← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يا ملك القندهار والطاق ... ووارث الملك عن دراداق ورثت آبائك الملوك علاً ... يسمو سمواً لعز شاساق حاموا وحاميت عن حريمهم ... فحزت بالقصر حوزة الطاق دانت ملوك الأنام للملك ال ... أبلج قسراً بكل آفاق وهذا الملك هو ملك الفيلة، يقال إن له عشرين ألف فيل بعضها ببعض، وليس ينزل المدائن لكثرة من معه إنما ينزل الفضاء في الخيام، وله سوق فيها من الفواجر ثلثمائة ألف فاجرة وأزيد بأحسن الثياب. قالوا (١) : وملوك الهند كلهم يرون الزنا وهو عندهم مباح ما خلا ملك قمار. قال بعضهم: دخلت قمار وأقمت بها نحواً من ستين يوماً، فلم أرَ ملكاً أغير منه ولا أشد في الأشربة منه، يُعاقِب على الزنا والشُرب بالقتل، وليس أحد من ملوك الهند يشرب الشراب ما خلا ملك سرنديب فإنه يشربها، تُنْقل إليه من بلاد المغرب. قصر ابن هبيرة (٢) : مدينة كبيرة على اثني عشر فرسخاً من بغداد لمن أخذ طريق الكوفة، وهي عامرة ذات أسواق وعمارات، وكانت أعمر البلاد التي في نواحي السواد وأوفرها أموالاً وأكثرها نفعاً وهي على غلوة من الفرات. وكان يزيد (٣) بن عمر بن هبيرة بناه في أيام مروان بن الحَكَم، وهو يومئذ عامل مروان على العراق، وأراد التبعد عن الكوفة. وهي مدينة عامرة جليلة ينزلها العمال والولاة، وأهلها أخلاط من الناس، وهي على نهر يأخذ من الفرات يقال له الصراة، وبين قصر ابن هبيرة وبين معظم الفرات مقدار ميلين. وحكى المبرد (٤) أن ابن هبيرة كان يوماً في أعلى قصره، فرأى أعرابياً يرقصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا الأعرابي فأدخله عليّ، فلما وصل أدخله الحاجب عليه فأنشده: أصلحك الله قلَّ ما بيدي ... ولا أطيق العيال إذ كثروا ألحّ دهر أنحى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فأخذته الأريحية فقال: أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتى تعود إليهم غانماً، وأمر له بألف دينار وزوّده (٥) على بعيره. قصر أبي دانس (٦) : بغربي الأندلس، فيه كانت الوقيعة على المسلمين للروم في سنة أربع عشرة وستمائة، وأعانهم أهل الأشبونة وغيرها من مملكة ابن الرنق، فأخذوا في نقب الأرض تحت الحصن إلى أن أفضوا إلى السور (٧) ، وأفضى الناس إلى الهلكة، وبلغ الأمر إلى الولاة الذين في غرب الأندلس: اشبيلية وقُرطُبة وجيان فتجهزوا لدفاع العدو، وجاء منهم جيش عظيم لكنهم تخاذلوا على عادتهم، فكانت الهزيمة عليهم وولوا منهزمين، ووقع القتل والأسر ولم يبرز للمسلمين من الروم إلا نحو سبعين فارساً، ورأى أهل الحصن ذلك فأيقنوا بالتغلب عليهم. قصر الافريقي (٨) : مدينة عند تيفاش من إفريقية، وهي مدينة جامعة على شرف من الأرض ذات مسارح ومزارع كثيرة، وفيها الحنطة والشعير. قصريانة (٩) : من أعظم مدائن الروم بصقلية وأكثرها جمعاً فتحها العباس بن يزيد بن الفضل بن يعقوب بن المضا العامل بصقلية لأبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب القيروان، وكان العباس وجه سرية إلى بعض النواحي فغنموا وأخذوا أعلاجاً

стр. 492

ثم قدموا واحداً منهم ليقتلوه فقال لهم: لا تقتلوني فإن لأميركم عندي نصيحة، فأرادوه على أن يعلمهم بها فلم يفعل، فأتوا به العباس فقال له: تعطيني الأمان على نفسي وأهلي وأدلك على موضع تفتح منه قصريانة، فأدخله العباس في بيت وأغلق عليه ثم نادى في أصحابه بالركوب ومضى وجعل العلج بين يديه في يوم مطير وثلج، والناس لا يعلمون أين يريد، فمضى حتى قرب من قصريانة فنزل، فلما غشيهم الليل نزل حتى صار إلى قرب المدينة، فوجه نائبه في رَجْلٍ كثير ووجه معه العلج، وأقام هو في خيله ورجله على باب المدينة، فمضى نائبه مع العلج حتى أتى به إلى قناة يخرج منها ماء المدينة فأدخل منها الرجال ودخل معهم، حتى أتى بهم العلج إلى باب الحصن، وأهله في غفلة، فوضعوا السيف على الحرس فقتلوهم، وسمع أهل المدينة الصياح فأتوا من كل ناحية إلى باب الحصن، فلم يزل المسلمون يضاربونهم على الباب حتى فتحوه وكبّر المسلمون خارج الباب ودخلوا المدينة، وهرب الروم، ودخل الناس فافترقوا في المدينة يقتلون ويغنمون حتى أخذوا كل ما فيها وأحرقوها، ولم يكن للروم في تلك النواحي أكبر منها ولا أوسع ولا أكثر قمحاً، وكان فتحها في شوال سنة أربع وأربعين ومائتين، وبعث أبو إبراهيم بالفتح رسولاً إلى المتوكل معه هدايا شريفة، وخيار ما سبى من وصيف ووصيفة. قصر مصمودة (١) : حصن كبير بينه وبين سبتة اثنا عشر ميلاً، وهو على ضفة البحر تنشأ به المراكب والحرارق التي يسافر بها إلى بلاد الأندلس وهو على رأس المجاز الأقرب إلى ديار الأندلس، وبين قصر مصمودة وطنجة عشرون ميلاً. قصر ابن عبد الكريم (٢) : مدينة صغيرة بينها وبين مكناسة في جهة المغرب ثلاث مراحل، ويسكنه قوم من البربر وهو على نهر لكسّ (٣) ، وبينه وبين البحر نحو أربعين ميلاً في أرض كلها رمل، ولها مزارع وخصب وصيود برَ وبحر وبه سوق عامرة وجمل صناعات، والرخاء شامل وبينه وبين طنجة يومان. قصر الفلوس (٤) : مدينة كبيرة في المغرب الأوسط، هي مرسى للمراكب، فيها آثار للأول كثيرة تدل على أنها كانت دار مملكة، وهي اليوم خراب، وفيها ماء مجلوب على قناطر بأغرب ما يكون من البناء القديم. القصر القديم (٥) : عند القيروان أسسه إبراهيم بن الأغلب سنة أربع وثمانين ومائتين، وصار دار أمراء بني الأغلب، وهو في قبلة القيروان وعلى ثلاثة أميال منها، وبه جامع له صومعة مستديرة مبنية بالآجر والعمد سبع طبقات، لم يبن أحكم منها ولا أحسن منظراً وبه حمّامات كثيرة وفنادق وأسواق جمة ومواجل الماء وإذا قحطت القيروان وفقد الماء في مواجلها انتقلوا الماء (٦) من مدينة القصر. وكان لها من الأبواب: باب الرحبة قبلي، وباب الحديد قبلي، وباب غلبون شرقي، وباب الريح شرقي، وباب السعادة غربي يقابل المقبرة الكبيرة، وداخل المدينة رحبة كبيرة واسعة تعرف بالمدائن، وتجاور مدينة القصر بنية (٧) تعرف بالرصافة، ولمّا بنى إبراهيم بن الأغلب مدينة القصر وانتقل إليها، خربت (٨) دار الإمارة التي كانت بالقيروان بقبليّ الجامع منه. قصر سعد (٩) : بجزيرة صقلية على فرسخ من المدينة، وهو على ساحل البحر وحوله قبور كثيرة للمسلمين، وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان، وبإزائه عين وداخله مساكن وبيوت منتظمة، وهو كامل مرافق السكنى وفي أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا مفروش بحصر نظيفة (١٠) ، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلاً من أنواع الزجاج والصفْر، وفي أسفل القصر بئر عذبة وله إمام يصلي بهم الفريضة والتراويح في رمضان، وبمقربة من هذا القصر بنحو ميل إلى جهة المدينة قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر، وداخله ساقية تفور بماء عذب. القصر (١١) : مدينة بالأندلس بينها وبين شلب أربع مراحل،

стр. 493

وهي مدينة حسنة متوسطة وعلى ضفة النهر الكبير، وهو نهر تصعد منه السفن السفرية، وفيما استدار بها من الأرض كلها شجر الصنوبر وبها الإنشاء الكثير، وهي خصيبة كثيرة الألبان والسمن والعسل واللحم، وبين القصر والبحر عشرون ميلاً. قصر هرمز (١) : بمدينة من أعمال الشيرجان وهي مدينة كرمان، بها مسجد جامع من بناء يعقوب بن الليث متين البناء جداً بأساطين الساج، وهي قصبة عظيمة، وهي على البحر الأعظم، وبها أشجار النخيل والسدر والموز وشجر يقال له الانبجي يشبه شجر التفاح، وثمره يشبه ثمر الأجاص الأبيض، وله نوى في صورة نوى الخوخ، ورائحته ذكية عطرة، وإذا مصصته جذبت ما فيه وبقي الجلد والنوى، وبها شجر الصبار وهو التمر الهندي، والغالب على غياضها شجر القرظ وأم غيلان والقصب، وهو جنس من النخل لا يؤكل لأنه لا لحم له وله نوى مستدير صلب، يثقب وتتخذ منه السبح، ويتخذون من سعفه الحصر، وله ليف رقيق يشبه خيوط الابريسم، وبناؤهم كله بالساج وخشب يقال له الزنجي لا ينبت بها غير هذين الصنفين لأن الأرضة تأتي على سائر الخشب، وأبوابها كلها ساج، ولا يمكن أن يفرش على الأرض في شيء من المدينة فرش ولا حصير ولا غيرها، فإن الأرضة تخرج من تحتها في يومين فتأتي عليها، وقعودهم ومقامهم إنما هو على الأسرة المنسوجة بالشريط، فأما الأغنياء فأسرتهم من أبنوس وساج منسوج بالخيزران ولباس أهلها أزر وميازر من كتان، غنيهم وفقيرهم وخبزهم من الذرة ولهم حنطة وشعير يبيعونها ولا يأكلونها. ذو القصة (٢) : على بريد من المدينة أخرج إليه رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁. قعيقعان (٣) : جبل بأعلى مكّة نزل به مضاض بن عمرو ومن معه من جُرْهم، فكان يعشر من دخل مكة من أعلاها. قالوا: وسمي قعيقعان لأن مضاض بن عمرو لما سار إلى السميدع معه كتيبة فيها عدتها من الرماح والدرق والسيوف تقعقع بذلك فسمي بذلك قعيقعان، والقصة طويلة. القُفّ (٤) : واد من أودية المدينة، وكان رجل من الأنصار يصلي في حائط له بالقف في زمان التمر والنخل قد ذللت قطوفه بثمرها، فنظر فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلّى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى عثمان بن عفّان ﵁، وهو يومئذ خليفة، فذكر له ذلك وقال إنه صدقة فاجعله في سبيل الخير، فباعه عثمان ﵁ بخمسين ألفاً، فسمي ذلك المال الخمسين. قفط (٥) : مدينة بالديار المصرية متوسطة المقدار أولية، لها سور وبينها وبين قوص أربعة أميال، وبها بربى، وبقربها شَعْراء كثيفة، وهي متباعدة من النيل، وفيها مزارع كثيرة البقول، وصابونها معروف النظافة وأهلها شيعة، وهي مدينة جامعة متحضرة، وبها أخلاط من الناس، وفيها بعض بقايا الروم. قفصة (٦) : مدينة من البلاد الجريدية، بينها وبين تقيوس مرحلة وهي كبيرة قديمة أزلية، كان عليها سور صخر جليل بأحكم صناعة جديد العمل في مرأى العين، يقال إن الذي بناه شيبان غلام النمرود بن كنعان، وكان اسمه منقوشاً على باب من أبوابها، وكان لها أربعة أبواب، وكان اسم قفصة مدينة الحنية، لأن فيها بنياناً قديماً مثل الحنية، فكانت تسمى بها، وهي متوسطة بين القيروان وقابس، وفي داخلها عيون كثيرة منها عينان كبيرتان معينتان، وليس لهما نظير في عذوبة مائهما وصفائه وكثرته، إحداهما عند باب الجامع تسمى بالراتب الكبير (٧) ، وهي عين عظيمة مبنية بالصخر الجليل من بنيان الأول سعتها نحو أربعين ذراعاً في مثلها، وفوقها عين أصغر منها تسمى رأس العين، وبينهما قنطرة من بنيان الأول ولا شك أن ماءهما واحد، وماء هذه العين شديد الصفاء يرى قعر العين من أعلاها، وفيها الماء نحو سبع قيم،

стр. 494

والعين الأُخرى تحت قصر قفصة تسمى بالطرميد عليها بناء عجيب، وبإزائها مسجد يعرف بمسجد الحواريين، منبع هذه العين من حجر صلد من ثقب يسع فيه الإنسان، وينبعث منه بقوة عظيمة وقد بني له صهريج عليه دكاكين مبنية بالحجر الجليل، وعليه أقباء وقد بني فوقه مسجد عظيم، فإذا اجتمع ماء هذه العين الكبيرة والتي عند الجامع جاء منهما نهر كبير تطحن عليه أرحاء كثيرة، ويسقي نصف غابة قفصة ونصف أرضها ومزدرعاتها، والنصف الثاني من غابة قفصة يسقى من عين عظيمة خارج المدينة تسمى عين المنستير، وهي عين كبيرة معينة عذبة يخرج منها نهر كبير، وهذه العين من أحسن ما رئي من العيون، وهي في جانب النهر الكبير المسمى بوادي بايش (١) ، وهو يشق غابة قفصة ويسقي بعض بساتينها، وهو نهر كبير مشهور يأتي من جبال شرقي قفصة لكنه في أيام الصيف يقل جريانه ولا ينقطع، وأرض هذا الوادي كله تنشع ماء، وفيه تورد العرب إبلها تحفر فيه أحساء فيخرج ماء عذباً معينَاً. ولأهل قفصة في سقي جناتهم هندسة عظيمة وبرسام شديد وتدقيق حساب، يقول أهل قفصة: إذا رأيت قوماً يتخاصمون وقد علا بينهم الكلام فاعلم أنهم في أمر الماء، وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة في حجر من عمل الأول ترجمت فإذا هي: هذا بلد تحقيق وتدقيق وتدنيق. وكذلك ليس بإفريقية حريم أجمل من حريم قفصة، مع ملاحة أخلاقهم ورخامة منطقهم. ويسمون الماء الذي يخرج من المدينة فيسقي نصف جنّاتهم: الماء الداخل، ويسمون الماء الذي خارج المدينة وهو عين المنستير وماء وادي بايش (٢) : الماء الخارج، ولهم مياه غير هذه تسمى بالماء الصغير، وهي عيون كثيرة بقرب المدينة تسقي بعض جناتهم، وسقيهم بها بالساعات، فترى خدام تلك الجهة (٣) والبساتين أعرف بأوقات النهار إذا سألت رجلاً منهم لا يفقه شيئاً عما مضى من ساعات النهار وقف ونظر إلى الشمس واكتال بقدميه في موضع ظله ويقول لك: مضى كذا وكذا ساعة وكذا وكذا سدس ساعة. وأهل قفصة يتنافسون في المياه كلها ويتبايعون سقيها بأعلى ثمن، وأكثرهم يتكلم باللسان اللطيني الإفريقي. ومدينة (٤) قفصة مركز البلاد الدائرة بها. ولها غابة كبيرة، وقد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل في تكسير دائرتها نحو خمسة عشر ميلاً، فيها من المنازل التي تعرف بالقرى ثمانية عشر منزلاً، وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه سور الغابة، وفي ذلك السور أبواب عظيمة عليها أبراج مسكونة، يسمون تلك الأبواب: الدروب، وغابة قفصة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه التي ليس في الدنيا مثلها، فيها تفاح عجيب جليل ذكي الرائحة يسمونه السوسي (٤) لا يوجد في بلد مثله، وكذلك الرمان والاترج واللوز لا يوجد مثله في بلد، وفيها نوع من التمر يسمى الكسبا ليس في بلد مثله، وهو أكثر تمرهم، يكون في التمرة فتر، في جرم بيض الدجاج، تكاد تنفذها ببصرك لصفاء لونها ورقة بشرتها، وهم يجعلونه في ازيار، فإذا أخرجوه منها بقي في قعر الزير عسل ألذ من عسل النحل وأعظم وهم يصرفونه في طعامهم كما يصرف العسل، وتعمل منه الحلاوات. وقفصة أكثر البلاد فستقاً، وليس بافريقية فستق إلا فيها، ومنها يجلب إلى بلاد إفريقية وبلاد المغرب والأندلس ومصر، والذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل القفصي، فإن القفصي يكاد يكون في جرم اللوز، وهو إذا كان في شجرته أجمل شيء، فإنه يكون عناقيد مثل عناقيد العنب، وهو ذكي الرائحة لا يقدر أحد أن يسرق منه شيئاً لأنه تنم عليه رائحته. وفي بساتين (٦) قفصة من الرياحين كثير، مثل الآس والياسمين والنارنج والنرجس والسوسن والبنفسج وغير ذلك، ووردها أكثره أبيض، وماؤه أذكى ماء يكون للورد، يشبه الجوري الذي يجلب من بلاد مصر. وتصنع بقفصة أردية وطيالسة وعمائم من صوف في نهاية من الرقة تضاهي ثياب الشرب، وتصنع بها أواني للماء من خزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية من الرقة ليس يعلم لها نظير في جميع البلاد، ويصنع بها زجاج حسن وأواني حنتم عجيبة وأواني مذهبة غريبة، وهي حاضرة في جميع أمورها، وأهلها ذوو يسار، وفيهم خير كثير، ولهم صدقات، وهم يعظمون يوم عاشوراء تعظيماً كثيراً، وهو عندهم مثل الأعياد، ولهم فيه

стр. 495

صدقات وكسا للمساكين. وكانت مدينة قفصة أعظم بلاد إفريقية نظراً، كان حواليها نحو مائتي قصر آهلة عامرة فيها الأشجار والنخل والزيتون والفستق وجميع الأشجار، وفيها العيون والأنهار والآبار، تسمى قصور قفصة (١) . وكان يوسف (٢) بن عبد المؤمن ملك المغرب لما طلع إلى إفريقية نزل على قفصة فاستصعبت عليه، وذلك في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فحاصرها ونصب عليها آلة الحرب، وعمل للعجل الحاملة للآلات قلوعاً ضربتها الريح فمشتها، فرعب أهل قفصة واستأمنوه فأمنهم وقطع غابتها وزيتونها وأمر صاحبها علي بن الرند بالانتقال إلى مراكش، فانتقل إليها بجملته، فولاه على سلا إلى أن توفي. ثم نزل عليها (٣) ولده المنصور يعقوب بعد وقيعة عمرة، وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فأخذت المحلات بمخنقها، وتمادى الحصار والقتال عليها، ورماها بأحجار المنجنيق حتى حكم عليها فهدم سورها وحرقها بالنار، وقتل الناس المحكوم عليهم فيها ذبحاً، وقطع شجرها وغير بهجتها ونزع الحسن عنها، وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر الشاعر من قصيدة له غراء: من لم يؤدبه تأديب الكتاب فما ... له بغير ذباب السيف تأديب إن الخلافة لا تشكو بمعضلة ... والحافظ الله والمنصور يعقوب مشمر البرد للحرب الزبون وقد ... ضفت عليه من التقوى جلابيب فالبيض منهن مسلول ومدخر ... والخيل منهن مركوب ومجنوب وليس يظفر بالغايات طالبها ... إلا إذا قرعت فيها الظنابيب للحرب جل مساعيه وما تركت ... منه الحروب تهادته المحاريب إذا كان عربد في الأعداء صارمه ... فإنه لِرَحيق الهام شرّيب قد حصحص الحق إن النصر يتبعه ... فكان من أنفس الكفّار تكذيب لقد عدتهم عن التوفيق شقوتهم ... إن الشقي على التوفيق مغلوب ما غرَّ قفصة إلا أنها اجترمت ... فلم يكن عند أهل الحلم تثريب ما بالها زار أمر الله حوزتها ... فلم يكن عندها أهل وترحيب توهمت أن أهل البغي تمنعها ... وقلما حَمتِ الشَّهْد اليعاسيب تلك البغيُّ التي خانت فحاق بها ... وبالزناة بها رجم وتعذيب ترمى المجانيق بالأحجار فضلة من ... رمتهمُ منهم الجرد السراحيب من كل ملمومة صماء حائمة ... على النفوس فتصعيد وتصويب يقول مبصرها في الجو صاعدة ... هذا بلاء على الكُفّار مصبوب تمهد الأمر في أكناف دولته ... حتى تألف فيها السخل والذيب وهي طويلة. قسطلة درّاج (٤) : قرية في غرب الأندلس، منها أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي (٥) ، ودرّاج هو الذي تُنْسَب إليه

стр. 496

القرية فيقال: قسطلة درّاج، وكان أبو عمر هذا كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر، وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء، واختبر واقترح عليه فبرز وسبق، فمن قوله يصف السوسن ويمدح الحاجب المظفر سيف الدولة عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر (١) : إن كان وجه الربيع مبتسماً ... فالسوسن المجتلى ثناياه يا حسنه بين ضاحك عبق ... بطيب ريح الحبيب رياه خاف عليه العيون عاشقه ... فاشتقَّ من خدِّهِ فسمّاه وهو إذا مغرم تنسَّمه ... خلى على الأنْفِ منه سيماه يا حاجباً مُذْ براه خالقه ... تَوَّجه بالعلى وحلاه إذا رآه الزمان مبتهجاً ... فقد رأى كلَّ ما تمنّاه وإنْ رآه الهلالُ مطّلعاً ... يقول ربي وربك الله مات قريباً من العشرين والأربعمائة (٢) : قُس الناطف (٣) : موضع معروف بالعراق، والقاف مضمومة، وبقُس الناطف كانت أول وقعة بين المسلمين وبين فارس، وكان على المسلمين يومئذ أبو عبيد الثقفي أبو المختار، فقتل أبو عبيد في جماعة من المسلمين وخلق من الأنصار وأبنائهم وهو يوم الجسر وقد تقدّم ذكره في حرف الجيم، وفي ذلك يقول حسّان: لقد عظمت فينا الرزية أننا ... جلاد على ريب الحوادث والدهرِ على الجسر قتلى لهف نفسي عليهمُ ... فوا حزناً ماذا لقينا على الجسر فأمّا القَسّ (٤) بفتح القاف، فموضع بمصر تُنْسَب إليه الثياب القسية. قسطيلية (٥) : اسم لعمل البلاد الجريدية وهي بلاد واسعة ومدن عديدة بها النخل والزيتون، من مدنها: توزر والحمة وتقيوس، ومدينتها العظمى توزر، وبها ينزل العمال، وجباية قسطيلية مائتا ألف دينار وأهلها يستطيبون لحوم الكلاب ويسمنونها في بساتينهم ويطعمونها التمر ويأكلونها، وأضاف أحدهم ضيفاً فأطعمه لحماً استطابه واستحسنه، فسأله عنه فقال: هو لحم جرو مسمَّن. ولا يعرف وراء قسطيلية عمران ولا حيوان إلا الفنك، إنما هي رمال وأرضون سوّاخة، وهم يقولون إن قوماً أرادوا معرفة ما وراء بلادهم، فأعدوا الأزواد وذهبوا في تلك الرمال أياماً فلم يروا أثراً لعمران، وهلك أكثرهم في تلك الرمال. قسنطينة (٦) : من مشاهير بلاد إفريقية، بين تيجس وميلة، وهي مدينة أولية كبيرة آهلة فيها آثار للأول، كثيرة الخصب رخيصة السعر، على نظر واسع وقرى عامرة، وكان لها ماء مجلوب يأتيها على بعد على قناطر بقرب من قناطر قرطاجنة، وفيها مواجل عظام مثل التي في قرطاجنة. وبها أسواق وتجار، وأهلها مياسير ذوو أحوال وأموال ومعاملات للعرب، وأصحاب حنطة تقيم في مطاميرها مائة سنة لا تفسد والعسل بها والسمن كثير ويتجهز بها إلى سائر البلاد. وقسنطينة حصينة في غاية المنعة والحصانة لا يعلم بإفريقية

стр. 497

أمنع منها، بل ليس لها نظير إلا مدينة رندة بالأندلس، فإنها تشبهها في وضعها والخندق المحيط بها والحافات المحدقة بها شبهاً كثيراً، لكن هذه القسنطينة أعظم وأكبر وأعلى، فإنها على جبل عظيم من حجر صلد، قد شقَّ الله تعالى ذلك الجبل فصار فيه خندق عظيم يدور بالمدينة من ثلاثة جوانب، ونهرها الكبير يدخل على ذلك الخندق ويدور بالمدينة فيسمع لجريانه في ذلك الخندق دوي عظيم هائل وصوت مفزع، وقد عقد الأولون على هذا الجبل قنطرة عظيمة طبقات بعضها فوق بعض، وعليها الدخول إلى باب المدينة، وهي متصلة بالباب، وقد بني على طرف القنطرة مما يلي باب المدينة بيت على أقباء يسميه أهل المدينة العبور يعنون الشعرى، لأنه معلق في جوّ السماء، فإذا كنت في وسط هذه القنطرة تعبر إلى الضفة الثانية تظن أنك تطير في الهواء، وترى ماء النهر الكبير في قعر ذلك الخندق البعيد المهوى مثل الجدول الصغير، وهذه المدينة من إحدى عجائب العالم، وهي على نظر واسع كما قلناه، ولها بساتين كثيرة الفواكه، لكنها شديدة البرد والثلوج كثيرة الرياح لعلوها وارتفاعها، وأقرب ما لها من مراسي البحر مرسى القل. قالوا: وهي على قطعة جبل منقطع مربع، فيه بعض الاستدارة لا يوصل إليه من مكان إلا من جهة باب بغربيها ليس بكبير المنعة (١) ، وهناك مقابر أهلها، ومع المقابر بناء قديم من بناء الأول، وبه قصر تهدم أكثره، وهو دار ملعب من بناء الروم ويحيط بقسنطينة الوادي من جميع جهاتها كالعقد، وليس بها من داخلها سور يعلو أكثر من نصف قامة، ولها بابان: باب ميلة من المغرب، وباب القنطرة في الشرق، والقنطرة من أعجب البنيان لأن علوها يزيد على مائة ذراع، وهي من بناء الروم، قسيّ عليها قسي، عددها في سعة الوادي خمس، والماء يدخل على ثلاث منها مما يلي جانب المغرب، وهي كما قلناه قوس على قوس، فالقوس الأولى يجري فيها الماء أسفل الوادي، والقوس الأخرى فوقها وعلى ظَهرها المشي والجواز إلى البر الثاني، وباقي القوسين اللتين من جهة المدينة مفردتان على الجبل، وبين القوس والقوس أرجل تدفع مضرة الماء ومصادمته (٢) عند حملة سيوله، وعلى رقاب الأرجل قسي فارغة صغار ربما زاد الماء في بعض الأوقات فعلا الأرجل ومرّ في تلك الفرجات، وهي من أعجب ما رئي من البناء وليس في المدينة كلها دار كبيرة ولا صغيرة إلا وعتبة (٣) بابها حجر واحد، وكذلك عضادات جميع الأبواب، وبناؤها بالتراب وأرضها حجر صلد، وفي كل دار مطمورتان وثلاث وأربع نقراً في الحجر تبقى الحنطة فيها لبردها واعتدال هوائها، وواديها يأتي من جهة الجنوب ليحيط بها من غربيها ويمر شرقاً مع دائر المدينة ويستدير في جهة الشمال إلى أن يصب في البحر في غربي وادي سهر. والقسنطيية من أحصن بلاد الدنيا، وهي مطلة على فحوص ومزارع والحنطة والشعير ممتدة في جميع جهاتها، ولها في داخل المدينة ومع سورها مسقى يستقون منه ويتصرفون منه في أوقات حصارها متى طرقها عدوّ، وبين قسنطينة وبجاية ستة أيام، أربعة منها إلى جيجل، ومن جيجل إلى بجاية خمسون ميلاً. القسطنطينية (٤) : كانت رومة في القديم دار مملكة الروم نزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكاً، ثمِ ملك بها قسطنطين الأكبر ثم انتقل إلى بزنطية وبنى عليها سوراً وسماها القسطنطينية، وقد كان اسمها طوانة ثم نسبت إلى قسطنطين، وبينها وبين عمورية ستون ميلاً في قرى وعمارات. وخليجها المشهور بها هو الداخل من بحر الشام الواقع في البحيرة التي تتصل بالقسطنطينية، وإلى ذلك الخليج يصل التجار المختلفون من العراق والشام وغيرهما إلى القسطنطينية ويعبرونه في السفن إلى العدوة الثانية، وهو الذي عبر فيه رسول معاوية بن أبي سفيان حين وجهه للاحتيال على البطريق الذي لطم وجه الرجل المسلم في الحكاية المشهورة. ومدينة القسطنطينية (٥) ثلاث نواحي: ناحيتان منها في البحر الأعظم مما يلي القبلة والمشرق والمغرب، والناحية الثالثة (٦)

стр. 498

مما يلي البر وفيه باب الذهب، وهي التي تلي الشمال، وطولها من الباب الشرقي إلى الباب الغربي ثمانية وعشرون ميلاً، ولها حيطان من حجارة، وبينهما فضاء تسعون ذراعاً، وعرض السور الداخل اثنتا عشرة ذراعاً، وسمكه اثنتان وسبعون ذراعاً، وعرض السور الخارج ثمان أذرع، وسمكه اثنتان وأربعون ذراعاً وفيما بين السورين نهر يسمى قسطنطيانوس، وهو مغطى ببلاط نحاس، طول كل بلاطة ست وأربعون ذراعاً وعدة ما فيه من البلاطات اثنتان وأربعون ألف بلاطة، وعمق النهر اثنتان وأربعون ذراعاً، وفيما بين باب الذهب، وهو باب مضبب بالحديد، أعمدة بالذهب، وطوله إحدى وعشرون ذراعاً، وبين باب الملك اثنا عشر ميلاً ولها من الأبواب نحو مائة باب أكبرها باب الذهب، وليس يدرى مثلها في الكبر قطر إلا قطر رومة. وبها القصر (١) الشائع ذكره شماخة بناء واتساع قطر وحسن ترتيب، وفيه البذرون (٢) الذي يتوصل منه إلى القصر، وهو من عجائب الدنيا فإنه ملعب وزقاق يمشى فيه بين سطرين من صور مفرغة من النحاس البديع الصناعات، منها على صور الأدميين وضروب الخيل والسباع إلى ما سوى ذلك من الأشكال، وبالقصر وبما دار به ضروب من العجائب المصنوعات، ودون الخليج من جهة بلاد الأرمن أحد عشر عملاً. ودور قصر الملك فرسخ يحيط به سور منيف، وله ثلاثة أبواب، والذي يظهر يوم الشعانين من صلب الذهب أحد وعشرون ألف صليب، ومن صلب الحديد والنحاس المنقوشة المموهة بالذهب عشرة آلاف ومائتان، ومن المصاحف التي تقرأ في الكنيسة، رقومها من ذهب مكتوبة بالذهب والفضة، ستة آلاف وأربعمائة، وفيها من الشمامسة ومن تجري عليه الأرزاق ثمانية وأربعون ألفاً لا ينقص عددهم، كلما مات أحدهم أقاموا مكانه آخر، ووضع قسطنطين في أعلى هذه الكنيسة آلة مطلسمة، وهو زرزور من نحاس إذا كان وقت الزيتون حشر إليها كل زرزور هناك، فيأتيها الزرزور بثلاث زيتونات اثنتان في مخلبيه وثالثة في منقاره فيضعها عنده ثم ينصرف غادياً، ولا يزال ذلك دأبه طوال أمد الزيتون. فإذا أراد (٣) الملك الخروج إلى هذه الكنيسة العظمى فرش له في طريقه من باب القصر إلى الكنيسة حصر، من فوق الحصر ضروب الرياحين الطيبة، وتزين دور المدينة يمنة ويسرة بالديباج وضروب ثياب الحرير، ثم يخرج بين يديه عشرة آلاف شيخ مشاة، عليهم كلهم ديباج أبيض، ثم يخرج بعدهم عشرة آلاف خادم، عليهم ديباج لون السماء، في أيديهم الطبرزينات الملبسة بالذهب، ثم يخرج بعد ذلك خمسة آلاف من فتيان الصقالبة عليهم ملحم خُراساني أبيض، بأيديهم كلهم صلبان الذهب، ثم يخرج من بعدهم عشرة آلاف غلام أتراك وخزر، عليهم أقبية مذهبة، وبأيديهم رماح وأترسة ملبسة بالذهب، ثم يخرج بعدهم مائة بطريق، عليهم ثياب منسوجة بالذهب، في يد كل واحد منهم قضيب من ذهب ثم يخرج مائة غلام عليهم ثياب مشهورة مرصعة باللؤلؤ، يحملون تابوتاً من ذهب، فيه كسوة الملك لصلاته، ثم يخرج رجل بين يديه يسكت الناس، ثم يخرج شيخ بيده طشت وإبريق من ذهب مرصعان بالدر والياقوت، ثم يخرج الملك ماشياً وعليه ثياب من ابريسم منسوجة بالجوهر كلها، وخفه مرصع بالدر والياقوت، وفي يد الملك حقة من ذهب فيها تراب، فكلما خطا خطوتين يقول له الوزير بلسانهم كلاماً معناه: اذكر الموت والبلى، فإذا قال له ذلك وقف الملك وفتح الحق ونزل إلى التراب وقبَله وبكى، يسير كذلك حتى ينتهي إلى باب الكنيسة فيقدم الرجل الطشت والإبريق، فيغسل الملك يده ويقول للوزير: إني بريء من دماء الناس كلهم والله لا يسألني عن دمائهم وإني قد جعلتها في عنقك، ويخلع ثيابه التي عليه على وزيره ويقول له: دن بالحق، ويأمر فيدار به على أسواق القسطنطينية، ويقال له: دن بالحق، كما قال له الملك. ويلبس الملك الثياب التي يدخل بها الكنيسة ويأمر بإدخال أسارى المسلمين الكنيسة، فينظرون إلى تلك الزينة فينادون: أطال الله بقاء الملك سنين كثيرة، ويقولون ذلك ثلاث مرات. ويساق خلف الملك ثلاثة من الخيل تقاد، وقال بعضهم: إنها لا تكون إلا شهباً، ويقال إنها من نسل خيل كانت للإسكندر توارثها ملوك اليونانية وملوك الروم لما غلبوا على المملكة، عليها سروج قرابيسها من الزمرد الأخضر والياقوت الأحمر، وتلك السروج وألبابها وما اتصل بها مرصع من الحجارة وأجلتها من الديباج المرصع بالدر والياقوت، فيدخلونها الكنيسة

стр. 499

ولها بها لجام معلق، وهم يقولون إن دابة منها متى أخذت تلك اللجام في فمها ظفروا ببلاد الإسلام، تجيء الدابة منها فتشم اللجام ثم تقهقر ولا تقدم عليه، ويقال إنها من نسل دواب كانت لاوقنطاب (١) ويحملون بين يدي الملك سيوفاً عشرة تنسب إلى الإسكندر، طول كل سيف ثمانية أشبار، وهي مرصعة كلها بنفس الحجارة، فإذا انقضت نواميس شرعهم عاد الملك على الهيئة الأولى إلى قصره. قالوا: ولما أكمل قسطنطين بناء هذه الكنيسة العظمى ورفع فيها الصلبان كتب بذلك إلى جميع البلدان، فبهذا السبب صار عيد الصليب، وهو لأربع عشرة ليلة تمضي من أيلول. وبمدينة القسطنطينية (٢) طلسمات كثيرة منها أنه إذا نزل القواد والحشم في قصر الملك على ظهر خيلهم بقيت الخيل ساكنة واقفة غير متحركة دون سائس ولا ممسك بأعنتها، ولا تنفح ولا ترمح بل تقف كذلك بحالها جامدة غير حية، فسئل بعض أهلها عن ذلك، فذهب بالسائل إلى ثلاثة تماثيل من صفر على صفة الأفراس، أحدها ناظر إلى باب الملك وهي من عمل بلونيوس الحكيم وعلى باب الملك أربع حيات من صفر أذنابها في أفواهها، طلسمات الحيات، فيعبث الصبي هناك بالحية، فلا تضره، ومما يلي باب الذهب من المدينة قناطير معقودة في وسط السوق فيها صنمان على صور الأناسي أحدها يشير كأنّه يقول: هات، والآخر يشير بيده كأنه يقول: اصبر ساعة فيؤتى بالأسارى فيقعدون بين يدي الصنمين ينتظر بهم الفرج، ويذهب رسول يعلم الملك ذلك، فإن رجع الرسول وهم وقوف ذهب بهم إلى السجن، وإن وافاهم الرسول وقد جوز بهم (٣) الصنمين قُتِلوا ولم يبق عليهم. وكان مسلمة بن عبد الملك غزا قسطنطينية، وفي حديث مسلم (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ أخبر بأن القسطنطينية تفتح في آخر زمان، فبينا هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خالفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل. . . الحديث إلى آخره. قشتالة (٥) : عمل من الأعمال الأندلسية قاعدته قشتالة، سمي العمل بها، وقالوا: ما خلف الجبل المسمى الشارات في جهة الجنوب يسمى اشبانيا، وما خلف الجبل من جهة الشمال يسمى قشتالة، ولبعضهم: الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والعرب تأخذ ما يفيء المغرمُ (٦) والمال يورد كله قشتالة ... فالله يلطف بالعباد ويرحم قشمير (٧) : مدينة مشهورة في بلاد الهند أو السند في طاعة القنوج، ومنها إلى كارموت أربع مراحل: وهي كورة حسنة كثيرة التجارات، وهي على نهر كبير يمد نهر مسلي، ونهر مسلي هو النهر المسمى نهر الطيب، تنبت بضفتي هذا النهر أنواع الطيب وبذلك سمي. وأهلها يحاربون كافر ترك. ومملكة صاحب (٨) قشمير نحو من ستين ألفاً بين مدينة وقرية، وقد أحاط بها جبال شواهق لا يتسلق منها الوحش ولا شيء من الحيوان الدابّ، ولا يوصل إلى مملكته إلا على موضع واحد، وهو يغلق على جميعها باباً واحداً، وهو أحد عجائب الدنيا، وهو مشهور معروف، وقاعدته بوره، وهو ملك القنوج (٩) ومملكته نحو من مائة وعشرين فرسخاً سندية، الفرسخ من ثمانية أميال، وله جيوش أربعة كل جيش من سبعمائة ألف على مهاب الرياح الأربع يحارب بالشمالي صاحب المولتان، وبالجنوبي البلهرى، وبالشرقي والغربي من يليه أيضاً، وله ألفا فيل مقاتلة.

стр. 500

قو (١) : واد بالعقيق، عقيق بني عقيل، وقال امرؤ القيس (٢) : قونيه (٣) : في طريق عمورية إلى انطالية، وبينها وبين اللاذقية يوم، وقونية مدينة حسنة: وبها تفترق الطرق إلى انطالية وغيرها. وفي سنة (٤) ست عشرة وستمائة خرج طاغية قونية بالجموع العظيمة إلى الشام، فعاد في الحال التي قتلته كمداً في هذه السنة، فدافعه الأشرف بن العادل، فانكسر العدو واتبعهم الأشرف بجنده وعرب الشام والجزيرة، فامتلأت أيديهم، وقويت قلوب أهل البلاد الإسلامية، فمنعوا منهم الميرة وصاروا الفلاحون يسبونهم ويسمعونهم القبائح، ووصل إلى العدو أصحابه الذين أسلموا القلاع التي كان جعلهم فيها حين أخذها فجمعهم في دار وأحرقها عليهم فهلكوا عن آخرهم ومات على اثر ذلك. قوقانا (٥) : جبل في بلاد الأتراك، وهو الجبل الذي يلي يأجوج ومأجوج، وهو جبل قائم الجهات لا يصعد منه إلى شيء البتة، وان صعد لم يتوصل إلى قنته لكثرة الثلج المنعقد فيه وأنه لا ينحل منه أبداً، ولأن على هذا الجبل ضباباً (٦) أبد الدهر كله لا ينجلي عنه ولا يزول، وهذا الجبل عليه من بلاد يأجوج ومأجوج مدن كثيرة، وفي هذا الجبل أفاع كثيرة وحيات عظام تأوي إلى مهاو فيه وجميعها مؤذ، يمنع أذاها من الصعود إلى أعلى الجبل، ولو رام أحد الصعود إلى أعلاه ما أمكنه ذلك في يومين، وربما تعلق بهذا الجبل النادر من الناس فيرقى ليرى ما في أعلاه وما خلفه فلا يرجع ولا يمكن رجوعه إما لعدوان الحيوان عليه أو لقبض الأمم التي خلف الجبل على من طرأ عليهم من سائر الأمم، وربما رجع الشاذ من الناس فيخبر أنه رأى في تلك الأرض التي خلف الجبل نيراناً كثيرة، وأما بالنهار فلا يرى شيئاً إلا ضباباً وسراباً مختلطاً متصلاً. وهذا الجبل (٧) في بلاد اذكش، وهم صنف من الأتراك عراض الوجوه كبار الرؤوس شعورهم كثيرة، وأعينهم براقة، وكلامهم منفرد بذاته، وعبادتهم النيران وسائر الأنوار، وفي شمال أرضهم جبل يسمى جبل مرعان، طوله من المغرب إلى المشرق نحو ثمان عشرة مرحلة. وفي وسط هذا الجبل موضع عال كالقبة مستدير في وسطه بركة ماء لا يعرف عمقها ولا يسقط فيها شيء إلا ابتلعته فلا يرى، ولا يقدر أحد من الناس على العوم فيها، ولا شيء من الحيوان وإن وضع فيها الخشب ابتلعته. وفي أسفله، مما يلي الجنوب ويقابل أسفل تلك البركة، مغارة يسمع فيها دوي هائل يعلو مرة ويقل أخرى لا يعلم ما هو ذلك الصوت، وإن تقدم إلى فم المغارة حيوان من قبالته فلا يرى، ويذكر أنه يخرج من تلك المغارة ريح تجتذب المعترض لذلك، وخبر هذه المغارة مشهور في تلك الأرض يتحدث به في سائر أرض الترك. وفي جنوب (٨) أرض الأذكش بحيرة تسمى بحيرة تهامة، دورها مائتان وخمسون ميلاً وماؤها شديد الخضرة ذكي النشر عذب الطعم جداً يوجد فيه سمك عريض مرقش بكل لون، يذكر الأتراك أنه أجل علاج يستعمل للباه وأنه أقوى من السقنقور والصيادون يعرفونه في هذه البحيرة، لأن الصائد إذا أرسل شبكته وأخذ هذا السمك وجد ذكره قائماً ولا يزال بتلك الحال ما دامت السمكة في شبكته وفي يده، فإذا أرسلها عن يده سكن ما يجده من الانعاظ وفي وسط هذه البحيرة أرض كالجزيرة وطية ثرية جيدة التربة كثيرة العشب أبداً، والأتراك يجوزون مواشيهم إلى هذه الجزيرة فيقيمون بها أيام الربيع كله، وفي هذه الجزيرة التي في وسط هذه البحيرة بئر محفورة لا يوجد لها قعر وليس بها ماء. قوص (٩) : مدينة كبيرة في البلاد المصرية في الجهة الشرقية من النيل وهي كبيرة بها منبر وأسواق جامعة وتجارات ودخل وخرج، والمسافر إليها كثير، والبضاعات نافقة والمكاسب رائجة والبركات ظاهرة، وشرب أهلها من ماء النيل، وبها بقول طيبة وضروب من الفواكه ولحوم مسدفة (١٠) حسنة المنظر لذيذة المأكل، ولكثرة نعمها

стр. 501

كان هواؤها وبياً وأهلها مصفرة ألوانهم، وقل ما دخلها غريب فسلم من المرض إلا نادراً. وهي أزلية (١) قديمة فيها آثار كثيرة للأوائل، وبينها وبين أسوان غيران منحوتة في جبال منها قبور الأموات لا يعلم لها عهد تستخرج منها المومياء الطبية، وهم يجدونها في رممهم وبين أكفانهم. ويقال إن في تلك الصحراء التي بين قوص وأسوان معادن الذهب، غير أن البجاة وهم جنس من الحبشة تمنع منه، وبلادهم ما بين بحر القلزم وبين مصر، وتسكن عندهم جماعة من العرب من ربيعة بسبب هذا المعدن، ويتصل ببلادهم معدن الزمرد (٢) الفائق الذي ليس له مثل بمعمور الأرض، وهو بموضع يعرف بالخربة في مغارة وجبال محمية بالبجاة، وإليهم يؤدي الخفارة من يرد لحفر الزمرد. وبين هذا الموضع والنيل أكثر من عشرين مرحلة، وبين هذا المعدن والعمران مسيرة تسعة (٣) أيام، ولا يعرف معدن للزمرد غيره إلا ببلاد البلهرى من أرض الهند (٤) ، ولا يلحق بهذا، والهندي هو الذي يعرف بالمكي لأنه يحمل إلى عدن فيؤتى به مكة، فاشتهر بهذا الاسم. والزمرد الذي يقطع من الخربة أربعة أنواع: أعلاها المعروف بالمرو، وهو كثير المائية تشبه خضرته خضرة السلق إلا أنه يضرب إلى السواد، والثاني البحري، وهو في لون ورق الآس، وإنما غلب عليه اسم البحري لأن ملوك الهند والسند والصين يرغبون فيه ويفضلونه على غيره من الزمرد، والثالث يعرف بالمغربي، لأن ملوك المغرب والأفرنج والأندلس والجلالقة وغيرهم يتنافسون فيه، والصنف الرابع المسمى بالأصم وهو أدناها وأقلها غناء لقلة مائيته وخضرته وكثرة دكونته، وأكبر حجارة الزمرد الفائق يبلغ وزن العدسة منه عشرة دنانير، وهذا المعدن قد انهارت غيرانه وتهدمت لبعد العمارة عنه وانقطاع الناس. ولا خلاف عند جميع من يقرب من موضع ذلك المعدن أن الحيات والأفاعي وسائر أنواع الحيوان المسموم لا تقرب هذا المعدن ولا خدمته. وقيل إن هذه الحيوانات إذا أبصرت الزمرد الفائق سالت عيونها، وإن الملسوع إن سقي منه وزن دانقين برئ بإذن الله تعالى، وكانت ملوك اليونانيين أرباب الحكمة تفضله على جميع الأحجار، وأهل الحكمة يقولون إن شعاع الزمرد وخضرته تقوى بزيادة القمر، ولله في خلقه أسرار خفية. قورية (٥) : بالأندلس، قريبة من ماردة، بينها وبين قنطرة السيف مرحلتان. ولها سور منيع (٦) ، وهي أولية البناء واسعة الفناء، من أحصن المعاقل وأحسن المنازل، ولها بواد شريفة خصيبة وضياع طيبة وأصناف من الفواكه كثيرة، وأكثرها العنب والتين. قومس (٧) : عمل مفرد بين الري وخراسان، ومدنه: بسطام وسمنان والدامغان، وقومس بلد جليل القدر واسع، واسم المدينة الدامغان، وهي أول مدن خراسان، فتحها عبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاثين، وأهلها قوم عجم، وهم أحذق قوم بعمل أكسية الصوف البيض القومسية الرفيعة. وفي ثمان وعشرين ومائة غلب أبو مسلم صاحب الدعوة على ناحية قومس وجرجان. وكان عمر (٨) ﵁ كتب إلى نعيم بن مقرن حين أعلمه بفتح الري: أن قدم سويد بن مقرن إلى قومس، ففصل إليه سويد من الري فلم يقم له أحد، فأخذها سلماً وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز فدعاهم إلى الصلح وإلى الجزية، وكتب لهم بذلك كتاباً. قوهستان (٩) : من كور نيسابور. قوصرة (١٠) : جزيرة تلي مدينة مازر من صقلية بينهما مجرى، وهي في شرقي جزيرة مليطمة، وهي من جزيرة الراهب بين جنوب

стр. 502

وشرق وتوازي الشاقة ومازر، وبينهما مجرى، وكذلك من قوصرة إلى بر إفريقية مجرى. وجزيرة قوصرة ترى من مدينة مازر، وترى أيضاً من اقليبيا من بر إفريقية، لأن هذه الجزيرة جبل مشرف عال جداً، ولها مرسى من جانب الشمال، وهي مقطع للخشب الجيد، ويحمل منه إلى صقلية، وفيها معز برية تصاد هناك كثيراً، وهي مكمن للغزاة من المسلمين والروم، وكانت فيها للمسلمين على الروم أيام صمصام الدولة وقيعة مجحفة ومقتلة عظيمة، وهي جزيرة صغيرة خصيبة فيها آثار وأشجار ولها من جهة الجنوب مرسى مأمون يكن من رياح كثيرة. قويق (١) : نهر حلب، وينبعث من قرية تدعى سنياب (٢) على سبعة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب ثمانية عشر ميلاً. ثم يفيض في الأجمة ويدخل منه إلى البلد في قناة تجري في الشوارع والأسواق والديار، ومنه شرب أهل المدينة، ثم يمر إلى مدينة قنسرين عشرين ميلاً، فمن مخرجه إلى مغيضه اثنان وأربعون ميلاً. وقويق هو المذكور في شعر المعري (٣) في قوله يذم إبله حين اشتاقت إلى قويق حيث أوطانها على حقارته وأعرضت عن مجتمع المياه الكثيرة والأنهار الواسعة حين كونها ببغداد، فقال يعني إبله: تمنت قويقاً والصراة حيالها ... تراب لها من أينق وجمال قيسارية: مدينة بالشام على ساحل البحر كبيرة عظيمة لها ربع عامر وحصن منيع، بينها وبين يافا ثلاثون ميلاً وكانت من أمنع مدن فلسطين، افتتحها معاوية في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فيها الكروم والبساتين وماؤها من العيون، ومنها تسقى كرومهم. وفي سنة سبع ومائة افتتح مسلمة بن عبد الملك مدينة قيسارية عنوة (٥) . وتخرج منها (٦) فتسير في رمال مقدار ثمانية فراسخ حتى تنتهي إلى مدينة صور. القيروان (٧) : هي قاعدة البلاد الإفريقية وأم مدائنها، وكانت أعظم مدن المغرب نظراً، وأكثرها بشراً، وأيسرها أموالاً، وأوسعها أحوالاً، وأربحها تجارة، وأكثرها جباية، والغالب على فضلائهم التمسك بالخير والوفاء بالعهد واجتناب المحارم والتفنن في العلوم، ثم سلط الله تعالى عليها العرب، وتوالت الجوائح عليها حتى لم يبق منها إلا أطلال دارسة وآثار طامسة، ولم يبق الآن منها سوى حيز قليل عليه سور تراب، واستولت العرب عليها، فهم يقبضون جبايتها، ويقال إنها ستعود إلى عمارتها. ومياهها قليلة، وشرب أهلها من الماجل الكبير الذي بها، وهو عجيب البناء على تربيع، وفي وسطه بناء قائم كالصومعة ذرع كل وجه منها مائتا ذراع. وكانت القيروان مدينتين: القيروان وصبرة. ولما افتنحت (٨) إفريقية في زمن معاوية ﵁ على يد عقبة بن نافع القرشي رحمة الله عليه في سنة خمسين، وكان وجهه إليها في عشرة آلاف من المسلمين، فوضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى وقال: إني أرى إفريقية إذا دخلها إمام تحرموا بالإسلام، وإذا خرج عنها رجع كل من أجاب منهم عن دين الله ، فهل لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا مدينة تكون لكم عزاً للأبد فأجابه الناس، واتفقوا على أن يكون أهلها مرابطين فيها وقالوا: نقربها من البحر ليتم الجهاد والرباط، فقال لهم عقبة: أخاف من ملك القسطنطينية فاتفق رأيهم على موضعها فقال: قربوها من السبخة، فإن أكثر دوابكم الإبل، تكون إبلكم على بابها في مراعيها آمنة من البربر، فدعا ما كان في الغيضة من الوحوش والهوام وقال: اخرجوا بإذن الله تعالى، فخرج كل ما كان فيها حتى

стр. 503

لم يبق من الحيوانات شيء، وهم ينظرون إليها، وبقيت القيروان أربعين سنة لم ير فيها خشاش ولا هوام، فكان عقبة بن نافع أول من اختط القيروان (١) ، وأقطع مساكنها ودورها للناس وبنى مسجدها، وتنازعوا في قبلة الجامع، فبات عقبة مغموماً، فرأى في المنام قائلاً يقول له: خذ اللواء بيدك فحيث ما سمعت التكبير فامش، فإذا انقطع التكبير فاركز اللواء فإنه موضع قبلتكم، ففعل عقبة ذلك، فهو موضع القبلة، وهو محراب جامع القيروان إلى اليوم. وقد هدم حسان بن النعمان جامع القيروان وبناه حاشا المحراب فإنه تركه، ويقال إنه هدم وبني نحو ثلاث مرات، كل وال يلي القيروان يريد أن يكون الجامع من بنيانه، وكانوا يتركون المحراب تبركاً ببناء عقبة، وكان مستجاب الدعوة ويقال له: عقبة المستجاب، وهو المقتول بتهودة على يدي البربر، ويقال إنه لما أراد معد بن إسماعيل الشيعي تحريف قبلة مسجد القيروان سنة خمس وأربعين وثلثمائة، بلغه أن أهل القيروان يقولون: إن الله يمنعه بدعاء عقبة، فلما وصل ذلك إلى معد غضب، وأمر بنبش قبر عقبة بن نافع وإحراق رمته بالنار، وكان قبره بظاهر تهودة حيث استشهد، وبعث معد لذلك خمسمائة فارس وراجل، فلما دنوا من قبره وحاولوا ما أمرهم به هبت عليهم ريح عاصفة ولاحت بروق خاطفة وقعقعت رعود قاصفة كادت تهلكهم، فانصرفوا ولم يعرضوا له، فخافوا عقوبة معد فتاهوا في صحارى إفريقية حتى سمعوا أنه هلك، فحينئذ رجعوا إلى أوطانهم مستبصرين. وبازاء محراب جامع القيروان الساريتان المشهورتان الحمراوان المشوبتان بالصفرة اللتان لم ير الراءون أحسن منهما ولا مثلهما، كانتا في كنيسة من كنائس الروم فنقلهما إلى جامع القيروان حسان بن النعمان، وهما يقابلان المحراب، عليهما القبة المتصلة بالمحراب. وروي أن صاحب القسطنطينية بذل له فيهما قبل نقلهما إلى الجامع زنتهما ذهباً فآثروا الجامع بهما. وخارج (٢) مدينة القيروان خمسة عشر ماجلاً للماء هي سقايات لأهل القيروان، منها ما بني في أيام هشام بن عبد الملك بن مروان وفي أيام غيره من الخلفاء، وأعظمها شأناً وأفخمها منصباً الماجل الذي بناه أحمد بن الأغلب بباب تونس من القيروان، وهو مستدير متناهي الكبر، وفي وسطه صومعة مثمنة، وفي أعلاها قبة مفتحة على أربعة أبواب، فإذا وقف الرامي على ضفته ورمى بأشد ما يكون من القسي لا يدرك الصومعة التي في وسطه، وكان على ذلك الماجل قصر عظيم فيه من البناء العجيب والغرف المشرفة على ذلك الماجل كل شيء غريب، وبجوفي هذا الماجل ماجل لطيف متصل به يقع فيه ماء الوادي إذا جرى، فتنكسر فيه حدة جريانه، ثم يدخل الماء الماجل الكبير، وهذا الوادي الذي يدخل الماجل إنما هو واد شتوي يجري في أيام الشتاء، فإذا امتلأ هذا الماجل وغيره من المواجل شرب منه أهل القيروان ومواشيهم، ويرفع ماء هذا الماجل الكبير إلى أيام الصيف فيكون ماؤه بارداً عذباً صافياً كثير الماء، وكان عبيد الله الشيعي يقول: رأيت بإفريقية شيئين ما رأيت مثلهما في المشرق، الحفير الذي بباب تونس من القيروان، يعني هذا الماجل الكبير، والقصر الذي برقادة المعروف بقصر البحر. وكان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب لما طلع إلى إفريقية دخل القيروان ووصل لجامعها وطاف على مشاهدها ومزاراتها، ووقف على هذا الماجل معجباً به، وجمع القبائل والأجناد لإخراج ترابه، فرغب أهل القيروان إليه في تركه خيفة من ورود العرب عليه عند جفوف (٣) الهواء فتركه، وفي هذا الماجل يقول الشاعر (٤) : وبالجملة فمدينة القيروان دار ملك المغرب، ورأت من الممالك والملوك والدول والفقهاء والعلماء والصالحين ما لم يكن مثله في قطر من الأرض ثم محنت بالعرب والفتن، وخلت من الناس وذهبت نضرتها ومحاسنها، وبسط أخبارها يطول فلنقتصر على هذا القدر.

стр. 504

قيجاطة (١) : مدينة بالأندلس من عمل جيان، كان عبد الله المعروف بالبياسي من بني عبد المؤمن لما نازعه العادل ونزل عليه في بياسة فلم يقدر عليه ورجع عنه خائباً، استدعى البياسي النصارى فسلم لهم بياسة وأخرج منها المسلمين، وسار مع الفنش ليأخذ معاقل الإسلام باسمه، فدخل قيجاطة هذه بالسيف وقتل العدو فيها خلقاً وأسر آخرين، وكان حديثها شنيعاً تنفر منه الأسماع والقلوب، ثم سار إلى لوشة من عمل غرناطة، فقاتل أهلها وقاتلوه وأسمعوه ما غاظه، فسلط عليهم النصارى ففتكوا فيهم أشد الفتك، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة فدخلها بعد شدة، وذلك مذكور في حرف الباء، وكان ذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. القيارة (٢) : موضع على مقربة من دجلة وبالجانب الشرقي منها وعن يمين الطريق إلى الموصل، فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها السبخة، قد أنبط الله تعالى فيها عيوناً صغاراً وكباراً تنبع بالقار، وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنه الغليان، وتصنع له أحواض يجتمع فيها، فتراه شبه الصلصال منبسطاً على الأرض أسود أملس صقيلاً رطباً عطر الرائحة شديد التعلك، يلتصق بالإصبع لأول مباشرة من اللمس، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق تقذفه إلى جوانبها فيرسب قاراً، وبمقربة من هذه العيون على شط دجلة عين أخرى كبيرة تبصر على البعد منها دخاناً قيل إن النار تشعل فيه فتنشف النار رطوبته المائية وتعقده، فيقطعونه قطراناً ويحملونه وهم يعم جميع هذه البلاد إلى الشام، إلى عكا، إلى جميع البلاد البحرية. قيشاطة (٣) : حصن بالأندلس كالمدينة، بينه وبين شوذر اثنا عشر ميلاً وفي قيشاطة أسواق وربض عامر وفنادق، وعليه جبل يقطع به من الخشب الذي تخرط منه القصاع والأطباق وغير ذلك مما يعم بلاد الأندلس وأكثر بلاد المغرب، وهذا الجبل يتصل ببسطة، وبين جيان وهذا الحصن مرحلتان. القيس (٤) : مدينة بصعيد مصر تعمل بها الثياب القيسية وأكسية الصوف الجياد، وهي على ضفة النيل وبغربيه، وهي مدينة قديمة حسنة البناء جميلة الجهات فيها قصب السكر وأنواع التمور والخيرات الكثيرة، وبينها وبين منية ابن الخصيب مقدار نصف يوم. قمنورية (٥) : أرض قمنورية متصلة بالبحر المظلم، ويتصل بشرقيها صحراء عليها طريق تجار أهل أغمات وسجلماسة ودرعة والنول الأقصى إلى بلاد غانة وما اتصل بها، وكانت بأرض قمنورية مدن للسودان مشهورة وقواعد مذكورة، فطلبها لمتونة الصحراء الساكنون من جهتي هذه الأرض حتى أفنوا أكثر أهلها وقطعوا دابرهم وبددوا شملهم على البلاد، وأهل بلاد قمنورية يذكر التجار أنهم يهود، وفي معتقدهم تشويش وليسوا بشيء ولا على شيء، ولا ملك لهم ولا ملك عليهم، بل هم ممحونون من جميع الطوائف المجاورة لهم، ولم يبق من أهل قمنورية إلا قوم قلائل معروفون (٦) في تلك الصحارى وبمقربة من الساحل، عيشهم الألبان والحوت، وهم في نكد من نكد العيش وضيق الحال، فهم ينتقلون في تلك الأرض مع مهادنة من جاورهم، وبين قمنورية وسلى وتكرور مسيرة خمسة أيام. قيطون بياضة (٧) على ثلاثة مراحل من قفصة، وبينها وبين نفطة مرحلة، وإلى توزر مرحلة، وإلى نفزاوة مرحلة.

стр. 505

حرف الكاف كابل (١) : من ثغور خراسان، وقيل في بلاد الترك، وقيل من مدن الهند المجاورة لبلاد طخارستان، غزاها مجاشع بن مسعود فصالحه الأصبهبذ، فدخل مجاشع بيت أصنامهم فأخذ جوهرة كبيرة من أفضلها، فأصابه في منصرفه الثلج فماتوا إلا رجلين، فزعم الأصبهبذ أن الصنم فعل ذلك بهم، وقال جرير: غلبت أمه أباه عليه ... فهو كالكابلي أشبه خاله يعني يزيد بن المهلب، وكانت أمه من سبي كابل فلذلك نسبه لكابل. وزعم قوم أن أهل كابل مخصوصون من بين سائر ولد آدم بأذناب تكون لهم، ولذلك قال الشاعر: أذنابنا ترفع قمصاننا ... من خلفنا كالخشب الشائل وكابل (٢) مدينة جليلة المقدار حسنة البنية، وبجبالها عود جليل، وبها النارجيل والإهليلج الكابلي المنسوب إليها، وينبت في جبالها ويزرع في أباطحها بصل الزعفران ويتجهز به منها إلى ما جاورها من البلاد، وهي من غر البلاد وأحسنها هواء، وبها حصن موصوف لا يوجد الصعود إليه إلا من طريق واحد وفيها مسلمون كثيرون، ولها ربض فيه اليهود، ولا يتم لأحد من ملوكهم ملك إلا بمدينة كابل، وان كان الوالي على بعد فلا بد من المسير إلى كابل حتى تعقد له الشاهية بالملك. وتقع بها الثلوج. وكابل في نحر الهند، ولها أسوار ومنعة، ولها ربض عامر خارج المدينة. والقصد إليها (٣) من الآفاق القريبة والبعيدة ويزرع بسواد أرضها النيلج الذي لا يوجد نظيره في سائر البلاد كثرة وطيباً، ويحمل منها إلى كل الآفاق، ويتجهز أيضاً من كابل بثياب تصنع من القطن حسان تحمل إلى الصين وتخرج إلى بلاد خراسان، وقد يسافر بها إلى الهند وأعمالها ويتصرف بها كثيراً وفي جبال كابل معادن حديد، ولها قلاع وقرى وعمارات متصلة. كاشغرا (٤) : مدينة من بلاد الصين عامرة كثيرة الخيرات فيها متاجر وبضائع، وهي على نهر صغير يأتي إليها من جهة شمالها من جبل قيطغورا (٥) ، وفيه معادن فضة طيبة فائقة في الجودة سهلة التخليص من خبثها.

стр. 506

كازرون (١) : من ديار فارس، وهي على البحر، بينها وبين فسا ستة وخمسون ميلاً وهي حسنة لها سور وحصن وأبواب خشب وحديد، ولها قلعة داخلها حصينة وربض عامر فيه أسواق ومتاجر وصناعات، وبها فواكه وخير كثير. الكثيبة (٢) : حصن من حصون خيبر، وكان رسول الله ﷺ لما غزا خيبر حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكثيبة وجميع حصونهم إلا الوطيح والسلالم، فحاصرهما، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل، فلما سمع أهل فدك بذلك بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، ثم سأله أهل خيبر أن يتركهم بها عمالاً يعملونها على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم ففعل، على أنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين، وفدك خالصة لرسول الله ﷺ . كحلان (٣) : قلعة من مخاليف اليمن كان أسعد بن أبي يعفر صاحبها فيما تقدم، وكان محتجباً عن أعين الناس إلا عن خواصه، وهو بقية من ملوك حمير، وحوله من الجنود نحو خمسين ألفاً، وكانت له مع القرامطة بعد سنة مائتين وتسعين (٤) حروب معروفة (٥) . الكديد (٦) : بفتح أوله وكسر ثانيه، موضع بين مكة والمدينة بين منزلتي أمج وعسفان، وهو ماء عين جارية عليها نخل كثير، وفي الخبر أن رسول الله ﷺ صام حتى إذا بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحداث فالأحداث من أمره ﷺ . وبالكديد قتل نبيشة بن حبيب السلمي ربيعة بن مكدم. كداء (٧) : بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، جبل بمكة، وهو عرفة بعينها وهي كلها موقف إلا عرنة فليست من الحرم، بينها وبين الحرم رمية حجر وقال حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء وفي البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد ﵁ أن يدخل يوم الفتح من أعلى مكة من كداء، ودخل رسول الله ﷺ من كدي، بضم أوله وتنوين ثانيه مقصور كأنه جمع كدية، وكدى بأسفل مكة بقرب شعب الشافعيين وشعب ابن الزبير عند قعيقعان. حلق رسول الله ﷺ في حجة الوداع من ذي طوى إلى كداء، وحلق من كدى إلى المحصب، فكأنه ضرب دائرة في دخوله وخروجه، بات بذي طوى ثم نهض إلى أعلى مكة فدخل منها من كداء، وفي خروجه خرج من أسفل مكة ثم رجع إلى المحصب. وأما كدي مصغر فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء وكان دخول النبي ﷺ من كداء وخروجه من كدى في حجة الوداع. وقال الشاعر (٨) : أقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكدي فالركن فالبطحاء كربلاء (٩) : بفتح أوله وإسكان ثانيه ممدود، موضع بالعراق من ناحية الكوفة فيه قتل الحسين بن علي ﵄، قال كثير (١٠) : فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء وهناك الطف أيضاً، وقد تقدم ذكره. الكرخ (١١) : بتسكين الراء وبالخاء المعجمة من فوق، ببغداد،

стр. 507

وهو اسم نبطي، وهو مدينة صغيرة عامرة بشرقي دجلة، وهي في الجانب الغربي من بغداد، ومعروف الكرخي الزاهد من هذا الموضع قالوا: الكرخ هو السوق العظمى مادة من قصر وضاح إلى سوق الثلاثاء طولاً مقدار فرسخين، ومن قطيعة الربيع إلى دجلة عرضها مقدار فرسخين (١) . والكرخ (٢) أيضاً بسر من رأى، ويمكن أن يكون سمي بكرخ بغداد، ولأحمد بن محمد بن الوكيل الكرخي: كد كد العبد إن أحبب ... ت أن تحسب حرا واقطع الآمال عن وص ... ل بني آدم طرا لا تقل ذا مكسب يز ... ري ففضل الناس أزرى أنت ما استغنيت عن مث ... لك أعلى الناس قدرا الكرج (٣) : بفتح الكاف والراء المفتوحة وبالجيم المعجمة، أول حصن من معاقل الجبل فمن همذان إلى نهاوند مرحلتان ومن نهاوند إلى الكرج مرحلتان ولم تكن في أيام الأعاجم مدينة مشهورة، وإنما كانت في عداد القرى العظام، وهذا الحصن هو حصن أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي (٤) أحد أكابر قواد المأمون وهو الذي قال فيه مادحه (٥) : إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على اثره كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره فقال له المأمون: قد جعلنا نستعير المكارم منك، فقال: يا أمير المؤمنين قول زور وكلام غرور، أصدق منه ابن أخت لي حيث يقول: دعيني أجوب الأرض في طلب الغنى ... فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم كرمان (٦) : أرض كرمان متصلة بأرض فارس وبأرض مكران. قالوا: وهي ثمانون فرسخاً في مثلها، وحدها في الشرق أرض مكران وفي الغرب أرض فارس، وفي الشمال مفازة خراسان وسجستان وفي الجنوب بحر فارس. ومدينة كرمان (٧) الشيرجان، وهي التي ينزلها الوالي، وبني سورها أيام الرشيد، ولها ثمانية أبواب، أحدها باب بهياباد وهو باب الميدان ويخرج منه إلى درب وسكك حتى ينتهي إلى مصلى حاجب إلى دار المرضى ثم إلى الدروب المعروفة بباب بيمند وهو باب المغرب، وخارج هذا الدرب قصر خراب يعرف بقصر حاجب بن صالح، وكان سبب بنيانه أنه أول ما قدم كرمان حاجب بن صالح على ولايتها قصد دار عبد الله بن غسان فنزلها، وعبد الله بن غسان غائب، فصار إليه الأدهم بن ثعلبة المازني مع اثني عشر ابناً له كهولاً ومشايخ، فلما سلم عليه فاتحه بأن قال: أيها الأمير أما تستحيي أن تنزل بنسوة أشراف وصاحبهن غائب؟ فأجابه حاجب وقال مغضباً بأي شيء يأمرنا الشيخ أن ننزل؟ قال: بالعراء، قال حاجب لجلسائه: ليس العجب من هذا الشيخ الخرف، ولكن العجب من هؤلاء المشايخ الذين يمشون معه، قالوا أيها الأمير إنهم ولده، فرده وقال: أيها الشيخ حق لك أن تزهى نعم وكرامة أنزل بالعراء، فأمر بضرب قبابه في مصلى حاجب، وما زال نازلاً بالجبانة إلى أن بني له هذا القصر وفرغ منه ثم تحول إليه. وبالشيرجان (٨) التي هي مدينة كرمان الدواوين، وبها أسواق

стр. 508

كثيرة عامرة بالناس، وأهلها مياسير ذوو أموال كثيرة، وشرب أهلها من الآبار، وهي أكبر مدينة بكرمان، وفي أهلها عفة وخير ظاهر وفي تجارهم حسن معاملة وانقياد للحق، ولهم نزاهة عن كثير من أخلاق السوقة. وذكر أن السامري صاحب موسى ﵇ من كرمان، وفي نساء كرمان جمال لا يبلغه شيء. وكان فيها (١) أيام استعمال الحجاج سعيد بن سلم قاضياً عليها علجة يقال لها اردك (٢) وكانت من أجمل النساء بغياً يبيت عندها الرجل بجملة من المال، فبلغ سعيداً خبرها فأرسل إليها فجيء بها، فلما رآها قال: يا عدوة الله، فتنت فتيان البلد وأفسدتهم، ثم قال: اكشفي عن رأسك، فكشفت عن شعر جثل يضرب إلى عجيزتها، ثم قال: ألقي درعك، فألقته وقامت عريانة في أزار، فرأى ما حيره وذهب بعقله، ثم لم يملك نفسه حتى جعل يطعن باصبعه في عكنها، ثم قال: يا عدوة الله أدبري، فأدبرت، فنظر إلى ظهر فيه كماء الجدول (٣) ، على كفل كأريك خز حشوها قز ثم قال: أقبلي فأقبلت بصدر نقي وبطن ذي عكن وأحشاء لطيفة وكعثب كالقعب المكبوب يشرق بياضه وحسنه، فافتتن بها لما رأى من جمالها وكمالها، فوثب إليها فما بارحها حتى أولجه فيها، فقال عرفجة بن شريك في ذلك: ما بال أردك إذ تمشي مؤزرة ... في البيت يا ابن قتيل العين ذا العلق اجرية تبتغي منها (٤) فتعجلها ... أو بعض ما يعتري الجاني من الشبق فلما بلغ الحجاج قول سعيد وقول الشاعر قال: بل بعض ما يعتري الجاني من الشبق وصرف سعيداً. قال أصحاب المغازي (٥) : قصد سهيل بن عدي إلى كرمان ولحقه عبد الله بن عبد الله (٦) بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل النسير بن عمرو العجلي، وقد حشد له أهل كرمان واستعانوا بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففضهم الله تعالى، فأخذوا عليه بالطريق وقتل النسير مرزبانها، ودخل سهيل من قبل طريق القرى إلى جيرفت وعبد الله بن عبد الله من مفازة أخرى فأصابوا ما شاءوا من بعير وشاة، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر رض الله عنه فأجابهم: إن البعير العربي إنما قوم ببعير (٧) اللحم وذلك مثله، فإذا رأيتم أن للبخت فضلاً فزيدوا. وذكر المدائني أن الذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما فأراد أن يفعل فقيل لعمر ﵁ إنهما رستاقان عظيمان فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان. وفي خبر البلاذري (٨) أن عثمان بن أبي العاصي لقي مرزبانها في جزيرة ابركاوان وهو في خف فقتله، فوهن أمر كرمان ونخبت قلوبهم فلما صار ابن عامر بأمر عمر بن الخطاب ﵁ إلى فارس وجه مجاشع بن مسعود السلمي إلى كرمان في طلب يزدجرد، فأتى بيمند فهلك جيشه بها ثم لما توجه ابن عامر يريد خراسان ولى مجاشعاً كرمان ففتح بيمند عنوة فاستبقى أهلها وأعطاهم أماناً، وبها قصر يعرف بقصر مجاشع، وأتى مجاشع الشيرجان، وهي مدينة كرمان فأقام عليها أياماً يسيرة، وأهلها متحصنون وقد خرجت لهم خيل، فقاتلهم ففتحها عنوة وخلف بها رجلاً ثم إن كثيراً من أهلها جلوا عنها وقد كان أبو موسى الأشعري وجه الربيع بن زياد ففتح ما حول الشيرجان وصالح أهل بم، فكفر أهلها وغدروا، ففتحها مجاشع بن مسعود وفتح جيرفت عنوة، وسار في كرمان فدوخها وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وبسجستان، فأقطع العرب منازلهم وأرضهم فعمروها وولي قطن بن قبيصة بن مخارق فارس وكرمان، وهو الذي انتهى إلى نهر فلم يقدر أصحابه على إجازته فقال: من جازه فله ألف درهم، فجازوه فوفى لهم، فكان ذلك أول يوم سميت فيه الجائزة.

стр. 509

وكان أبوه قبيصة من أصحاب النبي ﷺ (١) . وسميت (٢) كرمان بكرمان بن فلوج من ولد لمطي (٣) بن يافث بن نوح ﵇. كرماله (٤) : حصن من حصون أوغة من بلاد الافرنج الساحلية مشرقاً، فيه أعجوبة وهي صورة امرأة من حجر قد نبتت في فيها كرمة مطعمة، من أكل من عنبها شيئاً لم يولد له أبداً ويزعمون أن شنت مرتين مر على هذا الحصن فخرجت عليه امرأة فاجرة زوجة رجل سلاب كان بها فجردته من ثيابه، وطاع لها بها حتى بلغت منه نزع السراويل فدعا عليها دعوة مسخت من حينها حجراً وأدخلت زرجونة في فمها على سبيل العبث بها فعلقت. كركنت (٥) : مدينة بجزيرة صقلية، وهي متحضرة عامرة بالوارد والصادر ولها قلعة سامية حصينة، ومدينتها حسنة زاهية قديمة العمران وهي من أعظم الحصون مقصودة من سائر الآفاق وبها أسواق جامعة لأصناف الصنائع وضروب المتاجر، وبها حدائق وجنات وغلات والبحر منها على ثلاثة أميال وبينها وبين مدينة الشاقة مرحلة في البحر وهي خمسة وعشرون ميلاً، وهي في نشز من الأرض يحيط بها سور وفيها آثار للأول، وبها أصنام وهي أكثر بلاد صقلية طعاماً. كرمينية (٦) : مدينة من أعمال بخارى كبيرة عامرة كثيرة الخلق خصيبة الأرض كثيرة الفواكه واللطف ولها مسجد جامع ومنبر، ولها قرى كثيرة، وهي طيبة الهواء. الكرك (٧) : حصن مشهور بناحية الشام ومعقل مشهور. وحكي (٨) أن السلطان العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب، أخا صلاح الدين، سمعه مسخرة له يقال له خضير يقول في وضوئه: اللهم حاسبني حساباً يسيراً ولا تحاسبني حساباً عسيراً، فقال: يا خوند على أي شيء يحاسبك حسابا يسيراً؟ لو قال لك أين أموال الخلق التي أخذتها؟ قل له: تراها بأمانتها في الكرك ما أخرجت منها شيئاً، وكان خزائن أمواله بهذا المعقل. كرسب: موضع بالهند منه يحمل البقم، وهو بيوت على ساحل البحر من طين وحشيش، وأهلها سمر الألوان، ولسانهم لسان الهند، ولهم أزر وأردية من إبريسم عليها نقوش، وهم عبدة أصنام، كل واحد منهم قد اتخذ صنماً لنفسه من طين في بيته، ويمنعون المسلمين من اتخاذ مساجد في مواضعهم وأن يدفنوا موتاهم في مواضعهم، يقولون أن المطر يحبس عنهم بذلك السبب، ومنها يجلب البقم الجيد. كلواذا (٩) : مدينة بها مسجد جامع، تتصل عمارة بغداد بها شرقاً، وبين المدينتين جسران مربوطان بالسفن يجتاز عليهما الناس، وبينها وبين بغداد ثلاثة فراسخ. وبها (١٠) مسجد جامع ومنبر وأسواق. الكلاب (١١) : واد لبني عامر بين العراق واليمن، وكان يوم الكلاب الأول والثاني من مشاهير أيام العرب، فكان يوم الكلاب الأول لسلمة بن الحارث بن عمرو ومعه بنو تغلب والنمر بن قاسط بن سعد بن زيد مناة على أخيه شرحبيل بن الحارث بن عمرو ومعه بكر بن وائل وحنظلة بن مالك وبنو أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، وهذا اليوم هو الذي عنى امرؤ القيس في قوله: كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى قتيلاً بالكلاب وكان يوم الكلاب الثاني لبني تميم وبني سعد والرباب ورئيسهم قيس بن عاصم على قبائل مذحج في اثني عشر ألفاً ورئيسهم يزيد

стр. 510

ابن المامور، وهم مذحج وهمدان وكندة، وفي هذا اليوم أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي وهتم فم سنان بن سنان بعد أن أسر رئيس كندة، هتمه قيس بن عاصم بقوسه وانتزع عبد يغوث من يد الأهتم. الكلار (١) : مدينة من مدن طبرستان، وهي الثغر مما يلي الترمذ، وبها أكراد الديلم وهم أهل فروسية ونجدة. وكان بالكلار جعفر ومحمد ابنا رستم وهما صاحبا ثغور طبرستان اللذان أقاما دولة الحسن بن زيد ودبرا أمره والديلم قبيلتان، وخلفهم قبيل يقال لهم الجيل، وقبيل يقال لهم الديلم والجيل، وهم أهل الجبال خاصة، وهم يزعمون أنهم من بني ضبة، ووجوههم تدل على أنهم عرب، وزيهم زي العرب، يلبسون السيوف بالحمائل ويعتمون على القلانس. كلاباذ (٢) : محلة من محال بخارى، ينسب إليها أبو نصر (٣) أحمد بن محمد بن الحسين بن علي الحافظ الكلاباذي، له كتاب " الهداية والارشاد، في معرفة أهل الفقه والسداد " الذين أخرجهم محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه. كله (٤) : جزيرة من جزر الهند كبيرة، بها معدن الرصاص القلعي، وهو بها كثير صافي الجوهر، والتجار يغشونه بعد خروجه منها، ومنها يتجهز به إلى جميع الأرض، وبهذه الجزيرة منابت الخيزران، وبها الكافور الجيد، وهو شجر كبير يشبه الصفصاف تظل الشجرة منه مائة رجل وأكثر، والكافور يستخرج من هذه الشجرة بأن يثقب في أعلاها ثقب فتسيل منه عدة جرار، وإذا انقطع الجري ثقب أسفل من ذلك في وسط الشجرة فتنساب منه قطع الكافور، وهو صمغ ذلك الشجر، غير أنه ينعقد في داخلها ثم تبطل تلك الشجرة فتنحى ويقصد غيرها. وخشب شجر الكافور أبيض خفيف. ويقال لجزيرة كله المنصف، وهي بين أرض الصين وأرض العرب، وتكسيرها ثمانون فرسخاً، وبها يجتمع التجار من الصينيين والمسلمين، وإليها يتجهز من عمان فتجلب منها أصناف الطيب كله والرصاص القلعي والأبنوس والبقم وغير ذلك. ومن طريف أخبارهم ما وقع في الفلاحة النبطية أن في ناحية المشرق جبلاً من جبال الصين على إحدى جنبتي الجبل نهر جار، ومن الجانب الآخر كالبحيرة الصغيرة، فيها ماء واقف، وإنه يسمع في تلك البحيرة في الربيع صياح أناس وضجيجهم كصياح الناس سواء، ويتقدم ذلك الضجيج صراخ كصراخ الناس سواء، ثم يسمعون بعقبه جلبة وضجة كضجة الناس حتى لا يشك السامع لذلك أنه ضحيج ناس وصياحهم، وإن ذلك حجارة مختلطة بطين أحمر خلوقي ناعم جداً، وإنه يتدحرج من ذلك الجبل ذلك التراب الحلو في مدرة بعد مدرة، فمتى فلق الإنسان تلك المدرة أو انفلقت بنفسها ظهر بين شقتي تلك المدرة صورة إنسان بجميع أعضاء الناس، لا تخالف ولا تنقص، وإنه إذا توسط الربيع يخرج من ذلك الجبل ناس لهم عظام ولحم وشعر وأيد وأرجل وأعين تامو الصورة إلا أنهم لا يتحركون ولا يتكلمون ولا يمشون كأنهم موتى، يقعون على جنبتي الجبل، ووقوعهم إلى ناحية البحيرة التي ماؤها واقف أكثر، فإنه يظهر في تلك البحيرة في آخر الربيع رؤوس ناس وأذرعهم وسوقهم كأنها مقطعة ملقاة هناك يراها الناس، وربما أخذ بعضها الآخذ فيجدها إذا جسها كأنها أعضاء الناس سواء عظام ولحم وعصب وعروق وكل ما يشاهد في أبدان الناس إلا أن هذه الأعضاء كأعضاء الموتى، وإن قوماً من أهل تلك البلاد يأخذون من تراب ذلك الجبل فينقعونه في موضع ندي مغموم فيتكون منه إنسان تام الصورة كسائر الناس، وهو مع ذلك حي يتحرك

стр. 511

إلا أنه لا يبقى بعد تحركه حياً إلا يوماً أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً ثم يطفأ سريعاً في لحظة. قال: وفي هذا دلالة على أن الناس قد يكونون بالتناسل المعهود المعروف، وقد يكونون على غير التناسل بالطبيعة في مواضع من الأرض توجب ذلك، وإن تلك المواضع كأرحام النساء لتكوين الولد، ولا فرق بين الحيوانات الكبار والصغار التي تتكون بتعفين بعض الأشياء على غير طريق التناسل كالذباب والدود والحناش والعقارب والفأر والزنابير والحيات، وكذلك يتكون ناس وخيل وحمير وجمال وفيلة وسباع، القياس واحد. وكله مدينة عظيمة ويجمعها ملك ولها حصن وأسواق ومواضع نبيلة، وفيها مبيعات كثيرة، ومنها يجلب الكافور والرصاص، كما قلناه، والجوزة والقاقلة، وأهلها عبدة أوثان، ومياههم من مياه المطر، ومأكولهم الحنطة والماش. كند: مدينة من عمل فرغانة، وهو أيضاً ملك عظيم من ملوك الهند كان بينه وبين الاسكندر حكايات. وكند (١) من خجندة على ثلاثة أميال، وهي حسنة جليلة فيها كروم وبساتين، وليس في عملها مدينة غير كند، وجامعها في المدينة، ودار الإمارة في الميدان بالربض، وينحدر إليها نهر الشاش، ومخرجه من أنهار تجتمع إليه من بلاد الترك، ويمتد كثيراً إلى أن يقع في بحيرة خوارزم. الكناسة: بالبصرة معروفة، وكان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم. وكناسة الكوفة فيها صلب يوسف بن عمر عامل هشام بن عبد الملك على العراق زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃ ثم حرق بالنار بعد سنتين وذري في الريح، وذلك سنة إحدى وعشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين. وكان زيد (٢) بن علي شاور أخاه أبا جعفر محمد بن علي فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها قتل جدك علي وطعن عمك الحسن وقتل أبوك الحسين، وفيها وفي أعمالها شتمنا أهل البيت، وأخبره بما كان عنده من العلم في مدة ملك بني مروان وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فأبى إلا ما عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له: إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوب بكناسة الكوفة، وودعه أبو جعفر لعلمه أنهما لا يلتقيان، وقد كان زيد دخل على هشام بالرصافة، فلما مثل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله ، فقال له هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة، قال: يا أمير المؤمنين، إن لك جواباً إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكته عنك، قال: أجب، قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق ﵈، فلم يمنعه ذاك أن ابتعثه الله تعالى نبياً وجعله للعرب أباً وأخرج من صلبه خير البشر محمد ﷺ ، أفتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي ﵄، وقام وهو يقول: شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد أن يحدث الله له دولة ... يترك آثار العدا كالرماد فمضى عليها إلى الكوفة، وخرج عنها ومعه القراء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي، فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلاً: ذل الحياة وعز الممات ... كلاً أراه طعاماً وبيلا فإن كان لا بد من واحد ... فسيري إلى الموت سيراً جميلا

стр. 512

وحال المساء بين الفريقين، فانصرف زيد مثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينتزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجري الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته، فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف مستنصحاً فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام أن اصلبه عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من أبيات: صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ... ولم أر مهدياً على الجذع يصلب وكان زيد سمع يقول: اللهم إن هشاماً وأهل بيته قد طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فصب عليهم سوط عذاب، إنك لهم بالمرصاد، وطهر منهم البلاد، واجعلهم نكالاً للحاضر والباد وإلى زيد هذا ينتسب الزيدية من الشيعة. قال أبو بكر بن عياش (١) : كنت إذ كنت شاباً إذا أصابتني مصيبة تجلدت ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة واقفاً على نجيب وهو ينشد (٢) : خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل فسألت عنه فقيل ذو الرمة، فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي فأجد بعد ذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره. كنباية (٣) : مدينة بأرض الهند من مملكة بلهرى وهي على خليج من البحر أعرض من النيل، فيجزر الماء في هذا الخليج حتى يبدو الرمل وقعر الخليج ويبقى فيه اليسير من الماء، فيرى الكلب على هذا الرمل وقد نضب ماؤه وصار كالصحراء، فإذا أقبل المد وأحس به الكلب أقبل يحضر ما استطاع ليفوت دفع الماء فلا يفيده ذلك ويغرقه. ولهم في المد والجزر أقاويل يطول الكتاب بإيرادها، وأهل هذه البلدة عبدة أصنام. كنك (٤) : من الأنهار المشهورة ببلاد الهند، يخرج من بلاد فوق قشمير ويجري إلى الجنوب حتى يصب في البحر الهندي. كنعان (٥) : بلد بالشام فيه كان يعقوب بن إسحاق ﵇ ومنه خرج إخوة يوسف بأخيهم يوسف إذ قالوا لأبيهم " أرسله معنا غداً يرتع ويلعب "، وكان من قصتهم معه ما قصه الله تعالى في كتابه، وبينها وبين مصر حيث كان يوسف ﵇ مسافة ثمانية أيام وقيل عشرة وقيل ثمانون فرسخاً، وإليها فصلت العير من مصر بقميص يوسف ﵇ فقال أبوه " إني لأجد ريح يوسف " وكان القميص من الجنة، جاء به جبريل إلى إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار، فكساه إبراهيم ولده إسحاق، وكساه إسحاق ولده يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقي في الجب والقميص في عنقه، فذلك قوله تعالى " اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا "، كنجة (٦) : هي أكبر مدن الران، وإليها تنسب الثياب الكنجية.

стр. 513

ونزل الططر عليها سنة ثمان عشرة وستمائة، فاستعد لهم أهلها، وهم خلق مشهورون بالشجاعة واقتناء العدد، فهابهم الططر وراسلوا سلطان الران، فحمل لهم أموالاً وهدايا فعدلوا عنه. الكعبة: قال الله تعالى " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس " وهو البيت الذي قال الله فيه " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ". قال وهب بن منبه (١) : لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ إلى الأرض حزن واشتد بكاؤه على الجنة، فعزاه الله تعالى بخيمة من خيام الجنة، فوضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة، فيها قناديل من ذهب، ونزل معها الركن، وهو ياقوته بيضاء، وكان كرسياً لآدم ﵇ يجلس عليه، فلما كان الغرق زمن نوح ﵇ رفع ومكثت الكعبة خراباً ألفي سنة، حتى أمر الله إبراهيم ﵇ أن يبني بيته فجاءته السكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم له وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ ظلي فابن عليه، فبنى هو وإسماعيل ﵉ البيت ولم يجعل له سقفاً، وحرس الله تعالى البيت بالملائكة، فالحرم مقام الملائكة يومئذ، ولم تزل خيمة آدم ﵇ إلى أن قبض ثم رفعها الله إليه، وبنى بنو آدم بعده في موضعها بيتاً من الطين والحجارة ثم نسفه الغرق فعمي مكانه حتى بعث الله إبراهيم ﵇ وحفر عن قواعده وبناه على ظل الغمامة، فهو أول بيت وضع للناس وبنته قريش قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين. قال أبو عبيدة: مما أراد الله به تكرمة قريش أن الكعبة كانت وقعت حين غرق قوم نوح ﵇ فأمر الله تعالى إبراهيم خليله وإسماعيل نبيه عليهما الصلاة والسلام أن يعيدا بناء الكعبة على أسه الأول، فأعادا بناءها لما أراد الله تعالى من تكرمة قريش، كما أنزل الله تعالى في القرآن فقال " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم "، ثم أمر الله سبحانه إبراهيم ﵇ أن ينزل ابنه إسماعيل بالبيت لما أراد من كرامة قريش ففعل، فهو قوله " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " فكان إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان البيت بعد عهد نوح ﵇، ومكة يومئذ بلاقع، كما قال تعالى " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود "، فنكح إسماعيل امرأة من جرهم، وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي: وصاهرنا من أكرم الناس والداً ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر فولي البيت بعد إبراهيم ابنه إسماعيل ﵉، ثم وليه بعده ابنه نابت بن إسماعيل، أمه جرهمية، ثم وليه بعده مضاض بن عمرو، وفي ذلك قال: وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكة، وهما أخوان، ورئيس قطورا السميدع، ورئيس جرهم مضاض، ومنزل جرهم بأعلى مكة بقعيقعان فما حاز، ومنزل قطورا أسفل مكة بأجياد فما حاز، فكان السميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها، ومضاض يعشر من دخلها من أعلاها، ثم بغى بعضهما على بعض وتنافسا الملك، ومع مضاض بنو اسماعيل، وإليه ولاية البيت دون السميدع، ثم اقتتلوا قتالاً شديداً فقتل السميدع وفضحت قطورا، ثم اصطلحوا وأسلموا الأمر إلى مضاض، فبقيت جرهم ولاة البيت نحو ثلثمائة سنة، ثم أنهم بغوا بمكة واستحلوا حرمتها وظلموا من دخلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، ولم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكاناً يزني فيه دخل الكعبة فزنى بها، فزعموا أن إسافاً بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين، وهو اساف بن سهل (٢) ونائلة بنت عمرو بن ذؤيب (٣) . وكان ماء زمزم قد نضب لما أحدثت جرهم بمكة، حتى امحى مكان البئر ودرس، ثم جاء عمرو بن لحي فغير دين إبراهيم ﵇ وبدله، وبعث العرب على عبادة التماثيل، وعمر خمساً وأربعين وثلثمائة سنة، وكان له من الولد وولد الولد ألف، ثم وليت البيت

стр. 514

عبشان من خزاعة، وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوت متفرقة في قومهم من بني كنانة. وانهدم البيت بعد بناء إبراهيم ﵇، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبناه قصي وهدمه هو وبناه بناء لم يبن أحد ممن بناه مثله، وسقف الكعبة بخشب الروم الجيد وجريد النخل، وبناها على خمس وعشرين ذراعاً. قالوا: ومما رجت به قريش أن الله قد رضي ما كانوا أجمعوا عليه من هدم الكعبة أن حية كانت في بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما كان يهدى إليها، فجاءت عقاب فاختطفتها. ولما احترقت (١) الكعبة واحترق الركن الأسود فتصدع حتى شده ابن الزبير بالفضة، ضعفت جدران الكعبة، حتى إن الحمام ليقع عليها فتتناثر حجارتها، ففزع لذلك أهل مكة وأهل الشام جميعاً والحصين بن نمير معهم يحاصرها، فأرسل ابن الزبير رجالاً من أهل مكة إلى الحصين فكلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة وقالوا: إنكم رميتموها بالنفط، فأنكر ذلك، وقالوا له: قد توفي يزيد بن معاوية فعلام تقاتل؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر هل يجتمع الناس على صاحبك، يعنون معاوية بن يزيد، فلم يزالوا به حتى لان لهم ورجع إلى الشام، ثم دعا ابن الزبير وجوه الناس فاستشارهم في هدم الكعبة، فأشار عليه أقلهم بهدمها وأبى أكثرهم وكان أشدهم عبد الله بن عباس ﵄، وقال له: دعها على ما أقرها عليه رسول الله ﷺ ، فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، ولا تزال تبنى وتهدم فيتهاون بحرمتها، ولكن ارفعها فقال ابن الزبير ﵄: والله ما يرضى أحدكم أن يرفع بيت أبيه وأمه، فكيف أرفع بيت الله، وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله حتى إن الحمام يقع عليه فتتناثر حجارته؟! وكان ممن أشار عليه بهدمها جابر بن عبد الله وغيره ﵃، وأقام أياماً يشاور وينظر، ثم أجمع على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها، على ما قال رسول الله ﷺ ، على قواعد إبراهيم ﵇، وعلى ما وصفه رسول الله ﷺ لعائشة ﵂، وأراد أن يبنيها بالورس، ويرسل إلى اليمن في ورس يشترى له، فقيل له: إن الورس يذهب (٢) ولكن ابنها بالفضة، فأخبر أن فضة صنعاء أجود الفضة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار ليشترى له بها فضة ويكترى عليها، ثم سأل رجالاً من أهل العلم بمكة: من أين أخذت قريش حجارتها، فأخبروه بقلعتها فنقل له من الحجارة ما يحتاج إليه، فلما أراد هدمها خرج أهل مكة منها إلى منى فأقاموا بها ثلاثاً فرقاً أن ينزل عليهم عذاب، فأمر ابن الزبير بهدمها فما اجترأ على ذلك أحد، فلما رأى ذلك علاها بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي بحجارتها، فلما رأوا أنه لم يصب بشيء اجترءوا فصعدوا وهدموا، وأرقى ابن الزبير ﵄ عبيداً من الحبش يهدمون رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي روي أن النبي ﷺ قال: يخرب الكعبة ذو السوبقتين من الحبشة. وقال ابن الزبير (٣) ﵄: أشهد لقد سمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : " إن قومك استقصروا في بناء الكعبة وعجزت بهم النفقة فتركوا في الحجر أذرعاً، ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها، ولجعلت لها بابين موضوعين بالأرض: باباً شرقياً يدخل منه الناس، وباباً غربياً يخرج منه الناس، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها "؟ قالت، قلت: لا، قال: " تعززاً لئلا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعوه يرتقي، حتى إذا كاد يدخل دفعوه فيسقط، فان بدا لقومك هدمها فهلمي لأريك ما تركوا من الحجر منها، فأراها قريباً من سبع أذرع ". فلما هدمها (٤) ابن الزبير وسواها بالأرض وكشف عن أساس إبراهيم ﵇ وجد داخلاً إلى الحجر نحواً من ست أذرع وشبر كأنها أعناق الإبل آخذ بعضها ببعض، كتشبيك الأصابع، يحرك الحجر من القواعد فتتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلاً من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك الأساس، وأدخل رجل من القوم كان يقال له عبد الله بن مطيع العدوي عتلة كانت في يده في ركن من أركان البيت، فتزعزعت الأركان كلها جميعاً، ويقال إن مكة رجفت رجفة شديدة حين تزعزع الأساس، وخاف الناس خوفاً شديداً حتى ندم كل من

стр. 515

أشار على ابن الزبير بهدمها وسقط في أيديهم، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس، وكان البناة يبنون من وراء الستر، والناس يطوفون من خارج، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، وكان ابن الزبير حين هدم البيت جعل الركن في ديباجة في تابوت وأقفل عليه ووضعه عند دار الندوة، ووضع ما كان في الكعبة من حلية في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، فلما بلغ البنيان موضع الركن أمر ابنه عباد بن عبد الله وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن في الثوب وقال: إني إذا دخلت في صلاة الظهر فاحملوه واجعلوه في موضعه، وأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتي، وذلك في حر شديد، فلما أقيمت الصلاة وصلى ابن الزبير ركعة خرج عباد بالركن من دار الندوة وهو يحمله، ومعه جبير بن شيبة، ودار الندوة يومئذ قريب من الكعبة، فخرقا به الصفوف حتى وضعه عباد في موضعه وأعانه عليه جبير بن شيبة، ثم كبرا، وخفف ابن الزبير صلاته، وتسامع الناس بذلك، وغضب رجال من قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير لذلك وقالوا: والله لقد تنافست قريش في رفعه حين بنيت الكعبة حتى حكموا فيه أول من يدخل عليهم، فطلع عليهم رسول الله ﷺ ، فجعله في ردائه ودعا من كل قبيلة من قريش رجلاً واحداً، فأخذوا بأركان الثوب ثم وضعه رسول الله ﷺ في موضعه، وكان الركن قد تصدع ثلاث فرق وتشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك دهراً طويلاً، فشده ابن الزبير بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاه، فإن موضعها بين (١) في أعلى الركن، وطول الركن ذراع. وكانت الكعبة (٢) يوم هدمها ابن الزبير ثمان عشرة ذراعاً فجعلها سبعاً وعشرين ذراعاً ثم خلقها من داخلها وخارجها وأعلاها وأسفلها وكساها القباطي وقال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر على بدنة فليذبح شاة، وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكراً لله ، قالوا: فلم ير يوم كان أكثر عتيقاً وعتيقة ولا أكثر بدنة منحورة ولا شاة مذبوحة ولا صدقة مبذولة من ذلك اليوم، ونحر ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعاً وقال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي والغربي لأن البيت لم يكن على قواعد إبراهيم، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير، إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعاً، وأبواب البيت لاصقة بالأرض حتى قتل ابن الزبير ودخل الحجاج مكة، فكتب إليه عبد الملك بن مروان: إن ابن الزبير قد كان زاد في بيت الله تعالى ما ليس منه وأحدث باباً آخر، فكتب إليه الحجاج يستأذنه في أن يرده على ما كان عليه، فأمره بذلك، فهدم الحجاج منها ست أذرع وشبراً مما يلي الحجر، وبناها على أساس قريش، وسد الباب الذي في ظهرها، وترك سائرها فكل شيء فيها اليوم بناه ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر فإنه بناه الحجاج. والمرتقى إلى الباب الشرقي الذي يدخل منه اليوم أربع أذرع وشبر والدرجة التي في جوف الكعبة اليوم والبابان اللذان عليها هما من عمل الحجاج أيضاً. وآخر من زاد في الكعبة المهدي أمير المؤمنين سنة أربع وستين ومائة، فهو على ذلك إلى الآن. كعبر (٣) : هي دار مملكة الحبشة، وسمة ملكهم النجاشي. وفيها الذي كان آمن برسول الله ﷺ ، وهم من ولد حبشي بن كوش بن حام. وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة تتصل بالبحر الحبشي، وساحل الحبشة مقابل لبلاد اليمن، وهي من شاطئ البحر الغربي، وأقرب عرض البحر هناك ثلاثة أيام، وهو ساحل زبيد من أرض اليمن، ومن هذا الموضع عبرت الحبشة البحر في أيام ذي نواس، وهو صاحب الأخدود، وبين هذين الساحلين جزيرة يقال لها جزيرة العقل نذكرها في موضعها (٤) . كفور الشام: أي قراه، وفي الحديث: " يخرجكم الروم من الشام كفراً كفراً "، مثل كفر مروان و كفر توثا وكفر طاب وكفر تعقاب (٥) وغيرها، وإنما هي قرى تنسب إلى رجال. كفر توثا (٦) : من كور نصيبين من ديار ربيعة، فتحها عياض بن غنم، ولها حصن قديم، وهي مدينة سورها لبن وبها منبر، وبها نهر خارج عن المدينة وآبار عذبة.

стр. 516

وبكفر توثا كان الوليد بن طريف الشاري (١) حين قابله يزيد بن مزيد قال لأصحابه في الليلة التي عزم على مواقعة الوليد بن طريف في غدها وهو بنصيبين وكان الوليد بكفر توثا، وولد له في تلك الليلة خالد بن يزيد: أبشروا فإنه لم يولد لي غلام قط في حرب إلا رزقت الظفر. فلما التقيا كانت الحرب بينهما بالسواء إلى أن خرج رجل من أصحاب الوليد فدعا للبراز فبارزه يزيد فقتله، فكان ذلك سبباً للهزيمة، وانصرف أنس بن يزيد وقد ضربه حوقل الشاري في جبينه، وكان سيف حوقل لا يمر بشيء إلا هتكه، فقال له يزيد: من ضربك؟ قال: حوقل، قال: ما يسرني أنها في الحائط دونك، عد إلى الحرب وإلا والله ضربت عنقك، فلحقوا بالوليد حتى قتلوه، وفيه تقول أخته ترثيه: أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف كفر طاب (٢) : بالشام أيضاً، سميت بذلك لأن حواليها أرضاً كريمة وثماراً كثيرة من زيتون ورمان وكروم وأشجار، كذا ذكر، وهو مخالف لما تقدم من أنها منسوبة إلى رجل. وهي أرض صحيحة الهواء، ليس لها ماء إلا من الأمطار، ومن سكنها لا يكاد يمرض، ومن قلة مائها يتبايع فيها الماء ثلاث مرات، لأن أصحاب الحمامات يبتاعونه من السقائين، ويجمعون فضلات ما يخرج منه من الحمامات في صهاريج فيشتريه منهم الدباغون، ثم يجمع الدباغون فضلاته فيبيعونه من الذين يصنعون اللبن للبنيان. كس كر: من أعمال واسط (٣) ، قالوا: تفسيرها أرض الشعير. وبها كان (٤) النعمان بن مقرن المزني والياً لعمر ﵁، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إنما مثلي ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون (٥) له كل يوم وتعطر، وأنا أذكرك الله تعالى ألا بعثتني في جيش إلى ثغر غازياً ولا تبعثني جابياً، فلما اجتمع الأعاجم بنهاوند عازمين على إخراج المسلمين مما في أيديهم من البلاد، وعلى غزو عمر في عقر داره، وندب عمر أهل البلاد إلى أعاجم نهاوند وسيرت إليهم الجيوش، كتب إلى النعمان أن سر إلى نهاوند فأنت على الناس، فسار وكان من وقعة نهاوند ما كان. كسير وعوير (٦) : جبلان في بحر عمان، وهو بحر فارس، وهم يقولون: كسير وعوير وثالث ليس فيه خير، وهي جبال سود ذاهبة في الهواء لا نبات عليها ولا حيوان فيها، يحيط بها موج من البحر متلاطم تجزع منه النفوس، ولا بد للمراكب من الدخول في وسطها والاجتياز بها، فمخطئ ومصيب، وهي على طريق من قطع من عمان إلى سيراف، ولا تكاد تسلم عندها سفينة، وهما غائران تحت الماء لا يظهر منهما شيء، فانظر هل يناقض هذا ما تقدم من أنهما ذاهبان في الجو والماء يكسر على أعلاهما، وأهل البحر يعرفون مكانهما فيتجنبوهما. كس (٧) : بالسين المهملة، بلد يقارب سمرقند، وبعضهم يكسر الكاف، وبينها وبين سمرقند مرحلتان، وكس مدينة جليلة كثيرة الأهل عامرة بالناس والتجار، ولها ربضان وعليها سور بها مسجد جامع وقصبة غير حصينة، وطولها نحو تسعة أميال في مثلها، وبناؤها بالطين والخشب، وبها فواكه كثيرة يحمل فاضلها إلى سمرقند وبخارى، وللمدينة أربعة أبواب خشب مصفحة بالحديد، ولها نهران كبيران، ويرتفع من كس الملح الدراني المعدني، ويحمل إلى سائر الآفاق، ويقع بجبالها الترنجبين كثيراً، ولكس مدن كثيرة.

стр. 517

كش: بالشين المعجمة، قرية على الجبل على ثلاثة فراسخ من جرجان، ولها قهندز وحصن وربض، والمدينة الداخلة مع القهندز خراب، والخارجة عامرة، ودار الإمارة خارجة من المدينة، وجامعها في المدينة الداخلة الخراب، وأسواقها في ربضها، وهي حصينة جداً، وهي مقدار ثلاث فراسخ في مثله، وهي وبية، وللمدينة الداخلة أربعة أبواب وللخارجة بابان، ولها نهران كبيران: نهر القصارين (١) ونهر سرور، وفي عامة كورها مياه جارية وبساتين حسنة، ومسافة عملها مسيرة أربعة أيام في مثلها، وفي جبالها العقاقير الكثيرة وفيها يسقط الترنجبين، ومن سمرقند إليها يومان، وبينها وبين نسف ثلاث مراحل. وكش (٢) أهلها مسلمون وفيها التين والزرع والماشية، وبها غوص اللؤلؤ على أربعة فراسخ من شط فارس. كشور (٣) : موضع باليمن منه عبيد (٤) بن محمد بن إبراهيم الكشوري، روى بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ أسوكتهم خلف آذانهم يستاكون بها لكل صلاة. الكهف: هو موضع في الجبل دخله أصحاب الكهف المذكورون في القرآن فراراً بدينهم وقد مر ذلك في حرف الراء وغيرها مشروحاً. كوكب (٥) : جبل في بلاد الحارث بن كعب. وكوكب: جبل بالشام. وحش كوكب (٦) : موضع بالمدينة فيه دفن عثمان ﵁ وهو مضموم الحاء مشدد الشين المعجمة، والحش: البستان، وكوكب الذي أضيف إليه رجل من الأنصار وقيل من اليهود، ولما ظهر معاوية (٧) ﵁ هدم حائطه وأفضى به إلى البقيع، وكان عثمان ﵁ يمر بحش كوكب ويقول: يدفن هنا رجل صالح، وكان عثمان قد اشترى حش كوكب ووسع به البقيع فكان أول من دفن فيه وعمي (٨) قبره. كوم شريك (٩) : موضع من أسفل الأرض، وأسفل الأرض كور الإسكندرية والقلزم والطور وايلة وما صاقبها. الكوفة: المدينة الكبرى بالعراق والمصر الأعظم وقبة الإسلام، وهي أول مدينة اختطها المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة، وهي على معظم الفرات ومنه شرب أهلها، ومن بغداد إلى الكوفة ثلاثون فرسخاً، وهي ثلاث مراحل، والمسافات من بغداد إلى الكوفة في عمارات وقرى عظام متصلة عامرة فيها أخلاط من العجم ونفر من العرب سميت بجبل صغير في وسطها كان يقال له كوفان وعليه اختطت. ونزلها جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم علي بن أبي طالب وابنه الحسين ﵄ وغيرهما، ويقال لها كوفان أيضاً، ولها ضياع ومزارع ونخل كثير، وأهلها مياسير، ومياهها عذبة، وماؤها صحيح، وأهلها من صرح العرب لكنهم الآن متحضرون. وعلى ستة أميال (١٠) من الكوفة قبة عظيمة مرتفعة الأركان من كل جانب لها باب مغلق، وهي مسورة من كل ناحية بفاخر الستور، وأرضها مفروشة بالحصر السامانية، يذكر أن بها قبر علي بن أبي طالب ﵁، وما استدار بالعقبة مدفن لآل علي وآل أبي طالب، وبنى هذه القبة أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان في دولة بني العباس، وكان في دولة بني أمية مخفياً لا يؤبه له والكوفة والقادسية والحيرة في أقل من مرحلة. وقال محمد بن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁: كانت الكوفة منزل نوح ﵇، والكوف الاجتماع. وكتب عمر (١١) بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي

стр. 518

الله عنهما: أنبئني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم، فكتب إليه: إن العرب غير ألوانها وخومة المدائن ودجلة، فأجابه: إن العرب لا يوافقها إلا ما يوافق إبلها من البلاد، فابعث بسلمان وحذيفة ﵄، وكانا رائدي الجيش، فليرتادا منزلاً ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر، فبعث سعد حذيفة وسلمان ﵃، فسار كل واحد منهما لا يرضى شيئاً حتى أتيا الكوفة فأكبا عليها، وفيها ديارات ثلاثة، فأعجبتهما البقعة فنزلا وصليا، ودعا كل واحد منهما: اللهم رب السموات وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الرياح وما أذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما حوت، بارك لنا في هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات. ثم رجعا إلى سعد ﵁ بالخبر، وكتب عمر إلى سعد ﵄ يأمره بنزوله، فارتحل سعد ﵁ بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في محرم سنة سبع عشرة. قالوا (١) : وبصرت البصرة سنة أربع عشرة وكوفت الكوفة سنة سبع عشرة، ثم استأذنوا عمر ﵁ في بنيان القصب، فقال: العسكر أجد لحربكم وأزكى لكم، وما أحب أن أخالفكم فشأنكم، فابتنى أهل المصرين بالقصب، ثم وقع الحريق بالكوفة والبصرة، وكان أشدهما حريقاً الكوفة، احترق فيها ثمانون عروساً ولم تبق فيها قصبة، فبعث سعد إلى عمر ﵄ نفراً يستأذنونه في البناء باللبن ويخبرونه عن الحريق، فأذن لهم وقال: لا يزيد أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة، ولا ترفعوا بنياناً فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم إلى السرف ولا يخرجكم عن القصد، وأن يكون الطريق أربعين ذراعاً، وما بين ذلك عشرين، والأزقة سبع أذرع. وأول شيء خط بالكوفة المسجد، فوضع في موضع التمارين من السوق، ثم قام رجل في وسطه رام شديد النزع، فرمى عن يمينه وعن يساره وبين يديه ومن خلفه، وأمر من شاء أن يبني وراء موقع السهام، وترك المسجد في مربعة غلوتين في غلوتين وبني على أساطين رخام كانت للأكاسرة ولم يجعلوا في المسجد مجنبات ولا مواخير، وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيماً. ثم أمر سعد ﵁ الناس بالنزول، وأظن أن أكثر هذا تقدم في ذكر البصرة. وشأن هذين المصرين أعظم وأشهر من أن نطول ذكره فلنقتصر على هذا القدر. وذكر بعضهم (٢) أن الخراب استولى على أكثرها، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورين لها، لا يزالون يضربون عليها. وبناء هذه المدينة بالآجر خاصة ولا سور لها، وجامعها العتيق كبير في الجانب القبلي منها خمسة أبلطة، ولهذا الجامع آثار كريمة منها بيت إزاء المحراب يقال إنه كان مصلى الخليل ﵇، وعلى مقربة منه مما يلي الجانب الأيمن من القبلة محراب محلق عليه بأعواد الساج، هو محراب علي بن أبي طالب ﵁، وفي ذلك الموضع ضربه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي أخزاه الله تعالى، ويقال إن فيه موضعاً فيه فار التنور، وفيه موضع فيه كان متعبد إدريس ﵇، وفي شرقي هذا الجامع قبر مسلم بن عقيل. كوار (٣) : مدينة ببلاد فارس يسرة مدينة فاختة، وهو رستاق عظيم فيه ثلثمائة وستون قرية وقروح كثيرة ومزارع، وبها منبر، ومنه إلى فاختة اثنا عشر فرسخاً، وإليها ينسب الورد الكواري، وينسب إليها القاضي أبو الحسن محمد بن إبراهيم الكواري صاحب الشيخ أبي حامد الاسفرايني، ولي قضاء الأهواز ودرس بها سنين. كوكو (٤) : مدينة مشهورة الذكر في بلاد السودان كبيرة، على ضفة نهر يخرج من ناحية الشمال فيمر بها، ومنه شرب أهلها ويجري حتى يجوز كوكو بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصحراء في رمال ودهاس مثل ما يغوص الفرات الذي في العراق في البطائح، وملك كوكو قائم بنفسه، وله حشم ودخلة كبيرة وقواد وأجناد وزي كامل وحلية حسنة، وهم يركبون الخيل والجمال، ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الأمم المحيطة بهم، ولباس عامة أهل كوكو الجلود يسترون بها عوراتهم، وتجارهم يلبسون القداوير والأكسية، وعلى رؤوسهم الكرازي، وحليهم الذهب، وخواصهم وجلتهم يلبسون الأزر، وهم يداخلون التجار ويخالطونهم ويبضعونهم بالبضائع على وجه القراض.

стр. 519

وينبت في أرض كوكو العود المسمى بعود الحية، من خاصته أنه إذا وضع على جحر الحية خرجت إليه بسرعة، ثم إن ماسك هذا العود يأخذ من الحيات ما شاء بيده من غير جزع يدركه ويجد في نفسه قوة عند أخذها، والصحيح عند أهل المغرب الأقصى وأهل واركلان أن هذا العود إذا أمسكه ماسك بيده أو علقه في عنقه لم تقربه حية ألبتة كصفة العاقر قرحاً، لكنه أسود اللون. ومن كوكو إلى غانة شهر ونصف. كوثا (١) : مدينة بالعراق إلى جانب بابل، فيها ولد إبراهيم الخليل ﵇، وفيها المكان الذي فيه كان حبس إبراهيم الخليل ﵇ والبيت الذي كان محبوساً فيه، ويقال إن بها طرح إبراهيم الخليل ﵇ في النار، وبها تلول رماد عالية قد لزق بعضه ببعض يقال إنه رماد نار النمرود بن كنعان الذي طرح فيها إبراهيم ﵇. ولما انقضى (٢) أمر القادسية قدم سعد بن أبي وقاص ﵁ زهرة بن حوية ثم اتبعه الجند، فلقي بأطراف كوثا جمعاً من جموع العجم مقدمهم شهريار، فخرج ينادي: ألا رجل ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلي حتى أثكلكم (٣) به، فقال له زهرة، وقد كايده، لقد أردت أن أبادرك، فإما اذ سمعت قولك فإني لا أخرج إليك إلا عبداً، فإن أقمت قتلك إن شاء الله، وإن فررت منه فإنما فررت من عبد، ثم أمر أبا نباتة نائلاً الأعوجي، وكان من شجعان بني تميم، فخرج إليه، مع كل واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخلق، إلا أن شهريار مثل الجمل، فلما رأى نائلاً ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائل رمحه ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا بهما ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما فوقع شهريار على نائل كأنه بيت فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه، فوقعت إبهامه في فم نائل، فمضغها فحطم عظمها، وأحس منه فتوراً فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثا حتى قدم سعد عليه، فغنم سعد نائلاً ذلك السلب كله وقال: عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته، وانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه في سلاحه على دابته، فقال له سعد: اخلع سواريك إلا أن ترى حرباً فالبسهما، فكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق. وأقام سعد بكوثا أياماً، وأتى المكان الذي حبس فيه إبراهيم ﵇ بكوثا والبيت الذي كان فيه محبوساً فنظر إليه وصلى على رسول الله ﷺ وعلى إبراهيم وعلى أنبياء الله أجمعين. وقرأ " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، وقد مر في ذكر افرندين أن المسلمين لما دخلوا المدائن وناداهم رسول كسرى: هل إلى الصلح من سبيل، أجابه رجل من المسلمين بلسانهم، وكان لا يعرف منه شيئاً: لا، حتى نأكل عسل افرندين بأترج كوثا، والقصة مشروحة هناك. كويابة (٤) : مدينة لصنف من الترك يسمون الروس، ومبلغ تجار المسلمين من أرمينية إلى كويابة، وبينها وبين ارثان (٥) ثمان مراحل، وأرثان لا يدخلها أحد من الغرباء لأنهم يقتلون كل غريب يصل إليهم، فلا يتجرأ أحد أن يدخل أرضهم، ويخرج من عندهم جلود الأنمار السود والثعالب السود والرصاص، ويخرجها من عندهم تجار كوباية. والروس يحرقون موتاهم ولا يتدافنون، وبعض الروس يحلقون لحاهم، وبعضهم يفتلها مثل أعراف الدواب ويضفرها ولباسهم القراطق الصغار، ولباس الروس غير لباس الخزر. كوشة (٦) : بينها وبين مدينة نوابية في بلاد النوبة ستة أيام، وهي تبعد عن النيل يسيراً، وموضعها فوق خط الاستواء، وأهلها قليلون،

стр. 520

وتجارتها قليلة وأرضها حارة جافة جداً، وشرب أهلها من عيون تمد السيل هناك، وهي في طاعة ملك النوبة ويسمى كاسل (١) ، وهو اسم يتوارثونه ملوك النوبة، ودار ملكهم دمقلة. كوشان (٢) : مدينة الترك ومعظم مملكتهم بين الصين وبلاد خراسان، وأشدهم شوكة الطغزغز (٣) ، وهم أصحاب كوشان هذه وما والاها، ومذاهبهم مذاهب المنانية وممالكهم كثيرة، وهي في جهة الشاش وفرغانة، وفيهم كان الملك، ومنهم خاقان الخواقين يجمع ملكه سائر ملوك الترك وتنقاد إليه ملوكها، ومن هؤلاء الخواقين كان فراسياب التركي الغالب على ملك فارس. كوغة (٤) : مدينة بينها وبين غانة من بلاد السودان بالمغرب خمسة عشرة يوماً على ضفة النيل، وفي شماله، ومنه شرب أهلها، وهي من عمالة ونقارة، ومن السودان من يجعلها من كانم، وهي مدينة عامرة لا سور (٥) لها، وبها تجارات وأعمال وصنائع يصرفونها فيها (٦) ، ونساء هذه المدينة ينسب إليهن السحر وهن عارفات به، وبه مشهورات. وأهل كوغة (٧) مسلمون، وحواليها المشركون، وأكثر ما يتجهز إليهم بالودع والنحاس والفربيون، وهو أنفق شيء عندهم، وحواليها من معادن التبر كثير، وهم أكثر بلاد السودان ذهباً. كيانة (٨) : جبل كيانة بمقربة من المسيلة في البلاد الإفريقية، وهي جبال شاهقة ضيقة المسالك لا يستطاع الوصول إلى من فيها، وفي قلعة كيانة تحصن أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار الخارج على بني عبيد، وهي قلعة منيعة لا ترام، وهي أمنع قلاعهم. ولما حاربه المنصور إسماعيل بن القائم العبيدي فأوى أبو يزيد إلى هذه القلعة ليعتصم بها، سأل الأدلاء عن السلوك إليها فكلهم ذكر صعوبة المسالك ووعرها، وكان أبو يزيد هذا ثار على الخليفة العبيدي القائم بأمر الله واستفحل أمره وكثرت جيوشه وتغلب على أكثر البلاد الإفريقية وملك القيروان وعاث يميناً وعاث شمالاً، وكان يرى رأي النكارية، ويرى دم المسلمين وفروجهم وأموالهم له حلالاً، ويسب علياً ويكفر أهل القبلة وحاصر الأربس والقيروان وباجة وأكثر بلاد إفريقية وأذاق الناس شراً عظيماً وأتى أمراً شنيعاً، وخاف الناس فتنته وحذروا منه، فوجه إليه القائم العبيدي الجنود وكثرت وقائعه معهم، وانتهى إلى المهدية وذلك أقصى أثره ثم مات القائم وولي ابنه المنصور إسماعيل فهو الذي تولى حربه وصلي بناره وكابد منه محناً، ثم إن الله تعالى دفع شره فتحصن في قلعة كيانة وألح عليه المنصور بالقتال وشن الغارات، وحصره في هذه القلعة فنالته فيها جراحة وأثخن، وكان الموضع وعراً كثير الصخور فاحتمله أصحابه على أعناقهم لعجزه عن النهوض وأجهضهم عند القتال، فأمكن الله تعالى منه وقبض عليه وسيق إلى مضرب المنصور وهو لما به، فمات في يديه، وكان القائم صنع له قفصاً في حياته وقال لأصحابه: سأجعل مخلداً في هذا القفص وأحكم عليه، فكان كذلك، فلما مات أمر المنصور بسلخه وحشا جلده تبناً حتى تصور شكله، وصلب على سور المهدية، وكانت فتنته عظيمة وأمره شنيعاً، وخبره على التفصيل أطول من هذا. وحكي أن عبيد الله الشيعي الملقب بالمهدي أول ملوكهم باني المهدية في سنة ست وثلثمائة لما وضع أول حجر أمر ناشباً كان بين يديه أن يوتر قوسه ويرمي بها سهماً من حد الحجر الذي في الأساس إلى ناحية المغرب فرمى بسهم، فانتهى إلى المصلى، ووقع السهم قائماً على نصله، فقال لمن معه: إلى هاهنا ينتهي صاحب الحمار ولا يجاوزه، يعني هذا الثائر أبا يزيد، فقدر أن يخرج بعد موت عبيد الله على ولده القائم، ومات القائم في مدة فتنته، وكابد حربه ولده اسماعيل المنصور، فهو الذي ظفر به بعد مكابدة عظيمة، وأمر عبيد الله باحتفار أهراء عظيمة داخل المهدية بنيت بالحجر ودمست واختزن فيها من الطعام ما لا يحصى كيله، وجعل في دورها وقصورها مصانع للماء، وختم عليها وأمر بحفظها، وكان الناس يشربون ما يصل إلى المهدية من الماء، فلم تفتح تلك المصانع إلا أيام حصار أبي يزيد، ولولا ذلك لم يوجد ما يؤكل ولا ما يشرب، وتوفي عبيد الله سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وصارت المملكة لابنه أبي القاسم وهو الملقب بالقائم.

стр. 521

كيلان (١) : موضع بالري ينسب إليه محمد بن صالح بن أبي بكر بن توبة (٢) الكيلاني روى عن أبي كريب عن عبد الله بن ادريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رصي الله عنهما أن النبي ﷺ ضرب وغرب وأن أبا بكر ﵁ ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب. كيش (٣) : جزيرة في وسط البحر، بحر فارس، وهي جزيرة مربعة طولها اثنا عشر ميلاً في مثل ذلك عرضاً، وكان وليها عامل من اليمن فحصنها وأحسن إلى أهلها، وعمرها وأنشأ بها أسطولاً فغزا به بلاد اليمن الساحلية وأضر بالمسافرين والتجار، ولم يترك لأحد مالاً، وأضعف البلاد وانقطع بذلك السفر من عمان إلى عدن (٤) ، وكان يغزو بهذا الأسطول مدينة الزابج (٥) ، وأهل الهند يخافونه ويهابون شره ويواسونه بالمراكب التي يكون طول المركب منها طول الغراب الكامل من عود واحد يجذف فيه مائتا رجل، وكان عنده من هذه المراكب المنحوتة خمسون مركباً، كل واحد منها من قطعة واحدة، وعنده من سائر المراكب الملفقة جملة، وليس لأحد به طاقة. ولمدينة كيش زروع وأغنام وأبقار وكروم، وبها مغايص للؤلؤ الجيد. كثه (٦) : مدينة بقرب اصطخر من بلاد فارس، جليلة عامرة كثيرة البشر والتجارات والعمارات، على طرف المفازة، وهي من أخصب البلاد وأكثرها أرزاقاً، ولها رستاق يشتمل على ربض وهي متحصنة بحصن، وجامعها في الربض، ومياهها من القنوات، وهي كثيرة الشجر طيبة الثمر.

стр. 522

فراغ

стр. 523

حرف اللام اللاذقية: في آخر بلاد الشام الساحلية وبقرب أنطاكية ووراء القسطنطينية، والبحر منها غرباً. وفي خبر المعتصم (١) أنه لما شرع في بناء سر من رأى أشخص له البناءون والنجارون والحدادون وغيرهم، وسيق إليه الساج وسائر الخشب والجذوع من البصرة وما والاها من بغداد وإنطاكية وسواحل الشام، وسيق إليه الرخام والعمد، وأقيمت باللاذقية دور صناعة الرخام. والبيتان المنسوبان لبعض الفسقة (٢) : باللاذقية (٣) فتنة ... ما بين أحمد والمسيح مشهوران عند الناس. لاركان (٤) : مدينة على خمسة عشر فرسخاً من مدينة الروذان، وهي من عمل كرمان، ولها سور حصين ومسجد جامع، وفيها عامل لصاحب فارس وعامل لصاحب كرمان. لاردة (٥) : في ثغر الأندلس الشرقي، وهي مدينة قديمة ابتنيت على نهر يخرج من أرض جليقية يعرف بشيقر، وهو النهر الذي تلقط منه برادة الذهب الخالص، وهي بشرقي مدينة وشقة، وكانت مدينة لاردة قد خربت وأقفرت فجدد بنيانها إسماعيل بن موسى بن لب بن قسي سنة سبعين ومائتين، وحصنها منيع فلا ترام بقتال ولا يطمع فيها بطول حصار، وبأعلاه مسجد جامع متقن البنيان بني سنة ثمان وثمانين ومائتين، والحصن مشرف على فحص عريض يعرف بفحص مشكيجان - بتفخيم الجيم - ومدينة لاردة خصيبة على الجدوب، ولها بساتين كثيرة وفواكه غزيرة، وهي مخصوصة بكثرة الكتان وطيبه ومنها يتجهز بالكتان إلى جميع نواحي الثغر، وفحص مشكيجان كثير الضياع والمزارع والمراعي ولا تخلو ضيعة منها أن يكون بها برج أو سرداب يمتنع فيه العامرون لها من العدو، وأهل الثغور في عملها يخرجون الأموال من الوصايا والصدقات. لاوان (٦) : مدينة في طريق الهند من البصرة، وهي فرسخان في فرسخ، وأهلها مسلمون، وهي من شط فارس على أربعة فراسخ وفيها النخيل والنبق البري والزرع، ومنها إلى أبرون (٧) اثنا عشر فرسخاً. لبلة (٨) : في غرب الأندلس مدينة قديمة بها ثلاث عيون، إحداها عين تهشر وهي أغزرها، والثانية عين تنبعث بالشب، والثالثة عين تنبعث بالزاج، ومن اشبيلية إلى طلياطة مرحلة من عشرين ميلاً، ومن طلياطة إلى لبلة مرحلة مثلها، وتعرف لبلة بالحمراء، وفيها آثار للأول كثيرة، وسور لبلة قد عقد على أربعة تماثيل: صنم تسميه العامة دردب وعليه صنم آخر، وصنم تسميه

стр. 524

العامة مكبح (١) وعليه صنم آخر، فيخيل إلى الناظر أن ذلك البنيان موضوع على أعناقهم، وانفردت بهذه البنية من بين سائر المدن، ومن مدنها مدينة جبل العيون. ولبلة (٢) مدينة حسنة متوسطة القدر لها سور منيع، ونهرها يأتيها من ناحية الجبل ويجاز عليه في قنطرة إلى لبلة، وبها أسواق وتجارات وبينها وبين البحر المحيط ستة أميال. وكور لبلة جامعة لفوائد الكور كثيرة الزيتون والشجر وضروب الثمر يكون فيها القرمز (٣) الفاضل ويجود بها العصفر وهي سهلية جبلية، وكانت جباية كورة لبلة في أيام الأمير الحكم بن هشام خمسة عشر ألفاً وستمائة. لبيدة (٤) : قرية في جهة القيروان، منها أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الحضرمي القيرواني اللبيدي روى عن ابن أبي زيد وأبي حسن بن القابسي، وله كتاب " الجامع والشرح في التفصيل والتخليص (٥) لمسائل المدونة " كتاب كبير، توفي قريباً من سنة ثلاثين وأربعمائة. لبدة (٦) : مدينة قديمة بناحية طرابلس الغرب، كانت عظيمة الشأن مبنية بالرخام، وآثارها بادية حتى الآن تدل على أنها كانت دار مملكة عظمى وهي مشتملة على الخيرات وعلى بعد من البحر، فتسلطت عليها العرب وعلى أرضها فغيرت ما كان بها من النعم، وأجلت أهلها إلى غيرها، ولم يبق فيها إلا قصران كبيران، وسكانها قوم من هوارة البربر ولها على البحر الآن (٧) قصر كبير فيه صناعات وسوق عامرة، وبلبدة نخل كثير وزيتون يستخرجون زيته في وقته. لبنان (٨) : جبل بالشام قريب من تدمر، وهو سامي الارتفاع ممتد الطول يتصل من البحر إلى البحر، معروف بالزهاد والمنقطعين إلى الله تعالى. وعن قتادة أن البيت بني من خمسة أجبل: من طور سينا وطور زيتا ولبنان والجودي وحراء. وذكر الهيثم بن عدي أنه وجد في جبل لبنان غار في زمن الوليد بن عبد الملك، فدخل فإذا فيه رجل مسجى على سرير من ذهب، عند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية: أنا سيا بن نواس بن سيا خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الديان الأكبر، وعشت بعده دهراً طويلاً ورأيت عجباً كثيراً، ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه، ويعلم أنه صائر إليهم لا محالة فلا يتوب، والذي بعد الموت من حساب الديان الأعظم ورد حقوق المظلومين يومئذ أعظم وأفظع، حقاً أقول: لقد حضرت غاري هذا أغدو وأروح إليه أبكي على نفسي، وقد علمت أن الأجلاف الجفاة سينزلوني عن سريري هذا ويتمولونه ويخرجوني من غاري وهم يدينون بربوبية الديان الأعظم، وذلك حين يتغير الزمان ويتأمر الصبيان، فمن أدرك ذلك الزمان عاش قليلاً ومات ذليلاً. وفي لبنان البرباريس وهو هناك أطيب ما يكون، وهناك التفاح الذي لا يعدل به وهو مثلوج أبداً. وفي سفحه (٩) حصون للملاحدة الإسماعيلية فرقة مرقت وادعت الإلهية في أحد الأنام، قيض لها شيطان من الأنس يعرف بسنان خذلهم بأباطيل وخيالات موه عليهم باستعمالها فاتخذوه إلهاً يعبدونه، وحصلوا من طاعته بحيث يأمر أحدهم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى، ويستعجل في مرضاته الردى، نعوذ بالله من الضلال والفتنة. وجبل لبنان حد بين بلاد الإسلام والافرنج لأن وراءه أنطاكية واللاذقية وطرابلس وسواها من بلادهم، وفي سفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد هو للإفرنج ويغيرون منه على حماة وحمص، وهو بمرأى العين منهما.

стр. 525

اللبين (١) : جبيل قريب من كبكب (٢) . ومن شعر ابن الجنان المتأخر من قصيدة: قف المطايا بالرقمتين ... وحي بانات رامتين وسائل الركب عن رباب ... (٣) ومن بلبنان عن لبين لبلابة (٤) : هو اسم عند أهل البحر والمسافرين فيه للبحر المحيط، بحر المغرب، وهو البحر الغربي المسمى بحر الظلمات، وهو البحر الذي لا يعلم أحد ما خلفه، وفيه الجزائر الخالدات، وهو الذي سافر فيه المغرورون (٥) وأقلعوا من مدينة الأشبونة حسبما ذلك مذكور عند ذكرها، ولم يقف منه أحد على خبر صحيح لصعوبة عبوره وإظلامه وتعاظم موجه وكثرة أهواله وتسلط دوابه وهيجان رياحه، وفيه جزائر كثيرة معمورة وخالية، وليس يركبه أحد من الناس ملججاً، وإنما يمر عليه بطول الساحل ولا يفارقه، وأمواج هذا البحر تندفع مغلقة ولا ينكسر ماؤها، ولو انكسر موجه ما قدر أحد على سلوكه، وكان أهل المغرب الأقصى من الأمم السالفة يغيرون على أهل الأندلس فيضرون بهم كل الإضرار، وأهل الأندلس أيضاً يكايدونهم ويحاربونهم جهد الطاقة، إلى أن كان زمن الاسكندر، ووصل إلى أهل الأندلس فأعلموه بما هم عليه من التناكر مع أهل السوس فأحضر الفعلة والمهندسين، وقصد مكان الزقاق، وكان أرضاً جافة، فأمر المهندسين بوزن الأرض ووزن سطوح ماء البحرين، فوجدوا البحر الكبير يشف علوه على البحر الشامي بيسير فرفعوا البلاد التي على الساحل من بحر الشام، ونقلها من أخفض إلى أرفع ثم أمر أن تحفر الأرض التي بين طنجة وبلاد الأندلس، فحفرت حتى وصل الحفر إلى الجبال التي في أسفل الأرض، وبنى عليها رصيفاً بالحجر والجير إفراغاً وكان طول البناء اثني عشر ميلاً، وهو الذي كان بين البحرين من المسافة والبعد، وبنى رصيفاً آخر يقابله من ناحية أرض طنجة، وكان بين الرصيفين سعة سبعة أميال فقط، فلما أكمل الرصيفين ودخل البحر الشامي فاض ماؤه وهلكت مدن كثيرة كانت على الشطين معاً، وغرق أهلها، وطغى الماء على الرصيفين نحو إحدى عشرة قامة، فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في أوقات صفاء البحر من جهة الموضع المسمى بالصفيحة ظهوراً بيناً طوله على خط مستقيم، وقد عاين المسافرون ذلك وجروا مع طوله بطول الزقاق، وأهل الموضع يسمونه القنطرة، وأما الرصيف الثاني الذي في بلاد طنجة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض وما استقر ذلك منه حتى وصل إلى الجبال من كلتا الناحيتين، وطول هذا الزقاق اثنا عشر ميلاً، وعلى طرفه من جهة المشرق الجزيرة الخضراء وعلى طرفه من جهة المغرب جزيرة طريف، وعرض البحر بين سبتة والخضراء ثمانية عشر ميلاً، وهذا البحر في كل يوم وليلة يجزر مرتين ويمتلي مرتين دائماً بتقدير العزيز الحكيم وهذا البحر هو الذي يسمونه بحر اقيانس أو قيانوس. قالوا: وعلى الحد الذي يخرج منه الخليج إلى البحر الرومي المنارة النحاس الذي بناه هرقل الملك الجبار، وعليه الكتابة والتماثيل مشيرة بأيديها ألا طريق ورائي، ولا مسلك في هذا البحر ولا تجري فيه جارية ولا فيه حيوان، وهذا كالمخالف لما قدمناه. قالوا: ولا تدرك له غاية ولا يحاط بمقداره، وهو بحر الظلمات والأخضر والمحيط. قالوا: وقد خاطر بنفسه خشخاش من أهل الأندلس، وكان من فتيان قرطبة في جماعة من أحداثها فركبوا مراكب استعدوها ودخلوا هذا البحر وغابوا مدة ثم أتى بغنائم واسعة وأخبار مشهورة. قال المسعودي: وإنما يركب من هذا البحر ما يلي المغرب والشمال، وذلك من أقاصي بلاد السودان إلى برطانية الجزيرة العظمى التي في أقصى الشمال، وفي هذا البحر ست جزائر مقابل بلاد السودان تسمى الخالدات، وفيه بقرب جزيرة برطانية إحدى عشرة جزيرة، ثم لا يعرف أحد ما بعد ذلك. قالوا: وليس شيء من البحار كلها يتصل بالبحر الحبشي، وأما سائرها فمتصلة، وهي من بحر واحد، إلا أن بحر الخزر قد اختلف فيه: هل يتصل ببحر اقيانس أو لا قالوا: والصحيح أنه لا يتصل بشيء من هذه البحار.

стр. 526

لحمان (١) : مدينة من مدن سمريني أو سمريقي (٢) عند جبل شونبا الحاجز بينها وبين بلاد سيسان (٣) التي بها البلاد الخراب التي أخربها يأجوج ومأجوج قبل بنيان السد وبقيت البلاد خراباً، ولحمان مدينة حسنة جليلة عامرة، وفيها صنائع ومعايش، وبين أهلها وبين الأغزاز حرب لاقحة، وقد يتهادنون (٤) في بعض الأوقات ويصلحون أمورهم بينهم، وهم أهل شدة واحتراز (٥) . لد (٦) : من مدن فلسطين بالشام، وهو منزل جميل فيه ناس يعمرونه، وفيه تنزل الرفاق الواصلة من الشام إلى مصر والقافلة من مصر إلى الشام، وفيه كنيسة محكمة البناء واسعة الفناء عليها للنصارى أوقاف كثيرة. وفي لد (٧) عجائب، قال رجل، قلت لأهل لد: هذه بنتها الشياطين لسليمان فقال: أنتم إذا جل في صدوركم بنيان أو عمل أضفتموه إلى الشياطين (٨) لقد بني هذا البنيان قبل مولد سليمان ﵇ بمثل ما بيننا وبين سليمان. وفي حديث مسلم (٩) أن الله تعالى يبعث عيسى ﵇ فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله. وفي الخبر (١٠) أن عمر ﵁ قال لرجل يهودي: قد بلوت منك صدقاً فحدثني عن الدجال، فقال: يقتله ابن مريم بباب لد وقال ابن أبي ربيعة: حلت بمكة والنوى قذف ... هيهات مكة من قرى لد وحكوا عن ابن مسعود ﵁ قال: لما فتحت بيت المقدس وأنا مع عمر بن الخطاب ﵁، انحدر منها وهو يريد مدائن الساحل: غزة وميماس وعسقلان، حتى إذا نزلنا برملة لد قال حذيفة ﵁: ما اسم هذه البلدة؟ وعنده أساقفة بيت المقدس ولد، فقالوا: هذه لد، وهذه الرملة، فقال لهم حذيفة ﵁: أيكم أعلم أيها الأساقفة؟ قالوا له: ابن دروثا، ليس بالشام رجل أعلم منه، فقال حذيفة لعمر ﵄: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حذيفة إن الله تعالى سيفتح عليكم الشام من بعدي وشيكاً وسيسجد لكم أساقفة الروم به وبطارقتها، فإذ كنت من لد على ميل أو شبيهاً بذلك فإن جبريل ﵇ ليلة أسري بي هبطه بي فركعت فيها ركعتين، وقال لي جبريل ﵇: هذا الموضع فيه قبر سبعين نبياً، وسيكون فيه مسجد له نور ساطع في السماء يسمى الأبيض، وسيعمر ما حوله حتى يتصل بناؤه بلد فإذا اتصل بلد يا حذيفة فالهرب الهرب، كأني أنظر إلى ابن حمل الضأن قد أقبل من المغرب في ألف سفينة وخمسمائة سفينة، ويحل بساحل الشام فيفتحها، ويضرب رواقه على تل يافا، وينظر إلى جنوده في البر والبحر فيقول: أليس هذه بلادكم تعرفونها وحدودها وتخومها؟ فيقولون: نعم، فيقبل متوجهاً إلى بيت المقدس بخيله ورجله، قال حذيفة ﵁ قال رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى القبارطة عليهم تبابينهم ومعهم درقهم ونيازكهم يخترقون أزقة الرملة. وفي لد مات مروان بن الحكم في أحد الأقوال في سنة خمس وستين، فإنه روي أنه لما بايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز بالعهد بعده، تكلم في ذلك خالد بن يزيد بن معاوية، وكانت أمه عند مروان، فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فشكا ذلك إلى أمه، فقعدت على وجه مروان فقتلته، وهو يعد من قتلة النساء، وقيل بل كان ذلك بالجابية؟ وقيل بمرج راهط، وقيل بدمشق. اللكام (١١) : قالوا: ليس بمعمور الأرض أطول من جبل اللكام فإنه يبتدي من بحر القلزم إلى نواحي الشام فيسمى هناك جبل لبنان ثم ينتهي إلى حمص ويجاوزها فيسمى هناك جبل بهراء وتنوخ، ثم يمر إلى أن يجاوز اللاذقية ويسمى هناك اللكام، ثم ينتهي إلى مرعش ثم إلى شمشاط، ثم ينقسم فتمر منه شعبة إلى الروم ثم إلى الباب والأبواب وتمر منه شقة إلى أحواز ميافارقين، ثم ينتهي إلى

стр. 527

أحواز حلوان والصيمرة وجنوب أصبهان، ثم ينتهي إلى جبال الديلم ويمر مع ساحل البحر الخزري إلى أن ينتهي إلى بحيرة خوارزم إلى جهة بلاد الشاش إلى أقصى بلاد فرغانة وعلى جنوب أشروسنة ومياه سمرقند فيكون على يمين القاصد من خراسان إلى العراق. لكة (١) : مدينة بالأندلس من كورة شذونة، قديمة من بنيان قيصر أكتبيان، وآثارها باقية، ولها حمة من أشرف حمات الأندلس، وعلى نهر لكه هذه التقى لذريق ملك الأندلس في جموعه من العجم، وطارق بن زياد فيمن معه من المسلمين، يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة فاتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال بعده، ثم هزم الله المشركين فقتل منهم خلق عظيم أقامت عظامهم بتلك الأرض بعد ذلك دهراً طويلاً، وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره، فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتيم الذهب يجدونها في أصابعهم، ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة، ويجدون (٢) عبيدهم بخواتيم النحاس. لماية (٣) : اقليم لماية من أقاليم كورة ريه بالأندلس، وبهذا الإقليم جبل يتصل بفحص قرطلت (٤) ويعرف بوادي (٥) لماية، وفي سند هذا الجبل تمثال صورة إنسان بموضع لا يصل إليه إلا من تدلى بالحبال، ويذكر أنه لا يزال يسقط من منخر ذلك التمثال الأيمن نقط ماء وأن العذراء من النساء تختبر به وذلك بأن تحاذي بيدها أنف التمثال، فإن كانت بكراً قطر الماء في يدها، وإلا لم توافق يدها ولو جهدت في ذلك جهدها، هذا عند أهل تلك الناحية مستفيض وأخبر به الثقات. لملم (٦) : هي في الجنوب من بريسى (٧) مع بلاد السودان بينهما نحو عشرة أيام، وأهل بريسى وسلى وتكرور وغانة يغيرون في بلاد لملم ويسبون أهلها، ويسوقونهم إلى بلادهم فيبيعونهم من التجار الواصلين إليهم، فيخرجهم التجار إلى سائر الأمصار، وليس في جميع أرض لملم إلا مدينتان صغيرتان بينهما مقدار أربعة أيام، وأهل تلك الناحية فيما يذكر يهود، الغالب عليهم الكفر والجهالة، وإذا بلغ أحدهم الحلم وسم وجهه وصدغاه بالنار، وبلادهم وجملة عماراتهم على واد يمد النيل، وليس بعد أرض لملم في جهة الجنوب عمارة تعرف. لعلع (٨) : موضع أو جبل بظهر الكوفة قريب من العذيب، وقيل هو ببطن فلج، وقيل من الجزيرة، وقيل في ديار بني ضبة وقال (٩) : سيعلم مسروق وفائي ورهطه ... إذا وائل حل القطاط ولعلعا لفت (١٠) : بفتح اللام وكسرها، موضع بين مكة والمدينة. وفي كتاب مسلم: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى أتينا على ثنية فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هرشى أو لفت، فقال ﷺ : " كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، ماراً بهذا الوادي ملبياً ". اللفتان: من الثغور الشامية على قرب من خرشنة. لقنت (١١) : من بلاد الأندلس، وبينها وبين دانية على الساحل سبعون ميلاً. وهي مدينة (١٢) صغيرة عامرة، وبها سوق ومسجد عامر ومنبر ويتجهز منها بالحلفاء إلى جميع بلاد البحر، وبها فواكه وبقل كثير وتين وأعناب، ولها قصبة منيعة جداً في أعلى جبل يصعد إليه بمشقة وتعب، وهي على صغرها تنشأ بها المراكب السفرية والحراريق، ومن لقنت إلى ألش في البر مرحلة.

стр. 528

لشنتة (١) : مدينة بجزيرة صقلية كان نزل عليها إبراهيم بن أحمد الأغلبي ملك إفريقية لما توجه إلى صقلية غازياً، وذلك بعد أن فتح طبرمين فحاصر لشنته، فطلبوا منه الأمان وأداء الجزية له فأبى ولم يجبهم، وحلت به علته التي مات منها فاشتغل بنفسه، وزادت العلة فمات وأدى أهل لشنته الجزية وهم لا يعلمون بموته، وحمل إلى مدينة بلرم فدفن بها. اللهون (٢) : قرية من قرى الفيوم في البلاد المصرية، وحجر اللهون هذه هو شاذروان بين قبتين مدرج على ستين درجة فيه فوارات للماء يدخل الماء إلى الفيوم بوزن، بقدر ما يكفيها سواء، وهو من أحكم البنيان، بالهندسة عمل وبالفلسفة أتقن، ومن الناس من يقول إن يوسف ﵇ عمله بالوحي، ولم يزل الملوك من الأمم تقصد هذا الموضع وتتأمله لما قد نمي من أخباره وسار في الخلق من عجيب إتقانه، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الدهر لا يتغير، ويقال أنه عمل من ثلاثة أشياء: الفضة والنحاس والزجاج، وفي أعلى الحجر بناء متقن، وفي الضفة الغربية منه مسجد يقال له مسجد يوسف ﵇. لورقة (٣) : بالأندلس من بلاد تدمير، إحدى المعاقل السبعة التي عاهد عليها تدمير، وهي كثيرة الزروع والضرع والخمر. وهي على (٤) ظهر جبل، وبها أسواق وربض في أسفل المدينة وعلى الربض سور، وفي الربض السوق، وبها معدن تربة صفراء ومعادن مغرة تحمل إلى كثير من الأقطار، وبينها وبين مرسية أربعون ميلاً وفيها معدن لازورد. ومن أغرب (٥) الغرائب الزيتونة التي على مقربة من حصن سرنيط (٦) وهو حصن من حصون لورقة البرانية منها، وهي زيتونة في حومة الجبل، فإذا كان وقت صلاة العصر من اليوم الذي يستقبل أول ليلة من شهر مايه نورت الزيتونة، فلا يجن عليها الليل إلا وقد عقدت، ولا يصبح إلا وقد اسود زيتونها وطاب، وقد عرف ذلك الخاصة والعامة ووقفوا عليه. وذكر إبراهيم بن يوسف الطرطوشي (٧) أن ملك الروم قال له سنة خمس وثلثمائة: إني أريد أن أرسل إلى ملك الأندلس قومساً بهدية، وأن من أعظم حوائجي عنده وأكبر مطالبي لديه أن في القاعة الكريمة الكنيسة التي في الدار التي فيها الزيتونة المباركة التي تنور وتعقد ليلة الميلاد وتطعم من نهارها بها قبر شهيد له محل عظيم عند الله ، فأنا أسأله مداراة أهل تلك الكنيسة وملاطفتهم حتى يسمحوا لي بعظام ذلك الشهيد، فإن حصل لي فهو أجل عندي من كل نعمة في الأرض. وبهذه الناحية (٨) موضع معروف من أراد أن يتخذ فيه جناناً صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقي من النهر، فتنبت الأرض بطبعها هناك شجر التفاح والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه حاشا شجر التوت من غير غراسة ولا اعتمال، وهذا الموضع يعرف بأشكوني. وتفسير لورقة باللطيني " الدرع الحصين " (٩) ، وهذا الاسم وافق معناه لأنها من المعاقل الحصينة، وهي على نهر مجراه إلى الشرق من هذا القطر، ولورقة في الجوف منه وتتصل بمدينة لورقة مزارع عريضة تجتزئ في العام بالسقية الواحدة من هذا النهر كما تجتزئ أرض مصر، ولهذا النهر هناك مجريان، أحدهما أعلى من الثاني، فإذا احتيج إلى السقي به عولي بالسداد حتى يرقى المجرى الأعلى فيسقى به، وعلى هذا النهر نواعر في مواضع مختلفة تسقى به البساتين، وتخرج منه الجداول العظيمة، يسقي الجدول عشرة فراسخ وأكثر، وطعام لورقة يبقى مطمراً تحت الأرض عشرين عاماً (١٠) لا يتغير. وكثيراً (١١) ما تجاح زروع لورقة بالجراد، ويزعم أهلها أنه كان

стр. 529

فيها جرادة من ذهب طلباً لدفع مضار الجراد، فسرقت من هناك، فلم يزل الجراد من حينئذ ظاهراً عندهم فاشياً. ويزعمون (١) أن البقر كانت لا تعتل عندهم ولا يقع فيها الموتان العام لها في بعض الأعوام حتى وجد في بعض الأسس من مباني الأول ثوران من صفر، أحدهما أمام صاحبه ينظر إليه، فلما انتزعت من ذلك الموضع وقع الموتان في البقر عندهم ذلك العام. وللورقة الفحص الذي لا يعلم في الأرض مثله وهو المعروف بالفندون المتصل بفحص شنقنيرة (٢) ومسافة ذلك خمسة وعشرون ميلاً وكان قدم (٣) قرطبة أيام الأمير محمد قوم من وجوه المضرية واليمانية بتدمير فسألوهم عن هذا الفحص فذكروا فضله ونمو ما يزدرع فيه فأكثروا وقالوا: إن الحبة تتفرع من أصله ثلثمائة قصبة، فأنكر ذلك بعضهم فكذبه، فوجهوا رسولاً أمروه بإغذاذ السير وبحمل أصول من ذلك الزرع، فأحضرها، فأحصي في كل أصل ثلثمائة قصبة وأكثر في كل قصبة سنبلتها. وبقرية تارة (٤) من قرى لورقة عين تخرج من حجر صلد تجري في قناة منقورة في الحجر، عمقها أكثر من قامة نحو ميلين، ثم يتصل بنقب في الحجر الصلد ومناهر (٥) مفتوحة إلى أعلى الجبل لتنفيس الهواء (٦) ثم تفضي إلى بيت في داخل الجبل ظليم ممتلئ ماء، والجبل كله معتمد على أرجل، ومن دخل إليه لا يعلم ما وراء تلك الأرجل. لوشة (٧) : بالأندلس من أقاليم البيرة، بينهما ثلاثون ميلاً وبها جبل فيه غار يصعد إليه، وعلى فمه شجرة، وهو في حجر صلد عمقه نحو قامتين، فيه أربعة نفر موتى لا يعلم أول أمرهم ولا وقت موتهم يذكر الأبناء عن الآباء أنهم ألفوهم هكذا إلا أن الملوك والولاة لم يزالوا يراعون أمورهم ويتعهدون تجديد أكفانهم ولا توضع عليهم إلا بعد أن تقطع فيها قطوع كثيرة لئلا يطمع الفسقة في الانتفاع بها فيخلعونها عنهم. وهو غار موحش مظلم مهيب لا يدخله إلا رابط الجأش جريء النفس. وكان صاحب (٨) بياسة عبد الله المعروف بالبياسي من بني عبد المؤمن لما ضايقه العادل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة استعان بالنصارى وسلم لهم بياسة ودخل قيجاطة (٩) بالسيف وسار بالعدد إلى لوشة هذه فقاتلهم أشد قتال وسلط عليهم عدو الدين فقتلوا فيهم أشد القتل، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة فاحتوى عليها بعد شدة. اللؤلؤة (١٠) : موضع في بجاية، وهو أنف من الجبل قد خرج في البحر متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة، مشرف نزيه، فيه طاقات مشرفة على البحر، عليها شبابيك حديد أبوابها مخرمة محلاة، ومجالسها مقرنصة وحيطانها بالرخام الأبيض من أعلاها إلى أسفلها، قد نقشت أحسن نقش ونزلت بالذهب واللازورد وكتبت فيها الكتابات المستحسنة، وصورت فيها الصور المليحة. وحكي أنه وجد على قبر باللؤلؤة: ركب المنية بالبرية يوجف ... فعلام أحذر أو لماذا آسف عجباً للؤلؤة حوت بحر الندى ... عكس القضية ليس هذا يعرف لونيا (١١) : جبل في أرض زغاوة من أرض السودان، عالي الذرى صعب المرتقى، ترابه أبيض رخو، وفي أعلاه كهف لا يقربه أحد إلا هلك، ويقال إنه فيه ثعبان يلتقم من اعترض مكانه على غير علم منه بذلك، وأهل تلك الناحية يتنحون عنه ويخافونه، ويقال إن بهذا الجبل حيات قصاراً، في رأس كل حية منها قرنان ويقال إن به حيات ذوات رأسين، ويقال إن نهر كوكو يخرج من جبال لونيا ويمر في جهة الجنوب حتى يمر بكوكو فيجوزها ويمر في

стр. 530

الصحراء، ومن الناس من قال: إن نهر كوكو يخرج من أصل جبل متصل رأسه بالنيل، وفي هذا الجبل أمم من قبائل زغاوة وظواعن رحالة، والإبل عندهم كثيرة اللقاح، وهم ينسجون المسوح من أوبارها والبيوت التي يعمرونها ويأوون إليها، وهم يتصرفون في ألبانها وأثمانها ويصيبون من لحومها، والبقول عندهم قليلة، وأكثر ما يزدرعون الذرة، وربما جلبت الحنطة إليهم من بلاد واركلان وغيرها. لوبية (١) : كورة من كور مصر الغربية، وهي متصلة بالإسكندرية، وقد قيل إن الاسكندر كان من أهل لوبية. لوجارة (٢) : مدينة من بلاد الروم في البر الكبير، كان طاغية صقلية (٣) نقل إليها من بقي بصقلية من المسلمين إذ كانوا له جنداً وعدة لأعدائه يجد نفعهم، فنقلهم إلى هذه المدينة تحوطاً عليهم لحاجته إليهم وتخوفاً منهم إذ كانوا أعداداً جمة، فعمروها ومدنوها وصارت لهم بها أحوال عظيمة، وكانوا أنجاداً وطال مقامهم بها أعصاراً، إلى أن اختلفوا وتحزبوا وافترقت كلمتهم، وآل أمرهم في هذا العهد القريب إلى أن أجلاهم عنها صاحب صقلية الآن (٤) ، فتحكمت فيهم النوائب وتشتت أمرهم، فأخرجوا وأسروا وتفرقوا في البلاد فمنهم من ذهب إلى المشرق، ومنهم من صار إلى إفريقية، وافترقوا في بلادها، وصارت مدينة لوجارة رومية ولم يبق فيها منهم أحد. لياج (٥) : بلدة في جزيرة صقلية على البحر، من البلاد القديمة العمران ذات أسواق وبادية ومزارع طيبة زاكية حارة المزاج يحصد بها الزرع قبل غيرها من بلاد الجزيرة، ويحمل منها الزفت والقطران والخشب، وفي الغرب منها جبل النار المشهور، وبينها وبين بلد قطانية ستة أميال. لنبياذة (٦) : هو حصن بجزيرة صقلية في أعلى صخرة، يحدق به البحر والنهر ولا يدخل إليه إلا من باب واحد، وبه مرسى تسافر المراكب إليه وتحمل الأوساق، وبه عمارة وسوق، وله عمل واسع وأرضه زكية المزارع، ونهره يصب في البحر، ويسمى الوادي الملح، وبه سمك طيب كثير الشحم لذيذ المأكل، وبين لنبياذة وكركنت خمسة وعشرون ميلاً. ليون (٧) : قاعدة من قواعد قشتالة عامرة، بها معاملات وتجارات ومكاسب ولأهلها همة ونفاسة.
следующие страницы →