← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فرَبر (١) : مدينة بينها وبين بخارى ثلاث مراحل، وهي من البلاد التي خلف النهر من بلاد خُراسان، وبينها وبين جيحون نحو ميل، وهي مدينة حسنة صغيرة كثيرة الجبايات كثيرة الخصب والخير، ولها قرى عامرة ورساتيق، وهي مضمومة بجملتها إلى بخارى. ومن فَرَبْر محمد بن يوسف الفَربري (٢) راوية كتاب البخاري، عنه، جاء عنه أنه كان يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن اسماعيل تسعون ألفاً فما بقي أحدٌ يرويه غيري. فِرّيش (٣) : موضع بالأَندلس بين الجوف والغرب من قرطبة، فيها معدن رخام، والغالب على أشجارها القصطل، وبها معادن حديد، وتتصل أحواز فِرّيش بأحواز فحص البلوط، وبينها وبين قرطبة مرحلتان، وبها قرية تُعْرَف بقسطنطينة كانت مدينة عظيمة أولية، وفيها آثار كنائس ويقال إنها بنيت في أيام قسطنطين ملك الروم، وبينها وبين قرطبة أربعون ميلاً. فرْنجولش (٤) : بالأَندلس بقرب حصن المدور. وهي مدينة جليلة كثيرة الكروم والأشجار، ولها بمقربة منها معادن الذهب والفضة بموضع يعرف بالمرج. فروجة (٥) : مدينة بالمغرب، بينها وبين مراكش مرحلة، وهي في بطحاء كثيرة المياه والفواكه والخيرات. فرغانة: في خُراسان، بينها وبين سمرقند ثلاثة وخمسون فرسخاً، كان أنوشروان (٦) بناها ونقل إليها من كل بيت قوماً، وفرغانة اسم الاقليم، وهو عريض موضوع على سبع مدائن، واسمها بالعجمية اخشيكث، وقيل أن فرغانة اسم الكورة، واسم قصبتها (٧) اخشيكث، وهي على شط نهر الشاش على أرض مستوية، بينها وبين الجبل نحو نصف فرسخ، وهي على شمال النهر، ولها ربض كبير عليه سور، وقهندزها في المدينة، ودار الإمارة والحبس في القهندز، ومصلَّى العيد على النهر، ومقدارها في الكبر ثلاثة فراسخ، وفي مدينتها وربضها مياه جارية مقدار فرسخين، وأسواقها في ربضها ومدينتها جميعاً، وحذاء ما وراء النهر مروج ومزارع كثيرة، وبفرغانة معادن الذهب والفضة بناحية أخشيكث، ولها مدن كثيرة، وفي بعضها جبال بلق مؤلفة قطعةً سوداء حالكة، وأخرى حمراء قانية، وأخرى صفراء فاقعة، وفي جبال فرغانة شجر الطبرخون الذي يحمل بزرها إلى الآفاق، وهو ضرب من الترنجبين، ويحمل منها النوشادر. فزان: أظنه بين طرابلس وقابس (٨) ، فيها قتل يحيى بن إسحاق الميورقي قراقشَ الأرمني مملوك تقي الدين أخي السلطان صلاح الدين بن أيوب، وكان دخل إفريقية من مصر في أخْريات المائة السادسة، فملك طرابلس وقابس وبعُد صيته وفض الجموع، ثم إنه اصطلح مع يحيى بن إسحاق الميورقي الطويل الفتنة ليعتضدا على ما كان بسبيله، وكان قراقش قد قتل جمعاً من أكابر دباب فغدروا به، وأمكنوا منه الميورقي، فضرب عنقه بفزان وصلبه هنالك. فكان (٩) : مدينة على مرحلتين من أسلن (١٠) من أحواز تلمسان بالمغرب، وعلى فكان النزول، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها آثار للأوَل، وكانت خربت فبعث إليها المنصور بن أبي عامر مَنْ بناها وعمرها، وهي قريبة من البحر. وكانت سوقاً قديمة من أسواق زناتة فمدنها يعلى بن محمد بن صالح اليفرني، فكان ابتداء تأسيسه لها سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وارتحل إليها أهل العسكر

стр. 457

فعمرت وتمدنت وعظمت، وهي في سفح جبل وانشوبش (١) ، وهو بجوفيًها، وعلى فكان سورُ طوب، وبها جامع وحمّام وفنادق. فلسطين: في أول أحواز الشام، سميت بفلسطان بن فلان (٢) ، من ولد كنعان بن حام بن نوح ﵇، وماؤها من الأمطار والسيول، وأشجارها قليلة وديارها حسنة، وهي أزكى بلاد الشام. قال ابن عطية في تفسيره: يروى أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى خصّ فلسطين بالتقديس، وقال الطبري: إن من فلسطين ظهر عيسى ﵇. وفتحها معاوية سنة تسع عشرة، وفتح قيسارية، وقتل فيها ثمانون ألفاً. وفلسطين عمل مشتمل على مدن كثيرة مثل ايليا وغزة ونابلس واللد وغيرها، ويقال إنها سميت باسم فلسطين بن فلان بن يونان بن يافث ﵇ لنزوله بها. وفلسطين (٣) كانت ديار البربر في سالف الأزمان، وكان ملكهم جالوت، وهو سمة لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود جالوت، فساروا إلى ديار المغرب، فنزلت مزاتة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة بلاد طرابلس ونزلت نفوسة مدينة صبرة، وكانت هذه الديار للإفرنجة فأجلتها البرابر عنها، وتفرقت البرابر في بلاد إفريقية وطنجة إلى أقصى بلاد المغرب وانتهوا إلى موضع يعرف بقمونية على أكثر من ألفي ميل من بلد القيروان، ثم تراجعت الأفرنج إلى مدنهم وعمائرهم على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال في أطراف البراري والقفار، وصارت المدائن رومية، حتى فتحها المسلمون. والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمة: هوارة وزناتة وضريسة ونفزة وكتامة ولواتة وغمارة ومصمودة ومزاتة وصدينة وصنهاجة، وللناس في البربر اختلاف كثير مشهور فلا نطوَل به. فلج (٤) : حصن بينه وبين هجر ستة أيام، وبين هذا الحصن وبين مكة تسعة أيام. وقال قتادة: إن أصحاب الرس الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه كانوا أهل فلج، وقال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القومُ كل القوم يا أمّ خالدِ فِنْيانة (٥) : قرية بقرب وادي آش من الأندلس، جامعة خطيرة كثيرة الكروم والتوت والبساتين وضروب الثمار، وكان بها طرز للديباج، والمياه تطَّرد في جميع جنباتها، وأهلها عجم ذوو يسار. فندرينة (٦) : مدينة على الساحل من بلاد الهند، على جون تحط به مراكب التجار من جزائر الهند ومراكب السند أيضاً، ولأهلها أموال ياسرة ومتاجر ومكاسب، وعليها جبل كبير سامي العلو كثير الشجر عامر بالقرى والمواشي، وتنبت في حوافيه القاقلة، ومنها تحمل إلى سائر أقطار الأرض. الفسطاط (٧) : اسم لمصر التي بناها مصرام بن حام بن نوح ﵇، سميت بفسطاط عمرو بن العاصي ﵁، وكان تركه هناك حين توجه للإسكندرية. قال اليعقوبي: لما فتح عمرو بن العاصي ﵁ مصر اختط منازل العرب حول الفسطاط، فسمي الفسطاط لهذا، فمدينة مصر اليوم هي الفسطاط. قالوا (٨) : وسميت بذلك لأن عمرو بن العاصي ﵁ حين دخل بلاد مصر ضرب فسطاطه بذلك الموضع، فلما أراد

стр. 458

التوجه للإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع الفسطاط، فإذا فيه حمام قد أفرخ، فقال عمرو ﵁: لقد تحرم منا بحرم، فأمر بالفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه، فلما قفل المسلمون من الاسكندرية بعد فتحها قال الناس: أين ننزل؟ فقيل: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه في المنزل بمصر. ثم بدأ عمرو بن العاصي ﵁ فبنى المسجد، وبنى الناس مكان مصر الآن. وهي مدينة (١) كبيرة في غاية من العمارة والخصب والطيب والحسن، فسيحة الطرقات قائمة الأسواق نافقة التجارات متصلة العمارات، لأهلها همم سامية، وطولها ثلاثة فراسخ، والنيل يأتيها من أعلى أرضها فيجتاز بها من ناحية جنوبها وينعطف مع غربيها، وبناء دُورها كلها وقصورها طبقات بعضها فوق بعض خَمْساً وستّاً وسبعاً، وربما سكن في الدار المائة من الناس، ومعظم بنائها بالطوب، وأكثر سفل ديارهم غير مسكون، ولها مسجدان جامعان للخطبة، أحدهما بناه عمرو بن العاصي ﵁ في وسط السوق يحيط به من كل جهة، وكان في أوله كنيسة للروم فصيره عمرو جامعاً، والجامع الآخر بناه أحمد بن طولون وبنى أيضاً جامعاً آخر يسكنه العباد وناس من أهل الخير. وعلى الجملة فمصر عامرة بالناس، وفي أهلها رفاهية وظرف شامل وحلاوة، وفي جوانبها بساتين وجنات ونخل وقصب سكر، كل ذلك يسقى بماء النيل. وأرض مصر لا تمطر إنما هو ماء النيل، وليس في أرض مصر مما يلي النيل قفر، إنما هو كله معمور بالبساتين والأشجار والقرى والمدن والناس والأسواق والبيع والشراء، وبين طرفي النيل خمسة آلاف وستمائة وأربعة وثلاثون ميلاً، وقيل غير ذلك وعرضه في بلاد النوبة والحبشة ثلاثة أميال، وعرضه بمصر ثلثا ميل، وليس يشبه نهراً من الأنهار. ويقابل مصر (٢) جزيرة في النيل، فيها المباني والمتنزهات ودار المقياس، وهي دار كبيرة في وسطها فسقية كبيرة، وينزل إليها بدرج رخام، وفي وسط الفسقية عمود رخام قائم، فيه رسوم أعداد أذرع وأصابع بينها، والماء يصل إلى هذه الفسقية، ولا يدخلها الماء إلا عند زيادة النيل، ويكون في شهر أغشت، والوفاء من مائه ستة عشر ذراعاً، وهو الذي يروي أرض السلطان باعتدال، فإذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعاً أروى جميع الأرضين التي هناك، فإذا بلغ عشرين ذراعاً (٣) فهو ضرر، وأقل زيادته اثنا عشر ذراعاً وهي أربع وعشرون اصبعاً والزائد على الثمانية عشر ذراعاً ضرر يقلع الشجر ويهدم، وما نقص عن اثني عشر ذراعاً فيه القحط والجدب وقلة الزراعة فسّا: بتشديد ثانيه (٤) مقصور، مدينة من بلاد فارس، أنشد الأصمعي: من أهل فسّا ودرابجرد ... والنسب إليها فسوي، وإليها ينسب أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي (٥) . وبينها وبين (٦) درابجرد أربعة وخمسون ميلاً، وفسا مدينة واسعة وأبنيتها أفسح وأتم من أبنية شيراز، والغالب عليها خشب الصنوبر والسرو، وهي عامرة بالناس والجلة والتجار والمياسير، وهي تقارب شيراز في كبر مقدارها وكثرة عمارتها، وهواؤها أصح من هواء شيراز، وعليها حصن حصين وأبواب خشب محددة، وحولها خندق واسع عميق، وبها ربض، وأكثر أسواقها في ربضها، وبها من غلات الرطب والبلح والجوز والاترج والسفرجل والقصب الحلو ما يقوت ويكفي ويزيد على الحاجة. وكان عمر بن الخطّاب ﵁ بعث سارية بن زنيم إلى فسا ودرابجرد في جيش وأمره عليهم، وكان سارية في الجاهلية خليعاً وحسن إسلامه، ثم وقع في بال عمر ﵁ وهو يخطب يوم الجمعة أنهم لاقوا العدوّ وهم في بطن واد، وقد هموا بالفشل، وبمقربة منهم جبل، فقال قي أثناء خطبته رافعاً صوته: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، ظلم من استرعى الذئب، فحمل الله تعالى صوته وألقاه في سمع سارية، فانحاز بالناس إلى الجبل، وقاتلوا العدو من جنب واحد ففتح الله عليهم.

стр. 459

وفي خبر آخر (١) : قصد سارية بن زنيم فسا ودرابجرد حتى أفضى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم استمدوا فتجمعت عليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمرٌ عظيم وجمع كبير، ورأى عمر ﵁ في تلك الليلة معتركهم وعدوّهم فنادى من الغد: الصلاةُ جامعة، حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمون بصحراء إن أقاموا بها أحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قام فقال: أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جُنوداً، ولعلّ بعضها أن يبلغهم، ولمّا كان تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، وقاتلوا القوم من وجه واحد فهزمهم الله تعالى، وكتبوا بذلك إلى عمر ﵁ وباستيلائهم على البلاد. وفي خبر آخر: أن عمر ﵁ قال وهو يخطب يوم جمعة: يا سارية، الجبل الجبل، ثم دعا في خطبته، فعجب الناس لندائه سارية على بعده، وقضى الله سبحانه أن كان سارية وأصحابه في ذلك الوقت مواقفين للمشركين، وقد ضايقهم المشركون من كل جانب، وإلى جانب المسلمين جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فسمعوا صوتاً يقول: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، كما قال عمر ﵁ في ذلك الوقت بعينه، فلجؤوا إلى الجبل فنجوا وهزموا العدوّ وأصابوا مغانم كثيرة، وأصاب (٢) سارية في المغانم سفطاً فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر ﵁، فوهبوه له، فبعث به وبالفتح رجلاً وقال له: استقرض ما تتبلغ به وما تخلفه في أهلك على جائزتك، وكان الرسل والوفد يجازون، فقدم الرجل البصرة، ثم خرج فقدم على عمر ﵁، فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصده، فأقبل عليه بها وقال: اجلس، فجلس، حتى إذا أكل انصرف عمر ﵁ وقام الرجل فاتبعه، فظن عمر أنه لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل، فلما جلس في البيت أتي بغدائه: خبز وزيت وملح جريش، فوضع له، ثم قال للرجل: ادنُ فكلْ، فأكلا حتى إذا فرغا قال له الرجل: رسول سارية بن زنيم، يا أمير المؤمنين، قال: مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مَسَّتْ ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين وعن سارية، فأخبره، ثم أخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به وقال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجيش فتقسمه بينهم، وطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أنضيت إبلي، واستقرضت جائزتي، فأعطني ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيره ببعير من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة، ورحل الرجل مغضوباً عليه محروماً حتى قدم البصرة، فنفذ لما أمر به عمر ﵁، وكان أهل المدينة سألوه عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئاً يوم الوقعة، فقال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله تعالى علينا. الفهمين (٣) : مدينة بالأندلس بالقرب من طليطلة، وكانت مدينة متحضرة حسنة الأسواق والمباني، وفيها بشر ومسجد جامع وخطبة قائمة، وملكها الروم لما ملكوا طليطلة. فَيْد (٤) : مدينة في نصف الطريق بين مكة وبغداد، وأهلها طيء، وهي في أصل جبلهم المعروف بسلمى. وفيها مات وكيع بن الجراح (٥) منصرفاً من الحج سنة سبع وتسعين ومائة، قال مروان بن محمد الطاطري: ما وصف لي أحد إلا رأيته دون الصفة إلا وكيع بن الجراح، فإني رأيته فوق كل صفة، وما رأيت أحداً أخشع منه. وبفَيْد نزل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما وجهه عمر ﵁ بالجيوش لحرب العراق فأقام بها شهراً، وارتفع بالناس إلى زرود. وفيد (٦) هذه هي التي ينسب إليها حمى فيد، والغالب على فيد التأنيث، وقال لبيد:

стр. 460

مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل العراق فأين منك مرامها فيروزاباد: في بلاد فارس، منها الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي الفقيه (١) ، لقيه أبو الوليد الباجي ببغداد، وأدخل كتبه إلى الأندلس: " التبصرة " في الفقه و " اللمع " في أصول الفقه و " المعرفة " في الجدل، وله تواليف كثيرة وكان إمام الشافعية، ودرس بالنظامية، شيخ أهل الدهر، وإمام أهل العصر، رحل الناس إليه من الأقطار، وقصدوه من كل الجهات، وكان يجري مجرى أبي العباس بن سريج، جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته، وكان عامة المدرِّسين في العراق والجبال تلامذته وأتباعه، وصنَّف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهداً ورعاً متواضعاً كريماً سخيَاً حسن المجالسة مليح المحاورة، يضرب به المثل في الفصاحة حتى قال بعضهم: لساني إذا عن الحوادثُ صارم ... ينيلني المأمولَ في الإثر والأثر يقد فيفري في اللقاء كأنّه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ في المنام ومعه صاحباه فقلت: يا رسول الله بلغني عنك أحاديث عن ناقلي الأخبار وأريد أن أسمع منك حتى أتشرف به في الدنيا وأجعله ذخيرة في الآخرة، فقال: يا شيخ، من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره منه، فكان أبو إسحاق يفرح بهذا ويقول: سماني رسول الله ﷺ شيخاً. وقال الشاشي: أبو إسحاق الشيرازي حجة على أئمة العصر، وكان إذا تكلم في مسئلة، وقال آخر سؤالاً غير متوجه، ينشد: سارت مشرّقةً وسرتُ مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرّبِ وقيل: أبو إسحاق أمير المؤمنين بين الفقهاء، ولما قدم الشيرازي رسولاً إلى نيسابور تلقاه الناس، وحمل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشيته ومشى بين يديه كالخديم، وكان ذلك بمشهد أكابر نيسابور، وقال: أنا أفتخر بهذا. وعنه، قال الشافعي: حكمي على أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُنَّة وأخذ في الكلام. وللشيرازي: وما حبي لفاحشة ولكن ... رأيتُ الحبَّ أخلاقَ الكرامَ وله: سألت الناس عن رجل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرتَ بودِ حُر ... فإن الحر في الدنيا قليل ومات أبو إسحاق سنة ست وسبعين وأربعمائة وأول من صلى عليه الإمام المقتدي بأمر الله بداره في باب الفردوس. الفيروج (٢) : هي جزيرة في البحر الأعظم، والفيروج بها صنم من زجاج أخضر يجري في عينيه دمع لا يزال يسيل على مرّ الأيام، زعموا أنه باك على قومه الذين كانوا يعبدونه، فغزاهم بعض الملوك واستباحهم وقتلهم، وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشيء لم يؤثر فيه، وعاد الضرب على ضاربه، فتركوه، وإذا دخلت الريح صفر صفيراً عجيباً. فيرزكوه (٣) : هي قاعدة الغور في البلاد الخراسانية، كان

стр. 461

تملكها خوارزم شاه وقتل غياث الدين بن غياث الدين بن سام صاحبها، ثم تملك الباميان وقتل صاحبها علي بن سام، وهو آخر ملوكهم ثم عطف في سنة اثنتي عشرة وستمائة (١) على غزنة التي كانت سرير السلطان محمود بن سبكتكين وولده من بعده بمعظم عساكره، وكانت حصلت في يد ألدز مولى شهاب الدين، فلما فرغ خوارزم شاه من تملك فيرزكوه قاعدة الغور عطف على غزنة، وتحيل عليها إلى أن خرج ألدز يوماً يتصيد، فأغلقها نائبه في وجهه على الذخائر العظيمة ورفع أعلام خوارزم شاه في قلعتها وطير بالخبر إلى خوارزم شاه، فوصل إلى غزنة واحتوى عليها، في خبر يطول. الفيوم (٢) : في البلاد المصرية، وهو نظر كبير فيه قرى كثيرة، يقال إن فيه من القرى عدد ما في قطر مصر كلها من القرى فإن بوسف ﵇ حين صنعه أنزل في كل قرية أهل بيت من قرى مصر، وصير لكل قرية من الماء بقدر ما يروي أرضها من غير زيادة ولا نقصان، ويقال أيضاً إن بالفيوم ثلثمائة قرية على عدد أيام السنة لا تقصر عن الري أبداً لحكمة شربها، فإذا نقص النيل في سنة من السنين وغلا السعر بمصر مارت كل قرية منها مصر يوماً. وحجر اللهون بالفيوم من عجائب الدنيا، واللهون قرية كبيرة من قرى الفيوم، وهذا الحجر شاذروان بين طبقين من أحكم صنعة مدرج على ستين درجة، فيها فوارات في أعلاها وفي وسطها وفي أسفلها فتسقي العليا الأرض العليا والوسطى الأرض الوسطى، والسفلى الأرض السفلى بوزن وقدر لا ينقص لأحد دون حقه ولا يزيده فوق حقه، وهو من أحكم البنيان وأتقنه، قيل: ومن ذلك الوقت عرفت الهندسة. وقد ذكر كثير من الناس أن يوسف ﵇ عمله بالوحي، ولم يزل الملوك من الأمم يقصدون هذا الموضع ويتأملون حسن صنعته ويتعجبون من غرائب حكمته، ويقال إن الملك المعاصر ليوسف ﵇ لما تأمله قال: هذا من ملكوت السموات، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الزمان، ويقال إنه عمل من ثلاثة أشياء: من الفضة والنُحاس والرخام (٣) ، وفي الضفة الغربية منه مسجد يقال له مسجد يوسف، والفيوم يشرب من ذراع اثني عشر وليس بأرض مصر موضع يشرب من ذراع اثني عشر غير الفيوم لحكمة بنيان هذا اللهون، وإنما ري أرض مصر يشرب من ذراع ستة عشر، فإذا زاد النيل على اثني عشر قطع الماء عن الفيوم، وإذا كان يوم سد حجر اللهون حضر ذلك شهود أهل تلك الجهة وأمراؤهم (٤) بالطبول والبنود، والمهندسون من أهل تلك الجهة، فلم يكن لمن يدعي نقصاً من الماء عذر، وخرجت الأرسال عند ذلك بالبشائر إلى مصر، وهو عندهم يوم نوروز (٥) ونزهة. وأهل الفيوم يزدرعون والماء باق على جميع أرض مصر، ويكون الحصاد عندهم وجميع من في أرض مصر لم يتم حرثه، فإذا كان حصاد أهل مصر كان ذلك أولَ السقية الثانية لأهل الفيوم، لأنهم يزدرعون في العام مرتين، ويزدرعون في السقية الثانية القمح والشعير والأرز فضلاً عن القطاني. والفيوم أخصب بلاد الله وأكثرها فاكهة. لا يعدم بها الرطب شتاء وصيفاً ولذلك غلتها أكثر جبايات مصر. قيل وإنما سميت الفيوم لأن خراجها ألف دينار كل يوم، والفيوم في وسط بلاد مصر، فلا يؤتى إلى كورة الفيوم من ناحية من النواحي لا من صحراء ولا مفازة. ولمّا فتح عمرو بن العاصي بلاد مصر أقام سنة لا يعلم أين الفيوم ولا حيث مكانه، حتى بعث عمرو بنَ قيس إلى ناحية الصعيد، فأبطأ عليه خبره، فقال: من يأتينا بخبر ابن قيس؟ فقال ربيعة بن حبيب: أنا آتيك به، فركب ثم جاز النيل من الجهة الشرقية فلم ير شيئاً، فلما همَّ بالانصراف وسار قليلاً طلع سواد الفيوم فأتوا عمراً بخبره.

стр. 462

فراغ

стр. 463

حرف القاف قالي قلا (١) : مدينة من مدن ارمينية مداخلة لبلاد الروم، وهي ثغر لأهل أذربيجان وارمينية، وهي مدينة حسنة جليلة عامرة، تغلب عليها الروم وعلى ما جاورها مرّات واستنقذها المسلمون من أيديهم، وبينها وبين تفليس أربع مراحل، ومنها ابتداء الأنهار العظام. وإليها ينسب أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي صاحب " النوادر ". قال الدينوري: سألت أبا علي لم قيل له القالي، فقال لي: انحدرت إلى بغداذ في رفقة فيها أهل قالي قلا، فانتسبت إلى قالي قلا، ورجوت أن أنتفع بذلك عند العلماء فمضى علي القالي. قال الزبيدي (٢) : وله تواليف كثيرة منها " النوادر " أملاه ظاهراً وارتجل تفسير ما فيه، وهو غاية في معناه، ومنها كتاب " الممدود والمقصور " وبناه على مخارج الحروف من الحلق ومنها كتاب " الإبل ونتاجها " ومنها " كتاب في خلق الإنسان " وكتابه في " فعلت وأفعلت " وكتابه في " مقاتل الفُرْسان " وكتابه " البارع في اللغة " بناه على حروف المعجم، توفي قبل أن ينقحه، سنة ست وخمسين وثلثمائة. قاسان (٣) : مدينة في أقصى عمل فرغانة، صغيرة القطر عامرة بالناس، بها متاجر وصناعات، وبناؤها بالطين، وهي مدينة حسنة كثيرة الخصب والعمارات. وقاسان اسم للمدينة واسم للناحية أيضاً، ولها قرى كثيرة. وأهل قاشان (٤) حشوية جهال، والغالب على هذه النواحي الجبال الشاهقة إلا ما بين همذان إلى الري إلى قم فإن الجبال هناك قليلة، وإنما الجبال الصعبة فما بين حدود شهرزور إلى آمد، فيما بين حدود أذربيجان والجزيرة ونواحي الموصل، وأكثرها مسكونة بالأكراد. وفي سنة إحدى وعشرين وستمائة نزل الططر على همذان بعدما عمرت فأهلكوا من وجدوا فيها واستولوا على قم وقاشان فأهلكوا الشيعة، وتتبعوا بلاد الجبال، واستأصلوا من تراجع بعد الخراب، وفعلوا ما جرت به عوائدهم الذميمة. القادسية (٥) : عند الكوفة، وهي أول مرحلة لمن خرج من الكوفة إلى المدينة ومكة، وهي قرية كبيرة فيها حدائق نخل ومشارع من الماء الفرات، وسميت القادسية لأن قوماً من أهل قادس نزلوها، وقيل إن إبراهيم ﵇ نزل القادسية فغسل بها رأسه ثم دعا لها أن يقدسها الله، فسميت القادسية، ثم أخذ فضل الماء فصبَّه يمنة ويسرة فحيث انتهى ذلك الماء انتهى العمران، ثم ارتحل إلى البيت الحرام. وقيل إنما سميت القادسية بقادس، رجل من أهل هراة قدم على كسرى فأنزله موضع القادسية.

стр. 464

وهي من (١) بناء الأكاسرة، وهي مدينة صغيرة ذات نخيل ومياه عذبة ويتخذ بها القت علفاً للجمال الصادرة والواردة في طريق الحجاز، ومنه يتزودون علوفاتهم، وهي ثغر من ثغور العراق، وبينها وبين بغداد أحد وستون فرسخاً. وقد تقدم قول الشاعر: لمّا وردنا ال قادس ي ... ة حيث مُجْتَمعُ الرفاقِ وكان فتح القادسيّة العظيم الكبير على يد جيوش المسلمين في أيام الفاروق، وأمير هذه الجيوش سعد بن أبي وقاص ﵁، سنة ست عشرة، وقتل رستم أمير جيش الفُرْس، وكان في مائة ألف من الفُرس، وأسر منهم نيف وخمسون ألفاً، واستشهد من المسلمين مائة رجل، ويقال مائتان، وجميع من شهد القادسيّة من المسلمين بضعة وثلاثون ألفاً، وكانت أيامها العظام أربعة أيام، واليوم الرابع هو المسمى بينها بالقادسية، وفيه قتل الله رستم وأتم الفتح على المسلمين، وفيها كانت ليلة الهرير والقتال بالليل بالمشاعل. قادس (٢) : من أرض خُراسان. وقادس (٣) أيضاً جزيرة بالأندلس عند طالقة من مدن اشبيلية، وطول جزيرة قادس من القبلة إلى الجوف اثنا عشر ميلاً، وعرضها في أوسع المواضع ميل، وبها مزارع كثيرة الريع، وأكثر مواشيها المعز، وشَعْراؤها صنوبر ورتم، فإذا رعت معزهم خروّب ذلك المكان عند عقدها أسكر لبنها، وليس يكون ذلك في ألبان الضأن، وقال صاحب الفلاحة النبطية: بجزيرة قادس نبات (٤) إذا رعته المعز أسكر لبنها إسكاراً عظيماً، وأهلها يحققون هذه الخاصية. وفي طرف الجزيرة الثاني حصن خرب أولي بيّنُ الآثار، وبه الكنيسة المعروفة بشنت بيطر، وشجر المثنان كثير بهذه الجزيرة، وبهذه الجزيرة شجيرة تشبه فسيل النخل لها صمغ إذا خلط بالزجاج صبغه (٥) وصار حجراً تتخذ منه الفصوص. وبها آثار للأول كثيرة، ومن أعجب الآثار بها الصنم المنسوب إلى هذه الجزيرة بناه أركلش (٦) ، وهو هرقلش، أصله من الروم الإغريقيين، وكان من قواد الروم وكبرائهم على زمان موسى ﵇، وقيل إنه أول معدود لملوك اليونانيين، وملك أكثر الأرض، فحارب أهل المشرق وافتتح مدنهم إلى أن وصل إلى الهند، وانصرف صادراً مفتتحاً لبلاد أولاد يافث إلى أن انتهى إلى الأندلس، فلما بلغ البحر المحيط الغربي سأل عما وراءه، فقيل له إنه لا يجاوز إلا إلى برّ الأندلس، فعمد إلى جزيرة قادس فبنى بها مجدلاً عالياً منيفاً، وجعل صورة نفسه مفرغة من نحاس في أعلى المنارة، وقد قابلت المغرب كرجل متوشح برداء من منكبه إلى أنصاف ساقيه، وقد ضم عليه وشاحه، في يده اليمنى مفتاح من حديد، وهو مادُها نحو المغرب، وفي اليسرى صفيحة من رصاص منقوشة، فيها ذكر خبره، ومعنى المفتاح الذي بيده أنه افتتح ما وراءه من البلدان والمدن والصنم في وسط الجزيرة وبينه وبين الحصن المذكور ستة أميال، والصنم مربع ذرع أسفله من كل جانب أربعون ذراعاً، وارتفع على قدر هذا الذرع ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثاني ثم ضاق، وارتفع على قدر ذلك الذرع الثالث، ثم خرط البنيان من ابتداء الطبقة الرابعة إلى أن صارت قدما الصورة على صخرة واحدة قدر تربيعها في رأي العين أربعة أذرع، قد تقدمت رجله اليمنى وتأخرت اليسرى كالماشي، وارتفاعِ الصنم من الأرض إلى رأس الصورة مائة وأربعة وعشرون ذراعاً لطول الصورة من ذلك ثمانية أذرع، وقيل ستة، وقيل إن هذا الذرع بالذراع الكبير الذي هو ثلاثة أشبار ونصف، وقد خرج من بين رجليه عمود نحاس، وذهب صاعداً حتى علا فوق رأسه نحو ذراعين في رأي العين. وكان يقول أهل العلم بالحدثان في سالف الأزمان: يوشك أن يقع من يد هذه الصورة أحد المفتاحين فيكون بذلك بدء تحرك الفتن بالأندلس، ثم يقع الآخر بعد فيكون حينئذ خراب الأندلس، فذكر جماعة أهل قادس أن أحد المفتاحين سقط سنة أربعمائة، وهو في صورة المفتاح، فحمل إلى صاحب مدينة سبتة، فأمر به فوزن، فكانت زنته ثمانية أرطال. وقيل إن هذا الصنم بني لتاريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت الطوفان، وقيل لتاريخ ألفين وأربعمائة وإحدى وخمسين من وقت آدم ﵇، والذي لا يشك فيه أنه بني على عهد موسى ﵇.

стр. 465

وقال موسى بن شخيص يعني هذا الصنم: ورجراجة الأرداف موارة الخطا ... (١) تهادى وليست من حسانِ الأوانس إلى أن ترى الشخص الملفع موفياً ... على الصنم الموفي على بحر قادس ولمّا نزلنا تحته قال صاحبي ... أعاجيبُ روم أو أعاجيبُ فارس فقلنا له خفِّضْ سؤالك والتمس ... (٢) نجاتك من هول البحار الطوامس وكانوا يتحدثون أن الموسطة من البحر الغربي ويسمونه ببلاية (٣) لم تسلك قط إلى وقت سقوط ذلك المفتاح، فمن حينئذ سلك الناس في البحر إلى شلا (٤) وإلى السوس وغيرهما، وكان هذا مستفيضاً عندهم. وذكر بعض المؤلفين لغرائب الحدثان أن صنم قادس موضوع على بلاد الأندلس، فجعل رأسه لطليطلة، وصدره لقرطبة، وكذلك أعضاؤه قسمها عضواً عضواً على بلاد الأندلس، فمتى أصاب عضواً من هذه الأعضاء آفة حلت بذلك القطر الذي من قسمته آفة. وفي بعض التصانيف: إذا هدم صنم قادس استولى النصارى على بلاد الأندلس، فنظروا فإذا الوقت الذي هدمه أبو الحسن علي بن عيسى بن ميمون (٥) فيه دخل النصارى قرطبة وملكوها. قال المخبر: وكنا باشبيلية تحت الذمة لأن رئيس (٦) النصارى المعروف بالسليطين (٧) لما استحوذ عليها أقر أبا زكريا يحيى بن علي رئيساً على ما كان بأيدي الملثمين منها ومن غيرها، وكان حكم السليطين نافذاً فيها، ولقد وقع سنة أربعين تنازع بين رجلين من المرابطين في إنزال جنان بقرية من قرى اشبيلية، فادعاه أحدهما بإنزال ابن غانية له فيه، وأتى بظهير وادعاه الآخر بظهير السليطين، وحكم بينهما والي اشبيلية تحت نظر يحيى بن علي فأقره بيد الذي ادعاه بإنزال النصارى إياه واحتج بأن الأمر إنما هو للسليطين لا ليحيى بن علي، وكان هذا الملثم قد كتب له به السليطين بطليطلة حين سفر إليه رسولاً عن يحيى بن علي. وكان هدم علي بن عيسى لهذا الصنم لأنه خيل إليه أنه على كنوز ضخمة وأن داخله محشوّ تبراً فدعا له الرجال والبناة وأخذوا في قطع حجر منه، وكلما قطعوا حجراً دعموا مكانه بدعامة من خشب، حتى وقف ذلك الجرم العظيم على الدعائم، ثم رموا إلى الخشب النار، بعدما ملأوا الخلل الذي بين الخشب حطباً، فسقط جميعه، وكانت له وجبة عظيمة، واستخرج الرصاص المعقود بالحجارة والنحاس الذي كان منه الصنم وكان مذهّباً، وبردت (٨) في يديه من مطلبه الخيبة، وكان يقال إن الذي يهدم صنم قادس يموت مقتولاً وكذلك كان. ويزعم أهل جزيرة قادس أنهم لم يزالوا يسمعون أن الراكب في هذا البحر إذا لجج فيه وغاب عنه صنم قادس، بدا له صنم ثان مثله، فإذا وصلوا إليه وجاوزوه حتى يغيب عليهم بدا لهم صنم ثالث، فإذا تجاوزوا سبعة أصنام صاروا في بلاد الهند، وهذا مستفيض عندهم معروف جار على ألسنتهم، لم يزل يأخذه آخرهم عن أولهم. قالوا: ولما أحكم أركلش هذه الآثار صمد إلى بلاد البربر فعبر إلى مدينة سبتة من الزقاق الخارج من البحر المحيط. ولم يزل يفتتح مدينة بعد مدينة حتى انتهى إلى لوبيا ومراقيا (٩) ، فوجد هناك آلاماً وأوجاعاً في بدنه، فلما اشتد ذلك به أجج ناراً وألقى نفسه فيها فاحترق، وكان غرضه أن يحرق الأوجاع التي في بدنه، فدل هذا من فعله على أنه كان من عبدة النيران، وتفرقت جموعه، واتخذته المجوس وثناً يعبدونه. القاطول (١٠) : بين الجزيرة والموصل، فاعول من القطل، وهو القطع.

стр. 466

وقد ذكره البحتري في قصيدته التي يرثي بها المتوكل فقال: محلّ على القاطول أَخْلَقَ داثرُهْ ... وكان المعتصم (١) لما ارتاد موضعاً مرَّ بالقاطول فقال: هذا أصلح المواضع فصير الدير المعروف بالقاطول وسط المدينة، وجعل البناء على دجلة وعلى القاطول، وابتدأ البناء وأقطع القواد والكتّاب والناس، فبنوا حتى ارتفع البناء، واختطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة وسكن هو في بعض ما بني له، ثم قال: أرض القاطول غير طائلة والبناء بها صعب، ثم ركب يتصيد فمرَّ في سيره إلى سرَّ من رأى، وهي صحراء لا عمارة بها ولا أنيس إلا ديراً للنصارى فبنى فيه مدينة سر من رأى على ما مرَّ في موضعه، والقاطول على خمسة فراسخ من سامرّا. القاهرة (٢) : هي قاعدة الملوك المصريين ودار ملكهم في البلاد المصرية، وهي مدينة محدثة من بناء العبيديين الشيعة الذين كانوا بها وبينها وبين مصر ثلاثة أيام وهي مدينة كبيرة فيها من القصور والمباني ما يعجز الوصف عنه. وكان الحاكم بأمر الله منهم بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجداً عظيماً على ثلاثة مشاهد كانت هناك، وجعل فيه سدنة وخدمة يوقدون فيه السرج الليل كله وذكر أنه كان أراد أن ينقل إليه جسد النبي ﷺ وقد كان توجهت له الحيلة في ذلك، غير أن الله سبحانه دفع، وأظهر الله أهل المدينة على ذلك وقاية لرسوله ﷺ وكان بذل الأموال لرجال من شيعته فمشوا إلى المدينة فاشتروا بها داراً وأخذوا ذرع ما بين الدار والقبر واحتفروا سرباً عظيماً حتى كادوا يصلون إلى القبر المكرم فأطلع الله تعالى أهل المدينة على ذلك فقتلوا أولئك الفعلة ومثلوا بهم وردموا ذلك الحفير بالحجار وأفرغوا عليه الرصاص فلا يطمع أحد في الوصول إلى مثل ذلك. قاشا (٣) : مدينة بالصين أهلها خوارج عن مذهب أهل الصين. وهم يحرقون موتاهم بالنار كما يفعله أهل الهند. قاشان (٤) : من مدن هراة، وهي مدينة كبيرة كثيرة الأسواق والصنائع وأهلها مياسير ولهم همم في ملابسهم وزيهم، وهي قليلة الأشجار والمياه. قابس (٥) : مدينة من بلاد إفريقية بينها وبين القيروان أربع مراحل، وتعد من البلاد الجريدية، وبينها وبين طرابلس ثمانية أيام وهي مدينة كبيرة قديمة عليها سور صخر جليل من بناء الأول، ولها حصن حصين وأرباض واسعة، وفيها فنادق وحمامات، وقد أحاط جميعها خندق كبير يجري إليه الماء إذا خافوا من نزول عدو عليهم، فيكون أمنع شيء، ولها واد يسقي بساتينها وأرضها ومزارعها، وأصل هذا الوادي من عين خرّارة في جبل بين القبلة والغرب، وهو يصب في البحر. وبين مدينة قابس وبين البحر نحو ثلاثة أميال وأكثر جناتها فيما بينها وبين البحر، وهي كثيرة الثمار والتمر والموز بها كثير وليس بإفريقية موز إلا فيها وفيها شجر التوت كثير، ويربى بها الحرير وحريرها أطيب الحرير وأرقه وليس يعمل بإفريقية حرير إلا بها. وهي مدينة بحرية صحراوية لأن الصحراء منها قريبة، فيقال إنه ما اجتمع في مائدة رجل ثلاثة أشياء متضادة المواضع إلا في مائدة من سكن قابس: يجتمع فيها الحوت الطري، ولحم الغزال الطري والرطب الجني، فهي حاضرة هذا الإقليم وقطبه. ومن كلام الناس: قابس دمشق المغرب. وماء قابس (٦) شروب يستسيغه أهلها، وبغابتها (٧) أشجار وجنات وكروم وزيتون كثير، ويتجهز بزيته إلى النواحي وبها نخل ملتف ورطب لا يعدله شيء في طيبه، وأهلها يجنونه طريّاً ثم

стр. 467

يودعونه دنانات فيخرج بعد مدة له عسلية لا يقدر على تناولها إلا بعد زوال تلك العسلية ثم لا يحاكيه شيء من التمر في طيب مذاقه وتعلكه، ومرساها لا يستر من ريح، إنما ترسي القوارب بواديها، وهو نهر صغير يدخله المد والجزر قالوا: وفي أهلها قلة ذمامة، ولهم زي ونظافة وفي باديتها عتوّ وفساد وقطع سبيل. وقال أبو عبد الله الحنفي: قَلوصي إلى الترحال طال نزوعها ... لها كل يوم أن تشد نسوعها إلى أن أحلتني لحيني بقابس ... فصادفني ضنك الحجاز وجوعها أُعاين فيها كلّ أسودَ كالح ... يلوح على الأسنان منه رجيعها بمجلس قاض يدَعي علم شرعة ... ويعزب عنه أصلها وفروعها ولولا بنو الإفضال من آل مسلم ... فإن لهم عندي يداً لا أضيعها سللتُ حسامَ الهجو فيهم فإن لي ... به ضربات لا يفل صدوعها وبقابس قصر العروسين (١) وهو من البناءات المشهورة، وكان بناه بنو رشيد من العرب الذين وجههم العبيديون إلى إفريقية، منهم مدافع بن رشيد بن مدافع بن جامع أناب إلى عبد المؤمن بن علي لما طلع إلى إفريقية وأسكنه قابس، وكان هؤلاء العرب تأخروا عن طاعته، وواليهم يومئذ مدافع بن رشيد الدهماني، وهم من سليم فألطفهم (٢) ورفق بهم واستدعاهم بأشعار خاطبهم بها، وتلوم (٣) عليهم فلم يصل منهم جواب، فبعث إليهم بعسكر عليهم ابنه عبد الله، وأقام هو يحاصر المهدية، فلما انتهى ابنه إلى قابس جمع مدافع أهله وعشيرته ومن انحاش إليه وفر فتبعته شرذمة من العسكر فواقفهم ساعة، ثم انهزم وقتل جماعة من أهله وعشيرته، وملك الموحدون قابس وحكموا على أهله وطائفته، وهرب مدافع وتوغل في الصحراء، وتبعته الخيل واستولت على ما معه، وجاء هو بنفسه إلى أن استجار بعرب طرابلس، فأقام عندهم نحو العامين، وكان شاعراً أديباً حافظاً للسِير والأخبار، ثم رأى التوجه إلى المغرب، فسار واجتمع بعبد المؤمن بمدينة فاس (٤) وأناب إليه، فأسكنه قابس، فأقام بها إلى أن توفي وقد ناهز التسعين. وكان لبني رشيد ذكر مع صنهاجة ومنهم أبو شاكر (٥) عامر بن محمد بن سكن (٦) بن جامع، خرج يوم فرارهم من قابس وخلص إلى دمشق وأنشد له صاحب الخريدة (٧) يتذكر أيامهم ببلدهم: يا حار طرفي غيرُ هاجعْ ... والدمعُ من عينيَّ هامعْ ولقد أرقت مسامراً ... نجماً بدا في الشرق طالع متذكراً لصروف ده ... رٍ أصبحت فينا قواطع إني من الشم الألى ... شادوا العلا أبناء جامع أهل المراتب والكتا ... ئب والمواهب والصنائع يتسابقون إلى المعا ... لي كلهم فيها مسارع ولقد ملكنا قابساً ... بالمشرفيات القواطع تسعين (٨) عاماً لم يكن ... خلق لنا فيها منازع

стр. 468

وجنابنا للمعتفي ... ن بزهرة المعروف يانع وإذا شهدنا مجمعاً ... يُومى إلينا بالأصابع عبثت بنا أيدي الزما ... (١) ن وأجدبت منا المرابع وبين قابس ونفزاوة ثلاث مراحل، وبينها وبين قفصة مرحلتان، وهي على مرحلتين من قيطون بياضة. ومن كلام (٢) الكاتب أبي المطرف بن عميرة في وصف قابس، وكان ولي قضاءها في أوائل مدة الخليفة المستنصر ﵀: ووجدته غوطي البساتين، طوري الزيتون والتين، فأما النخل فجمع عظيم، وطلع هضيم وسكك مأبورة، ونواعم في الخدور مقصورة، وبالجملة فبقعته وارفة الظل، آمنة الحرم والحل، جنة لو نزع ما في صدور أهلها من الغل. ومن رسالة أخرى: ووجدته بادي الحضارة، رائق النضارى جوانبه قد ملئت جناناً وأدواحه تروق ورقاً وأفناناً، جنة لو نزع ما في صدور أهلها لعادوا إخواناً. ومن أخرى: وهذا البلد رائق الموضوع، مذكر بالأوطان والربوع، بل يزيد عليها في أشياء، والقاطن يتناول فيه ما يشاء. ومن أخرى: وهذا البلد رائق المنظر رافل في ورق الحسن الأخضر ولكنه مرتدف (٣) بالميرة منقطع عن الجيرة. ومن أخرى (٤) : وهذا البلد رائق الموضوع مذكر بالأوطان والربوع، وإنه لمدهامّ الغابة، تام الغرابة، مستأثر بسيد من سادة الصحابة ولا عيب بتربته إلا وخامة بهوائها وحميات قل ما يعرى من عدوائها وربما مطلت بالقوت قواربها ودجنت في البيوت عقاربها، وباتت تسري بالشرّ مراراً وتمنع النوم غراراً. ويخشى المؤمن أن يلدغ من جحرها مراراً ثم أقول: والسماء والطارق، إن لها نظراء في الحي الناطق، تتبارى في العقوق، وتتوارى في الشقوق، وتتوازى في الأفعال، ولا تجازى بالنعال. ومن أخرى (٥) : وهذه البلدة الآن حدائقها في ظلال من شرخ الشباب، وأطلال من ثمرات النخيل والأعناب، فهي بحال يقر بجمالها الأندلسي، ويحار بين خلالها الدبسي، ولا عيب فيها إلا هواء وخامته تخاف، وماء غيّر من خالصه الماء المضاف ولبيوت المدينة دواجن سيئة الجوار، سريعة إلى القطان والزوّار، كراها تنفيه، وسراها تخفيه، وصلحها لا يطمع أحد فيه، فقبحت شائلة الأذناب، شاملة بالعذاب، كامنة بارزة، هامزة لامزة، تطرق بالبلية، وتحرق في الأذية، وتقسم شرها بين البرّ والفاجر بالسوية، دبت عندنا ليلة إلى من كان يرمق دبيبها وتحاول قبل أن تصيبه أن يصيبها، فأوقعت به لدغاً في القدم، وإلقاءً في أشد الألم، وبات وبتنا معه في ليلة أخي ذبيان وتعالى الله ما أطول ما كانت وأصعب ما كان. قامهل (٦) : من مشاهير بلاد الهند وهي أول حدود الهند إلى صيمور، وبينها وبين المنصورة ثمان مراحل. أبو قابوس (٧) : وأبو قبيس اسمان لجبل مكة، ويقال شيخ الجبال أبو قبيس وقيل ثبير. قُباء (٨) : بضم أوله على وزن فُعال، من العرب من يذكِّره ويصرفه ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه، وهما موضعان: موضع في طريق مكة من البصرة والآخر بالمدينة، بينها وبينه سبعة أميال، وقباء منزل رسول الله ﷺ قبل أن يسيرٍ إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم. وقد يقصر وقال ابن الزبعرى:

стр. 469

حين حكت بقباءٍ برْكها ... واستحر القتلُ في عبد الأشلّ فصرفه، وقال الأحوص (١) : ولها مربع ببرقة خاخ ... ومصيف بالقصر قصرِ قُباء قالوا: وسميت قباء بالبئر التي في دار توبة بن الحسين بن السائب بن أبي لبابة، كان يقال قباء (٢) ، وكان بنو أنيف، حي من بلي، ويقال هم بقية من العماليق، ممن نزل قباء مع من نزلها من يهود فقال شاعر منهم: ولو نطقت يوماً قباء لخبّرت ... بأنا نزلنا قبل عاد وتبَّع وآطامها عادية مشمخرَة ... تلوح فتنفي من يعادي وتمنع ورويَ أن النبي ﷺ كان يأتي قباء ماشياً. وبها المسجد الذي أسس على التقوى، بينه وبين مسجد المدينة ميلان ونصف ميل، وكان رسول الله ﷺ يأتي قُباء كل يوم سبت راكباً وماشياً، ومصلاه فيه معلوم. وطول المسجد ثماني وستون ذراعاً وعرضه كذلك، وطول منارته من سطحه إلى رأسها اثنتان (٣) وعشرون (٤) ذراعاً، وارتفاعه خمس عشرة ذراعاً وعدد أساطينه تسع وثلاثون. وقبا (٥) أيضاً من مدن فرغانة التي تلي اخسيكث في الكبر وهي من أنزهها وأجملها مرأى وهي أكثر مياهاً وبساتين من أخسيكث، وبينهما عشرة فراسخ ولها ربض عليه سور محيط بها وجامعها في قهندزها، إلا أن القهندز خراب، وأسواقها في ربضها، ودار الإمارة والحبس في الربض. قَبْرَة (٦) : مدينة بالأندلس، بينها وبين قرطبة ثلاثون ميلاً ذات مياه سائحة من عيون شتى، منها العين التي عليها النهر الذي هناك مخرجه من ناحية جبل شيته (٧) عليه أرحاء كثيرة، وهذا الجبل الشامخ (٨) ينبت ضروب النواوير وأصناف الأزاهير، وأجناس الأفاويه والعقاقير، وتدوم غضارة نوره وتتصل بهجة نبته باعتدال هوائه، وكثرة أندائه، فيقطف النرجس فيه غضاً زمن الورد. والمسجد الجامع بقَبْرَة ثلاث بلاطات. وبها سوق جامعة يوم الخميس، وتحسن بها ضروب الغراسات وأنواع الثمرات، وهي مخصوصة بكثرة الزيتون. وعلى مقربة من مدينة قَبْرَة المغارة المعروفة بالعروب، لا يدرَك قعرها ولا يُسْبر غورها، وهي باب من أبواب الرياح، ويعرفونها ببئر الريح وكان بعض خلفاء بني أميَّة قد أمر عامل قبرة بردم تلك المغارة وأن يحشد لذلك أهل الناحية ويشرف عليه بنفسه، ففعل واعتمل الناس في ذلك مدة، وكان مما ردموها به التبن والحشيش إلى أن استوى الردم وجلس العامل على فم الغار ليخاطب الأمير بذلك، فرجف المكان وانهال الردم، ونجا العامل ولم يكد ينجو، وبقيت المغارة لا يدرك لها قعر كما كانت قبل الردم، ولا يعلم أين ذهب جميع ما قذف فيها، إلا أنه رئي من ذلك التبن في بعض ينابيع المياه بذلك الجبل، وفي هذه المغارة قذف جماعة من الصقالبة المأسورين في هزيمة كانت أحياء. قبودية (٩) : حصن قريب من سلقطة، ويصاد به من السمك كل طريفة، وهو بها كثير رخيص. قبرس (١٠) : جزيرة على البحر الشامي كبيرة القطر مقدارها ستة عشر يوماً، وبها قرى ومزارع وجبال وأشجار وزروع ومواش، وبها معدن الزاج المنسوب إليها، ويتجهز به منها إلى سائر الأقطار. وبها ثلاث مدن. ومن قبرس إلى طرابلس

стр. 470

الشام مجريان، وقبرس على ممرِّ الأيام رخاؤها شامل وخيراتها كاملة. وكان معاوية (١) ﵁ غزاها وصالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار، فانتقضوا عليه فغزاهم ثانية فقتل وسبى سبياً كثيراً. وروي أنه لما افتتحت مدائن قبرس وقع الناس في السبي يقتسمونه ويفرقونه بينهم، فتشكى بعضهم إلى بعض، فبكى أبو الدرداء ﵁ ثم تنحى فجلس ثم احتبى بحمائل سيفه فقيل: أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الكفر وأهله؟! فضرب على منكبيه وقال: ويحك ما أهون الخلق على الله تعالى إذا تركوا أمره، بينما هي إمرة قاهرة ظاهرة على الناس إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. ودور جزيرة قبرس يوم (٢) ، وبينها وبين الأرض الكبيرة يوم، وبينها وبين ساحل مصر خمسة أيام، وبينها وبين رودس ميل، وإنما سميت (٣) جزيرة قبرس بمدينة هناك تسمى قبرو، وكانت قبرس معظمة في القديم للوثن المسمى قابرس (٤) . وأهل مدينة قبرس موصوفون بالغنى والجِدَة وبها معادن الصفر، ويجمع في جزيرة قبرس اللاذن ولا يجمع في غيرها، والذي يجمع منه على الشجر خاصة يحمل إلى ملك القسطنطينية أفضله، لأنه يعادل الألنجوج القماري طيباً وسائر ما يجمع مما يسقط على وجه الأرض هو الذي يستعمله الناس. وشهدت أم حرام بنت ملحان غزو قبرس فتوفيت بها، وأهل قبرس يتبركون بقبرها ويعرفونه قبر المرأة الصالحة، وكانت قد سألت رسول الله ﷺ ليدعوا لها الله أن يجعلها من الذين يركبون ثبج البحر مجاهدين في سبيل الله تعالى، ففعل في حديث معروف. وكان الأوزاعي يقول: إنا نرى أن هؤلاء القوم، يعني أهل قبرس أهل عهد، وأن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم وأنه لا يسعهم نقضه إلا بأمر يعرف به عذرهم. ورأى عبد الملك بن صالح (٥) في حدث أحدثوه أن ذلك نقض لعهدهم فكتب إلى عدة من الفقهاء يشاورهم في أمرهم، منهم الليث بن سعد ومالك بن أنس وسفيان بن عُييْنة وموسى بن أعين وإسماعيل بن عياش ويحيى بن حمزة وأبو إسحاق الفزاري ومحمد بن حسن رحمة الله عليهم، فاختلفوا عليه، وأجاب كل واحد منهم بما ظهر له، مما ليس هذا موضع ذكره. قالوا: وانتهى خراج أهل قبرس الذي يؤدونه إلى المسلمين بعد المائتين من الهجرة أربعة آلاف ألف وسبعمائة ألف وسبعة وأربعين ألفاً. القَبْطيل (٦) : بالأندلس، هو مفرغ وادي طرطوشة في البحر ويعرف أيضاً بالعسكر لأنه موضع عسكر به المجوس واحتفروا حوله خندقاً أثره باق إلى الآن. قبتور (٧) : قرية من قرى اشبيلية، وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة وصلت شياطي الروم الغربيين نهر اشبيلية فأسروا الناس وحرقوا القوارب، ثم وصلوا إلى قبتور هذه وغلبوا أهلها ودخلوا عليهم عنوة، ففرَّ منهم من فرَّ وأخذ جملة منهم ومن نسائهم، واستبيح جميع ما كان في الديار من الأثاث والمتاع. قدس (٨) : من جبال تهامة وهو جبل العرج، وقد لا يصرف يجعل اسماً للجبل وما حوله. قُدَيد (٩) : في الطريق بين مكة والمدينة، بينها وبين الجحفة - ميقات أهل الشام - سبعة وعشرون ميلاً وهو حصن صغير

стр. 471

فيه أخلاط من العرب لها نخيلات يعيشون منها، وبين قديد والبحر خمسة أميال، وبينه وبين الجحفة ستة وعشرون ميلاً، وبها كانت للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب مناة، فبعث إليها رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، ويقال علي بن أبي طالب ﵄، فهدمها. وبها مات مُسلْم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة مُنْصَرفه عن أهل المدينة بعد وقعة الحرة، فإنه لما عمل بأهل المدينة ما عمل، أخزاه الله تعالى، توجه بجنده إلى مكة قاصداً لحرب ابن الزبير، فمات بقُدَيد لأربعٍ بقينَ من محرَّم سنة أربع وستين، بعد أن عهد إلى الحصين بن نمير بالتوجه بالجيش إلى مكة لحرب ابن الزبير. وقُدَيد كثيرة الماء والبساتين. وروي (١) عن ابن عباس ﵄، قال: إن النبي ﷺ صام حتى أتى قُدَيداً فأفطر حتى أتى مكة، وفي خبر آخر: حتى بلغ الكَدِيد ثم أفطر، وهو أصح وأثبت. وسميت قديداً لتقدد السيول بها. وبقديد كانت وقعة الخارجي الذي يقال له طالب الحق مع أهل المدينة، قالت امرأة ترثيهم: يا ويلتا ويلاً ليه ... أفنت قُدَيد رجاليه وهناك مات القاسم بن محمد حتف أنفه. وفي الكتب القديمة أن قديداً هو الوادي الذي وقعت فيه الريح لسليمان ﵇، وأنه هو الذي أتي فيه بصاحبة سبأ. قردى: من بلاد الموصل وهي ديار بني حمدان، وقد تقدم لها ذكر في ذكر بازبدى. قرسقة (٢) : جزيرة في قطعة من البحر الشامي، فيها مدينة حسنة متوسطة عامرة، وطولها ثمانية وخمسون ميلاً، وعرضها سبعة وعشرون ميلاً، وهي جزيرة خصيبة كثيرة العمارة، وأهلها يتجولون في أرض الروم، وهم أكثر الروم سفراً. قرسقة (٣) : جزيرة للنصارى تقابل مدينة رومة. ويقال هي بالقرب من سردانية، وبينها وبين ساحل إفريقية نصف يوم، وبينها وبين ساحل تونس أربعة أيام، وكانت للرومانيين، خربها المسلمون قديماً، وقيل هي عامرة، ولها مراس مشاتي كثيرة، ومن مراسيها مرسى البوالص وآخر يعرف بمرسى الزيتونة، وبها زوايا كثيرة وجبال داخلة في البحر، وطولها مائة وستون ميلاً، وهي كثيرة الخير وافرة النعم، وقد غنمها المسلمون أيام عبد الرحمن بن الحكم، وآبارها قريبة الأرشية، وفي القبلة منها جزيرة سردانية، بينهما في البحر عشرون ميلاً. قرْبَليان (٤) : بالأندلس، بينها وبين أوريولة عشرون ميلاً وهي كثيرة الزيتون، وبها سقي كثير. قرقيسيا: كورة من كور ديار ربيعة، بين الحيرة والشام (٥) ، وفي الجانب الشرقي من الفرات، فتحها عنوة عمرو (٦) بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، أمر عمر بن الخطاب (٧) سعد بن أبي وقاص أن يوجهه في جند فخرج يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا في غرة فأخذها عنوة، فأجاب أهلها إلى الجزية. وإلى قرقيسيا (٨) فرَّ زفر بن الحارث العامري ثم الكلابي بعد وقيعة مرج راهط، وكان مع الضحاك بن قيس الفهري، فلما قتل الضحاك ولى زفر، ومعه رجلان من بني سُلَيْم فقصر فرساهما فغشيتهما اليمانية من خيل مروان، فقال له صاحباه: انج بنفسك

стр. 472

فإنا مقتولان فولى راكضاً، وقتل الرجلان، وفي ذلك يقول زفر من أبيات: لعمري لقد أبقتْ وقيعةُ راهط ... لمروان صدعاً بيننا متنائيا أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا أتذهب كلبْ لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هي فلم ترَ منّي نبوة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبيَّ ورائيا عشية أعدو في الفريقين لا أرى ... من القوم إلا من عليّ ولا ليا أَيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا وانتهى زفر بن الحارث من هزيمته إلى قرقيسيا فغلب عليها، واستقام الشام لمروان. قرميسين: بلد جليل من كور الجبل بينه وبين آمد ثلاث مراحل، وإليها ينسب عبد السلام بن الحسين القرميسني البصري اللغوي (١) صاحب التأليف في الحماسة وغيرها، أصلها بالفارسية كرمان شاهان فعرب. القِراصة (٢) : بكسر أوله وبالصاد المهملة، بالمدينة، بها كان حائط جابر بن عبد الله الذي عرض أصله وثمره على يهود فيما كان لهم عليه، فأبوا أن يقبلوها منه فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: " إذا حان جدادها فجدّها، ثم ائتني "، ففعل، وجاء رسول الله ﷺ فبرك ودعا له أن يؤدي عن جابر ثم قال ﷺ : " يا جابر اذهب إلى غرمائك فشاطرهم على سعر وائت بهم "، ففعل، فقال بعضهم لبعض: ألا تعجبون لهذا؟ عرض أصله وثمره فأبينا، ويزعم أنه يوفينا من ثمره؟ فجاء بهم حتى وفاهم حقوقهم، وفضل منها مثل ما كانوا يجدون في كل سنة. قرَّة (٣) : في بلاد الروم، كان الرشيد أغزى ابنه القاسم بلاد الروم فأتى قرة فأقام على حصنها، فافتداها نقفور طاغية الروم بثلثمائة أسير من المسلمين، فأجابه إلى ذلك. وفي سنة تسع وستمائة نزل عليها العدو في نيف على عشرين قطعة، وأهلها غافلون فاستولى عليها وأخذ الأبكار في الحمامات والديار وسبى جميع نسائها، وكانت قضية من الكوائن الشنيعة. قُرْطُبة (٤) : قاعدة الأندلس وأم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها وآثارهم بها ظاهرة، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر، وهم أعلام البلاد وأعيان الناس، اشتهروا بصحة المذهب وطيب المكسب وحسن الزي وعلو الهمة وجميل الأخلاق، وكان فيها أعلام العلماء وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير وأحوالهم واسعة، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمّامات وسائر الصناعات، وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي (٥) التي فيها باب القنطرة. وبها الجامع المشهور أمره الشائع ذكره من أجل مصانع الدنيا كبرَ مساحة وإحكامَ صنعة وجمالَ هيئة وإتقان بنية تهمم به الخلفاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميماً إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف ويعجز عن حسنه الوصف وليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً

стр. 473

وطولاً وعرضاً، طوله مائة باع وثمانون باعاً ونصفه مسقف، ونصفه صحن بلا سقف، وعدد قسي مسقَّفه أربع عشرة قوساً، وسواري مسقفه بين أعمدته وسواري قببه صغاراً وكباراً مع سواري القبلة الكبرى وما يليها ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقيد أكبر (١) واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل اثني عشر مصباحاً، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر الطرطوشي (٢) ، ارتفاع الجائزة منه شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة سبعة وثلاثون شبراً وبين الجائزة والجائزة غلظ الجائزة، وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش ما لا يشبه بعضها بعضاً، قد أحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العيون وتستميل النفوس بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها وسعة كل بلاط من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبراً وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة رخام. ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها وفيها إتقان يبهر العقول (٣) تنميقها،، وفيها من الفسيفساء المذهب والبلور (٤) مما بعث به صاحب القسطنطينية العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله، وعلى وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس أشف من قامة، وكل هذه القسي مزججة (٥) صنعة القوط، قد أعجزت المسلمين والروم بغريب أعمالها ودقيق وضعها، وعلى أعلى الكل كتابان منحوتان بين بحرين من الفسيفساء المذهب في أرض الزجاج اللازوردي، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقوش، وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خَصّة رخام قطعة واحدة مسبوكة (٦) منمقة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان واستدارت على المحراب حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعة، خشبه أبنوس وبقس وعود المجمر، يقال إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطسوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان، وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان ﵁ الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه، ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يوم، يتولى إخراجه قوم من قَوَمة الجامع، وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، فيتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه. وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضي إلى القصر، بين حائطي الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب، منها أربعة تنغلق من جهة القصر وأربعة تنغلق من جهة الجامع. ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس، وفي كل باب منها حلقتان في غاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفصّ المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق. وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغريبة الصنعة، الجليلة الأعمال، الرائقة الشكل والمثال، ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي، منها ثمانون ذراعاً إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعاً، ويصعد إلى أعلى هذا المنار بدرجين (٧) : أحدهما من الجانب الغربي، والثاني من الشرقي، إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. ووجه هذه الصومعة مبطن بالكذّان منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة، بصنعة تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة. وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسيّ دائرة على عقد (٨) الرخام، وبيت له أربعة أبواب مغلقة يبيت فيه في كل ليلة مؤذنان، وعلى أعلى الصومعة التي على البيت ثلاث تفاحات ذهباً واثنتان (٩) من فضة وأوراق سوسنية، تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً،

стр. 474

وعليهم قائم ينظر في أمورهم فهذا ما حكاه محمد بن محمد بن ادريس. وقرطبة على نهر عظيم عليه قنطرة عظيمة من أجل البنيان قدراً وأعظمه خطراً، وهي من الجامع في قبلته، وبالقرب منه، فانتظم بها الشكل. قالوا: وبأمر عمر بن عبد العزيز قام على نهر قرطبة الجسر الأعظم الذي لا يعرف في الدنيا مثله، وحول الأندلس من عمل إفريقية وجرَّد لها عاملاً من قبله، ووقعت المغانم فيها عن أمره. وذكر أن (١) تفسير قرطبة بلسان القوط - قرظبة بالظاء المعجمة - ومعنى ذلك بلسانهم: القلوب المختلفة وقيل إن معنى قرظبة آخر " فاسكنها ". ودور مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، وبها من الأبواب باب القنطرة وهو بقبليها ومنه يعبر النهر على القنطرة والباب الجديد وهو بشرقيها وباب السّور بجوفيها، وباب عامر وهو بين الغربي والجوفي منها، وغيرها. وقصر مدينة قرطبة بغربيها متصل بسورها القبلي والغربي، وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى التي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة، وكان طول مسقف البلاطات من المسجد الجامع - وذلك من القبلة إلى الجوف، قبل الزيادة مائتين وخمساً وعشرين ذراعاً والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وخمس أذرع، ثم زاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع، فكمل الطول ثلثمائة ذراع وثلاثين ذراعاً، وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعاً، فتم العرض مائتين وثلاثين ذراعاً، وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطاً، عرض أوسطها ست عشرة ذراعاً وعرض كل واحد من اللذين يليانه شرقاً واللذين يليانه غرباً، أربعة عشر ذراعاً، وعرض كل واحدة من الستة الباقية أحد عشر ذراعاً. وزاد محمد بن أبي عامر فيها ثمانية عشر (٢) عرض كل واحد عشر أذرع، وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمان وعشرون ذراعاً، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة واحدة وخمس أذرع، وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشر أذرع، فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعاً وعدد أبوابه تسعة: منا ثلاثة في صحنه غرباً وشرقاً وجوفاً وأربعة في بلاطاته: اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان، وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا عمود وثلاثة وتسعون عموداً أساطين رخام كلها. وقباب مقصورة الجامع مذهبة، وكذلك جدران المحراب وما يليه قد أجري فيه الذهب على الفسيفساء، وشرفات (٣) المقصورة فضة محضة، وارتفاع الصومعة اليوم - وهي من بناء عبد الرحمن بن محمد ثلاث وسبعون ذراعاً إلى أصل القبة المفتحة (٤) التي يستدير بها المؤذنون، وفي رأس هذه القبة تفاح ذهب وفضة، وارتفاعها إلى مكان الأذان أربع وخمسون ذراعاً، وطول كل حائط من حيطانها على الأرض ثمان عشرة ذراعاً. وعدد المساجد بقرطبة على ما أحصي وضبط أربعمائة وأحد وتسعون مسجداً. وأحواز قرطبة تنتهي في الغرب إلى أحواز اشبيلية، وتأخذ في الجوف ستين ميلاً، وتختلط أحوازها في الشرق بأحواز جيان، وعلى الجملة فقد كانت أمَ البلاد وواسطة عقد الأندلس، وحَوَتْ من الأكابر من أهل الدنيا والآخرة من الملوك والعلماء والصالحين والمفتين وغيرهم خلقاً، ومتعوا فيها ما أراد الله ، وذلك حين كان جدها صاعداً. وبعد ذلك طحنتها (٥) النوائب واعتورتها المصائب، وتوالت عليها الشدايد والأحداث فلم يبق من أهلها إلا البشر اليسير على كبر اسمها وضخامة حالها. وقنطرتها التي لا نظير لها وعدد أقواسها تسع عشرة قوساً، بين القوس والقوس خمسون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاعها من موضع المشي إلى وجه الماء، في أيام جفوف الماء وقلته، ثلاثون ذراعاً. وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف مصنوع من الأحجار والعمد الجافية من الرخام، وعلى السد ثلاث بيوت أرحاء، في كل بيت أربع مطاحن. ومحاسن هذه المدينة وشماختها أكثر من أن يُحاط بها. فلما عثر جدّها وخوى نجمها وضعف أمر الإسلام واختلت

стр. 475

بالجزيرة كلمته تغلب عليها النصارى وحكموا عليها، وذلك في أواخر شوّال من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. قُراقر: على وزن حلاحل، موضع في ديار كلب بجهة الشام، وفي الخبر (١) أن الروم لما استجاشوا على أبي عبيدة ﵁ ومن معه من المسلمين، وبلغ ذلك أبا بكر ﵁ قال: والله لأنسينَّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، وكان إذ ذاك يلي حرب العراق، فكتب إليه أبو بكر ﵁ (٢) : أمّا بعد، فدع العراق وخلِّف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخففاً في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك في الطريق، وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا لقيتهم فأنت أمير الجماعة والسلام. وفي الكتاب (٣) : وإياك أن تعود لمثل ما فعلت فإنه لم يشج الجموعَ بعون الله تعالى اشجاءك، ولم ينزع الشجى أحد من الناس نزعك، فلتهنئك أبا سليمان النعمة والحظوة، فأتمم يتمم الله لك فلا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدلَّ بعمل فإن الله تعالى له المنّ، وهو وليَ الجزاء. ووافى خالداً كتابُ أبي بكر ﵄ هذا وهو بالحيرة منصرفاً من حجّة حجّها متكتماً بها، فانه لما فرغ من إيقاعه بالروم ومن انضوى إليهم مغيثاً لهم من مسالح فارس بالفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة - أقام بالفراض (٤) عشراً ثم أذن بالقفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد ﵁ أنه في الساقة، وخرج من الحيرة ومعه عدة من أصحابه يعتسف ليلاً حتى أتى مكَّة بالسمت، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا ريبال، فسار طريقاً من طرق الجزيرة، ولم ير طريق أعجب منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، ما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه فقدما معاً، وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجه إلا من أفضى إليه بذلك من السّاقة، ولم يعلم أبو بكر ﵁ بذلك إلا بعد، فهو الذي يعنيه بما تقدم في كتابه إليه من معاتبته إياه. وقدم الرسول (٥) بالكتاب على خالد ﵁، فقال له خالد قبل أن يقرأ الكتاب: ما وراءك؟ فقال له: خير، تسير إلى الشام، فشقّ ذلك عليه وقال: هذا عمل عمر ﵁، نفسَ علي أن يفتح الله عليّ العراق، وكانت الفرْس قد هابوه هيبة شديدة، وكان إذا نزل بقوم من المشركين كان عذاباً من عذاب الله عليهم، وليثاً من الليوث، فلما قرأ كتاب أبي بكر ﵁ فرأى أنه قد ولاه على أبي عبيدة ﵁ وعلى الشام كان ذلك منحى بنفسه وقال: إما إذ ولاني فإن في الشام من العراق خلفاً، وقال خالد: إن بالشام أهل الإسلام وقد تهيأت لهم الروم وتيسرت، فإنما أنا مغيث، وليس لهم مترك، فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التي أنتم عليها، فإن نفرغ مما أشخصت إليه عاجلاً عجلنا إليكم، فإن أبطأت رجوت ألا تعجزوا ولا تهنوا وليس خليفة رسول الله ﷺ بتارك إمدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله تعالى. وروي أن أبا بكر ﵁ أمر خالداً بالخروج في شطر الناس وأن يخلف على الشطر الثاني المثنى بن حارثة وقال له: لا تأخذ نجداً إلا خلفت له نجداً، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك، فأحصى خالد ﵁ أصحاب رسول الله ﷺ فاستأثر بهم، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغَناء ممن لم تكن له صحبة ثم نظر فيمن بقي فاختلج من كان قدم على النبي ﷺ وافداً أو غير وافد، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر ﵁ في استصحاب نصف الصحابة ﵃ وإبقاء النصف أو بعض النصف، فوالله ما أرجو النصر إلا بهم فأنى تعريني منهم. فلما رأى ذلك خالد ﵁ بعدما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضي، وأنجد خالد ﵁ ومعه المثنى، فشيعه إلى قراقر، فقال له خالد ﵁: انصرف إلى سلطانك غير مقصر ولا ملوم ولا وان.

стр. 476

فدعا خالد (١) ﵁ بالأدلة، فارتحل من الحيرة سائراً إلى دومة، ثم طعن في البر إلى قُراقر، ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم، فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين، فكلهم قال: لا نعرف إلا طريقاً لا تحمل الجيوش، فإياك أن تغرر بالمسلمين، فعزم عليه، ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد، فقام فيهم فقال: لا يختلفن هديكم ولا يضعفنَّ يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وأن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا له: أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك، فطابقوه وقووا واحتسبوا فلما أراد المسير قال له محرز بن حريش وكان يتجر بالحيرة ويسافر إلى الشام: اجعل كوكب الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أمه حتى تصبح، فإنك لا تجور فجرب ذلك فوجده كذلك، ثم أخذ في السماوة حتى انتهى إلى قُراقر ففوز من قُراقر إلى سوى، وهما منزلتان بينهما خمس ليال، فلم يهتدوا للطريق، فقال له رافع بن عميرة الطائي: خفِّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلاً، فكره خالد ﵁ أن يخفّف أحداً فقال: قد أتاني أمر لا بدّ من إنفاذه، وأن نكون جميعاً قال: فوالله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه ما يسلكها إلا مغروراً فكيف أنت بمن معك؟ قال: إنه لا بد من ذلك، فقد أتتني عزمة، قال: فمن استطاع منهم أن يصرّ أذن راحلته على ماءٍ فليفعل فإنها المهالك إلا ما وقى الله تعالى. ثم قال لخالد ﵁: ابغني عشرين جزوراً عظاماً سماناً مسان، فأتاه بها فظمأهنّ حتى إذا أجهدت عطشاً سقاهن حتى أرواهن، ثم قطع مشافرهن، ثم كعمهنّ، ثم قال لخالد ﵁: سر بالخيول والأثقال، فكلما نزل منزلاً نحر من تلك الشرف أربعاً فانبط ماءهن فسقاه الخيول وشرب الناس مما تزودوا، حتى إذا كان آخر تلك قال خالد ﵁ لرافع: ويحك، ما عندك يا رافع فقال: أدركك الري إن شاء الله، انظروا هل تجدون شجرة عوسج على ظهر الطريق، قالوا: لا قال: إنا لله إذاً والله هلكت وأهلكت، لا أبا لكم، انظروا، فنظروا فوجدوها فكبّروا وكبّر وقال: احفروا في أصلها، فاحتفروا فوجدوا عيناً فشربوا وارتووا فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة مع أبي وأنا غلام، فقال راجز من المسلمين: للهِ درّ رافع أنّى اهتدى ... فوز من قُراقر إلى سوى أرضاً إذا ما جاءها الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى لكن بأسباب متينات القوى ... نكبها الله ثنيات الردى وكتب خالد ﵁ وهو مُقْبِل إلى الشام إلى المسلمين: إن كتاب خليفة رسول الله ﷺ أتاني يأمرني بالمسير إليكم، وقد شمرت وانكمشت وكأنْ قد أظلّت عليكم خيلي ورحالي فأبشروا بإنجاز موعود الله تعالى وحسن ثواب الله ، عصمنا الله وإياكم باليقين وأثابنا بأحسن ثواب المجاهدين، والسلام. القرافة: مدفن مشهور في البلاد المصرية يسكنه الناس ويعمرونه. وهي إحدى (٢) عجائب الدنيا بما تحتويه عليه من مشاهد الأنبياء ﵈ وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهّاد والأولياء، ويذكر أن فيها قبر النبي صالح ﵇، وقبر روبيل بن يعقوب ﵇، ومشهد آسية امرأة فرعون، ومشاهد أهل البيت وفيها بناء حفيل، وفيها روضات بديعة عجيبة البنيان وكل بها قَوَمَة يسكنونها ويحفظونها، ومنظرها عجيب، والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر، وكلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوي إليها الغرباء والصلحاء والفقراء، والأجراء على ذلك كله نيف على ألفي دينار في الشهر، وهي أربعة آلاف دينار مؤمنية. وإليها ينسب أحمد بن ادريس القرافي الفقيه شهاب الدين من أهل العصر (٣) ، له تعليق على محصول ابن الخطيب سماه " نفائس الأصول في شرح المحصول "، وله " تنقيح الفصول في

стр. 477

علم الأصول " وغير ذلك من تصانيفه، وكان فاضلاً رحمة الله عليه. ومن الغرائب ما حدَّث به الثقات عن بعض من حضرته صلاة الظهر أو العصر بالقرافة في بعض جماعاتها، قال: سمعت قائلاً يقول للجماعة الحاضرين: الصلاة على الجنازة، وهي الشيخ أبو علي حسن الزبيدي الغائب، فصلينا عليه وانصرفنا، قال: وثبت بعد ذلك أنه توفي ذلك اليوم بتونس، ﵀ ونفع به آمين. قرقنة (١) : جزيرة في البحر وسطاً بين قصر زياد وصفاقص، وهي جزيرة حسنة عامرة بأهلها وليس بها مدينة، إنما يسكنها أهلها في أخصاص، وهي حصينة كثيرة الكروم والأعناب وغلات الكمون والأنيسون وتغلب عليها طاغية صقلية سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وفي الطرف الغربي منها كهوف وغيران يتحصنون فيها ممن يريدهم، وطول هذه الجزيرة ستة عشر ميلاً وعرضها ستة أميال. قَرمُونَة (٢) : مدينة بالأندلس في الشرق من اشبيلية، وبينها وبين استجة خمسة وأربعون ميلاً، وهي مدينة كبيرة قديمة وهي باللسان اللطيني: كارب مويه - وهي الكاف والألف والراء والباء المعجمة بواحدة، معناه " صديقي ". وهي في سفح جبل عليها سور حجارة من بنيان الأول كان تثلم في الهدنة ثم بني في الفتنة، وجنباتها حصينة ممتنعة على المحاربين إلا من جهة الغرب، وارتفاع سورها هناك أربعون حجراً وبالذراع ثلاث وأربعون ذراعاً، وفي هذا السور الغربي برج يُعْرَف بالبرج الأجم، عليه تنصب العرادات عند القتال، وفي ركن هذا السور أيضاً مما يلي الجوف بنيان مرتفع على السور يسمى سمرملة، عليه برج للمحاربين، وتحته مرج نضير لا ينهشم ولا يصوّح كلأه، ويتصل بهذا السور خندق عميق جداً أولي، وترابه مستند إلى السور، وفي السور القبلي موضع فيه صخرة عظيمة منيعة منتصبة كالحائط يحسر عنها الطرف من علوها، والسور مبني فوقها، وقد بقي منها دونه قدْر ممشى الرجل، فيتدلى من هناك الرجال لاشتيار العسل واصطياد فراخ الطير من صدوع تلك الصخرة. وفي هذا السور القبلي باب يعرف بباب ترنى (٣) نسب إلى قرية بإزائه تسمى ترنى، وباب قُرْطُبة شرقي (٤) عليه قصبة وأبراج، وباب قلشانة بين الشرق والجوف ومنه الخروج إلى قُرطُبة لسهولته، وأما باب قُرطُبة فطريقه وعر ممتنع، وباب اشبيلية غربي، دونه إلى داخل المدينة باب ثان بينهما خمسون ذراعاً. وبمدينة قرمونة جامع حسن البناء فيه سبع بلاطات على أعمدة رخام وأرجل صخر، وسوقها جامعة يوم الخميس، وبها حمّامات ودار صناعة بنيت بعد سنة المجوس مخزناً للسلاح وبداخل مدينة قرمونة آثار كثيرة للأول، ومقطع حجر وحواليها مقاطع كثيرة منها مقطع بجوفيها واشبيلية بغربي مدينة قرمونة بينهما عشرون ميلاً وبقبلي قرمونة فحص مدينة عريض حمّال للزرع، فيه قرى كثيرة ذات مياه غزيرة وعيون وآبار وافتتح عبد الرحمن بن محمد مدينة قرمونة سنة خمس وثلثمائة. قَرْناطة (٥) : بالنون، مدينة بالأندلس في ناحية منتزحة عن العمران، وفي جبال شاهقة هناك غار فيه رجُل ميت لم تغيره الأزمنة ولا يُدْرى له أول شأن، ويكف من أعلى الغار ماء في وقبٍ لطيف بأسفله، فلا يفيض ذلك الوقب بدوام الماء، وإن شرب منه العدد الكثير لم ينقص ويذكر أن بعض المستهزئين أخذ من أكفان ذلك الميت فصعق لفوره. قَرَباكة (٦) : بالباء، بالأندلس أيضاً من إقليم مولة، وهي قرية بها عين ماء تولد الحصى بطبعها، وإذا طال مكثه في الإناء من النحاس أو غيره تحجر بجنباته حتى تتضاعف زنة الإناء، وعين ماءٍ أخْرى تفتت الحصى بطبعها.

стр. 478

قرطاجنة: هذا الاسم في ثلاثة مواضع، أحدها بالأندلس (١) عند جبل طارق، وهى مدينة للأول غير مسكونة وبها آثار كثيرة وتُعْرف بقرطاجنة الجزيرة وبمرساها نهر يريق في البحر يعرف بوادي الرمل. والثانية قرطاجنة الخلفاء (٢) بالأندلس أيضاً من كورة تدمير وهي فرضة مدينة مرسية، وهي مدينة قديمة أولية بها ميناء ترسي فيه المراكب الكبار والصغار، وهي كثيرة الخصب والرخاء المتتابع، ولها إقليم يسمى الفندون (٣) وقليلاً ما يوجد مثله في طيب الأرض وعذوبة الماء، ويحكى أن السنبل يُحْصَد فيه عن مطرة واحدة، وإليه المنتهى في الجودة. ومن مدينة قرطاجنة إلى مرسية في البر أربعون ميلاً. وبقرطاجنة هذه هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير ابن غندرس (٤) الذي سميت به تدمير هزمه وأصحابه ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم كيف شاءوا حتى نجا تدمير في شرذمة من فلال أصحابه إلى حصن أوريوله وكان مجرباً بصيراً داهية، فلما رأى قلة أصحابه أمر النساء فنشرت شعورهن وأمسكن القصب بأيديهن ووقفن على سور المدينة في من بقي من الرجال، وقصد بنفسه كهيئة الرسول واستأمن فأمّن، وانعقد له الصلح ولأهل بلده، وافتتحت تدمير صلحاً، فلما نفذ أمره عرَّفهم بنفسه وأدخلهم المدينة، فلم يروا بها إلا نفراً يسيراً من الرجال فندم المسلمون على ما كان منهم، وكان ما انعقد من صلح لتدمير مع عبد العزيز على إتاوة يؤديها وجزية عن يد يعطيها، وذلك على سبع مدائن منها: أوريوله ولقنت وألش وغيرها، وتاريخ فتحها رجب من سنة أربع وتسعين. ومن الغرائب (٥) ما حكي أن ديراً بقرطاجنة الخلفاء كان على مقربة منه قبر لامرأة شهيدة ولها قدر عندهم وعلى القبر قبة في أعلاها كوة لا يعلو تلك القبة طائر، فإن علاها اجتذبته قوة من تلك الكوة فيسقط في القبة، وقد أخبر رجل بهذه القصة وهو يتصيد بقرطاجنة فأنكر ذلك واعتمد وضع جوارح صيده على القبة فتساقطت داخلها، وكان بتلك القبة مشهد عظيم في يوم من العام يجتمع إليها الداني والقاصي من نصارى تلك النواحي وذلك في الرابع والعشرين من اغشت، فلما كانت سنة أربع عشرة وأربعمائة قصد جماعة من نصارى بلاد افرنجة في مركب حربي إلى تلك القبة فاستخرجوا منها الشهيدة واحتملوها، فلما وصلوا بها إلى جزيرة صقلية بذل لهم نصاراها مالاً عريضاً ليتركوا المرأة عندهم فيقبروها في كنائسهم، فأبوا عليهم ووصلوا بها إلى بلادهم. والثالثة: قرطاجنة إفريقية وهي أجلّها وأشهرها، حتى قال المسعودي لما ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم، قال (٦) : كان بيت معظم قبل ظهور دين النصرانية ببلاد المغرب بقرطاجنة، وهي تونس وراء بلاد القيروان وهي من أرض الإفرنجة، وبني على اسم الزهرة بأنواع الرخام. وبين قرطاجنة (٧) وتونس عشرة أميال أو نحوها ومرساهما واحد وقرطاجنة من المدن المشهورة وفيها من الآثار وعجائب البنيان ما ليس في بلد شرقاً ولا غرباً ولو دخلها إنسان ومشى فيها عمره يتأمل آثارها لرأى كل يوم فيها أعجوبة لم يرها قبل ذلك. وهي الآن خراب لأن المسلمين لما غزوها في صدر الإسلام هرب أهلها (٨) من باب يقال له باب النساء، فمنهم من فرَّ إلى الأندلس، ومنهم من فرَّ إلى جزيرة صقلية، ويقال إن حسّان بن النعمان لما غزاها في سلطان عبد الملك أو غيره خربها وكسر قناتها. وإنما الباقي (٩) منها الآن قلعة تسمى المعلقة، كان يسكنها قوم من العرب يعرفون ببني زياد، لما طلع عبد المؤمن بن علي إلى إفريقية قبض على أميرهم محمد بن زياد وضرب عنقه، وكانت في وقت عمارتها من غرائب البلاد وفيها من عجائب البناء وظهور القدرة في ذلك ما لم يبلغه أحد.

стр. 479

ويقال (١) إن ملكها كان ملكاً جبّاراً عظيم الشأن، وكان ملك أكثر الأرض وكان يسمى أنبيل (٢) فدخل بلاد الروم وقتل ملوكها وأخذ بلادهم، وبعث إلى قرطاجنة من خواتيم الملوك الذين قتلهم ثلاثة أمداد، ويقال إنه نازل مدينة رومة الكبرى التي هي دار مملكة الروم، فلما حاصرها وضيق على ملكها (٣) وأفسد أنظارها أرسل ملك رومة قائداً من قواده، فحشد من كان ببلاده من الروم والجيوش، وأمره بالوصول إلى بلاد إفريقية والنزول على قرطاجنة وخرابها، وكان اسم هذا القائد شيبيون (٤) ، فخربوا بلاد إفريقية، ونزلوا بلاد قرطاجنة فلم يكن فيها من يقاوم، فأرسلوا إلى ملكهم أنبيل يعلمونه بما حلّ ببلادهم من أهل رومة، ويسألونه الإسراع لإغاثتهم، فعجب من ذلك ملك قرطاجنة وقال: أردت قطع الرومانيين من الدنيا، وأظن إله السماء أراد غير ذلك، ثم رجعِ إلى بلاده فزعاً، فزحف إليه شيبيون قائد صاحب رومة فهزمه مراراً عدة حتى قتله واستأصل عسكره، ودخل قرطاجنة فهدمها، وأحرقها وخرب المسلمون عند فتح إفريقية بقيتها. وكان بها (٥) قصر من أغرب ما يكون من البناء، مفرط العظم والعلو، أقباء معقودة بعضها فوق بعض طبقات كثيرة، وهو مطل على البحر، وهو حصن عظيم يسميه الناس الطياطر، وهو بناء في استدارة عرض خمسين قوساً قائم في الهواء، سعة كل قوس منها تزيد عن ثلاثين شبراً، وبين كل قوس وأختها سارية سعتها أربعة أشبار ونصف، ويقوم على كل قوس من هذه الأقواس خمسة أقواس، قوس في حلق قوس، صنعة واحدة، وبناؤها من حجر الكذان، وقد صور في البحر الداير على الأقواس أنواع الصور وضروب من التماثيل العجيبة الثابتة في الصخر من صفات الناس والسباع والحيوانات والمراكب قد أتقن ذلك بأبدع صنعة، وسائر البناء الأعلى أملس لا شيء عليه، فيقال إنَ هذا البناء كان ملعباً ومجتمعاً في فصل ما من السنة. ومن غريب (٦) مباني قرطاجنة الدواميس التي عددها أربعة وعشرون في سطر واحد، طول كل داموس منها مائة وثلاثون خطوة في عرض ست وعشرين، في أعلاها أقباء، بين كل داموسين منها خوخات يصل منها الماء إلى جميعها بهندسة وحكمة، وكان الماء الواصل من عين جوقار التي بقرب القيروان إلى قرطاجنة يفرغ في هذه الدواميس على عدة قناطير لا تحصى على وزن معتدل على قسي مبنية بالصخر فما كان منها في نشز الأرض كان قصيراً وما كان في بطون الأرض وأخاديدها كان طويلاً في نهاية العلو، وهذه القناة من أغرب مباني الأرض، وانقطع الماء من هذه الدواميس لكسر القناة وخراب قرطاجنة، ومن حينئذ لم يزل الهدم فيها واستخراج الرخام الكثير منها إلى الآن، وأخبر من رأى ألواح رخام استخرجت منها طولها أربعون شبراً في عرض أربعة أشبار، والحفر في خراباتها دائم لا ينقطع وإخراج الرخام منها كذلك. قالوا: ويوجد بها من أعمدة الرخام ما يكون دوره أربعين شبراً ويحيط بقرطاجنة أوطية من سهول بها مزارع وغلات. وبقرطاجنة (٧) دار الطياطر وهو كله (٨) أقباء معقودة على سواري رخام وعليها مثلها نحو أربع مرات قد أحاطت بالدار، والدار دائرة، من أغرب ما يكون من البناء، وبها أبواب كثيرة قد صوَر على كل باب منها صورة نوع من الحيوان، وقد صور في الحيطان صور جميع الصناع بأيديهم آلاتهم، وفي هذه الدار من الرخام ما لو أجمع أهل إفريقية على نقله ما قدروا عليه لكثرته، وكان فيها قصران يعرفان بالأختين ليس فيهما حجر سوى الرخام ورخام الواحد لا يشبه رخام الثاني، ويوجد فيها لوح رخام طوله ثلاثون شبراً وعرضه خمسة عشر شبراً، ويقال إنه وجد فيها غارب (٩) بيت من لوح واحد والناس ينقلون من رخام هذين القصرين لحسنه على قدم الزمان، وما فرغ إلى الآن، وبهذين القصرين ماء مجلوب يأتي من ناحية الجوف لا يعرف من أين منبعه، وكان عليه نواعر وسواق تسقي بساتينهم، وكان بها قصر عظيم يطل على البحر يسمى قومش (١٠) وهو من أعجب ما فيها لأنه مبني على سواري رخام مفرطة الكبر والعظم، يجلس على رأس السارية منها اثنا عشر رجلاً بينهم سفرة طعام أو شراب، وهي مشطبة كالملح بياضاً والمها صفاء، يكون دور السارية منها نحو الثلاثين شبراً في علو مفرط، وعليها

стр. 480

سوار أخر معترضة، وقد بني القصر عليها أقباء معقودة بعضها فوق بعض بأغرب صناعة وأعظم بناء، فكان هذا القصر حصناً عظيماً، وإنما هدم عن عهد قريب لأنه تحصن فيه قوم من القطاع فكانوا يقطعون بتلك الجهات ويلجأون إليه، فخرج إليهم أهل تونس فقتلوهم وهدموا القصر، وبقربه موضع فيه أقباء ودهاليز تحت الأرض يهاب الدخول فيها، وفيها جثث الموتى على حالها، فإذا مْسَّت تلاشت لقدمها. وداخل (١) المدينة ميناء تدخله المراكب بشرعها وفيها مواجل كثيرة للماء، وبعضها يسمى بالجرير، وآخر فيها يعرف بمواجل الشياطين بسبب أن من يقرب منها يسمع لها دوياً والناس يتنافسون في الدخول فيها، فمن جسر على دخولها ليلاً علم أنه جريء القلب ثبت الجنان، وهي منظر عظيم هائل، من تكلم فيها بكلمة سمع فيها دوي عظيم يحكي تلك الكلمة، وذلك لإحكام سطوحها، وهي ثمانية عشر صهريجاً مقترن بعضها ببعض في ارتفاعها نحو مائتي ذراع في عرض كبير، والأظهر أنها كانت مخازن لماء عين الزغوانية المجلوب إليها على رأس الحنايا العادية التي لا نظير لها في الدنيا فهي من عجائب الدنيا، وكان هذا الماء يأتي إليها على مسافة خمسة أيام من عين جوقار (٢) ، وهو ماء كثير يقوم بخمسة أرحاء أو أكثر، وعرض القناة نحو ثمانية أشبار، وارتفاعها نحو القامة ونصف أعني موضع جري الماء وهذه الحنايا تغيب مرة تحت الأرض في المواضع المرتفعة فإذا جازت على المواضع المنخفضة تكون على قناطر فوقها قناطر حتى تسامي السحاب علواً، فهي من أغرب بنيان في الأرض وفي وسط المدينة صهريج كبير حوله نحو ألف وسبعمائة حنية سوى ما تهدم منها كان يقع فيها الماء المجلوب في هذه القناة ويخرج من هذا الصهريج إلى بعض تلك المواجل، وفي بعض أرجل تلك القناطر كتابة في حجر قيل إن ترجمتها: هذا من عمل أهل سمرقند وقيل إن ذلك الماء جلب في أربعين سنة، ولو قيل في أربعمائة سنة لكان أعجب. قالوا (٣) : ولما افتتح موسى بن نصير جزيرة الأندلس قال لهم: دلوني على أَسنَ شيخ عندكم، فأتي بشيخ قد رفعت حاجباه عن عينيه بعصابة من الكبر، فقال له موسى: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من إفريقية، من مدينة قرطاجنة، فقال له: فما الذي صيرك هاهنا، وكيف كان خبر قرطاجنة. فقال له: إن قرطاجنة بناها قوم من بقية العاديين (٤) فسكنوها ما شاء الله ثم خربت ألف سنة فبناها ارمين الملك ابن لاوذ بن نمرود الجبار وجلب إليها الماء بالقناطر على الأودية، وشق الجبال حتى أوصله إلى قرطاجنة، فسكنها قومي ما شاء الله أن يسكنوها إلى أن حفر إنسان في أسس تلك القناطر، فوجد حجراً عليه كتابة فيها: إن هذه المدينة ستخرب إذا ظهر فيها الملح، قال: فبينا نحن في ندي قومنا جلوساً إذا ملح على حجر قد عقد عليه، قال: فتأملنا فإذا ذلك في جميع المدينة، فعند ذلك رحلنا إلى هنا. وعن عبد الرحمن (٥) بن زياد بن أنعم قال: كنت أمشي مع عمّي بقرطاجنة نتأمل آثارها ونعتبر عجائبها، فإذا بقبر عليه مكتوب بالحِمْيرية: أنا عبد الله رسول رسول الله صالح، بعثني إلى أهل هذه القرية أدعوهم إلى الله تعالى فقتلوني ظلماً فحسيبهم الله وهو نعم الوكيل، فهذا لا شك كان سبب خراب قرطاجنة (٦) . وذكر أورشيوش في كتابه: بنيت قرطاجنة قبل بنيان مدينة رومة باثنتين وسبعين سنة ولم تزل ذات هرج ومرج مذ كانت، إما لمحاربة الأباعد أهلها أو لمحاربة أهلها بعضهم بعضاً وكانوا في القديم إذا انتابهم الجوع والوبأ داووا ذلك بهرق دماء الناس، فكانوا يذبحون أمام آلهتهم وعلى مذبح أوثانهم الصبيان والأطفال الذين قد يرحم مثلهم ويحن عليهم العدو، وكانوا يرون هرق دمائهم قرباناً، قال: والعجب أن المعروف أن الشياطين إنما تخدع الناس فيما يشاكل شهواتهم ويوافق أهواءهم، فأما أن تزين لهم مداواة الوبأ بقتل الناس وهرق دماء الأطفال حتى يصير فعلهم أضر من الوبأ الذي يشتكونه فإن ذلك غريب من انقياد الناس للشياطين، وقالوا: إن آلهة أهل قرطاجنة في ذلك الزمان سخطت عليهم من سبب ذلك القربان، وكانوا إذ ذاك قد حاربوا بصقلية حروبَاً كثيرة فتكوا فيها ثم حاربوا سردانية فنكبوا، فإذ ذاك ردّوا عودهم على قائدهم الذي كان صاحب حربهم واسمه امروه، فنفوه ومن كان معه من

стр. 481

أهل عسكره، فلما طلب أولئك المنفيون إليهم أن يردوهم من النفي فلم يفعلوا أقبلوا لمحاربتهم ومحاربة مدينتهم. قزوين: ببلاد الديلم، بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخاً، وهي ثغر الديلم. قطربل (١) : طسوج من طساسيج سواد العراق، فيه خمر جيدة ولهذا يقع ذكره في شعر أبي نواس. وفي بعض أخبار يوم القادسية أن سعداً لما توجه بالعسكر وضعوا على دجلة العسكر والأثقال وطلبوا المخاضة، فلم يهتدوا إليها حتى أتى سعداً علج من أهل المدائن فقال: أدلَكم على طريق تدركونهم قبل أن تمنعوا، فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاضها هاشم بن عتبة واتبعه خيله ثم أجاز خالد بن عرفطة بخيله، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا، فزعموا أنهم لم يهتدوا لتلك المخاضة بعد. قطانية (٢) : مدينة كبيرة في جزيرة صقلية، وهي مدينة أولية وعليها نهر يسقي أرضها، ويقال إن مدينة قطانية كانت في القديم سبع مدن بأسوارها، وذلك بين في آثارها، وإلى تلك المدن جلب الماء على آزاج معقودة من جبل النار، كان فيه بركان حمة، وتسمى مدينة قطانية بمدينة الفيل، وذلك أن في صفاة على سطح قصر عظيم من المدينة وهو القصر الذي يشرف على دار الملعب صورة فيل مجسد قائم قد نحتت من حجر صلد أسود يشبه حجر النشفة الذي يكون بالبركان، إلا أنه صلب شديد وكانت هذه الصورة قد انكبَّتْ على رأسها فلما كان بعد الخمسين والأربعمائة من الهجرة أتى القائد المعروف بابن الثمنة إلى تلك الصورة فأمر أن ترد إلى حيز الإستواء، وزعم أن من فعل ذلك يملك جزيرة صقلية. وبمدينة قطانية موضع يسمى بحمام فتيلة، ويزعم أهلها أن ابنة ملكها في غابر الزمان اشترطت على ملك آخر خطبها أن يبني لها حمّاماً تسخنه فتيلة، فبناه وجرى على الموضع ذلك الاسم. القطيف (٣) : من بلاد البحرين، من الأعمال اليمنية، فيها قام القرمطي بدعوته، وهناك دعا الناس إلى نحلته. القطرية (٤) : هي جزيرة في الشمال من جزيرة القرود وبالقرب من جزيرة الزابج (٥) ، وهي جزيرة عامرة يسكنها نصارى، لكن زيهم عربي، وهم يتكلمون بالعربية ويدعون أنهم عرب، وهم أهل غدر ومكايد، ويقطعون بالمراكب الآتية والمارة فيما بين البحرين والبصرة إلى قرب عُمان، وهم أخبث عدوّ يلقي في البحر، وفي هذه الجزيرة مغايص الجوهر، وكان أهل اليمن يقصدون إليها ويغوصون بها، لكن أهل الجزيرة أكلوا متاع الغواصين والتجار القاصدين إليهم حتى قطعوا الناس عن السفر إليهم، ويسمى بحرهم هذا بحر هر كند بلغة أهل الهند. وفي هذا البحر عجائب كثيرة وصور شتى وحيتان ملوّنة منها ما يكون طول مائة ذراع ودون ذلك، ويسمى هذا السمك الوال (٦) وهو أبيض، ويتبع هذا السمك الكبير المسمى بالوال سمك آخر، إذا طلعت السمكة الكبيرة فلا يفارقها حتى يقتلها، وفيه سمك ذاهب في العرض إذا شق بطنها وجدت فيه سمكة أخْرى، وإذا شقت تلك الأُخرى وجد في بطنها سمكة أخْرى، وكذلك إذا فعل بالثالثة مثل هذا وجد في بطنها سمكة أخْرى إلى أربع سمكات بعضها في جوف بعض، وفي هذا البحر سلاحف، طول السلحفاة عشرون ذراعاً، وفي بطنها نحو من ألف بيضة، وهي تلد وترضع، وظهورها الذبل الجيد، وفيه سمك على خلقة البقر تلد وترضع ويعمل من جلودها الدرق، وفيه سمك طوله مقدار الذراع، وله وجه كوجه البومة، تطير على الماء وقد قيض الله تعالى لها سمكة أخْرى ترعاها تحت الماء، فإذا سقطت في الماء ابتلعها. وفيه أيضاً أسماك طيارة يُقال لها: البطين (٧) ، لها مرارات تكتب بها الكتب فإذا جفّت قرئت في الظلام كما تقرأ بالنهار في ضوء الشمس، وفيه سمكة من صدرها إلى رأسها مثل الترس، تطيف بها عيون تنظر

стр. 482

منها وباقيها طويل مثل الحية في طول عشرين ذراعاً، ولها أرجل كثيرة كأمثال المنشار، وصدرها إلى آخر ذنبها لا يمر بشيء إلا أهلكه. ومن هذا البحر يخرج العنبر الكثير الطيب الرائحة وقد توجد فيه العنبرة نحو قنطار، وأكثر وأقل، وهو شيء تقذف به عيون في قعر البحر مثل ما تقذف عيون هيت بالنفط، فإذا اشتد هيجان البحر بالريح رمى به إلى الساحل، وقد وهم من قال إنه رجيع دابة وإنما هو ما ذكرناه، وقد بعث الرشيد إلى البحر قوماً يبحثون عن العنبر ما هو، فأخبر أهل عدن وغيرها أنه شيء تقذف به عيون في البحر. القطيعة: في الشام، بينها وبين دمشق أربعة وعشرون ميلاً، وعابث علي بن عبيدة صديقاً له من أهل القطيعة فقال: واعجبا، أعانتك علي القطيعة، وأنت من أهل القطيعة. وفي بغداد قطائع كثيرة (١) . قلشانة (٢) : في إفريقية وهي موضع المعرس لمن خرج من القيروان إلى قابس، وبينها وبين القيروان اثنا عشر ميَلاً وهي كبيرة آهلة بها جامع وحمّام ونحو عشرين فندقاً، وهي كثيرة البساتين وشجر التين، وأكثر تين القيروان الأخضر منها. وأسوارها قصار، وفعلوا ذلك خوفاً من نزول العمال والجباة. وقلشانة (٣) أيضاً بالسين والشين في الأندلس من كورة شذونة، وهي مدينة سهلية على وادي لكه وهو بقبليّها ويصب فيه على مقربة منها نهر بوطة، وموقعه في نهر لكه، ولها قصبة مشرفة بغربيها، ويفتح بابها إلى القبلة، وفي المدينة جامع حسن البناء فيه ست بلاطات، بناه الإمام عبد الرحمن بن محمد. وقلشانة متوسطة لمدن كور شذونة، وبها كان قرار العمال والقواد على شذونة، ومدينتها الأولية المذكورة في كتب القياصرة مدينة شذونة التي تعرف في عصرنا بمدينة ابن السليم (٤) وبنو السُلَيم قد انضووا إليها عند خراب مدينة قلشانة، وصاروا فيها، وبين قلشانة ومدينة ابن السليم خمسة وعشرون ميلاً، وهي بين الغرب والقبلة من قلشانة. وتعمل في قلشانة ثياب تعرف ب القل شانيّة مخترعة الصنعة غريبة العمل. القل (٥) : بينها وبين جيجل سبعون ميلاً، ومنها إلى قسنطينة مرحلتان، والقل مدينة عامرة صغيرة، وهي الآن مرسى وعليه عمارات، والجبال تكنفه من جهة البرّ. القلزم (٦) : مدينة من أعمال مصر على ساحل البحر، وبها يعرف البحر فيقال بحر القلزم، وبها المراكب للتجار، وسمي القلزم لأنه في مضايق بين جبال، والقلازم: الدواهي والمضايق، وهي مدينة صغيرة متقنة البناء ليس فيها زرع ولا شجر، وإنما تمار من أرض مصر، ويضيق عندها البحر حتى يأتي كالنهر، ويمر كذلك دون مدينة القلزم إلى الشمال عشرة أميال وينقطع، وشرب أهل مدينة القلزم من جزيرة هناك ومن السويس يجلب على الظهر، وهي بئر بطريق مصر على ثلاثة أميال من مدينة القلزم ومن أمثالهم: أكلُ لحم التيس وشربُ ماء السويس، مع العقل ليس. ومن أعاجيبها أن معزها مرسلة في السكك لا مراعي لها ولا أكل إلا التراب، وهي سمان فائقة السمن، ومن أعاجيبها أن في ربض النصارى منها مسجداً في وسطه اسطوانة يأخذ الرقاصون منها زنة الحبة ونحوها ويُحْرز في جلد فلا تؤذيه دابة من دواب البحر، والرقاصون يراعون ذلك مراعاة شديدة ولا يشكون فيه ولا يخلون منه ويزعمون أن القرش إذا قابل في البحر تلك الاسطوانة انقلب على ظهره، وربما هلك فرماه البحر ميتاً، وطول هذا البحر من القلزم إلى الواقواق أربعة آلاف وخمسمائة فرسخ (٧) ، وقد رام بعضهم فيما سلف أن يوصل بين بحر القلزم وبحر الروم حرصاً على عمارة الأرض وخصب البلاد ومنافع العباد فمنع من ذلك خشية تنوصل الروم بسبب ذلك إلى غزو الحجاز. وفي بحر القلزم (٨) جبال عالية فوق الماء وتروش طافية ومخفية

стр. 483

وطرق السفن منها معلومة لا يدخلها إلا المهرة من رؤساء البحر العالمون بطرقاته، والسير فيه أبداً بالنهار فقط، ولا يسير به في الليل أحد لصعوبة طرقه من تعاريج مسالكه. وكانت القلزم مدينتين وأكثرهما الآن خراب لتسلط العدوّ (١) عليهما وتضييقه الدائم على أهلهما حتى قلت العمارة وخاف القاصد إليهما وفني ما بأيدي أهلهما وضاقت معايشهم، وبين القلزم ومصر تسعون ميلاً، وبالقلزم تنشأ السفن المسافرة في هذا البحر، وتعمل بحبال الليف والدسر وتجلفط بالشحم المتخذ من دواب البحر ودقاق اللبان. قلس (٢) : صنم كان لطيء ومن يليها بجبلي طيء: سلْمى وأجا فهدمها علي بن أبي طالب ﵁، فوجد فيها سيفين: أحدهما الرسوب والآخر المخذم، فأتى بهما رسول الله ﷺ فوهبهما له، فهما سيفا علي ﵁. القليس (٣) : بناء كان أبرهة الحبشي بناه بصنعاء إلى جنب غمدان، وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك بصنعاء بيتاً لم تبن العرب ولا العجم مثله، ولن أنتهي حتى أصرف حاج العرب إليه ويتركوا الحج إلى بيتهم. وقيل كتب إليه: قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف حاج العرب إليها. قالوا (٤) : وكان بناؤه إياه بحجارة قصر بلقيس الذي بمأرب، وبلقيس صاحبة الصرح الذي ذكره الله تعالى في القرآن في قصة سليمان ﵇، وكان سليمان ﵇ حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها، فوضع أبرهة الرجال نسقاً يناول بعضهم بعضاً الحجارة والآلة حتى نقل ما كان قي قصر بلقيس مما احتاج إليه من حجر أو رخام أو آلة للبناء وجدَّ في بنائه، وإنه كان مربعاً مستوي التربيع، وجعل طوله في السماء ستين ذراعاً، وكبسه من داخله عشر أذرع في السماء فكان يصعد إليه بدرج الرخام، وحوله سور بينه وبين القليس مائتا ذراع يطيف به من كل جانب، وجعل بناء (٥) ذلك كله بحجارة يسميها أهل اليمن الجروب، منقوشة مطابقة لا تدخل بين أطباقها الإبرة، مطيفة (٦) به، وجعل طول ما بنى به من الجروب عشرين ذراعاً في السماء، ثم فصل ما بين حجارة الجروب بحجارة مثلثة تشبه الشرف مداخلة بعضها ببعض: حجر أخضر وحجر أحمر وحجر أبيض وحجر أصفر وحجر أسود، فيما بين كل ساقين خشب ساسم مدوّر الرأس، غلظ الخشبة خصر (٧) الرجُل، ناتئة على البناء وكان مفصلاً بهذا البناء على هذه الصفة، ثم فصل بافريز من رخام منقوش طوله في السماء ذراعان، وكان الرخام ناتئَاً عن البناء ذراعاً، ثم فصل فوق الرخام بحجارة سود لها بريق من حجارة نُقُم جبل صنعاء المشرف عليها، ثم وضع فوقها حجارة صفر لها بريق ثم وضع فوقها حجارة بيض لها بريق، فكان هذا ظاهر حائط القليس وكان عرض حائط القليس ستة أذرع، وذكروا أنهم لا يحفظون ذرع طول القليس ولا عرضه، وكان له باب من نحاس عشر أذرع طولاً في أربع أذرع عرضاً، وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً، معلق العمل بالساج المنقوش ومسامير الفضة والذهب، ثم تدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعاً، عن يمينه وعن يساره عقود مضروبة بالفسيفساء مشجرة بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم تدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً جدرها بالفسيفساء، وفيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشرة أذرع في عشرة أذرع تعشي عين من نظر إليها من بطن القبة، تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة، وكان تحت الرخامة منبر من خشب اللبخ، وهو عندهم الأبنوس، مفصل بالعاج الأبيض، ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهباً وفضة وكان في القبة سلاسل فضة، وكان في القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعاً يقال لها كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها امرأة كعيب، كانوا يتبركون بهما في الجاهلية، وكان يقال لكعيب الأحوزي، والأحوزي بلسانهم الحبر، وكان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل، أخذاً شديداً، وقد آلى أن

стр. 484

لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في عمله فيؤتى به إلا قطع يده، قال: فتخلف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس، وكانت له أمّ عجوز، فذهب بها معه لتستوهبه من أبرهة، فأتته به وهو بارز للناس، فذكرت له علة ابنها واستوهبته منه فقال: لا أكذب نفسي ولا أفسد عليّ عمالي، فأمر بقطع يده، فقالت له أمّه: ضرب بمعولك ساعي بهر، اليوم لك وغداً لغيرك، ليس كل الدهر لك، فقال: ادنوها، فقال لها: إن هذا المُلْك أيكون لغيري؟ قالت: نعم، وكان أبرهة قد أجمع أن يبني القليس حتى يظهر على ظهره فيرى منه بحر عدن، فقال: لا أبني حجراً على حجر بعد يومي هذا، فأعفى الناس من العمل، وتفسير قولها: ساعي بهر، تقول: اضرب بمعولك ما كان حديداً، فانتشر خبر بناء أبرهة هذا في العرب، فدعا رجُل (١) من النسأة من بني مالك بن كنانة فتيين منهم فأمرهما أن يذهبا إلى ذلك البيت الذي بناه أبرهة بصنعاء فيحدثا فيه، فذهبا ففعلا ذاك، فدخل أبرهة البيت فرأى آثارهما فيه فقال: من فعل هذا؟ فقيل: رجلان من العرب، فغضب من ذلك وقال: لا أنتهي حتى أهدم بيتهم الذي بمكة. وقيل (٢) : لما تحدثت العرب بكتاب أبرهة بذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم من بني كنانة، فخرج حتى أتى القليس، فقعد فيها، أي أحدث فيها، ثم خرج حتى لحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنعه رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكّة لما أن سمع بقولك: أصرف إليها حاج العرب، فغضب فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل، فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. قال (٣) : فساق الفيل إلى البيت الحرام ليهدمه، فكان من أمر الفيل ما كان، فلم يزل القليس على ما كان عليه حتى ولى أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين العباسَ بن الربيع بن عبيد الله (٤) الحارثي اليمن، فذكر للعباس ما في القليس من النقض والذهب والفضة وعظم ذلك عنده وقيل له إنك مصيب فيه مالاً كثيراً وكنزاً، فتاقت نفسه إلى هدمه وأخذِ ما فيه، فبعث إلى ابن لوهب بن منبه فاستشاره في هدمه وقال: إن غير واحد من أهل اليمن قد أشاروا علي أن لا أهدمه، وعظم علي أمر كعيب وذكر أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون به، وأنه كان يكلمهم ويخبرهم بأشياء ممّا يحبون ويكرهون، قال ابن وهب: كل ما بلغك باطل، وإنما كعيب صنم من أصنام الجاهلية فتنوا به، فمر بالدهل - وهو الطبل - وبمزمار فليكونا قريباً، ثم اعله بالهدامين، ثم مرهم بالهدم، فإن الدهل والمزمار أنشط لهم وأطيب لأنفسهم، وأنت مصيب من نقضه مالاً مع أنك تثأر من الفسقة الذين حرقوا غمدان وتكون قد محوت عن قومك اسم بناء الحبش وقطعتَ ذكرهم. وكان بصنعاء يهودي عالم، قال: فجاء قبل ذلك إلى العباس بن الربيع يتقرب إليه، فقال له: إن ملكاً يهدم القليس يلي اليمن أربعين سنة، فلما اجتمع له قول اليهودي ومشورة ابن وهب أجمع على هدمه. وفي الروض الأنف (٥) أن أبرهة لما هلك ومزقت الحبشة كل ممزق، وأقفر ما حول هذه الكنيسة فلم يعمرها العدوَ، وكثرت حولها السباع والحيات، وكان من أراد أن يأخذ شيئاً منها أصابته الجن، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والخشب المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من المال، لا يستطيع أحد أن يأخذ منها شيئاً إلى زمن أبي العباس فذكر له أمرها وما يتهيبُ من جنها وحيّاتها فلم يرعه ذلك، وبعث إليها العباس بن الربيع عامله على اليمن معه أهل الحزم والجلادة، فخربوها وحصلوا منها مالاً كثيراً، أبيع ما أمكن بيعه من رخامها وآلاتها، فعفا بعد ذلك رسمها وانقطع خبرها ودرست آثارها، وكان الذي يصيبهم من الجن ينسبونه إلى كعيب وامرأته، صنمين كانت الكنيسة بنيت عليهما، فلما كسر كعيب وامرأته أصيب الذي كسره بجذام، فافتتن بذلك رعاع اليمن وطغامه، وقالوا: أصابه كعيب. وذكر أبو الوليد الأزرقي عن الثقة عنده قال (٦) : شهدت العباس وهو يهدمه فأصاب منه مالاً عظيماً، ثم رأيته دعا بالسلاسل فعلقها في كعيب والخشبة التي معه، فاحتملها الرجال فلم يقربها أحد مخافة، لما كان أهل اليمن يقولون فيها، قال: فدعوا

стр. 485

بالورديون، وهو العجل فأعلق فيها السّلاسل ثم جذبها الثيران وجذبتها الناس معه حتى أبرزوها من السور، فلما أن لم ير الناس شيئاً ممّا كانوا يخافون من مضرّتها، وثب رجل من أهل العراق، وكان تاجراً بصنعاء، فاشترى الخشبة وقطعها لدار له، فلم يلبث العراقي أن جُذِم، فقال رعاع الناس: هذا لشرائه كعيباً، قال: ثم رأيت أهل صنعاء بعد ذلك يطوفون بالقليس يلتقطون منه قطع الذهب والفضة. قال السهيلي (١) : وسميت هذه الكنيسة بالقُلَّيْس لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعالي الرؤوس، ويقال تقلنس الرجُل وتقلس: إذا لبس القلنْسُوَة، وقلس طعاماً: أي ارتفع من معدته إلى فِيْه. قلنبو (٢) : في بلاد السودان وهم على النيل، وأهلها مشركون، وهي مدينة كبيرة، والنيل يشقّ جميع تلك البلاد ويسقي أكثرها وفي تلك البلاد حيوان يشبه الفيل في عظم خلقته وخرطومه وأنيابه، يرعى في البر ويأوي إلى النيل، ويصطادونه فيأكلون لحمه ويصنعون من جلده الأسواط التي يسمونها السرياقات، ويقال لها بالأندلس ذنب الفار، ومن هناك تُحْمل تلك الأسواط إلى جميع الآفاق ولهم في صيده حيلة فإنهم يميزون في الليل المواضع التي يأوي إليها هذا الحيوان لتحرك الماء على ظهره وقلة استقراره، وعندهم مزارق حديد قصار في أسافلها حلَق قد شُدَّت فيها حبال مديدة، فيزرقونه بالعدَدِ الكثير منها، فيهرب منهم ويغوص في النيل فيرخون له في تلك الحبال فيضطرب حتى يموت، فإذا مات طفا على الماء، فيجرونه إلى البر ويأخذونه. قلب (٣) : هي قاعدة مورور بالأندلس ودار الولاة (٤) بها وهي مدينة كبيرة فيها مسجد جامع وسوق يَرِده الناس بضروب المتاجر وهي كثيرة الزيتون والثمار ولها بطائح سهلة وجبال شامخة وعرة منها جبل بقبليها منيع وعر حصين وعلى مقربة منه جبل القرود. قلعة أيوب (٥) : بالأندلس بقرب مدينة سالم، وهي مدينة رائعة البقعة حصينة شديدة المنعة كثيرة الأشجار والثمار، كثيرة الخصب رخيصة الأسعار، وبها يصنع الغضار المذهب ويتجهز به إلى كل الجهات، وهي قريبة من مدينة دروقة، بينهما ثمانية عشر ميلاً. قلعة رباح (٦) : بالأندلس أيضاً من عمل جيان، وهي بين قرطبة وطليطلة، وهي مدينة حسنة ولها حصن حصين على نهر آنه، وهي مدينة محدثة في أيام بني أميَّة، وإنما عمرت قلعة رباح بخراب أوريط. وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين أمر الإمام محمد بتحصين مدينة قلعة رباح والزيادة في مبانيها، ونقل الناس إليها وإلى مدينة طلبيرة. وبقرب قلعة رباح ماء حامض إذا مخض في سقاء حلا. ثم ملكها النصارى ولم تزل في أيديهم إلى عام وقيعة الأرك (٧) فجلت قبل الوصول إليها وكان لها في أيديهم إحدى وخمسون سنة وعشرة أشهر فأمر المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بتطهير جامعها، وصلى فيه، وقدم على قيادتها يوسف بن قادس. قلعة بني حماد (٨) : وهي قلعة أبي طويل، وبينها وبين المسيلة اثنا عشر ميلاً، وهي من أكبر البلاد قطراً وأكثرها خلقاً وأغزرها خيراً، وأوسعها أموالاً، وأحسنها قصوراً ومساكن، وأعمها فواكه وخصباً، وحنطتها رخيصة ولحومها طيبة سمينة، وهي في سند جبل سام صعب المرتقى، وقد استدار سورها بجميع الجبل وأعلى الجبل بسيط من الأرض ومنه ملكت القلعة، وبهذه القلعة عقارب كثيرة سود تقتل في الحال، وأهل القلعة يتحرزون منها ويتحصنون من ضررها ويشربون لها نبات الفوليون، ويدعون أن من شرب وزن درهمين منه لعام كامل لا يصيب شاربه ألم تلك العقارب، وهذا مشهور عندهم، وهذه الحشيشة ببلاد القلعة كثيرة (٩) ، وبين هذه القلعة وبين بجاية مسيرة أربعة أيام.

стр. 486

وهذه القلعة (١) منيعة وتحضرت (٢) عند خراب القيروان انتقل إليها أكثر أهل إفريقية، وكانت مقصد التجار وبها تحل الرحال (٣) من العراق والحجاز والشام ومصر وسائر بلاد المغرب. وذكر البكري (٤) أن بها كان احتصن أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار. وخبر حماد صاحبها مع المرأة الوكعاء وكيف تداهت عليه حتى قتلها قد تقدم في رسم باغاية من حرف الباء. وتصنع بمدينة قلعة حماد أكسية ليس لها مثل في الجودة والرقة إلا الوجدية التي تصنع بوجدة، ويساوي الكساء الذي يصنع بقلعة حماد ثلاثين ديناراً أو أزيد. ولمّا بنيت بجاية وعمرت انتقل الناس إليها ولم تزل القلعة تنقص إلى أن استولى عليها الخراب. قلعة الفضة: قالوا: في البحر الأسود الزفتي المتصل بالبحر المحيط وهو شديد النتن، وليس فيه غير قلعة الفضة، ويقال إنها معمولة وقالت طائفة إنها خلقة. قلعة كيانة (٥) : يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في حرف الكاف. قلعة البلوط: بجزيرة صقلية، تقدم ذكرها في رسم الشاقة في حرف الشين المعجمة. قلعة مغيلة دلول (٦) : بينها وبين مدينة مستغانم مسيرة يومين، وهذه القلعة على جبل منيف شديد الحصانة بينها وبين البحر خمسة فراسخ، وبها عين ماء. قلعة هوارة (٧) : بالمغرب بقرب تاهرت، وهي قلعة منيعة في جبل خصيب فيه بساتين وثمار وأشجار ومزارع وأعناب، وتحتها فحص طوله نحو أربعين ميلاً يشقّه نهر سيرات ويسقي أكثر أرضه فسمي ذلك الفحص " سيرات " باسم النهر، ونهر سيرات نهر كبير مشهور يقع في البحر عند مدينة أزواوا (٨) . ويسكن فحص سيرات قبائل كثيرة من البربر ومطغرة وغيرهم من قبائل زناتة، وزناتة تنشعب على قبائل كثيرة، وبلادهم واسعة، ويخالطهم من جهة إفريقية بنو زغبة من العرب من بني هلال بن عامر، ومن جهة المغرب بلاد مسوفة، وهمِ قبائل كثيرة من صنهاجة يسكنون تلك الصحراء لا يستوطنون بلداً وعيشهم من اللبن واللحم، وهم خلق كثير، وفي صحارى بلادهم جبل عظيم يعرف بقلقل كثير الخصب من العيون والأنهار، وفيه آثار عمائر كثيرة وبيوت محصنة وقرى واسعة لا أنيس بها ولا يسكنها خلق، ويقال إن الجن أخلت تلك العمائر والبلاد، ويُرى في تلك الصحارى بالليل نيران الجن ويسمع عزفهم وغناؤهم، وهم كثيراً ما يختطفون الأناسيّ ويحملونهم معهم، وربما يفلت الأنسي من بينهم فيرجع إلى أهله، فيحدث بما رأى عندهم، وهذا متعارف، ويقال إنهم يبدلون أولادهم بأولاد الإنس، ولذلك يقول أهل إفريقية: يا مبدول. قلعة الحجار (٩) : بمقربة من المسيلة، نزلها المنصور إسماعيل حين كان يحارب أبا يزيد النكار. قلعة أبي طويل (١٠) : من القيروان إلى قلعة أبي طويل، وهي قلعة كبيرة ذات منعة وحصانة وتحضرت عند خراب القيروان، وانتقل إليها أكثر إفريقية، وكانت مقصداً للتجار وتحل بها الرحال من العراق والحجاز والشام ومصر وبلاد المغرب، وكانت مستقر مملكة صنهاجة، ونزلها أبو يزيد مخلد بن كيداد. قلورية (١١) : مدينة بجزيرة صقلية كان إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحب القيروان وأعمالها غزا صقلية بنفسه وفتح فيها مدناً

стр. 487

منها طبرمين، وحاصر قلورية هذه فقتل وسبى، فهربوا منه ثم مضى إلى كشنته (١) ، فلم يزل يتعرف الفتح والنصر حتى عرض له المرض الذي مات منه، فحمل إلى مدينة بلرم فدفن بها. قُلُمْرِيّة (٢) : بالميم، بالأندلس، من بلاد برتقال، مدينة بينها وبين قورية أربعة أيام. وهي (٣) على جبل مستدير، وعليها سور حصين ولها ثلاثة أبواب، وهي في نهاية من الحصانة. وهي صغيرة متحضرة عامرة كثيرة الكروم والتفاح والقراصيا، ومكانها في رأس جبل تراب لا يمكن قتالها، وهي على نهر عليه أرحاء، وبين قُلُمْرِيّة وشنترين ثلاث مراحل، وبينها وبين البحر اثنا عشر ميلاً. قمار (٤) : بلد أو جزيرة بالهند، إليها ينسب العود القماري، وهو جيد لكن العود الصنفي أجود منه، وبها الصندل والأرز، وأهلها يجالسون التجار ويعاملونهم، وفيهم عدالة ظاهرة وجودة مشهورة وإنصاف كامل، وعبادتهم الأصنام والبدود، وهم يحرقون موتاهم بالنار. قالوا (٥) : ومملكة قمار موازية لمملكة المهراجٍ صاحب الجزائر. يحكى أن ملكاً من ملوك قمار تذوكر عنده يوماً عظم مملكة المهراج صاحب الجزائر وجلالتها، فقال لوزيره: في نفسي شهوة أحب بلوغها وكان حدثاً سفيهاً فقال: ما هي؟ قال: كنت أحب أن أرى رأس المهراج بين يديّ، فعلم الوزير أن الحسد أثار ذلك الفكر في نفسه، فأنكر الوزير ما سمع منه وقال: إنه لم يتقدم بين من سلف منا ومنهم خلاف ولا ترة فينبغي ألا يعيد الملك في هذا قولاً ولا يأخذ في هذا مع أحد، وبين موضع مملكة المهراج وقمار نحو عشرة أيام في البحر، فلم يسمع منه وأشاع ذلك في قواده حتى اتصل بصاحب المهراج، وكان محنكاً جزلاً، فأمر بإعداد ألف مركب بآلاتها وتجهيزها من حَمَلة السّلاح وأهل الغناء بما تحمله وأشاع أنه يريد التنزه في جزائر مملكته، وكتب إلى ملوك الجزائر بما عزم عليه من زيارتهم وأمرهم بتلقيه مختلفين ليرهب على من والاه، فلما استتمت أموره أتى قاصداً إلى قمار، ويتصل بدار مملكة صاحبها نهر يصبّ في البحر فسيّر فيه رجاله فأتوه على حال غرة، وأخذ قواته واحتوى على مملكته، وأمر منادياً ينادي بالأمان في الناس، وقعد على سرير المملكة وقد أخذ صاحب السرير أسيراً فأحضره وأحضر وزيره وقرره على تمنيه فلم يحرْ جواباً، فقال له المهراج: أما أنك لو تمنيت مع الذي تمنيت إباحة أرض أو فسادها لأفسدت أرضك واستعملت ذلك كله فيك، ولكني لا أتعدى ما تمنيت لتكون عظة لمن بعدك، فضرب عنقه، وجعل رأسه في طست بين يديه، وقال للوزير: جزيت خيراً، فانظر من يصلح للملك بعد هذا الجاهل فأقمه مقامه، وانصرف من ساعته راجعاً إلى بلده من غير أن يمد هو أو أحد من أصحابه يداً إلى شيء من بلاد قمار ولا ماله، وحمل الرأس معه، فلما قعد في مملكته أخبرهم خبره ثم أمر بالرأس فغسل وطيِّب وردَّه إلى الملك القائم ببلاد قمار، وكتب إليه: إنما حملنا على ما فعلناه بصاحبك بغيه علينا، وقد بلغنا منه ما أردنا، ورأينا ردّ رأسه إليك إذ لا درك في حبسه والسلام. واتصل الخبر بالملوك فعظم المهراج في أعينهم وصارت بعد ذلك ملوك قمار تؤم بوجوهها كل صباح إلى بلاد الزابج فتسجد تعظيماً للمهراج. والهنود يمنعون (٦) من شرب الخمر المسكرة ويعيبون شاربها لا تديناً بل سياسة، وإذا صحّ عندهم ذلك في ملك من ملوكهم استحق الخلع، ولا يشربه من ملوكهم إلا صاحب جزيرِة سرنديب، فإنه يحمل إليه من بلاد المغرب، وأشدهم ملك قمار فإنه يعاقب في السكر والزنا بالقتل، والزنا عند سائر ملوكهم مباح إلا في المحصنين، وملك قمار أشدهم غيرة، وهم يعافون الخل فيحمضون ماء الأرز ويستعملونه، والمُلْك مقصور في أهل بيت وكذا القضاء والوزارة وسائر الرتب لا تغير ولا تبدل.

стр. 488

قالوا (١) : وأصل كتب الهند وسننهم من قم ار، وحكمهم أن من ذبح بقرة ذُبِح بها، وعباد قمار لا يقربون المسلمين ويقولون إنهم أنجاس لأنهم يأكلون البقر، وسمع رجل من المسلمين رجلاً من كبار عبادهم يقول: كشرايدمشوق (٢) ، ومعنى ذلك بالهندية: يا من ليس كمثله شيء، قال: فعجبت من ذلك وقلت له: أتعرف ما تقول؟ قال: أتعرفون أنتم ما تقولون؟ قلت له: فلم تعبدون الأصنام من دونه؟ قال: هذه قبلتنا يا جاهل. ومن عقوبة ملك قمار على شرب الخمر أن يحمي مائة حلقة من حديد بالنار ثم توضع على يدي الفاعل، فربما أتلفت نفسه، ومن رأوه من المسلمين يشرب فهو خسيس لا يعبأون به. ويقال إن في بلاد قمار، مائة ألف عابد وهم أصحاب تسبيح ومعهم سبح لا تفارقهم، ولملك قمار ثمانون قاضياً ولو ورد عليهم ولد الملك لأنصفوا منه وأقعدوه مقعد الخصم ووجهوا عليه صريح الحكم، ولفراش ملك قمار أربعة آلاف امرأة. قمُّ (٣) : مدينة من كور الجبل، من همذان إليها خمس مراحل، وهي مدينة كبيرة كثيرة الأهل عليها سور تراب، وبها فواكه وأشجار، وسورها حصين، ومياههم من الآبار ومياه بساتينهم تستخرج من الأرض بالسواني، وعليه زراعاتهم، وبها أشجار الفستق والبندق وليس يوجد الفستق والبندق فيما جاورها من البلاد ومنها يحمل إلى غيرها من البلدان والغالب على أهلها التشيع، وأكثر أهلها عرب. وكان أهل قُمّ خالفوا على المأمون سنة عشر ومائتين، فتوجهت إليها جيوشه ففتحها رجَل يقال له الكنج وهدم سورها وجباها سبعة آلاف ألف درهم ونيفاً وإنما خرجوا إلى ما خرجوا إليه لأنهما كانوا يتظلمون من ألف ألف كانت وظيفتهم. وحكي (٤) أن مدينة قُمّ الكبرى يقال لها منيجان وهي جليلة المقدار يقال إن فيها ألف درب وداخل المدينة حصن قديم للعجم وإلى جانبها مدينة يقال لها كمندان ولها واد يجري فيه الماء بين المدينتين، عليه قناطر معقودة بحجارة يعبر عليها من مدينه منيجان إلى مدينة كمندان وأهلها قوم من مذحج ثم من الأشعريين، وبها عجم وقوم من الموالي يذكرون أنهم موالٍ لعبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄. القَموص (٥) : حصن من حصون خيبر، وهو حصن أبي الحقيق، لما فتحه النبي ﷺ أصاب منه سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وبنتا عم لها، فاصطفى ﷺ صفية لنفسه بعد أن سأله إياها دحية بن خليفة الكلبي، فلما اصطفاها ﷺ أعطاه ابنتي عمها، وكانت صفية ﵂ قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، أن قمراً وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنَّيْنَ ملكَ الحجاز محمداً، فلطم وجهها لطمة خضّر عينها، فأتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، فسألها ما هو، فأخبرته هذا الخبر فأعرس رسول الله ﷺ بها ببعض الطريق وبات بها في قبة له، وبات أبو أيوب الأنصاري ﵁ متوشحاً بالسيف يحرسه يطيف بالقبة حتى أصبح فقال رسول الله ﷺ : " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ". قمامة: اسم للموضع الذي يزعم الزاعمون أن فيه مقبرة عيسى ﵇، وهي كنيسة معظمة تعرف بكنيسة قمامة بمدينة بيت المقدس، وهي الكنيسة المحجوج إليها من بلاد الروم في مشارق الأرض ومغاربها. وفي بعض المخاطبات عن صلاح الدين: ونازلنا قمامة ولها الغمامة عمامة. قمودة (٦) : في قبلة القيروان على مسافة يومين منها قالوا: وهو قطر واسع فيه مدن وحصون، والمدينة القديمة العظمى هي التي يقال لها: سبيطلة فتحت في زمان عثمان وحضرها عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃ وكان أمير الجيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وعشرين وقد تقدّم ذكرها في حرف السين.

стр. 489

قمولة (١) : قرية بأرض مصر كالمدينة جامعة متحضرة مكتفية بكل نعمة، وفيها أنواع من الفواكه وضروب من التمور والعنب، قال بعضهم: وزنت منه حبة فوجدت زنتها اثني عشر درهماً، وفيها من الدلاع وأنواع الموز ما يجل عن المقدار المعهود، وكذلك الرمان والسفرجل والأجاص وسائر الفواكه، وكل شيء من ذلك كثير يباع بأيسر الأثمان، وبشمال هذه المدينة جبل يقال إن فيه كنوزاً ومطالب وطلاباً إلى الآن. قبا (٢) : مدينة من بلاد فرغانة، وهي من أنزه بلاد الله تعالى، وهي مدينة عالية الأسوار حسنة الأقطار، كثيرة التجار والعمار، والمتجولين (٣) والسفار، كثيرة البركات، جامعة لأنواع الخيرات، ولها ربض عامر كبير، وأسواقها في ربضها، ويحيط بالربض والمدينة سور حسن، وبها مياه جارية، وعلى تلك المياه بساتين وجنات وحدائق وأبنية ومتنزهات، ولها رستاق عامر فيه قرى كثيرة يتصل بنهر الشاش قدر مرحلة، ومدينة قبا هذه بناها أنوشروان، ولها قصبة وجامع حسن، ولما بناها أنوشروان نقل إليها من أهل كل بلد بيتاً وعمرها بهم. قنا (٤) : أيضاً (٥) مدينة بصعيد مصر. قنطرة السيف (٦) : بالأندلس، وهو حصن بينه وبين ماردة يومان، وهو حصن منيع على نهر القنطرة ، وأهله متحصنون فيه، ولا يقدر لهم أحد على شيء، والقنطرة لا يأخذها القتال إلا من بابها فقط، والقنطرة هذه قنطرة عظيمة على قوس من عمل الأول في أعلاها سيف معلق لم تغيّره الأزمنة ولا يدري ما تأويله. القنطرة (٧) : قرية بالعراق على طريق الحاج بمقربة من مرسى الحلة، وهي كثيرة الخصب كبيرة الساحة، متدفقة فيها جداول الماء، وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى وأجملها، وبها قنطرة على ترعة من ترع الفرات كبيرة يصعد إليها وينحدر عنها تعرف القرية بها، وتعرف أيضاً بحصن بشير. قِنّسرين: بالشام، وهي الجابية (٨) ، وبينها وبين حلب اثنا عشر ميلاً وفيها كان قبر هشام بن عبد الملك بن مروان. وحكى عمر بن هانئ الطائي قال (٩) : خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أميَّة في أيام أبي العباس السفاح وانتهينا إلى قبر هشام واستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا خورمة (١٠) أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثم أحرقه لأن هشاماً كان صلب زيد بن علي وأحرقه بالنار، ولهذا قال: صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ... ولم أرَ مهدياً على الجذع يصلبُ وزيد هذا هو الذي ينسب إليه الزيدية من الشيعة. قال: واستخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية، قال: وكانت قبورهم قنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا منه إلا شؤون رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظماً واحداً ووجدنا مع لحده خطاً (١١) أسود كأنما خط بالرماد بالطول في نحره، ثم تتبعنا قبورهم في سائر البلدان وأحرقنا ما وجدنا فيها. قال الأصمعي: وجد في حجر في قنسرين مزبور بالعبرانية:

стр. 490

إذا جار الأمير وحاجباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء وكان على قنسرين (١) سور حصين فهدم في أيام قتل الحسين بن علي ﵄ بأمر يزيد بن معاوية، وفيها الآن آثار من سورها، ولها حصن منيع وبها أسواق وفعلة وهي على نهر قويق، وهو نهر حلب يصل في جريته إلى قنسرين ثم يغوص في الأجمة، وقيل بين قنسرين وحلب عشرون ميلاً. قنوج (٢) : أفخر بلاد الهند اسماً وشأناً، وأعظمها صيتاً وأقدمها بنياناً، وكان واليها بأجيال أكبر شياطين الكفر جاهاً ومقداراً وأتمهم قوة، وكان سلفه ملوك الهند من مستقرهم إلى منتهى الثغور، وكان ولاة قشمير لهم بمنزلة الحجاب، وكانوا قد أقروا لهم بالسمع والطاعة أذعنوا للانقياد والمتابعة، وكان بين آخر ثغور هذا الجانب وبين قنوج ممالك الهند متصلة الحدود بالحدود، تقطعها قوافل التجار في مدة سنة كاملة إذا واظبوا على السير، وكان ولاة كفارها لهم أمر نافذ وذكر سائر وناحية عظيمة وقلاع حصينة وعدة كاملة وقوة وافرة، وهم يعتقدون أن الأصنام آلهتهم ولا يتفكرون في خلق السموات والأرض. وقصدها غازياً لها محمود بن سبكتكين سلطان خُراسان من مستقره بغزنة سنة عشر وأربعمائة، في خلافة الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، وفي رسالته يخاطب القادر بالله بذلك: استخار العبد في النهوض إلى عرصة مقرّه وعقر داره، ابتداء بتحصين الممالك المعقودة بإقباله، فوثبَ (٣) بنواحي غزنة العبد محمداً مع خمسة عشر ألف راجل وعشرة آلاف فارس من أولي الإخلاص في الوفاء وخواصّ الأولياء الموثوق بغنائهم، وأنهض العبد مسعوداً مع عشرة آلاف راجل وعشرة آلاف فارس من أولي الإخلاص في الوفاء والامحاض في الولاء إلى ملتان لتنظيفها من بقايا الباطنية، وتقرير أمورها على الطريقة السوية، وشحن بلخ وطخارستان بأرسلان مع اثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل من الأنجاد والشجعان، وضبط ولاة خوارزم بالترشاش الحاجب مع عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل المختارين للجلاد والطعان، بعدما هذب أحوال الأطراف والقلاع، وسد ثغورها بالأمناء والأنجاد عند المصاع، غير ساكن إلى حضورهم ولا واثق بقوة جمهورهم، بل اعتمد كتاب الله تعالى واتكل عليه في رعاية ما استرعي من الممالك والأمم، وانتخب ثلاثين ألف فارس وعشرة آلاف راجل لصحبة راية الإسلام، كلهم طلاب الشهادة، وتحت ظلل الحِمام، وانضمت إليهم جماهير المطوعة من النواحي المفترقة، وانتظمت أحوالهم بإطلاق ما يسر الله من الصلة والنفقة. القندهار (٤) : مدينة بالهند كبيرة النظر كثيرة الخلق، وهم قوم يمتازون بلحاهم من غيرهم، فإنهم يتركون لحاهم تطول حتى تصل إلى ركبهم ودونها، وهي عراض كثيرة الشعر، ووجوههم مدورة، والمثًل يُضْرَب بكبر لحاهم وطولها، وزيهم زي الأتراك، وعندهم حنطة وأرز وحبوب وأغنام وأبقار، وهم يأكلون الأغنام الميتة ولا يأكلون البقر الميتة، وهم يحاربون ملك كابل وكابل من مدن الهند المجاورة لبلاد طخارستان. قال بعضهم: مدحت ملك القندهار والطاق فأعطاني ستين ألف درهم طاطرية، كل درهم مثقال (٥) :

стр. 491

يا ملك القندهار والطاق ... ووارث الملك عن دراداق ورثت آبائك الملوك علاً ... يسمو سمواً لعز شاساق حاموا وحاميت عن حريمهم ... فحزت بالقصر حوزة الطاق دانت ملوك الأنام للملك ال ... أبلج قسراً بكل آفاق وهذا الملك هو ملك الفيلة، يقال إن له عشرين ألف فيل بعضها ببعض، وليس ينزل المدائن لكثرة من معه إنما ينزل الفضاء في الخيام، وله سوق فيها من الفواجر ثلثمائة ألف فاجرة وأزيد بأحسن الثياب. قالوا (١) : وملوك الهند كلهم يرون الزنا وهو عندهم مباح ما خلا ملك قمار. قال بعضهم: دخلت قمار وأقمت بها نحواً من ستين يوماً، فلم أرَ ملكاً أغير منه ولا أشد في الأشربة منه، يُعاقِب على الزنا والشُرب بالقتل، وليس أحد من ملوك الهند يشرب الشراب ما خلا ملك سرنديب فإنه يشربها، تُنْقل إليه من بلاد المغرب. قصر ابن هبيرة (٢) : مدينة كبيرة على اثني عشر فرسخاً من بغداد لمن أخذ طريق الكوفة، وهي عامرة ذات أسواق وعمارات، وكانت أعمر البلاد التي في نواحي السواد وأوفرها أموالاً وأكثرها نفعاً وهي على غلوة من الفرات. وكان يزيد (٣) بن عمر بن هبيرة بناه في أيام مروان بن الحَكَم، وهو يومئذ عامل مروان على العراق، وأراد التبعد عن الكوفة. وهي مدينة عامرة جليلة ينزلها العمال والولاة، وأهلها أخلاط من الناس، وهي على نهر يأخذ من الفرات يقال له الصراة، وبين قصر ابن هبيرة وبين معظم الفرات مقدار ميلين. وحكى المبرد (٤) أن ابن هبيرة كان يوماً في أعلى قصره، فرأى أعرابياً يرقصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا الأعرابي فأدخله عليّ، فلما وصل أدخله الحاجب عليه فأنشده: أصلحك الله قلَّ ما بيدي ... ولا أطيق العيال إذ كثروا ألحّ دهر أنحى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فأخذته الأريحية فقال: أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتى تعود إليهم غانماً، وأمر له بألف دينار وزوّده (٥) على بعيره. قصر أبي دانس (٦) : بغربي الأندلس، فيه كانت الوقيعة على المسلمين للروم في سنة أربع عشرة وستمائة، وأعانهم أهل الأشبونة وغيرها من مملكة ابن الرنق، فأخذوا في نقب الأرض تحت الحصن إلى أن أفضوا إلى السور (٧) ، وأفضى الناس إلى الهلكة، وبلغ الأمر إلى الولاة الذين في غرب الأندلس: اشبيلية وقُرطُبة وجيان فتجهزوا لدفاع العدو، وجاء منهم جيش عظيم لكنهم تخاذلوا على عادتهم، فكانت الهزيمة عليهم وولوا منهزمين، ووقع القتل والأسر ولم يبرز للمسلمين من الروم إلا نحو سبعين فارساً، ورأى أهل الحصن ذلك فأيقنوا بالتغلب عليهم. قصر الافريقي (٨) : مدينة عند تيفاش من إفريقية، وهي مدينة جامعة على شرف من الأرض ذات مسارح ومزارع كثيرة، وفيها الحنطة والشعير. قصريانة (٩) : من أعظم مدائن الروم بصقلية وأكثرها جمعاً فتحها العباس بن يزيد بن الفضل بن يعقوب بن المضا العامل بصقلية لأبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب القيروان، وكان العباس وجه سرية إلى بعض النواحي فغنموا وأخذوا أعلاجاً

стр. 492

ثم قدموا واحداً منهم ليقتلوه فقال لهم: لا تقتلوني فإن لأميركم عندي نصيحة، فأرادوه على أن يعلمهم بها فلم يفعل، فأتوا به العباس فقال له: تعطيني الأمان على نفسي وأهلي وأدلك على موضع تفتح منه قصريانة، فأدخله العباس في بيت وأغلق عليه ثم نادى في أصحابه بالركوب ومضى وجعل العلج بين يديه في يوم مطير وثلج، والناس لا يعلمون أين يريد، فمضى حتى قرب من قصريانة فنزل، فلما غشيهم الليل نزل حتى صار إلى قرب المدينة، فوجه نائبه في رَجْلٍ كثير ووجه معه العلج، وأقام هو في خيله ورجله على باب المدينة، فمضى نائبه مع العلج حتى أتى به إلى قناة يخرج منها ماء المدينة فأدخل منها الرجال ودخل معهم، حتى أتى بهم العلج إلى باب الحصن، وأهله في غفلة، فوضعوا السيف على الحرس فقتلوهم، وسمع أهل المدينة الصياح فأتوا من كل ناحية إلى باب الحصن، فلم يزل المسلمون يضاربونهم على الباب حتى فتحوه وكبّر المسلمون خارج الباب ودخلوا المدينة، وهرب الروم، ودخل الناس فافترقوا في المدينة يقتلون ويغنمون حتى أخذوا كل ما فيها وأحرقوها، ولم يكن للروم في تلك النواحي أكبر منها ولا أوسع ولا أكثر قمحاً، وكان فتحها في شوال سنة أربع وأربعين ومائتين، وبعث أبو إبراهيم بالفتح رسولاً إلى المتوكل معه هدايا شريفة، وخيار ما سبى من وصيف ووصيفة. قصر مصمودة (١) : حصن كبير بينه وبين سبتة اثنا عشر ميلاً، وهو على ضفة البحر تنشأ به المراكب والحرارق التي يسافر بها إلى بلاد الأندلس وهو على رأس المجاز الأقرب إلى ديار الأندلس، وبين قصر مصمودة وطنجة عشرون ميلاً. قصر ابن عبد الكريم (٢) : مدينة صغيرة بينها وبين مكناسة في جهة المغرب ثلاث مراحل، ويسكنه قوم من البربر وهو على نهر لكسّ (٣) ، وبينه وبين البحر نحو أربعين ميلاً في أرض كلها رمل، ولها مزارع وخصب وصيود برَ وبحر وبه سوق عامرة وجمل صناعات، والرخاء شامل وبينه وبين طنجة يومان. قصر الفلوس (٤) : مدينة كبيرة في المغرب الأوسط، هي مرسى للمراكب، فيها آثار للأول كثيرة تدل على أنها كانت دار مملكة، وهي اليوم خراب، وفيها ماء مجلوب على قناطر بأغرب ما يكون من البناء القديم. القصر القديم (٥) : عند القيروان أسسه إبراهيم بن الأغلب سنة أربع وثمانين ومائتين، وصار دار أمراء بني الأغلب، وهو في قبلة القيروان وعلى ثلاثة أميال منها، وبه جامع له صومعة مستديرة مبنية بالآجر والعمد سبع طبقات، لم يبن أحكم منها ولا أحسن منظراً وبه حمّامات كثيرة وفنادق وأسواق جمة ومواجل الماء وإذا قحطت القيروان وفقد الماء في مواجلها انتقلوا الماء (٦) من مدينة القصر. وكان لها من الأبواب: باب الرحبة قبلي، وباب الحديد قبلي، وباب غلبون شرقي، وباب الريح شرقي، وباب السعادة غربي يقابل المقبرة الكبيرة، وداخل المدينة رحبة كبيرة واسعة تعرف بالمدائن، وتجاور مدينة القصر بنية (٧) تعرف بالرصافة، ولمّا بنى إبراهيم بن الأغلب مدينة القصر وانتقل إليها، خربت (٨) دار الإمارة التي كانت بالقيروان بقبليّ الجامع منه. قصر سعد (٩) : بجزيرة صقلية على فرسخ من المدينة، وهو على ساحل البحر وحوله قبور كثيرة للمسلمين، وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان، وبإزائه عين وداخله مساكن وبيوت منتظمة، وهو كامل مرافق السكنى وفي أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا مفروش بحصر نظيفة (١٠) ، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلاً من أنواع الزجاج والصفْر، وفي أسفل القصر بئر عذبة وله إمام يصلي بهم الفريضة والتراويح في رمضان، وبمقربة من هذا القصر بنحو ميل إلى جهة المدينة قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر، وداخله ساقية تفور بماء عذب. القصر (١١) : مدينة بالأندلس بينها وبين شلب أربع مراحل،

стр. 493

وهي مدينة حسنة متوسطة وعلى ضفة النهر الكبير، وهو نهر تصعد منه السفن السفرية، وفيما استدار بها من الأرض كلها شجر الصنوبر وبها الإنشاء الكثير، وهي خصيبة كثيرة الألبان والسمن والعسل واللحم، وبين القصر والبحر عشرون ميلاً. قصر هرمز (١) : بمدينة من أعمال الشيرجان وهي مدينة كرمان، بها مسجد جامع من بناء يعقوب بن الليث متين البناء جداً بأساطين الساج، وهي قصبة عظيمة، وهي على البحر الأعظم، وبها أشجار النخيل والسدر والموز وشجر يقال له الانبجي يشبه شجر التفاح، وثمره يشبه ثمر الأجاص الأبيض، وله نوى في صورة نوى الخوخ، ورائحته ذكية عطرة، وإذا مصصته جذبت ما فيه وبقي الجلد والنوى، وبها شجر الصبار وهو التمر الهندي، والغالب على غياضها شجر القرظ وأم غيلان والقصب، وهو جنس من النخل لا يؤكل لأنه لا لحم له وله نوى مستدير صلب، يثقب وتتخذ منه السبح، ويتخذون من سعفه الحصر، وله ليف رقيق يشبه خيوط الابريسم، وبناؤهم كله بالساج وخشب يقال له الزنجي لا ينبت بها غير هذين الصنفين لأن الأرضة تأتي على سائر الخشب، وأبوابها كلها ساج، ولا يمكن أن يفرش على الأرض في شيء من المدينة فرش ولا حصير ولا غيرها، فإن الأرضة تخرج من تحتها في يومين فتأتي عليها، وقعودهم ومقامهم إنما هو على الأسرة المنسوجة بالشريط، فأما الأغنياء فأسرتهم من أبنوس وساج منسوج بالخيزران ولباس أهلها أزر وميازر من كتان، غنيهم وفقيرهم وخبزهم من الذرة ولهم حنطة وشعير يبيعونها ولا يأكلونها. ذو القصة (٢) : على بريد من المدينة أخرج إليه رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁. قعيقعان (٣) : جبل بأعلى مكّة نزل به مضاض بن عمرو ومن معه من جُرْهم، فكان يعشر من دخل مكة من أعلاها. قالوا: وسمي قعيقعان لأن مضاض بن عمرو لما سار إلى السميدع معه كتيبة فيها عدتها من الرماح والدرق والسيوف تقعقع بذلك فسمي بذلك قعيقعان، والقصة طويلة. القُفّ (٤) : واد من أودية المدينة، وكان رجل من الأنصار يصلي في حائط له بالقف في زمان التمر والنخل قد ذللت قطوفه بثمرها، فنظر فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلّى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى عثمان بن عفّان ﵁، وهو يومئذ خليفة، فذكر له ذلك وقال إنه صدقة فاجعله في سبيل الخير، فباعه عثمان ﵁ بخمسين ألفاً، فسمي ذلك المال الخمسين. قفط (٥) : مدينة بالديار المصرية متوسطة المقدار أولية، لها سور وبينها وبين قوص أربعة أميال، وبها بربى، وبقربها شَعْراء كثيفة، وهي متباعدة من النيل، وفيها مزارع كثيرة البقول، وصابونها معروف النظافة وأهلها شيعة، وهي مدينة جامعة متحضرة، وبها أخلاط من الناس، وفيها بعض بقايا الروم. قفصة (٦) : مدينة من البلاد الجريدية، بينها وبين تقيوس مرحلة وهي كبيرة قديمة أزلية، كان عليها سور صخر جليل بأحكم صناعة جديد العمل في مرأى العين، يقال إن الذي بناه شيبان غلام النمرود بن كنعان، وكان اسمه منقوشاً على باب من أبوابها، وكان لها أربعة أبواب، وكان اسم قفصة مدينة الحنية، لأن فيها بنياناً قديماً مثل الحنية، فكانت تسمى بها، وهي متوسطة بين القيروان وقابس، وفي داخلها عيون كثيرة منها عينان كبيرتان معينتان، وليس لهما نظير في عذوبة مائهما وصفائه وكثرته، إحداهما عند باب الجامع تسمى بالراتب الكبير (٧) ، وهي عين عظيمة مبنية بالصخر الجليل من بنيان الأول سعتها نحو أربعين ذراعاً في مثلها، وفوقها عين أصغر منها تسمى رأس العين، وبينهما قنطرة من بنيان الأول ولا شك أن ماءهما واحد، وماء هذه العين شديد الصفاء يرى قعر العين من أعلاها، وفيها الماء نحو سبع قيم،

стр. 494

والعين الأُخرى تحت قصر قفصة تسمى بالطرميد عليها بناء عجيب، وبإزائها مسجد يعرف بمسجد الحواريين، منبع هذه العين من حجر صلد من ثقب يسع فيه الإنسان، وينبعث منه بقوة عظيمة وقد بني له صهريج عليه دكاكين مبنية بالحجر الجليل، وعليه أقباء وقد بني فوقه مسجد عظيم، فإذا اجتمع ماء هذه العين الكبيرة والتي عند الجامع جاء منهما نهر كبير تطحن عليه أرحاء كثيرة، ويسقي نصف غابة قفصة ونصف أرضها ومزدرعاتها، والنصف الثاني من غابة قفصة يسقى من عين عظيمة خارج المدينة تسمى عين المنستير، وهي عين كبيرة معينة عذبة يخرج منها نهر كبير، وهذه العين من أحسن ما رئي من العيون، وهي في جانب النهر الكبير المسمى بوادي بايش (١) ، وهو يشق غابة قفصة ويسقي بعض بساتينها، وهو نهر كبير مشهور يأتي من جبال شرقي قفصة لكنه في أيام الصيف يقل جريانه ولا ينقطع، وأرض هذا الوادي كله تنشع ماء، وفيه تورد العرب إبلها تحفر فيه أحساء فيخرج ماء عذباً معينَاً. ولأهل قفصة في سقي جناتهم هندسة عظيمة وبرسام شديد وتدقيق حساب، يقول أهل قفصة: إذا رأيت قوماً يتخاصمون وقد علا بينهم الكلام فاعلم أنهم في أمر الماء، وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة في حجر من عمل الأول ترجمت فإذا هي: هذا بلد تحقيق وتدقيق وتدنيق. وكذلك ليس بإفريقية حريم أجمل من حريم قفصة، مع ملاحة أخلاقهم ورخامة منطقهم. ويسمون الماء الذي يخرج من المدينة فيسقي نصف جنّاتهم: الماء الداخل، ويسمون الماء الذي خارج المدينة وهو عين المنستير وماء وادي بايش (٢) : الماء الخارج، ولهم مياه غير هذه تسمى بالماء الصغير، وهي عيون كثيرة بقرب المدينة تسقي بعض جناتهم، وسقيهم بها بالساعات، فترى خدام تلك الجهة (٣) والبساتين أعرف بأوقات النهار إذا سألت رجلاً منهم لا يفقه شيئاً عما مضى من ساعات النهار وقف ونظر إلى الشمس واكتال بقدميه في موضع ظله ويقول لك: مضى كذا وكذا ساعة وكذا وكذا سدس ساعة. وأهل قفصة يتنافسون في المياه كلها ويتبايعون سقيها بأعلى ثمن، وأكثرهم يتكلم باللسان اللطيني الإفريقي. ومدينة (٤) قفصة مركز البلاد الدائرة بها. ولها غابة كبيرة، وقد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل في تكسير دائرتها نحو خمسة عشر ميلاً، فيها من المنازل التي تعرف بالقرى ثمانية عشر منزلاً، وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه سور الغابة، وفي ذلك السور أبواب عظيمة عليها أبراج مسكونة، يسمون تلك الأبواب: الدروب، وغابة قفصة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه التي ليس في الدنيا مثلها، فيها تفاح عجيب جليل ذكي الرائحة يسمونه السوسي (٤) لا يوجد في بلد مثله، وكذلك الرمان والاترج واللوز لا يوجد مثله في بلد، وفيها نوع من التمر يسمى الكسبا ليس في بلد مثله، وهو أكثر تمرهم، يكون في التمرة فتر، في جرم بيض الدجاج، تكاد تنفذها ببصرك لصفاء لونها ورقة بشرتها، وهم يجعلونه في ازيار، فإذا أخرجوه منها بقي في قعر الزير عسل ألذ من عسل النحل وأعظم وهم يصرفونه في طعامهم كما يصرف العسل، وتعمل منه الحلاوات. وقفصة أكثر البلاد فستقاً، وليس بافريقية فستق إلا فيها، ومنها يجلب إلى بلاد إفريقية وبلاد المغرب والأندلس ومصر، والذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل القفصي، فإن القفصي يكاد يكون في جرم اللوز، وهو إذا كان في شجرته أجمل شيء، فإنه يكون عناقيد مثل عناقيد العنب، وهو ذكي الرائحة لا يقدر أحد أن يسرق منه شيئاً لأنه تنم عليه رائحته. وفي بساتين (٦) قفصة من الرياحين كثير، مثل الآس والياسمين والنارنج والنرجس والسوسن والبنفسج وغير ذلك، ووردها أكثره أبيض، وماؤه أذكى ماء يكون للورد، يشبه الجوري الذي يجلب من بلاد مصر. وتصنع بقفصة أردية وطيالسة وعمائم من صوف في نهاية من الرقة تضاهي ثياب الشرب، وتصنع بها أواني للماء من خزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية من الرقة ليس يعلم لها نظير في جميع البلاد، ويصنع بها زجاج حسن وأواني حنتم عجيبة وأواني مذهبة غريبة، وهي حاضرة في جميع أمورها، وأهلها ذوو يسار، وفيهم خير كثير، ولهم صدقات، وهم يعظمون يوم عاشوراء تعظيماً كثيراً، وهو عندهم مثل الأعياد، ولهم فيه

стр. 495

صدقات وكسا للمساكين. وكانت مدينة قفصة أعظم بلاد إفريقية نظراً، كان حواليها نحو مائتي قصر آهلة عامرة فيها الأشجار والنخل والزيتون والفستق وجميع الأشجار، وفيها العيون والأنهار والآبار، تسمى قصور قفصة (١) . وكان يوسف (٢) بن عبد المؤمن ملك المغرب لما طلع إلى إفريقية نزل على قفصة فاستصعبت عليه، وذلك في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فحاصرها ونصب عليها آلة الحرب، وعمل للعجل الحاملة للآلات قلوعاً ضربتها الريح فمشتها، فرعب أهل قفصة واستأمنوه فأمنهم وقطع غابتها وزيتونها وأمر صاحبها علي بن الرند بالانتقال إلى مراكش، فانتقل إليها بجملته، فولاه على سلا إلى أن توفي. ثم نزل عليها (٣) ولده المنصور يعقوب بعد وقيعة عمرة، وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فأخذت المحلات بمخنقها، وتمادى الحصار والقتال عليها، ورماها بأحجار المنجنيق حتى حكم عليها فهدم سورها وحرقها بالنار، وقتل الناس المحكوم عليهم فيها ذبحاً، وقطع شجرها وغير بهجتها ونزع الحسن عنها، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر الشاعر من قصيدة له غراء: من لم يؤدبه تأديب الكتاب فما ... له بغير ذباب السيف تأديب إن الخلافة لا تشكو بمعضلة ... والحافظ الله والمنصور يعقوب مشمر البرد للحرب الزبون وقد ... ضفت عليه من التقوى جلابيب فالبيض منهن مسلول ومدخر ... والخيل منهن مركوب ومجنوب وليس يظفر بالغايات طالبها ... إلا إذا قرعت فيها الظنابيب للحرب جل مساعيه وما تركت ... منه الحروب تهادته المحاريب إذا كان عربد في الأعداء صارمه ... فإنه لِرَحيق الهام شرّيب قد حصحص الحق إن النصر يتبعه ... فكان من أنفس الكفّار تكذيب لقد عدتهم عن التوفيق شقوتهم ... إن الشقي على التوفيق مغلوب ما غرَّ قفصة إلا أنها اجترمت ... فلم يكن عند أهل الحلم تثريب ما بالها زار أمر الله حوزتها ... فلم يكن عندها أهل وترحيب توهمت أن أهل البغي تمنعها ... وقلما حَمتِ الشَّهْد اليعاسيب تلك البغيُّ التي خانت فحاق بها ... وبالزناة بها رجم وتعذيب ترمى المجانيق بالأحجار فضلة من ... رمتهمُ منهم الجرد السراحيب من كل ملمومة صماء حائمة ... على النفوس فتصعيد وتصويب يقول مبصرها في الجو صاعدة ... هذا بلاء على الكُفّار مصبوب تمهد الأمر في أكناف دولته ... حتى تألف فيها السخل والذيب وهي طويلة. قسطلة درّاج (٤) : قرية في غرب الأندلس، منها أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي (٥) ، ودرّاج هو الذي تُنْسَب إليه
следующие страницы →