القنطرة، وكان طولها اثني عشر ميلاً وسعة المجاز اليوم في موضعها ثلاثون ميلاً أو نحوها، وتبدو هذه القنطرة لأهل المراكب فيتحفظون منها، ويقال إنها ستنكشف في آخر الزمان ويجوز عليها الناس، والله أعلم. قالوا: وطنجة آخر حدود إفريقية من المغرب ومسافة ما بين طنجة والقيروان ألفا (٤) ميل، وهي طنجة البيضاء المذكورة في التواريخ وقيل أن عمل طنجة مسيرة شهر في مثله وأن ملوك المغرب من الروم وغيرهم من الأمم كانت دار مملكتهم مدينة طنجة، وإذا حفرت خرائب طنجة وجدت فيها (٥) أصناف الجوهر وهو يدل على أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة، ولطنجة نهر كبير تدخله السفن يصب في البحر، يأتي من جبال بغربي طنجة وتأتي منه سيول عظام تذهب ببعض دورها. قالوا: عقد الوليد لموسى بن نصير على إفريقية وما خلفها سنة ثمان وثمانين، فخرج في نفر قليل، فلما ورد مصر أخرج من جندها بعثاً فأتى إفريقية فأخرج معه من أهلها ذوي القوة، وصير على مقدمته طارق بن زياد، فلم يزل يقاتل البربر ويفض جموعهم ويفتح بلادهم حتى بلغ طنجة، وهي قصبة بلاد البربر، فحصرها حتى افتتحها، واختلف: هل كانت فتحت قبله أو لا. طفيل (٦) : جبل قريب من الجحفة، وهو وشامة جبلان مشرفان على مجنة، وهي على بريد من مكة، وأظنه الذيَ غنى به بلال ﵁ بقوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحولي إِذخر وجليلُ وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل الطف (٧) : ساحل البطيحة، وهو بين البصرة والأهواز. والطف أيضاً بالعراق على فرسخين من البصرة، وهناك الموضع المعروف بكربلاء الذي قتل فيه الحسين بن علي ﵄، وقال الشاعر فيه: وإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلَتِ وبالطف كان قصر أنس بن مالك ﵁، وفيه مات ﵀ سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن مائة عام وثلاثة أعوام. وكان مقتل الحسين ﵁ بالطف في محرم سنة إحدى وستين لعشر خلون من المحرم، وله ست وخمسون سنة وخمسة أشهر وثلاثة أيام، قتله شمر بن ذي الجوشن، وقيل سنان بن أبي أنس، وصاحب الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص، وحمل رأسه إلى

стр. 413

يزيد بن معاوية، وهو أول رأس حمل على خشبة في الإسلام، وكان أهل الكوفة خاطبوه في الوصول إليهم، فأقبل يريدها، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد، فكتب إلى يزيد بن معاوية يعلمه بذلك فكتب إليه أن ضع عن أهل الكوفة خراجهم، ثم أتبعه بكتاب آخر: بلغني أن أهل الكوفة أصابتهم سنة فأعطهم عطاء ثانياً واستعطفهم، فلا رأي لي في حرب الحسين ﵁، فاعمل في صرفه إلى موضعه، ووجهه إلى حيث أحب واستعطفهم، فأنكروا ما نسب إليهم من البعث إلى الحسين ﵁ وحلفوا على ذلك، وآل الأمر إلى ما قدر من مقتله، وخبر ذلك مشهور مطول. وحدَّث رجُل من أهل الكوفة قال: اشتد الجهد بي وبعيالي، وجهدنا حتى والله نقضت منزلي، وبعت نقضه، فخرجت بهم إلى البصرة فنزلت في ناحية من نواحيها وكان لي حمار كأنه شاة أدب عليه فأصبحت يوماً من الأيام فقلت: أسرجوا لي الحمار فقالت: يا مولاي، والله ما أكل شعيراً منذ أيام وما أصبح لنا دقيق " فقلت: الله المستعان، اسرجي، فقالت: كيف يحملك؟ قلت: اسرجيه على كل حال، قال: فأسرجته فركبته، فخرجت في ظهر البصرة فإذا موكب مقبل من ناحية الطف، فلما دنوا دخلت بينهم، فدخلوا البصرة فدخلت معهم، وانتهى صاحب الموكب إلى داره، فإذا دهليز مفروش، فنزلوا فنزلت معهم، فدعا بغدائه فجاء أحسن طعام في الأرض، فتغدّوا فتغدّيت معهم، ثم وضئنا ثم غلفنا الغالية، ثم قال: يا غلمان، هاتوا سفطاً، فجاءوا بسفط أبيض عظيم فأدخلوه فحلوه فإذا ملؤه أكيسة فيها ألف درهم ألف درهم فأمرَّها على أصحابه ومر بي فأعطاني كيساً ثم أدارها الثانية فأعطاني كيساً ثم ثلث فأعطاني كيساً وبقي في السفط كيس فأخذه بيده ثم قال لي: هاك يا هذا الذي لا أعرفه، فخرجت من عنده بأربعة أكيسة فيها أربعة آلاف درهم فلما خرجت من الدار قلت لإنسان: من هذا؟ قال: عبيد الله بن أبي بكرة، وقال فيه بعض الشعراء: لو شيت لم تشقَ ولم تنصَبِ ... عشت بأسباب أبي حاتمِ عشت بأسباب الجواد الذي ... لا يختم الأموال بالخاتم طشالية (١) : أرض بين الروم والترك، فيها عينان تجريان ويكون عنهما نِهران، إن شربت الماشية من إحداهما اسودت ووضعت سوداً، والأخْرى إن شربت منها الماشية وضعت أولادها بُلْقاً. طوى (٢) : ذو طوى، واد بمكَة، لما انتهى إليه رسول الله ﷺ عام الفتح وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حِبَرة حمراء، وأنه ليضع رأسه تواضعاً لله تعالى، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطةَ الرحل. وطوى، بكسر أوله وبضمه مقصور منون: اسم واد في أصل الطور بالشام، وهو المذكور في التنزيل. طوقين: هي أول مرافئ الصين، وبها يعمل الغضار الصيني، ومنها يتجهز به إلى سائر البلاد التي تتصل بها وتبعد عنها وبها أرز وحبوب ونارجيل وقصب، وهم يجالسون التجار، ولهم همم عالية ونفوس أبية، ويستعملون الطيب أكثر من سائر بلاد الهند. الطور: قال بعض أهل اللغة: كل جبل طور وقال آخرون: الطور كل جبل أجرد لا ينبت شجراً ولا خلاف أن في الشام جبلاً يسمى الطور وهو طور سيناء، قيل إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال، إذ روي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال إني مهبط على أحدكم أمري يريد رسالة موسى ﵇، فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله وقال: حسبي الله، فأهبط الله الأمر عليه، ويقال إنه بمدين. وفي حديث مُسْلِم في خبر الدجّال (٣) : فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم ﵉، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعاً كفيه على أجنحة ملكين فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قوم عصمهم الله تعالى فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو

стр. 414

كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فجوز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. . . الخبر بكماله. ومن مدينة أيلة إلى بيت المقدس ست مراحل والطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇ على يوم وليلة من أيلة، وإذا سرت من أيلة (١) لقيت عقبة لا يصعد لها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلا في طول اليوم لطولها، ثم تسير مرحلتين في فحص التيه الذي تاه فيه بنو إسرائيل حتى توافي ساحل البحر بموضع يقال له بحر فاران وهو الذي غرق فيه فرعون، ومن هنا إلى بحر القلزم مرحلة واحدة، وإنما نسب هذا البحر إلى فاران وهي مدينة من مدن العماليق على تل بين جبلين، وفي هذين الجبلين ثقوب لا تحصى مملوءة أمواتاً، وفي سفح أحدهما بيعة للنصارى حصينة عليها سور من حجارة ذو شرفات وأبواب حديد داخله عين ماء عذب، وعلى العين درابزين من نُحاس لئلا يسقط فيه أحد وقد أجري ماؤها في قني رصاص إلى ما حوالي الدير من الكروم والأشجار، ويقال إن على هذه العين كان ثمر العليق الذي آنس موسى ﵇ عنده النار، وعلى خطوات من هذا الدير أول العقبة التي يصعد منها الناس إلى طور سيناء وهي ستة آلاف وستمائة وستون مرقاة قد نحتت درجات في الصخر، فإذا قطعت نصف المرقاة صرت إلى مستوى من الأرض فيه أشجار وماء عذب وهناك كنيسة على اسم ايلياء النبي، وهناك مغارة يزعمون أن إيلياء استخفى فيها من أزقيل الملك، ثم تستمر في الارتقاء حتى تنتهي إلى قلة الجبل، وهناك كنيسة متقنة البناء تنسب إلى موسى ﵇ بأساطين رخام وحيطانها مزخرفة بالفسيفساء، وأبوابها ملبسة بالصفر وسقفها من خشب الصنوبر وأعلاها أطباق رصاص قد أحكمت غاية الإحكام وليس فيها إلا إنسان واحد يقمها ويقوم عليها ويجمرها ويسرج قناديلها، قد اتخذ هذا الراهب لنفسه بيتاً صغيراً خارجاً عن الكنيسة يأوي إليه وينام فيه، ولا يمكن أحد أن ينام في الكنيسة ولا يدخل عينيه غمض. وهذه الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى ﵇ تكليماً. قالوا: وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ إني متوفي هارون فأتِ به جبل كذا فانطلق موسى وهارون إلى ذلك الجبل فإذا فيه شجر وبيت مبني، وإذا فيه سرير وعليه فرش، فلما نظر هارون إليه أعجبه وقال: يا موسى، إني أحب أن أنام على هذا السرير فقال: نم عليه، فقال: إني أخاف ربَّ البيت، قال موسى: أنا أكفيك. فلما نام هارون قبض الله روحه، ثم رفع ذلك البيت وذلك السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، وكان هارون أعطف عليهم. وقيل: بل هو مدفون في جبل من جبال الشراة مما يلي الطور، وقبره مشهور في مغارة عادية يسمع منها في بعض الليل دوي عظيم يجزع منه كل ذي روح وقيل: بل هو موضوع في المغارة غير مدفون. طوخا (٢) : مدينة على نهر الصين عامرة بالناس فيها تجار وبضائع وبها تصنع الثياب الطوخيّة من الحرير ولها قيمة وافرة ويتجهز بها منها إلى البلاد وهي ثياب مطرقة كالعتابية، وفيها ثياب مريشة يعمر الثوب منها كثيراً. طوارق (٣) : من قصور قفصة في البلاد الجريدية، وهي منتصف الطريق من قفصة إلى فج الحمار وأنت تريد القيروان، وكانت مدينة كبيرة آهلة فيها جامع وكانت القوافل إذا خطرت بين هذه القصور تكعم إبلها ودوابها لئلا ترعى ورق الشجر لكثرته على تلك الطريق، وهي اليوم خربة لا أنيس بها منذ دخلت العرب بلاد إفريقية وأفسدت بلاد القيروان وغيرها من البلاد والقرى والعمائر وكثير من المدن بإفريقية. طوس (٤) : مدينة من نيسابور على مرحلتين، وقيل على ستة عشر فرسخاً. وطوس العظمى يقال لها نوقان، وهي مدينة كبيرة حسنة المباني كثيرة الأسواق شاملة الأرزاق عامرة الأمكنة رائقة الجهات ولها مدن بها منابر. ولمّا فتح ابن عامر (٥) مدينة نيسابور قيل صلحاً وقيل عنوة فتح ما حولها طوس وبيورد ونسا وحُمران وسرخس، وقيل

стр. 415

بعث إلى سرخس عبد الله بن خازم ففتحها. وبطوس قبر الرشيد أمير المؤمنين وفيها توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين. وكان الرشيد (١) توجّه إلى خُراسان وبه علة هوّنها عليه الأطباء، فلما صار إلى طوس اشتدت به وزادت، واستراب بأطبائه، فبعث إلى متطبب فارسي يقال له الأسقف، فأشخصه إليه، وأمر بقوارير فيها أبوال مختلفة فعرضت عليه، فقال فيها حتى انتهى إلى قارورة الرشيد فقال: قولوا لصاحب هذا الماء فليدع الحمية وليوص، فإنه لا يقوم من مرضه، فبكى الرشيد بكاء شديداً وتململ (٢) على فراشه وجعل يردد هذين البيتين: إن الطبيب بطبَهِ ودوائِهِ ... لا يستطيع دفاع محذور أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرئ مثله فيما مضى وضعف عندما سمع من الطبيب ضعفاً زائداً، وأرجف الناس بموته فلما بلغه ذلك دعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يقدر على الثبات على السرج، فقال: أنزلوني، صدق المرجفون، ثم دعا بأكفانه فنشرت بين يديه، فاختار منها ما رضيه وحفر له قبر فلما اطلع فيه قال: " مَا أَغْنىَ عنّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَني سُلْطانِيَهْ ". وذكر الفضل بن الربيع (٣) أن الرشيد رأى بالرافقة سنة اثنتين وتسعين ومائة رؤيا أَفزعته فأصبح واجماً بذلك، لا يجسر أحد على سؤاله وكان بختيشوع طبيبه جسوراً عليه، وكان أول من يدخله عليه فسأله عما أحدث في ليلته، فسألناه أن يكلمه، فابتدأه وقال: يا أمير المؤمنين قد وجم أهل الدار ولا يدرون ما الخبر، فهل حدث شيء؟ قال: أعظمه، ويحك يا بختيشوع، إني رأيت في منامي كأن خادماً جاءني حاسراً عن ذراعيه وفي كمه تراب، والله لو رأيت الخادم أو الكف أو التراب في ألفٍ من أجناسه لعرفت كلاً منها، فجعل يقول لي: هذه تربتك، فأفزعني ذلك، وحق لي الفزعَ، فقال له: وما في هذا يا أمير المؤمنين، وللرؤيا شروط، ولا بد للإنسان من التراب، ولكن أنت إن شاء الله تعالى بعد العمر الطويل والأمد الواسع، وما زال يسليه (٤) حتى طابت نفسه وسلا ودعا بالجلساء والمغنين، ثم خرج إلى خُراسان في سنة ثلاث وتسعين بعدها، وقد طوى بغداد، وصيرها منزلاً ووافى إلى طوس وقد زادت علته، فأقام بها وقال للخدم ليجئني أحدكم بقبضة من تراب هذا البستان، فجاء واحد منهم بتراب منه في كفه، فأدناه إليه، وقد حسر عنه ذراعيه، فلما رآه قال: يا بختيشوعَ، أتذكر رؤياي بالرافقة؟ هذا والله ذلك الخادم، وهذه الكف، وهذا التراب، وقد حضر الموت، فغالطه بختيشوع وقال: إنما أراك هذا ما وقر في نفسك، وأنت مع العلة إلى الفكر في غير هذا أحوج، فمات بعد أيام ودُفن في ذلك البستان. وقال الفضل جيء إلى الرشيد بأخي رافع وبابن عم له مأسورين، وهو لما به فتحامل في الجلوس لعذابهما وهو لا يطيق القعود وقد خرق له في السرير خرق ينجو منه، وتحت فراشه جاورس، وقد قعد الخدم خلف السرير يمسكون أطراف جنبيه لئلا يسقط، ولولا مكانهم ما ثبت جالساً، فأقيم الرجلان بين يديه فقال: أظننتم يا آل رافع أنكم لو كنتم بعدد نجوم السماء وحصى الأرض فتّموني؟! بل اصطلمكم بيميني وشمالي، فجعلا يعتذران ويقولان: ما نحن ورافع؟! وإنما نحن قوم غزاة قد انقطعنا إلى الله تعالى ذكره، ما أكلنا له مالاً قط، ولا نحن صحبناه، ولا كنا في جملته، يعلم ذلك الناس. وأغلظ لهما وطال الخطاب، فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: كم تعتذر إلى هذا الظالم والظلم هواه، ولا يملك لك إلا ما يملك لنفسه، فلما سمعهما غضب واستشاط وقال: ليجزر الكلبان الساعة، فصيرا إلى ناحية وبطحا وشدا ووضعت السواطر عليهما فقطعا آراباً، وجزع الناس وقد تناهى ضعف الرشيد بصياحه على الرجلين، وجرد فأغمي عليه بعقب ذلك وكأنه كان ذبالة طفئت، ولحق بهما من يومه فكان شأنه عجباً، وكان إذا اشتدّ به وجعه يقول: صبراً لأمر الله، وينشد: وإني لمن قوم كرام يزيدهم ... رجاء وصبراً شدة الحدثان

стр. 416

وكانت وفاته بطوس في جمادى الأخرى سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة، وكان مولده بالري، وقال للعباس بن موسى: في علمنا المدروس أني أموت بطوس. ولإبراهيم بن المهدي يرثيه: ذكرت أخي هارون وهو ببلدةٍ ... تكلفها شهرٌ وأوبتها شهرُ بطوس ومن تكتب بطوس وفاته ... يطلْ من أخلاء الصفاء له الهجر كملت فلما صرت للأرض زينة ... أفلت عن الدنيا كما يأفل البدر فما الخير بالمأمول ما هبت الصبا ... ولا الشر بالمأمون ما برق الفجر وفي الرشيد ودفنه بطوس يقول دعبل، وكان بذيء اللِّسان: قبرانِ في طوس خير الناس كلهم ... وقبر شرّهم هذا من العِبرِ لا ينفع الرجس من قرب الزكي ولا ... على الزكي بقرب الرجس من ضرر يعني علي بن موسى الرضا والرشيد، وقبراهما متجاوران بظاهر مدينة نوقان، وهي طوس العظمى، في مشهد حسن في قرية يقال لها مِلياناد، وفيها حصن حصين منيع وفيه قوم معتكفون. وبنوقان (١) معدن قدور البرام يحمل منها إلى سائر بلاد خُراسان، وفيها معادن النُحاس والحديد والفضة والفيروزج والدهنج وغيرها. ومن أهل طوس الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي رحمة الله عليه. طواويس (٢) : من مدن بخارى، وهي مدينة عامرة لها سوق في وقت من السنة معلوم ويقصده الناس والتجار من جميع أرض خُراسان، ويجلب إليه كثير من الأمتعة، وتحمل منه الثياب المتخذة من القطن إلى بلاد العراق لكثرتها، وبها صناعات، وبها فواكه مختلفة الأجناس وبساتينها كثيرة، ومرافقها موجودة، والمياه تخترق جهاتها، وهي حصينة، وفيها قصبة وسور يدور بها، ومسجدها الجامع في المدينة، ومنها إلى بخارى مرحلة. الطوانة: قال البكري (٣) : طوانة بضم أوله وبالنون، اسم موضع قسطنطينية قبل أن يبنيها قسطنطين. والطوانة (٤) مدينة ببلاد الروم على فم الدرب مما يلي طرسوس، وكان معاوية ﵁ أغزى سفيان بن عوف وأمره أن يبلغ الطوانة، فأصيب معه خلق من الناس، فعم الناس الحزن بمن أصيب بأرض الروم، وبلغ معاوية أن ابنه يزيد لما بلغه خبرهم وهو على شرابه مع ندمائه قال: أهونْ علي بما لاقت جموعهم ... يوم الطوانة من حمى ومن موُم إذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً ... بدير مران عندي أم كلثوم فحلف عليه ليغزون وأردف به سفيان، فسميت هذه الغزاة غزاة الرادفة، وبلغ الناس فيها إلى القسطنطينية، وفيها مات أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، ودفن هناك على باب القسطنطينية؛ وحكي أنه خرج في الصائفة فمرض فأتاه يزيد بن معاوية فقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: ما ازددت عنك وعن أبيك بعد إلا غنىً، إن شئت أن تجعل قبري مما يلي العدو في غير ما يشق على أحد من المسلمين، فلما قبض أبو أيوب ﵁ قبر مع سور القسطنطينية، فلما أصبحوا أشرف عليهم الروم فقالوا: يا معشر العرب، قد كان لكم الليلة شأن، فقالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا ﷺ ووالله لئن نبش لا ضرب ناقوس في أرض العرب. فكان الروم يتعاهدون قبره ويرقبونه ويستسقون به إذا قحطوا. طولقة (٥) : من بلاد الجريد بجوفيّ بنطيوس، وهي ثلاث مدن

стр. 417

كلها عليها أسوار وخنادق وحولها أنهار، وهي كثيرة البساتين بالزيتون والأعناب والنخيل والشجر وجميع الثمار ثم من بنطيوس إلى بسكرة. الطيب (١) : مدينة بالعراق على مرحلة من قرقوب بين واسط والسوس، وليست بكبيرة إنما هي حسنة الذات جامعة لأشتات البركات، وتصنع بها تكك تشبه التكك الأربسية لا يوجد مثلها بعد تكك أرمينية، ويصنع بها كثير من الصنائع لا يجارى صناعها فيها، ولهم (٢) كيس في الأمور وحذق. الطينة: مدينة عند تنيس. طيلاقة (٣) : بينها وبين اشبيلية ميلان. طيبة (٤) : وطابة، اسمان لمدينة النبي ﷺ وتسمى أيضاً: المجبورة والعذراء والمحبة والمحبوبة والقاصمة وجابرة، وسماها الله المدينة، وكذلك كان يسميها رسول الله ﷺ كما قال: " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها "، وقال ﷺ : " إن المدينة تنفي خبثها وتنصع طيبها "، وقال: " اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد " وقال ﷺ : " على أنقاب المدينة ملائكة تحرسها من الطاعون "، وقال ﷺ : " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". وفي " الموطأ " أنه ﷺ قال: " اللهم إني أدعوك للمدينة بما دعاك بمثله إبراهيم لمكة ومثله معه واحتجوا بهذا على فضل المدينة على مكة لدعائه ﷺ لأهل المدينة بمثلي ما دعا به إبراهيم ﵇ لأهل مكّة، وهو أن يرزقهم الله الثمرات وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، يعني يجلبون إليهم الأقوات. ودعا رسول الله ﷺ لأهل المدينة أن يبارك لهم في طعامهم المكيل بالصاع والمد الذي به قوام الأبدان المفترض عليها الطاعات بمثلي ما دعا به إبراهيم ﵇ لأهل مكة. وسمى الله تعالى المدينة دار الإيمان في قوله تعالى " والَذِينَ تَبَوءوا الدار والإيمان " يعني الأنصار وسكان المدينة. وقال ﷺ : " المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومبتدأ الحلال والحرام "، اختار الله تعالى المدينة لرسوله ﷺ لمحياه ومماته، وجعلها دار الهجرة، وهي محفوفة بالشهداء، وعلى أنقابها ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وبها روضة من رياض الجنة، ولو علم عمر بن الخطاب ﵁ بقعة أفضل منها ما دعا الله تعالى أن يموت بها. وقال مالك ﵀ افتتِحَتِ القرى بالسيف، واَفتتحتِ المدينة بالقرآن، وكانت بيعة رسول الله ﷺ في أول قدومه المدينة ألا يخرج أحد عنها فمن خرج كان عاصياً. وفي جبل أْحُد يقول ﷺ : " هذا جبل يحبنا ونحبه " يعني أهله، وهم الأنصار؟ وقال ﷺ : " ما بين لابتيها حرام، يعني الحرتين، إحداهما التي ينزل بها الحاج إذا رجعوا من مكة وهي بغربي المدينة، والأخْرى مما يليها من شرقي المدينة، فما بين هاتين الحرَتين حرام أن يصاد فيها حيوان ومن فعل ذلك أثم، ولم يجعل في صيد حرم المدينة جزاء على ما صيد فيه لعظم شأنه، كما لم يجعل في اليمين الغموس كفارة على من حلف بها لعظم إثمها ومن صاد في حرم المدينة صيداً لم يحل له ملكه. وسأل الله تعالى أن يحبّب إليهم المدينة كحبهم مكة وأشد وأن يصححها من الوباء وأن ينقل حماها إلى الجحفة، وكان أهل الجحفة يومئذ كفَاراً وكان السبب في ذلك حنين بلال ﵁ إلى مكة وقوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي اذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل والإذخر والجليل نباتان طيبان، وشامة وطفيل جبلان من جبال مكة. وسميت في القرآن يثرب حكاية لقول الكفار: يا أهل يثرب، وإنما سميت بيثرب بن فائد بن مهليل بن ارم بن عبيل نزل المدينة هو وولده ومن معه فسميت به، وبنو عبيل ممن درج فلم يتبق لهم باقية. وفي سنة ثلاث وستين ومائتين بنى إسحاق بن محمد تجعدي سور المدينة المعروف عليها اليوم، ولها أربعة أبواب: باب في المشرق وراء دار عثمان بن عفان ﵁ يخرج منه إلى ببيع الغرد، وهناك مدافن أكثر أهلها وهناك قبر إبراهيم ابن النبي

стр. 418

صلى الله عليه وسلم وقبر الحسن بن علي ﵄، وباب في المغرب يخرج منه إلى العقيق وإلى قبة وبين يدي هذا الباب جدول مياه جارية وداخل هذا الباب في حوزة السور موضع المصلى الذي كان ﷺ يصلِّي فيه يوم العيد، وباب ما بين الشمال إلى المغرب، وباب آخر يخرج منه إلى قبور الشهداء بأحُد. وحِمى المدينة اثنا عشر ميلاً. وكانت أمة من العماليق (١) تسمى راسم نزلوا الحجاز، فكان ملكهم بتيماء يقال له الأرقم بن أبي الأرقم، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتواً كبيراً، فلما أظهر الله تعالى موسى على فرعون وأهلك جنوده وطئ الشام وأهله، وبعث بعثاً من بني إسرائيل إلى الحجاز وأمرهم ألا يستبقوا منهم أحداً بلغ الحلم، فقتلوهم حتى انتهوا إلى ملكهم الأرقم بتيماء، فقتلوه إلا ابناً له صغيراً ليرى موسى فيه رأيه، فلما قفلوا به وجدوا موسى ﵇ قد مات، فقال الناس لهم: عصيتم وخالفتم أمر نبيكم وحالوا بينهم وبين الشام، فقال بعضهم لبعض: خير من بلدكم البلد الذي خرجتم منه وكان الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله تعالى وأظهره ماء، فكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز، فنزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب مجتمع السيول وما حول ذلك، واتخذوا الآطام والمنازل، ونزل معهم جماعة من أحياء العرب من بلي وجرْهم، وكانت يثرب أم قُرى المدينة، وهي ما بين طرفي قبة إلى طرف الجرف؛ ثم لما كان من سيل العزم ما كان تفرق أهل مأرب فأتى الآس والخزرج يثرب فرأوا العدد والعدة الآطام ليهود وسألوهم أن يعقدوا بينهم جواراً وحلفاً يأمن به بعضهم من بعض ويمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زماناً طويلاً، ثم أن الآس والخزرج صارت لهم ثروة ومال وعز جانبهم فخافتهم يهود فقطعوا الحلف، وكانت القوة والعدد فيهم، وخافتهم الآس والخزرج فبعثوا إلى من لهم بالشام، فأذلوا يهود، وكانت يثرب تدعى في الجاهلية غلبة، غلب اليهود عليها العماليق، وغلب الآس والخزرج عليها اليهود، وغلب المهاجرون عليها الآس والخزرج (٢) ، وغلبت الأعاجم عليها المهاجرين. والمدينة (٣) في مستو من الأرض سبخة كان عليها سور قديم، وبخارجها خندق محفور، وهي الآن (٤) عليها سور حصين منيع من التراب بناه قسيم الدولة الغزي ونقل إليها جملة من الناس، ورتب (٥) المير إليها وحولها نخل كثير، وتمرها حسن ومنه يتقوتون في معايشهم، وليس لهم زرع ولا ضرع وشرب أهلها من نهر صغير يأتي إليها من جهة المشرق، جلبه عمر بن الخطاب ﵁ من عين كبيرة إلى شمال المدينة وأجراه بالخندق المحتفر بها.

стр. 419

حرف الظاء ظفار (١) : مدينة باليمن وهو اسم مبني على الكسر، قاله أبو عبيدة، وقيل سبيلها سبيل المؤنث لا ينصرف والحجة لهذا القول قول الفند الزماني: إنما قحطان فينا حَطَب ... ونزار في بني قحطان نارُ فارجعوا منا فُلولاً واهربوا ... عائذين ليس تنجيكم ظفار وهي قصبة (٢) اليمن وقاعدة ملوك حِمْيَر في الزمن الأقدم، وبها كان نزولهم، ملكها من حِمْيَر سبعة وثلاثون ملكاً مدتهم ثلاثة آلاف سنة ومائة وسبعون سنة، وقيل أقل من ذلك، وآخر ملوكهم معدي كرب كان ملكه إلى أن قتلته حرابته من الحبشة أربع سنين فلما قتل بعث انوشروان وهرز في أربعة آلاف من الفُرس لإصلاح اليمن، وأمره أن لا يبقي على أحد من بقايا الحبشة، فلم يترك بها أحداً من السودان، وبقي وهرز بصنعاء إلى أن ملك ثم تداولت اليمن عمال الأكاسرة إلى أن أتى الله تعالى بالإسلام. وقد ذكر الناس من مضي سيف بن ذي يزن إلى قيصر ملك الروم ليستنصر به على الحبشة حين غلبوا على اليمن وعاثوا فيها، وإبايته من ذلك، ومسيره بعد ذلك إلى النعمان بن المنذر ووعده له أن يدخله على كسرى عند وفادته عليهم ثم اجتماعه به وشكايته له أمر الحبشة واشتغاله عنه بحرب الروم إلى أن هلك سيف، وإتيان ولده معدي كرب بن سيف يستنجز عدته لأبيه وتجهيز كسرى الجيوش معه إلى اليمن وقتالهم لمسروق بن أبرهة وقتلهم له، وملكهم لليمن ما هو مشهور يغني عن الإطالة به. على أن جمهور الناس على أن سيف بن ذي يزن هو الذي أباد الحبشة وملك اليمن لا ابنه معدي كرب، إنما انفرد بهذا القول الشاذ المسعودي. قالوا (٣) : وعلى باب ظفار مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود: يوم شيدت ظفار قيل لمن أن ... تِ فقالتْ لحِمير الأخيارِ ثم سيلت ما بعد ذاك فقالت ... إن ملكي للأحبش الأشرار ثم سيلت ما بعد ذاك فقالت ... إن ملكي لفارس الأحرار ثم سيلت ما بعد ذاك فقالت ... إن ملكي إلى قريش التجار ثم سيلت ما بعد ذاك فقالت ... إن ملكي لحمير سحار وقليلاً ما يلبث القوم فيها ... عند تشييدها لحافي البوار

стр. 420

من أسود يلقيهم البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الجدار وقد تقدَّم هذا في حرف الدال. وهي الآن (١) خراب، قد تهدم بناؤها وقلَّ ساكنها، وإنما بها الآن بقايا من أهلها. ومن كلام (٢) بعض ملوكهم: مَن دخل ظفار حمَر، وسبب ذلك أن ذا جدن الحِمْيَري خرج يطوف في أحياء العرب، فنزل في بني تميم، فضُرِب له فسطاط، فجاءه زرارة بن عدس مصعداً إليه وكان على قارة مرتفعة، فقال له الملك: ثب، أي اقعد بلغته، فقال زرارة: ليعلمن الملك أني سامع مطيع، فوثب إلى الأرض فتقطع أعضاء، فقال الملك: ما شأنه؟ فقيل له: أبيت اللعن، إن الوثب بلغته القفز، فقال: ليس عربيتنا كعربيتكم، من دخل ظفار فليحمّر، أي فليتكلم بلغة حِمْيَر.

стр. 421

حرف العين عاص (١) : منقوص مثل قاضٍ واد بين مكة والمدينة، قال عبد بن حبيب: قتلناهم بقتلى أهل عاص ... وقتلى منهم مردٍ وشيبِ والعاصي (٢) : أيضاً اسم نهر انطاكية وقيل نهر حماة بالشام من عمل حمص، وهو نهر عظيم عليه جسور يُعْبر عليها وعلى هذا النهر نواعير كثيرة تخرج الماء إلى ما على جانبيه من المدينة، وهو الذي يقول فيه صلاح الدين بن أيوب: ولما جرى العاصي وطيع أدمعي ... مع الماء قال الناس أيهما النهر فقيل له: ولمَا جرى جود ابن أيوب مقبلاً ... مع البحر قال الناس أيهما البحر عاقول: دير عاقول، مدينة النهروان الأوسط، وبها قوم دهاقين أشراف وبينها وبين المدائن مرحلة. عاقل (٣) : ماء لبني أبان بن دارم، وقيل جبل كان يسكنه حجر أبو امرئ القيس، وفيه يقول (٤) : يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل عاسورا (٥) : جزيرة في البحر الصيني قليلة العامر، وأرضها أرض حرشاء كثيرة العقارب والأفاعي، وجبالها متصلة. عانات (٦) : كانت هي وهيت من طساسيج الأنبار، وكانت الخمر الطيبة تنسب إليها، فلما حفر أنوشروان الخندق من هيت حتى يأتي كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر وجعل عليه المناظر لعيث العرب في أطراف السواد وما يليه، فخربت عانات وهيت لذلك السبب. قال اليعقوبي: في وسط الفرات مدينة يقال لها ألوسة ومدينة يقال لها الناووسة ومدينة يقال لها الحديثة ومدينة يقال لها عانات، فهذه المدائن في وسط الفرات. وعانات (٧) منها صغيرة فيها سوق وأعمال وبينها وبين الدالية أحد وعشرون ميلاً. وفي سنة خمسين وأربعمائة (٨) ثار على خليفة بغداد القائم بأمر الله أبو الحارث أرسلان التركي البساسيري القائم بدعوة

стр. 422

صاحب مصر معد المستنصر بن الظاهر العبيدي، حتى ظفر بالخليفة القائم بأمر الله، والبساسيري هذا مملوك تركي سما بنفسه إلى أن صار مشاراً إليه بين قواد الدولة العباسية، ووقع بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء ما أوجب خروجه عن الطاعة وانتماءه إلى المستنصر صاحب مصر، فخطب له في بلاد الرحبة من بلاد الفرات، ثم خطب له بالموصل، فأخرجه منها أبو طالب محمد بن ميكائيل المعروف بطغرلبك، ثم عاد إليها في هذه السنة مع قريش بن بدران أمير عقيل، فاستولوا عليها وأقاموا فيها الدعوة العبيدية، وتجهز طغرلبك السلجوقي إلى قتالهم، فجاءه خبر بأن أخاه إبراهيم خرج عليه وادعى السلطنة في همذان. وكان ذلك بدسيسة البساسيري وقريش، فإنهما أطمعاه في الاستبداد وضمنا له المعاضدة، فعدل طغرلبك عن البساسيري إلى أخيه واشتغل بحربه، فسار البساسيري وقريش إلى بغداد وخطب للمستنصر خليفة مصر العبيدي بجامع المنصور، وعقد الجسر ووقعت الحرب عليه، فغلب أصحاب البساسيري واستولوا على مدينة الرصافة، وخطبوا بجامعها للمستنصر، واتصلت الحرب في مدينة نهر معلى التي بها قصور الخلافة، وباتوا في دار الخلافة محاصرين، فركب القائم العباسي بنفسه لابساً السواد، وعلى كتفيه البردة النبوية، وبيده سيف مسلول، وعلى رأسه اللواء العباسي، والخدم بالسيوف المسلولة، فصاح البساسيري بأصحابه: لا تشغلنكم الهيبة والخديعة عن إدراك الغرض، احملوا وصيحوا بشعار ابن بنت رسول الله ﷺ ، فحملوا وصاحوا بشعار المستنصر، فلما رأى القائم العباسي الخليفة الحقيقة جلس في منظرة مطلة مشاهداً للحروب، ومعه رئيس الرؤساء وزيره، ثم أْمر بتسكين الحرب، وطلب الصلح، والنهب يعمل عمله وصاح القائم من المنظرة: هل لك يا قريش في شرف الدهر وعز الأعقاب، أنزلُ على أمانك، فدمعت عيناه وقال: والله لا يصل إليك أحد وسيفي في يدي أبداً، ثم نزل فحمله معه والوزير رئيس الرؤساء وزيره يتضرع في الأمان وهو مع الخليفة، فوصل به إلى خيمته وأنزله مكرماً بها وأسلم الوزير رئيس الرؤساء للبساسيري وأجار القائم وسلمه لابن عمه مهارش العقيلي صاحب الحديثة وعانة، فحمله معه وأسكنه في جزيرة عانة بالفرات، فوجد على الدار التي كان محبوساً فيها: أما ترى الدهر وتدبيره ... حكى لعمري فيه مجانه يقطر ماء الظرف من هزله ... إذ أنزل القائم في عانه فنقل ذلك إلى القائم فتبسم وقال: لعمري لقد أبدع في تدبيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولم يدر قائل البيتين، ولما بلغ المستنصر خليفة مصر هذان البيتان أدركته شفقة فقال لوالدته: لقد هممت أن أرد ابن عمي إلى بغداد يكون نائباً وتبعاً ويكون ولده نواباً لولدنا، ويكون لنا في هذا أجر وفخر، فقالت له: بأي عقل تعتقه؟ هذا والله لو رددته يوماً واحداً ما نسي قديمه ولعاد الأمر كما كان وصار إليه من كان عليه، فإياك أن تخطر هذا بخاطرك. وأما الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن بن المسلمة فلما حصل في يد البساسيري بسط عليه العذاب واستخرج منه أموالاً كثيرة، فلما كان في يوم عيد النحر من هذه السنة ركب البساسيري وعبر إلى المصلى من الجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية المستنصرية، فصلى وأنشده الشعراء، وكان فيهم أبو دلف الخزرجي الينبوعي المتشيع، فوقف تحت البنود البيض وأنشد: دارَ السلام هنيئاً ... بدعوة ابن الرسول جاء النهار وولى ... ظلام تلك الذحول ما إن رأيت حصاناً ... حماله في النصول نور من الله سامٍ ... هادٍ لكل خذول فأمر له بإحسان جزيل. ولمَا فرغ البساسيري من أيام العيد أخرج الوزير رئيس الرؤساء وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته مخنقة من جلود، فشُهر على تلك الحال، ثم نُصِبتْ له خشبة وألبس جلد ثور، وجعل في فكيه كلابان وصُلب بهما، فبقي يضرب إلى آخر النهار حتى مات وكان قد بقي في الوزارة اثنتي عشرة سنة ثم إن طغرلبك قَدِم لنصرة القائم، فهرب البساسيري أمامه، ونهب البساسيري مدينة واسط وعاث في كل ما مر به من بلاد العراق، وسار مهارش العقيلي من جزيرة الحديثة بالخليفة القائم العباسي، فسر السلطان طغرلبك بقدومه، وكان قد وصل إلى بغداد وسكن أهلها وأمنهم، وخرج للقاء القائم، ونزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يديه، واعتذر من تأخره باشتغاله بحرب أخيه إبراهيم حتى فرغ منه، فقلَّده القائم سيفاً بيده، ووصل القائم دار الخلافة وطغرلبك ممسك بلجام بغلته في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وصار طغرلبك خلف البساسيري

стр. 423

فهزمه، وسقط عن فرسه فقتله تركي وحمل رأسه إلى بغداد على قناة، واتفق أن كان إخراج البساسيري للقائم يوم الثلاثاء ثامن عشر من كانون الثاني، وكان قتله في مثل هذا اليوم من السنة الثانية بعدها. والبساسيري هذا هو أبو الحارث أرسلان مملوك تركي لتاجر يقال له ابن بساسير فنسب له، وقيل كان مولاه ينسب إلى بسا من أرض فارس. وللخليفة القائم دعاء معروف يستغيث به ربَه مما حلَّ به من البساسيري استجيب له فيه، وهو (١) : إلى الله العظيم من عبده المسكين، اللهم إنك العالم بالسرائر، والمحيط بمكنونات الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي بما أنا فيه: عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك وتجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغياً وأساء إلينا عتوّاً وعدواناً، اللهم قَلَّ الناصرون لنا واغترّ الظالم، وأنت المُطلِع العالِم، والمُنْصِف الحاكم، بك نعتز عليه وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك يا رب العالمين اللهم إنا حاكمناه إليك وتوكلنا في إنصافنا منه عليك وقد رفعت ظلامتي إلى حرمك، ووثقت في كشفها بكرمك، فاحكم بيني وبينه وأنت خير الحاكمين وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم، اللهم فاسلبه عزه ومكِّنا بقدرتك من ناصيته يا أرحم الراحمين. قالوا: ولما أخذ البساسيري الإمام القائم بأمر الله هذا وسجنه في الحديثة عمل هذا الدعاء وكتبه وسلمه إلى بدوي وأمره أن يعلقه على الكعبة، فحمله البدوي وعلّقه على الكعبة، فحسب ذلك اليوم فوجد أن البساسيري قتل وجيء برأسه بعد سبعة أيام من التاريخ. عارم (٢) : حبس بمكة وهو مظلم، كان عبد الله بن الزبير ﵄ حبس فيه الحسن بن محمد بن الحنفية (٣) وأراد قتله فأعمل الحيلة حتى تخلص من هذا السجن واعتسف الطريق على الجبال حتى أتى منِى، وبها أبوه محمد بن الحنفية، ففي ذلك يقول كثيّر (٤) : تخبر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم ومن يرَ هذا الشيخ بالخيف من مِنى ... من الناس يعلم أنه غير ظالم سمي رسول الله وابن وصيه ... وفكاك أغلال وقاضي مغارم عبود (٥) : جبل من جبال مزينة، وهو الذي عناه الشاعر في قصيدة له يرثي بها، أولها: كل حي لاقي الحِمام فَمُودِ ... ما لحي مؤمل من خلودِ يقول فيها: يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من عبود عبادان (٦) : بالعراق بقرب البصرة بينهما اثنا عشر فرسخاً، سمي بعباد بن الحصين بن مرثد بن عمرو وإليه تنسب الحُصُر العبادانية وحصن عبادان صغير عامر على شط البحر وإليه تصل جميع مياه دجلة، وهو محرس البحر، وعبادان في الضفة الغربية من الدجلة، وتتسع دجلة هناك على وجه الأرض كثيراً، ومن عبادان إلى الخشبات ستة أميال. عبقر (٧) : موضع بالبادية كثير الجن، قاله الخليل، يقال في

стр. 424

المثل: كأنهم جن عبقر وقال الشاعر (١) : بخيلٍ عليها جنة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا وقال غيره: عبقر بلد من بلاد اليمن، قال امرؤ القيس (٢) : كان صليل المرو حين تُشِذّه ... صليلُ زيوف ينتقدن بعبقرا وقيل: بل عبقر موضع توشى فيه الثياب. وهي أجود الثياب، وكلّما بالغوا في نعت شيء نسبوه إليه، وقال المفسِّرون: إن العبقري غاية كلّ شيء، قال تعالى " وعَبْقَرِيّ حِسَان " وأوضح معنى هذا المعري في قوله (٣) : وقد كان أرباب الفصاحة كلما ... رأوا حسناً عدوه من صنعة الجنَ العتيق ة: من مدن المدائن بالعراق وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه. العتيق (٤) : نهر يخرج من الفرات عليه كانت وقيعة للمسلمين مع رستم وهى وقعة القادسية، وهى مذكورة في حرف القاف. العتابية (٥) : محلة من محلات دجلة، بها تصنع الثياب العتابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان. عتر (٦) : مدينة واسعة هي فرضة عُمان، وبناؤها بالخشب والحشيش، إلا حمّاماتها فإنها جيدة البناء وبها مسجد جامع على الساحل، وأكثر طعامهم الذرة ومبلغ منافع صاحبها سبعون ألف دينار. عدولى (٧) : قرية بالبحرين تنسب إليها السفن، قال النابغة (٨) : عدولية اومن سفين ابن يامن ... يروح بها الملاح طوراً ويغتدي وقال ابن إسحاق في شرحبيل بن حسنة:: أمّه حسنة امرأة عدولية. عدن (٩) : مدينة باليمن بينها وبين أبين اثنا عشر ميلاً، وهي (١٠) مدينة صغيرة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين، ومنها تسافر مراكب السند والهند والصين، وإليها يجلب متاع الصين مثل الحديد الفرند والكيمخت والمسك والعود والفلفل والدارفلفل والنارجيل والقاقلة والدار الصيني والخولنجان والبسباسة والهليلجات والأبنوس والذبل والكافور والجوزة والقرنفل والكبابة وأنياب الفيلة والرصاص القلعي والقنا والخيزران وأكثر السلع، ويحيط بعدن من جهة شمالها على بعد منها جبل دائر إلى البحر قد نقب فيه من طرفيه نقبان كالبابين يدخل منهما ويخرج عليهما، وبين الباب والباب على ظهر الجبل مسيرة أربعة أيام. وليس لأهل عدن دخول ولا خروج إلا على هذين النقبين أو على البحر وهي بلد تجارة. وعدن هي ساحل صنعاء، وبها مرفأ مراكب الصين، وسميت بعدن بن سبأ وكان أول من نزل بها، وفي سجوع سطيح الكاهن في تفسير رؤيا ربيعة بن نصر ثم يليه ارم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحداً منهم باليمن. وعن البراء بن عازب ﵄، قال: كنا نتذاكر الساعة، إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: " ما تتذاكرون "؟ قلنا: نتذاكر الساعة قال ﷺ : " إنها لا تكون حتى يكون قبلها عشر آيات: الدجَال ودابة الأرض وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن ".

стр. 425

العذيب (١) : بظاهر الكوفة، والعذيب أيضاً لبني تميم وكذلك بارق، وهما اللذان ذكرهما المتنبي في قوله: تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرَّ عوالينا ومجرى السوابق وفي الخبر أن عسكر المسلمين لما توجّهوا إلى عدوِّهم نزلوا العذيب. العذراء (٢) : اسم لدمشق وقد مرَ ذكرها ومرج عذراء بالشام أيضاً بينه وبين دمشق اثنا عشر ميلاً. ولما انتهى الواصلون من قبل زياد بن أبيه بحجر بن عدي وأصحابه إلى مرج عذراء توجه الواصلون بكتب زياد إلى معاوية، فإذا فيها ما يقتضي توريطهم والشهادة عليهم بمخالفة الطاعة، فتردد فيهم معاوية وشاور فيهم، فكتب إليه زياد: أما بعد فقد عجبت من اشتباه الأمر عليك فيهم فإن كانت لك حاجة بهذا المصر فلا تردنّ حجراً وأصحابه إليّ، فخلى معاوية منهم ستة وقتل ثمانية منهم حجر بن عدي، والقصة مشهورة وقد مرَت في حرف الجيم. عرعر (٣) : واد بأرض غطفان من طريق خيبر، وعرعر أيضاً قبل قو، وهو الذي ذكره امرؤ القيس في قوله (٤) : وحلت سليمى بطنَ قوَ فعرعرا ... العرج (٥) : قرية جامعة على طريق مكّة، بينها وبين المدينة تسعة وتسعون فرسخاً، وهو في الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة وسمي العرج بتعريج السيول به، وإليها ينسب العرجي الشاعر، ووادي العرج فيه عين من يسار الطريق في شعب بين جبلين وعلى ثلاثة أميال منه مسجد النبي ﷺ يدعى مسجد العرج، ومن العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلاً. ورووا أن رسول الله ﷺ نزل العرج فقال: " إن الجن اجتمعوا فأسكن المسلمين منهم بطن العرج ". ومن حديث محمد بن المنكدر أن عبد الله بن الزبير بينا هو يسير إلى الإثاية من العرج في جوف الليل إذ خرج إليه رجل من قبر في عنقه سلسلة، وهو يشتعل ناراً ويقول: أيا عبد الله أفرغ علي من الماء، ووراءه رجل آخر يقول: يا عبد الله لا تفعل فإنه كافر، حتى أخذ بسلسلته فأدخله قبره. العروض (٦) : بفتح أوله، اسم لمكة والمدينة معروف، يقول: استعمل فلان على العراق وفلان على العروض. وقالوا: خرج رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فأمرهم أن يؤذنوا أهل العروض أن يتموا بقية يومهم. والعروض أيضاً موضع بالبادية. عرنة (٧) : بضم أوله وفتح ثانيه، وادي عرفة ، والفقهاء يضمون الراء وهو خطأ. عرفة: موضع الحج قال ﷺ : " الحج عرفة ". وقال كعب: أهبط الله تعالى أبانا آدم على جبل بالهند يدعى واسم وأهبط أْمّنا حواء بعرفة، وعدوّنا إبليس بجدة والحية بأصبهان فلما تاب الله تعالى على آدم وأمره بالحج إلى بيته الحرام فحج فكان حيث وضع قدميه تتفجر الأنهار وبنى المدائن والقرى حتى وصل إلى مكة، فلما حج آدم ومضى إلى عرفة لقي بها حواء، فتعارفا بها فسميت عرفة. وذكر الحافظ أن جبريل ﵇ لما علم آدم ﵇ المناسك قال له: أعرفت؟ قال: نعم. عِرقة (٨) : بكسر أوله على لفظ تأنيث الواحد من عروق الإنسان والحيوان موضع من ثغور مرعش من بلاد الروم. قال أحمد بن سليمان الزنبقي (٩) كان بعرقة رجل كلما لقيني سبَّ معاوية ﵁، قال: فجاءني الرجل يوماً وأنا قاعد تحت المنبر وهو يقول: رحم الله معاوية، ولعن من يبغض معاوية،
следующие страницы →