← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حرف العين عاص (١) : منقوص مثل قاضٍ واد بين مكة والمدينة، قال عبد بن حبيب: قتلناهم بقتلى أهل عاص ... وقتلى منهم مردٍ وشيبِ والعاصي (٢) : أيضاً اسم نهر انطاكية وقيل نهر حماة بالشام من عمل حمص، وهو نهر عظيم عليه جسور يُعْبر عليها وعلى هذا النهر نواعير كثيرة تخرج الماء إلى ما على جانبيه من المدينة، وهو الذي يقول فيه صلاح الدين بن أيوب: ولما جرى العاصي وطيع أدمعي ... مع الماء قال الناس أيهما النهر فقيل له: ولمَا جرى جود ابن أيوب مقبلاً ... مع البحر قال الناس أيهما البحر عاقول: دير عاقول، مدينة النهروان الأوسط، وبها قوم دهاقين أشراف وبينها وبين المدائن مرحلة. عاقل (٣) : ماء لبني أبان بن دارم، وقيل جبل كان يسكنه حجر أبو امرئ القيس، وفيه يقول (٤) : يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل عاسورا (٥) : جزيرة في البحر الصيني قليلة العامر، وأرضها أرض حرشاء كثيرة العقارب والأفاعي، وجبالها متصلة. عانات (٦) : كانت هي وهيت من طساسيج الأنبار، وكانت الخمر الطيبة تنسب إليها، فلما حفر أنوشروان الخندق من هيت حتى يأتي كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر وجعل عليه المناظر لعيث العرب في أطراف السواد وما يليه، فخربت عانات وهيت لذلك السبب. قال اليعقوبي: في وسط الفرات مدينة يقال لها ألوسة ومدينة يقال لها الناووسة ومدينة يقال لها الحديثة ومدينة يقال لها عانات، فهذه المدائن في وسط الفرات. وعانات (٧) منها صغيرة فيها سوق وأعمال وبينها وبين الدالية أحد وعشرون ميلاً. وفي سنة خمسين وأربعمائة (٨) ثار على خليفة بغداد القائم بأمر الله أبو الحارث أرسلان التركي البساسيري القائم بدعوة

стр. 422

صاحب مصر معد المستنصر بن الظاهر العبيدي، حتى ظفر بالخليفة القائم بأمر الله، والبساسيري هذا مملوك تركي سما بنفسه إلى أن صار مشاراً إليه بين قواد الدولة العباسية، ووقع بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء ما أوجب خروجه عن الطاعة وانتماءه إلى المستنصر صاحب مصر، فخطب له في بلاد الرحبة من بلاد الفرات، ثم خطب له بالموصل، فأخرجه منها أبو طالب محمد بن ميكائيل المعروف بطغرلبك، ثم عاد إليها في هذه السنة مع قريش بن بدران أمير عقيل، فاستولوا عليها وأقاموا فيها الدعوة العبيدية، وتجهز طغرلبك السلجوقي إلى قتالهم، فجاءه خبر بأن أخاه إبراهيم خرج عليه وادعى السلطنة في همذان. وكان ذلك بدسيسة البساسيري وقريش، فإنهما أطمعاه في الاستبداد وضمنا له المعاضدة، فعدل طغرلبك عن البساسيري إلى أخيه واشتغل بحربه، فسار البساسيري وقريش إلى بغداد وخطب للمستنصر خليفة مصر العبيدي بجامع المنصور، وعقد الجسر ووقعت الحرب عليه، فغلب أصحاب البساسيري واستولوا على مدينة الرصافة، وخطبوا بجامعها للمستنصر، واتصلت الحرب في مدينة نهر معلى التي بها قصور الخلافة، وباتوا في دار الخلافة محاصرين، فركب القائم العباسي بنفسه لابساً السواد، وعلى كتفيه البردة النبوية، وبيده سيف مسلول، وعلى رأسه اللواء العباسي، والخدم بالسيوف المسلولة، فصاح البساسيري بأصحابه: لا تشغلنكم الهيبة والخديعة عن إدراك الغرض، احملوا وصيحوا بشعار ابن بنت رسول الله ﷺ ، فحملوا وصاحوا بشعار المستنصر، فلما رأى القائم العباسي الخليفة الحقيقة جلس في منظرة مطلة مشاهداً للحروب، ومعه رئيس الرؤساء وزيره، ثم أْمر بتسكين الحرب، وطلب الصلح، والنهب يعمل عمله وصاح القائم من المنظرة: هل لك يا قريش في شرف الدهر وعز الأعقاب، أنزلُ على أمانك، فدمعت عيناه وقال: والله لا يصل إليك أحد وسيفي في يدي أبداً، ثم نزل فحمله معه والوزير رئيس الرؤساء وزيره يتضرع في الأمان وهو مع الخليفة، فوصل به إلى خيمته وأنزله مكرماً بها وأسلم الوزير رئيس الرؤساء للبساسيري وأجار القائم وسلمه لابن عمه مهارش العقيلي صاحب الحديثة وعانة، فحمله معه وأسكنه في جزيرة عانة بالفرات، فوجد على الدار التي كان محبوساً فيها: أما ترى الدهر وتدبيره ... حكى لعمري فيه مجانه يقطر ماء الظرف من هزله ... إذ أنزل القائم في عانه فنقل ذلك إلى القائم فتبسم وقال: لعمري لقد أبدع في تدبيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولم يدر قائل البيتين، ولما بلغ المستنصر خليفة مصر هذان البيتان أدركته شفقة فقال لوالدته: لقد هممت أن أرد ابن عمي إلى بغداد يكون نائباً وتبعاً ويكون ولده نواباً لولدنا، ويكون لنا في هذا أجر وفخر، فقالت له: بأي عقل تعتقه؟ هذا والله لو رددته يوماً واحداً ما نسي قديمه ولعاد الأمر كما كان وصار إليه من كان عليه، فإياك أن تخطر هذا بخاطرك. وأما الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن بن المسلمة فلما حصل في يد البساسيري بسط عليه العذاب واستخرج منه أموالاً كثيرة، فلما كان في يوم عيد النحر من هذه السنة ركب البساسيري وعبر إلى المصلى من الجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية المستنصرية، فصلى وأنشده الشعراء، وكان فيهم أبو دلف الخزرجي الينبوعي المتشيع، فوقف تحت البنود البيض وأنشد: دارَ السلام هنيئاً ... بدعوة ابن الرسول جاء النهار وولى ... ظلام تلك الذحول ما إن رأيت حصاناً ... حماله في النصول نور من الله سامٍ ... هادٍ لكل خذول فأمر له بإحسان جزيل. ولمَا فرغ البساسيري من أيام العيد أخرج الوزير رئيس الرؤساء وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته مخنقة من جلود، فشُهر على تلك الحال، ثم نُصِبتْ له خشبة وألبس جلد ثور، وجعل في فكيه كلابان وصُلب بهما، فبقي يضرب إلى آخر النهار حتى مات وكان قد بقي في الوزارة اثنتي عشرة سنة ثم إن طغرلبك قَدِم لنصرة القائم، فهرب البساسيري أمامه، ونهب البساسيري مدينة واسط وعاث في كل ما مر به من بلاد العراق، وسار مهارش العقيلي من جزيرة الحديثة بالخليفة القائم العباسي، فسر السلطان طغرلبك بقدومه، وكان قد وصل إلى بغداد وسكن أهلها وأمنهم، وخرج للقاء القائم، ونزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يديه، واعتذر من تأخره باشتغاله بحرب أخيه إبراهيم حتى فرغ منه، فقلَّده القائم سيفاً بيده، ووصل القائم دار الخلافة وطغرلبك ممسك بلجام بغلته في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وصار طغرلبك خلف البساسيري

стр. 423

فهزمه، وسقط عن فرسه فقتله تركي وحمل رأسه إلى بغداد على قناة، واتفق أن كان إخراج البساسيري للقائم يوم الثلاثاء ثامن عشر من كانون الثاني، وكان قتله في مثل هذا اليوم من السنة الثانية بعدها. والبساسيري هذا هو أبو الحارث أرسلان مملوك تركي لتاجر يقال له ابن بساسير فنسب له، وقيل كان مولاه ينسب إلى بسا من أرض فارس. وللخليفة القائم دعاء معروف يستغيث به ربَه مما حلَّ به من البساسيري استجيب له فيه، وهو (١) : إلى الله العظيم من عبده المسكين، اللهم إنك العالم بالسرائر، والمحيط بمكنونات الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي بما أنا فيه: عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك وتجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغياً وأساء إلينا عتوّاً وعدواناً، اللهم قَلَّ الناصرون لنا واغترّ الظالم، وأنت المُطلِع العالِم، والمُنْصِف الحاكم، بك نعتز عليه وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك يا رب العالمين اللهم إنا حاكمناه إليك وتوكلنا في إنصافنا منه عليك وقد رفعت ظلامتي إلى حرمك، ووثقت في كشفها بكرمك، فاحكم بيني وبينه وأنت خير الحاكمين وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم، اللهم فاسلبه عزه ومكِّنا بقدرتك من ناصيته يا أرحم الراحمين. قالوا: ولما أخذ البساسيري الإمام القائم بأمر الله هذا وسجنه في الحديثة عمل هذا الدعاء وكتبه وسلمه إلى بدوي وأمره أن يعلقه على الكعبة، فحمله البدوي وعلّقه على الكعبة، فحسب ذلك اليوم فوجد أن البساسيري قتل وجيء برأسه بعد سبعة أيام من التاريخ. عارم (٢) : حبس بمكة وهو مظلم، كان عبد الله بن الزبير ﵄ حبس فيه الحسن بن محمد بن الحنفية (٣) وأراد قتله فأعمل الحيلة حتى تخلص من هذا السجن واعتسف الطريق على الجبال حتى أتى منِى، وبها أبوه محمد بن الحنفية، ففي ذلك يقول كثيّر (٤) : تخبر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم ومن يرَ هذا الشيخ بالخيف من مِنى ... من الناس يعلم أنه غير ظالم سمي رسول الله وابن وصيه ... وفكاك أغلال وقاضي مغارم عبود (٥) : جبل من جبال مزينة، وهو الذي عناه الشاعر في قصيدة له يرثي بها، أولها: كل حي لاقي الحِمام فَمُودِ ... ما لحي مؤمل من خلودِ يقول فيها: يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من عبود عبادان (٦) : بالعراق بقرب البصرة بينهما اثنا عشر فرسخاً، سمي بعباد بن الحصين بن مرثد بن عمرو وإليه تنسب الحُصُر العبادانية وحصن عبادان صغير عامر على شط البحر وإليه تصل جميع مياه دجلة، وهو محرس البحر، وعبادان في الضفة الغربية من الدجلة، وتتسع دجلة هناك على وجه الأرض كثيراً، ومن عبادان إلى الخشبات ستة أميال. عبقر (٧) : موضع بالبادية كثير الجن، قاله الخليل، يقال في

стр. 424

المثل: كأنهم جن عبقر وقال الشاعر (١) : بخيلٍ عليها جنة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا وقال غيره: عبقر بلد من بلاد اليمن، قال امرؤ القيس (٢) : كان صليل المرو حين تُشِذّه ... صليلُ زيوف ينتقدن بعبقرا وقيل: بل عبقر موضع توشى فيه الثياب. وهي أجود الثياب، وكلّما بالغوا في نعت شيء نسبوه إليه، وقال المفسِّرون: إن العبقري غاية كلّ شيء، قال تعالى " وعَبْقَرِيّ حِسَان " وأوضح معنى هذا المعري في قوله (٣) : وقد كان أرباب الفصاحة كلما ... رأوا حسناً عدوه من صنعة الجنَ العتيق ة: من مدن المدائن بالعراق وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه. العتيق (٤) : نهر يخرج من الفرات عليه كانت وقيعة للمسلمين مع رستم وهى وقعة القادسية، وهى مذكورة في حرف القاف. العتابية (٥) : محلة من محلات دجلة، بها تصنع الثياب العتابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان. عتر (٦) : مدينة واسعة هي فرضة عُمان، وبناؤها بالخشب والحشيش، إلا حمّاماتها فإنها جيدة البناء وبها مسجد جامع على الساحل، وأكثر طعامهم الذرة ومبلغ منافع صاحبها سبعون ألف دينار. عدولى (٧) : قرية بالبحرين تنسب إليها السفن، قال النابغة (٨) : عدولية اومن سفين ابن يامن ... يروح بها الملاح طوراً ويغتدي وقال ابن إسحاق في شرحبيل بن حسنة:: أمّه حسنة امرأة عدولية. عدن (٩) : مدينة باليمن بينها وبين أبين اثنا عشر ميلاً، وهي (١٠) مدينة صغيرة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين، ومنها تسافر مراكب السند والهند والصين، وإليها يجلب متاع الصين مثل الحديد الفرند والكيمخت والمسك والعود والفلفل والدارفلفل والنارجيل والقاقلة والدار الصيني والخولنجان والبسباسة والهليلجات والأبنوس والذبل والكافور والجوزة والقرنفل والكبابة وأنياب الفيلة والرصاص القلعي والقنا والخيزران وأكثر السلع، ويحيط بعدن من جهة شمالها على بعد منها جبل دائر إلى البحر قد نقب فيه من طرفيه نقبان كالبابين يدخل منهما ويخرج عليهما، وبين الباب والباب على ظهر الجبل مسيرة أربعة أيام. وليس لأهل عدن دخول ولا خروج إلا على هذين النقبين أو على البحر وهي بلد تجارة. وعدن هي ساحل صنعاء، وبها مرفأ مراكب الصين، وسميت بعدن بن سبأ وكان أول من نزل بها، وفي سجوع سطيح الكاهن في تفسير رؤيا ربيعة بن نصر ثم يليه ارم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحداً منهم باليمن. وعن البراء بن عازب ﵄، قال: كنا نتذاكر الساعة، إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: " ما تتذاكرون "؟ قلنا: نتذاكر الساعة قال ﷺ : " إنها لا تكون حتى يكون قبلها عشر آيات: الدجَال ودابة الأرض وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن ".

стр. 425

العذيب (١) : بظاهر الكوفة، والعذيب أيضاً لبني تميم وكذلك بارق، وهما اللذان ذكرهما المتنبي في قوله: تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرَّ عوالينا ومجرى السوابق وفي الخبر أن عسكر المسلمين لما توجّهوا إلى عدوِّهم نزلوا العذيب. العذراء (٢) : اسم لدمشق وقد مرَ ذكرها ومرج عذراء بالشام أيضاً بينه وبين دمشق اثنا عشر ميلاً. ولما انتهى الواصلون من قبل زياد بن أبيه بحجر بن عدي وأصحابه إلى مرج عذراء توجه الواصلون بكتب زياد إلى معاوية، فإذا فيها ما يقتضي توريطهم والشهادة عليهم بمخالفة الطاعة، فتردد فيهم معاوية وشاور فيهم، فكتب إليه زياد: أما بعد فقد عجبت من اشتباه الأمر عليك فيهم فإن كانت لك حاجة بهذا المصر فلا تردنّ حجراً وأصحابه إليّ، فخلى معاوية منهم ستة وقتل ثمانية منهم حجر بن عدي، والقصة مشهورة وقد مرَت في حرف الجيم. عرعر (٣) : واد بأرض غطفان من طريق خيبر، وعرعر أيضاً قبل قو، وهو الذي ذكره امرؤ القيس في قوله (٤) : وحلت سليمى بطنَ قوَ فعرعرا ... العرج (٥) : قرية جامعة على طريق مكّة، بينها وبين المدينة تسعة وتسعون فرسخاً، وهو في الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة وسمي العرج بتعريج السيول به، وإليها ينسب العرجي الشاعر، ووادي العرج فيه عين من يسار الطريق في شعب بين جبلين وعلى ثلاثة أميال منه مسجد النبي ﷺ يدعى مسجد العرج، ومن العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلاً. ورووا أن رسول الله ﷺ نزل العرج فقال: " إن الجن اجتمعوا فأسكن المسلمين منهم بطن العرج ". ومن حديث محمد بن المنكدر أن عبد الله بن الزبير بينا هو يسير إلى الإثاية من العرج في جوف الليل إذ خرج إليه رجل من قبر في عنقه سلسلة، وهو يشتعل ناراً ويقول: أيا عبد الله أفرغ علي من الماء، ووراءه رجل آخر يقول: يا عبد الله لا تفعل فإنه كافر، حتى أخذ بسلسلته فأدخله قبره. العروض (٦) : بفتح أوله، اسم لمكة والمدينة معروف، يقول: استعمل فلان على العراق وفلان على العروض. وقالوا: خرج رسول الله ﷺ يوم عاشوراء فأمرهم أن يؤذنوا أهل العروض أن يتموا بقية يومهم. والعروض أيضاً موضع بالبادية. عرنة (٧) : بضم أوله وفتح ثانيه، وادي عرفة ، والفقهاء يضمون الراء وهو خطأ. عرفة: موضع الحج قال ﷺ : " الحج عرفة ". وقال كعب: أهبط الله تعالى أبانا آدم على جبل بالهند يدعى واسم وأهبط أْمّنا حواء بعرفة، وعدوّنا إبليس بجدة والحية بأصبهان فلما تاب الله تعالى على آدم وأمره بالحج إلى بيته الحرام فحج فكان حيث وضع قدميه تتفجر الأنهار وبنى المدائن والقرى حتى وصل إلى مكة، فلما حج آدم ومضى إلى عرفة لقي بها حواء، فتعارفا بها فسميت عرفة. وذكر الحافظ أن جبريل ﵇ لما علم آدم ﵇ المناسك قال له: أعرفت؟ قال: نعم. عِرقة (٨) : بكسر أوله على لفظ تأنيث الواحد من عروق الإنسان والحيوان موضع من ثغور مرعش من بلاد الروم. قال أحمد بن سليمان الزنبقي (٩) كان بعرقة رجل كلما لقيني سبَّ معاوية ﵁، قال: فجاءني الرجل يوماً وأنا قاعد تحت المنبر وهو يقول: رحم الله معاوية، ولعن من يبغض معاوية،

стр. 426

فقلت في نفسي: قد جاء يؤذيني فقعد إلي فأراني حلقه فإذا هو أحمر، فقال لي: يا أبا بكر؟ ما زال معاوية يخنقني في النوم ويقول لي: لم تسبني؟ بيني وبينك رسول الله ﷺ وأنا أقول: ما أعود ما أعود فقال لي: عليك الله أنك لا تعود فقلت: نعم، لا أعود قال أبو بكر: وتاب الرجل ورجع عما كان عليه من سب معاوية ﵀. وقال أبو توبة: معاوية ستر بيننا وبين أصحاب النبي، فمن كف عنه فهو عن غيره أكفّ، ومن وقع فيه لم يؤمن أن يرتفع إلى من هو فوقه. العروسان (١) : قصر بقابس من إفريقية مشهور، بناه بنو رشيد ابن جامع (٢) من العرب الذين وجههم العبيديون إلى إفريقية للإفساد على المعز بن باديس وكان لهم ذكر في صنهاجة، وهم من بني قرة بن هلال بن عامر. العراق (٣) : قال الخليل: هو لغةً شاطئ البحر، وسمي العراق بذلك لأنه على شاطئ دجلة والفرات والعراق ما بين هيت إلى السند والصين، إلى الري وخراسان، إلى الديلم، وقيل سمي العراق لأنه مأخوذ من عراقي الدلو. والكوفة والبصرة تسمى العراقان، فحد أرض العراق ما بين الخزر إلى السواد فسواد الكوفة كسكر إلى الزاب إلى عمل حلوان إلى القادسية وسواد البصرة الأهواز وفارس ودهستان، وهذه كلها من العراق، والعراق وسط الدنيا ومستقر الممالك الجاهلية والإسلامية، وعين الدنيا، وفيه الدجلة والفرات، وهما الرافدان وفيه القواعد العظيمة والأعمال الشريفة. العريش (٤) : من ديار مصر في أسفل الأرض، وهي أول مسالح مصر وأعمالها، وهي من سواحل البحر ومن العريش تفترق الطريق فتصير طريقين: طريق الجفار وهو الرمل، وطريق الساحل على البحر فأما طريق الجفار فمن العريش إلى الواردة إلى العذيبة إلى البقارة إلى الفرما، وأما طريق الساحل فمن العريش إلى الدقهلة إلى القيس إلى الفرما، وكانت مدينة العريش ذات جامعين مفترقي المباني، والغالب على أرضها الرمال، ولها ثمار ونخل وفواكه. وروى ابن عطية في تفسيره عن النبي ﷺ أنه قال (٥) : " إن الله تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات، وحصَّن فلسطين بالتقديس ". عربة (٦) : مدينة كبيرة في فرضة الهند تتاخم مدينة كابل، وهي كبيرة حصينة عليها سور تراب وخندق وهي كثيرة الأعمال آهلة بها أسواق قائمة وجبايات. عكَّا: مدينة كبيرة، من ثغور الشام واسعة بينها وبين طبرية يومان. وهي قاعدة (٧) مدن الافرنج بالشام ومحطَ الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها واحتفالها بالقسطنطينية، مجمع السفن والرفاق وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، وهي دفرة قذرة، مملوءة كلها رجساً وعذرة، أخذها الفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقس، وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجداً صغيراً يجتمع الغرباء فيه لإقامة فريضتهم، وعند محرابه قبر النبي صالح ﵇، وفي شرقي البلد العين المعروفة بعين البقر وهي التي أخرج الله منها البقر لآدم ﵇ والمهبط إلى هذه العين على أدراج وطية وعليها مسجد بقي محرابه على حاله، ووضع الافرنج في شرقيه (٨) ، محراباً لهم، فالمسلم والكافر يجتمعان فيه، فيستقبل هذا مصلاه، وهذا مُصَلاه، وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ. وهي كثيرة (٩) الضياع ولها مرسى حسن مأمون وبها أخلاط من ناس شتى.

стр. 427

وكانت قطراً معتبراً عند الإسلاميين وأهل الصليب متجاذباً أبداً مرغوباً فيه، وفي آخر الأمر استولى المسلمون عليه فهدموه ومحوا أثره على أيدي أحد الملوك المتأخرين من المصريين. عكاظ (١) : صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل إلا ما كان فيها من الأنصاب التي كانت بها في الجاهلية، وهي بأعلى نجد وقريب من عرفات، وقيل هي وراء قرن المنازل بمرحلة في طريق صنعاء، وهي من عمل الطائف وقيل هي على ثلاث مراحل من تبالة. وسوق عُكاظ قرية كالمدينة جامعة لها مزارعَ ونخيل ومياه كثيرة، ولها سوق في يوم الجمعة يقصده الناس في ذلك اليوم بأنواع التجارات، فإذا أمسى المساء انصرف كل أحد إلى موضعه. وكانت عُكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً لمكة في الجاهلية، وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب تنزلها قريش وهوازن وغطفان وأسلم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف العرب، وكانت تقوم في النصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا أهل هلال ذي الحجة أتوا ذا المجاز، وهو قريب من عكاظ، فيقوم سوقها إلى يوم التروية فيسيرون إلى مِنىً. قال أبو عبيدة: أجمع العُكاظيون على أن فرسان العرب ثلاثة: فارس تميم عْيَيْنة بن الحارث بن شهاب أحد بني ثعلبة بن يربوع بن حنظلة صياد الفوارس وسُمَ الفرسان، وفارس بني قيس عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب وفارس ربيعة بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس أحد بني شيبان بن ثعلبة. وعن ابن عباس ﵄ قال: لما قَدِم وفد إياد على رسول الله ﷺ قال: " ما فعل قس بن ساعدة "، قالوا: مات يا رسول الله، قال ﷺ : " كأني أنظر إليه بسوق عُكاظ يخطب الناس على جمل له أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، منَ عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، أما بعدُ فإنَّ في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، بُحُور تَمُور، ونجومْ تَغور، وسقف مرفوع وعِماد موضوع، أقسم بالله قس قسماً إن للهِ دِيناً أرضى من دِينٍ أنتم عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أَرضوا فأقامُوا، أَمْ تركوا فناموا، وسبيل مؤتلف وعمل مختلف، وقال أشياء لا أحفظها "، فقال أبو بكر الصديق ﵁ له: أنا أحفظها يا رسول الله، فقال ﷺ : " هاتها "، فقال: في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائرْ لما رأيت موارداً ... للقوم ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمشي الأوائل والأواخر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله ﷺ : " رحم الله قَسَاً، إني لأرجو أن يبعثه الله تعالى أمة وحدة ". وكان رسول الله ﷺ أول ما بعثه الله تعالى يعرض نفسه في المواسم على القبائل يدعوهم إلى الله تعالى وإلى ما جاء به، فحدَث الواقديَ عن عامر بن سلمة الحنفي وكان قد أسلم في آخر عمر رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ جاء ثلاثة أعوام بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعونا إلى الله ، وأن نمنع له ظهره حتى يبلغ رسالات ربه ويشترط لنا قال: فما استجبنا له ولا رددنا جميلاً، لقد خشنَا عليه وحلم عنا قال عامر: فرجعت إلى حجر في أول عام، فقال لي هوذة بن علي: هل كان في موسمكم هذا خبر؟ فقلت: رجُل من قُريش يطوف على القبائل يدعوهم إلى الله وحده، وأن يمنعوا ظهره حتى يبلغ رسالات ربه، ولهم الجنة، فقال: من أي قُريشٍ هو قلت: من أوسطهم نسباً في بني عبد المطلب، قال: هوذة: أهو محمّد بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو، قال: أما إنه سيظهر على ما هاهنا، فقلت: هاهنا فقط من بين البلدان، فقال: وغير ما هاهنا ثم وافيت في السنة الثانية فقدِمْتُ حجراً، فقال: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيته على حاله في العام الماضي، قال: ثم وافيت في السنة الثالثة، وهي آخر ما رأيته وإذا بأمره قد أَمِر، وإذا ذكره كثر في الناس، وأسمع أن الخزرج تبعته، فقدِمت حجراً فقال لي هوذة: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيت أمره قد أمر، ورأيت قومه عليه أشداء، فقال لي هوذة: هو الذي قلتُ لك، ولو أنا تبعناه كان خيراً لنا

стр. 428

ولكنا نضن بملكنا وكان قومه توجوه وملَكوه، قال عامر: فمرَ بي سليط بن عم رو العامري حين بعثه رسول الله ﷺ إلى هوذة، فضيفته وأكرمته، فأخبرني من خبر هوذة وأنه لم يسلم وأنه رد رداً دون ردّ، قال: وأخبرت سليطاً خبري بهوذة فأخبره سليط رسول الله ﷺ وأسلم عامر بن سلمة ومات هوذة بن علي سنة ثمان من الهجرة كافراً على نصرانيته. وأتى رسول الله ﷺ لبني محارب بن خصفة بعكاظ، فوجدهم في محالهم فيهم شيخ منهم وهو جالس في أصحابه فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته، ودعا إلى الله تعالى وطلب المنعة حتى يبلغ رسالات ربه، فردَ على رسول الله ﷺ أقبح الردّ وقال له: عجباً لك، يأبى قومك أن يتبعوك وتأتي إلى محارب تدعوهم إلى ترك ما كان عليه آباؤهم!! اذهب، فإنه غير متبعك رجل من محارب آخر الدهر، وأقبل إليه سفيه منهم فقال: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه إن كنت صادقاً؟ فلعمري إنك لتدعي من العلم أعظم مما سألتك عنه، تزعم أن الله يوحي إليك ويكلمك، فاسكت عنه رسول الله ﷺ وأقبل إليه رجل منهم يقال له سلمة بن قيس وكان رسول الله ﷺ جالساً قريباً من بئرهم فأراد أن يطرحه في البئر، فقام رسول الله ﷺ فتنحى عن البئر فجعل سلمة يقول: لو وقعت في البئر استراح منك أهل الموسم وأخذ رسول الله ﷺ بزمام ناقته يقودها، وهم يرمونه بالحجارة حتى توارى عنهم وهو يقول: " اللهم إنك لو شئت لم يكونوا هكذا فإن قلوبهم بيدك، وأنت أعلم بهم فإن كان هذا من سخط بك عليَ فلك العتبى ولا حول ولا قوة إلا بك ". وقال أبو فروة: وجد بعكاظ حجر مكتوب فيه: اصبر أخي فحبذا الصبر ... لا تجزعن فإنه الدهر فلربما صبر الفتى متجلداً ... ولربما جزع الفتى الحر وقال عقْبة بن رؤبة بن العجاج: مرَّ المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد بعكاظ يقوده ابن ابنه خرِفاً فقال له رجل: أحسن إليه فقد طال ما أكرمك، فقال: من ظننته قال: أباك أو جدك؟ فال: فإن هذا ابن ابني، فقال له الرجل: لم أر كاليوم قط في الكذب، لو كنت المستوغر ما زدت، فقال: فإني المستوغر. وقال أبو عمرو بن العلاء: عاش المستوغر ثلثمائة وعشرين سنة. عكبرا (١) : بينها وبين بغداد في طريق الموصل سبعة فراسخ، وهي مدينة صغيرة على شرقي دجلة. قال ابن ماكولا: ولِدْت بعكبرا عام أحد وعشرين وأربعمائة. علقمة (٢) : بلدة بجزيرة صقلية كبيرة منيعة (٣) فيها السوق والمساجد وسكانها مسلمون. عم (٤) : قرية بالشام ما بين حلب وأنطاكية، وإليها ينسب عكاشة العمي (٥) ، وقيل عم: مخلاف من مخاليف مكة. عَمَّان (٦) : بفتح أوله وتشديد الميم، قرية من عمل دمشق سميت بعمان بن لوط ﵇. وعمان أيضاً في مفازة سمرقند خربت في الزمن القديم وهي مفتوحة العين مشددة الميم، ولبعضهم: أين عمان من قصور عمان عمان (٧) : مضمومة الأول مخففة الميم، مدينة معروفة، سميت بعمان بن سنان بن إبراهيم، كان أول من اختطها، وقال الشاعر: أين عمان من قصور عمان ... وهي فرضة البحر من العروض، وإليها ينسب العماني الشاعر (٨) .

стр. 429

وكان عامل رسول الله ﷺ على عمان عباد وجيفر ابنا الجلندى. وبلاد عُمان (١) متصلة بأرض مهرة، وهي مجاورة لها من جهة الشمال، وبلاد عمان مستقلة في ذاتها عامرة بأهلها وهي كثيرة النخل والفواكه والموز والرمان والتين والعنب، وهي بلاد حارة وببلاد عمان حية تسمى العربد وإليها ينسب السكران المعربد وهي حية تنفخ ولا تؤذي. ويحكى أنها أخذت ووضعت في آنية زجاج وتوثق من رأسها وأخرجت من بلاد عمان فتفقدت الآنية ولم توجد الحية فيها والأخبار بهذا شائعة. وبعمان أيضاً دويبة تسمى القراد إذا ظفرت بجارحة من الإنسان عضته، فلا تزال عضدتها تربو وتتزايد إلى أن تتقيح وتتدود ولا يزال ذلك الدود يسعى في جوف الإنسان حتى يموت. وبجبال عمان قردة كثيرة تضر بأهلها اضراراً كلياً، وربما اجتمع منها العدد حتى لا يطاق دفاعها إلا بالخروج إليها بالسهام والسلاح العام وحينئذ يقدر على دفاعها. ويتصل بأرض عمان من جهة المغرب ومع الشمال أرض اليمامة. وبلاد عمان (٢) ثمانون فرسخاً، فما والى (٣) البحر منها سهول ورمال وما تباعد منه حزون وجبال ولها عدة مدن ومدينة عمان حصينة على ساحل البحر، ومن الجانب الآخر جبل فيه مياه سائحة قد أجريت إلى المدينة، وهي كثيرة النخل والبساتين وضروب الفواكه كما قلناه وطعامهم الحنطة والشعير والأرز والجاورس وكان الذي أجرى الماء من الجبل إلى المدينة رجل مجوسي يقال له أبو الفرج كان له من الصامت ثمانمائة كنجلة (٤) دنانير (٥) كل كنجلة تسعة أمناء (٦) ، وهو الذي اتخذ بعمان خانات للتجار مفروشة مكان الآجر باللبن المتخذة من نحاس في كل لبنة من مائة إلى مائة وخمسين مناً (٧) . وخراج أهل (٨) عمان على المقاطعة ثمانون ألف دينار. وفي الأمثال: من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان. وأهدى صاحب عمان إلى الكعبة بعد العشرين والأربعمائة محاريب، زنة المحراب أزيد من قنطار فضة، وقناديل فضة في نهاية الإحكام، وسمرت المحاريب في جوف الكعبة مما يقابل بابها وذلك إثر أخذ أمير مكة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسيني لحلي الكعبة من المحاريب وغيرها. وعمان بها أبواب حديد وبها مياه وأسواق وموز كثير ونهر جار ونخيل وسائر الفواكه، وهي فرضة الصين، وبها مرفأ الصين وتحمل من سيراف الأمتعة إليها والحمولة في قوارب ثم توقر السفينة العظيمة حتى تلجج في البحر العظيم فتسير بالريح الطيبة مقدار أربعين يوماً إلى خمسين يوماً حتى تنتهي إلى مدينة تسمى الشحر. وحكي أن رجلاً عمانياً ورد مكة بلؤلؤتين لم ير مثلهما فباعهما بألفي دينار ذهباً من رجل سمرقندي وخرج من مكة في يومه، فلما كان بعد عدة أيام قدم من قبل صاحب عمان رسول يطلب الذي باع اللؤلؤتين ويذكر أنهما سرقتا من قصره، فطلب المشتري فعمي أثره وخفي خبره ووصل بهما إلى مدينة دمشق فأهدى إحداهما إلى صاحبها فأعطاه بها عشرة آلاف دينار ثم سار إلى سمرقند فأهدى الثانية إلى صاحبها فكافأه عليها بخمسة عشر ألف دينار فهاتان اللؤلؤتان من مغاص عمان وما والاها من هذه المواضع. عمورية: في بلاد الروم من ناحية بلاد باطوس (٩) وتفسيره المشرق، وهي مدينة (١٠) كبيرة مشهورة في بلاد الروم وبلاد المسلمين أزلية، غير أن الفتوح تتوالى عليها من عهد المسلمين والروم، ولها سور حصين وهي على نهر كبير يصب في الفرات وعمورية رصيف إلى سائر البلاد المجاورة لها والمتباعدة عنها، ومنها الطريق إلى طرسوس، وبين عمورية والخليج مائة وخمسة وسبعون ميلاً وكانت منزلاً لبعض ملوك الروم. وقال سعيد بن عبد العزيز: إن عثمان ائتم بأبي بكر وعمر ﵃ في إيثاره (١١) المجاهدين وتقويتهم بالأموال ولقد زاد عثمان رضى الله عنه أهلَ العطاء مائة دينار وتابع إغزاءهم أرض الروم

стр. 430

حتى ذلت عمورية وما دونها من مدائن صاحبة الروم على أداء الجزية وإنزال جماعة من المسلمين مدينة عمورية يقاتلون من خلفها فلم يزل المسلمون بها حتى بلغ أهل عمورية قتل عثمان ﵁ قبل أن يبلغ من كان بها من المسلمين فبيّتوا المسلمين فقتلوهم على فرشهم، وانتقض ذلك الصلح وغزاها المعتصم الخليفة العباسي وافتتحها في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين بسبب أن الروم خرجت إلى زبطرة فقتلوا الرجال وسبوا النساء وأخربوها وأمر ببناء زبطرة وشحنها، وقد تقدم ذكر ذلك في حرف الزاي، وفي قصيدة حبيب المشهورة: يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلاً معسولة الشنب وفي بعض الأخبار أنه نصب على عمورية المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها فقتل فيها ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم وكان في سلبه ستون بطريقاً، وطرح النار في عمورية من سائر نواحيها فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق فنصبه على أحد أبواب دار الخلافة قال سليمان بن يحيى: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم وهو يريد بلاد الروم فمررنا براهب فوقفنا عليه، فقلنا: أيها الراهب أترى هذا الملك يدخل عمورية. قال: لا إنما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا فأتينا المعتصم فأخبرناه فقال: أنا والله صاحبها أكثر جندي أتراك وهم أولاد زنا. عمرة (١) : هي فحص بأحواز قفصة كانت فيه وقيعة عظيمة (٢) في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للموارقة والأغزاز على جند المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب وكان الظهور فيها للموارقة والأغزاز فتبدد جند المنصور في تلك الفحوص وانهزموا هزيمة شنيعة، وكان ذلك السبب في تحرك المنصور بنفسه إلى قفصة ونزوله عليها وسوء أثره فيها وذلك أن المنصور يعقوب كان وجه يعقوب ابن عمه أبي حفص بن عبد المؤمن في عسكر فخرج من تونس في جمع حفيل وصمد إلى الموارقة، ولما تراءى الجمعان وذلك يوم الجمعة منتصف ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بوطاة عمرة خارج قفصة، دفع علي بن الربرتير في أهل الحد من أصحابه فرشقوهم بالسهام، وأرجل علي وقبض عليه، وكثر الطعن والضرب في أصحابه واقتفى أثره أبو علي بن أبي زكريا بن مومور (٣) ، فحصل بالعرب فنكلوا عنه وخلوا بينه وبين عدوه فقبض عليه بعد الإثخان (٤) فيه، وكشفت الحرب عن ساقها واستحر القتل في الفئتين، وأصيب جملة من أعيان الموحدين وتخاذل باقيهم (٥) ، وعظم الكرب وغشي الليل فتفرق الناس واستسلموا واشتغل عدوهم بالسلب وأكثر الرجال مثخنون في المعترك، وتحاملوا مع ذلك إلى قفصة مفلوين، فاستدعاهم ابن غانية موهماً لهم بالأمان فاجتمعوا إليه فاستأصلهم وجلس في خباء الساقة المأخوذ للسيد وجمع أثاث المنهزمين وأسبابهم وقسمها على أصحابه. وكان ابن الربرتير في أسر الأغزاز أصحاب قراقش فابتاعه منه ابن غانية بألفي دينار فعذبه حتى مات. ووصل أيضاً ابن مومور مثخناً فصلبوه بقفصة. وأصبح الفل من يوم الجمعة بأقطار تونس، وبادر إلى تونس سرعان المنهزمة، وكثر التحدت وفشت الأنباء، فضاق لذلك صدر المنصور، وأعلن بالصفح في المنهزمين، وسرح - أعيان الطلبة إلى المنهزمين بتهوين الخطب، ثم استبد بأمره ونكب عن المشورة، وتحرك بنفسه من تونس في صدر رجب هذه السنة، واستخلف على تونس أخاه السيد أبا إسحاق، ونزل على سبعة أميال متلوماً على الناس، وقد ظهر تكاملهم وتأخر إبراهيم الغزي بجماعته. وأمر باعتقاله ونادَى في الناس بمعاجلة العقاب لمن جن عليه الليل بالمدينة، فخرج الناس وانتهى المشي إلى القيروان، فاخترق سككها وأتى الجامع فصلى بمقصورته ركعتين، وقرأ في مصحف عبد الله بن عمر الذي بها، وتطوف على مقابر الأئمة بها، ونظر إلى ماجلها، فأمر القبائل برفع ترابه فصوب له أهل البلد تركه خوفاً من طلب العرب له عند يبس الهواء فتركه، ثم استقبل عدوه، فلما تراءىَ الجمعان على فرسخين من الحمة سرح سرية إلى مواضع العرب الموالين للموارقة فشنوا الغارة عليهم مع الصباح واكتسحوهم وساقوا أموالهم ثم قفلوا وبلغ العرب الذين مع الموارقة ما حل بأحيائهم فارفضّت جموعهم وتضعضعت محلة الموارقة بسبب ذلك ثم لبس لامته وناجز أعداءه وباشر الحرب بنفسه، والتحم القتال، فاستؤصلت الموارقة وأفلت قراقش وابن غانية واتبعهم السيف

стр. 431

إلى الليل، ثم توجه في ثاني يوم الفتح إلى قابس فأحدق المقاتلون براً وبحراً ففتحوا أبوابهم مستسلمين، فقبل المنصور ذلك منهم وأسلموا أصحاب قراقش وشيعته وكان اتخذها حصناً وشحنها بشيعته وأصحابه، فبعث بهم إلى تونس في البحر وبعث إلى أهل قابس مَن وبخهم على اتباع كل ناعق، ثم انحفز إلى توزر فأعلنوا بالتوحيد، وفي فتح الحمة يقول أبو بكر بن مجبر من قصيدة له أولها: أسائلكم لمن جيش لهام ... طلائعه الملائكة الكرامُ يقول فيها: لقد برزت إلى هول المنايا ... وجوه كان يحجبها اللثام وما أغنت قسي الغز عنها ... فليست تدفع القدر السهام متى يك من ذوي الكفر اعتداء ... يكن من فرقة التقوى انتقام عمواس: قرية من قرى الشام بين الرملة وبيت المقدس، وإليها ينسب الطاعون (١) لأن منها بدأ فيقال طاعون عمواس، مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، فيهم أبو عبيدة بن الجراح ﵁، واسمه عامر، وهو من عظماء أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال فيه: " لكل أمّة أمين، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجراح ". ومات فيه الحارث بن هشام وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل ﵃، وكان هذا الطاعون سنة ثمان عشرة، وقيل سنة تسع عشرة، وكثر عدد من مات بعمواس حتى خرج عن الإحصاء، وعلّق عمرو بن العاصي ﵁ بعمود خبائه سبعين سيفاً كلها ورثه عن كلالة عام طاعون عمواس، ولم يكن أحد يقول لأحد: كيف أصبحت وكيف أمسيت، حتى كثر فيهم الموت. قالوا: سجن سليمان بن داود ﵉ شيطاناً بعمواس، فإذا أراد الله تعالى أن يأذن له بالخروج خرج فيقع على جارية ترعى الضأن لأهلها فتحمل منه، فإذا وضعت حملها طرحته في جزيرة من جزائر البحر، فيبعثه الله تعالى من قصبة فيها ستمائة ألف ملك مختلفين، فيشب في اليوم مثل ما يشب الغلام في الشهر، ويشب في الشهر مثل ما يشب الغلام في السنة، فإذا كبر اجتمعوا عليه فملَّكُوه، فهو الذي يسير بهم إلى الشام، وهو الذي يقبل من المغرب، وهو الذي يدعى ابن حمل الضأن. العناطس: موضع بينه وبين مدينة القلزم ثلاثة أميال، بالقرب منه عين يجري منها القار اللين الفوّاح كأجود الزفت أبداً. عفص (٢) : بالأندلس بقرب مرسية، فيها كانت وقيعة الروم على أهل مرسية سنة ٦٢١ في رجبها، ذهب فيها من أهل مرسية بين قتيل وأسير نحو من أربعة آلاف رجُل، وكان الروم أغاروا على تلك الجهة فخرج إليهم أهل مرسية، وكانوا عابوا على أهل اشبيلية مثلها حين وقعت عليهم الهزيمة بفحص طلياطة، ونسبوهم إلى الضعف والخور وقلة الدربة بالحروب، فلم تمض الأيام حتى امتحنهم الله تعالى بهذه الوقيعة. وكان صاحب الجيش في هذا اليوم أبو علي ابن أشرقي، قال صاحب " الملتمس " (٣) : كائنة عفص هي أخت كائنة طلياطة المتقدمة في سنة إحدى وعشرين وستمائة، كانت هذه في غرب الأندلس وهذه في شرقها، وكان عباد الصليب قد وصلوا إلى عفص من عمل مرسية فخرج عسكر مرسية ومعهم العامة، فقتل منهم كثير وأسر أكثر، وفيها يقول أحد المرسيين: بوقعة عفص وطلياطة ... تكامل إقبال أيامنا فبالغرب تلك وبالشرق ذي ... أناخا على شمِ أعلامنا وفي وسط الأرض قيجاطة (٤) ... ولوشة خفَّا بأحلامنا وليس الصليب يرى مانعاً ... لغيرِ تواتر إعدامنا

стр. 432

وسيدنا ناظر في الجواز ... يروم النجاة بإسلامنا العقاب (١) : بضم أوله، موضع بإزاء الصحصحان. وثنية العقاب بدمشق سميت براية خالد العقاب حين نزلها المسلمون. العِقاب (٢) : بكسر العين، بالأندلس بين جيان وقلعة رباح، كانت في هذا الموضع وقيعة عظيمة وهزيمة على المسلمين شنيعة في منتصف صفر من سنة تسع وستمائة، وذلك أن الملك الناصر أمير المؤمنين محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب كان تحرك من مراكش إلى الأندلس، فاحتلَّ باشبيلية، ثم تحرَّك منها إلى قُرطُبة، ثم نزل على حصن شلبطرة واللج فحاصرهما وضيّق عليهما، فملك حصن اللج أولاً ثم حصن شلبطرة ونصب عليها المجانيق الضخام، ورميت بالحجارة الصم حتى ملكها على رغم الاذفونش صاحب طليطلة وقشتيلة. ولم يكن له يومئذ قدرة على دفاعه، وكان ذلك في سنة ثمان وستمائة حتى انتصف في العام الذي يليه في هذه الوقيعة، وكان الملك الناصر أعجب بفتح شلبطرة وكتب بذلك إلى الآفاق، وخفي عليه ما في طيّ الغيوب من خبر العقاب، ورجع إلى اشبيلية ظافراً غانماً ثم استغاث الاذفونش بأهل ملّته، وحثّهم على حماية دينهم، فاستجابوا وانثالوا عليه من كل مكان، وخرج عليه الناصر من اشبيلية في العشرين من محرم سنة تسع وستمائة بحشود لا غرض لهم في الغزو، وقد أمسكت أرزاقهم وقتر عليهم مع ما كان من قتله لابن قادس صاحب قلعة رباح، بسبب إسلامه القلعة للنصارى من غير أن يسمع حجته، وإخراجه من مجلسه الحشود الأندلسية غضباً عليهم، ومخادعة النصارى لباقي الأجناد بإشهار الصلح والعمل على ضده، حتى خالطوهم على غفلة فأخذ المسلمون في فرار ما سمع بمثله، وكان ذلك في العقاب بين جيان وقلعة رباح في منتصف صفر من سنة تسع وستمائة كما ذكرناه، وكانت شنيعة، ومرَّ الناصر لا يلوي على شيء حتى وصل اشبيلية، وتبعهم العدوَ حتى حال بينهم الليل، وأخذوا أجناد السّاقة وماتت تحتهم الخيل، فمشى وراءهم (٣) بكل طريق سلكوه، ومنهل وردوه، وأتى القتل على خلق كثير من المسلمين، وقتل فيها من الأعيان والطلبة جملة منهم علي بن الغازي الميورقي وابن عات الفقيه (٤) وغيرهما، وكان فرس الملك الناصر بادناً فلم يطق الحركة، فنزل له بعض العرب عن فرسه وقال له: اركبه فهو خير لك من هذا، وكان أمر أبا بكر بن عبد الله بن أبي حفص بالوقوف تحت الراية، وحملت الروم فقصدت الراية ظناً منها أن الناصر عندها، فوضعت السيف في من واجهها، فقتلت خلقاً وقُتِل أبو بكر هذا وانهزم الناس، واستولى العدوّ على جميع المحلة وأكثر مضاربها ثم استولى الروم بعد ذلك على مدينة بسطة وباغو وما جاورهما من القرى والحصون، وقتلوا الرجال وسبوا الذرية وكانت هذه الوقيعة أول وهن دخل على الموحّدين، فلم يقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة. ولمّا انتهى الناصر إلى اشبيلية أنس البلاد بخطاب كتبه إليهم زخرفه الكاتب (٥) ، ثم جاز البحر إلى مراكش فتوفي بها في صفر من سنة عشر وستمائة (٦) قيل عضّه كلب في رِجْله، وقيل غير ذلك. العقنقل (٧) : كثيب رمل ببدْر، وهو الذي عنى ابن الزبعرَى في قوله يرثي من قُتِل ببدْر من قُريش: ماذا ببدر والعقن ... قل من مرازبة جحاجح العقيق (٨) : هما عقيقان عقيق بني عقيل حيث قُتِل صخر بن عمرو بن الشريد أخو الخنساء وذلك في وادٍ منه يسمى بقو وهو على مقربة من عقيق المدينة. وعقيق المدينة: على ميلين منها، وقيل على عشرة أميال منها، وفيه نخل وقبائل من العرب. ومات سعد بن أبي وقاص ﵁ في قصره بالعقيق وحمل على رقاب الناس إلى المدينة.

стр. 433

قال هشام بن عروة (١) : العقيق من قصر المراحل صاعداً إلى النقيع وما سفل عن ذلك فمن زعابة، وقال غيره: العقيق من العرصة إلى النقيع ما بين محجة يين (٢) وتخوم الشام. وذكر أن تبعاً مرَّ بهذا الموضع لما قَدِم المدينة فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق. وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵄ قال: ركب رسول الله ﷺ إلى العقيق ثم رجع فقال: " يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه وأعذب ماءه "، قالت: يا رسول الله أفلا تنتقل إليه؟ فقال ﷺ : " وكيف وقد ابتنى الناس ". وقال عبد الله بن مطيع (٣) : بات رجلان بالعقيق ثم أتيا رسول الله ﷺ فقال: " أين بتما "؟ فقالا: بالعقيق، فقال: " بتما بواد مبارك ". وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵄ أن رسول الله ﷺ نام في العقيق، فقام رجل من أصحابه يوقظه للصلاة، فحال بينه وبينه رجُل من أصحابه، فقال: لا توقظه فإن الصلاة لم تفته فتجاذبا حتى أصاب بعض أحدهما رسول الله ﷺ فأيقظه، فقال: " ما لكما لقد أيقظتماني وإني لأراني بالوادي المبارك ". وقال (٤) عمر ﵁: احصبوا (٥) هذا المسجد، يعني مسجد رسول الله ﷺ من هذا الوادي المبارك، يعني وادي العقيق. ولمّا أقطع عمر ﵁ العقيق فدنا من موضع قصر عروة قال: أين المستقطعون منذ اليوم؟ فوالله ما مررت بقطيعة تشبه هذه القطيعة، فقام إليه خوات بن جبير الأنصاري فقال: أقطعنيها يا أمير المؤمنين، فأقطعه إياها، وكان يقال لموضعها خيف حرة لؤلؤة. وقال ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث: إن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق كله، فلما ولي عمر بن الخطّاب ﵁ قال له: إن رسول الله ﷺ لم يقطعكه لتحجره فأقطعه الناس. العقبة (٦) : المراد العقبة التي واعد رسول الله ﷺ فيها النفر الذين بايعوه من الأوس والخزرج من أواسط أيام التشريق. قال كعب بن مالك: بتنا تلك الليلة مع قومنا ورحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخْفيِن حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في شعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه (٧) : العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلسوا كان أول متكلم العباس ﵁ فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب يسمون (٨) هذا الحيّ من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم؟ فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم له من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، قال، فقلنا له: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخُذْ لنفسك ولربِّك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله تعالى، ورغّب في الإسلام، ثم قال: " أنا معكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم "، قال: فأخذ البراء بن معرور ﵁ بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحقِّ، لنمنعنك مما نمنع أزرَنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، فاعترض القولَ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله تعالى أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسَّم رسول الله ﷺ ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحاربُ من حاربتم وأُسالم من سالمتم ". ثم قال رسول الله ﷺ : " أخرجوا إلي اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم "، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فقال لهم: " أنتم على قومكم بما فيهم

стр. 434

كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ﵉، وأنا كفيل على قومي "، قالوا: نعم. وقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون على مَ تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتلة الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال ﷺ : " الجنة "، قالوا: ابسط يدك، فبسط ﷺ يده، فبايعوه؟ وإنما قال ذلك العباس ﵁ ليشد العقد لرسول الله ﷺ في أعناقهم، وقال آخرون: إنما قال ذلك ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم. قال: فلما بايعنا لرسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة، بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل المنازل، هل لكم في مذمم والصبَاء معه قد اجتْمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ : " هذا ازب العقبة، أي عدوّ الله، أما والله لأفرغن لك "، ثم قال رسول الله ﷺ : " ارفضّوا إلى رحالكم " فقال له العباس بن عبادة بن نضلة ﵁: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن غداً على أهل مِنى بأسيافنا، قال: فقال رسول الله ﷺ : " لم أؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم "، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وتبايعوه على حربنا، والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينكم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء، وما علمناه، قال: وصدقوا لم يعلموا، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض، قال: ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت له، كلمة، كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي فقال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه، قال، فقلت: والله لا أردّهما، فأل والله صالح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنه. قال: ونفر الناس من مِنىً فتنطس القوم الخبر، فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعدَ بن عبادة ﵁ بأذاخر فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير. قال سعد ﵁: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قُريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال، قال، قلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، قال: فلما دنا مني رفع يديه فلطمني لطمة شديدة، قال، فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير، قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى إلي رجل منهم فقال: ويحك، أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال، قلت: بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجاره وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال: ويحك، فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما، قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: أما أن رجُلاً من الخزرج الآن يضرب بالأبطح، وإنه ليهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً، قالا: ومَنْ هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله إن كان ليجير تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده، فجاءا فخلصا سعداً من أيديهم، فانطلق. العَقْر (١) : بأرض بابل من ناحية الكوفة بالعراق بين واسط وبغداد، موضع كان التقاء مسلمة ين عبد الملك في ستة آلاف من أهل الشام بيزيد بن المهلب الخارج على يزيد بن عاتكة. وكان (٢) قد هرب من سجن عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وصار إلى البصرة، وعليها عدي بن أرطأة الفزاري، فأخذه يزيد بن المهلب فأوثقه: ثم خرج يريد الكوفة مخالفاً على

стр. 435

يزيد بن عبد الملك، وحشدت له الأزد أحلافها، وانحدر إليه أهله وخاصته، وعظم أمره واشتدت شوكته، فبعث إليه يزيد أخاه مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في جيش عظيم، فلما شارفاه رأى يزيد بن المهلب في عسكره اضطراباً فقال: ما هذا الاضطراب أن قيل جاء مسلمة والعباس؟! فوالله ما مسلمة إلا جرادة صفراء، وما العباس إلا نسطوس بن نسطوس، وما أهل الشام إلا طغام قد حشدوا ما بين فلاح وزراع ودباغ وسفلة، فأعيروني (١) أكفكم ساعة تصفعون بها خراطيمهم، فما هي إلا روحة أو غدوة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين، علي بفرسي، قال: فأتي بفرس أبلق، فركب غير مسلح، فالتقى الجيشان فاقتتلوا قتالاً شديداً، وولى أكثر أصحاب يزيد عنه، فقتل يزيد في المعركة وصبر إخوته أنفسهم فقتلوا جميعاً، وفي ذلك يقول الشاعر: كل القبائل بايعوك على التي ... تدعو إليها طائعين وساروا حتى إذا حضر الوغى وجعلتهم ... نصب الأسنة أسلموك وطاروا إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... (٢) عاراً عليك وبعض قتل عار فلما ورد الخبر على يزيد بن عبد الملك بذلك استبشر، وتكلف الشعراء له بهجو آل المهلب فأكثر، وبعث يزيد هلال بن أحوز المازني في طلب آل المهلب، وأمره ألا يلقى منهم من بلغ الحلم إلا ضرب عنقه، فاتبعهم حتى أتى قندابيل من أرض السند، وأتي هلال بغلامين من آل المهلب فقال لأحدهما: أدركت؟ قال: نعم، ومدَّ عنقه، فكأن الآخر أشفق عليه فعض شفتيه، أي لا تظهر جزعاً، فضرب عنقه، وأْثخن هناك القتل في آل المهلب حتى كاد يفنيهم، فذكر أن آل المهلب مكثوا بعد إيقاع هلال بهم عشرين سنة، يولد فيهم الذكور ولا يموت منهم أحد. وقتل مع يزيد أخواه حبيب ومحمد ابنا المهلب، وكان يزيد جواداً شجاعاً بليغاً فصيحاً. عقرباء: موضع بناحية اليمامة فيه نزل خالد بن الوليد ﵁ والمسلمون حين لقوا مُسَيْلَمة الكذّاب وجمعه. قالوا: لما أشرف خالد بن الوليد ﵁ وأجمع أن ينزل بعقرباء قدم الطلائع أمامه، فرجعوا إليه فأخبروه أن مُسيلمة ومَن معه قد خرجوا فنزلوا عقرباء، وضرب عسكره، وقد قيل إن خالداً ﵁ هو الذي سبق إلى عقرباء فضرب عسكره ثم جاء مسيلمة فضرب عسكره، ويقال توافيا إليها جميعاً. فلما فرغ خالد ﵁ من ضرب عسكره وحنيفة تسوّي صفوفها نهض خالد ﵁ إلى صفوفه فصفّها وقدّم رايته مع زيد بن الخطّاب ﵁ ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها، وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عُيينة بن ربيعة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب، واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله واستعمل أسامة بن زيد، وأقبلت بنو حنيفة قد سلّتِ السيوف، فلم تزل مسللة وهم يسيرون نهاراً طويلاً، فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا فقد كفاكم الله عدوّكم، فما سلّوا السيوف من بعيد إلا ليرهبونا، وإن هذا منهم لجُبن وفشل، فقال له مجاعة (٣) ، وكان أسيراً عنده: كلا والله يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية خشوا تحطمها، وهي غداة باردة فأبرزوها للشمس لأن تسخن متونها. فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر من سلّنا سيوفنا، والله ما سلَلْناها ترهيباً لكم ولا جُبناً عنكم، ولكنها كانت الهندوانية، وكانت غداة باردة فخشينا تحطمها فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم فسترون، قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً وتصبر الفريقان جميعاً صبراً طويلاً حتى كثرت القتلى والجراح في الفريقين، واستلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلاً، وهزم كِلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مراراً، وحملت حنيفة أول مرة وخالد على سريره حتى خلص إليه، فجرد سيفه وجعل يسوق حنيفة سوقاً حتى ردَّهم وقتل منهم قتلى كثيرة، ثم كرَّتْ حنيفة حتى انتهوا إلى فسطاط خالد ﵁ فجعلوا يضربون الفسطاط بالسيوف، ولما دخلوا الفسطاط أراد من حمل منهم قتل أم متمم امرأة خالد،

стр. 436

ورفع السيف عليها، فاستجارت مجاعة فألقى عليها رداءه وقال: إني جار لها فنعمتِ الحرة، وعيّرهم وسبهم وقال: تركتم الرجال وجئتم إلى امرأة تقتلونها عليكم بالرجال، فانصرفوا. قال وحشي: اقتتلنا قتالاً شديداً فهزموا المسلمين ثلاث مرات، وكرَّ المسلمون في الرابعة، وتاب الله عليهم وصبروا لوقع السيوف حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها، حتى سمعت لها أصواتاً كالأجراس، وأنزل الله تعالى نصره وهزم بني حنيفة وقُتِل مسيلمة. قال: ولقد ضربت يومئذ بسيفي حتى غرق قائمه في كفي من دمائهم، وأشرف عمار على صخرة يصيح: يا معشر المسلمين أَمِنَ الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر هَلُمّوا إليّ. قال شريك الفزاري: لما التقينا والقوم، صبر الفريقان صبراً لم ير مثله قط ما تزل الأقدام فتراً، واختلفت السيوف بينهم، وجعل أهل السوابق والنيات يتقدمون فيقتتلون حتى فنوا، ولقد أحصيت لنا ثلاث انهزامات، وما أحصيت لحنيفة إلا انهزامة واحدة، التي ألجأناهم فيها إلى الحديقة، حديقة الموت، وجماعة الناس أربعة آلاف، وحنيفة مثل ذلك، فلما التقينا أذن الله للسيوف فينا وفيهم، فجعلت السيوف تختلي هام الرجال وأكفهم، وجراحاً لم أر جراحاً قط أبعد غوراً منها فينا وفيهم، ثم اقتحمنا الحديقة فضاربوا فيها وغلقنا الحديقة وأقاموا على بابها رجالاً لئلا يهرب منهم أحد، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت فجدوا في القتال، ودكت السيوف بيننا وبينهم، ما فيهم رمي بسهم ولا حجر ولا طعن برمح حتى قتلنا عدو الله مسيلمة، وهذا لباب الخبر ومقصوده، وإلا فالقصة أطول من هذا. عسكر مكرم (١) : مدينة بقرب الأهواز كبيرة عامرة على نهر المسرقان، وفيها التجار وأخلاط من الناس، وفيها أسواق وأرزاق وصناعات، ولها مزارع متصلة، وبها صنف من العقارب إذا لسبت قتلت لحينها، وبين عسكر مكرم وتستر مرحلة، وبينها وبين رامهرمز مرحلتان، وبينها وبين الأهواز مرحلة. وكان الحجاج قد بعث مكرم بن جعونة فنزل موضع عسكر مكرم اليوم، فبه سمي الموضع (٢) . عسكر المهدي (٣) : هو في الجانب الشرقي من بغداد، وكان المنصور لما ابتنى بغداد نزل ابنه المهدي وهو ولي عهد بالجانب الشرقي من بغداد سنة ثلاث وأربعين ومائة، فاختط المهدي قصوره (٤) بالرصافة وابتنى المسجد الجامع الذي بها وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي يجري في هذا الجانب، وهذا الجانب يعرف بعسكر المهدي، وقسمت فيه القطائع وتنافس الناس فيه لمحبتهم للمهدي وتوسعته عليهم، ولأنه كان أوسع الجانبين أرضاً. وكان الرشيد ولى أبا البختري وهب بن وهب (٥) القضاء بعسكر المهدي ثم ولاه مدينة الرسول ﷺ ، وجعل إليه حربها مع القضاء، وكان الرشيد أرسل إليه بنوقالة فيه ماء أو فقاع مبرد، فقال له الرسول: يقول لك أمير المؤمنين هذا بارد وقد آثرتك به، فقال أبو البختري لخادمه: هات الألفي الدينار اللذين عندك، فجاء بهما فوهبهما لخادم الرشيد، فقال له الرشيد: ما هذا السرف؟ أوجّه إليك بشربة باردة فتعطي الخادم ألفي دينار؟! قال: يا أمير المؤمنين، جاءني بما آثرتني به على نفسك وولدك أفأستكثر له ألفي دينار، والله لو ملكت أضعافها لدفعتها إليه، فأمر له الرشيد بعشرة آلاف دينار. عسقلان (٦) : مدينة بالشام، بينها وبين فلسطين مرحلة، وهي الآن عامرة بأيدي الروم، وهي على ساحل البحر، فتحها معاوية على صلح سنة ثلاث وعشرين. وعسقلان بينها وبين الرملة ستة فراسخ، وأسواقها مفروشة بالرخام، وفيها عين ماء لإبراهيم ﵇، وبينها وبين غزة أربعة فراسخ. وعسقلان (٧) مدينة حسنة ذات سورين، وليس لها من خارجها بساتين ولا شجر بها، وتغلَّب عليها الروم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وهي معدودة في أرض فلسطين.

стр. 437

عسْفَان (١) : بلد بين مكّة والمدينة، بينها وبين مكة تسعة وأربعون ميلاً، وبينها وبين البحر عشرة أميال، وفيها آبار عذبة، وبين عسفان وقديد أربعة وعشرون ميلاً، وعسفان كثيرة الأهل خصيبة، ماؤها من الآبار، وقال كثيّر (٢) : قلن عسفان ثم رحن عشاء ... قاطعات ثنيّةً من غزالِ وكان تبع ملك اليمن أتاه نفر من هذيل، وهو بين عسفان وأمج فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة، يريدون الكعبة. . . إلى آخر القصة، ذكرها ابن إسحاق (٣) . وربما كان في عسفان غدران بين أراك وأم عيلان وبين الجحفة وعسفان غدير خم، وهو الذي دعا رسول الله ﷺ أن تنقل حماه إلى مهيعة لما استوبأ المهاجرون المدينة. عسيب (٤) : جبل على قاع النقيع. وكان امرؤ القيس لما مضى إلى قيصر فوشي به إليه في شيء نسب إليه، فوجه معه جيشاً يعينه على أخذه بثأره، وأرسل إليه بأثر ذلك بحلة مسمومة مع رجل وقال له: الملك يخصك بالسلام، وقد بعث إليك بحلة لتلبسها يكرمك بها، فأدخله الحمام وكساه إياها بعد خروجه، فلما لبسها تنفط جسمه فكان يحمل في محفة، وفي ذلك يقول (٥) : وبدلت قرحاً دائماً (٦) بعد صحة ... لعل منايانا تحوَّلْنَ أبؤسا ثم نزل إلى جنب جبل وفي ناحية منه قبر، فسأل عنه فقيل له: هو قبر لابنة بعض ملوك الروم، قال: فما جاء بها إلى هاهنا؟ فقيل له: إنها ترهبت فماتت حيث يرى الملك ذلك، فعند ذلك جعل يقول (٧) : أجارتنا إن الخطوبَ تنوبُ ... وإني مقيم ما أقام عسيبُ أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب فإن تصلينا فالمودَّة بيننا ... وإن تهجرينا فالغريب غريب أجارتنا ما فات ليس يؤوب ... وما هو آت في الزمان قريب وليس غريباً من تناءت دياره ... ولكنَّ من زار الترابَ غريب عشقة: جزيرة في بحر القلزم يسكنها قوم صيادون ينسبون إلى جهينة، وهم يدخرون الماء في هذه الجزيرة ويرثونه عن آبائهم ويجلبونه من البراري على مسافات بعيدة، وهم سمر الألوان من هذا البحر، شقر الشعور من مباشرة الشمس، ولهم جلبات يصطادون بها، وليس لهم طعام غير السمك والتمر، وسمكهم حوت أخضر واسع، زنة الحوت رطل ونحوه، وإذا ادخر الرجل منهم ألف حوت فذلك الغني، وإن كان عنده مع ذلك حمل تمر فذلك الذي لا فوقه أحد. وبهذا الحوت يتبايعون وبه يتناكحون، وإذا خطرت السفينة عليهم أتوها يستطعمون أهلها، وهم في السباحة والصبر عليها كبعض حيوان البحر. وفي جزيرة عشقة هذه وجدت اللؤلؤة المسماة باليتيمة، فحملها الذي وجدها منهم إلى مصر، وأهداها إلى صاحبها فسأل أهل الميز بالأحجار تقويمها، فلم يدر لها قيمة لارتفاع ثمنها وغرابة أمرها، قال لمهديها: ما أمنيتك؟ فسأله أن يعطيه جزيرته التي أصابها فيها ففعل، وملوك مصر يضعون هذه اللؤلؤة في عمائمهم إلى الآن. العوراء: موضع باليمامة. والعوراء أيضاً دجلة وقد تقدم القول فيها في حرف الدال.

стр. 438

ولبعض المتأخرين يهنئ السلطان المستنصر ملك إفريقية حين جلب العين الزغوانية إلى جنة أبي فهر (١) : أجاب أمرك معنى كلِّ مملكة ... من عهد من جاب فيها الصخر بالوادي وكان حرباً تعاصيهم قيادته ... فعاد سلماً كما قد كان في عاد وجرية الماء تبدي صوغ سلسلة ... تنهي إليك بها اذعان منقاد لا تقبلنَّ أمير المؤمنين بها ... فرات فارس أو عوراء بغداد العوالي (٢) : على أربعة أميال أو ثلاثة من المدينة، وفي الحديث عن أنَس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة. العواصم (٣) : كورة من كور الشام تلي عمل حلب، قال أحمد بن الحسين (٤) : تَنَفّس والعواصمُ منك عشر ... فتعرف طيب ذلك في الهواءِ واختزل الرشيد الثغور من الجزيرة وقنسرين وسماها العواصم. العونيد (٥) : مدينة قريبة من نصف الطريق من جدة إلى القلزم، وهناك يطلب الملاحون البشارة من الحاج، ومدينة العونيد مسورة صغيرة أهلها أجهل خلق الله تعالى، والفواجر يتحاكمن إلى الوالي فيحكم لهن، ولا يتمسكون من الإسلام إلا بالشهادة. وهي قريبة من مرسى ضبا، ويبدو (٦) عند الجزر أثر قدم من أوسط الأقدام بنسبة الكعب والأخمص والصدر والأصابع لم يعفها الزمان ولا محاها كرور الماء عليها. عينونا (٧) : وعينونا في طريق مكة من مصر، فمن أراد أن يخرج من مدين إلى مكة أخذ على ساحل البحر الملح إلى موضع يُقال له عينونا فيه عمارة ونخل، وبه مطالب يطلب الناس فيها الذهب. عينان (٨) : قرية بالبحرين، وأيضاً جبل بأحُد حيث خرج إبليس يوم أحد. عين زربة (٩) : مدينة في الثغور الشامية بناها المهدي بن المنصور وأتقنها. عين شمس (١٠) : مدينة فرعون مما يلي جبل المقطم من البلاد المصرية، وهي مدينة خربة فيها صنمان من حجارة: أحدهما مما يلي المشرق والآخر مما يلي المغرب، طول كل صنم منهما ست أذرع، فإذا نظر الناظر إليهما خيّل إليه أن الشرقي منهما يضحك والغربي يبكي، وبين عين شمس ومصر أربعة فراسخ، وفيها آثار كثيرة وبنيان عجيب من أساطين رخام وتماثيل ونقوش، وفيها بركة عظيمة قد نقرت في حجر صلد، وحواليها كراس من رخام، فكان يجلس فرعون عليها ويملؤها بالخمر، وحواليها أنهار العسل وأنواع المشروبات، وبالقرب منها صورة من رخام يخيل للناظر أنها تتكلم، ذكر أنها كانت ماشطة فرعون. وهذه المدينة كانت طاعة لوالد زلخا زوجة العزيز. وبعين شمس مما يلي الفسطاط ينبت البلسان وهو النبات الذي يستخرج منه دهن البلسان ولا يعرف بمكان من الأرض إلا هناك.

стр. 439

عين الوردة (١) : موضع على مقربة من الكوفة إليها انتهى سليمان بن صرد وأصحابه التوابون الخارجون من الكوفة للطلب بدم الحسين ﵁ وقالوا: لا توبة لنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، وكانوا في من كتب إلى الحسين يسألونه الوصول إلى الكوفة، وكان سليمان ممن له صحبة، وكان خيّراً فاضلاً شهد مع علي ﵁ صفين، فأقبل إليهم أهل الشام مع عبيد الله بن زياد فقتلوا سليمان وأكثر أصحابه، وذاك سنة خمس وستين، وقصتهم طويلة. وجاء في الحديث أن عين وردة هو التنور الذي فاض منه الطوفان. عين تمر: حصن بالعراق افتتحه خالد بن الوليد ﵁ فإنه (٢) لما فرغ من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر، قصَدَ عين التمر وبها يومئذ مهران في جمع من العجم عظيم ومن النمر وتغلب وإياد ومن إليهم، فلما سمعوا بخالد ﵁ قالوا: إن العرب أعلم بقتال العرب فصيروا إليهم، وعبى خالد ﵁ جنده وقال لمجنبتيه: اكفونا ما عندكم فإني حامل، ووكل بنفسه حوامي، ثم حمل على صفوف تلك الأخلاط من العرب، فانهزموا من غير قتال، واتبعهم المسلمون فأكثروا فيهم القتل والأسر، ولمّا جاء الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فأتاه فلال العرب المنهزمين واعتصموا به، وأقبل خالد ﵁ في الناس، فنزل عليه، فسألوه الأمان فأبى إلا على حكمه، فنزلوا، فضرب أعناق أهل الحصن أجمعين واستأصل من حوى حصنه وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم على أهل البلاء، فمن أولئك الغلمان أبو زياد مولى ثقيف وحمران مولى عثمان ونصير أبو موسى بن نصير وسيرين والد محمد بن سيرين وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر. عين ولغر (٣) : بالأندلس بمقربة من جيان، وعين ولغر هذه كبيرة تجري سبعة أيام متوالية وتفيض سبعة أيام متوالية، كذلك دائماً. العيرات (٤) : موضع بقرب رحرحان تنسب إليه برقة، ووقع في شعر امرئ القيس: غشيت ديارَ الحيَّ بالبكرات ... فعاذمة فبرقة العيرات عيساباذ: بالعراق فيها مات الخليفة الهادي، ووثبت الشراة بعيساباذ بعقبة بن سلم الباهلي وهو بباب المهدي بعيساباذ فقتلته، وكان عُقبة هذا أحد العتاة الجفاة، وهو الذي قال - وقد قيل له وليت ناحية كذا وفيها رهط معن بن زائدة وقد كان أساء لأهله فقابله بفعله - فقال: والله لو كنت على حمار هزيل وهو على فرس رائع ثم سابقني إلى النار لسبقته، ثم قال: يا غلام، افرش على شفير جهنم. عيذاب (٥) : مدينة في أعلى الصحراء المنسوبة إليها في ضفة البحر الملح، ومنها المجاز إلى جدة، وعرضه مجرى يوم وليلة. ومرسى عيذاب جزيرة ليست بكبيرة ومساكنها من حجارة، والماء العذب يجلب إليها على مسيرة يوم، وهي محط السفن من جدة من التجّار وغيرها، وهي تقابل من الصعيد الأعلى مدينة قوص وقفط، وبينها وبين قفط في البر خمس مراحل لا ماء فيها إلا في موضعين. ومرسى عيذاب مأوى لجماعة بني يونس، والفجور فيهم فاش لا ينكره منهم منكر، ولا يكترى منه بيت إلا يشترط نفقة صاحبة البيت وإجراء الخلوة بها، وهم يأخذون من التجار عُشُوراً، وفيها قبالة الكلب، وهو كلب كان هناك للأمير في القديم. ومن عيذاب تسير القوافل إلى مدينة سواكن. وينزل عيذاب (٦) والٍ من قبل رئيس البجة وعامل من قبل ملوك مصر يقتسمون جبايتها نصفين، وعلى عامل مصر القيام بجلب الأرزاق والمعيشة إلى عيذاب، وعلى رئيس البجة القيام بحمايتها من الحبشة. ورئيس البجة ينزل الصحاري ولا يدخل المدينة إلا غبّاً، وأهل عيذاب يتجولون في كل النواحي من أرض البجة ويشترون ويبيعون

стр. 440

ويجلبون ما هنالك من السمن والعسل واللبن، وبالمدينة سمك يصاد بها كثير، وهو كبير لذيذ شهي، وتؤخذ بها المكوس من حاج الإسلام القاصد من بلاد المغرب، ثمانية دنانير على كل رأس، ولا يعبر أحدٌ من حاج المغرب إلى جدة حتى يظهر الرجل البراءة مما يلزمه، فإذا جاز المركب وسهل الله عليه الدخول إلى جدة أرسى على بُعْدٍ، ودخل الثقات من ناحية والي جدة فاقتضوا منهم المكوس (١) اللازمة لهم (٢) ، فيدفع (٣) له ما لزمه من المكس، ويأخذ هذا المكس الهاشمي صاحب مكة فيدفعه في أرزاق أجناده إذ لا تفي جبايته بلوازمه، فان عثر على رجل لا مكس معه لزم الذي جوزه، وربما سجن الرجل الحاج حتى يفوته الحج، وربما قيض الله له من يدفع له ما لزمه من المكس، ويأخذ هذا المكس الهاشمي صاحب مكة برسم ما ذكر. وأكثر (٤) بيوتها الأخصاص، وهي من أحفل مراسي الدنيا، تختلف إليها مراكب الهند واليمن، تحط فيها وتقلع منها زائداً إلى مراكب الحجاج الصادرة والواردة، وهي في صحراء لا نبات فيها، ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب، ولكن أهلها بسبب الحجاج والتجار تحت مرفق كبير، وفي بحر عيذاب مغايص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها في شهر يونيه العجمي والذي يليه، ويستخرج منه جوهر نفيس له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه إلى تلك الجزائر في الزوارق، ويقيمون أياماً، فيعودون بما قسم لكل أحد منهم حسب حظه من الرزق، ويستخرجونها في أصداف لها أرواح كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. ولأهل عيذاب (٥) في الحجاج ظلم الطواغيت فإنهم يشحنون مراكبهم حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب المركب حقه في طريق واحد، ولا يبالي بما يصنع البحر بهم ويقولون: علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح، وهذا مثل متعارف عندهم. قالوا: والأولى لمن يمكنه ألا يراها، وأن يكون طريقه على الشام إلى العراق.

стр. 441

حرفُ الغين الغابة (١) : من رسم خيبر وقيل موضع عند المدينة، وبها كانت لقاح رسول الله ﷺ . الغار (٢) : المذكور في القرآن في قوله تعالى " إِذْ هُمَا في الغَارِ "، وهو غار ثور، جبل بمكة، وذلك حين هاجر ﷺ إلى المدينة اختفى فيه هو وأبو بكر ﵁، من قريش حين خرجوا في اتباعه، وأمر الله تعالى العنكبوت فنسجت على فم الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فوقعتا على وجه الغار، وكان ذلك مما صدّ المشركين عنه، فيقال إن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. وتقدم لدخوله أبو بكر ﵁ ليقيه بنفسه لئلا يخرج منه ما يؤذيه، وفيه قال ﷺ لأبي بكر ﵁: " ما ظنك باثنين، الله ثالثهما "، وقصة الغار مشهورة. غانة: من بلاد السودان، بينها وبين سجلماسة مسيرة شهرين. وهي (٣) مدينتان على ضفتي البحر الحلو، وهي أكبر بلاد السودان قطراً وأكثرها خلقاً وأوسعها متجراً، وإليها يقصد المياسير من جميع البلاد المحيطة (٤) بها من سائر بلاد المغرب الأقصى، وأهلها مسلمون وملكها، فيما يذكر، من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهو يخطب لنفسه، لكنه تحت طاعة الخليفة العباسي، والذي يعلمه أهل المغرب الأقصى علماً يقينياً أن في قصره لبنة ذهب وزنها ثلاثون رطلاً نقرة (٥) واحدة، خلقها الله تعالى خلقة تامة من غير أن تسبك في نار، وقد نقب فيها نقب، وهي مربط لفرس الملك (٦) ، وهي من الأشياء الغريبة التي انفرد بها، وهو يفخر بها على سائر ملوك السودان، وهو أعدل الناس فيما يحكى عنه، ومن سيرته أن له جملة قواد يركبون إلى قصره كل صباح لكلّ قائد منهم طبل يضرب على رأسه، فإذا وصل إلى باب القصر سكت، فإذا اجتمع إليه قوّاده ركب وسار يقدمهم، ويمشي في أزقة المدينة، وداير البلد، فمن كانت له مظلمة أو نابه أمر تصدى له، فلا يزال حاضراً بين يديه حتى ينظر في مظلمته، ثم يرجع إلى قصره، فإذا كان بعد العصر وسكن حر الشمس ركب مرة ثانية وحوله جنوده، فلا يقدر أحد على قربه ولا الوصول إليه. ولباسه أزر حرير يتوشح بها أو بردة يلتفّ بها، وسراويل في وسطه، ونعل شركي في قدمه، وركوبه الخيل، وله حلية حسنة وزي كامل يقدمه أمامه في أعياده، وبنود كثيرة، وراية واحدة، وتمشي أمامه الفيلة والزراريف وضروب من الوحش التي في بلاد السودان. ولهم في النيل زوارق وثيقة الإنشاء يتصيدون فيها ويتصرفون بين المدينتين.

стр. 442

قالوا (١) : وغانة سمة لملوكها، وهما مدينتان إحداهما يسكنها الملك والأخرى يسكنها الرعية والتجار والسوقة، والدور والمساكن نحو ستة أميال متصلة. وفي مدينة الرعية جامع كبير ومساجد كثيرة، وفيها الأئمة والمؤذنون والفقهاء والعلماء، وحواليها آبار عذبة منها يشربون وعليها يعملون الخضر والمقاثي. ومدينة الملك تسمى الغانة (٢) ، وللملك بها قصر عظيم وقباب، قد أحاط بذلك كله حائط مثل السور، وعلى مقربة من مجلس حكم الملك وحول قصره قباب وغابات شعراء يسكنها أهل ديانته، وفيها قبور ملوكهم، ولها حرس فلا يمكن أحداً من الغرباء دخولها ولا معرفة ما فيها، وهناك سجون الملك، فإذا سجن أحداً انقطع خبره. وفي مدينة الملك مسجد يصلّي فيه من يفد عليه من تجار المسلمين، والملك يجلس للناس للحكم في قبة عظيمة، وأمام القبة عشرة أفراس من عتاق الخيل، عليها الجلال المذهبة من الحرير والديباج على قلتها في بلادهم. والملك يتحلى بحلي النساء في عنقه وذراعيه. ويحمل على رأسه طرطوراً مذهباً ويعمم عليه عمامة قطنية. وعن يمينه ويساره أبناء الملوك والوزراء وخاصته من أعيان بلده، قد ضفروا رؤوسهم بالذهب والجوهر، عليهم الثياب الرفيعة، ولا يلبس ثوباً مخيطاً من أهل دينه إلا هو وولي عهده، ومَنْ سواهما يلبسون ملاحف الحرير والديباج، وسائر أهل بلده يلبسون ملاحف القطن. والملك وسائر أهل بلده الذين على ديانته يحلقون لحاهم، ونساؤهم يحلقن رؤوسهن. ولا يولي الملك عهده إلا لابن أْخته، فإنه لا يشك فيه أنه ابن أخته، وهو يشك في ابنه، ولا يقطع بصحة اتصاله به. وإذا جلس الملك في قبته لمظالم الناس ينذرون لجلوسه بطبل عظيم يسمونه دَي (٣) وهو خشبة طويلة منقورة قد جلدوها لها صوت هائل يجتمع الناس إليه، فإذا دنا منه أهل دينه جثوا على ركبهم وحثوا التراب على رؤوسهم، وأما المسلمون فتحيتهم عليه تصفيق باليدين،، وجلوس الوزراء أمامه إنما هو على الأرض تواضعاً للملك. وإذا مات الملك عملوا له قبة من خشب الساج عظيمة مذهبة، ووضعوها في موضع قبره ثم حملوه على سرير وأدخلوه في القبة، ووضعوا معه أوانيه التي كان يأكل فيها ويشرب، وأدخلوا معه الأطعمة والأشربة وكل من كان يخدم طعامه وشرابه، وأغلقوا عليهم باب القبة وجعلوا فوقها الحصر والأمتعة واجتمع الناس فردموا فوق القبة بالتراب حتى يأتي الموضع مثل الجبل الضخم ثم يحفرون حوله حفيراً عظيماً وعراً حتى لا يوصل إلى ذلك الكوم ولا إلى شيء منه إلا من موضع واحد. ولملك غانة مملكة واسعة نحو الشهرين في مثلها، وفي بلاده يوجد الذهب الكثير، وهو يعم جميع بلاد الدنيا، وأفضل الذهب بمملكته ما كان ببلد غيارو (٤) ، وبينها وبين غانة نحو عشرين يوماً في عمارة متصلة بقبائل من السودان لا يحصى لهم عدد، وإذا وجد في جميع بلاد هذا الملك الندرة (٥) من الذهب استصفاها الملك لنفسه ولم يتركها تخرج من بلاده لغيره، والندرة تكون من أوقية إلى رطل وإنما يتركون أن يخرج من بلادهم من الذهب ما كان دقيقاً، ولو تركوا كل ما يوجد في المعادن يخرج من بلادهم لكثر الذهب بأيدي الناس ولهان، ويذكر أن عند ملك غانة ندرة ذهب كالصخرة، وقد ذكر أن عند بعض ملوك السودان من هذه الندرات حجر عظيم يجعل أمامه، فإذا ورد عليه رسل من غيره من الملوك أمر بفرسه فربطت إليه ليباهي بذلك. وخيل غانة قصار جداً، وعندهم الأبنوس الجيد المجزع وهم يزدرعون مرتين في العام: مرة على النيل إذا خرج عندهم وأخرى على الثرى، وملك غانة إذا احتفل انتهى جيشه مائتي ألف، منها رماة أربعون ألفاً. غاردة: حصن عظيم بينه وبين مدينة برونه من مدن لنقبرده عشرون ميلاً، وهو معقل حصين إلى أبعد غاية، وفيه كانت أموال ملوك لنقبرده في الأزمان السالفة. حدَّث من رأى فيها جعاباً عظيمة مثل كبار التراس لا يقلّها إلا رجلان وأكثر. وحصن غارده هذا على بحيرة عذبة الماء طولها مجرى ثلاثة أيام وعرضها مجرى يوم، وهي كثيرة السمك جليلته. غافق (٦) : بالأندلس بقرب حصن بِطْرَوش وهو حصن حصين ومعقل جليل، في أهله نجدة وحزم وجلادة وعزم، وكثيراً ما تسري

стр. 443

إليهم سرايا الروم فيستنقذون منهم غنائمهم ويخرجونهم من أرضهم، والروم تعلم بأسهم وبسالتهم فيتجنبونهم. غيارو (١) : في بلاد السودان، بينها وبين غانة نحو عشرين يوماً في عمائر متصلة، وبين مدينة غيارو والنيل اثنا عشر ميلاً، وفيها كثير من المسلمين، وفي أهلها نجدة ومعرفة، وهم يغيرون على بلاد لملم ويسبونهم ويأتون بهم ويبيعونهم من تجار غانة، وبين غيارو ولملم ثلاث عشرة مرحلة، وبينها وبين غانة إحدى عشرة مرحلة، وهي طاعة لصاحب غانة، وإليه يؤدون لوازمهم. الغدير (٢) : مدينة بقرب المسيلة من البلاد الزابية، وبينها وبين قلعة بني حماد ثمانية أميال، وهي مدينة حسنة أهلها بدو، ولهم مزارع وأرضون مباركة، والحرت بها قائم، والمسافة بينها وبين المسيلة ثمانية عشر ميلاً. وهي مدينة (٣) أولية بين جبال، فيها عين ثرة عذبة عليها الأرحاء، وعين أخرى وتحتها عين خرّارة، ومن هناك ينبعث نهر سهر، وبمدينة الغدير جامع وأسواق عامرة وفواكه كثيرة، وهي رخيصة الطعام واللحم وجميع الثمار، قنطار عنب فيها بدرهم، وسكانها هوارة يعتدون في ستين ألفاً، وهي ما بين سوق مهرة وطبنة، وهي على مرحلتين من طبنة. غدامس: في الصحراء على سبعة أيام من جبل نفوسة. وهي (٤) مدينة لطيفة قديمة أزلية إليها ينسب الجلد الغدامسي، وبها دواميس وكهوف كانت سجوناً للملكة الكاهنة التي كانت بإفريقية، وهذه الكهوف من بناء الأولين، وفيها غرائب من البناء والآزاج المعقودة تحت الأرض يحار الناظر فيها إذا تأملها، تبين أنها آثار ملوك سالفة وأمم دارسة، وأن تلك الأرض لم تكن صحراء وأنها كانت خصيبة عامرة. وأكثر طعامهم التمر والكمأة، وتعظم الكمأة في تلك البلاد حتى تتخذ فيها اليرابيع والأرانب أجحاراً. ومن غدامس يدخل إلى بلد تادمكة وغيرها من بلاد السودان. وبينهما أربعون مرحلة، وأهلها بربر مسلمون وملثمون على عادة بربر الصحراء من لمتونة ومسوفة وغيرهم. الغريّان (٥) : بالكوفة، يُقال إن النعمان بناهما على قبر عمرو بن مسعود وخالد بن نضلة لما قتلهما، قالت هند بنت معبد بن نضلة ترثيهما: ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد غرغة (٦) : اسم جبل في بلاد زغاوة من أرض السودان فيه نمل على قدر العصافير، هي أرزاق لحيات طوال غلاظ تكون في هذا الجبل، يقال إنها قليلة الضرر، والسودان يقصدون هذا الجبل يتصيدون فيه هذه الحيات ويأكلونها. غرنتل (٧) : في بلاد السودان، بلد كبير ومملكة جليلة لا يسكنها مسلمون ولكنهم يكرمونهم ويخرجون لهم عن الطريق إذا دخلوا بلادهم، وعندهم الفيلة والزرافات ومن غرنتل إلى غيارو. وهي على (٨) ضفة النيل، وهي مدينة لطيفة القدر في سفح جبل وشرب أهلها من النيل، وأكلهم الذرة، ولباسهم الصوف، وعندهم الحوت والألبان، وهم يضربون في تلك البلاد بضروب التجارات التي تدور بين أيديهم. الغربال: أكمة كبيرة يجوز عليها ماء الحنية العادية المجلوب من جبل زغوان إلى معلقة قرطاجنة قبل الإسلام، أظنه سمي الغربال لأن فيه كان الماء يتصفى فيخرج عنه صافياً خالصاً، وهو موضع مشرف منفرج، وهو الذي عنى العابد محرز بن خلف في القصيدة المنسوبة إليه يقول فيها: ومن بعده التدمير يا صاح قد بنى ... بها طيطراً (٩) ثم القناة فأبدعا

стр. 444

وشيد مجراها سنين لعدة ... ثلاث مئين بعد ذاك وأربعا وألفت من عين (١) بجقّار بعضها ... ومن لمنس (٢) ؟ البعض حتى تجمعا فلما انتهى الغربال دبر أمرها ... وأنزلها ما بين ذلك أذرعا غزة (٣) : موضع بديار جذام من مشارف الشام على ساحل البحر، وبها قبر هاشم بن عبد مناف، وفيه يقول الشاعر يرثيه: ميت بردمان وميت بسل ... مان وميت عند غزات غزال (٤) : ثنية بين الجحفة وعسفان، قال كثيّر: قلن عسفان ثم رحن سراعاً ... قاطعاتٍ ثنية من غزالِ غزنة (٥) : مدينة من مدن خوارزم منها أبو الفضل محمد بن أبي يزيد طيفور السجاوندي الغزنوي مصنِّف كتاب " عين المعاني في تفسير القرآن العظيم ". وفي سنة ست عشرة وأربعمائة وصل كتاب محمود بن سبكتكين سلطان خُراسان من مستقره بغزنة إلى خليفة بغداد أبي العباس أحمد القادر بالله أمير المؤمنين، يذكر فيه غزاة غزاها إلى بلاد الهند، ويصف ما سنّاه الله تعالى للإسلام من فتوحات وغنائم على يديه، أطال فيه القول، وكان المنشور في مائة طبق منصورية. وعلى مقربة من غزنة موضع يقال له بلخشان تقدم في حرف الباء. وفي سنة سبع عشرة وستمائة عاث الططر في بلاد غزنة والسند وما إلى تلك الجهات، وكان منهم فيها من القتل والنهب والإحراق والتخريب ما تصم عنه الأسماع. قالوا: ولم يبتل العالم بمثل كائنة الططر في عصر من الأعصار، فإنهم خرجوا من حدود الصين وملكوا معظم الأرض في نحو سنة، ولم يبلغ الاسكندر ولا بخت نصّر هذا المبلغ في هذه المدة، وإنما استقام لهم هذا الأمر بسبب عدم المانع، لأن خوارزم شاه كان قد استولى على ممالك المشرق وقتل ملوكها، فلما كسره الططر لم يجدوا من يخلفه في كل مملكة، لينفذ قضاء الله وقدره. وكان بها، حين نزلها الططر، جلال الدين خوارزم شاه في ستين ألف فارس، فقاتلهم ثلاثة أيام فكانت العاقبة له، وتصايح الناس: أحيا الله دولة خوارزم شاه بكَ يا جلال الدين، وقتل من الططر خلق لعب الصبيان برؤوسهم، ثم جاءوا في جيش ثان فكسرهم جلال الدين أيضاً، ثم جرت بين المسلمين فتنة على الغنائم فتفرقوا واستهزءوا بالططر وظنوا أنهم قد فلوا حدهم، فلما بلغ ذلك جنكزخان سار بنفسه إلى جلال الدين، ومعه جمهور الططر، فوجدوا المسلمين متقاتلين ومتفرقين، وبلغ الخبر جلال الدين، فسار إلى بلاد الهند، فلما انتهى إلى مهران، وهو النهر العظيم الذي ينزل إلى السند، فلم يقدر على عبوره بعسكره، والططر في اتباعه، فاضطروه إلى المصافة، فأدركه جنكزخان في جموع عظيمة، فدامت الحرب بينهم ثلاثة أيام، وقتل من الفريقين ما لا يحصى، ودخل جلال الدين مع أصحابه السفن، ورجع الططر إلى غزنة فدخلوها، لا حامي دونها، فتركوها دكّاء بعدما قتلوا أهلها وفعلوا ما جرت به عادتهم، والمشهور على ألسنة العجم أنه كان فيها اثنا عشر ألف مدرسة، فقس على هذا من أمرها ما يطول تفسيره. غلوة (٦) : مدينة في بلاد النوبة على ضفة النيل أسفل من مدينة دمقلة، بينهما مسيرة خمسة أيام في النيل، وماؤهم من النيل وشربهم منه، وعليه يزرعون الشعير والذرة، وعندهم من البقول السلجم والبصل والقثاء والبطيخ، وأهلها يسافرون إلى بلاد مصر.

стр. 445

وطول بلاد النوبة على النيل مسيرة شهرين وأكثر. غليانة (١) : مدينة بجزيرة صقلية، كان نزل عليها المسلمون سنة خمس عشرة ومائتين في زمن زيادة الله بن الأغلب، ملك القيروان وعملها، وكان نائبه بها عثمان بن قرهب (٢) ، وكان وصل إذ ذاك من الأندلس مراكب كثيرة، وأمير الأندلس إذ ذاك عبد الرحمن بن الحكم، كانوا فصلوا من طرطوشة يريدون بلاد الروم، فأخرجتهم الريح إلى صقلية، فنزلوا جزيرة طرابنش من صقلية، فأصاب الأندلسيون فيها كثيراً وفتحوا معاقل، وأثروا في الروم آثاراً كثيرة. ثم صار المسلمون بأجمعهم إلى غليانة فحصروها وتغلبوا على ربضها وغنموا ما فيه، ووقع الوبأ في المسلمين هناك، فمضوا بأجمعهم إلى ناحية طرابنش من صقلية، وصاحب أمر الروم يقتص آثارهم وينتهز الفرصة فيهم، لكثرة المرضى والضعفاء، فلما ألح عليهم صاحب الروم وأحرجهم كرّوا (٣) عليه فقاتلوه، وأفرغ الله تعالى عليهم الصبر، فقتلوا عامة الروم وغنم المسلمون خيلهم وسلاحهم وقتلوا تدوطة (٤) صاحب أمرهم، ثم اختلف الأمر بين صاحب الأندلسيين وصاحب الافريقيين، وصار مع كل واحد منهما طائفة، ثم رجع الناس بجزيرة صقلية إلى عثمان بن قرهب واستقاموا فضيقوا على أهل بلرم حتى سألوا الأمان، فأجابهم المسلمون إلى ذلك، وخرج بطريقها ومن معه، وغنم المسلمون ما فيها. وكان النصارى ببلرم يوم نزول المسلمين عليها سبعين ألفاً فلم يبق منهم عند خروجهم لطول الحصار وموالاة القتل عليهم ووقوع الموتان فيهم إلا نحو ثلاثة آلاف، واستوطن المسلمون مدينة بلرم واستولوا على ما جاورها، فكان فتحها سبباً لافتتاح الجزيرة، وبعث ابن قرهب إلى زيادة الله بن الأغلب بهدايا من الرقيق وغير ذلك، فاستقل ذلك وعزله وقدَم للجزيرة غيره. غلمونة: حصن غلمونة آخر ممالك الروم، وهو المجاور لروس إقليم الصقلب البلقارين والترك المادين مع خط الشمال، وعلى حصن غلمونة دخول الأتراك وخروجهم، وهو كالباب لبلادهم، وأهله نصارى يتكلمون بالعجمية. ومن حصن غلمونة إلى حصن أنقولاية (٥) خمسون ميلاً في فحص فيه سبعة أجبل في كل جبل حصن يسمى الطالع (٦) ، وأهلها لا يحرثون ولا يزدرعون إلا يسيراً، ولا ينتشرون على بعد في حوائجهم إنما معاشهم من أشجار وكروم حوالي الحصون، والطريق من حصن غلمونة إلى أنقولاية (٧) مخوف من أجل الأتراك لذلك بنيت هذه الطلائع. غمدان (٨) : قصبة صنعاء باليمن، كان الضحّاك بناه على اسم الزهرة، وخربه عثمان بن عفّان ﵁، فصار تلاً عظيماً، وقد كان أسعد بن يعفر صاحب مخاليف اليمن في وقته أراد أن يبنيه فأشير عليه بأن لا يفعل، إذ كان بناؤه على يدي غلام يخرج من بلاد سبأ وأرض مأرب فيؤثر في صقع هذا العالم تأثيراً عظيماً. وحكى الجاحظ أنه كان أربع عشرة طبقة بعضها فوق بعض، وكان ملوك اليمن إذا قعدوا على أعلى هذا البنيان بالليل وأشعلت السرج رئي ذلك على مسيرة أيام كثيرة. وقد ذكره جد أمية بن أبي الصلت إذ قال في مدحه لسيف بن ذي يزن في القصيدة المشهورة: فاشرب هنيت عليك التاج مرتفعاً (٩) ... في رأس غمدان داراً منك محلالا لأنه كان حلفَ ألا يشرب خمراً حتى يدرك ثأره من الحبشة. وأنشد ابن إسحاق (١٠) لذي جدن الحميري: دعيني لا أباً لكِ لن تطيقي ... لحاكِ الله قد أَنزفت ريقي وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه مسمَّكاً في رأس نيقِ وفيه جلس سيف بن ذي يزن لما فرغ من أمر الحبشة، ووفدت

стр. 446

عليه وفود العرب يهنئونه، وجاء فيهم عبد المطلب بن هاشم وعرفه، وكان بينه وبينه من الخطاب والبشارة بمبعث النبي ﷺ ما هو مشهور في التواريخ. وقد ذكر المسعودي غمدان في البيوت المعظمة. الغميصاء (١) : موضع في ديار بني جذيمة من بني كنانة، وهناك أصاب منهم خالد بن الوليد ما أصاب، وكان رسول الله ﷺ بعثه إليه عند فتح مكة ومعه بنو سُلَيْم، وكانت بنو كنانة قتلتْ في الجاهلية الفاكه بن المغيرة عمّ خالد وعوف بن عبد عوف والد عبد الرحمن، وهما صادران من اليمن، ثم عقلتهما وسكن الأمر بينهم وبين قريش، وكان لبني سُلَيم أيضاً في بني كنانة ذحول، فأسرعوا فيهم القتل بالغميصاء، وفي ذلك قيل: فكم فيهمُ يومَ الغميصاء من فتىً ... أصيبَ ولم يُشْمَلْ له الرأْسُ واضحا وكائن ترى يوم الغميصاء من فتى ... أصيب ولم يجرح وقد كان جارحا فبعضهم يرى أنهم كانوا مسلمين، وأن خالداً أوقع بهم ليدرك بثأر عمه، ولذلك قالوا: إن النبي ﷺ وداهم وقال: " اللهم إني أبرأ إليك ممّا صنعه خالد ". غسان (٢) : ماء بسد مأرب، كان شرباً لولد مازن بن الأزد فسموا به، ويقال: هو ماء بالمشلل قريب من الجحفة والذين شربوا منه فسموا به قبائل من ولد مازن بن الأزد بن الغوث وقال حسّان (٣) : إما سألتِ فإنا معشر نجب ... الأزدُ نسبتنا والماءُ غسَّانُ غوران: مدينة في بلاد الترك صغيرة، يسكنها ملك صنف من الأتراك له جنود وقواد وعُمّال، وله حزم واجتهاد واحتراس من أعدائه المجاورين له، ويحيط بهذه المدينة مع مدن ثلاث غيرها جبل يستدير عليها استدارة النون، لا يدخل إليها إلا على فم ضيق يسعه القليل من الرجال، وهذا الفم عليه عقد من الجبل إلى الجبل جسور من الصخور، ويشق هذا الفم الذي يدخل منه إلى البلاد نهر كبير يأتي من داخل الجبل، ويخرج على فم هذا المضيق ويتصل جريه إلى بركة عظيمة خارج الجبل، وعلى هذه البركة قوم ظواعن ينتقلون في كل أرض. الغوير: نفق في حصن الزبا، وفيه قيل المثل: عسى الغوير أبؤساً، قالته الزبا. وذلك أن الزبا لما قتلت جذيمة قال قصير بن سعد لعمرو ابن أخت جذيمة: ألا تطلب بثأر خالك؟ قال: وكيف أقدر على الزبا وهي أمنع من عقاب لوح الجو، فأخرجها مثلاً، فقال قصير: اعمد إلى سرتي (٤) فاصطلمها واجدع أنفي وأذني، واضرب ظهري ضرباً موجعاً، ودعني وإياها، ففعل ذلك، فلما سار إليها أعلمها سبب قصده إياها، وأن عمراً قد فعل ذلك به لما توهمه أنه أشار على جذيمة بالإقبال إليها حتى فعلت به ما فعلت، فصدقته وظنَّتِ الأمر كما وصف، ووعدته بالإحسان إليه، فأحسن خدمتها وأظهر النصيحة وحسنت منزلته عندها، وتحلى عندها بالتجارة وزينها لها، فبعثت معه مالاً وإبلاً إلى العراق، فصار قصير إلى عمرو في سرٍّ وأخذ منه مالاً وزاده على مالها واشترى طرفاً من طرف العراق ورجع إليها فأراها الأرباح، فسرَّتْ به، ثمّ جهَّزته مرة أخْرى فأضعف لها المال حتى عجبت من ذلكَ، وازدادت به سروراً وغبطة، فلما كانت المرة الثالثة أعدَّ لها جوالق وأدخل في الجوالق رجالاً بسلاحهم، وذلك بموافقة من عمرو، وقد سار معه، فكانا يسيران الليل ويكمنان بالنهار، ومع ذلك فإن الزبّا لما بعد خبره عنها سألت عنه فقيل لها: أخذ الغوير، فقالت: عسى الغوير أبؤساً، فأرسلتها مثلاً، ودخل قصير إلى الزبا والعير متأخرة عنه، فقال لها: قفي فانظري إلى العير، فرقت سطحاً لها، فجعلت تنظر إلى العير وهي تمشي قليلاً قليلاً فأنكرت مشيتها وقالت: ما للجِمالِ مشيها وئيدا ... أجندلاً يحملن أمْ حديدا ... أم صرفاناً بارداً شديدا ... أمَ الرجال جثماً قعودا ... والصرفان: الرصاص، فانتهوا إلى الحصن الذي هي فيه وقد أظلم

стр. 447

الليل، وشغلت هي ولم ترتب بقصير، فلما دخلت العير المدينة تقدم قصير فوقف على الباب وعليه بوّابون من النبط وفيهم رجل بيده سفَود فطعن جولقاً منها فأصاب رجُلاً، وقال البوّاب: الشرّ الشرّ فانتضى قصير سيفه فضرب به البوّاب فقتله، وجاء عمرو على فرسه فدخل الحصن، وبركتِ الإبل، وحلَتِ الرجال الجوالق ومثلوا في المدينة بالسلاح، وكانت الزبا قد اتخذت سرباً أجرت به الماء من قصرها إلى قصر أختها، فقصده عمرو وقد كان وصفه له قصير، ووصف له الزبا، وكانت الزبا وصف لها عمرو بصورته على كل حالاته، تريد بذلك أن تعرفه لتأخذ حذرها منه، فلما رأت الزبا عمراً عرفته، فولت هاربة، فلحقها عمرو، فلما أيقنت بلحاقه إياها مصَّتْ خاتماً في يدها مسموماً وقالت: بيديَ لا بيدك يا عمرو، فماتت مكانها، وقيل إنه جللها بالسيف، ثم استباح بلادها واستولى على ملكها، وقيل: بل إنما أصل المثل: عسى الغوير أبؤساً أنه كان غار فيه ناس، فانهار عليهم وأتاهم فيه عدو فقتلهم فصار مثلاً لكل شيء يخاف عليه أن يأتي منه شيء ثم صغر الغار والأبؤس جمع البأس. الغور: غور تهامة. وهو أيضاً قرية عظيمة بينها وبين بلخ ثلاثة فراسخ. ومن بيسان إلى طبرية يسمى الغور لأنها بقعة بين جبلين وسائر مياه الشام تنحدر وتجتمع فتكون بحراً زخاراً أوله من بحيرة طبرية، وجميع الأنهار تنصب إليه مثل نهر اليرموك وأنهار بيسان وما ينصب من جبال بيت المقدس وجبل قبر إبراهيم ﵇، وجميع ما ينصب أيضاً من نابلس يجتمع الكل حتى يقع في بحيرة زغر وتسمى بحيرة سادوم وعامورا، وهما كانتا مدينتي قوم لوط ﵇ فغرقهما الله تعالى، ومكانهما بحيرة ميتة لأنها ما فيها شيء له روح ولا حوت ولا دابة، وماؤها حارّ كريه الرائحة، وفيه سفن صغار تحمل الغلات وصنوف الثمر إلى أريحا وسائر أعمال الغور، وطول هذه البحيرة ستون ميلاً في عرض اثني عشر ميلاً، وهذه البحيرة الميتة تُرى من أعلى بيت المقدس، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية، وهو الأردن، فإذا انتهى إلى البحيرة الميتة (١) ، خرقها وانتهى إلى وسطها، وهو نهر عظيم لا يدرى أين غوصه من غير أن يزيد في البحيرة الميتة. ومن البحيرة الميتة تخرج الأحجار التي تستعمل لوضع الحصى، وهو نوعان ذكر وأنثى: فالذكر للرجال والأنثى للنساء، وأكثر نبات بلاد الغور النيل وأهلها سمر إلى السواد. الغوطة (٢) : قيل هي قصبة دمشق، وقيل هو موضع متصل بدمشق من جهة باب الفراديس، جبال ومزارع. وطول الغوطة (٣) مرحلتان في عرض مرحلة، وبها ضياع كالمدن وجامع قريب الشبه بجامع دمشق والغوطة أشجار وأنهار ومياه محدقة تشق البساتين، وبها من أنواع الفواكه ما لا يحيط به تحصيل خصباً وطيباً. وفي الخبر (٤) أن معاوية ﵁ لما رأى القتل في أهل الشام يوم صفين، وكلب أهل العراق عليهم، تجهم لنعمان بن جبلة التنوخي، وكان صاحب راية قومه من تنوخ وبهراء، وقال له: والله لقد هممت أن أولي قومك من هو خير منك مقاماً وأنصح جيباً، فقال له النعمان: إنا لو كنا ندعو إلى حيسٍ مجموع لكان في الرجال بعض الأناة، فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة وردينية شارعة، وقوم ذوي بصائر نافذة، والله لقد نصحتك على نفسي، وآثرت ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وأنا أعرفه، وحدتُ عن الحق وأنا أبصره، وما وفقت لرشدي حين أقاتل عن ملكك ابنَ عمّ رسول الله ﷺ وأوّلَ مؤمن به ومهاجر معه، لو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا لك أمراً لا بد من إتمامه، غياً كان أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً. وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا ثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه وصمد للحرب. ويخرج (٥) ماء الغوطة من عين تنحط من أعلى الجبل كالنهر العظيم لها صوت هائل ودوي عظيم يسمع على بعد. غيطة (٦) : جزيرة للنصارى بإزاء نابل، بينهما مجرى على المجاز إلى صقلية، عرض المجاز ستة أميال.

стр. 448

فراغ

стр. 449

حرف الفاء فاراب (١) : في بلاد الترك فيها مسلحة للمسلمين ومسلحة للأتراك، منها (٢) أبو نصر محمد بن نصر الفارابي المتفلسف، كان معاصراً للمتنبي، ويُحْكى أن المتنبي لما قال (٣) : ومن أنفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر قال له الفارابي: خطبت يا أبا الطيب، فسرَّ المتنبي بذلك وأظهر الفرح. فارس: بلد معروف، أصله بالفارسية بارس بالباء، يضم عشر كور، منها: سابور واصطخر وازدشير وأرجان وغيرها. فاضح (٤) : موضع بمكة، سمي بذلك لأن مضاض بن عمرو والسميدع التقيا به فتقاتلا فقتل السميدع، وفضحت قطورا، فسمي بذلك فاضحاً. فاران: جبال فاران بالحجاز، وقيل أن في التوراة ذكر جبال فاران، ومدينة فاران في قعر جون، وهي مدينة صغيرة يأوي إليها بعض عرب تلك الناحية. قالوا: وفي بحر فاران غرق فرعون. فامية: بالعراق، وفامية بالشام بين أنطاكية وحِمْص. وحكى الأوزاعي قال: بلغني أن أبا هريرة ﵁ نزل فامية فلم يضفه أحد، فلما رأى ذلك وضع سفرته، ثم دعا إليها فلم يجبه أحد، فلما رأى ذلك ارتحل، فقيل لهم: هذا أبو هريرة، فلحقوه فجعلوا يعتذرون إليه، فقالوا: ما عرفناك، فقال: أما تنزلون إلا من تعرفون؟ ما أنتم من الدين على مثل هذا، وأخذ هدبة من ثوبه. فارع (٥) : أطم حسَّان بن ثابت ﵁ بالمدينة، قال: أرقت لتوماض البروق اللوامع ... ونحن نشاوى بين سلع وفارع فاختة (٦) : مدينة من كور كرمان صالحة فيها منبر، ولها أسواق، وسمّاها المأمون مرو الكبيرة، وهي أنزه موضع، والغالب عليها أشجار اللوز والغبيراء والجوز والرمّان والسفرجل، وبالجملة ففواكهها تفضل على سائر فواكه البلدان. وحمل منها المعلى (٧)

стр. 450

ابن طريف إلى الرشيد سفرجلاً ورماناً ففضلهما، ورمانها إمليسي، وحمل إليه منها آلة للَّهْوِ يُقال لها الزنج تشبه الصنج، له سبعة عشر وتراً (١) فلما استحضره قال: من لنا بمن يضرب به. فقال: لم أحمله إليك إلا وقد تعلمته، فدعا (٢) به وأمره بالضرب وأحضر وصيفة تسقيهما، فضرب على الزنج ونظر إلى الوصيفة ثم غنى: ممكورة الساقين صفر الحشا ... خلخالها يسقط من رجلها لا والذي أصبحتُ عبداً له ... ما نظرتْ عيني إلى مِثْلها ممشوقة كالغصن ميالة ... جارية أفرق من ظلها فقال له الرشيد: لا تفرق من ظلها يا معلى، هي لك، خذها وانصرف إلى عملك، ولست أعزلك عنه ما حييت (٣) ، فرجع وبنى قصر المعلى واتخذ بها ضياعاً. الفارياب (٤) : مدينة من الجوزجان أصغر من الطالقان قطراً، وهي أكثر خلقاً وأوفر عمارة وبساتين ومياهاً جارية، وفيها طرز وصنائع وتجار مياسير، وبها مسجد جامع. وكان أهل الفارياب (٥) قد جمعوا للأحنف بن قيس حين وجهه إليهم ابن عامر في أربعة آلاف فلقوه في ثلاثين ألفاً، ثلاثة زحوف فهزمهم الله تعالى ونصر المسلمين. فاس (٦) : مدينة عظيمة، وهي قاعدة المغرب، وهما مدينتان مقترنتان يشق بينهما نهر كبير يسمى وادي فاس، يأتي من عيون تسمى عيون صنهاجة، وفي كل زقاق ساقية يجرونها متى شاءوا، وفي كل دار صغيرة كانت أو كبيرة ساقية ماء، وبين أهل المدينتين فتن ومصاولات، وفيهما معاً ضياع ومعايش ومبان سامية وقصور، ولأهلها اهتمام بحوائجهم، ونعمها كثيرة، والحنطة بها رخيصة، وفواكهها كثيرة، وخصبها زائد، وفي أهلها عزة ومنعة، ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة. وبالجملة فمدينة فاس (٧) قطب بلاد المغرب الأقصى ويسكن حولها قبائل من البربر، لكنهم يتكلمون بالعربية، فهي حضرة المغرب الكبرى وإليها تشد الركائب وتقصد القوافل، وتجلب إلى حضرتها كل غريبة من الثياب والبضائع والأمتعة، وأهلها مياسير ولها من كل شيء حسن أوفر حظ. ويدور عليها سور عظيم، وبين المدينتين قناطر كثيرة، وتطَّرِد فيها جداول لا تحصى تخترق كلتا المدينتين، وفيها عيون كثيرة لا تحصى، وهي أبداً تتزيد في مواضع الانخفاض من المدينة، وفيها أرحاء للماء نحو ثلثمائة وستين رحىً يضمها السور، سوى الأرحاء التي خلف السور، وهي في التزيد، وربما وصلت أربعمائة، والنهر الذي يخترق مدينتي فاس ينبعث من عين عظيمة لها منظر عجيب، فيها نحو الستين فوارة في دائرة يجتمع منها هذا النهر الكبير، بينها وبين المدينة نحو عشرة أميال في بساط من الأرض لا يكاد يتبين جري الماء فيه لاستواء أرضه. ومدينة فاس (٨) محدثة، أسست عدوة الأندلسيين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وعدوة القرويين في سنة ثلاث وتسعين ومائة، في ولاية ادريس بن ادريس الفاطمي، ومن ذريته بقايا إلى اليوم (٩) ، ومدينة فاس اليوم في نهاية العمارة والصلاح، قد بنيت أكثر جنانها الملاصقة لها دوراً وأضيفت إليها، وفيها اليوم ثلاثة جوامع بثلاث خطب، جامع عدوة الأندلس، وهو جامع كبير متقن البناء، يقال إن ابن أبي عامر زاد فيه، وجامع عدوة القرويين أكبر من جامع عدوة الأندلس، وزيد في العهد القريب في هذا الجامع باب كبير مشرف جميل المنظر من جهة الجوف، وسقاية متقنة البناء ملاصقة له، ماؤها من الوادي، وجلب لها ماء عين هو في أيام الحر في نهاية البرد، وفي أيام البرد فيه بعض

стр. 451

الحرارة، وكذلك صنع بجوفيّ جامع القرويين سقاية متقنة البناء ومياه جارية مع عتبة الباب الجوفي، وفوارة مرتفعة نصف قامة داخل الصحن، فعل كل ذلك في حدود سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وكذلك بقصبة السلطان جامع شريف معظم فيه الخطبة، أحدثها فيه خلفاء بني عبد المؤمن لأن القصبة منحازة عن البلد بسور، فوجب أن يكون فيها جامع وفي كل عدوة شريعة لخطبة العيد. ومدينة فاس كثيرة الخصب والرخاء كثيرة البساتين والمزدرعات والفواكه وجميع الثمار، ولها أنظار واسعة متصلة العمائر، وعدوة القرويين من هذه المدينة أكثر بساتين وأشجاراً ومياهاً وعيوناً (١) من عدوة الأندلسيين، وكلاهما خصيبة عظيمة القدر، ويقال إن رجال عدوة الأندلس أشجع وأنجد من رجال عدوة القرويين ونساؤهم أجمل من نساء القرويين، ورجال القرويين أجمل من رجال الأندلسيين، ويقال أن بعدوة الأندلسيين تفاحاً حلواً (٢) يعرف بالاطرابلسي جليل حسن الطعم والرائحة، يصلح بها ولا يصلح بعدوة القرويين، وكذلك بعدوة القرويين أترج جليل يجود بها ولا يجود بعدوة الأندلسيين، وكذلك سميد عدوة الأندلسيين أطيب من سميد عدوة القرويين، وهذه المدينة قصبة (٣) بلاد المغرب، وكملت بهجتها في أيام بني عبد المؤمن، ومنها يتجهز إلى بلاد السودان وإلى بلاد المشرق، ومنها يحمل النحاس الأصفر إلى جميع الآفاق. وموقع (٤) وادي فاس بوادي سبو على نحو ثلاثة أميال من المدينة، ووادي سبو هذا نهر عظيم من أعظم أنهار بلاد المغرب منبعه من جبل بني وارتين ورأس العين في شعراء (٥) غامضة يهاب الداخل الدخول فيها، وهي دهسة عظيمة لا يدرك لها قعر، وللبربر المجاورين لذلك الموضع فيها تجارب، منها أن المريض إذا أرادوا أن يعلموا هل يعيش أو يموت حملوه لرأس العين فيغطسونه في ذلك الموضع المهول حتى يقرب أن يهلك ثم يخرجونه، فإذا خرج على فيه دم استبشروا بحياته وإلا أيقنوا بهلاكه وهذا عندهم متعارف لا ينكر. ويتصيّد في هذا الوادي الشابل الكثير ويطلع إلى رأس العين أو قريب منه، ويدخل في ذلك الوادي الحوت الكثير. وبين فاس وتلمسان عشرة أيام في عمائر متصلة، وكانت فاس دار مملكة بني ادريس العلويين وملكوا منها بلاد المغرب كلها إلى أقصى بلاد السوس طاعة في معصية، وكانت في أيامهم دولة برغواطة الذين تدينوا بديانة القدري صالح بن طريف البرغواطي، وملك العلويون بعض بلاد الأندلس، وتسمّوا بأمراء المؤمنين، وخطب لهم بالإمامة. ومن فاس أبو عمران الفاسي الفقيه الإمام المشهور بالعلْم والصلاح وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حجاج الغفجومي الفاسي (٦) ، توفي بالقيروان في الثالث عشر من شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وقال أبو عمر بن عبد البر: وُلِدْتُ مع أبي عمران في سنة واحدة، سنة ثمان وستين وثلثمائة. فازار (٧) : هو من الجبال المشهورة في بلاد المغرب، وهو جبل كبير تسكنه أمم كثيرة من البربر، يطردهم الثلج عنه فينزلون إلى ريف البحر الغربي، وهم يكسبون من البقر والغنم والخيل، وخيل هذا الجبل من أعتق الخيول لصبرها وخدمتها، وهي مدورة القدود حسنة الخلق والأخلاق، ولحوم غنمه أطيب اللحوم، وفي هذا الجبل أنواع النبات من العقاقير التي تنصرف في العلاجات الرفيعة، وفيه خشب الأرز العتيق الغالي، وهو مأوى القردة، وهي تثب من أرْزة إلى أخرْى في الجو الأعلى، وفي هذا الجبل قلعة تنسب للمهدي بن توالا في نهاية المنعة، أقام عليها عسكر الملثمين سبعة أعوام وبناؤها بالألواح، وإليها كان تغريب المعتمد محمد بن عباد فقال متمثلاً: غرّبنا (٨) بنقض العهود، لبلد أهله يهود، وبناؤه عود، وجيرانه قرود. وكان اليهود في ذلك التاريخ أكثر سكانه لأنهم سوقة فيلجؤون إلى الحصن تحوطاً على سلعهم. فحص البلوط (٩) : بالأَندلس، بينه وبين قُرْطُبة مرحلتان أو ثلاث، ومن هذا الفحص جبل البرانس، وفيه معدن الزئبق ومن هناك يُحْمل إلى الآفاق، وبهذا الجبل الزيتون المتناهي في الجودة،

стр. 452

وبموضع يقرب من معدن الزئبق جبل يعرف بجبل المعز، في شعراء هناك حجر يسمى حجر العابد، في وسطه قَلتْ، وهي حفرة على قدر الصفحة بمقدار ما يدخل الإنسان فيها يديه ويملؤهما من ماء هناك فيشرب أو يصنع به ما احتاج إليه فيأتي إليه النفر الكثير فيكفيهم ويرجع إلى حدّه لا يغيض ولا يغور. وذكر من رآه أنه جاءه في نيف وثلاثين رجُلاً أو نحو ذلك، وهذا معروف هناك. وبهذا الفحص بلاد وأسواق، وجباية هذا الفحص في عهد الأمير محمّد ألفان اثنان، ويتصل بأحواز فحص البلوط أحواز فريش وتنتظم قراه بقراها. وإلى فحص البلوط ينسب القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطى، وقد مرّ ذكره في حرف الباء. فحص تل: من أحواز بونة بإفريقية، وهذا الفحص من أطيب أرض إفريقية مزدرعاً، منه الشيخ أبو مروان (١) الفحصيلي، أحد الصالحين الأبدال، له كرامات وأخبار ﵀، وهو مدفون بالمسجد الجامع ببونة، وبازائه كان قبر الأمير أبي زكريا ﵀. فحص أبي صالح (٢) : بإفريقية أيضاً وبقرب جبل زغوان، كان أبو صالح مولى حسان بن النعمان نزله حين وجهه حسّان إلى محاصرة قلعة زغوان، فسمي الفحص به، وحاصرهم أبو صالح ثلاثة أيام فلم يقدر منهم على شيء، فرحل إليه حسّان في خيل مجردة ففتحها صلحاً، وقد مرَّ ذلك في حرف الزاي. فحل (٣) : موضع أو مدينة بالشام، فيه كانت الوقيعة بين المسلمين والروم في إِمرة أبي عُبَيدة بن الجرّاح ﵁، وهي من مشاهير أيامهم، حضرها معاذ بن جبل وخالد بن الوليد، وأمير الناس أبو عبيدة بن الجرّاح، فقتلوا منهم في المعركة نحو خمسة آلاف، وقتلوا في عسكرهم حين دخلوه نحواً من ألفين، وخرجوا عباديد منهزمين، وخيْل المسلمين تتبعهم وتقتلهم، حتى اقتحموا في فحل، وفحل مطلّة على أهوية تحتها الماء فتحصنوا فيها، وأصاب المسلمون منهم نحواً من ألفي أسير فقتلهم المسلمون وأقبل أبو عبيدة ﵁ حتى دخل عسكرهم وحوى ما فيه، وصار من بقي من العدو في الحصون وقد قتل الله منهم مقتلة عظيمة، وغلبوا على سواد الأردن وأرضها، وكتب أبو عبيدة إلى عمر ﵄ بالفتح، ولما رأى أهل فحل أن الأردن قد غلبوا عليها سألوا الصلح على أن يؤدوا الجزية، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتاباً. فخ: بالخاء المعجمة من فوق، من فجاج مكة، بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وقيل ستة أميال، وفي الخبر أن رسول الله ﷺ اغتسل بفخ قبل دخوله مكة، وبفخ كانت وقعة الحسين وعقِبِه، قاله البكري (٤) ، وذلك أن الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن (٥) بن علي ﵃ كان قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة، وخرج معه جماعة من بني عمه وإخوته منهم يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، وبلغ الهادي خبره فخلا بنفسه ليلته جمعاء فجعل يكتب كتباً بخطه ونحى كل من كان بحضرته من غلام وغيره، فغمَّ خاصته خلوته، وكان لهم غلام صغير يقف على رأسه، فدسوه ليعرف خبره، فعلم ما يريد فقال وهم يسمعون متمثلاً: رقد الأولى ليس السرى من شأنهم ... وكفاهم الادلاج من لم يرقدِ قال المسعودي (٦) : وكان على الجيش الذي حاربه جماعة من بني هاشم منهم سليمان بن أبي جعفر ومحمد بن سليمان بن علي

стр. 453

وموسى بن عيسى بن موسى والعباس بن محمد بن علي في أربعة آلاف فقتل الحسين وأكثر من كان معه، وأقاموا ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير، وكان معه سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃، فأسر في هذا اليوم وضربت عنقه بمكة صبراً وقتل معه عبد الله بن الحسن بن (١) إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وأسر الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي فضربت عنقه صبراً، وأخذ لعبد الله بن الحسن بن علي (٢) وللحسن (٣) بن علي أمان، فحبسا عند جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، وقتلا بعد ذلك، فسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتله الحسين بن علي بن الحسن وترك المصير به إليه ليحكم فيه بما يرى، وقبض أموال موسى، وأظهر الذين أتوا بالرأس الاستبشار، فبكى الهادي وزجرهم وقال: أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس رجل من الترك والديلم، إنه رأس رجل من عترة رسول الله ﷺ ألا إن أقل جزائكم عندي ألا أثيبكم شيئاً، وفي الحسين بن علي صاحب فخ يقول بعض شعراء ذلك العصر من أبيات: فلأبكينَّ على الحسي ... ن بعَوْلَةٍ وعلى الحسنْ وعلى ابن عاتكةَ الذي ... أثووه ليس له كفن تركوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن كانوا كراماً قتّلوا ... لا طائشين ولا جُبُن غسلوا المذلةَ عنهم ... غسل الثياب من الدرن هُديَ العباد بجدهم ... فلهم على الناس المنن (٤) وقال سلم الخاسر في ذلك: إنَّ المَنايا وهي غدّارة ... صادت حسيناً ثانياً يوم فخْ أوقد ناراً خابياً ضوءها ... لم يغن للإيقاد فيها بنفخ كبيذق لم يحمه شاهه ... فشنجته ضربة شاه رخ وقال داود بن علي بن عبد الله في ذلك (٥) : يا عين بكى بدمع منك منحدر ... فقد رأيت الّذي لاقى بنو حسن صرعى بفخ تجرُ (٦) الريح فوقّهمو ... أذيالها وغوادي دلح المزن حتى عفت أعظم لو كان شاهدها ... (٧) محمّد ذب عنها ثم لم تهن ماذا يقولون والماضون قبلهم ... على العداوة والشحناء والأحن ماذا نقول إذا قال الرسول (٨) لنا ... ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا ... ولا ربيعة والأحياء من يمن يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرماً ... وقد رعى الفيل (٩) حق البيت ذي الركن وهرب يحيى وادريس ابنا عبد الله بن حسن، فأما ادريس فوقع إلى بلاد المغرب، ويأتي خبره إن شاء الله تعالى في رسم مليلة من حرف الميم، وأما يحيى فاختفى ثم تجول في البلدان. وبفخ أيضاً كانت مقابر المهاجرين، إذ (١٠) كل من جاور منهم بمكة فمات يدفن هناك. فدك (١١) : معروفة (١٢) ، بينها وبين المدينة (١٣) يومان، وحصنها يقال له الشمروخ، بقرب خيبر، وكان أهل فدك قد صالحوا النبي ﷺ

стр. 454

على النصف من ثمارها في سنة ست، وكانت له خالصة لأنه لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، وكان معاوية وهبها لمروان ثم ارتجعها منه سنة ثمان وأربعين لموجدة وجدها عليه، ولما ولي عمر بن عبد العزيز ردَّ فدك إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ وكانت له خالصة في أيام إمرته (١) تغل له عشرة آلاف دينار فتجافى عنها. الفدوين (٢) : مدينة في بلاد السودان، عندهم بركة عظيمة يجتمع فيها الماء، ينبت فيها نبات أصله أبلغ شيء في تقوية الجماع والمعونة عليه، وملك تلك المدينة لا يسمح بإخراجه من بلده، وله من النساء عشر إذا أراد أن يطوف عليهن أنذرهن قبل ذلك بيوم، ثم استعمل ذلك الدواء ولا يعجز عن الطواف عليهن كلهن، وأهدى له بعض الملوك المجاورين له هدية نفيسة واستهداه شيئاً منه، فعاوضه عن هديته وكتب له: إن المسلمين لا يحل لهم من النساء إلا القليل، وقد خفت عليك إن بعثت إليك بشيء من هذا الدواء ألا تقدر على إمساك نفسك، فتأتي ما لا يحل لك في شريعتك، ولكني بعثت إليك عوداً يأكله العقيم فيولد له. ويبدل في هذه المدينة الملح بالذهب لعدمه عندهم. الفراض (٣) : هي تخوم الشام والعراق والجزيرة، ولما قصدها خالد بن الوليد ﵁ أفطر فيها في رمضان في تلك السفرة التي اتصلت له فيها هذه الغزوات والأيام، ونظمن نظماً إلى ما كان قبل ذلك منه. قالوا (٤) : ولما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت واستمدوا تَغْلِب وإياداً والنمر، فأمدوهم بأجمعهم، واجتمعوا كلهم على كلمة واحدة، ثم ناهدوا خالداً، حتى إذا صار الفرات بينه وبينهم قالوا: إما أن تعبروا إلينا وإمّا أن نعبر إليكم، قال: بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحَوا حتى نعبر، فقال خالد ﵁: لا نفعل، ولكن اعبروا أسفل منا، فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجُل يقاتل عن دِين، وله عقل وعلم، ووالله لينصرن ولتخذلنّ. ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد ﵁، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم (٥) ما كان من حسن أو قبيح من أيّنا يجيء، ففعلوا، ثم اقتتلوا قتالاً شديداً طويلاً، ثم هزمهم الله تعالى. وقال خالد ﵁ للمسلمين: ألحُوا عليهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض في المعركة في الطلب مائة ألف، وأقام خالد ﵁ على الفراض بعد الوقعة عشراً ثم أذن بالقفل إلى الحيرة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد ﵁ أنه في الساقة. وخرج من الفراض حاجّاً لخمسٍ بقين من ذي القعدة متكتماً بحجه، ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فقضى حجّه ثم أتى الحيرة، وقد تأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا ريبال، وبقية الخبر في رسم قراقر من حرف القاف. لفُرُع (٦) : بضم أوله وثانيه، من أعمال المدينة. قالوا: وهي أول قرية مارت إسماعيل ﵇ التمر بمكة وكانت من ديار عاد. ورووا أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد بالبرود من مضيق الفرع، فصلَّى فيه، والفرع على الطريق من مكة إلى المدينة. وعن ابن عمر ﵄ أنه أحرم من الفُرُع، ومات عروة بن الزبير بالفُرُع ودُفِن هناك سَنَةَ أربع وتسعين. والفرُع من أشرف ولايات المدينة لأن فيها مساجد للنبي ﷺ نزلها مراراً وأقطع فيها لِغِفَار وأسلم قطائع وصاحبها يجبي اثني عشر منبراً، منبر منها بالفُرُع. فرياب (٧) : في بلاد خُراسان من الجوزجان، وهي أصغر مساحة من الطالقان، إلا أنها أكثر بساتين ومياهاً، وهي مدينة صالحة تجمع ما يكون في المدن من الصناعات، وبناؤهم بالطين، وليس للمسجد الجامع فيها منارة، وبين الفرياب واليهودية من مدن

стр. 455

الجوزجان مدينة يُقال لها موريان وإلى فرياب ينسب محمد بن يوسف الفريابي صاحب التفسير وشيخ البخاري. الفَرَماء (١) : وقد تقصر، مدينة تلقاء مِصْر. وهي أول (٢) مدن مصر من جهة الشمال، وبها أخلاط من الناس، وبينها وبين البحر الأخضر ثلاثة أميال. وهي مدينة (٣) كبيرة قديمة أزلية فيها آثار عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة، ويقال إن الذي بناها هو الفرما الملك. ووجه ابن المدبَر لما وصل مصر إلى الفرما لهدم أبواب رخام بها في شرقي الحصن احتاج أن يعمل منه فرشاً في داره، فمنعه من ذلك أهل الفرما، وخرجوا إلى رسله بالسلاح وقالوا: هذه الأبواب التي ذكرها الله تعالى في كتابه على لسان يعقوب ﵇ " يا بَنِيَّ لا تدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أبْوابٍ مُتَفرَقَةٍ ". ومن العجائب أن نخل الفَرَماء يثمر حين ينقطع البسر والرطب من جميع البلاد، فيكون رطب نخل الفَرَماء في كانون الأول، حين تلد النخل في كل مكان، فلا ينقطع أربعة أشهر، ولا يوجد هذا في بلد من البلاد سوى الفَرَماء، وهو تمر كبير، في وزن التمرة عشرون درهماً وطولها فتر. الفُرات (٤) : أحد الأنهار الستة الكبار المشهورة وهي النيل ودجلة والفرات ومهران السند وجنجون (٥) الهند وخمدان (٦) الصين وجيحون خراسان. ويخرج الفرات من داخل بلاد الروم ومن جبال متصلة بقالي قلا من ثغور ارمينية ثم يمر في بلاد الروم، ويمتد حتى يصير إلى ملطية حتى يكون منها على ميلين، ثم يمتد إلى سميساط فيحمل من هناك السفن إلى بغداد ثم يمتد من سميساط (٧) ماراً في جهة الجنوب مائلاً مع الشرق إلى ساحل جرجان كذا ثم إلى الرافقة ويجتاز بالرقة إلى قرقيسيا، وهناك يصب في نهر الخابور إلى عانة إلى هيت إلى الأنبار، ومن هناك ينزل نهر عيسى إلى بغداد، ثم يصير خلجانَاً أربعة وتتفرق في البطائح. وفي الخبر النبوي من حديث مسلمِ: " لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو به ". وفي طريق آخر: " يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب " الحديث. وقد أحسن النابغة الذُبياني في وصف حال الفرات في قوله يذكر ممدوحه: فما الفُراتُ إذا هب الرياح له ... ترمي غواربُهُ العبرينِ بالزبدِ يمدّه كل وادٍ مترع لجب ... فيه رُكام من الينبوت والخضد يظل من خوفه الملاحُ معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد يوماً بأجود منه سيبَ نافلة ... ولا يحولُ عطاء اليوم دون غدِ وعَبَر المسلمون، في الفتح الأول، الفرات إلى المدائن لمحاصرتها، ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى مشروحاً في ذكر المدائن. وفي السنة التي بعث فيها رسول الله ﷺ إلى كسرى، وذلك سنة سبع زاد الفرات ودجلة زيادة لم ير مثلها، واتسعت بثوق عظام حملت السكور والمسنيات وطلب الماء الوهاد، فجهد أبرويز أن يردها ويقيم شاذرواناتها، فغلب الماء وطمى على العمارات، فغرق الكور والسطوح. وشغلت الأعاجم بحرب العرب فطمى الماء وزاد فلما ولَّى معاوية عبد الله بن دراج مولاه العراق غلب الماء بالمسنيات والسكور، واستخرج به من الأرض ما بلغت عليه خمسة عشر ألف ألف، واستخرج الحجاج أيام الوليد ما غمر الماء من أرض البطيحة نحو خمسين فرسخاً في مثلها.

стр. 456

فرَبر (١) : مدينة بينها وبين بخارى ثلاث مراحل، وهي من البلاد التي خلف النهر من بلاد خُراسان، وبينها وبين جيحون نحو ميل، وهي مدينة حسنة صغيرة كثيرة الجبايات كثيرة الخصب والخير، ولها قرى عامرة ورساتيق، وهي مضمومة بجملتها إلى بخارى. ومن فَرَبْر محمد بن يوسف الفَربري (٢) راوية كتاب البخاري، عنه، جاء عنه أنه كان يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن اسماعيل تسعون ألفاً فما بقي أحدٌ يرويه غيري. فِرّيش (٣) : موضع بالأَندلس بين الجوف والغرب من قرطبة، فيها معدن رخام، والغالب على أشجارها القصطل، وبها معادن حديد، وتتصل أحواز فِرّيش بأحواز فحص البلوط، وبينها وبين قرطبة مرحلتان، وبها قرية تُعْرَف بقسطنطينة كانت مدينة عظيمة أولية، وفيها آثار كنائس ويقال إنها بنيت في أيام قسطنطين ملك الروم، وبينها وبين قرطبة أربعون ميلاً. فرْنجولش (٤) : بالأَندلس بقرب حصن المدور. وهي مدينة جليلة كثيرة الكروم والأشجار، ولها بمقربة منها معادن الذهب والفضة بموضع يعرف بالمرج. فروجة (٥) : مدينة بالمغرب، بينها وبين مراكش مرحلة، وهي في بطحاء كثيرة المياه والفواكه والخيرات. فرغانة: في خُراسان، بينها وبين سمرقند ثلاثة وخمسون فرسخاً، كان أنوشروان (٦) بناها ونقل إليها من كل بيت قوماً، وفرغانة اسم الاقليم، وهو عريض موضوع على سبع مدائن، واسمها بالعجمية اخشيكث، وقيل أن فرغانة اسم الكورة، واسم قصبتها (٧) اخشيكث، وهي على شط نهر الشاش على أرض مستوية، بينها وبين الجبل نحو نصف فرسخ، وهي على شمال النهر، ولها ربض كبير عليه سور، وقهندزها في المدينة، ودار الإمارة والحبس في القهندز، ومصلَّى العيد على النهر، ومقدارها في الكبر ثلاثة فراسخ، وفي مدينتها وربضها مياه جارية مقدار فرسخين، وأسواقها في ربضها ومدينتها جميعاً، وحذاء ما وراء النهر مروج ومزارع كثيرة، وبفرغانة معادن الذهب والفضة بناحية أخشيكث، ولها مدن كثيرة، وفي بعضها جبال بلق مؤلفة قطعةً سوداء حالكة، وأخرى حمراء قانية، وأخرى صفراء فاقعة، وفي جبال فرغانة شجر الطبرخون الذي يحمل بزرها إلى الآفاق، وهو ضرب من الترنجبين، ويحمل منها النوشادر. فزان: أظنه بين طرابلس وقابس (٨) ، فيها قتل يحيى بن إسحاق الميورقي قراقشَ الأرمني مملوك تقي الدين أخي السلطان صلاح الدين بن أيوب، وكان دخل إفريقية من مصر في أخْريات المائة السادسة، فملك طرابلس وقابس وبعُد صيته وفض الجموع، ثم إنه اصطلح مع يحيى بن إسحاق الميورقي الطويل الفتنة ليعتضدا على ما كان بسبيله، وكان قراقش قد قتل جمعاً من أكابر دباب فغدروا به، وأمكنوا منه الميورقي، فضرب عنقه بفزان وصلبه هنالك. فكان (٩) : مدينة على مرحلتين من أسلن (١٠) من أحواز تلمسان بالمغرب، وعلى فكان النزول، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها آثار للأوَل، وكانت خربت فبعث إليها المنصور بن أبي عامر مَنْ بناها وعمرها، وهي قريبة من البحر. وكانت سوقاً قديمة من أسواق زناتة فمدنها يعلى بن محمد بن صالح اليفرني، فكان ابتداء تأسيسه لها سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وارتحل إليها أهل العسكر

стр. 457

فعمرت وتمدنت وعظمت، وهي في سفح جبل وانشوبش (١) ، وهو بجوفيًها، وعلى فكان سورُ طوب، وبها جامع وحمّام وفنادق. فلسطين: في أول أحواز الشام، سميت بفلسطان بن فلان (٢) ، من ولد كنعان بن حام بن نوح ﵇، وماؤها من الأمطار والسيول، وأشجارها قليلة وديارها حسنة، وهي أزكى بلاد الشام. قال ابن عطية في تفسيره: يروى أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى خصّ فلسطين بالتقديس، وقال الطبري: إن من فلسطين ظهر عيسى ﵇. وفتحها معاوية سنة تسع عشرة، وفتح قيسارية، وقتل فيها ثمانون ألفاً. وفلسطين عمل مشتمل على مدن كثيرة مثل ايليا وغزة ونابلس واللد وغيرها، ويقال إنها سميت باسم فلسطين بن فلان بن يونان بن يافث ﵇ لنزوله بها. وفلسطين (٣) كانت ديار البربر في سالف الأزمان، وكان ملكهم جالوت، وهو سمة لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود جالوت، فساروا إلى ديار المغرب، فنزلت مزاتة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة بلاد طرابلس ونزلت نفوسة مدينة صبرة، وكانت هذه الديار للإفرنجة فأجلتها البرابر عنها، وتفرقت البرابر في بلاد إفريقية وطنجة إلى أقصى بلاد المغرب وانتهوا إلى موضع يعرف بقمونية على أكثر من ألفي ميل من بلد القيروان، ثم تراجعت الأفرنج إلى مدنهم وعمائرهم على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال في أطراف البراري والقفار، وصارت المدائن رومية، حتى فتحها المسلمون. والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمة: هوارة وزناتة وضريسة ونفزة وكتامة ولواتة وغمارة ومصمودة ومزاتة وصدينة وصنهاجة، وللناس في البربر اختلاف كثير مشهور فلا نطوَل به. فلج (٤) : حصن بينه وبين هجر ستة أيام، وبين هذا الحصن وبين مكة تسعة أيام. وقال قتادة: إن أصحاب الرس الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه كانوا أهل فلج، وقال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القومُ كل القوم يا أمّ خالدِ فِنْيانة (٥) : قرية بقرب وادي آش من الأندلس، جامعة خطيرة كثيرة الكروم والتوت والبساتين وضروب الثمار، وكان بها طرز للديباج، والمياه تطَّرد في جميع جنباتها، وأهلها عجم ذوو يسار. فندرينة (٦) : مدينة على الساحل من بلاد الهند، على جون تحط به مراكب التجار من جزائر الهند ومراكب السند أيضاً، ولأهلها أموال ياسرة ومتاجر ومكاسب، وعليها جبل كبير سامي العلو كثير الشجر عامر بالقرى والمواشي، وتنبت في حوافيه القاقلة، ومنها تحمل إلى سائر أقطار الأرض. الفسطاط (٧) : اسم لمصر التي بناها مصرام بن حام بن نوح ﵇، سميت بفسطاط عمرو بن العاصي ﵁، وكان تركه هناك حين توجه للإسكندرية. قال اليعقوبي: لما فتح عمرو بن العاصي ﵁ مصر اختط منازل العرب حول الفسطاط، فسمي الفسطاط لهذا، فمدينة مصر اليوم هي الفسطاط. قالوا (٨) : وسميت بذلك لأن عمرو بن العاصي ﵁ حين دخل بلاد مصر ضرب فسطاطه بذلك الموضع، فلما أراد

стр. 458

التوجه للإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع الفسطاط، فإذا فيه حمام قد أفرخ، فقال عمرو ﵁: لقد تحرم منا بحرم، فأمر بالفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه، فلما قفل المسلمون من الاسكندرية بعد فتحها قال الناس: أين ننزل؟ فقيل: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه في المنزل بمصر. ثم بدأ عمرو بن العاصي ﵁ فبنى المسجد، وبنى الناس مكان مصر الآن. وهي مدينة (١) كبيرة في غاية من العمارة والخصب والطيب والحسن، فسيحة الطرقات قائمة الأسواق نافقة التجارات متصلة العمارات، لأهلها همم سامية، وطولها ثلاثة فراسخ، والنيل يأتيها من أعلى أرضها فيجتاز بها من ناحية جنوبها وينعطف مع غربيها، وبناء دُورها كلها وقصورها طبقات بعضها فوق بعض خَمْساً وستّاً وسبعاً، وربما سكن في الدار المائة من الناس، ومعظم بنائها بالطوب، وأكثر سفل ديارهم غير مسكون، ولها مسجدان جامعان للخطبة، أحدهما بناه عمرو بن العاصي ﵁ في وسط السوق يحيط به من كل جهة، وكان في أوله كنيسة للروم فصيره عمرو جامعاً، والجامع الآخر بناه أحمد بن طولون وبنى أيضاً جامعاً آخر يسكنه العباد وناس من أهل الخير. وعلى الجملة فمصر عامرة بالناس، وفي أهلها رفاهية وظرف شامل وحلاوة، وفي جوانبها بساتين وجنات ونخل وقصب سكر، كل ذلك يسقى بماء النيل. وأرض مصر لا تمطر إنما هو ماء النيل، وليس في أرض مصر مما يلي النيل قفر، إنما هو كله معمور بالبساتين والأشجار والقرى والمدن والناس والأسواق والبيع والشراء، وبين طرفي النيل خمسة آلاف وستمائة وأربعة وثلاثون ميلاً، وقيل غير ذلك وعرضه في بلاد النوبة والحبشة ثلاثة أميال، وعرضه بمصر ثلثا ميل، وليس يشبه نهراً من الأنهار. ويقابل مصر (٢) جزيرة في النيل، فيها المباني والمتنزهات ودار المقياس، وهي دار كبيرة في وسطها فسقية كبيرة، وينزل إليها بدرج رخام، وفي وسط الفسقية عمود رخام قائم، فيه رسوم أعداد أذرع وأصابع بينها، والماء يصل إلى هذه الفسقية، ولا يدخلها الماء إلا عند زيادة النيل، ويكون في شهر أغشت، والوفاء من مائه ستة عشر ذراعاً، وهو الذي يروي أرض السلطان باعتدال، فإذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعاً أروى جميع الأرضين التي هناك، فإذا بلغ عشرين ذراعاً (٣) فهو ضرر، وأقل زيادته اثنا عشر ذراعاً وهي أربع وعشرون اصبعاً والزائد على الثمانية عشر ذراعاً ضرر يقلع الشجر ويهدم، وما نقص عن اثني عشر ذراعاً فيه القحط والجدب وقلة الزراعة فسّا: بتشديد ثانيه (٤) مقصور، مدينة من بلاد فارس، أنشد الأصمعي: من أهل فسّا ودرابجرد ... والنسب إليها فسوي، وإليها ينسب أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي (٥) . وبينها وبين (٦) درابجرد أربعة وخمسون ميلاً، وفسا مدينة واسعة وأبنيتها أفسح وأتم من أبنية شيراز، والغالب عليها خشب الصنوبر والسرو، وهي عامرة بالناس والجلة والتجار والمياسير، وهي تقارب شيراز في كبر مقدارها وكثرة عمارتها، وهواؤها أصح من هواء شيراز، وعليها حصن حصين وأبواب خشب محددة، وحولها خندق واسع عميق، وبها ربض، وأكثر أسواقها في ربضها، وبها من غلات الرطب والبلح والجوز والاترج والسفرجل والقصب الحلو ما يقوت ويكفي ويزيد على الحاجة. وكان عمر بن الخطّاب ﵁ بعث سارية بن زنيم إلى فسا ودرابجرد في جيش وأمره عليهم، وكان سارية في الجاهلية خليعاً وحسن إسلامه، ثم وقع في بال عمر ﵁ وهو يخطب يوم الجمعة أنهم لاقوا العدوّ وهم في بطن واد، وقد هموا بالفشل، وبمقربة منهم جبل، فقال قي أثناء خطبته رافعاً صوته: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، ظلم من استرعى الذئب، فحمل الله تعالى صوته وألقاه في سمع سارية، فانحاز بالناس إلى الجبل، وقاتلوا العدو من جنب واحد ففتح الله عليهم.

стр. 459

وفي خبر آخر (١) : قصد سارية بن زنيم فسا ودرابجرد حتى أفضى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم استمدوا فتجمعت عليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمرٌ عظيم وجمع كبير، ورأى عمر ﵁ في تلك الليلة معتركهم وعدوّهم فنادى من الغد: الصلاةُ جامعة، حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمون بصحراء إن أقاموا بها أحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قام فقال: أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جُنوداً، ولعلّ بعضها أن يبلغهم، ولمّا كان تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، وقاتلوا القوم من وجه واحد فهزمهم الله تعالى، وكتبوا بذلك إلى عمر ﵁ وباستيلائهم على البلاد. وفي خبر آخر: أن عمر ﵁ قال وهو يخطب يوم جمعة: يا سارية، الجبل الجبل، ثم دعا في خطبته، فعجب الناس لندائه سارية على بعده، وقضى الله سبحانه أن كان سارية وأصحابه في ذلك الوقت مواقفين للمشركين، وقد ضايقهم المشركون من كل جانب، وإلى جانب المسلمين جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فسمعوا صوتاً يقول: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، كما قال عمر ﵁ في ذلك الوقت بعينه، فلجؤوا إلى الجبل فنجوا وهزموا العدوّ وأصابوا مغانم كثيرة، وأصاب (٢) سارية في المغانم سفطاً فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر ﵁، فوهبوه له، فبعث به وبالفتح رجلاً وقال له: استقرض ما تتبلغ به وما تخلفه في أهلك على جائزتك، وكان الرسل والوفد يجازون، فقدم الرجل البصرة، ثم خرج فقدم على عمر ﵁، فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصده، فأقبل عليه بها وقال: اجلس، فجلس، حتى إذا أكل انصرف عمر ﵁ وقام الرجل فاتبعه، فظن عمر أنه لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل، فلما جلس في البيت أتي بغدائه: خبز وزيت وملح جريش، فوضع له، ثم قال للرجل: ادنُ فكلْ، فأكلا حتى إذا فرغا قال له الرجل: رسول سارية بن زنيم، يا أمير المؤمنين، قال: مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مَسَّتْ ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين وعن سارية، فأخبره، ثم أخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به وقال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجيش فتقسمه بينهم، وطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أنضيت إبلي، واستقرضت جائزتي، فأعطني ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيره ببعير من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة، ورحل الرجل مغضوباً عليه محروماً حتى قدم البصرة، فنفذ لما أمر به عمر ﵁، وكان أهل المدينة سألوه عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئاً يوم الوقعة، فقال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله تعالى علينا. الفهمين (٣) : مدينة بالأندلس بالقرب من طليطلة، وكانت مدينة متحضرة حسنة الأسواق والمباني، وفيها بشر ومسجد جامع وخطبة قائمة، وملكها الروم لما ملكوا طليطلة. فَيْد (٤) : مدينة في نصف الطريق بين مكة وبغداد، وأهلها طيء، وهي في أصل جبلهم المعروف بسلمى. وفيها مات وكيع بن الجراح (٥) منصرفاً من الحج سنة سبع وتسعين ومائة، قال مروان بن محمد الطاطري: ما وصف لي أحد إلا رأيته دون الصفة إلا وكيع بن الجراح، فإني رأيته فوق كل صفة، وما رأيت أحداً أخشع منه. وبفَيْد نزل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما وجهه عمر ﵁ بالجيوش لحرب العراق فأقام بها شهراً، وارتفع بالناس إلى زرود. وفيد (٦) هذه هي التي ينسب إليها حمى فيد، والغالب على فيد التأنيث، وقال لبيد:

стр. 460

مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل العراق فأين منك مرامها فيروزاباد: في بلاد فارس، منها الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي الفقيه (١) ، لقيه أبو الوليد الباجي ببغداد، وأدخل كتبه إلى الأندلس: " التبصرة " في الفقه و " اللمع " في أصول الفقه و " المعرفة " في الجدل، وله تواليف كثيرة وكان إمام الشافعية، ودرس بالنظامية، شيخ أهل الدهر، وإمام أهل العصر، رحل الناس إليه من الأقطار، وقصدوه من كل الجهات، وكان يجري مجرى أبي العباس بن سريج، جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته، وكان عامة المدرِّسين في العراق والجبال تلامذته وأتباعه، وصنَّف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهداً ورعاً متواضعاً كريماً سخيَاً حسن المجالسة مليح المحاورة، يضرب به المثل في الفصاحة حتى قال بعضهم: لساني إذا عن الحوادثُ صارم ... ينيلني المأمولَ في الإثر والأثر يقد فيفري في اللقاء كأنّه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام ومعه صاحباه فقلت: يا رسول الله بلغني عنك أحاديث عن ناقلي الأخبار وأريد أن أسمع منك حتى أتشرف به في الدنيا وأجعله ذخيرة في الآخرة، فقال: يا شيخ، من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره منه، فكان أبو إسحاق يفرح بهذا ويقول: سماني رسول الله ﷺ شيخاً. وقال الشاشي: أبو إسحاق الشيرازي حجة على أئمة العصر، وكان إذا تكلم في مسئلة، وقال آخر سؤالاً غير متوجه، ينشد: سارت مشرّقةً وسرتُ مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرّبِ وقيل: أبو إسحاق أمير المؤمنين بين الفقهاء، ولما قدم الشيرازي رسولاً إلى نيسابور تلقاه الناس، وحمل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشيته ومشى بين يديه كالخديم، وكان ذلك بمشهد أكابر نيسابور، وقال: أنا أفتخر بهذا. وعنه، قال الشافعي: حكمي على أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُنَّة وأخذ في الكلام. وللشيرازي: وما حبي لفاحشة ولكن ... رأيتُ الحبَّ أخلاقَ الكرامَ وله: سألت الناس عن رجل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرتَ بودِ حُر ... فإن الحر في الدنيا قليل ومات أبو إسحاق سنة ست وسبعين وأربعمائة وأول من صلى عليه الإمام المقتدي بأمر الله بداره في باب الفردوس. الفيروج (٢) : هي جزيرة في البحر الأعظم، والفيروج بها صنم من زجاج أخضر يجري في عينيه دمع لا يزال يسيل على مرّ الأيام، زعموا أنه باك على قومه الذين كانوا يعبدونه، فغزاهم بعض الملوك واستباحهم وقتلهم، وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشيء لم يؤثر فيه، وعاد الضرب على ضاربه، فتركوه، وإذا دخلت الريح صفر صفيراً عجيباً. فيرزكوه (٣) : هي قاعدة الغور في البلاد الخراسانية، كان
следующие страницы →