← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لحمان (١) : مدينة من مدن سمريني أو سمريقي (٢) عند جبل شونبا الحاجز بينها وبين بلاد سيسان (٣) التي بها البلاد الخراب التي أخربها يأجوج ومأجوج قبل بنيان السد وبقيت البلاد خراباً، ولحمان مدينة حسنة جليلة عامرة، وفيها صنائع ومعايش، وبين أهلها وبين الأغزاز حرب لاقحة، وقد يتهادنون (٤) في بعض الأوقات ويصلحون أمورهم بينهم، وهم أهل شدة واحتراز (٥) . لد (٦) : من مدن فلسطين بالشام، وهو منزل جميل فيه ناس يعمرونه، وفيه تنزل الرفاق الواصلة من الشام إلى مصر والقافلة من مصر إلى الشام، وفيه كنيسة محكمة البناء واسعة الفناء عليها للنصارى أوقاف كثيرة. وفي لد (٧) عجائب، قال رجل، قلت لأهل لد: هذه بنتها الشياطين لسليمان فقال: أنتم إذا جل في صدوركم بنيان أو عمل أضفتموه إلى الشياطين (٨) لقد بني هذا البنيان قبل مولد سليمان ﵇ بمثل ما بيننا وبين سليمان. وفي حديث مسلم (٩) أن الله تعالى يبعث عيسى ﵇ فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله. وفي الخبر (١٠) أن عمر ﵁ قال لرجل يهودي: قد بلوت منك صدقاً فحدثني عن الدجال، فقال: يقتله ابن مريم بباب لد وقال ابن أبي ربيعة: حلت بمكة والنوى قذف ... هيهات مكة من قرى لد وحكوا عن ابن مسعود ﵁ قال: لما فتحت بيت المقدس وأنا مع عمر بن الخطاب ﵁، انحدر منها وهو يريد مدائن الساحل: غزة وميماس وعسقلان، حتى إذا نزلنا برملة لد قال حذيفة ﵁: ما اسم هذه البلدة؟ وعنده أساقفة بيت المقدس ولد، فقالوا: هذه لد، وهذه الرملة، فقال لهم حذيفة ﵁: أيكم أعلم أيها الأساقفة؟ قالوا له: ابن دروثا، ليس بالشام رجل أعلم منه، فقال حذيفة لعمر ﵄: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حذيفة إن الله تعالى سيفتح عليكم الشام من بعدي وشيكاً وسيسجد لكم أساقفة الروم به وبطارقتها، فإذ كنت من لد على ميل أو شبيهاً بذلك فإن جبريل ﵇ ليلة أسري بي هبطه بي فركعت فيها ركعتين، وقال لي جبريل ﵇: هذا الموضع فيه قبر سبعين نبياً، وسيكون فيه مسجد له نور ساطع في السماء يسمى الأبيض، وسيعمر ما حوله حتى يتصل بناؤه بلد فإذا اتصل بلد يا حذيفة فالهرب الهرب، كأني أنظر إلى ابن حمل الضأن قد أقبل من المغرب في ألف سفينة وخمسمائة سفينة، ويحل بساحل الشام فيفتحها، ويضرب رواقه على تل يافا، وينظر إلى جنوده في البر والبحر فيقول: أليس هذه بلادكم تعرفونها وحدودها وتخومها؟ فيقولون: نعم، فيقبل متوجهاً إلى بيت المقدس بخيله ورجله، قال حذيفة ﵁ قال رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى القبارطة عليهم تبابينهم ومعهم درقهم ونيازكهم يخترقون أزقة الرملة. وفي لد مات مروان بن الحكم في أحد الأقوال في سنة خمس وستين، فإنه روي أنه لما بايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز بالعهد بعده، تكلم في ذلك خالد بن يزيد بن معاوية، وكانت أمه عند مروان، فقال له مروان: يا ابن الرطبة، فشكا ذلك إلى أمه، فقعدت على وجه مروان فقتلته، وهو يعد من قتلة النساء، وقيل بل كان ذلك بالجابية؟ وقيل بمرج راهط، وقيل بدمشق. اللكام (١١) : قالوا: ليس بمعمور الأرض أطول من جبل اللكام فإنه يبتدي من بحر القلزم إلى نواحي الشام فيسمى هناك جبل لبنان ثم ينتهي إلى حمص ويجاوزها فيسمى هناك جبل بهراء وتنوخ، ثم يمر إلى أن يجاوز اللاذقية ويسمى هناك اللكام، ثم ينتهي إلى مرعش ثم إلى شمشاط، ثم ينقسم فتمر منه شعبة إلى الروم ثم إلى الباب والأبواب وتمر منه شقة إلى أحواز ميافارقين، ثم ينتهي إلى

стр. 527

أحواز حلوان والصيمرة وجنوب أصبهان، ثم ينتهي إلى جبال الديلم ويمر مع ساحل البحر الخزري إلى أن ينتهي إلى بحيرة خوارزم إلى جهة بلاد الشاش إلى أقصى بلاد فرغانة وعلى جنوب أشروسنة ومياه سمرقند فيكون على يمين القاصد من خراسان إلى العراق. لكة (١) : مدينة بالأندلس من كورة شذونة، قديمة من بنيان قيصر أكتبيان، وآثارها باقية، ولها حمة من أشرف حمات الأندلس، وعلى نهر لكه هذه التقى لذريق ملك الأندلس في جموعه من العجم، وطارق بن زياد فيمن معه من المسلمين، يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة فاتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال بعده، ثم هزم الله المشركين فقتل منهم خلق عظيم أقامت عظامهم بتلك الأرض بعد ذلك دهراً طويلاً، وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره، فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتيم الذهب يجدونها في أصابعهم، ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة، ويجدون (٢) عبيدهم بخواتيم النحاس. لماية (٣) : اقليم لماية من أقاليم كورة ريه بالأندلس، وبهذا الإقليم جبل يتصل بفحص قرطلت (٤) ويعرف بوادي (٥) لماية، وفي سند هذا الجبل تمثال صورة إنسان بموضع لا يصل إليه إلا من تدلى بالحبال، ويذكر أنه لا يزال يسقط من منخر ذلك التمثال الأيمن نقط ماء وأن العذراء من النساء تختبر به وذلك بأن تحاذي بيدها أنف التمثال، فإن كانت بكراً قطر الماء في يدها، وإلا لم توافق يدها ولو جهدت في ذلك جهدها، هذا عند أهل تلك الناحية مستفيض وأخبر به الثقات. لملم (٦) : هي في الجنوب من بريسى (٧) مع بلاد السودان بينهما نحو عشرة أيام، وأهل بريسى وسلى وتكرور وغانة يغيرون في بلاد لملم ويسبون أهلها، ويسوقونهم إلى بلادهم فيبيعونهم من التجار الواصلين إليهم، فيخرجهم التجار إلى سائر الأمصار، وليس في جميع أرض لملم إلا مدينتان صغيرتان بينهما مقدار أربعة أيام، وأهل تلك الناحية فيما يذكر يهود، الغالب عليهم الكفر والجهالة، وإذا بلغ أحدهم الحلم وسم وجهه وصدغاه بالنار، وبلادهم وجملة عماراتهم على واد يمد النيل، وليس بعد أرض لملم في جهة الجنوب عمارة تعرف. لعلع (٨) : موضع أو جبل بظهر الكوفة قريب من العذيب، وقيل هو ببطن فلج، وقيل من الجزيرة، وقيل في ديار بني ضبة وقال (٩) : سيعلم مسروق وفائي ورهطه ... إذا وائل حل القطاط ولعلعا لفت (١٠) : بفتح اللام وكسرها، موضع بين مكة والمدينة. وفي كتاب مسلم: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى أتينا على ثنية فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هرشى أو لفت، فقال ﷺ : " كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، ماراً بهذا الوادي ملبياً ". اللفتان: من الثغور الشامية على قرب من خرشنة. لقنت (١١) : من بلاد الأندلس، وبينها وبين دانية على الساحل سبعون ميلاً. وهي مدينة (١٢) صغيرة عامرة، وبها سوق ومسجد عامر ومنبر ويتجهز منها بالحلفاء إلى جميع بلاد البحر، وبها فواكه وبقل كثير وتين وأعناب، ولها قصبة منيعة جداً في أعلى جبل يصعد إليه بمشقة وتعب، وهي على صغرها تنشأ بها المراكب السفرية والحراريق، ومن لقنت إلى ألش في البر مرحلة.

стр. 528

لشنتة (١) : مدينة بجزيرة صقلية كان نزل عليها إبراهيم بن أحمد الأغلبي ملك إفريقية لما توجه إلى صقلية غازياً، وذلك بعد أن فتح طبرمين فحاصر لشنته، فطلبوا منه الأمان وأداء الجزية له فأبى ولم يجبهم، وحلت به علته التي مات منها فاشتغل بنفسه، وزادت العلة فمات وأدى أهل لشنته الجزية وهم لا يعلمون بموته، وحمل إلى مدينة بلرم فدفن بها. اللهون (٢) : قرية من قرى الفيوم في البلاد المصرية، وحجر اللهون هذه هو شاذروان بين قبتين مدرج على ستين درجة فيه فوارات للماء يدخل الماء إلى الفيوم بوزن، بقدر ما يكفيها سواء، وهو من أحكم البنيان، بالهندسة عمل وبالفلسفة أتقن، ومن الناس من يقول إن يوسف ﵇ عمله بالوحي، ولم يزل الملوك من الأمم تقصد هذا الموضع وتتأمله لما قد نمي من أخباره وسار في الخلق من عجيب إتقانه، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الدهر لا يتغير، ويقال أنه عمل من ثلاثة أشياء: الفضة والنحاس والزجاج، وفي أعلى الحجر بناء متقن، وفي الضفة الغربية منه مسجد يقال له مسجد يوسف ﵇. لورقة (٣) : بالأندلس من بلاد تدمير، إحدى المعاقل السبعة التي عاهد عليها تدمير، وهي كثيرة الزروع والضرع والخمر. وهي على (٤) ظهر جبل، وبها أسواق وربض في أسفل المدينة وعلى الربض سور، وفي الربض السوق، وبها معدن تربة صفراء ومعادن مغرة تحمل إلى كثير من الأقطار، وبينها وبين مرسية أربعون ميلاً وفيها معدن لازورد. ومن أغرب (٥) الغرائب الزيتونة التي على مقربة من حصن سرنيط (٦) وهو حصن من حصون لورقة البرانية منها، وهي زيتونة في حومة الجبل، فإذا كان وقت صلاة العصر من اليوم الذي يستقبل أول ليلة من شهر مايه نورت الزيتونة، فلا يجن عليها الليل إلا وقد عقدت، ولا يصبح إلا وقد اسود زيتونها وطاب، وقد عرف ذلك الخاصة والعامة ووقفوا عليه. وذكر إبراهيم بن يوسف الطرطوشي (٧) أن ملك الروم قال له سنة خمس وثلثمائة: إني أريد أن أرسل إلى ملك الأندلس قومساً بهدية، وأن من أعظم حوائجي عنده وأكبر مطالبي لديه أن في القاعة الكريمة الكنيسة التي في الدار التي فيها الزيتونة المباركة التي تنور وتعقد ليلة الميلاد وتطعم من نهارها بها قبر شهيد له محل عظيم عند الله ، فأنا أسأله مداراة أهل تلك الكنيسة وملاطفتهم حتى يسمحوا لي بعظام ذلك الشهيد، فإن حصل لي فهو أجل عندي من كل نعمة في الأرض. وبهذه الناحية (٨) موضع معروف من أراد أن يتخذ فيه جناناً صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقي من النهر، فتنبت الأرض بطبعها هناك شجر التفاح والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه حاشا شجر التوت من غير غراسة ولا اعتمال، وهذا الموضع يعرف بأشكوني. وتفسير لورقة باللطيني " الدرع الحصين " (٩) ، وهذا الاسم وافق معناه لأنها من المعاقل الحصينة، وهي على نهر مجراه إلى الشرق من هذا القطر، ولورقة في الجوف منه وتتصل بمدينة لورقة مزارع عريضة تجتزئ في العام بالسقية الواحدة من هذا النهر كما تجتزئ أرض مصر، ولهذا النهر هناك مجريان، أحدهما أعلى من الثاني، فإذا احتيج إلى السقي به عولي بالسداد حتى يرقى المجرى الأعلى فيسقى به، وعلى هذا النهر نواعر في مواضع مختلفة تسقى به البساتين، وتخرج منه الجداول العظيمة، يسقي الجدول عشرة فراسخ وأكثر، وطعام لورقة يبقى مطمراً تحت الأرض عشرين عاماً (١٠) لا يتغير. وكثيراً (١١) ما تجاح زروع لورقة بالجراد، ويزعم أهلها أنه كان

стр. 529

فيها جرادة من ذهب طلباً لدفع مضار الجراد، فسرقت من هناك، فلم يزل الجراد من حينئذ ظاهراً عندهم فاشياً. ويزعمون (١) أن البقر كانت لا تعتل عندهم ولا يقع فيها الموتان العام لها في بعض الأعوام حتى وجد في بعض الأسس من مباني الأول ثوران من صفر، أحدهما أمام صاحبه ينظر إليه، فلما انتزعت من ذلك الموضع وقع الموتان في البقر عندهم ذلك العام. وللورقة الفحص الذي لا يعلم في الأرض مثله وهو المعروف بالفندون المتصل بفحص شنقنيرة (٢) ومسافة ذلك خمسة وعشرون ميلاً وكان قدم (٣) قرطبة أيام الأمير محمد قوم من وجوه المضرية واليمانية بتدمير فسألوهم عن هذا الفحص فذكروا فضله ونمو ما يزدرع فيه فأكثروا وقالوا: إن الحبة تتفرع من أصله ثلثمائة قصبة، فأنكر ذلك بعضهم فكذبه، فوجهوا رسولاً أمروه بإغذاذ السير وبحمل أصول من ذلك الزرع، فأحضرها، فأحصي في كل أصل ثلثمائة قصبة وأكثر في كل قصبة سنبلتها. وبقرية تارة (٤) من قرى لورقة عين تخرج من حجر صلد تجري في قناة منقورة في الحجر، عمقها أكثر من قامة نحو ميلين، ثم يتصل بنقب في الحجر الصلد ومناهر (٥) مفتوحة إلى أعلى الجبل لتنفيس الهواء (٦) ثم تفضي إلى بيت في داخل الجبل ظليم ممتلئ ماء، والجبل كله معتمد على أرجل، ومن دخل إليه لا يعلم ما وراء تلك الأرجل. لوشة (٧) : بالأندلس من أقاليم البيرة، بينهما ثلاثون ميلاً وبها جبل فيه غار يصعد إليه، وعلى فمه شجرة، وهو في حجر صلد عمقه نحو قامتين، فيه أربعة نفر موتى لا يعلم أول أمرهم ولا وقت موتهم يذكر الأبناء عن الآباء أنهم ألفوهم هكذا إلا أن الملوك والولاة لم يزالوا يراعون أمورهم ويتعهدون تجديد أكفانهم ولا توضع عليهم إلا بعد أن تقطع فيها قطوع كثيرة لئلا يطمع الفسقة في الانتفاع بها فيخلعونها عنهم. وهو غار موحش مظلم مهيب لا يدخله إلا رابط الجأش جريء النفس. وكان صاحب (٨) بياسة عبد الله المعروف بالبياسي من بني عبد المؤمن لما ضايقه العادل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة استعان بالنصارى وسلم لهم بياسة ودخل قيجاطة (٩) بالسيف وسار بالعدد إلى لوشة هذه فقاتلهم أشد قتال وسلط عليهم عدو الدين فقتلوا فيهم أشد القتل، ثم سار إلى بيغو من عمل غرناطة فاحتوى عليها بعد شدة. اللؤلؤة (١٠) : موضع في بجاية، وهو أنف من الجبل قد خرج في البحر متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة، مشرف نزيه، فيه طاقات مشرفة على البحر، عليها شبابيك حديد أبوابها مخرمة محلاة، ومجالسها مقرنصة وحيطانها بالرخام الأبيض من أعلاها إلى أسفلها، قد نقشت أحسن نقش ونزلت بالذهب واللازورد وكتبت فيها الكتابات المستحسنة، وصورت فيها الصور المليحة. وحكي أنه وجد على قبر باللؤلؤة: ركب المنية بالبرية يوجف ... فعلام أحذر أو لماذا آسف عجباً للؤلؤة حوت بحر الندى ... عكس القضية ليس هذا يعرف لونيا (١١) : جبل في أرض زغاوة من أرض السودان، عالي الذرى صعب المرتقى، ترابه أبيض رخو، وفي أعلاه كهف لا يقربه أحد إلا هلك، ويقال إنه فيه ثعبان يلتقم من اعترض مكانه على غير علم منه بذلك، وأهل تلك الناحية يتنحون عنه ويخافونه، ويقال إن بهذا الجبل حيات قصاراً، في رأس كل حية منها قرنان ويقال إن به حيات ذوات رأسين، ويقال إن نهر كوكو يخرج من جبال لونيا ويمر في جهة الجنوب حتى يمر بكوكو فيجوزها ويمر في

стр. 530

الصحراء، ومن الناس من قال: إن نهر كوكو يخرج من أصل جبل متصل رأسه بالنيل، وفي هذا الجبل أمم من قبائل زغاوة وظواعن رحالة، والإبل عندهم كثيرة اللقاح، وهم ينسجون المسوح من أوبارها والبيوت التي يعمرونها ويأوون إليها، وهم يتصرفون في ألبانها وأثمانها ويصيبون من لحومها، والبقول عندهم قليلة، وأكثر ما يزدرعون الذرة، وربما جلبت الحنطة إليهم من بلاد واركلان وغيرها. لوبية (١) : كورة من كور مصر الغربية، وهي متصلة بالإسكندرية، وقد قيل إن الاسكندر كان من أهل لوبية. لوجارة (٢) : مدينة من بلاد الروم في البر الكبير، كان طاغية صقلية (٣) نقل إليها من بقي بصقلية من المسلمين إذ كانوا له جنداً وعدة لأعدائه يجد نفعهم، فنقلهم إلى هذه المدينة تحوطاً عليهم لحاجته إليهم وتخوفاً منهم إذ كانوا أعداداً جمة، فعمروها ومدنوها وصارت لهم بها أحوال عظيمة، وكانوا أنجاداً وطال مقامهم بها أعصاراً، إلى أن اختلفوا وتحزبوا وافترقت كلمتهم، وآل أمرهم في هذا العهد القريب إلى أن أجلاهم عنها صاحب صقلية الآن (٤) ، فتحكمت فيهم النوائب وتشتت أمرهم، فأخرجوا وأسروا وتفرقوا في البلاد فمنهم من ذهب إلى المشرق، ومنهم من صار إلى إفريقية، وافترقوا في بلادها، وصارت مدينة لوجارة رومية ولم يبق فيها منهم أحد. لياج (٥) : بلدة في جزيرة صقلية على البحر، من البلاد القديمة العمران ذات أسواق وبادية ومزارع طيبة زاكية حارة المزاج يحصد بها الزرع قبل غيرها من بلاد الجزيرة، ويحمل منها الزفت والقطران والخشب، وفي الغرب منها جبل النار المشهور، وبينها وبين بلد قطانية ستة أميال. لنبياذة (٦) : هو حصن بجزيرة صقلية في أعلى صخرة، يحدق به البحر والنهر ولا يدخل إليه إلا من باب واحد، وبه مرسى تسافر المراكب إليه وتحمل الأوساق، وبه عمارة وسوق، وله عمل واسع وأرضه زكية المزارع، ونهره يصب في البحر، ويسمى الوادي الملح، وبه سمك طيب كثير الشحم لذيذ المأكل، وبين لنبياذة وكركنت خمسة وعشرون ميلاً. ليون (٧) : قاعدة من قواعد قشتالة عامرة، بها معاملات وتجارات ومكاسب ولأهلها همة ونفاسة.

стр. 531

حرف الميم مأرب (١) : وقد تخفف وهو الأكثر، مدينة باليمن على ثلاثة أيام من صنعاء، وعلى ثلاثة مراحل من ظفار، قيل هي سمة للملك، وقيل هو مسكن سبأ، وهو بسكون الهمزة، قال الله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال " وقال الشاعر (٢) : من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وكان السد من بناء سبأ بن يشجب، وكان ساق إليها سبعين وادياً ومات قبل أن يستتمه، فأتمته ملوك حمير بعده، وقيل بناه لقمان بن عاد وجعله فرسخاً في فرسخ، وجعل له ثلاثين شعباً. والسد (٣) بين جبلين وهما يسميان المأزمين وتمر منه بموضع كان يقسم عليه ماء هذا السد في الجاهلية في صحراء ورمال، وهي التي تسمى جنة اليسرى، قال الله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم " فيمر حتى ينتهي إلى مأرب وفيه معدن الملح الذي أقطعه النبي ﷺ أبيض بن حمال المأربي فجعله أبيض صدقة للمساكين، وعوضه النبي ﷺ حائطاً يعرف بالجدرات على باب مأرب، فلا يخلو من ثمر صيفاً وشتاء وربيعاً وخريفاً لأن ﷺ دعا له بالبركة. ومأرب مدينة سبأ، وبها عرش بلقيس، وكان العرش مبنياً على أساطين حجارة وكل اسطوانة منها فوق الأرض ثمان وعشرون ذراعاً، فاحتمل العرش وبقيت الأساطين على حالها، ويقال إن تحت الأرض من تلك الأساطين مثل ما فوقها، وغلظ كل أسطوانة لا يحتضنه أربعة نفر، وفيها سوق ومسجد والمنزل بها، ثم يخرج منها ويقطع عرض الوادي فيدخل جنة اليمنى التي ذكرها الله تعالى، وليس فيها من الأشجار إلا الأثل والأراك، وتبذر فيها الذرة. وكانت مأرب في القديم مدينة كبيرة عامرة بالخلق مشهورة في بلاد العرب، وبها صرواح قصر سليمان ﵇، ولم يبق منه إلا طلل دارس، وبها قصر بلقيس كما قلناه، وبها كان السد المسمى بالعرم، وكان أكثر أهل مأرب سبأ من قبل العرب الحميرية، وكان لهم من الكبر والتيه والعجب على سائر الأمم ما هو مشهور، وكانوا مع ذلك يكفرون بأنعم الله سبحانه، وكان لهم بهذه المدينة سد عظيم البناء وثيق الصنعة قد أمنوا من خلله، وكان الماء يرتدع خلفه نحواً من عشرين قامة، فكان الماء محصوراً من جوانبه قد أمنوه وأوثقوا صناعته، وكانت مساكنهم عليه، ولكل قبيلة منهم شرب معلوم يسقون منه ويصرفونه في مزارعهم قسمة عدل، وكان السد يعلو هذه المدينة كالجبل المنيف، فلما أراد الله سبحانه انقطاع دولتهم وتشتيت جماعاتهم أرسل عليهم السيل، فجاءهم وهم نائمون، فدفع السد ومر بالمدينة وما جاورها من القرى والبهائم والأمم والنبات، وقتل الكل بالكل وفرقهم شذر مذر، وتفرقت العرب وتبلبلت الألسن، وساروا في المشارق والمغارب، وبقي بالمدينة آثار تراجع إليها أقوام من حضرموت فهم يعمرونها إلى الآن،

стр. 532

وقد ذكر الأعشى ميمون بن قيس سد مأرب في قوله من شعر له (١) : وفي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء مواره لم يرم فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ما بهم إذ قسم سعى جرذ فيهم ليلة ... (٢) فحان بهم جرفهم فانهدم وطار القيول وقيلاتها ... بيهماء فيها سراب يطم فصاروا أيادي ما يقدرون ... منه على شرب طفل فطم وقال أمية بن أبي الصلت في قصيدة له: من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وقد تقدم. قال ابن إسحاق (٣) : وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن أنه رأى جرذاً يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة من اليمن فكاد قومه، فأمر أصغر بنيه إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به أبوه، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي؟ وعرض أمواله فقال أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله، وانتقل هو وولده وولد ولده فقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا ببلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكان حربهم سجالاً، ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مراً، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهدمه، ففيه أنزل الله على رسوله ﷺ " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم " إلى آخر الآية والعرم السد، واحدته عرمة. وروي أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال لحاجبه: أدخل أرث من بالباب تراه، فخرج فوجد رجلاً ذا أطمار لا تكاد تواريه فقدمه، فلما مثل بين يديه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فرد عليه معاوية ﵁ وأمره بالقعود، ثم أقبل عليه فقال: من أين الرجل؟ قال: من مأرب، قال: وممن؟ قال: من سبأ، قال: أنت من الذين بدلوا نعمة الله كفراً فأبدلهم الله بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، قال: إني لمن تلك البلدة ومن نسل أولئك القوم، ولكنك يا معاوية من الذين قالوا لنبيهم محمد ﷺ " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " وإنا لأهل الجنة التي وصفها الله والعرش الذي عظمه الله، وإنكم أهل النجعة التي صغرها الله وذمها لجوعها فقال " لأيلاف قريش " ووثب، فأجلسه معاوية واعتذر إليه. مانان (٤) : جبل في بلاد قمنورية (٥) يتصل بالبحر المحيط، وهو منيع عالي الذروة أحمر التربة، وفيه أحجار لماعة تعشي البصر إذا طلعت عليها الشمس لا يكاد الناظر ينظر إليها لشعاعها وبريق حمرتها، وفي أسفله ينابيع الماء العذب يتزود منه ويحمل في الأوعية إلى كل جهة. ومانان (٦) : أيضاً مدينة من أرض كانم في بلاد السودان، وهي

стр. 533

صغيرة ليس بها شيء من الصناعات المستعملة، وتجارتهم قليلة، ولهم جمال ومعز، ومن مانان إلى مدينة أنجيمي ثمانية أيام، وهي أيضاً من كانم. ماما (١) : قرية بقرب تاهرت صغيرة لها سور تراب، وأكثرها طوب ولها بما استدار بها خندق محفور، ولها واد عذب عليه مزارعها وغلاتها وإصابتها في الحنطة كثيرة. الماطرون (٢) : بلد، قال حمزة الشامي: قرأت على حائط بستان بالماطرون: أرقت بدير الماطرون كأنني ... لساري النجوم آخر الليل حارس وأعرضت الشعرى العبور كأنها ... معلق قنديل عليه الكنائس ولاح سهيل عن يميني كأنه ... شهاب نحاه وجهة الريح قابس المأزمان (٣) : بين عرفة والمزدلفة، والمأزم: المضيق، وقيل الطريق بين جبلين وفي مقصورة ابن دريد (٤) : ثمت راح في الملبين إلى ... حيث تحجى المأزمان ومنى مآب (٥) : بالشام من أرض البلقاء. قالوا (٦) : لما خرج عمرو بن لحي من مكة إلى الشام في بعض أموره فقدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق من ولد سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟ فقالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه منها صنماً يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. ولما خرج الناس من مؤتة في البعث الذي وجههم فيه رسول الله ﷺ ، فانتهوا إلى معان من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل مآب في أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه أخلاط من العرب، فتهيب الناس، فقال عبد الله بن رواحة أحد أمراء هذا البعث من شعر له: فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم والقصة مشروحة في سير ابن إسحاق (٧) . ولما خرج (٨) ، أبو عبيدة والمسلمون إلى الشام مروا بوادي القرى، ثم أخذوا على الحجر أرض صالح النبي ﵇، ثم ذات المنار، ثم على زيزاء، ثم ساروا إلى مآب بمعان (٩) ، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون من أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم فحاصروهم فيها، وصالح أهل مآب عليها فكانت أول مدائن الشام صالح وسار إلى الجابية. مالقة (١٠) : بالأندلس، مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخر، والبحر في قبليها (١١) . وهي حسنة (١٢) عامرة آهلة كثيرة الديار، وفيما استدار بها من جميع جهاتها شجر التين المنسوب إليها، وهو يحمل إلى مصر والشام والعراق وربما وصل إلى الهند، وهو من أحسن التين طيباً وعذوبة، ولها ربضان كبيران، وشرب أهلها من الآبار، ولها واد يجري في زمان الشتاء وليس بدائم الجري. وهي من تأسيس الأول، وأكثر المدينة على جسرين من بناء الأول. والجسر داخل في البحيرتين هناك، قد بني بصخر

стр. 534

كأنوف الجبال، وقصبتها في شرقي مدينتها عليها سور صخر، وهي في غاية الحصانة والمنعة، وفي هذه القصبة مسجد بناه الفقيه المحدث معاوية بن صالح الحمصي، وكان ممن حضر وقعة مروان بن محمد ليلة بوصير فأنجاه الفرار ولجأ إلى الأندلس فرقاً من المسودة، ومات بها، وله روايات وتقدم في السنة والعلم. وجامع مدينة مالقة بالمدينة، وهو خمس بلاطات، ولها خمسة أبواب: بابان منها إلى البحر، وباب شرقي يعرف بباب القصبة، وباب غربي يعرف بباب الوادي، وباب جوفي يعرف بباب الخوخة. وبها مبان فخمة وحمامات حسنة وأسواق جامعة كثيرة في الربض والمدينة. وذكرها الأول في كتبهم فقالوا: مدينة مالق، لا بأس عليها ولا فرق، آمنة من جوع وسبي ودم، مكتوب ذلك في العلم الذي يكتب، وقد قيل: إن هذه الكلمات وجدت في بعض حجارتها نقشاً بالقلم الاغريقي. قالوا: وجميع هذه الآثار التي أمنها منها وبقاؤها عنها قد لحقت بها وجمعت لها في سنة تسع وخمسين وأربعمائة بمحاصرة عباد بن عباد لها، واستطالة برابر قصبتها على أهلها، فشملهم الضر وعمم الفقر، ثم استحلت حرماتهم وسفكت مهجاتهم، فما نجا في البحر إلا الشريد ولا تخلص إلا السعيد، فخلت ديارهم وتغيرت آثارهم. وكذلك عندما نشأت الفتنة في آخر أيام الملثمين وصدراً من دولة الموحدين بقيام ابن حسون (١) فيها، وبعدما قتل فيها من قتل وغرب من غرب قتل نفسه عند قيام أهل البلد عليه، فسبيت حرمه ومزقوا في البلاد كل ممزق: وآسفت حاله، ولله الحكمة البالغة. ومن مالقة إلى أرشذونة ثمانية وعشرون ميلاً، ومرسى مالقة صيفي يكن بالغربي وبإزائه مما يلي المدينة الجسر الذي ذكرناه، ينكسر عليه الموج. ولما ولي القاضي المحدث الشهير أبو محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله الأنصاري (٢) قضاء مالقة وقدم عليها، خرج طلبتها إلى لقائه فأنشدهم: مالقة حييت يا تينها ... الفلك من أجلك يأتينها نهى طبيبي عنك في علتي ... ما لطبيبي عن حياتي نها ماردين (٣) : مدينة من ديار ربيعة بعمل الموصل، بينها وبين مدينة دارا نصف مرحلة، وهي في سفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة، وهي من قلاع الدنيا الشهيرة. ماردة (٤) : مدينة بجوفي قرطبة منحرفة إلى المغرب قليلاً، وكانت مدينة ينزلها الملوك الأوائل، فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها، واتصل ملكهم إلى أن ملك منهم سبعة وعشرون ملكاً، ويقال أن ذا القرنين كان منهم وكان يقال لهذه الأمة الشبونقات (٥) ، ثم دخلت أمة القوط فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من صاحب رومة، واتخذوا طليطلة دار ملكهم وأقروا فيها سرير ملكهم (٦) ، إلى أن دخل عليهم الإسلام، وكان آخرهم لذريق، وكان قد أحدق بماردة سوراً عرضه اثنا عشر شبراً وارتفاعه ثمان عشرة ذراعاً، وكان على بابها مما يلي الغرب حنايات يكون طولها خمسين ذراعاً، متقنة البنيان، عددها ثلثمائة وستون حنية، وفي وسط قنطرتها برج محني يسلك تحته من سلك في القنطرة. وتفسير ماردة باللطيني: " مسكن الأشراف " وقيل بل كانت (٧) دار مملكة ماردة بنت هرسوس الملك، وبها من البناء آثار ظاهرة تنطق عن ملك وقدرة، وتعرب عن نخوة وعز، وتفصح عن عظة وعبرة، ولها في قصبتها قصور خربة، وفيها دار يقال لها دار الطبيخ، وهي في ظهر القصر، وكان الماء يأتي في دار الطبيخ في ساقية هي الآن باقية الأثر، فتوضع صحاف الذهب والفضة بأنواع الطعام في تلك الساقية على الماء حتى تخرج بين يدي الملكة، فترفع على الموائد، ثم إذا فرغ من أكل ما فيها وضعت في الساقية، فتستدير إلى أن تصل إلى يد الطباخ بدار الطبيخ، فيرفعها بعد غسلها، ثم يمر

стр. 535

بقية ذلك الماء في سروب القصر. ومن أغرب الغرائب جلب الماء الذي كان يأتي إلى القصر على عمد مبنية تسمى الارجالات (١) ، وهي أعداد كثيرة باقية إلى الآن، قائمة على قوائم لم تخل بها الأزمان، ولا غيرتها الدهور، فمنها قصار ومنها طوال، بحسب الأماكن التي كان فيها البناء، وأطولها يكون غلوة سهم، وهي على خط مستقيم، وكان الماء يأتي عليها في قني مصنوعة خربت وفنيت، وبقيت تلك الارجالات قائمة يخيل للناظر إليها أنها من حجر واحد لحكمة اتقانها وتجويد صنعتها. وفي الجنوب من سور هذه المدينة قصر آخر صغير، وفي برج منه مكان مرآة كانت الملكة مارد ة تنظر إلى وجهها فيه، ومحيط دوره عشرون شبراً، وكان يدور على حرفه، وكان دورانه قائماً ومكانه إلى الآن باق، ويقال إنما صنعته ماردة لتحاكي به مرآة ذي القرنين التي وضعها في منارة الإسكندرية. وقال هاشم بن عبد العزيز، وقد تذاكروا شرف ماردة وفضل ما فيها من الرخام، قال: كنت كلفاً بالرخام، فلما وليت ماردة تتبعته لأنتقل منه كل ما استحسنته، فبينا أنا أطوف في بعض الأيام بالمدينة إذ نظرت إلى لوح رخام في سورها، شديد الصفاء، كثيراً ما يخيل للناظر أنه جوهر مها، فأمرت باقتلاعه فقلع بعد معاناة، فلما أنزل إذا فيه كتاب عجمي فجمعت عليه من كان بماردة من النصارى، فزعموا أنه لا يقدر على ترجمته إلا عجمي ذكروه يعظمونه، فأنفذت فيه رسولاً، فأتيت بشيخ هرم كبير، فلما وضع اللوح بين يديه أجهش بالبكاء واستعبر ملياً، ثم قال لترجمته: براءة لأهل ايلياء ممن عمل في سورها خمس عشرة ذراعاً، وقد كان في افتتاح الأندلس وجد في كنائس ماردة ما وقع إليها من ذخائر بيت المقدس عند انتهاب بخت نصر لايلياء، وكان ممن حضره في جنوده اشبان (٢) ملك الأندلس، فوقع ذلك وغيره في سهامه. وقصر ماردة بناه عبد الملك بن كليب بن ثعلبة، وهو بديع طول كل شقة من سوره ثلثمائة ذراع، وعرض البناء اثنا عشر ذراعاً، وقنطرة ماردة عجيبة البنيان طولها ميل، بأبدع ما يكون من البنيان. ومن ماردة إلى بطليوس عشرون ميلاً. المايد (٣) : جزيرة فيها عدة مدن، وهي على رأس البحر إلى جهة الصين، وأهلها أشبه بأهل الصين من غيرهم، ولملوكها عبيد وخصيان حسان وخدم بيض، وجزيرتهم تتصل بأرض الصين، وهم يراسلون ملك الصين ويهادونه، وبهذه الجزيرة تجتمع مراكب الصينيين الخارجة من جزائر الصين، وإليها تبلغ، ومنها تخرج إلى سائر النواحي. ماسبذان (٤) : هي أحد فروج الكوفة، وهي بالقرب من هيت. أغزاها (٥) سعد بن أبي وقاص، بأمر عمر بن الخطاب (٦) ، ضرار بن الخطاب فأخذها عنوة وتطاير أهلها إلى الجبال فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد إلى الكوفة فأرسل إليه فخرج إليه، واستخلف على ماسبذان. مارد (٧) : بتيماء، وهو حصن دومة الجندل، بضم دال دومة، وهي على عشر ليال من الكوفة، ومن أمثالهم: تمرد مارد وعز الأبلق. الماه (٨) : الدينور، والماه بالفارسية قصبة البلدان، أي بلد كان، فكان يقال للدينور ماه الكوفة لأن مالها كان يحمل في أعطيات أهل الكوفة، ونهاوند ماه البصرة. الماصر (٩) : ربض من أرباض بغداد، ومما حفظ من شعر محمد الأمين عند اشتداد الحصر عليه: يا فضل قد حاصرني طاهر ... إني على ما نابني صابر

стр. 536

لم يبق من ملكي إلا الذي ... تراه والجسران والماصر ماذران (١) : بجهة نهاوند. ماء الحياة (٢) : موضع على ضفة البحر قريب من سبتة، فيه عيون على ضفة البحر نابعة بين أحجار من تحت رمل، طيبة عذبة، يصل إليها الموج، وينبط الماء العذب في هذا الرمل بأيسر حفر، ويذكر أن بهذا الموضع نسي فتى موسى ﵇ الحوت، ويوجد في هذا الموضع دون غيره حوت ينسب إلى موسى ﵇ عرضه مقدار ثلثي شبر، وطوله أكثر من شبر، ولحمه طيب نافع من الحصى مقو للباه. مالطة (٣) : جزيرة من الجزائر التي تلي جزيرة صقلية، وهي في القبلة من مسينة بينها وبين صقلية مجرى واحد، وكانت قبل هذا للمسلمين، وفيها مراس منشأة للسفن، وأشجارها الصنوبر والعرعر والزيتون، وطولها ثلاثون ميلاً، وفيها مدينة من بنيان الأول وكان يسكنها الروم. وغزاها خلف الخادم مولى زيادة الله بن إبراهيم عند قيام أبي عبد الله محمد بن أحمد (٤) ابن أخي زيادة الله على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب، فهو الذي شقي في أمرها، وخلف هذا هو المعروف ببناء المساجد والقناطر والمواجل، فحاصرها ومات وهو محاصر لها، فكتبوا إلى أبي عبد الله بوفاته، فكتب أبو عبد الله إلى عامله بجزيرة صقلية، وهو محمد بن خفاجة، أن يبعث إليهم والياً، فبعث إليهم سوادة بن محمد، ففتحوا حصن مالطة، وظفروا بملكها عمروس أسيراً، فهدموا حصنها وغنموا وسبوا ما عجزوا عن حمله، وحمل لأحمد من كنائس مالطة ما بنى به قصره الذي بسوسة داخلاً في البحر، والمسلك إليه على قنطرة وكان ذلك سنة خمس وخمسين ومائتين (٥) فبقيت بعد ذلك جزيرة مالطة خربة غير آهلة، وإنما كان يدخلها النشاءون للسفن، فإن العود فيها أمكن ما يكون، والصيادون للحوت لكثرته في سواحلها وطيبه، والشائرون للعسل فإنه أكثر شيء هناك. فلما كان بعد الأربعين والأربعمائة من الهجرة عمرها المسلمون، وبنوا مدينتها، ثم عادت أتم مما كانت عليه، فغزاها الروم سنة خمس وأربعين وأربعمائة في مراكب كثيرة وعدد، فحصروا المسلمين في المدينة واشتد الحصار عليهم وطمعوا فيهم، وسألهم المسلمون الأمان فأبوا إلا على النساء والأموال، فأحصى المسلمون عدد المقاتلة من أنفسهم فوجدوهم نحو أربعمائة، ثم أحصوا عبيدهم فوجدوهم أكثر عدداً منهم، فجمعوهم وقالوا لهم: إنكم إن ناصحتمونا في قتال عدونا وبلغتم من ذلك مبلغاً (٦) وانتهيتم حيث انتهينا، فأنتم أحرار، نلحقكم بأنفسنا وننكحكم بناتنا ونشارككم أموالنا، وإن أنتم توانيتم وخذلتمونا لحقكم من السباء والرق ما يلحقنا، وكنتم أشد حالاً منا، لأن أحدنا قد يفاديه حميمه، ويخلصه من الأسر وليه، ويتمالأ على استنقاذه جماعته، فوعد العبيد من أنفسهم بأكثر مما ظنوا بهم، ووجدوهم إلى مناجزة عدوهم أسرع منهم، فلما أصبح القوم من اليوم الثاني غاداهم الروم على عادتهم، وقد طمعوا ذلك اليوم في التغلب عليهم وأسرهم، والمسلمون قد استعدوا في أكمل عدة للقائهم، وأصبحوا على بصيرة في مناجزتهم، واستنصروا الله عليهم، فزحفوا وثاروا نحوهم دعساً بالرماح وضرباً بالسيوف غير هائبين ولا معرجين، واثقين بإحدى الحسنيين من الظفر العاجل أو الفوز الآجل، فأمدهم الله تعالى بالنصر، وأفرغ عليهم الصبر، وقذف في قلوب أعدائهم الرعب، فولوا منهزمين لا يلوون، واستأصل القتل أكثرهم، واستولى المسلمون على مراكبهم فما أفلتهم منها غير واحد، ولحق عبيدهم بأحرارهم، ووفوا لهم بميعادهم، وهاب العدو بعد ذلك أمرهم، فلم يعترضهم أحد منهم إلى حين (٧) .

стр. 537

مارتلة (١) : على نهر بطليوس بجزيرة الأندلس، منها الزاهد موسى بن عمران المارتلي، اشتهر في اشبيلية بالصلاح، وله شعر مدون منقول منه قوله: أوصيك لا ترد الشها ... دة والإمامة والأمانه تسلم من التجريح وال ... حسد المبرح والخيانه ولما جاز منصور الموحدين البحر إلى الجهاد عام الأرك زاره، ثم وجه إليه بالأموال فقال للرسول: هو أحوج في مالي مني في ماله، قل له: هذه مائة دينار من حلال، خذها لنفقتك في هذه الغزوة فإني أرجو إذا لم تطعم إلا الحلال أن تنصر، فيقال إن المنصور قبل منها ما قاته في خاصته في تلك الحركة، فلم يزل يعرف بركتها حتى نصر الله تعالى، وتوفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. مازر (٢) : مدينة بجزيرة صقلية تلي قوصرة، بينهما مجرى؟ ومازر مدينة مشهورة على الساحل الموازي لافريقية، وهي من مدينة بلرم في الجنوب، وبها واد ترسي السفين فيه، وهي مدينة فاضلة شامخة لا شبه لها ولا مثال في شرف المحل، إليها الانتهاء في جمال الهيئة والبناء، وما اجتمع فيها من المحاسن لم يجتمع في غيرها، وأسوارها حصينة شاهقة، وديارها حسنة، وبها أزقة واسعة وشوارع وأسواق عامرة بالتجارات، وحمامات وخانات وبساتين وجنات طيبة المزدرعات؟ يسافر إليها من جميع الآفاق، وإقليمها كثير الاتساع، يشتمل على منازل كثيرة جليلة وضياع، وبأصل سورها الوادي المعروف بوادي المجنون، وبينها وبين مرسى علي ثمانية عشر ميلاً. ومن مفاخرها أن منها الفقيه الإمام أبا عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم التميمي المازري (٣) صاحب " المعلم بفوائد مسلم " و " شرح التلقين " وغير ذلك، نزيل المهدية، لقي اللخمي (٤) وعبد الحميد بن الصايغ، وبرع في العلم، وانتهت إليه رياسة العلم في وقته، ولا يسمى بالإمام أحد بإفريقية سواه، وسارت مقالاته وفتاويه في الأقطار وقصد الناس إليه، وتوفي بالمهدية سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان، ﵀، على متانة علمه حسن الخلق مليح الدعابة، اجتاز عليه وهو مع أحد أصحابه نصراني في يده زجاجة خمر، فوضع صاحبه يده على أنفه، فاستهجن فعله ونسبه إلى الرياء وقال له: اشتهر في الناس أن ريحها طيب أو غير كريه، ولولا أن الشرع حرم شربها لم يكن بها عيب. واجتاز عليه وهو مع أصحابه بائع تفاح، فأخرج من جيبه خرقة حلها ودفع لصاحب التفاح جملة الذي كان فيها ثم نفض الخرقة وأنشد: ما زلت أشربها خمراً مشعشعة ... حتى نفضت على مكيالها كيسي وصعد هو وصاحب له سطحاً لارتقاب هلال فإذا امرأة على سطح آخر تلتمس الهلال أيضاً، فقال الإمام أبو عبد الله: طلعت للبدر تنظره ... فأرتنا البدر قد طلعا فقال صاحبه: أنزلوا عنا فتاتكم ... لم تدع ديناً ولا ورعا فقال له: هذا من الرياء. وقبره في المنستير؛ وحكي عن من قال: كنت أرى ليلة كل جمعة نوراً هابطاً من السماء متصلاً بقبر الإمام أبي عبد الله المازري. وبمازر توفي الأديب أبو علي حسن بن رشيق القيرواني مؤلف " العمدة " وغيرها سنة ست وخمسين وأربعمائة. مازونة (٥) : بالمغرب بالقرب من مستغانم، وهي على ستة أميال من البحر، وهي مدينة بين أجبل، ولها مزارع وبساتين وأسواق عامرة، ولها يوم يجتمع فيه لسوقها أصناف البربر بضروب من

стр. 538

الفواكه والألبان والسمن، والعسل بها كثير، وهي من أحسن البلاد صفة وأكثرها فواكه وخصباً. ماست (١) : نهر عظيم في بلاد السوس الأقصى بالمغرب يصب في البحر المحيط، جريه من القبلة إلى الجوف كجري نيل مصر، عليه قرى متصلة وعمارات كثيرة وبساتين وجنات وأنواع من الفواكه والثمار والأعناب وقصب السكر، ولم يتخذ الساكنون على هذا الوادي قط رحى فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: نتخذ هذا الماء المبارك في إدارة الأرحاء!! وهم يتطيرون بها. وعلى مصب (٢) هذا الوادي في البحر رباط مقصود له موسم عظيم ومجتمع جليل، وهو مأوى للصالحين، وبين هذا الوادي ونول لمطة ثلاث مراحل في عمائر متصلة تسكنها جزولة ولمطة. وإلى هذا الموضع ينسب الثائر الخارج على عبد المؤمن بن علي المعروف بمهدي ماست (٣) وكان عبد المؤمن صير إليه الجيوش مرة بعد مرة فهزمهم وكثر شغبه وعظمت جموعه، فتوجه إليه بالعساكر الشيخ أبو حفص صاحب الإمام المهدي فواقعه، وكانت بينهم حروب صعبة، فانهزم هذا القائم وقتل أصحابه؛ وهذا فصل من الكتاب بالإعلام بذلك، وهو من إنشاء أبي جعفر بن عطية (٤) : كان أولائك الضالون المرتدون (٥) من أهل ماست قد بطروا عدواناً وظلماً، وارتكبوا إفكاً وجرماً، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستغوى القلوب بمهولاته، ونصب به الشيطان ما شاء من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسل إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر الزائغة أعجب عجب، وكان للناس هناك موقف أخذت الحرب فيه حقوقها، ونهجت به طريقها، وعرفت به رجالها وفريقها، وكنا نحن بخاصتنا في الساقة فحملنا على من يلينا من الأعداء، وحملت كل قبيلة على من يليها على الولاء، فكانت هناك كرات شهيرة، وحملات كثيرة، وظهر لأعداء الله تجلد لم ير قط لأمثالهم، ولا تخيل من أفعالهم، وذلك أنهم كانوا يعاينون غويهم لا تنقله الحملات ولا تحركه، ولا تزيله المنية عنه ولا تتركه، فكانوا ينظرون إليه، ويظهرون الجلد والاجتهاد لديه، فلما عاينه الموحدون واقفاً بمكانه، مقبلاً على بهتانه، قصدوا بعون الله لإطفاء ناره وكف عنانه، فصرع لحينه، وأتته نوافذ الخطيات عن يساره ويمينه، وعاد لوقته طريحاً، تقلب منه المنايا قلباً قريحاً، فانهزم من كان له من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، ودام الموحدون في الإصرار على قتلهم والتمادي، فمن كان منهم يؤمل الفرار ويرتجيه، وسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة هناك اختطافاً، وأذاقته موتاً ذعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء بثبجه، قضى لحينه شرقه، ولوى بدينه غرقه، وكان دخولهم فيه في أول مده إلى حين ابتداء الوادي في جزره ونقصانه، وكفه عن حملاته وطغيانه، فدخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه ينالونهم طعناً وضرباً، ويلقونهم هولاً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء، على صفحات الماء، فحكت حمرتها على زرقه حمرة الشفق في زرق السماء، فمن لم تدركه منيته بسنان، أدركه الغرق بشر مكان. مادغوس (٦) : قبر مادغوس بقرب جبل أوراس، وهو قبر مثل الجبل الضخم مبني بآجر دقيق قد بني وعقد بالرصاص، وصورت فيه صور الحيوان من الأناسي وغيرهم، وهو مدرج النواحي، وفي أعلاه شجرة ثابتة (٧) وقد اجتمع على هدمه من سلف فلم يقدروا على ذلك، وفي الشرق من هذا القبر بحيرة مادغوس وهي (٨) مجتمع لكل طائر.

стр. 539

متيجة (١) : مدينة بالقرب من الجزائر، على نهر كبير عليه الأرحاء والبساتين ولها مزارع ومسارح، وهي أكثر تلك النواحي كتاناً، ومنها يحمل، وفيها عيون سائحة وطواحن ماء. مثوب (٢) : موضع قريب من حضرموت، فيه نزل وهرز الذي أرسله كسرى أنوشروان مع سيف بن ذي يزن لغزو الحبش في الزمن السالف، كان وجه معه من أهل السجون جنداً وقال: إن فتحوا فلنا، وان هلكوا فلنا، فلما مضوا مع وهرز الديلمي وكان رامياً شجاعاً فركبوا البحر إلى ساحل حضرموت ثم نزلوا بمثوب هذا، وأمر وهرز بتحريق السفن لئلا يخطر لهم الفرار، وقال في ذلك رجل من حضرموت: أصبح في مثوب ألف في الجنن ... من رهط ساسان ورهط وهرزن ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دلهم قصد السبيل ذو يزن وفي القصة طول، وهي مشهورة. مجنة (٣) : ماء بازاء عكاظ، ومجنة على ثلاثة أميال من مكة بناحية مر الظهران وكان في الجاهلية سوقاً من أسواق العرب مثل عكاظ وذي المجاز، وكان رسول الله ﷺ في أول مبعثه يأتي هذه الأسواق في مواسم يعرض نفسه على القبائل ويدعو إلى الله تعالى وإلى ما جاء به، وأقام على ذلك أعواماً، فمنهم من يحسن الرد ومنهم من يسيئه، إلى أن أظهر الله دينه ونصر نبيه، وفي ذكر عكاظ طرف من هذا. مجريط (٤) : مدينة بالأندلس شريفة بناها الأمير محمد بن عبد الرحمن، ومن مجريط إلى قنطرة ياقوه (٥) وهي آخر حيز الإسلام، أحد وثلاثون ميلاً. وفي مجريط تربة تصنع منها البرام وتستعمل على النار عشرين سنة لا تنكسر، وما طبخ فيها لا يكاد يتغير في حر الهواء ولا برده، وحصن مجريط من الحصون الجليلة، وهو (٦) من بناء الأمير محمد بن عبد الرحمن. وذكر ابن حيان في تاريخه الخندق الذي خندق بخارج سور مجريط، قال: عثر فيه على قبر برمة عادية كان طولها إحدى وخمسين ذراعاً التي هي مائة شبر وشبران من قمحدوة رأسه إلى طرفي قدميه، وصح هذا بالثبت من مخاطبة قاضي مجريط ووقوفه عليه ومعاينته إياه ومعاينة شهوده ذلك، وأخبر أن مقدار ما وسعه تجويف قحف دماغه ما قدره ثمانية أرباع أو نحوها، فسبحان من له في كل شيء آية. ومجريط (٧) ، مدينة صغيرة وقلعة منيفة، وكان لها في زمن الإسلام مسجد جامع وخطبة قائمة. وهي بمقربة من طليطلة. مجدونيه (٨) : مدينة مجدونية قاعدة الروم الإغريقيين، ومنها أرسطاطاليس فيلسوف الروم وعالمها وطبيبها وجهبذها وخطيبها، وهو معلم الاسكندر وله إليه رسائل. ومن رسائله هذه الرسالة الفذة الصغيرة في حجمها الكبيرة في معناها، قالوا: اشتملت على مصالح الدنيا والآخرة، قال فيها علي بن رضوان المصري: وقد (٩) وضع العارف أرسطاطاليس مقالة كتبها على طريق البلاغة جمع فيها ما إذا نصبه الإنسان غرضاً في مطلوب من مطالب السعادة الذاتية المسماة فلسفة، والعرضية المسماة بحثاً، وصل إلى مطلوبه، قال: وأنا أشير على كل من وقف عليها أن يعمل فيها ما عملناه وفرضناه على أنفسنا، وذلك أني أقرؤها في كل يوم مرة واحدة أتدبر معانيها وألزمها في مطلوباتي فأبلغ منها إلى ما ألتمسه، وهذا لفظ العارف: قال (١٠) : أما بعد، فإن حقاً على العاقل أن ينظر إلى محاسن الناس ومساوئهم وموقعها منهم في منافعها ومضارها، ثم يلتمس المنافع لنفسه من مثل ما نفعهم، ويتقي المضار عنها من مثل ما

стр. 540

ضرهم، فيوظف الأمور وظائفها، ويجعل بين طبقاتها (١) حدوداً تزايل بينها، ثم يأخذ لنفسه آلة تأديبها في إحياء علم ما علم من الأمور بالعمل، واستجلاب ما جهل بالتعلم، ثم يكون تأديبه لنفسه في غير وقت واحد ولا معلوم، فإنه واجد في كل حين من أحايينه وطبقة من طبقات الدهر التي هو راكبها، أو في حال من حالات نفسه التي تتحرك إليها من ضروب الجد أو الهزل، أو الفرح أو الحزن، أو الإقامة أو الظعن، موضع تأديب لنفسه وتقويم لها حتى لا يكون لأهل طبقة من الطبقات، رفيعة كانت أو وضيعة، عليه في طبقتهم التي يشاركهم فيها فضل، فان امرءاً لا يلتمس أن يكون له فضل على أهل منزلة من المنازل إلا دعاه فضله عليهم إلى الرغبة عنهم، حتى ترقى به منزلته إلى مشاركة أهل المنزلة التي فوق منزلته، فإن التماس الراحة بالراحة يذهب الراحة ويورث النصب، لأن تأديب المرء نفسه داعية إلى نقله إلى الأرفعين إن كان ذا رفعة، ومن الأخسين إن كان ذا خساسة، وترك التأدب ضرر، وذو الضرر نصب عامل فقير، فمنهاج التأديب تيقيظ النفس بالأدب، ثم لا يمنعك عصيانها من إدامة تيقيظها، فإن إلحاحك عليها مع حبها الراحة سيحملها على طلب الراحة بتنقيص الطاعة، ولا يلبث الذي ينتقص، وإن كان كثيراً، أن يترك قليلاً، وإذا همت النفس ببعض الإجابة كان أولى ما تؤخذ به إعطاء الدين لحقه وإشعار النفس حظها ثم تعهد الإخوان بالملاطفة، فإن التارك متروك، ثم الاستكثار من فوائد الإخوان، فإن كثرتهم تقيل العثرة وتنشر المحمدة، ثم تأدية الفروض إلى أهل المكاسرة (٢) المتشبهين بالإخوان، والصبر عليهم إما طمعاً في تحويل ذلك منهم صدقاً، وإما اتقاء كلمة فاجر وقعت في سمع مائق ذي دولة، ثم اعطاء إخوان الإخوان شعبة من الحفظ والتذكير، فإن إخوان الإخوان من الإخوان، وهم بمنزلة العلم المستدل به على الوفاء، ثم إن تقضى (٣) محن الإخوان التي يمتحنون بها عند الناس: أما عند الموت فبحفظه في العقب، وأما عند الزمانة فبحفظه على حال الضعف، وأما عند الحاجة فبحفظه (٤) عن المسكنة، ثم وزن ما نلت بما أنلت، ثم حسن التقاضي (٥) إن ظن لك فضل بإسقاط المن وإحراز الفضل، والسخط على نفسك في التقصير، ثم تعهد الملوك بالتقريظ والملازمة فإن همتها في أنفسها الامتداح وفي الناس الاستغناء (٦) ، ثم تعهد النصحاء بالممالأة (٧) فإن نصيبهم منك واستفادتك منهم في الخلوة، ثم تعهد الصلحاء بالمصافاة لتعرف بمثل ما عرفوا به من الخير، ثم تعهد الأكفاء بالمكارمة (٨) فإنها تحسم البخل وتجري الإخاء، ثم تعهد الخاصة (٩) بتفتيش الداخلة، ثم تعهد ذوي الرحم بالرحمة وأقوياءهم بالتعليم، فإن رحمتك ذوي الرحم تورثك برهم وتعليمك ذوي القوة منهم تورثك نفعهم، ثم تعهد المعيشة بالإصلاح من غير تحبس للمستوجبات لما يجب لها، ثم تعهد الأعداء بالأذى، وذوي الاغتيال بالمناقضة (١٠) ، وذوي التنصل بالمغفرة، وذوي الاعتراف بالرأفة والرحمة، وذوي المواثبة بالوقار، وأهل المشاتمة بالمحقرة، وأهل المناقشة بالمكاثرة، وأهل الموادعة بالاحتراس، ثم الأخذ في الشبهات بالكف، وفي المجهولات بالإرجاء، وفي الواضحات بالعزيمة، وفي المستريبات بالبحث، ثم إحياء الحزم عند المكاره، والصبر عند النوائب، والتحمل عند الغيظ، والكظم عند الغضب، والوقار عند المستجهلات، ثم تعهد الجار بالرفق، والقرين (١١) بالمواساة، والصاحب بالمطاوعة، والزائر بالتحفة، ثم صحبة الملوك بكتمان السر وإرشاد الأعمال وتقريظ الأفعال، ثم قس بين خيار إخوانك وشرارهم، ثم انظر أي الفريقين تستجمع به مودتهم، فإن كان تشبهك بخيارهم زادك عند شرارهم نفاقاً، وإن كان تشبهك بشرارهم زادك عند خيارهم كساداً، فإن أحق الأمرين يجمعهم جميعاً لك إن شاء الله تعالى والسلام. مجدول: موضع على نحو عشرين ميلاً من القيروان كانت فيه وقيعة بين يحيى بن إسحاق الميورقي وبين صاحب تونس يومئذ السيد أبي زيد بن أبي العلا ادريس من بني عبد المؤمن فانهزم يحيى ورجع السيد ظافراً، وفي ذلك يقول عثمان بن عتيق المهدوي:

стр. 541

لقد أيد الله المقام المكرما ... وسنى له الصنعين فتحاً ومغنما مجانة المطاحن (١) : بإفريقية، مدين ة قديمة، فيها مقطع حجار الأرحاء لا يعدلها شيء من الحجارة، وبينها وبين مرماجنة مرحلة كبيرة، وهي مدينة صغيرة عليها سور تراب، وكان يزرع بها قديماً بصل الزعفران، ولها واد غزير الماء يأتي من جبل بمقربة منها يزرعون عليه غلاتهم، وهو جبل شاهق ومنه تقطع أحجار المطاحن التي إليها تنتهي الجودة وحسن الطحن، حتى إن الحجر الواحد منها ربما مر عليه عمر الإنسان فلا يحتاج إلى نقاش لصلابته ودقته، والعرب متغلبة على أرضها، وبينها وبين القسنطينة ثلاث مراحل. المحصب (٢) : بمكة معروف مأخوذ من الحصباء، وقال الشاعر: ولم أر ليلى قبل موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المحصب محسر (٣) : واد بالمزدلفة وهو جمع، وعن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، وجمع كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر ". المختارة: مدينة على الدجلة، وعلى مسيرة يوم من البصرة، وبالقرب من مدينة عبادان، سماها بذلك الدعي المتغلب على البصرة سنة ثمان وخمسين ومائتين، وهو المعروف بصاحب الزنج، وكان حاصرها وقتل من أهلها ثلثمائة ألف، وقتل بعد أن دخلها مائتي ألف، وحرق عامتها وهدم المسجد الجامع وحرقه بالنار، واسمه محمد بن علي بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، وخرج في خلافة المعتمد والمهتدي بالله العباسي، وكان الذي طاوله في تلك الحروب طلحة بن جعفر المتوكل المعروف بالموفق إلى ثلاث سنين وثمانية أشهر إلى أن قتله، وسيق رأسه إلى بغداد وطيف به، وكان يوماً عظيماً، وكان هذا الدعي سكن المختارة بسودانه الذين قاموا معه من عبيد أهل البصرة وغيرهم، وكانت مدته إلى أن قتل ست عشرة سنة، وكان موته بسهم أصابه في نحره بين الصفين وهو ينشد: لميتة يلقها الإنسان واحدة ... خير له من لقاء الموت تارات وقصته مشهورة، وهي أطول من هذا. مخيس (٤) : سجن بناه علي ﵁ بالكوفة، قال الخليل: هو بفتح الياء، سجن الحجاج، لأنه موضع التخييس. مدين (٥) : بالشام على ساحل بحر القلزم، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب ﵇ قال الله تعالى " ولما ورد ماء مدين "، ويحكى أنها بئر معطلة (٦) ، وسميت مدين بالقبيلة التي كان منها شعيب ﵇، وفيها معايش ضيقة وتجارات كاسدة، ومن مدين إلى أيلة خمس مراحل. ومدين الذي سميت به البلدة هو مدين بن إبراهيم ﵇. وفي القرآن " وإلى مدين أخاهم شعيباً "، وقال بعضهم (٧) : لم يكن شعيب ﵇ من ذرية إبراهيم ﵇، وإنما هو من ذرية بعض من آمن به، وهم أصحاب الأيكة من ولد مدين بن إبراهيم، وسلط الله على قومه حراً شديداً أخذ بأنفاسهم، ثم بعث الله سحابة فوجدوا لها برداً، فلما صاروا تحتها أرسلها عليهم ناراً، فذلك قوله تعالى " فأخذهم عذاب يوم الظلة "، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، وكانوا أهل كفر بالله وبخس في المكيال والميزان. وزعم قوم أن أهل مدين بعث الله إليهم شعيباً من العرب العاربة والأمم الدائرة وليسوا من ولد مدين بن إبراهيم.

стр. 542

ومدين (١) في الطريق من مدينة النبي ﷺ إلى مصر، وهي بين جبال شامخة متكائدة (٢) ، وبقرب مدين البئر التي استقى منها موسى ﵇، قد بني على أسها بيت من صخر فيه قناديل معلقة، وبها كهف شعيب كان يؤوي إليه غنمه، وفي الجبال التي هناك بيوت منقورة في صخر صم قد حفر في البيوت قبور، وفي تلك القبور عظام بالية كأمثال عظام الإبل، يكون مقدار كل بيت عشرين ذراعاً أو نحوها ولتلك البيوت روائح خبيثة لا يدخل الداخل فيها حتى يضع يده على أنفه من شدة النتن، يقال إنهم لما أخذهم عذاب يوم الظلة دخلوا فيه فهلكوا، وبقرب هذه البيوت تلال تراب عظيمة قيل إنها كانت مواضعهم (٣) عامرة فخسف بها. ومع (٤) يهود مدين كتاب يزعمون أن النبي ﷺ كتبه لهم، وهم يظهرونه للناس حتى الآن، وهو في قطعة أديم قد اسودت لطول الزمن عليها، إلا أن خطها بين، وفي آخره: وكتب علي بن أبي طالب، غير معرب (٥) ، وقال قوم: إنه بخط معاوية بن أبي سفيان، ولم يذكر علياً، وهو عند أهل قرية من ساحل مدين يقال لها مسي، ومن هناك لا تزال تسير والجبال تيامنك والبحر بيسارك حتى تفضي إلى أيلة. المدائن (٦) : على سبعة فراسخ من بغداد على حافتي دجلة، فبهرسير هي المدينة الدنيا، وهي على أحد جانبيها مما يلي المشرق، وقصر كسرى وهو الإيوان هي المدينة القصوى، وهو القصر الأبيض الذي أخبر به النبي ﷺ ، وبها كان مقام الأكاسرة. وتلقاء مقعد الملك من سقف الإيوان حلقة من ذهب كان يعلق التاج منها بسلسلة من ذهب. والمدائن (٧) هي كانت دار مملكة الأكاسرة، والفرس اختاروها من مدن العراق، وكان أول من نزلها أنوشروان، وهي عدة مدن في جانبي دجلة الشرقي والغربي، منها المدينة التي يقال لها العتيقة، وفيها القصر الأبيض القديم الذي لا يدرى من بناه، وفي الجانب الشرقي أيضاً مدينة يقال لها أسبانبر، وفيها إيوان كسرى العظيم الذي ليس للفرس مثله، ارتفاع سمكه ثمانون ذراعاً، وبين المدينتين مقدار ميل، وفي هذه المدينة قبر سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان ﵄، ثم مدينة يقال لها الرومية، وبها كان أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وبها قتل أبا مسلم داعية بني العباس، وفي الجانب الغربي من دجلة مدينة يقال لها بهرسير، ثم ساباط على فرسخ من بهرسير. وهذه المدائن كلها هي المدائن وافتتحها سعد بن أبي وقاص ﵁. وذكر أن الاسكندر، وهو كان أحد ملوك الأرض، وقيل إنه ذو القرنين المذكور في القرآن بلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبخراسان العليا سمرقند ومدينة الصغد، وبناحية الجبل جي وهي أصبهان، وبنى مدناً أخر في نواحي الأرض وأطرافها، وجال الدنيا كلها ووطئها فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن، فنزلها وبنى بها مدينة عظيمة، وجعل عليها سوراً أثره باق، وهو المدينة التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي، وأقام الاسكندر بها راغباً عن بقاع الأرض كلها وعن بلاده ووطنه، ولم تزل مستقره مذ نزلها حتى مات بها، وحمل منها فدفن بالإسكندرية مكان أمه، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك، وكذلك ملوك الأكاسرة كلهم اختاروا المدائن وما جاورها منزلاً لصحة تربتها وطيب هوائها واجتماع مصب دجلة والفرات بها، فلم تزل دار مملكة الأكاسرة ومحل كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة وأبنية قديمة، منها الإيوان والقصر الأبيض المذكور جميع ذلك في سينية أبي عبادة. ولما فرغ (٨) سعد بن أبي وقاص ﵁ من القادسية أمره عمر ﵁ بالمسير إلى المدائن وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق ويجعل معهم كنفاً (٩) من الجند ففعل، وعهد إليه أن يشاركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم، فقدم سعد زهرة بن الحوية نحو اللسان، وهو لسان البر الذي

стр. 543

أدلعه في الريف، وعليه الكوفة اليوم وكانت عليه قبل اليوم الحيرة، وكان النخيرجان معسكراً به، فارفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم ولحق بأصحابه. ثم قدم (١) سعد العساكر عليهم أمراؤه ثم ارتحل يتبعهم بعد الفراغ من أمر القادسية، وكل المسلمين فارس مؤد، قد نقل الله إليهم ما كان في عسكر فارس من كراع وسلاح ومال، فسار زهرة حتى نزل الكوفة وهي حصباء ورملة حمراء، ومضى زهرة إلى المدائن، فلما أتى برس لقيه بصبهرى في جمع فناوشهم زهرة فهزمهم وهربوا إلى بابل، وبها فالة الفارسية وبقايا رؤسائهم، وكان زهرة قد طعن بصبهرى في يوم برس فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل، وأقبل عند ذلك دهقان برس، وهو بسطام، فاعتقد من زهرة وعقد لهم الجسور وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل، فكتب بذلك زهرة إلى سعد، فأتاه الخبر وقد نزل بالكوفة على من بها مع هاشم بن عتبة، فقدمهم ثم اتبعهم، فنزلوا على الفيرزان ببابل، فاقتتلوا فهزموا المشركين في أسرع من لفت الرداء، فانطلقوا على وجوههم (٢) ، ولم يكن لهم همة إلا الإفتراق، فخرج الهرمزان نحو الأهواز وخرج الفيرزان حتى طلع على نهاوند وبها كنوز كسرى فأخذها وأكل الماهين، وصمد النخيرجان ومهران الرازي للمدائن حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر، ثم قطعا الجسر. ونزل سعد (٣) بالناس على بهرسير شهرين يرمونهم بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات ويقاتلونهم بكل عدة، وكان سعد عندما نزلها وعليها خنادقها وحرسها وعدة الحرب استصنع شيرزاد المجانيق، وكان اعتقد منه بأداء الجزية، فنصب على أهلها عشرين منجنيقاً فشغلهم بها، وقاتلهم المسلمون، وكانت على زهرة بن الحوية يومئذ درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم، فسرد فقال: ولم؟ فقالوا: إنا نخاف عليك منه، فقال: إني لكريم على الله تعالى ان ترك سهم فارس الجند كله ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت في، فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة نشبت فيه من ذلك الفصم، فأرادوا نزعها فقال: دعوني فإن نفسي معي ما دامت في، لعلي أن أصيب فيهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو فضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا، وقيل بل غيره صاحب القضية، لأن الصحيح أن موته كان بعد ذلك. وأشرف (٤) على الناس وهم يحاصرون بهرسير رجل من الفرس فقال: يقول لكم الملك هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما بيننا وبين دجلة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟ فبدر الناس أبو مفزر (٥) الأسود بن قطبة، فأنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن، فأجابه بالفارسية ولا يعرف منها شيئاً هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن فقلنا: يا أبا مفزر، ما قلت لهم؟ قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما أدري ما هو، إلا أني غلبتني سكينة، وأرجو أن أكون أنطقت بالذي هو خير، وانتابنا الناس يسألونه حتى سمع ذلك سعد فجاءنا فقال: يا أبا مفزر: ما قلت لهم، فوالله إنهم لهراب؟ فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى في الناس ثم نهد بهم فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان، فأمناه، فقال: ما بقي أحد فيها، فما يمنعكم، فتسورها الرجال وافتتحناها فما وجدنا فيها شيئاً ولا أحداً إلا أسارى أسرناهم خارجاً منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأي شيء هربوا؟ فقال: بعث إليكم الملك يعرض عليكم الصلح فأجبتموه إنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل عسل افريذين بأترج كوثا، فقال الملك: واويلاه، أرى ملائكة تكلم على ألسنتهم فترد علينا وتجيبنا عن العرب، ووالله لئن لم يكن كذلك ما هو إلا شيء ألقي على في هذا الرجل لننتهي، فأرزوا إلى المدينة القصوى. ثم دخل سعد بهرسير وأمر بها فثلمت وتحول العسكر إليها، ولاح لهم في جوف الليل القصر الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله، وتابع التكبير حتى أصبحوا. وقال القعقاع بن عمرو من شعر له: فتحنا بهرسير بقول حق ... أتانا ليس من سجع القوافي

стр. 544

وقد طارت قلوب القوم منا ... وملوا الضرب بالبيض الخفاف ولما نزل (١) سعد بهرسير، وهي المدينة الدنيا من المدائن، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شيء، ووجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا أياماً يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، ودجلة قد طما ماؤها يندفق جانباها، فبينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلاً قائلاً يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، وأتاه قوم من العجم لهم ذمة فدلوه على موضع أقل غمراً من موضعهم ذلك، ورأى سعد كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وفي سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافونه، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا، إلا إني قد عزمت على قطع هذا البحر، فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج، فانتدب له عاصم بن عمرو، وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصماً فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم، وقد شدوا على حزمها وألبانها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلاً مثلها، فاقتحموا إليهم دجلة، فلقوا عاصماً في السرعان، وقد دنا من الفراض فقال: الرماح الرماح!! أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا في الماء، وتوخى المسلمون عيونهم، فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيولهم حتى ما يملكون منها شيئاً، فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم، ونجا باقيهم عوراناً، وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين وسميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال لما رأى منهم في الماء والفراض. ولما رأى (٢) سعد عاصماً على الفراض وقد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة، واعترضوا دجلة وإنها لمسودة تزخر، لها حدب تقذف بالزبد، فكان أول من اقتحم سعد بن أبي وقاص ثم أقحم الناس خيولهم، وقد قرنوا أنثى بكل حصان يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض، وطبقوا دجلة خيلاً ورجالاً حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، وسلمان الفارسي يساير سعداً يحدثه، والماء يطفو بهم، والخيل تعوم، فإذا أعيا فرس استوى قائماً يستريح كأنه على الأرض، فقال قيس بن أبي حازم: إني لأسير في دجلة في أكثر مائها إذ نظرت إلى فارس وفرسه كأنه واقف ما يبلغ الماء حزامه، قال بعضهم: لم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك، فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم. وفي رواية (٣) ، أنه قال لسلمان وهو يسايره في الماء: والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال سلمان: يا أبا إسحاق الإسلام جديد، ذلل الله لكم البحر كما فرقه وذلله لبني إسرائيل والذي نفس سلمان بيده، لتخرجن منه أفواجاً كما دخلتموه أفواجاً، فخرجوا منه كما قال سلمان، ولم يفقدوا شيئاً ولم يغرق فيه أحد إلا رجلاً من بارق يدعى غرقدة زل عن ظهر فرس له شقراء كأني أنظر إليها عرياً تنفض عرفها، والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فجره حتى عبر، فقال البارقي، وكان من أشد الناس: أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع، وكانت للقعقاع فيهم خؤولة، ولم يذهب للمسلمين في الماء يومئذ شيء إلا قدح كانت علاقته رثة فانقطع فذهب به الماء فقال الرجل الذي كان يعاوم صاحب القدح معيراً له: أصابه القدر فطاح، فقال: إني أرجو والله ألا يسلبني الله قدحي من بين أهل العسكر، فإذا رجل من المسلمين ممن تقدم يحمي

стр. 545

الفراض قد تناول القدح، وقد ضربته الرياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ برمحه فجاء به إلى العسكر، فعرفه صاحبه فأخذه وقال لصاحبه الذي كان يعاومه: ألم أقل لك؟ فيروى أن عمر ﵁ بلغه ما كان قال له صاحبه أولاً، فأنكره وأرسل إليه: أنت القائل أصابه القدر فطاح، تفجع مسلماً؟ وقال الأسود بن قطبة أبو مفرز يومئذ: يا دجل إن الله قد أشجاك ... هذي جنود الله في قراك فالشكر للذي بنا حاباك ... ولا تروعي مسلماً أتاك وفجأ المسلمون (١) أهل فارس من هذا العبور بأمر لم يكن في حسابهم فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم، وخرجوا هراباً، واستولى المسلمون على ما كان لهم من خزائن وثياب متاع وآنية وألطاف وما لا يدرى ما قيمته، وما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم وكل الأطعمة والأشربة، فدخل المسلمون المدائن واستولوا على ذلك كله، ونزل سعد القصر الأبيض، ولما عبر المسلمون دجلة جعل أهل فارس ينظرون إليهم يعبرون ويقول بعضهم لبعض بالفارسية ما تفسيره بالعربية: والله إنكم ما تقاتلون الإنس وإنما تقاتلون الجن. وما زال حماة أهل فارس يقاتلون على ماء الفراض يمنعون المسلمين من العبور، حتى ناداهم مناد: على م تقتلون أنفسكم؟ فوالله ما في المدائن من أحد، فانهزموا واقتحمتها الخيول عليهم. وانتهى سعد إلى إيوان كسرى فقرأ " كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين " وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة، وتصلى ثمان ركعات لا يفصل بينهن، واتخذ الإيوان مسجداً وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، فلم يمتنع هو ولا المسلمون من الصلاة فيه لأجلها، وتركوها على حالها، وأتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها. وبالمدائن كانت أول جمعة جمعت بالعراق في صفر سنة ست عشرة. ولما جمعت الغنائم (٢) ، قسم سعد بين الناس فيئهم بعدما خمسه، فأصاب الفارس اثني عشر ألفاً، وكلهم كان فارساً ليس فيهم راجل وقسم دور المدائن بين الناس فأوطنوها وبعث إلى العيالات فأنزلهم فيها وأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد وكتب سعد إلى عمر ﵄ بفتح المدائن وبهرب ابن كسرى. والمدائن خربت منذ أزمان متقدمة، وعلى مقدار نصف فرسخ منها مشهد سلمان الفارسي ﵁. المدينة: هو اسم غلب على مدينة النبي ﷺ ، قال تعالى: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل "، وقال تعالى: " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " وهي يثرب، قال : " يا أهل يثرب لا مقام لكم " والدار، قال تعالى: " والذين تبوؤا الدار والإيمان "، وطيبة وطابة والعذراء وجابرة والمجبورة والمحبة والقاصمة وقد مر ذكرها في حرف الطاء. وغلب على بلرم قاعدة مدن جزيرة صقلية اسم المدينة أيضاً، وفيها قال أبو علي بن رشيق يعنيها (٣) : أخت المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سواها من البلدان والتمس وعظم الله معنى ذكرها قسماً ... قلد إذا شئت أهل العلم أو فقس مدينة المنصور (٤) : بالعراق، بناها أبو جعفر المنصور وأضافها إلى نفسه، وهي مشرفة على دجلة، وهي بين دجلة والفرات ودجيل والصراة، وكان بنى على كل باب من أبواب المدينة مجلساً يشرف منه على ما يليه من البلاد من ذلك الوجه، وكانت أربعة أبواب، وهي: باب خراسان، وكان يسمى باب الدولة، وباب الشام، وباب الكوفة، وباب البصرة. قالوا (٥) : وبينما المنصور جالس في مجلس بهذه المدينة في أعلى باب خراسان مشرف على دجلة إذ جاء سهم عائر حتى سقط

стр. 546

بين يديه، فذعر المنصور منه ذعراً شديداً، ثم أخذه فجعل يقلبه، فإذا مكتوب عليه بين الريشتين: أتطمع في الحياة إلى التنادي ... وتحسب أن ما لك من معاد ستسأل عن ذنوبك والخطايا ... وتسأل بعد ذاك عن العباد ثم قرأ عند الريشة الأخرى: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وساعدتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ثم قرأ عند الريشة الأخرى: هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال يوماً تريك خسيس القوم ترفعه ... إلى السماء ويوماً تخفض العالي قال: وإذا على جانب السهم مكتوب: همذان منها مظلوم في حبسك، فبعث من فوره بعدة من خاصته ففتشوا الحبوس والمطابق، فوجدوا شيخاً في بيت من الحبس فيه سراج يسرج، وعلى بابه جارية مسبلة (١) ، وإذا الشيخ موثوق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون "، فسئل عن بلده فقال: همذان، فحمل ووضع بين يدي المنصور، فسأله عن حاله، فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمتها، وأن واليك دخل إلى بلدنا، ولي ضيعة في بلدنا تساوي ألف ألف درهم، وأراد أخذها مني فامتنعت، فكبلني في الحديد وحملني، وكتب إني عاص، فطرحت في هذا المكان، فقال المنصور: مذ كم؟ قال: مذ أربعة أعوام، فأمر بفك الحديد عنه والإحسان إليه والإطلاق له وإنزاله أحسن منزل، وقال: يا شيخ، قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا وأما مدينتك همذان فقد وليناك عليها، وأما الوالي فقد حكمناك فيه وجعلنا أمره إليك، فجزاه الشيخ خيراً ودعا له بالبقاء وقال: يا أمير المؤمنين، أما الضيعة فقد قبلتها، وأما الولاية فلا أصلح لها وأما واليك فقد عفوت عنه، فأمر له المنصور بمال جزيل وبر واسع، واستحله وحمله إلى بلده مكرماً بعد أن صرف الوالي وعاتبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل، وسأل الشيخ مكاتبته في مهماته وأخبار بلده، وإعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج، ثم أنشأ المنصور يقول: من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه ... يوماً وللدهر إحلاء وإمرار لكل شيء وإن دامت سلامته ... إذا انتهى فله لا بد إقصار مدينة المائدة (٢) : في أحواز طليطلة، سميت بذلك لأنها وجد فيها المائدة المنسوبة إلى سليمان بن داود ﵉ وهي خضراء من زبرجد، حافاتها منها وأرجلها، وكان فيها ثلثمائة وخمسة وستون رجلاً، وانتهى إليها طارق حين مضى إلى طليطلة سنة ثلاث وتسعين. المدان (٣) : بلد بالحجاز، به مات عيسى بن جعفر بن أبي جعفر سنة اثنتين وتسعين ومائة. قال أبو العيناء: انصرف عيسى بن جعفر ليلة من عند الرشيد، وفي إصبعه خاتم فضة، فصه ياقوت أحمر قيمته عشرة آلاف دينار، فسقط فصه في الطريق، فطلب فلم يوجد، فقال: أطفئوا الشمع، فلما أظلم الطريق أضاء الفص فأخذه. المذار (٤) : بالعراق، وهي مدينة ميسان، على ضفة دجلة،

стр. 547

وهي عامرة بالأسواق والتجاريات، وهي صغيرة في قدرها، وبها مصانع، وأهلها متنافسون فيما بينهم، ولهم اهتمام بالأمور وصيانة لما بين أيديهم من أموالهم وشح مطاع، ولهم مزارع كثيرة وعمارات جليلة وغلاة رائجة، وهي ما بين واسط والبصرة. وسميت (١) بالمذار لفساد تربتها، والمذار: الفساد في الرائحة. وكانت وقعة (٢) المذار في صفر سنة اثنتي عشرة على يد خالد بن الوليد، في خلافة الصديق ﵄، خرج إليهم خالد في تعبئته، فاقتتلوا على حنق وحفيظة، ودعا قارن إلى البراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش، فابتدراه فسبقه إليه معقل فقتله، وقتلت فارس مقتلة عظيمة، وأقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفيء ونفل من الأخماس ما نفل في أهل البلاد، وبعث بقيتها إلى أبي بكر ﵁، ودفع إلى أبيض الركبان سلب قارن وقيمته مائة ألف، وإلى عاصم وعدي سلب النوشجان وقباذ، وقتل ليلة المذار ثلاثون ألفاً سوى من غرق، ولولا المياه لأتي على آخرهم، ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة، ولم يلق خالد ﵁ أحداً بعد هرمز إلا كانت الوقيعة الأخيرة أعظم من التي قبلها، ومن ذلك السبي كان يسار أبو الحسن البصري، وكان نصرانياً. المروة (٣) : جبل بمكة معروف، والصفا جبل آخر بازائه، وبينهما قديد ينحرف عنهما شيئاً يسيراً، والمشلل هو الجبل الذي ينحدر منه إلى قديد، وعلى المشلل كانت مناة، فكان من أهل بها من المشركين، وهم الأوس والخزرج يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، ثم استمروا على ذلك في الإسلام، فأنزل الله تعالى: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " كذا روي عن عائشة ﵂. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: لما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله الآية. وكان رسول الله ﷺ في طوافه بينهما يمشي حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، وكان بدء هذا السعي أن إبراهيم ﵇ لما أتى بهاجر إلى مكة وانتهى بها وابنها معها طفل صغير، وليس معهما إلا مزود تمر وقربة ماء، فأنزلهما هناك وانصرف عنهما، تبعته فقالت: يا إبراهيم آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، فمكثت حتى فني الزاد والماء وانقطع لبنها، وجعل الصبي يتلمظ، فذهبت إلى الصفا فوقفت عليه، هل ترى من مغيث، فلم تر أحداً، فذهبت تريد المروة، فلما صارت في بطن الوادي سعت حتى خرجت منه، فأتت المروة فوقفت عليها، هل ترى أحداً، وترددت بينهما سبعة أشواط، فصارت سنة. وذو المروة (٤) من أعمال المدينة، قرى واسعة لجهينة. مر الظهران (٥) : بفتح أوله وتشديد ثانيه وبالظاء المعجمة، موضع بينه وبين البيت ستة عشر ميلاً، ورد عمر بن الخطاب ﵁ الذي ترك طواف وداع البيت من مر الظهران، وكانت منازل عك مر الظهران، سميت مر لمرارة مياهها وكان رسول الله ﷺ ينزل المسيل الذي من أدنى مر الظهران حتى يهبط من الصفراوات، وليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا مرمى حجر، وهناك نزل عند صلح قريش. وبمر الظهران حصن كبير يسمى البوقة، وفيه كان مسكن أمير مكة شكر بن الحسن بن علي بن جعفر الحسني، وهناك ضياع كثيرة لأهل مكة ولبني جمح وبني مخزوم وغيرهم. وببطن (٦) مر تخزعت خزاعة عن إخوتها فبقيت بمكة وسارت إخوتها إلى الشام أيام سيل العرم، قال حسان بن ثابت ﵁ (٧) : ولما نزلنا بطن مر تخزعت ... خزاعة عنا في الحلول الكراكر

стр. 548

ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزل أزد عمان عمان، ونزلت خزاعة مراً كما قلناه، ونزلت أزد السراة السراة، وفيهم نزل: " لقد كان لسبأ في مسكنهم ". وبطن مر (١) فيه عين ماء في مسيل رمل، وحوله نخيلات يأوي إليها قوم من العرب، ومن بطن مر إلى عسفان ثلاثة وثلاثون ميلاً. المريسيع (٢) : قرية من قرى وادي القرى، وقال البخاري: هو ماء بنجد في ديار بني المصطلق من خزاعة، وقال ابن إسحاق: من ناحية قديد إلى الشام، غزاة رسول الله ﷺ سنة ست فهي غزوة المريسيع وغزوة بني المصطلق وغزوة نجد، قال الزهري: وفيها كان حديث الإفك. ثنية المرار (٣) : في حديث الحديبية أن رسول الله ﷺ قال للناس: " انزلوا "، فقيل: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج رسول الله ﷺ سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل به قليباً من تلك القلب فغرز (٤) في جوفه فجاش بالارواء حتى ضرب الناس فيه بعطن. مداسة (٥) : مدينة من بلاد السودان، وهي متوسطة كثيرة العمارة، وفي أهلها معرفة، وهم على شمال النيل ومنه شربهم، وهي بلد أرز وذرة، وأكثر عيشهم من الحوت وتجارتهم بالتبر. المربد: موضع بالبصرة، قال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، وداري عين المربد، وفي مقصورة ابن دريد (٦) : فالمربد الأعلى الذي تلقى به ... مصارع الأسد بألحاظ المها مركطة (٧) : مدينة بينها وبين بلاق مرحلة ببلاد السودان، وهي صغيرة لا سوق لها، مجتمعة الخلق متحضرة، وبها شعير يتعيشون منه، والسمك والألبان عندهم كثير، وإليها يدخل التجار في بحر القلزم. مرو الشاهجان (٨) : من خراسان، وتسمى أم خراسان، والمرو بالفارسية المرح، والشاه الملك، وجان النفس، فمعناه " مرح نفس الملك "، وقال مسلم بن الوليد: حنت بمرو الشاهجان تسومني ... أحداً أشطت لو تحس بذاكا وإذا أطلقوا مرو فإنما يعنون مرو الشاهجان، والنسبة إليها مروزي، وهو من شاذ النسب، ومن قصيدة زياد الأعجم التي رثى بها المغيرة بن المهلب: إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح وفيها قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن شهريار، وقتله الأعاجم، تولى قتله رجل ينقر الأرحاء، وسبيت له ابنتان فوجه بهما إلى العراق. وبين مدينة (٩) مرو وبلخ مائة وستة وعشرون فرسخاً، وتعرف بمرو الشاهجان الأولية البنيان، وقهندزها من بناء طهمورث، والمدينة القديمة من بناء ذي القرنين، ويقال إنه دعا لها بالبركة وقال: لا يصاب أهلها بسوء، وهي في أرض مستديرة بعيدة من الجبال وليس في شيء من حدودها جبل، وأرضها كثيرة الرمل وأبنيتها بالطين، وحدها من المشرق بشاطئ جيحون وفي الجنوب حدود الترمذ والبحر، وفي الشمال أوائل دروب خوارزم وفي المغرب أول حد سرخس، وهي سهلية رملية تحيط بها الرمال والمفاوز ويجري فيها نهر عظيم منه شربهم يقبل من ناحية الجنوب من مرو الروذ، وهو شرب مرو الروذ، وابتداؤه من حدود الباميان. وفي مرو ثلاث مساجد للجمعات، لأن أول مسجد أقيم للجمعة ضاق عن الناس لما كثروا فبنى عمر بن عبد العزيز ﵁ المسجد المعروف بالعتيق على باب المدينة حيث الجامع

стр. 549

ومصلى العيد في رأس الميدان في مربعة أبي جهم، ويطوف به من جميع نواحيه البنيان والعمارات، وهو على نهر وعليه أبنية كثيرة من المدينة، وهو مما يلي ناحية سرخس. وللمدينة الداخلة أربعة أبواب: الباب الأول يلي المسجد الجامع، وباب يعرف بباب سنجان، وباب بالين وباب درمشكان (١) ، ومن هذا الباب يخرج إلى ما وراء النهر، وعلى هذا الباب عسكر المأمون أيام مقامه بها إلى أن انتهت إليه الخلافة ومرو أيضاً كانت معسكر الإسلام في أوله ومنها استقامت مملكة فارس للمسلمين لأن يزدجرد ملك فارس قتل بها في طاحونة، ومن مرو ظهرت دولة بني العباس لأن في دار أبي النجم المعيطي صنع أول سواد صنع ولبسته المسودة. ومن صحة تربة مرو أن بطيخهم يقدد ويحمل إلى سائر البلاد، ولا يمكن في غيرها، وتكون البطيخة الواحدة بها من ربع قنطار وأكثر، ولا يكون موضع الزريعة منها إلا قدر موضع بيضة، وتضع منه شرائح وتجفف، ويؤكل جافاً أطيب منه رطباً وتصنع منه حلوى، ويجد الذي يأكله له رائحة عطرة لا تشبه بشيء، تبقى في يد المتناول أياماً وإن غسل بغاسول، وكان يجتلب منه للمأمون في كل عام بنحو عشرة آلاف دينار وأكثر، ومن معادنها يكون الاشبوعان الذي يحمل إلى سائر البلاد، ويرتفع من مرو الابريسم والقز الكثير والقطن الذي ينسب في سائر البلاد إليها، وهو غاية في اللين لا يعدل به ويتجهز به إلى الآفاق. وحكوا ان امرأة من مرو كانت تلد البنات، فقيل لها: احمدي الله، فقالت: لا أحمد الله، فولدت قردة. قال المخبر: فرأيتها ترضعها في حجرها. وبمرو كان سرير سلطنة خراسان من قديم الزمان، وفيها معظم العسكر، فأرسل الططر في الخفية إلى البلد: إن أنتم قاتلتمونا مثل أهل بلخ ونيسابور وهراة لم يبق منكم أحد، وفعلنا بكم كما فعلنا بهم ولا يغركم الجند فإنهم يفرون على خيولهم ويتركونكم في أيدينا، وأرسلوا إلى الجند: خلوا بيننا وبين الرعية والأموال وسيروا حيث تحبون، فتجادل الصنفان، وركن أهل البلد إلى تأمينهم، فلما ملكوا المدينة لم يبقوا على بلدي ولا جندي، ومن أفلت من الجند أدركته خيل الططر، وخرجت عليهم من كمائنهم التي وضعوها في البساتين والرساتيق، وجاءوا من كل حدب ينسلون، وانجلت الحال عن سبعمائة ألف قتيل من المسلمين وإنما عرف عددهم بأن وضعت عليهم (٢) قطع القصب، وكان القتلى بنيسابور وبلخ وهراة أكثر مما كانوا بمرو، وهذه أمهات مدن خراسان التي كان المثل يضرب بعمارتها وعظمها، خربوها وقتلوا أهلها في بعض سنة، وفعلوا في مدارس هذه المدن وربضها ما تنبو عنه الأسماع، فسبحان من أرسلهم لطي الدنيا. مرو الروذ: بخراسان أيضاً، والمرو بالفارسية المرح كما قلناه والروذ الوادي، فمعناه: وادي المرح، لأن إضافتهم مقلوبة والنسبة إليها مرورودي، هذا هو المستعمل، وإن ينسب روذي. وقالوا (٣) : هذه أكبر من بوشنج وهي مدينة قديمة في مستو من الأرض بعيدة عن الجبال أرضها سبخة كثيرة الرمل وأبنيتها من الطين، وهي على غلوة سهم من النهر وفيها ثلاثة مساجد للجماعات ولها قصبة في نشز مرتفع، وماء المدينة يجلب إليها في قنوات كثيرة وللمدينة أربعة أبواب، وبمرو نهر عظيم تنبعث منه أنهار وتسقى بها الرساتيق وجملة ضياعهم، وفي هذه الضياع مبان متقنة ومتنزهات حسنة. ومرو معتدلة الهواء حسنة الثرى ويقدد بها البطيخ ويحمل إلى كل الآفاق، ويرتفع من مرو الابريسم والقز الكثير ويتجهز منها بالقطن العجيب الذي ينسب في سائر الأقطار إليها، وهو الغاية في اللين وتعمل منه بها الثياب تحمل إلى كل الآفاق، ولها منابر مضافة إليها ومعدودة منها، وبين مرو الروذ ومرو (٤) الشاهجان ست مراحل، ومرو الروذ ما بين مرو وبلخ وهي أقرب إلى مرو. وافتتح مرو الروذ الأحنف بن قيس، وهو من قبل عبد الله بن عامر، في خلافة عثمان ﵁.

стр. 550

وفي سنة ثلاث ومائتين كانت بمرو ونواحيها من أرض خراسان زلازل كان أمرها غليظاً. ولما بعث (١) ابن عامر الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ حاصر أهلها وخرجوا إليه فقاتلوه فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصونهم، فأشرفوا عليهم فقالوا: يا معشر العرب: ما كنتم عندنا كما نرى، ولو علمنا أنكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هذه، فأمهلوا ننظر في أمرنا في يومنا، وارجعوا إلى عسكركم، فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم وقد أعدوا له، فخرج من المدينة رجل من العجم معه كتاب فقال: إني رسول فأمنوني، فإذا هو ابن أخي مرزبان مرو، ومعه كتاب إلى الأحنف، وإذا فيه: إلى أمير الجيش، إنا نحمد الله الذي بيده الدول يغير ما يشاء من الملك، ويرفع من يشاء بعد الذلة، ويضع من يشاء بعد الرفعة، إنه دعاني إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدي وما كان رأى من صاحبكم من الكرامة والمنزلة فمرحباً بكم وأبشروا، وأنا أدعوكم إلى الصلح على أن أؤدي إليكم خراجنا ستين ألف درهم، وأن تقروا بيدي ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبي حيث قتل الحية التي أكلت الناس وقطعت السبيل من الأرض والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتي شيئاً من الخراج ولا تخرجوا المرزبة من أهل بيتي إلى غيرهم، فإن جعلت ذلك لي خرجت إليك، وقد بعثت إليك ابن أخي ماهك ليستوثق بما سألت. فكتب إليه الأحنف: بسم الله الرحمن الرحيم، من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم، سلام على من اتبع الهدى، فإن ابن أخيك ماهك قدم علي فنصح لك جهده وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معي من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء وقد أجبناك إلى ما سألت، وعرضت علي أن تؤدي عن أكرتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلي وإلى الوالي بعدي من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التي ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطعها جد أبيك، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك، وأن لك على ذلك نصر المسلمين على من يقاتل من ورائك من أهل ملتك، جار لك بذلك مني كتاب يكون لك بعدي، ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوي الأرحام، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول، كان لك ما للمسلمين من العطاء والمنزلة والأرض وكنت أحدهم، ولك بذلك مني ذمتي وذمة أبي وذمة المسلمين وذمة آبائهم. ثم إن (٢) مرزبان الروذ تربص بحمل ما كان صالح عليه لاشتغال الأحنف والمسلمين بقتال أهل طخارستان وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب، وكانوا أتوه في ثلاثين ألفاً في ثلاثة زحوف، فلما هزمهم الله تعالى ونصر المسلمين سرح الأحنف رجلين إلى المرزبان وأمرهما أن لا يكلماه حتى يقنعاه (٣) ، ففعلا، فعلم أنهما لم يصنعا ذلك إلا وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه. مربلة (٤) : بالأندلس بقرب مرسى سهيل ومرسى مالقة، ومربلة مدينة صغيرة مسورة من بناء الأول محكمة العمل ممتنعة المرام، وهناك جبل منيف عال يزعم أهل تلك الناحية أن النجم المسمى سهيلاً يرى من أعلاه، ولذلك سمي أبو القاسم الأستاذ الحافظ مؤلف: " الروض الأنف " السهيلي (٥) . المرغاب: نهر رزيق (٦) ، قرية على سبعة فراسخ من مرو. لما قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس برزيق على يد طحان نزل عنده متنكراً، قيل شدخ رأسه بحجر، وقيل نذر بأنه مطلوب فهرب فنزل الماء وعليه ثيابه، فضرب طالبوه الطحان وقالوا: دلنا عليه، فقال: هاهنا تخلفته، وخرجوا يجولون في طلبه، فرآه رجل في الماء عليه ديباج، فأخذه، فقال: خلني وعم عني وأعطيك خاتمي ومنطقتي، فقال: أعطني أربعة دراهم، قال: الذي

стр. 551

أعطيك أعظم من الآلاف قيمة، قال: إنما أريد أربعة دراهم، فضحك وقال: قد كان قيل لي أنك ستحتاج إلى أربعة دراهم فلا تجدها، فهجموا عليه فقال لهم يزدجرد: لا تقتلوني فإنه من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله تعالى في الدنيا بالحرب وفي الآخرة بالنار، واحملوني إلى ملك العرب فأصالحه عليكم وتأمنون، فأبوا وأعطوا الطحان وتراً، فدنا منه كأنه يكلمه فرمى بالوتر في عنقه وخنقه، وأخذوا ثيابه فصيروها في جراب، وختموا الجراب وقتلوا الطحان، وأوثقوا يزدجرد في الماء وانصرفوا؛ وقال قوم: إن يزدجرد لما أوى إلى منزل الطحان فنام قتله الطحان وأخذ متاعه، وألقى جسده في المرغاب، وجاء الطالبون له فخفي عليهم أثره عند منزل الطحان، فأخذوه به فأنكر أن يكون رآه، فضربوه فأقر لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوه وأهل بيته، ثم أخرج يزدجرد من النهر، وصير في تابوت وحمل إلى الصحراء أول سنة إحدى وثلاثين، وكان قتله في رزيق. المراغة (١) : من أعمال الرقة التي هي واسطة ديار مضر، وبين الرصافة والمراغة أربعة وعشرون ميلاً، والمراغة في طرف البادية، وهو حصن عامر والعرب تسرح في أرضه. والمراغة (٢) مدينة حسنة كثيرة الخير والفواكه نزهة الأمطار لها بساتين وجنات وغلات، ويجلب إليها من بعض قراها بطيخ مستطيل أحمر الداخل أخضر الخارج طعمه يزيد على العسل في حلاوته. وعلى ضفة (٣) النيل بقرب أنصنا بلد صغير يسمى المراغة فيه نخل وقصب سكر وزراعات وبساتين، وهي بغربي النيل، وبينها وبين أنصنا نحو خمسة أميال. ومن أهل المراغة الشريف المراغي صاحب التعليق في الخلاف وكتاب " الجدل ". وفي المراغة يقول الحافظ أبو طاهر السلفي: سقى الله المراغة كل يوم ... وحياها المساء وفي الصباح أقمنا بينهم زمناً وعشنا ... بأفضل عيشة بين الصباح وكنا من كبار محدثيها ... بأخبار وآثار صحاح ورأيت من وجه آخر أن المراغة مدينة أذربيجان، ونزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة، فحاصروها أياماً وقتلوا أهلها، وفتحوها عنوة ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا منهم ما يخرج عن الإحصاء، وسبوا وحرقوا وفعلوا من المنكرات ما يطول ذكره. ودخل رجل من الططر داراً بالمراغة فيها عدة من رجال ونساء يزيدون على مائة، فلم يزل يقتلهم واحداً بعد واحد حتى أفناهم، ولم يمد إليه أحد منهم يده بسوء، مما صب الله تعالى عليهم من الخذلان. مرج الأمير (٤) : بالأندلس عند قرية مليس بقرب وادي آش، وبه عسكر الإمام عبد الرحمن بن محمد إذ كان محاصراً لحصن اشتبين. مرج الصفر: بالشام، به كانت وقيعة للمسلمين على نصارى الشام بعد وقعة أجنادين، وكان بين الوقيعتين عشرون يوماً، وكان ذلك قبل وفاة أبي بكر ﵁ بأربعة أيام. ولما كان (٥) المسلمون على دمشق محيطين بها أتاهم آت فأخبرهم أن هذا جيش قد جاءكم من قبل ملك الروم، فنهض خالد بن الوليد بالناس، فقدم الأثقال والنساء مع يزيد بن أبي سفيان، ووقف خالد وأبو عبيدة ﵄ من وراء الناس، ثم أقبلوا نحو ذلك الجيش، فإذا هو الدرنجار بعثه ملك الروم في خمسة آلاف رجل من أهل القوة والشدة ليغيث أهل دمشق، فصمد المسلمون صمدهم، وخرج إليهم أهل القوة من دمشق وكثير من أهل حمص، فالقوم نحو خمسة عشر ألفاً، فلما نظر خالد

стр. 552

رضي الله عنه عبأ لهم أصحابه، فحملت خيلهم على خالد بن سعيد (١) وكان في الميمنة يقص على الناس، فقاتلهم حتى قتل ﵀، وحمل معاذ بن جبل ﵁ من الميمنة فهزمهم، وحمل خالد بن الوليد ﵁ من الميسرة فهزم من يليه، وحمل سعيد بن زيد بالخيل على عظم جمعهم فهزمهم الله تعالى وقتلهم واجتث عسكرهم، ورجع الناس وقد ظفروا وقتلوهم كل قتلة، وذهب المشركون على وجوههم، فمنهم من دخل دمشق مع أهلها، ومنهم من رجع إلى حمص، ومنهم من لحق بقيصر، فكانت قتلاهم في المعركة خمسمائة، وقتلوا وأسروا نحو خمسمائة أخرى، ثم إن الناس أقبلوا عودهم على بدئهم حتى نزلوا دمشق، فحاصروا أهلها وضيقوا عليهم، وكلما أصاب رجل نفلاً جاء به حتى يلقيه في القبض لا يستحل أن يأخذ منه قليلاً ولا كثيراً، إلى أن كان من أمر دمشق ما كان. مرج عذراء: بالشام بمقربة من دمشق بينهما اثنا عشر ميلاً. وفي سنة (٢) ثلاث وخمسين قتل معاوية بن أبي سفيان حجر بن عدي الكندي، وهو أول من قتل صبراً في الإسلام، حمله زياد بن أبيه من الكوفة ومعه تسعة (٣) نفر من أصحابه من أهل الكوفة، وأربعة من غيرها، وكان زياد بن أبيه شكاهم إلى معاوية وأنهم ينكرون عليه، وخاف من خلافهم وإثارتهم الفتنة، فحملوا إلى دمشق، فلما صاروا على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنة له تقول، ولا عقب له من غيرها: ترفع أيها القمر المنير ... لعلك أن ترى حجراً يسير يسير إلى معاوية بن صخر ... ليقتله كذا زعم الأمير ويصلبه على بابي دمشق ... وتأكل من محاسنه النسور تجبرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير ألا يا ليت حجراً مات موتاً ... ولم ينحر كما نحر البعير فإن يهلك فكل عميد قوم ... إلى هلك من الدنيا يصير فلما صار إلى مرج عذراء تقدم البريد بأخبارهم إلى معاوية ﵁، فبعث برجل أعور، فلما أشرف على حجر وأصحابه قال رجل منهم: إن صدق الزجر فإنه سيقتل منا النصف وينجو الباقون، فقيل له: وكيف ذاك قال: أما ترون الرجل المقبل مصاباً بإحدى عينيه؟ فلما وصل إليهم قال لحجر: إن أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولي لأبي تراب، وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم (٤) وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه، فقال حجر وجماعة ممن كان معه: إن الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما دعوتنا إليه، ثم القدوم على الله تعالى وعلى نبيه ﷺ وعلي وصيه أحب إلينا من دخول النار. وأجاب نصف ممن كان معه إلى البراءة من علي ﵁، فلما تقدم حجر ليقتل قال: دعوني حتى أصلي ركعتين، فخلوه، فطول في صلاته، فقيل له: أجزعاً من الموت؟ فقال: لا ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، وما صليت قط أخف من هذه، وكيف لا أجزع وإني لأرى قبراً محفوراً، وسيفاً مشهوراً، وكفناً منشوراً، ثم قدم فنحر، وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه، والقصة مشهورة فلنقتصر على هذا. مرج راهط: بغوطة دمشق من الشام، فيه التقى مروان بن الحكم والضحاك بن قيس، وكان يدعو لابن الزبير. وكان ابن الزبير (٥) ، لما أطبق الناس على مبايعته، عزم مروان على مبايعته وأن ينضاف إلى جملته، فمنعه من ذلك عبيد الله

стр. 553

ابن زياد وقال له: إنك شيخ بني عبد مناف فلا تفعل (١) ، فسار مروان إلى الجابية من أرض الجولان، بين دمشق والأردن، واستمال الضحاك بن قيس الفهري الناس ورأسهم وانحاز عن مروان (٢) ، وأراد دمشق، فسبقه إليها الأشدق عمرو بن سعيد، فصار الضحاك إلى حوران والبثنية، ثم اتفقا على بيعة مروان على غير رضى من كثير من الناس، وكان يلقب خيط باطل، وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم: لحى الله قوماً أمروا خيط باطل ... على الناس يعطي ما يشاء ويمنع وسار مروان نحو الضحاك بن قيس الفهري، وقد انحازت قيس وسائر مضر وغيرهم من نزار إلى الضحاك، ومعه ناس من قضاعة، فأظهر الضحاك ومن معه خلافة ابن الزبير، والتقيا بمرج راهط، فقتل الضحاك بن قيس، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وكان زفر بن الحارث مع الضحاك، فلما أمعن السيف في قومه ولى ومعه رجلان من بني سليم قصر فرساهما، وغشيتهم اليمانية من خيل مروان، فقالا له: انج بنفسك فإنا مقتولان، فولى راكضاً، ولحق الرجلان فقتلا، وفي ذلك يقول زفر: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعاً بيننا متنائيا أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هيا فلم ترى مني نبوة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا عشية أعدوا في الفريقين لا أرى ... من القوم إلا من عليا ولا ليا أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا أبعد ابن عمرو وابن معن تتابعا ... ومقتل همام أرجي الأمانيا وانتهى زفر (٣) إلى قرقيسيا فغلب عليها، واستقام الشام لمروان، وبث فيه رجاله وعماله، وسار في جنوده من أهل الشام إلى مصر فحاصرها، وكانوا زبيرية، وكان بينهم وبين مروان قتال يسير، وتوافقوا على الصلح، واستعمل ابنه عبد العزيز عليها فهلك مروان بدمشق في هذه السنة، وهي سنة خمس وستين، قيل مات مطعوناً، وقيل حتف أنفه، وقيل قتلته زوجته فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة أم خالد بن يزيد بن معاوية، وكان قال له في جملة خطابه: يا ابن الرطبة، ليضع منه، فدخل على أمه فقبح عليها تزويجها مروان، وشكا لها ما نزل به منه، فقالت: لا يعيبك بعدها، فقيل: وضعت على نفسه وهو نائم وسادة وقعدت فوقها مع جواريها حتى مات، وقيل سقته لبناً مسموماً فوقع يجود بنفسه، وأسكت، فجعل يشير إلى أم خالد برأسه، يخبرهم أنها قتلته، وهي تقول: بأبي أنت وأمي، حتى عند النزع لم تشغل عني، إنه يوصيكم بي، حتى هلك، فكانت أيامه تسعة أشهر وأياماً، وقيل غير ذلك. المرية (٤) : بالأندلس، مدينة محدثة أمر ببنائها أمير المؤمنين الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وفيها يقول الشاعر: قالوا المرية صفها ... فقلت مظ (٥) وشيح فقيل فيها معاش ... فقلت إن هب ريح وكان المجوس لما قدموا المرية وتطوفوا بساحل الأندلس والعدوة، فاتخذها العرب مرابطاً وابتنت بها محارس، وكان الناس ينتجعونها ويرابطون فيها، وهي اليوم أشهر مراسي الأندلس وأعمرها، ومن أجل أمصارها وأشهرها، وعليها سور حصين منيع بناه أمير المؤمنين

стр. 554

عبد الرحمن، وعلى ربضها المعروف بالمصلى سور تراب بناه خيران العامري، وكان قد أوصل إلى هذا الربض ماء العين التي هناك، وأجراه في سقاية، ثم أوصله محمد بن صمادح إلى سقاية عند جامعها داخل المدينة، واستطرد منه جدولاً يصب في أسفل القصبة ويرفع بالدواليب إلى أعلاه. ووادي بجانة يعم بالسقي بساتين المرية، والبحر بقبلي مدينة المرية، وقصبتها بجوفيها، وهو حصن منيع لا يرام، مديد من المشرق إلى المغرب، ولها باب قبلي يفضي إلى المدينة مسافة ما بين أول المصعد في الجبل وبينه مائتا ذراع وثمانون ذراعاً، ولها باب شرقي خارج عن أسوار المدينة، والربض متصل بجبالها، وهي أسهل مرتقى من الباب القبلي، وعرض ممشى السور الدائر بالقصبة خمسة أشبار، ومرسى المرية صيفي يكن شرقيه وغربيه. وكانت المرية (١) في أيام الملثمين مدينة الإسلام، وبها من كل الصناعات كل غريبة، وكان بها من طرز الحرير ثمانمائة طراز، وتعمل بها الحلل والديباج والسقلاطون والأصبهاني والجرجاني والستور المكللة والثياب المعينة والعتابي والمعاجر وصنوف أنواع الحرير، وكانت فيما تقدم تصنع بها من صنوف آلات النحاس والحديد ما لا يحد، وكان بها من فواكه واديها الكثير الرخيص. وكانت المرية تقصدها مراكب التجار من الإسكندرية والشام، ولم يكن بالأندلس أكثر من أهلها مالاً؛ والمرية في ذاتها جبلان بينهما خندق معمور، وعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وفي الجبل الثاني ربضها، والسور يحيط بالمدينة والربض، ولها أبواب عدة، والمدينة كبيرة كثيرة الخيرات، وفيها ألف فندق إلا ثلاثين فندقاً، وكان الروم ملكوها فغيروا محاسنها وسبوا أهلها وخربوا ديارها. المريس: قالوا (٢) البلد الذي يتصل من بلاد النوبة بأسوان يعرف بمريس، وإليها تضاف الريح المريسية. ومن كلام ابن دأب (٣) حين ذكر عيوب مصر عند الهادي قال: ومن عيوبها يا أمير المؤمنين الريح الجنوب التي يسمونها المريسية، فإذا هبت عليهم ودامت (٤) اشترى أهل مصر الأكفان. مراسيا: مدينة بأرض الروم بالقرب من القسطنطينية، بها عينان إحداهما من شرب مائها أوتي عقله واستكمل أمره، والأخرى من شرب من مائها ركبه النسيان ورجف فؤاده. مرسى الخرز (٥) : مدينة بشرقي مدينة بونة، وبينها وبين باجة مرحلة، وفي مدينة الخرز المرجان، وهو أجل مرجان يوجد بسائر الأقطار، ويقصدها التجار فيستخرجون منه الكثير، وهو ينبت كالشجر في البحر، يدار عليه القنب، فتلتف الخيوط على ما قاربها ويستخرجون منه الشيء الكثير مما يباع بالأموال الطائلة وعمدة أهلها على ذلك. وشرب أهلها من الآبار، وهي قليلة الزرع، إنما يجلب إليها قوتها من بوادي العرب المجاورة لها، وكذلك الفواكه ربما جلبت إليها من بونة وغيرها، وبين بونة ومرسى الخرز مرحلة خفيفة، وفي البحر أربعة وعشرون ميلاً. ومدينة (٦) مرسى الخرز قد أحاط بها البحر، إلا مسلك لطيف ربما قطعه البحر في الشتاء وعليها سور وبها سوق وعمارة، وفي هذه المدينة تنشأ السفن والمراكب البحرية، وإليها يقصد الغزاة من كل أفق، وبينها وبين سردانية مجريان في البحر. وبازاء مرسى الخرز بئر وبية الماء تعرف ببئر ابن راق (٧) ، ويقول أهلها: طعنة مزراق خير من شربة من بئر ابن راق. وهذه المدينة (٨) كثيرة الحيات، ويمتاز أهلها منهم بصفرة ألوانهم، ولا يكاد يخلو عنق الواحد منهم من تميمة، وجباية هذه المدينة عشرة آلاف. مرسى علي (٩) : من جزيرة صقلية، وفيها أيضاً مرسى البوالص (١٠) ، ومرسى علي هذه كانت مدينة قديمة من أشرف بلاد صقلية، وكانت قد خربت ودثرت فعمرها القومس رجار الأول (١١) وسور

стр. 555

عليها سوراً فصارت ذات عمارة وأسواق وجبايات، ولها إقليم واسع وسفر أهل بلاد إفريقية إليها كثير، وشرب أهلها من آبار عذبة في ديارها مع مياه العيون التي حولها، وبها فنادق وحمامات وبساتين ومزارع، وبينها وبين طرابنش ثلاثة وعشرون ميلاً. مرسى الدجاج (١) : بالقرب من آشير، وهي مدينة قد أحاط بها البحر من ثلاث نواح، وعليها السور من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، ومن هناك يدخل إليها، وأسواقها ومسجد جامعها داخل ذلك السور، له باب واحد، ولها مرفأ غير مأمون لضيقه وقرب قعره، وبها عيون طيبة، يسكنها الأندلسيون وقبائل من كتامة. وهي مدينة (٢) كبيرة القطر، ولها حصن دائر بها، وبشرها كثير (٣) وربما فر عنها أكثر أهلها زمن الصيف خوفاً من قصد الأساطيل إليها، وأرضها ممتدة وزراعاتها متصلة وإصاباتهم واسعة وحنطتهم مباركه، وسائر الفواكه واللحوم بها كثير رخيص، وتينها يحمل منها شرائح طرياً ومنثوراً (٤) إلى سائر الأقطار وأقاصي البلاد، وهي بذلك مشهورة، وبينها وبين تدلس أربعة وعشرون ميلاً. مرسية (٥) : بالأندلس، وهي قاعدة تدمير، بناها الأمير عبد الرحمن بن الحكم، واتخذت دار العمال وقرار القواد، وكان الذي تولى بنيانها وخرج العهد إليه في اتخاذها جابر بن مالك بن لبيد، وكان تاريخ الكتاب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول سنة ست عشرة (٦) ومائتين، فلما بناها ورد كتاب الأمير عبد الرحمن على عامر بن مالك بخراب مدينة أله (٧) من المضرية واليمانية وكان السبب في ذلك أن رجلاً من اليمانية استقى من وادي لورقة قلة وأخذ ورقة من كرم لرجل من المضرية فغطى بها القلة، فأنكر ذلك المضري وقال: إنما فعلت ذلك استخفافاً بي إذ قطعت ورق كرمي، وتفاقم الأمر بينهما حنى تحارب الحيان، وعسكر بعضهم إلى بعض واقتتلا أشد قتال. ومرسية (٨) على نهر كبير يسقي جميعها كنيل مصر، ولها جامع جليل وحمامات وأسواق عامرة، وهي راخية أكثر الدهر رخيصة الفواكه كثيرة الشجر والأعناب وأصناف الثمر، وبها معادن فضة غزيرة متصلة المادة، وكانت تصنع بها البسط الرفيعة الشريفة ولأهلها حذق بصنعتها وتجويدها لا يبلغه عيرهم. ومن مرسية أبو غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني اللغوي المرسي (٩) صاحب " الموعب " وكان أبو الجيش مجاهد بن عبد الله صاحب دانية قد غلب على مرسية، وأبو غالب إذ ذاك بها، فأرسل إليه ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب على أنه ألفه لأبي الجيش مجاهد، فرد الدنانير وأبى من ذلك وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه لك خاصة، وإنما جمعته لكل طالب علم. وعلى أربعين ميلاً من مرسية عين ماء عذب يقصدها من علق العلق بحلقه فيفتح فاه فيسقط العلق لحينه، وذلك بإقليم إيلش. وقال بعضهم: هذا طب تمام يوجد في كل ماء عذب بارد، إذا فتح فمه عليه من علق العلق به أسقطه في الأغلب، وذلك لأن العلق إنما ينشأ في الماء العذب، فيطرأ عليه من خلاف ذلك المزاج ما يستروح منه إلى الماء، وكثيراً ما يطب به الأطباء فيستغنون عن شجر أناغاليس الذي من شأنه قتل العلق (١٠) ، وعن العكوب (١١) وعن الخل وأمثال هذه الأشياء. ومرسية (١٢) في مستو من الأرض على النهر الأبيض، ولها ربض عامر آهل، وعليها وعلى ربضها أسوار وحظائر متقنة، والماء يشق ربضها، وهي على ضفة النهر، ويجاز إليها على قنطرة مصنوعة من المراكب تنتقل من موضع إلى موضع (١٣) ، وبها شجر التين كثير،

стр. 556

ولها حصون وقلاع وقواعد وأقاليم معدومة المثال، ومنها إلى بلنسية خمس مراحل، ومنها إلى قرطبة عشر مراحل. ويخرج من نهر مرسية جدول على مقربة من قنطرة اشكابة قد نقر له الأول في الجبل، وهو حجر صلد، وجابوه نحو ميل، وهذا الجدول هو الذي يسقي قبلي مرسية، ونقبوا بازاء هذا النقب في الجبل المحاذي لهذا الجبل نقباً آخر مسافة نحو ميلين أخرجوا فيه جدولاً ثانياً، وهو الذي يسقي جوفي مرسية، ولهذين الجدولين منافس في أعلى الجبلين ومناهر (١) إلى الوادي تنقى الجدولان منه بفتحها وانحدار الماء مما اجتمع من الغثاء فيهما، ولا يسقى من نهر مرسية شيء بغير هذين الجدولين إلا بما رفع بالدواليب والسواني، وبين موضع هذين النقبين ومرسية ستة أميال. مربيطر (٢) : حصن بالأندلس قريب من طرطوشة، وهو على جبل، والبحر بقبليه، ويظهر منه شرقاً وغرباً. وبمربيطر جامع ومساجد، وفيها آثار للأول: دار ملعب وأصنام وغير ذلك، وهي كثيرة الزيتون والشجر والأعناب وأصناف الثمار، ومن مربيطر إلى أول قرى بريانة تسعة عشر ميلاً ونصف ميل. مرمجنة: بإفريقية قريب من الأربس، وبينها وبين مجانة مرحلتان. ولما دخل عبد الله بن سعد إفريقية غازياً في صدر الإسلام وقتل جرجيراً صاحب سبيطلة وانهزمت الروم وتفرقوا في القلاع وتبعهم المسلمون فبلغت خيلهم قصور قفصة وجاوزها إلى مرمجنة. وكانت (٣) مدينة كبيرة قديمة أولية وفيها آثار للأول وبها عيون سائحة، وهي على نظر واسع كثير الخيرات. مراكش (٤) : شمال أغمات وعلى اثني عشر ميلاً منها بداخل المغرب، بناها يوسف بن تاشفين أمير المسلمين في صدر سنة سبعين وأربعمائة، وقيل سنة تسع وخمسين وأربعمائة، بعد أن اشترى أرضها من أهل أغمات بجملة أموال واختطها له ولبني عمه، وهي في وطاء من الأرض، وليس حولها من الجبال إلا جبل صغير يسمى ايجليز، ومنه قطع الحجر الذي بني منه قصر علي بن يوسف أمير المسلمين، وليس بموضع مراكش حجر إلا ما كان من هذا الجبل، وبناؤها بالطين والطوب والطوابي، ثم استخرجوا مياهها، فكثرت فيها البساتين والجنات، واتصلت عمارات مراكش وحسن قطرها، ثم بنى أسوارها علي بن يوسف بن تاشفين سنة أربع عشرة وخمسمائة، وعلى ثلاثة أميال منها وادي تانسيفت، ويصب فيه وادي وريكة ووادي نفيس وأودية كثيرة، ومياه مراكش قريبة من قامتين من وجه الأرض وبساتينها تسقى بالآبار ينفذ بعضها إلى بعض حتى تخرج على وجه الأرض، وبينها وبين درن نحو العشرين ميلاً، وهي كثيرة الزرع والضرع وبحائرها لا تحصى كثرة، وإنما بناها واضعها ليملك منها جبل درن لكثرة من يعمره. وكان إسلام قبائل الصحراء في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ثم ملكها عبد المؤمن بن علي وانقرضت دولة بني تاشفين بعد أن كانت دار إمارة لمتونة وقاعدة مملكتهم، وكان بها قصور كثيرة لجملة من الأمراء والقواد وخدام الدولة، وكانت أزقتها واسعة وأرجاؤها فسيحة وأسواقها حفيلة وسلعها نافقة، وكان بها جامع بناه يوسف بن تاشفين، وهو صاحب الزلاقة، فلما ملكها عبد المؤمن بن علي تركوا ذلك الجامع معطلاً مغلق الأبواب لا يرون الصلاة فيه، وبنوا لأنفسهم مسجداً جامعاً يصلون فيه بعد أن نهبوا الأموال وسفكوا الدماء وباعوا الحرم، وكان ذلك لمذهب لهم يرون ذلك فيه حلالاً. وكان علي بن يوسف قد جلب ماء من عين بينها وبين المدينة أميال فلم يستتم ذلك، فلما تغلب عبد المؤمن على الملك وصار بيده تمموا جلب ذلك الماء إلى داخل المدينة وصنعوا منه سقايات بقرب دار الحجر، وهي الحظيرة التي فيها القصر منفرداً متحيزاً بذاته، والمدينة بخارج هذا القصر، وطول المدينة أشف من ميل وعرضها قريب ذلك، وعلى ثلاثة أميال من مراكش نهر تانسيفت، وليس بالكبير لكنه دائم الجري، ويحمل في زمن الشتاء بسيل كبير فلا يبقي ولا يذر. وكان أمير المسلمين علي بن يوسف بنى على هذا النهر قنطرة عجيبة متقنة البناء. وعظمت مراكش في الدولتين، فكانت أكبر مدن المغرب الأقصى، وعظمت تجارتها وتنافس الناس في البناء فيها، وبنيت

стр. 557

فيها الفنادق والحمامات، وفيها قيسارية عظيمة البنيان، وهي أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعناباً وفواكه، وأكثر شجرها الزيتون، فيها منه ما تستغني به عن غيرها من البلاد، وتمير بلاداً كثيرة، وبها شجر أرقان (١) ، ودهنه عندهم مستعمل نافع، وزيتون مراكش أكثر من زيتون مكناسة، وزيتها أرخص وأطيب. وأجرى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن في وسطها ساقية ظاهرة، يخرج ماؤها من قصره فيشق المدينة من القبلة إلى الجوف، فكانت أشرف مدن المغرب وأعدلها هواء، وجعل فيها مارستان للمرضى يدخله العليل فيعاين ما أعد فيه من المنازه والمياه والرياحين والأطعمة الشهية والأشربة المفوهة، فتنعشه من حينه، وكان ذلك سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ثم استدعى العلماء ورواة الحديث وأهل الفنون المختلفة، فجلبوا إليه من الأقطار، فكثر فيها العلماء وامتلأت بوجوه أهل البلاد من كل صقع، وقصدها التجار من كل جهة، وصارت حاضرة المغرب وقاعدة البلاد، وتناهت ضخامتها وانقادت إلى طاعتها أقاليم المغرب وبلاد الأندلس وغيرها، إلى أن اختلت الأحوال ووقعت الفتن وفشا فيها الظلم والفجور وشرب الخمور والتحامل على الناس، وفي ذلك يقول قائلهم: يطوف التجار بمراكش ... طواف الحجيج ببيت الحرام تروم النزول فلا تستطيع ... لشرب الخمور وهتك الحرم وكان من ملوك بني عبد المؤمن ما كان، وانقرضت دولتهم بقتل يعقوب بن عبد الحق المشتهر بابن تامطوت المريني صاحب فاس آخر ملوكهم ادريس بن محمد بن عمر بن عبد المؤمن الملقب بأبي دبوس في سنة ست وستين وستمائة، وكان ناجزه مراراً في كلها يظهر عليه إلى أن ناجزه مرة بظاهر مراكش، فخامرت عليه عربه وأسلمته فقتل، وصارت الدولة مرينية، فسبحان من لا يزول ملكه. ومع هذا كله ففي مراكش يقول أبو القاسم بن أبي عبد الله محمد بن أيوب بن نوح الغافقي من أهل بلنسية: مراكش إن سألت عنها ... فإنها في البلاد عار هواؤها في الشتاء ثلج ... وحرها في المصيف نار وكل ما ثم وهو خير ... من أهلها عقرب وفار فإن أكن قد مكثت فيها ... فإن مكثي بها اضطرار وأهل مراكش يأكلون الجراد، ويباع فيها كل يوم منه أحمال، وعليه قبالة، وكان أكثر الصنائع بمراكش متقبلة عليها مال لازم مثل سوق الدخان والصابون وغيرهما، وكانت القبالة على كل شيء يباع، فلما صار الأمر للموحدين قطعوا تلك القبالات وأراحوا منها، واستحلوا قتل المتقبلين لها، فلا ذكر لها في بلادهم. مرعش: من ثغور أرمينية، وبينها وبين زبطرة تسعة فراسخ، وهي مدينة حصينة عليها سور حجارة. فتحها خالد بن الوليد ﵁، وجهه إليها أبو عبيدة بن الجراح ﵁، وهو بمنبج، ففتح حصنها وجلا أهلها فأخربه فبناه معاوية وأسكنه جنداً. ثم سار إليها العباس بن الوليد بن عبد الملك فعمرها وحصنها ونقل إليها الناس، وبنى بها مسجداً جامعاً، ثم حصرها الروم أيام محاربة مروان لأهل حمص، حتى صالحهم (٢) أهلها على الجلاء فخرجوا منها وأخربت، فلما فرغ مروان من حرب أهل حمص أعاد بناء مرعش ومدنها، ثم أخربها الروم في فتنة بني أمية فأعادها صالح بن علي في خلافة المنصور وشحنت بالرجال، ثم قصدها طاغية الروم فحصر أهلها، وبلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي، وهو بدابق على الصائفة فوجه إليه خيلاً كثيفة فأصيبوا فأحفظ ذلك المهدي فاحتفل لإغزاء الجسور قحطبة في العام المقبل سنة اثنتين وستين ومائة. قالوا: وجيحان مخرجه من عيون تعرف بعيون جيحان على

стр. 558

ثلاثة أيام من مرعش، وليس عليه من المدن إلا المصيصة، وخرجت الروم سنة سبع وعشرين ومائة فافتتحت مرعش بعد أن أمنوا أهلها على دمائهم وأموالهم، وذلك في خلافة مروان بن محمد بن مروان. مران (١) : على ليلتين من مكة وعلى طريق البصرة، فيه مات الوليد بن عبد الملك، وزعم قوم أن قبر تميم بن مر بمران، وبمران أيضاً قبر عمرو بن عبيد بن باب (٢) ، وكان أبوه يخلف (٣) أصحاب الشرط بالبصرة فكان الناس إذا رأوا عمراً مع أبيه قالوا: خير الناس ابن (٤) شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا آزر، وكان يرى القدر ويدعو إليه، واعتزل وأصحابه فسموا المعتزلة، ورثاه أبو جعفر المنصور فقال: صلى الإله عليك من متوسد ... قبراً مررت به على مران قبراً تضمن مؤمناً متخشعاً ... صدق الإله ودان بالقرآن وإذا الرجال تنازعوا في سنة ... فصل الحديث بحكمة وبيان فلو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أبقى لنا حياً أبا عثمان وفيه يقول أبو جعفر أيضاً: كلكم يطلب صيد ... كلكم يمشي رويد ... غير عمرو بن عبيد ... مرشانة (٥) : مدينة بكورة اشبيلية. ومرشانة أيضاً من حصون المرية. مزون (٦) : بفتح الميم، مدينة عمان، كانت الفرس تسمي عمان مزون، وقيل مزون قرية من قرى عمان سكنها اليهود، وكانت الخوارج تسمي المهلب بن أبي صفرة المزوني، ولذلك قال الكميت: فأما الأزد أزد (٧) أبي سعيد ... فأكره أن أسميها المزونا المزدلفة (٨) : مسجد المزدلفة أسفل من المسجد الحرام عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات، وفيه تجمع بين المغرب والعشاء إذا نفرت من عرفات، لقول النبي ﷺ : " الصلاة أمامك "، وهو مبني بحجارة مطرورة دون سقف، إنما هو حائط من جميع جهاته الثلاث والوجه الرابع غير قائم، وليس لهم محراب، وفي القبلة منه حجر منقوش، وطول المسجد ثلاث وستون ذراعاً وعرضه خمسون ذراعاً وارتفاع حائطه عشرة أذرع (٩) ، والمزدلفة كلها مشعر إلا بطن محسر ولا يترك التكبير والتهليل في النزول بالمزدلفة وفي الدفع منها إلى منى، ويقول: اللهم إني أسألك جوامع الخير كله. وتؤخذ حصى الجمرات من المزدلفة. مزاق (١٠) : هو اسم فحص القيروان، قيل إنما سمي بذلك لكثرة الرياح به التي تمزق السحاب فيتصل الصحو وتقل الأمطار. وحكي (١١) أن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري قاضي إفريقية، كان مسكنه بالقيروان وبها مات، رحل إلى المشرق ولقي أكابر العلماء وولاه أبو جعفر المنصور قضاء إفريقية، وقال له لما دخل عليه: كيف رأيت ما وراء بابنا؟ فقال: رأيت ظلماً فاشياً وأمراً قبيحاً، فقال: لعله فيما يبعد عن بابي، فقال: بل كلما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ، فقال له: أنت لا تهوى

стр. 559

الدخول في شيء من أمرنا، فقال: لي عجوز خلفتها بالقيروان وأنا أحب الرجوع إليها، فأذن له. ودخل يوماً على أبي جعفر فقال: يا ابن أنعم، ألا تحمد الله الذي أراحك مما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام؟! فقال له عبد الرحمن: ما أمر كنت أراه بباب هشام إلا وأنا اليوم أرى منه طرفاً، فبكى أبو جعفر ثم قال له: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ فقال: إني رأيت السلطان سوقاً، وإنما يرفع إلى السوق ما يجوز فيها، قال: كأنك كرهت صحبتنا، فقال عبد الرحمن (١) ما ينال المال والشرف إلا من صحبتك، ولكني تركت عجوزاً ولي أخت أحب مطالعتهما، فقال: اذهب فإنا قد أذنا لك، فلما توجه إلى إفريقية كتب إلى ولده وخاصته بهذه الأبيات: ذكرت القيروان فهاج شوق ... وأين القيروان من العراق مسيرة أشهر للعيس نصاً ... على الإبل المضمرة العتاق فأبلغ أنعماً وبني أبيه ... ومن يرجى لنا وله التلاقي بأن الله قد خلى سبيلي ... وجد بنا المسير إلى مزاق المطيرة (٢) : قرية بقرب بغداد نزلها المعتصم حين خرج من بغداد مرتاداً إنشاء مدينة بسبب تضييق الأتراك على أهل بغداد، فبنى سر من رأى، وحين بناها أقطع الأفشين خيذر بن كاوس الأسروشني في آخر البناء مشرقاً على مقدار فرسخين، وسمى الموضع المطيرة. المطالي (٣) : موضع لبني أبي بكر بن كلاب وقيل ماء عن يمين ضرية، وقيل هي روضات بالحمى وهي مذكورة في الأشعار، وذكرها الشريف الرضي. المطابخ (٤) : موضع معروف ب مكة سمي بذلك لأن تبعاً لما جاء ليهدم الكعبة سقم، فنذر إن شفاه الله أن ينحر ألف بدنة (٥) شكراً لله تعالى، فشفي فنحر ما نذر (٦) ، وجعلت المطابخ هناك ثم إطعم. مطماطة أمسكور (٧) : مدينة بالقرب من مدينة فاس بالمغرب على نهر ملوية، وهي مدينة كبيرة كثيرة الزرع والضرع، ونهر ملوية نهر كبير مشهور في أنهار بلاد المغرب عليه نظر واسع وفيه قرى كثيرة وعمائر متصلة تسقى كلها من نهر ملوية، وبعده نظر سجلماسة. المطوية: قرية بإفريقية، بينها وبين مدينة قابس نحو خمسة أميال، في نخل وجنات ومياه جارية. مطار (٨) : بضم أوله، واد بين البوباة وبين الطائف، قالوا: به أبداً نخل مرطب، ونخل يصرم، ونخل مبسر، ونخل تلقح. مظلم ساباط: هو مذكور في حرف السين فاطلبه هناك. مكة: هي أم القرى شرفها الله تعالى، وبكة بالباء والحاطمة والباسة وصلاح، وقد تقدم ذكرها في حرف الباء. مكران: من عمل السند، قصده الحكم بن عمرو التغلبي (٩) وانتهى إليه، ولحق به شهاب بن مخارق بن شهاب وانضم إليه وأمده سهيل بن عدي وعبد الله (١٠) بن عتبان بأنفسهما فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل مكران إليه، حتى نزلوا على شاطئيه، فعسكروا وعبر إليهم راسل ملكهم، ملك السند، فازدلف بهم يستقبل المسلمين، فالتقوا بمكان من مكران من النهر على أيام، فهزم الله راسلاً وسلبه وأباح للمسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة من المشركين مقتلة عظيمة، واتبعوهم يقتلونهم أياماً حتى انتهوا إلى النهر، ثم رجعوا فأقاموا بمكران، وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدي واستأمره في الفيلة فقدم

стр. 560

صحار على عمر ﵁، فسأله عن مكران، وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال عمر ﵁: أسجاع أنت أم مخبر، فقال: لا، بل مخبر، قال: لا والله لا يغزوها لي جيش ما أطعت، وكتب إلى الحكم وإلى سهيل ألا يجوزن (١) المكران أحد من جنودكما واقتصرا على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام وقسم أثمانها على من أفاءها الله تعالى عليه. مكناسة الزيتون (٢) : مدينة في المغرب من نظر فاس إلى جهة المغرب، وهي أربع مدن وقرى كثيرة متصلة بالمدن والحصون، الممدن منها يسمى تاجرارات (٣) ، وتفسيره المحلة، وهو محدث البناء يشرف على بطاح وبقاع مملوءة بغيضات (٤) الثمار وأكثرها الزيتون ولذلك نسبت إليه، وعلى هذه المدينة سور كبير وأبراج عظيمة، وهي مدينة جليلة فيها الأسواق الحفيلة، وأنشأ فيها بعض ملوك بني عبد المؤمن بحاير (٥) عظيمة في نهاية الاتساع، وجلب ماء نهرها وغرست زيتوناً وكروماً، وزيتها أكثر زيت في المغرب، وبعده زيت النظر المسمى ببني فسيل (٦) ، وهي كريمة الأرض طيبة المدرة، بل هي من غر بلاد المغرب، أنظارها واسعة وقراها عامرة وعمائرها متصلة، تشقها الأنهار والمياه السائحة والعيون الكثيرة العذبة، وتطحن عليها الأرحاء، وتدخل الحمامات. وبين مكناسة (٧) وفاس أربعون ميلاً في جهة المغرب، ومكناسة مرتفعة على الأرض، يجري في شرقيها نهر صغير عليه الأرحاء، وتتصل بها عمارات وجنات وزروع، وأرضها طيبة للزراعات، ولها مكاسب وأحوال صالحة، وسميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه عند حلولهم بالمغرب وإقطاعه لكل ابن من بنيه بقعة يعمرها مع ولده، فكل هذه المواضع التي أنزلهم فيها تتجاور وتتقارب أمكنتها بعضها من بعض، وبلاد مكناسة لها أسواق وحمامات وديار حسنة، والمياه تخترق أزقتها، وبين مكناسة وقصر ابن عبد الكريم ثلاث مراحل. مكول (٨) : بلدة مشهورة بتامسنا منها عبد الرحمن بن إسحاق المكولي (٩) كان نبيهاً جليلاً أكثر من قراءة الفلسفة مع معرفته بالأصول والفروع فاطلع منه السيد أبو العلا بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب الأندلس إذ ذاك في البحث، وهو عنده في منصب القضاء، على ما أباح دمه، فضرب عنقه بإشبيلية سنة خمس وعشرين وستمائة، وقيل إنه لما قدم للقتل قال: لا أقال الله عثرة من يباحث من يقدر على ضره، فكيف من يقدر على قتله، لأن المباحثة قتال بالألسن يؤدي إلى قتال بالأيدي، ومن شعره: أحادي عيسهم إن جئت سلعاً ... فعرض واللبيب له اطراد وقل أين الرباب وأين سلمى ... وهند بينهن هي المراد ملندة (١٠) : مدينة في بلاد الزنج على ضفة البحر (١١) ، وهي كبيرة وأهلها متحرفون بالصيد براً وبحراً، فيصيدون في البر النموس والدباب (١٢) ، ويصيدون في البحر ضروباً من الحيتان فيملحونها ويتجرون بها، وعندهم معدن حديد يحتفرونه ويعملونه، وهو جل مكسبهم وتجاراتهم، وأهلها يزعمون أنهم يسحرون الحيوان الضار حتى لا يضر إلا لمن أرادوا ضرره والنقمة منه، وإن السباع والنمور لا تعدو عليهم لأجل سحرهم لها.

стр. 561

ملطية (١) : من الثغور الجزرية بالشام، وهي المدينة العظمى وكانت قديمة، فأخربتها الروم فبناها أبو جعفر المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة وحصل عليها سوراً محكماً، وعلى نحو ثلاثة أيام من ملطية يخرج سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشامي ويجري في بلاد الروم وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصيصة. وكان فتح ملطية عنوة حبيب بن مسلمة الفهري، وجهه إليها عياض بن غنم من سميساط، ففتحها ورتب فيها رابطة من المسلمين، ثم شحنها معاوية، فكانت في طريق الصوائف، ثم انتقل عنها أهلها أيام ابن الزبير فقصدها الروم ثم تركتها فنزلها قوم من الأرمن والنبط ثم أناخ الروم عليها، فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة (٢) قصدها الطاغية، والجزيرة يومئذ مفتونة فأناخ عليها، فلما جهد أهلها سألوه الأمان فوثق لهم، فرحلوا وحملوا ما تيسر لهم وألقوا كثيراً مما ثقل عليهم في الآبار والمجاري، ثم خرجوا وشيعهم الروم حتى بلغوا مأمنهم، وتوجهوا نحو الجزيرة، وهدم الروم ملطية، فلم تزل كذلك حتى وجه أبو جعفر المنصور عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام على الجزيرة وثغورها، ومعه الحسن بن قحطبة، ومعهم سبعون ألفاً، فعسكروا على ملطية وأتموا بناءها، وكان للحسن في ذلك أثر جميل، وبنى مسجدها وبنى للجند الساكنين بها لكل عرافة بيتين سفليين وغرفتين فوقهما وإصطبلاً، والعرافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلاً، وبناها مسلحة على ثلاثين ميلاً منها، ومسلحة على نهر يدعى ثاقب يدفع في الفرات، ورتب المنصور فيها أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، وزاد في أعطياتهم عشرة دنانير لكل رجل ومعونة مائة دينار، وغزتها الروم أيام الرشيد فلم يقدروا عليها. وفي سنة (٣) ثلاث وثلاثين ومائة أقبل طاغية الروم قسطنطين بن الليون فنزل على ملطية فقاتلوه قتالاً شديداً، فألح عليهم حتى نزلوا على أمان، فهدم المدينة والمسجد الجامع ودار الإمارة، وغزتها الروم أيام الرشيد فلم يقدروا عليها. ملاق (٤) : نهر عظيم بقرب مجانة من إفريقية، عليه آثار قديمة، وهو صعب كثير الدهس عسير المخايض. ملكان (٥) : جزيرة في البحر الأخضر، وذكر بطليموس أن فيه سبعاً وعشرين ألف جزيرة عامرة وغامرة، وملكان دابة بحرية سميت الجزيرة به، وهذه الدابة قد استوطنت الجزيرة ولها رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة، وقيل إنها مركب لبعض ملوك البحر لأن لها جناحين، إذا أقامتهما وجمعت بينهما صار كأنه رف عظيم مظل من الشمس، وهي مثل الجبل الضخم. مليلة (٦) : من أرض طنجة، وهي قريبة من نهر ملوية بالمغرب، وهي مدينة مسورة بسور حجارة، وداخلها قصبة مانعة، وفيها مسجد جامع وحمام وأسواق، وهي مدينة قديمة، ويقال إن موسى ابن أبي العافية المكناسي جددها (٧) وسكنها قوم (٨) يقترعون على من يدخلها من التجار، فمن أصابته قرعة الرجل منهم كان تجره على يديه، ولم يصنع شيئاً إلا تحت نظره وإشرافه، فيحميه من من يريد ظلمه، ويأخذ منه على ذلك الأجر ويأخذ منه الهدية لنزوله عنده. وذكر أن عبد الرحمن الناصر لدين الله افتتحها سنة أربع عشرة وثلثمائة، وبنى سورها معقلاً لموسى بن أبي العافية. وإلى هذه المدينة (٩) وقع ادريس بن عبد الله بن الحسن (١٠) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، فإن الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ كان قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة، وخرج معه جماعة من بني عمه وإخوته منهم يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، وبلغ الهادي خبره فولى حربه محمد بن سليمان بن علي فكانت الوقيعة بفخ فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه، وأفلت ادريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ﵃، فوقع إلى مصر، وكان على بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان رافضياً، فحمله على بريد إلى أرض

стр. 562

المغرب فوقع بمدينة مليلة هذه، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فلما ولي الرشيد وبلغه أمره بعث إلى واضح فضرب عنقه، ودس إلى ادريس الشماخ الشامي مولى المهدي، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب، فخرج حتى وصل مليلة، وذكر أنه متطبب وأنه من شيعتهم، ودخل إلى ادريس فأنس به واطمأن به، ثم أنه شكا إليه علة في أسنانه فأعطاه سفوفاً مسموماً قاتلاً وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر، فأخذ منه وهرب الشماخ من ليلته، فلما طلع الفجر استن ادريس وأكثر منه في فيه فسقطت أسنانه ومات من وقته، وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت ادريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولى الشماخ بريد مصر وأجازه وأحسن إليه، وولد لإدريس من بعده ولد له من جارية له بربرية تسمى كنزة، سمي باسمه، فنشأ فيهم فعظموه، وعامة من بالمغرب من ذرية الحسن من ولده، وهم إلى الآن في تلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث. ملاي (١) : مدينة من جزيرة القمر من جزر الهند، وملكها لا يحجبه ولا يقوم بخدمته في طعامه وشرابه إلا المخنثون يلبسون الثياب النفيسة من الحرير الصيني والعراقي، وفي يمنى كل واحد منهم سوار ذهب، وهؤلاء المخنثون يتزوجون الرجال في عوض النساء، ويخدمون الملك بالنهار ويرجعون بالليل إلى أزواجهم؛ وفي هذه الجزيرة الزرع والنارجيل وقصب السكر، وبهذه الجزيرة من الخشب ما لا يوجد مثله في الأرض، وأهلها بيض قليلو اللحى يشبهون الأتراك، ويزعمون أن أصلهم من الترك. وملاي (٢) أيضاً جزيرة في البحر الصنفي كبيرة ممتدة من المغرب إلى المشرق ويسمى ملكها ملك الجزر (٣) ودراهمه فضة تسمى الطاطرية (٤) ، وله أجناد وفيلة ومراكب كثيرة، وفيها موز ونارجيل وقصب سكر، وهي في آخر الصين. ملجمان (٥) : مدينة بالهند هي دار ملك الزابج، وهو أبداً يشتغل بحرب الزنج الذين هم في حدود واق (٦) لأن بلاد الزابج متصلة ببادية الزنوج الواقواقية، وعرض الباديتين مسيرة خمسة أشهر. الملتان (٧) : هي مدينة في آخر بلاد السند، وهي مجاورة لبلاد الهند، وهي نحو المنصورية في الكبر، وبعض الناس يجعلها من بلاد الهند، وبها صنم يعظمه أهل الهند ويحجون إليه من أقاصي بلدانهم ويتصدقون عليه بأموال جمة وحلي كثير وطيب تعظيماً له، وله خدام وعباد يأوون إليه وينفقون ويلبسون من ماله المتصدق به عليه، وسميت الملتان باسم الصنم، وهو على صورة الإنسان مربع على كرسي من جص وآجر، وقد ألبس جميع جسده جلداً أحمر فلا يتبين للإنسان من جسده شيء إلا عيناه، ولا يترك مكشوفاً، وعيناه جوهرتان، وعلى رأسه إكليل من ذهب مرصع، والصنم متربع وماد ذراعيه على ركبتيه، وهو معظم عندهم جداً، وبيت هذا الصنم في وسط الملتان، وبأعمر سور فيها، وهو قبة عظيمة مزخرفة قد أتقن بنيانها وشيدت عمدها ولونت صنعتها وأوثقت أبوابها، والصنم فيها، وحول القبة بيوت يسكنها خدام هذا الصنم، وليس بالسند ولا بالهند قوم يعبدون الأوثان إلا هؤلاء الذين في هذا القطر مع هذا الصنم. والملتان مدينة كبيرة عامرة عليها حصن منيع، ولها أربعة أبواب، وبخارجها خندق، ونعمها كثيرة وأسعارها رخيصة، وإنما سميت الملتان لأن معناها فرج بيت الذهب، وكان محمد بن يوسف أخو الحجاج أصاب فيها أربعين بهاراً من الذهب، والبهار ثلثمائة وثلاثة وثلاثون مناً، وكلها في بيت، فسمي ذلك فرج الذهب، والفرج الثغر (٨) ؛ وللملتان نهر صغير عليه أرحاء

стр. 563

ويصب في نهر مهران السند، والغالب على أهل الملتان أنهم مسلمون، والحكم فيهم لأهل الإسلام، ورئيسهم مسلم. مليانة (١) : مدينة في أحواز أشير من أرض المغرب بين تنس والمسيلة وبقرب نهر شلف، وهي مدينة رومية فيها آثار، وهي ذات أشجار وأنهار تطحن عليها الأرحاء، جددها زيري بن مناد وأسكنها ابنه بلكين، وهي عامرة ومشرفة على جميع ذلك الفحص الذي فيه بنو واريفن وغيرهم، وهي عامرة آهلة، ولها آبار عذبة وسوق جامعة. وبقعتها كريمة (٢) ومزارعها خصيبة، ونهرها يسقي أكثر مزارعها وجناتها، ولها أرحاء على نهرها، ولأقاليمها حظ من سقي شلف، وعلى ثلاثة أميال (٣) منها جبل وانشريس (٤) . وعلى مليانة لقي أبو بكر ابن الصابوني الشاعر (٥) السلطان أبا زكريا ملك إفريقية، كان هاجر إليه من الأندلس وركب البحر، وخرج في ساحل الغرب الأوسط، ولقي عسكر السلطان على مليانة فنظم قصيدة وتعرض بها في جهة خيام خدام السلطنة، فمن العجائب أن لحظه السلطان بعينه فقال للحاجب: إن صدق ظني فذاك الشخص الذي من صفته كذا الناظر إلى جهتنا هو ابن الصابوني الشاعر، فسر إليه برفق واسأله، فإن كان هو ومعه قصيدة فيحضر بها وينشدها، فكان الأمر على ما قدر السلطان، وحضر وأنشد قصيدة أولها: الله جارك في حل ومرتحل ... يا معلياً ملة الإسلام في ال ملل فسرت والسعد يدعوني وينشدني ... إن السعادة في مليانة فمل فلما أتمها أمر بإنزاله، وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وصحب العسكر إلى حضرة تونس. ملل (٦) : بينها وبين المدينة النبوية ثمانية عشر ميلاً، وهي بطريق مكة وفيها آثار، وهي قليلة الأهل، ماؤها من الآبار، وكان كثير عزة يقول: إنما سميت ملل لتملل الناس بها، وكان الناس لا يبلغونها حتى يملوا، وقال جعفر بن الزبير يرثي ابناً له مات بملل: أهاجك بين من حبيب قد ارتحل ... نعم ففؤادي هائم القلب مختبل أحزني على ماء العشيرة والهوى ... على ملل يا لهف نفسي على ملل فتى السن كهل الحلم يهتز للندى ... أمر من الدفلى وأحلى من العسل ممطور (٧) : جبل على مرحلة من القيروان نزله بعض الأمراء الداخلين لإفريقية فأصابه المطر فقال إن جبلنا هذا لممطور، فغلب عليه هذا الاسم. منبج (٨) : بناحية قنسرين ومن كورها، وهي مدينة كبيرة، وبينها وبين الفرات مرحلة، وعليها سوران، وهي من بناء الروم الأول وفيها أسواق عامرة وتجارات دائرة وغلات وأرزاق. ويحف (٩) بغربيها وشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار، والماء يطرد بها ويتخلل جميع نواحيها، وأرضها كريمة وأسواقها فسيحة، ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعاً وكبراً، وكانت من مدن الروم العتيقة، ولهم بها من البناء آثار تدل على عظيم اعتنائهم بها، ولها قلعة حصينة، وأهلها أهل خير وفضل، ومعاملاتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة. ومنبج أيضاً بناحية عمان.

стр. 564

منية نصر (١) : قرية بالأندلس قريبة من قرطبة موفية على النهر، وهي في شرقيها وتعرف بأرحاء الحناء، وهي منية فسيحة ذات مبان رفيعة، والذي ابتنى منية نصر الإمام عبد الله بن محمد، وفي ذلك يقول عبيد الله بن يحيى (٢) من قصيدة له: لعل زماني يستجد بوصلها ... تجدد عهد الملك في منية النصر فكم صدفت عنها الخطوب وأحرزت ... جنان المصلى دونها حلة الفخر جفاها البلا إذ واصل الملك ربعها ... وتم بها قصر يضاهي سنا البدر قريب المدى رحب المحل تحفه ... رياض ونهر تحت عقوته يجري والركن الشرقي مما يلي القبلة من هذه المنية يعرف بالركين، وهو على النهر وفيه ثمرات زيتون، وبين النهر وبين الركن موضع ينتابه النبيذيون وينتجعه الظرفاء فلا يكاد يخلو منهم، يتفيئون ظله ويعومون في نميره لاشتهاره وبرده، وفي ذلك يقول محمد بن شخيص (٣) على لسان ابن الحمالة إذ كان غائباً في القسطنطينية في شعر له طويل: اقر السلام على الركين وقل له ... مذ غبت لم أرتح لظل نسيم سقياً لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك في احتدام سموم لو كنت أملك منع مائك لم يقم ... في ظل ساحك منتم للئيم نقل في هذه الأبيات معنى شعر ابن المعتز وكثيراً من لفظه، وهو (٤) : اقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذ هجرت ذميم منية ابن الخصيب (٥) : بينها وبين مدينة القيس نصف يوم، وهي في الضفة الشرقية من النيل، وهي عامرة كثيرة الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، وحولها جنات وأرض متصلة العمارات وقصب وأعناب كثيرة ومتنزهات ومبان حسان. المنكب (٦) : بالأندلس، مرسى المنكب صيفي يكن بشرقيه، وله نهر يريق في البحر، وعليه حصن كبير لا يرام، به ربض وأسواق وجامع، وفيه آثار للأول كثيرة، وكانت لهم فيه مياه مجلوبة وآثار قنيها بها إلى اليوم، وبقرب الحصن من ناحية الشمال ديماس عظيم مبني من حجارة مربع الأسفل محدد الأعلى، ارتفاعه نحو مائة ذراع، في رأسه منفس للماء المجلوب إليها، وقد نحت في عرض جهة الديماس الجنوبية من أعلاه إلى أسفله مصب للماء، حتى وصل إلى الأرض فدل أن الماء كان مجلوباً من موضع هو أرفع من هذا الصنم، وبهذا المرسى خرج الإمام عبد الرحمن بن معاوية عند دخوله الأندلس وذلك في ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائة. ويتلو مرسى المنكب في الشرق مرسى شلوبينية. والمنكب (٧) مدينة حسنة متوسطة كثيرة مصايد السمك وبها فواكه جمة. قال بعض أهل الأخبار ما هو كالتفسير لما قدمناه: في وسط (٨) المنكب بناء مربع كالصنم، أسفله واسع وأعلاه ضيق، به حفيران من جانبيه، متصلان من أسفله إلى أعلاه، وبازائه من الناحية الواحدة في الأرض حوض كبير يأتي إليه الماء من نحو ميل على ظهر قناطر كثيرة معقودة من الحجر الصلد، ينصب ماؤها في ذلك الحوض، ويذكر أهل المعرفة من أهل المنكب

стр. 565

أن ذلك الماء كان يصعد إلى أعلى المنار وينزل إلى الناحية الأخرى فيجري هناك إلى رحى صغيرة كانت وبقي أثرها الآن، على جبل مطل على البحر، ولا يعلم ما المراد بذلك، ومن المنكب إلى اغرناطة أربعون ميلاً. مندوجر (١) : بالأندلس بينه وبين المرية مرحلة، وهو حصن على تل تراب أحمر، والمنزل في القرية، ويباع بها للمسافرين الخبز والسمك وجميع الفواكه. منرقة (٢) : هي جزيرة تقابل برشلونة، بينهما مجرى، وبينها وبين سردانية أربعة مجار، وهي إحدى بنتي (٣) جزيرة ميورقة، وهما منرقة ويابسة، وما زالت في يد المسلمين تحت هدنة الطاغية البرشلوني ومصالحته بعد أن جرى على ميورقة ما جرى، وكان عامل ابن يحيى صاحب ميورقة الممتحن بعذاب البرشلوني بعد استيلائه على ميورقة حتى مات رحمه الله تعالى مقيماً بجزيرة منرقة هذه، وهو سعيد بن حكم (٤) ، وقد ضبطها وأقام عليها أحسن قيام، وهادن الأعداء، وطالت مدته في ذلك، وحسنت سيرته إلى أن مات، فقصدها العدو، واغتنم فرصتها واستولى عليها. المنصورة (٥) : في بلاد السند، وهي على معظم نهر مهران، يحيط بها ذراع منه من الجانب الغربي، ومقدارها في الطول نحو ميل في عرض ميل، وهي مدينة حارة بها نخل كثير وقصب سكر، وليس لهم شيء من الفواكه إلا نوع من الثمر على قدر التفاح شديد الحموضة، ولهم فاكهة أخرى تشبه الخوخ وتقاربه في الطعم. وهي محدثة بناها أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي في صدر ولايته فنسبت إليه. ورأيت من وجه آخر (٦) أن المنصورة منسوبة لمنصور بن جمهور عامل لبني أمية، وكان أصحابها من ولد هبار بن الأسود، وبها من ولد علي بن أبي طالب ﵁ خلق كثير، ومملكتها تصاقب مملكة المولتان، ومسافة ما بين المملكتين خمسة وسبعون فرسخاً سندية، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الأصقاع والقرى وما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية وزروع وأشجار وعمائر متصلة. وقد بنى (٧) أبو جعفر المنصور أربع مدن وقال إنها لا تخرب أبداً: إحداها بغداد بالعراق، وهذه المنصورة في السند، والمصيصة في آخر الشام، والرافقة بأرض الجزيرة. وفي المنصورة هذه بشر كثير وتجار مياسير وماشية وزروع وحدائق وبساتين، وبناؤها بالآجر، ولأهلها نزاهات وأيام راحات، والتجار بها كثيرون والأسواق بها قائمة والأرزاق دارة، وزيهم زي العراق، وملوكهم يتشبهون بملوك الهند في لباس القراطق وإسبال الشعور، وبهذه المدينة حوت كثير، واللحم رخيص والفواكه مجلوبة. قال بعضهم (٨) : رأيت لصاحب المنصورة فيلين عظيمين كانا موصوفين عند أهل الهند والسند، لهما أخبار عجيبة، وكان لهما في فل الجيوش تقدم، ومات بعض سواس أحدهما فبقي لا يطعم ولا يشرب، يبدي الحنين ويظهر الأنين وتسيل دموعه، لا يتماسك وخرج ذات يوم من دار الفيلة يتقدم ثمانين فيلاً فاستقبل امرأة، فلما رأته غشي عليها فسقطت وانكشف ثيابها، فاعترض في الطريق مانعاً لمن وراءه من الفيلة أن تمر، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام ويلاطفها ويجمع عليها أثوابها، حتى قامت وخلى سبيل الفيلة. قالوا: والفيل إذا كان ممارساً شجاعاً وراكبه كذلك، وكان في خرطومه العرطل، وهو نوع من السيوف شنيع المنظر، وكان خرطومه مغشى بالزرد، وعليه تجافيف قد أحاطت به، ومن وراءه خمسمائة راجل أنجاد، كر على خمسة آلاف فارس وقام لهم ودخل وخرج وجال عليهم.
следующие страницы →