← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ملطية (١) : من الثغور الجزرية بالشام، وهي المدينة العظمى وكانت قديمة، فأخربتها الروم فبناها أبو جعفر المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة وحصل عليها سوراً محكماً، وعلى نحو ثلاثة أيام من ملطية يخرج سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشامي ويجري في بلاد الروم وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصيصة. وكان فتح ملطية عنوة حبيب بن مسلمة الفهري، وجهه إليها عياض بن غنم من سميساط، ففتحها ورتب فيها رابطة من المسلمين، ثم شحنها معاوية، فكانت في طريق الصوائف، ثم انتقل عنها أهلها أيام ابن الزبير فقصدها الروم ثم تركتها فنزلها قوم من الأرمن والنبط ثم أناخ الروم عليها، فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة (٢) قصدها الطاغية، والجزيرة يومئذ مفتونة فأناخ عليها، فلما جهد أهلها سألوه الأمان فوثق لهم، فرحلوا وحملوا ما تيسر لهم وألقوا كثيراً مما ثقل عليهم في الآبار والمجاري، ثم خرجوا وشيعهم الروم حتى بلغوا مأمنهم، وتوجهوا نحو الجزيرة، وهدم الروم ملطية، فلم تزل كذلك حتى وجه أبو جعفر المنصور عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام على الجزيرة وثغورها، ومعه الحسن بن قحطبة، ومعهم سبعون ألفاً، فعسكروا على ملطية وأتموا بناءها، وكان للحسن في ذلك أثر جميل، وبنى مسجدها وبنى للجند الساكنين بها لكل عرافة بيتين سفليين وغرفتين فوقهما وإصطبلاً، والعرافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلاً، وبناها مسلحة على ثلاثين ميلاً منها، ومسلحة على نهر يدعى ثاقب يدفع في الفرات، ورتب المنصور فيها أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، وزاد في أعطياتهم عشرة دنانير لكل رجل ومعونة مائة دينار، وغزتها الروم أيام الرشيد فلم يقدروا عليها. وفي سنة (٣) ثلاث وثلاثين ومائة أقبل طاغية الروم قسطنطين بن الليون فنزل على ملطية فقاتلوه قتالاً شديداً، فألح عليهم حتى نزلوا على أمان، فهدم المدينة والمسجد الجامع ودار الإمارة، وغزتها الروم أيام الرشيد فلم يقدروا عليها. ملاق (٤) : نهر عظيم بقرب مجانة من إفريقية، عليه آثار قديمة، وهو صعب كثير الدهس عسير المخايض. ملكان (٥) : جزيرة في البحر الأخضر، وذكر بطليموس أن فيه سبعاً وعشرين ألف جزيرة عامرة وغامرة، وملكان دابة بحرية سميت الجزيرة به، وهذه الدابة قد استوطنت الجزيرة ولها رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة، وقيل إنها مركب لبعض ملوك البحر لأن لها جناحين، إذا أقامتهما وجمعت بينهما صار كأنه رف عظيم مظل من الشمس، وهي مثل الجبل الضخم. مليلة (٦) : من أرض طنجة، وهي قريبة من نهر ملوية بالمغرب، وهي مدينة مسورة بسور حجارة، وداخلها قصبة مانعة، وفيها مسجد جامع وحمام وأسواق، وهي مدينة قديمة، ويقال إن موسى ابن أبي العافية المكناسي جددها (٧) وسكنها قوم (٨) يقترعون على من يدخلها من التجار، فمن أصابته قرعة الرجل منهم كان تجره على يديه، ولم يصنع شيئاً إلا تحت نظره وإشرافه، فيحميه من من يريد ظلمه، ويأخذ منه على ذلك الأجر ويأخذ منه الهدية لنزوله عنده. وذكر أن عبد الرحمن الناصر لدين الله افتتحها سنة أربع عشرة وثلثمائة، وبنى سورها معقلاً لموسى بن أبي العافية. وإلى هذه المدينة (٩) وقع ادريس بن عبد الله بن الحسن (١٠) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، فإن الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ كان قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة، وخرج معه جماعة من بني عمه وإخوته منهم يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، وبلغ الهادي خبره فولى حربه محمد بن سليمان بن علي فكانت الوقيعة بفخ فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه، وأفلت ادريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ﵃، فوقع إلى مصر، وكان على بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان رافضياً، فحمله على بريد إلى أرض

стр. 562

المغرب فوقع بمدينة مليلة هذه، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فلما ولي الرشيد وبلغه أمره بعث إلى واضح فضرب عنقه، ودس إلى ادريس الشماخ الشامي مولى المهدي، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب، فخرج حتى وصل مليلة، وذكر أنه متطبب وأنه من شيعتهم، ودخل إلى ادريس فأنس به واطمأن به، ثم أنه شكا إليه علة في أسنانه فأعطاه سفوفاً مسموماً قاتلاً وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر، فأخذ منه وهرب الشماخ من ليلته، فلما طلع الفجر استن ادريس وأكثر منه في فيه فسقطت أسنانه ومات من وقته، وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت ادريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولى الشماخ بريد مصر وأجازه وأحسن إليه، وولد لإدريس من بعده ولد له من جارية له بربرية تسمى كنزة، سمي باسمه، فنشأ فيهم فعظموه، وعامة من بالمغرب من ذرية الحسن من ولده، وهم إلى الآن في تلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث. ملاي (١) : مدينة من جزيرة القمر من جزر الهند، وملكها لا يحجبه ولا يقوم بخدمته في طعامه وشرابه إلا المخنثون يلبسون الثياب النفيسة من الحرير الصيني والعراقي، وفي يمنى كل واحد منهم سوار ذهب، وهؤلاء المخنثون يتزوجون الرجال في عوض النساء، ويخدمون الملك بالنهار ويرجعون بالليل إلى أزواجهم؛ وفي هذه الجزيرة الزرع والنارجيل وقصب السكر، وبهذه الجزيرة من الخشب ما لا يوجد مثله في الأرض، وأهلها بيض قليلو اللحى يشبهون الأتراك، ويزعمون أن أصلهم من الترك. وملاي (٢) أيضاً جزيرة في البحر الصنفي كبيرة ممتدة من المغرب إلى المشرق ويسمى ملكها ملك الجزر (٣) ودراهمه فضة تسمى الطاطرية (٤) ، وله أجناد وفيلة ومراكب كثيرة، وفيها موز ونارجيل وقصب سكر، وهي في آخر الصين. ملجمان (٥) : مدينة بالهند هي دار ملك الزابج، وهو أبداً يشتغل بحرب الزنج الذين هم في حدود واق (٦) لأن بلاد الزابج متصلة ببادية الزنوج الواقواقية، وعرض الباديتين مسيرة خمسة أشهر. الملتان (٧) : هي مدينة في آخر بلاد السند، وهي مجاورة لبلاد الهند، وهي نحو المنصورية في الكبر، وبعض الناس يجعلها من بلاد الهند، وبها صنم يعظمه أهل الهند ويحجون إليه من أقاصي بلدانهم ويتصدقون عليه بأموال جمة وحلي كثير وطيب تعظيماً له، وله خدام وعباد يأوون إليه وينفقون ويلبسون من ماله المتصدق به عليه، وسميت الملتان باسم الصنم، وهو على صورة الإنسان مربع على كرسي من جص وآجر، وقد ألبس جميع جسده جلداً أحمر فلا يتبين للإنسان من جسده شيء إلا عيناه، ولا يترك مكشوفاً، وعيناه جوهرتان، وعلى رأسه إكليل من ذهب مرصع، والصنم متربع وماد ذراعيه على ركبتيه، وهو معظم عندهم جداً، وبيت هذا الصنم في وسط الملتان، وبأعمر سور فيها، وهو قبة عظيمة مزخرفة قد أتقن بنيانها وشيدت عمدها ولونت صنعتها وأوثقت أبوابها، والصنم فيها، وحول القبة بيوت يسكنها خدام هذا الصنم، وليس بالسند ولا بالهند قوم يعبدون الأوثان إلا هؤلاء الذين في هذا القطر مع هذا الصنم. والملتان مدينة كبيرة عامرة عليها حصن منيع، ولها أربعة أبواب، وبخارجها خندق، ونعمها كثيرة وأسعارها رخيصة، وإنما سميت الملتان لأن معناها فرج بيت الذهب، وكان محمد بن يوسف أخو الحجاج أصاب فيها أربعين بهاراً من الذهب، والبهار ثلثمائة وثلاثة وثلاثون مناً، وكلها في بيت، فسمي ذلك فرج الذهب، والفرج الثغر (٨) ؛ وللملتان نهر صغير عليه أرحاء

стр. 563

ويصب في نهر مهران السند، والغالب على أهل الملتان أنهم مسلمون، والحكم فيهم لأهل الإسلام، ورئيسهم مسلم. مليانة (١) : مدينة في أحواز أشير من أرض المغرب بين تنس والمسيلة وبقرب نهر شلف، وهي مدينة رومية فيها آثار، وهي ذات أشجار وأنهار تطحن عليها الأرحاء، جددها زيري بن مناد وأسكنها ابنه بلكين، وهي عامرة ومشرفة على جميع ذلك الفحص الذي فيه بنو واريفن وغيرهم، وهي عامرة آهلة، ولها آبار عذبة وسوق جامعة. وبقعتها كريمة (٢) ومزارعها خصيبة، ونهرها يسقي أكثر مزارعها وجناتها، ولها أرحاء على نهرها، ولأقاليمها حظ من سقي شلف، وعلى ثلاثة أميال (٣) منها جبل وانشريس (٤) . وعلى مليانة لقي أبو بكر ابن الصابوني الشاعر (٥) السلطان أبا زكريا ملك إفريقية، كان هاجر إليه من الأندلس وركب البحر، وخرج في ساحل الغرب الأوسط، ولقي عسكر السلطان على مليانة فنظم قصيدة وتعرض بها في جهة خيام خدام السلطنة، فمن العجائب أن لحظه السلطان بعينه فقال للحاجب: إن صدق ظني فذاك الشخص الذي من صفته كذا الناظر إلى جهتنا هو ابن الصابوني الشاعر، فسر إليه برفق واسأله، فإن كان هو ومعه قصيدة فيحضر بها وينشدها، فكان الأمر على ما قدر السلطان، وحضر وأنشد قصيدة أولها: الله جارك في حل ومرتحل ... يا معلياً ملة الإسلام في ال ملل فسرت والسعد يدعوني وينشدني ... إن السعادة في مليانة فمل فلما أتمها أمر بإنزاله، وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وصحب العسكر إلى حضرة تونس. ملل (٦) : بينها وبين المدينة النبوية ثمانية عشر ميلاً، وهي بطريق مكة وفيها آثار، وهي قليلة الأهل، ماؤها من الآبار، وكان كثير عزة يقول: إنما سميت ملل لتملل الناس بها، وكان الناس لا يبلغونها حتى يملوا، وقال جعفر بن الزبير يرثي ابناً له مات بملل: أهاجك بين من حبيب قد ارتحل ... نعم ففؤادي هائم القلب مختبل أحزني على ماء العشيرة والهوى ... على ملل يا لهف نفسي على ملل فتى السن كهل الحلم يهتز للندى ... أمر من الدفلى وأحلى من العسل ممطور (٧) : جبل على مرحلة من القيروان نزله بعض الأمراء الداخلين لإفريقية فأصابه المطر فقال إن جبلنا هذا لممطور، فغلب عليه هذا الاسم. منبج (٨) : بناحية قنسرين ومن كورها، وهي مدينة كبيرة، وبينها وبين الفرات مرحلة، وعليها سوران، وهي من بناء الروم الأول وفيها أسواق عامرة وتجارات دائرة وغلات وأرزاق. ويحف (٩) بغربيها وشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار، والماء يطرد بها ويتخلل جميع نواحيها، وأرضها كريمة وأسواقها فسيحة، ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعاً وكبراً، وكانت من مدن الروم العتيقة، ولهم بها من البناء آثار تدل على عظيم اعتنائهم بها، ولها قلعة حصينة، وأهلها أهل خير وفضل، ومعاملاتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة. ومنبج أيضاً بناحية عمان.

стр. 564

منية نصر (١) : قرية بالأندلس قريبة من قرطبة موفية على النهر، وهي في شرقيها وتعرف بأرحاء الحناء، وهي منية فسيحة ذات مبان رفيعة، والذي ابتنى منية نصر الإمام عبد الله بن محمد، وفي ذلك يقول عبيد الله بن يحيى (٢) من قصيدة له: لعل زماني يستجد بوصلها ... تجدد عهد الملك في منية النصر فكم صدفت عنها الخطوب وأحرزت ... جنان المصلى دونها حلة الفخر جفاها البلا إذ واصل الملك ربعها ... وتم بها قصر يضاهي سنا البدر قريب المدى رحب المحل تحفه ... رياض ونهر تحت عقوته يجري والركن الشرقي مما يلي القبلة من هذه المنية يعرف بالركين، وهو على النهر وفيه ثمرات زيتون، وبين النهر وبين الركن موضع ينتابه النبيذيون وينتجعه الظرفاء فلا يكاد يخلو منهم، يتفيئون ظله ويعومون في نميره لاشتهاره وبرده، وفي ذلك يقول محمد بن شخيص (٣) على لسان ابن الحمالة إذ كان غائباً في القسطنطينية في شعر له طويل: اقر السلام على الركين وقل له ... مذ غبت لم أرتح لظل نسيم سقياً لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك في احتدام سموم لو كنت أملك منع مائك لم يقم ... في ظل ساحك منتم للئيم نقل في هذه الأبيات معنى شعر ابن المعتز وكثيراً من لفظه، وهو (٤) : اقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذ هجرت ذميم منية ابن الخصيب (٥) : بينها وبين مدينة القيس نصف يوم، وهي في الضفة الشرقية من النيل، وهي عامرة كثيرة الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، وحولها جنات وأرض متصلة العمارات وقصب وأعناب كثيرة ومتنزهات ومبان حسان. المنكب (٦) : بالأندلس، مرسى المنكب صيفي يكن بشرقيه، وله نهر يريق في البحر، وعليه حصن كبير لا يرام، به ربض وأسواق وجامع، وفيه آثار للأول كثيرة، وكانت لهم فيه مياه مجلوبة وآثار قنيها بها إلى اليوم، وبقرب الحصن من ناحية الشمال ديماس عظيم مبني من حجارة مربع الأسفل محدد الأعلى، ارتفاعه نحو مائة ذراع، في رأسه منفس للماء المجلوب إليها، وقد نحت في عرض جهة الديماس الجنوبية من أعلاه إلى أسفله مصب للماء، حتى وصل إلى الأرض فدل أن الماء كان مجلوباً من موضع هو أرفع من هذا الصنم، وبهذا المرسى خرج الإمام عبد الرحمن بن معاوية عند دخوله الأندلس وذلك في ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائة. ويتلو مرسى المنكب في الشرق مرسى شلوبينية. والمنكب (٧) مدينة حسنة متوسطة كثيرة مصايد السمك وبها فواكه جمة. قال بعض أهل الأخبار ما هو كالتفسير لما قدمناه: في وسط (٨) المنكب بناء مربع كالصنم، أسفله واسع وأعلاه ضيق، به حفيران من جانبيه، متصلان من أسفله إلى أعلاه، وبازائه من الناحية الواحدة في الأرض حوض كبير يأتي إليه الماء من نحو ميل على ظهر قناطر كثيرة معقودة من الحجر الصلد، ينصب ماؤها في ذلك الحوض، ويذكر أهل المعرفة من أهل المنكب

стр. 565

أن ذلك الماء كان يصعد إلى أعلى المنار وينزل إلى الناحية الأخرى فيجري هناك إلى رحى صغيرة كانت وبقي أثرها الآن، على جبل مطل على البحر، ولا يعلم ما المراد بذلك، ومن المنكب إلى اغرناطة أربعون ميلاً. مندوجر (١) : بالأندلس بينه وبين المرية مرحلة، وهو حصن على تل تراب أحمر، والمنزل في القرية، ويباع بها للمسافرين الخبز والسمك وجميع الفواكه. منرقة (٢) : هي جزيرة تقابل برشلونة، بينهما مجرى، وبينها وبين سردانية أربعة مجار، وهي إحدى بنتي (٣) جزيرة ميورقة، وهما منرقة ويابسة، وما زالت في يد المسلمين تحت هدنة الطاغية البرشلوني ومصالحته بعد أن جرى على ميورقة ما جرى، وكان عامل ابن يحيى صاحب ميورقة الممتحن بعذاب البرشلوني بعد استيلائه على ميورقة حتى مات رحمه الله تعالى مقيماً بجزيرة منرقة هذه، وهو سعيد بن حكم (٤) ، وقد ضبطها وأقام عليها أحسن قيام، وهادن الأعداء، وطالت مدته في ذلك، وحسنت سيرته إلى أن مات، فقصدها العدو، واغتنم فرصتها واستولى عليها. المنصورة (٥) : في بلاد السند، وهي على معظم نهر مهران، يحيط بها ذراع منه من الجانب الغربي، ومقدارها في الطول نحو ميل في عرض ميل، وهي مدينة حارة بها نخل كثير وقصب سكر، وليس لهم شيء من الفواكه إلا نوع من الثمر على قدر التفاح شديد الحموضة، ولهم فاكهة أخرى تشبه الخوخ وتقاربه في الطعم. وهي محدثة بناها أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي في صدر ولايته فنسبت إليه. ورأيت من وجه آخر (٦) أن المنصورة منسوبة لمنصور بن جمهور عامل لبني أمية، وكان أصحابها من ولد هبار بن الأسود، وبها من ولد علي بن أبي طالب ﵁ خلق كثير، ومملكتها تصاقب مملكة المولتان، ومسافة ما بين المملكتين خمسة وسبعون فرسخاً سندية، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الأصقاع والقرى وما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية وزروع وأشجار وعمائر متصلة. وقد بنى (٧) أبو جعفر المنصور أربع مدن وقال إنها لا تخرب أبداً: إحداها بغداد بالعراق، وهذه المنصورة في السند، والمصيصة في آخر الشام، والرافقة بأرض الجزيرة. وفي المنصورة هذه بشر كثير وتجار مياسير وماشية وزروع وحدائق وبساتين، وبناؤها بالآجر، ولأهلها نزاهات وأيام راحات، والتجار بها كثيرون والأسواق بها قائمة والأرزاق دارة، وزيهم زي العراق، وملوكهم يتشبهون بملوك الهند في لباس القراطق وإسبال الشعور، وبهذه المدينة حوت كثير، واللحم رخيص والفواكه مجلوبة. قال بعضهم (٨) : رأيت لصاحب المنصورة فيلين عظيمين كانا موصوفين عند أهل الهند والسند، لهما أخبار عجيبة، وكان لهما في فل الجيوش تقدم، ومات بعض سواس أحدهما فبقي لا يطعم ولا يشرب، يبدي الحنين ويظهر الأنين وتسيل دموعه، لا يتماسك وخرج ذات يوم من دار الفيلة يتقدم ثمانين فيلاً فاستقبل امرأة، فلما رأته غشي عليها فسقطت وانكشف ثيابها، فاعترض في الطريق مانعاً لمن وراءه من الفيلة أن تمر، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام ويلاطفها ويجمع عليها أثوابها، حتى قامت وخلى سبيل الفيلة. قالوا: والفيل إذا كان ممارساً شجاعاً وراكبه كذلك، وكان في خرطومه العرطل، وهو نوع من السيوف شنيع المنظر، وكان خرطومه مغشى بالزرد، وعليه تجافيف قد أحاطت به، ومن وراءه خمسمائة راجل أنجاد، كر على خمسة آلاف فارس وقام لهم ودخل وخرج وجال عليهم.

стр. 566

قالوا (١) : والفيلة ضربان: فيل وزندبيل، فهي كالبخت والعراب، والجواميس والبقر، والبراذين والخيل. قالوا (٢) : فإذا اغتلم الفيل قتل الفيلة والفيالين وكل من لقيه من سائر الناس، ولم يقم له شيء حتى لا يكون لسواسه إلا الهرب والاحتيال لأنفسهم، وتزعم الفرس أن فيلاً من فيلة كسرى اغتلم فأقبل نحو الناس، فلم يقم له شيء حتى دنا من مجلس كسرى، فأقشع عنه جنوده وأسلمه صنائعه، وقصد إلى كسرى ولم يبق معه إلا رجل واحد من فرسانه، كان أخصهم به حالاً، فلما رأى قربه من الملك شد عليه بطبرزين كان في يده فضرب جبهته به ضربة غاب جميع حديده بها في جبهته، فصدف عنه وارتدع، وأبى كسرى أن يزول من مكانه، فلما أيقن بالسلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب الله تعالى لي من الحياة على يديك بأشد سروراً مني بما رأيت من هذا الجلد والوفاء والظفر (٣) في رجل من صنائعي وحين لم تخطئ فراستي، فهل رأيت أحداً قط أشد منك؟ قال: نعم، قال: فحدثني عنه، قال: على أن تؤمنني، فأمنه، فحدثه عن بهرام جوبين بحديث شق على الملك إذ كان عدوه بتلك الصفة. والمنصورة (٤) أيضاً هي صبرة المتصلة - كانت - بالقيروان، بناها إسماعيل المنصور العبيدي سنة تسع وثلاثين وثلثمائة واستوطنها، وهي منزل الولاة إلى حين خرابها، ونقل إليها معد بن إسماعيل أسواق القيروان كلها وجميع الصناعات، ولها خمسة أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة، وهو جوفي، وباب الفتوح، ومنه كانت الجيوش تخرج، ويذكر أنه كان يدخل أحد أبوابها كل يوم ستة وعشرون ألف درهم. مناذر (٥) : قرية من كور الأهواز، وهما قريتان: مناذر الكبرى ومناذر الصغرى، وهما مدينتان كبيرتان عامرتان لا منبر بهما، وكورهما عامرة وأرزاقها دارة ونواحيها متسعة ومياهها كثيرة، وبها من حدائق النخل كثير، ومزارعهما كثيرة وافرة النفع، وكان ابن مناذر يغضب إذا قيل له ابن مناذر - بفتح الميم - ويقول: مناذر الكبرى أم مناذر الصغرى؟ ويقول: اسم أبي من ناذر، فهو مناذر. وحكى البلاذري (٦) أن أبا موسى بعد فتحه الأهواز، سار إلى مناذر فحاصر أهلها فاشتد قتالهم، وكان المهاجر بن زياد الحارثي وأخوه الربيع بن زياد مع أبي موسى، فقتل المهاجر ونصب بين شرفتين من قصرهم، فاستخلف أبو موسى أخاه الربيع على مناذر وسار إلى السوس ففتح الربيع مناذر عنوة، وصارت مناذر الكبرى والصغرى في أيدي المسلمين، فولاهما أبو موسى عاصم (٧) ابن قيس بن الصلت السلمي؛ وكتب عمر إلى أبي موسى: إن مناذر كقرية من قرى السواد، فردوا عليهم ما أصبتم. وفي مناذر (٨) الصغرى كان انحياز عبيد الله بن بشير بن الماحوز رئيس الخوارج؛ قال المهلب بن أبي صفرة: حاصرنا مناذر فأصابوا سبياً، وكتبوا إلى عمر ﵁ فكتب لهم: إن مناذر من قرى السواد، فردوا إليهم ما أصبتم. المنحنى (٩) : موضع من ديار غطفان وبظهر خيبر، فيما بينها وبين نجد. المندل (١٠) : موضع من بلاد الهند ينسب إليه العود المندلي. المنار (١١) : منارة الإسكندرية، وضعه الله تعالى على يد من سخره لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، ولولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلاً، ومبناه في نهاية من الوثاقة طولاً وعرضاً، قيس أحد جوانبه الأربع فوجد نيفاً على خمسين باعاً، ويذكر أن طوله أزيد من مائة وخمسين قامة، وداخله مرأى هائل، اتساع معارج ودواخل، وكثرة مساكن، حتى أن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل، وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه.

стр. 567

والحكاية المشهورة في الاحتيال على هدمه ونبذ من أخباره قد تقدم في رسم الإسكندرية من باب الألف. رأس منف (١) : مدينة في البلاد المصرية قديمة، كانت دار مملكة ملوك درجوا مما يلي جبل المقطم، وأكثرها الآن خراب، وبها كان فرعون موسى، وكان اتخذ لها سبعين باباً، وفصل حيطان المدينة بالحديد والصفر، وبها كانت الأنهار تجري من تحت سريره، وهي أربعة. قال رجل: رأيت بمنف دار فرعون، وكنت أمشي في مجالسه وغرفه وجميع سقائفه وحجره، فإذا ذلك كله حجر واحد منقور، فإن كان بناء قد أحكم حتى صار في الاستواء كحجر واحد لا يستبين فيه جمع بين حجرين فذلك عجب، وإن كان جبلاً واحداً فنقرت الرجال فيه بالمناقر حتى تخرقت فيه تلك المخارق فهو أعجب وأعجب. وقد تنازع الناس في أمر فرعون موسى، فمنهم من رأى أنه من العماليق، ومنهم من قال: هو من لخم من الشام، ومنهم من رأى أنه من الفرس من مدينة اصطخر، ومنهم من رأى أنه من القبط من ولد مصرام، والقبط تثبت ذلك، وزعم قوم أنه من الأعاجم من الأندلس من قرمونة، وذكروا أن اسمه الوليد بن مصعب، وكان سبب ملكه أنه دخل مدينة منف من البادية يحمل خمراً على أتان له، وكان أهل منف قد اختلفوا في تولية ملك، فأجمعوا أن يكون أول من يدخل ذلك اليوم على باب المدينة، فكان أول داخل فرعون، فولوه الملك. وكانت مدينة منف في ذلك الزمان قاعدة مصر ومدنها ودار مملكتها، فلما تمكن فرعون ببلاد مصر بذل الأموال وجمع الجيوش، وقتل من خالفه وناوأه، ومدن المدن، وخندق الخنادق، واستقر له الأمر، وكان جباراً معجباً يدعو الناس إلى عبادته ويقول: أنا ربكم الأعلى، واستعبد بني إسرائيل، فكان من أمره مع موسى ﵇ ما نصه الله تعالى في كتابه، فلما هلك رجعت بلاد مصر لبني إسرائيل يتوارثونها ملكاً عن ملك (٢) ، ومنهم كان داود وسليمان ﵉، إلى أن بعث الله عيسى ﵇ وظهر دين النصرانية، وملك النصارى أرض مصر يتوارثونها إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام. المنستير (٣) : محرس من محارس سوسة بإفريقية، مشهور الفضيلة، قيل إن الذي بنى القصر الكبير بالمنستير هرثمة بن أعين سنة ثمانين ومائة، وله في يوم عاشوراء موسم عظيم ومجمع كبير، وبالمنستير البيوت والحجر ومواجل الماء، وهو حصن عالي البناء متقن العمل، وفي الطبقة الثانية مسجد لا يخلو من شيخ فاضل يكون مدار القوم عليه، وفيه جماعة من الصالحين والمرابطين قد حبسوا أنفسهم منفردين دون الأهل والعشائر، وداخل قصر المنستير ربض واسع، في وسطه حصن ثان كثير المساكن والمساجد والقصاب العالية، طبقات بعضها فوق بعض، وفي القبلة منه صحن فيه قباب عالية متقنة حولها النساء المرابطات، ولها حمامات كثيرة. وكان أهل القيروان يخرجون له من الأموال والصدقات كثيراً. وبقرب المنستير ملاحة عظيمة تشحن منها السفن الملح إلى البلاد، وبقربه محارس خمسة متقنة البناء معمورة بالصالحين، والأعراب لا تضرهم في شيء من أسبابهم، وبه مدفن أهل المهدية، يحملون موتاهم في الزوارق إليها ثم يعودون إلى بلدهم. وبقرب القيروان: منستير عثمان (٤) بينهما ست مراحل، وهي قرية كبيرة آهلة بها جامع وفنادق كثيرة وأسواق وحمام وبئر لا تنزف، وقصر للأول مبني بالصخر، وأرباب المنستير قوم من قريش من ولد الربيع بن سليمان، وهو اختطها عند دخوله إفريقية، وهذا خلاف ما تقدم، إلا أن يكون هرثمة مجدداً له فيصح، أو يراد منستير عثمان (٥) ، وبها عرب وبرابر وأفارق، ومنها إلى باجة ثلاث مراحل. منى: جبل بمكة شهير، يذكر ويؤنث، وفيه يقول الشاعر: ولم أر ليلى قبل موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المحصب ومنى (٦) شبه القرية، بنيت على ضفتي الوادي النازل من عرفات، وفي وسط ذلك الوادي الجمرتان: الأولى جمرة العقبة،

стр. 568

أول ما يلقى من منى في رأس العقبة عن يسار الداخل في منى في ناحية مكة، والحصاة قربان فما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل بقي، وليس على الحاج بمنى صلاة العيد، وإنما صلاتهم في ذلك اليوم وقوفهم بالمشعر الحرام، وأيام منى أيام ذكر الله تعالى والأيام المعدود (١) ات أيام منى الثلاثة، ويرمى فيها بالجمار، وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر منها، والأيام المعلومات: يوم النحر واليومان اللذان بعده، وفي سفح الجبل على جمرة العقبة مسجد في حائطه من ناحية الجنوب حجر مبسوط أدكن، فيه أثر قدم إسماعيل بن إبراهيم ﵉، حين أضجعه للذبح فركض برجله، فلان له الحجر فغرق رجله فيه، وفي هذا الموضع في عرض الجبل أثر مجر الكبش، ثم تدخل منى فتلقى الجمرة الثانية عن يسارك بينها وبين جمرة العقبة أربعمائة ذراع، ثم الجمرة الثالثة وهي وسط المحجة، بينها وبين الجمرة الوسطى ثلثمائة ذراع وخمسون ذراعاً. منبسة (٢) : مدينة في بلاد الزنج على الساحل صغيرة، وأهلها متحرفون باستخراج الحديد من معدنه والصيد للنمور، وكلابهم حمر تغلب كل الذئاب وجملة السباع، وهي في نهاية من القهر لها، وهي على البحر وعلى ضفة جون (٣) كبير تدخله المراكب مسيرة يومين، وليس عليه شيء من العمارة، والوحوش تستقر في غياض ضفتيه معاً، فهم يصيدونها هناك، وفي هذه المدينة سكنى ملك الزنج، وأجناده يمشون رجالة لأن الدواب ليست عندهم ولا تعيش بأرضهم. مصر: هي الفسطاط، وهي خاصة بلاد مصر. وفي سنة تسع عشرة فتح عمرو بن العاصي مصر والإسكندرية، وقيل سنة عشرين، في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. وجاء في الأثر: من أخرب خزائن الله فعليه لعنة الله، وخزائن الأرض هي مصر، أما سمعتم قول يوسف " اجعلني على خزائن الأرض "، وقالوا: مكتوب في التوراة: مصر خزائن الله فمن أرادها بسوء قصمه الله. وفي السير أن هاجر أم إسماعيل ﵉ وأم العرب من قرية كانت أمام الفرما من مصر. وبمصر من المنافع والمصانع والبساتين والغرف المشرفة على النيل والقصور ما يبهج العيون ويطرب المحزون، وبين مصر والقاهرة نحو ثلاثة أميال، والقاهرة محدثة من بناء العبيديين. قالوا (٤) : ولما كانت سنة ثمان عشرة في خلافة عمر ﵁، وقدم عمر ﵁ الجابية، خلا به عمرو بن العاصي ﵁ وقد كان دخل مصر في الجاهلية وجرى له فيها خبر الكرة، وكان عمرو بن العاصي ﵁ يعرف أحوال مصر، فجعل عمرو يعظم عند عمر بن الخطاب ﵄ أمرها، ويعرفه بكثرة جبايتها، ويهون عليه فتحها حتى ركن عمر ﵁ إلى قوله، فعقد له على أربعة آلاف وجهزهم معه وقال له: سر وأنا أستخير الله تعالى، وسيأتيك كتابي سريعاً بما أرى إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك به بالانصراف قبل أن تدخل أرض مصر فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره. فسار عمرو بن العاصي ﵁ في جوف الليل ولم يشعر به أحد، واستخار عمر ﵁، فكأنه تخوف على المسلمين، فكتب إلى عمرو يأمره بالانصراف بمن معه، فأدركه الرسول وهو برفح، وتخوف عمرو إن قرأ الكتاب أن يكون فيه أمر بالإنصراف، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل قرية قريبة من العريش، فسأل عنها فقيل له إنها من أرض مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، ثم قال: ألستم تعلمون أن هذه القرية من أرض مصر؟ فقالوا: بلى، قال لهم: فإن أمير المؤمنين عهد إلي أنه إن لحقني كتابه وأنا لم أدخل أرض مصر أن أرجع بمن معي، وإن كتابه لم يلحقني حتى دخلت أرض مصر، فسيروا على بركة الله تعالى، فساروا حتى توسطوا بلاد مصر، فنزل عمرو بموضع على النيل، وهو الفسطاط، ولم تكن فيه حينئذ مدينة، وإنما بنى الفسطاط عمرو، وكان ملك مصر في ذلك الزمان المقوقس، وهو الذي أهدى لرسول الله ﷺ مارية القبطية، فلما سمع المقوقس دخول المسلمين بلاده ونزولهم الفسطاط، ولم يكن لديه علم، راعه ذلك فنظر في توجيه الجنود إليهم. وكتب عمرو إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف. ويقال إن أسقفاً كان بالإسكندرية من أهل العلم بالكوائن لما بلغه قدوم عمرو بالمسلمين إلى بلاد مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقي عمرو

стр. 569

بالطاعة له، فأطاعه كثير من القبط، فاستعان بهم على من سواهم، ثم سار عمرو إلى البلد الذي كان فيه الملك المقوقس، وكان حصناً عظيماً، فاتقى بخندق حوله، واصطف المسلمون على أبواب الخندق وعليهم السلاح والدروع، ثم إن عمر ﵁ بعث الزبير بن العوام ﵁ في اثني عشر ألفاً فقوي المسلمون، فجعل عمرو يلح بالقتال ووضع المنجنيق، فلما أبطأ الفتح على المسلمين قال الزبير بن العوام ﵁: أنا أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله على المسلمين، فوضع له سلم إلى باب الحصن، فرقي فيه ثم قال: إذا سمعتم تكبيري أجيبوني، فما شعر أهل الحصن إلا بالزبير ﵁ على رأس الحصن يكبر، والسيف بيده منتضى، فتحامل المسلمون على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر بهم، فهرب أهل الحصن جميعاً، وعمد الزبير إلى باب الحصن ففتحه، فاقتحم المسلمون فيه، فلجأ الروم والقبط إلى قصر منيع في الحصن، فحاربهم المسلمون نحو شهر وكان في ذلك القصر الملك المقوقس مع أكابر الروم، فخاف المقوقس على نفسه وعلى من معه، فخرج على باب من موضع خفي، وترك في القصر جماعة يقاتلون، وأمر بقطع الجسر، ثم أرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قوم قد دخلتم بلادنا وطال مقامكم بأرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم الجيوش، وقد أحاط بكم هذا النيل، فأنتم أسارى بأيدينا، فابعثوا إلينا رجلاً منكم نسمع كلامه، فعسى يأتي الأمر بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جيوش الروم فتندموا، فرد عمرو مع رسله: إنه ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن تدخلوا في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لنا ما لكم وعلينا ما عليكم، فإن أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، أو جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فلما رجعت رسل المقوقس قال لهم: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوماً الموت إلى أحدهم أحب من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على الركب، وأميرهم كواحد منهم يغسلون أطرافهم بالماء، وإذا حضرت صلاتهم لم يتخلف أحد منهم، ويخشعون في صلاتهم تخشعاً كثيراً، فقال المقوقس: والذي نحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد وإن لم نغتنم صلح هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل. لن يجيبوا إذا تمكنوا من الأرض، وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه، والمسلمون قد أحدقت بهم المياه من كل جانب، لا يقدرون على النفوذ إلى الصعيد ولا إلى غيره. ن في صلاتهم تخشعاً كثيراً، فقال المقوقس: والذي نحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد وإن لم نغتنم صلح هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل. لن يجيبوا إذا تمكنوا من الأرض، وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه، والمسلمون قد أحدقت بهم المياه من كل جانب، لا يقدرون على النفوذ إلى الصعيد ولا إلى غيره. ثم بعث (١) إليهم عمرو بن العاصي ﵁ عشرة رجال، أحدهم عبادة بن الصامت ﵁، وكان أسود اللون من العرب وأمره أن يكون متكلم القوم فإنه كان فصيحاً، وأمره ألا يجيبهم إلا إلى إحدى ثلاث خصال، وهي المذكورة قبل، فركبوا السفن ودخلوا على المقوقس، فتقدم عبادة ﵁ للكلام فهابه المقوقس لسواده وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره، فقالوا جميعاً: هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وحكمة، فكلمه عبادة ﵁، وازداد المقوقس هيبة لسواده وقال: نحوا عني هذا الأسود، فقالوا جميعاً: هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأياً وعلماً، فكلمه عبادة ﵁ مرة أخرى، فقال المقوقس لأصحابه: لقد هبت منظره وان قوله عندي لأهيب، وإن هذا وأصحابه إنما خرجوا لإخراب الأرض، وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها، وقال: نعطي كل من في الجيش دينارين دينارين، ونعطى أميرهم مائة دينار، ونبعث إلى خليفتهم ألف دينار فلم يجبه عبادة ﵁ إلا إلى إحدى الثلاث خصال، فقال المقوقس لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: أما ما أراد من دخولنا في دينهم، فهذا ما لا يمكن ولا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه، وأما ما أراد أن يجعلونا عبيداً فالموت أيسر من ذلك، فإن رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم وينصرفوا عنا كان ذلك أهون علينا. فانصرف عنهم (٢) عبادة بن الصامت ﵁ وأصحابه ولم ينعقد بينهم صلح على شيء، فألح عليهم المسلمون بالقتال حتى أذعن المقوقس لإعطاء الجزية عن القبط خاصة، وأما الروم فيخيرون في المقام على الجزية أو الخروج إلى أرض الروم، وتم ذلك بينهم وبين المسلمين، فأحصي يومئذ جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط فكانوا ستة آلاف ألف ممن بلغ الحلم، سوى الشيخ الفاني والصغير النامي والنساء، وفرض على كل واحد منهم دينارين دينارين في السنة، فكانت فريضتهم اثني عشر ألف ألف،

стр. 570

ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة، ثم زادت بمن استقر بها من النصارى وغيرهم من النوبة ثلاثة آلاف دينار، فجعل عمرو يبحث عن الأموال ويضمها إلى بيت المال، فذكر له أن عند عظيم الصعيد مالاً كثيراً، فبعث إليه فيه، فقال له: ما عندي مال، فسجنه، وسأل عمرو ﵁ من كان يدخل إليه: هل يسمعونه يذكر أحداً؟ فقالوا له: سمعناه يكثر ذكر راهب الطور، فبعث عمرو ﵁ فأتى بخاتم المسجون، وكتب كتاباً على لسانه إلى ذلك الراهب، فأتي بقلة من نحاس مختومة برصاص، فإذا فيها كتاب فيه: يا بني إذا أردتم مالكم فاحفروا تحت الفسقية، وهي السقاية، فحفروا فاستخرجوا خمسين أردباً دنانير، والأردب نحو قنطار ونصف. ثم أمر عمرو (١) ﵁ المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط، وهي مدينة مصر اليوم، وإنما سميت مدينة مصر الفسطاط لأن عمرو بن العاصي ﵁ حين دخل مصر وضرب فسطاطه بذلك الموضع فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع الفسطاط، فإذا فيه حمام قد أفرخ، فقال عمرو ﵁: لقد تحرم هذا منا بمحرم، فأمر بالفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية بعد فتحها قال الناس: أين ننزل؟ فقيل: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه في المنزل بمصر. ثم بدأ عمرو بن العاصي ﵁ ببناء المسجد، وكان في موضعه حدائق وأعناب فقطعها، ووضعوا أيديهم في البناء فلم يزل عمرو ومن حضر من أصحاب رسول الله ﷺ قياماً حتى وضعت القبلة، فلما أتمه اتخذ فيه منبراً، فكان يخطب عليه، فوصل ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إلى عمرو بن العاصي: أما بعد: فإنه بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى فيه على رقاب المسلمين أوما يسعك أن تقوم قائماً والناس من تحتك، فعزمت عليك لما كسرته. ثم اختط عمرو داره التي هي اليوم عند باب المسجد، بينهما الطريق، وكذلك اختط جميع من أراد سكنى مصر من المسلمين داراً لنفسه، واختط الزبير ﵁ داراً، وجعل فيها السلم الذي صعد عليه إلى الحصن المتقدم الذكر، فلما ولي عبد الملك بن مروان اغتصبها من آل الزبير واصطنعها لنفسه، فلما ولي أبو جعفر المنصور ردها على هشام بن عروة من بني الزبير. وحكى ابن عساكر أن رجلاً ذكر أنه لقي الياس ﵇ وسأله: كم الأبدال؟ فقال: ستون خمسون ما بين عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان ب المصيصة ، ورجل بإنطاكية، وسبعة في سائر أمصار العرب، بهم يسقون الغيث وبهم ينصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا، فإذا أراد أن يهلكها أماتهم أجمعين. المصيصة (٢) : من ثغور الشام بالقرب من أنطاكية، والمصيصة مدينتان بينهما نهر عظيم يقال له جيحان، وهما على ضفتيه وبينهما قنطرة من حجارة، واسم الواحدة المصيصة والأخرى كفربيا، ولها بساتين وزروع، وجيحان يخرج من بلاد الروم حتى يصل المصيصة، وبين المصيصة والبحر اثنا عشر ميلاً. والمصيصة (٣) مكسورة الميم، قال الأصمعي: ولا يقال غير ذلك. وفي سنة (٤) أربعين ومائة كتب أبو جعفر المنصور إلى صالح بن علي يأمره ببناء المصيصة، فوجه صالح جبريل بن يحيى فرابط بها حتى بناها وفرغ منها سنة إحدى وأربعين ومائة، وأنزلها الناس. وذكروا أنه من أطال الصوم بالمصيصة هاجت به المرة السوداء، وقد يجن. وباب المصيصة الذي يلي البحر لا يغير البحر صفاء حديده ولا يولد فيه صدأ وكأنه قد جلي بالأمس، وتعبر الجسر بالمصيصة فتسير في صحراء ملساء خمسة فراسخ إلى أذنة. المضيق (٥) : بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، بها كان مسكن جذيمة في زمان ملوك الطوائف وهو الذي قتلته الزبا بنت عمرو في الخبر المشهور. معتب (٦) : عند جزيرة سقطرة من اليمن وهو مغاص اللؤلؤ،

стр. 571

والغواصون عليه أجراء للمسلمين والنصارى، أجر الغواص فيه من قيراط إلى نصف درهم، يغوصون إلى نصف النهار، ثم يأخذون في شق الصدف إلى آخر النهار، وإذا أراد الغواصون أن يغوص أحدهم عمد إلى آلة ذات شقتين قد اتخذت من القرون دقيقة جداً تضم المنخرين فتمنع الماء منه، ويشد في إحدى رجليه صخرة مقدار عشرين مناً، وشد معها وعاء أخذ من شماريخ النخل جعل فيه ما وصل إليه من الصدف، فإذا ملأه حرك الحبل فجذبوه. معرة النعمان (١) : بالشام مدينة قديمة فيها خراب، بينها وبين حلب خمسة أيام، وهي مدينة كبيرة كثيرة المباني والأسواق، ولا في شيء من نواحيها ماء جار ولا عين، والغالب على أرضها الرمل وشرب أهلها من ماء السماء، وهي كثيرة الزيتون والكروم والتين والفستق والجوز وغير ذلك، وأهلها تنوخ. ولها سبعة أبواب: باب حلب. باب الكبير. باب شيث. باب الجنان. باب حمص. باب كذا. وعلى ميل منها دير س معان ، وفيه قبر عمر بن عبد العزيز ﵁، ويذكر أن قبر شيث بن آدم ﵉ عند الباب المنسوب إليه منها، وداخل المعرة قبر يوشع بن نون، وله يوم حفل في كل عام يقصد إليه من الأقطار ومنها أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري اللغوي الشاعر البليغ الفصيح، كانت تشد إليه الرحال وتضرب إليه أكباد الإبل من الآفاق، وزعموا أنه ينتحل مذهب البراهمة والله أعلم. والناس يقابلون بينه وبين ابن سيده ويقولون: أعميان إمامان حافظان أحدهما بالمشرق والآخر في المغرب ويخوضون في ذلك. والذي ذكر البلاذري (٢) أنها تنسب إلى النعمان بن بشير الأنصاري. وبلاد المعرة (٣) سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي أخصب بلاد الله وأكثر أرزاقاً ووراءها جبل لبنان. معان: موضع في طريق الشام من المدينة؟ وقال عبد الله بن رواحة ﵁ عند خروجه في المبعث الذي وجهه إليه رسول الله ﷺ مع غيره من الأمراء إلى مؤتة، وكان بلغهم أن الروم قد جمعت لهم، فتردد الناس وكأنهم تهيبوا فقال (٤) : جلبنا الخيل من أجأ وفرع ... تغر من الجشيش لها العكوم أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم وفي شعر أبي العلاء المعري (٥) : معان من أحبتنا معان ... تجيب الصاهلات به القيان بئر معونة: ماء لبني عامر بن صعصعة، كانوا غدروا فيه ببعض أصحاب رسول الله ﷺ ذكر القصة بطولها ابن إسحاق في سيره (٦) . مغام (٧) : في جهة طليطلة، وفيها الطفل الذي لا يشبهه طفل، لجودته وكثرته. المغمس (٨) : موضع في طرف الحرم فيه برك محمود فيل أبرهة حين توجه به إلى مكة لإخراب الكعبة بزعمه، جعلوا يوجهونه إلى كل جهة فيمضي، فإذا وجهوه إلى الكعبة برك، وجهدوا في ذلك فأعياهم، وكان قائل قال له في أذنه: ابرك محمود فإنك في حرم الله تعالى، وفي هؤلاء نزل " ألم تر كيف فعل ربك

стр. 572

بأصحاب الفيل "، والقصة مبسوطة في سير ابن إسحاق أيضاً، والميم الثانية في المغمس مكسورة وروي فتحها فأما الأولى فمضمومة، وقال أبو الصلت الثقفي: حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور مغانجه (١) : بقرب الدرب في بلاد افرنجة، وهي مدينة عظيمة جداً لا يسكن منها إلا بعضها لانخراقها واتساعها، وسائرها مزارع، وهي على نهر عظيم كان عليه في الزمان القديم قنطرة من صخر جليل على حنايا عالية، فكان لصوص الصقالبة وغيرهم قبل تبصرهم يعبرون عليها فيغيرون على نواحي مغانجة، فأمر صاحبها يومئذ بخراب القنطرة فخربت وهدمت أرجلها حتى ساوت الماء، وبقبلي مغانجة خارج منها كنيسة كبيرة يعظمها النصارى، وموضع مغانجة أشرف موضع في جميع بلاد النصارى، وهي من غر البلدان ولها أحواز واسعة، وهي كثيرة الحبوب والكروم والفواكه، ومنها تحمل الأطعمة والشراب إلى الأقاليم الموالية لها ويختلف إلى مدينة مغانجة أهل بردون واليهود بجهاز الأندلس وذلك غزل الحرير والخز والبياض والشقيق والزئبق والأحمر واللاذن والزعفران وغير ذلك من السلع والبضائع، وفي أحواز مغانجة الخيل العتاق. مقور (٢) : جبل في شمال أرض كوار فيه عروق ترابية لينة تنفع من أوجاء العين الرمدة مثل ما ينفع رهج الغار الذي بعقر (٣) مدينة طلبيرة من بلاد الأندلس من جرب العين ويأكل ما فيها وهو غبار يوجد هناك لونه أخضر ما هو وهذا الغبار مشهور المنفعة في جميع بلاد الأندلس مجرب. وتتصل هذه الأرض بأرض الواحات، وهي المعروفة بأرض سنترية، وسنترية محدثة قريبة العهد. مقرة (٤) : بينها وبين المسيلة من بلاد الزاب مرحلة، وهي مدينة صغيرة وبها مزارع وحبوب، وأهلها يزرعون الكتان، وهو عندهم كثير، وبين مقرة وطبنة مرحلة، وبين طبنة وبجاية ست مراحل. ومقرة هي المدينة العظمى وفيها منبر وعليها سور، وأهلها قوم من بني ضبة، وبها قوم من العجم، وحولها قوم من البربر، ولها حصون كثيرة. المقدس: بايليا، وكورة ايليا من فلسطين، والتقديس التطهير، والأرض المقدسة أربعون ميلاً في مثلها، وأول من بنى بيت المقدس وأري موضعه يعقوب، وقيل داود ﵉، وكان من بناء داود ﵇ له إلى وقت تخريب بخت نصر إياه وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة، فلم يزل خراباً إلى أن بناه ملك من ملوك طوائف الفرس يقال له كوشك ثم تغلبت ملوك غسان على الشام بتمليك ملوك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم، إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم، ففتح الله الشام على المسلمين زمن عمر بن الخطاب ﵁، وتولى أبو عبيدة ﵁ على ايليا وحاصرها إلى أن صالحوه على أداء الجزية، على أن يكون عمر بن الخطاب ﵁ هو المتولي لعقد الصلح معهم، فكان ذلك سبب مسير عمر ﵁ إلى الشام ومباشرته لعقد الصلح معهم، وهذا قد سبق فيما مضى من هذا الكتاب، وهو مذكور في فتوح الشام. قالوا: وسخر عمر ﵁ أنباط فلسطين في كنس بيت المقدس، وكانت فيه مزبلة عظيمة، وقد مر هذا أيضاً في ذكر ايليا. ويوقد (٥) في مسجد بيت المقدس كل ليلة جمعة وفي النصف من شعبان وفي الأعياد ألفا شمعة سوى القناديل، وفيه من القباب خمس عشرة قبة سوى قبة الصخرة، وعلى سطح المسجد مع القباب من شقق الرصاص حاشا قبة الصخرة سبعة آلاف شقة وسبعمائة

стр. 573

شقة، وزن كل شقة سبعون رطلاً بالشامي، وفيه أربع صوامع للأذان، وكان له من المسلمين ثلثمائة خادم ومن النصارى عشرة يكنسون سطوحه وينظفون قنوات الماء ولا تؤخذ منهم جزية، ومن اليهود نيف وعشرون خادماً ولا تؤخذ منهم جزية، وكانوا يحجبون المسجد وينظفون الظاهر حول المسجد. ووظيفته من الزيت كل شهر سبعمائة قسط بالإبراهيمي، وزن القسط رطل ونصف رطل بالشامي الكبير. وقبة الصخرة على أكمة في المسجد، والصخرة تحت القبة، وتحت القبة مغارة ينزل إليها بدرج مما يلي الباب القبلي من أبواب القبة، والصخرة مرتفعة من ناحية المغرب ذراعين، منخفضة من جهة المشرق، وحول الصخرة حظيرة من رخام ارتفاعها نحو ذراع ونصف، ولقبة الصخرة أربعة أبواب، وفي المسجد القبة التي يذكر أن النبي ﷺ عرج به منها إلى السماء، ومنارة إبراهيم ﵇ التي كان يتخلى فيها للعبادة، ومصلى جبريل ﵇، ومصلى الخضر، والسطح المسقف من بيت المقدس قد سوي وفرش على بنيان قديم نحت نحتاً، ينسب بناؤها إلى سليمان بن داود ﵉، ولولا ذلك ما اعتدل سطح المسجد لأنه في سند، وفيما بين تلك الحنايات التي في المسجد والقباب التي في وسط المسجد أكمة مرتفعة من الأرض لها من كل ناحية نحو ست درجات وأكثر، وهناك مقامات للدعاء معروفة وشرف من المسجد على واد ينحط منه إلى عين يقال لها سرحان، يقال إنها العين التي كان المسيح ﵇ يفتح فيها عيون العميان، وهناك كنيسة يقال لها الجسمانية وعلى فرسخ منها مما يلي قبلتها في مستو من الأرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇، وبه النخلة التي تساقطت على مريم رطباً جنيا والسري الذي جعل الله تحتها فشربت منه وتطهرت، والمهد الذي جعلت فيه المسيح حين ولدته، وهو حوض أبيض غسلته فيه، وهو قريب من العين، وعلى فرسخين من بيت لحم تجاه القبلة منه قبر إبراهيم الخليل ﵇، تصعد جبلاً ثم تنحط إليه، وإلى جانبه قبر إسحاق ﵇، وهناك مسجد إبراهيم ﵇، ومن بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم ﵇ ثلاثة عشر ميلاً مما يلي القبلة، وحول القرية التي فيها قبر إبراهيم ﵇ غياض وأشجار تفاح أحمر، وهناك دير إلى جانبه جبل يصعد في قنته في قدر ثلثمائة مرقاة، يقال إن هذا الجبل صعد منه المسيح ﵇ إلى السماء. مقدونية: اسم قديم لمصر قبل أن ينزلها مصر بن هرمس، وإليها ينسب الاسكندر، فيقال المقدوني (١) . المقطم (٢) : جبل يتصل بمصر أوله من ديار مصر، فيمر في الصحراء إلى أن ينتهي إلى قرب أسوان، وهو جبل مشهور بالطول، وأما ارتفاعه فإنه يعلو من مكان وينخفض في مكان، وتنقطع منه مواضع، وتحفر منه المغرة والكلس، وفيه ذهب كثير، وكذلك تربته إذا دبرت استخرج منها ذهب صالح، ويتصل قطع بديار مصر الداخلة في البحر الملح في جهة القلزم، وهو بحر الحجاز، وفي هذا الجبل وما اتصل به كثير من الكنوز مما خبأته ملوك مصر في الزمن القديم، وفيه كثير من هياكل الكهنة وعجائبهم، ومما يلي البحر منه الجبل المتحرك المدور الذي لا يستطيع أحد أن يصعده ولا يجد السبيل إلى الطلوع إليه لإملاسه وارتفاعه، ويذكر أن فيه كنوزاً عظيمة لمقطم الكاهن، وإليه ينسب هذا الجبل بأسره، وفيه أيضاً كنوز كثيرة لبعض ملوك مصر من المال والجوهر وتراب الصنعة والتماثيل العجيبة وأصنام الكواكب، وقد كانوا رأوا في علومهم أن ملكاً من ملوك الإفرنجة يقصدهم لما كان اتصل به من كثرة أموالهم والصنعة التي كانوا يدبرونها لعمل الذهب، فكان ما خافوه من ذلك حقاً، وقصدهم الملك الإفرنجي، فغزا ديار مصر في ألف مركب، فهرب أكابرهم إلى هذا الجبل وتستروا في الأماكن الخفية فيه، وبعضهم أمعن في الهرب حتى لحق بالواحات فلم يوصل إليهم، ونجا أكثرهم بأموال. وعرض هذه الصحراء التي قدمنا ذكرها يقطعها السالك من قوص إلى عيذاب في عشرين يوماً، وبها جب ماؤه من أعجب العجب لا ينزل به من شربه من حيث تنزل المياه من الإنسان، ولا يقيم بالمعدة، بل إذا شربه الإنسان لم يلبث أن ينزل به من مقعدته مسرعاً من غير تأخير ولا إقامة، ولا تسلك هذه الصحراء في اشتداد الحر، فما يمر به السالكون إلا في آخر أيام الخريف، وأهل مصر يدفنون موتاهم في جبل المقطم. وكان السبب (٣) في جعله مقبرة ما روي أن عمرو بن العاصي ﵁ لما فتح مصر قال له المقوقس: إنا نجد أن هذا

стр. 574

الجبل فيه غراس الجنة، فكتب إلى عمر ﵁ بذلك فقال: لا أعرف غراس الجنة إلا موتى المسلمين وإلا شهداء المسلمين، فاجعله مقبرة لهم، فجعله مقبرة. وفي المقطم اغتيل الحاكم بأمر الله خليفة مصر العبيدي؛ وهو متصل بأرض الفسطاط. قالوا (١) : وبه جمل من قبور الأنبياء ﵈ كيوسف ويعقوب والأسباط. مقاصر: جزيرة في البحر الهندي في مطلع الشمس فيها الصندل المقاصري وجوزة الطيب، وفي الشمال منها منتهى معمور الجزائر وتصرف السفن، فإن أخطأت السفينة ذات اليمين هلكت. مسكيانة (٢) : قرية بقرب مجانة المطاحن عند نهر ملاق، وبقرب باغاية، وبينها وبين مجانة مرحلة، وهي مدينة عامرة قديمة أزلية بها زروع ومكاسب، وهي أكبر من مرماجنة. مستغانم (٣) : مدينة بقرب نهر شلف، بينها وبين قلعة مغيلة دلول مسيرة يومين، وهي مدينة مسورة ذات عيون وبساتين وطواحن ماء، ويبذر في أرضها القطن فيجود، وهي بقرب مصب نهر شلف. وهي (٤) على البحر ولها أسواق وحمامات وجنات وبساتين ومياه كثيرة وسور على جبل مطل إلى ناحية المغرب، وهي صغيرة. المسيلة (٥) : من بلاد الزاب بالمغرب بقرب قلعة أبي طويل، وهي مدينة جليلة على نهر يسمى نهر سهر في بساط من الأرض. ومنبع نهر سهر من مدينة الغدير، وأسس المسيلة أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله الشيعي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة وكان المتولي لبنائها علي بن حمدون بن سماك الجذامي المعروف بابن الأندلسي، فلما أتمها أمره الشيعي عليها، فلم يزل بها أميراً حتى مات في فتنة أبي يزيد، وبقي ابنه جعفر أميراً فيها وولي بلاد الزاب كلها، وجعفر هذا هو ممدوح محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور، له فيه أمداح حسان، وكان من أكثر أهل زمانه إحساناً والمسيلة كثيرة النخل والبساتين تشقها جداول المياه العذبة، وكانت مدينة عظيمة على نظر كبير، وحواليها قبائل كثيرة من البربر من عجيسة وهوارة وبني برزال. وبها أسواق وحمامات، ويجود عندهم القطن وهي كثيرة اللحم رخيصة السعر، وبها عقارب مهلكة لا يخلص من لدغها والعياذ بالله. وقيل إن المسيلة المستحدثة أحدثها علي بن الأندلسي في ولاية ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃، وهي عامرة في بسيط من الأرض ولها مزارع ممتدة، ولأهلها سوائم وخيل وأغنام وأبقار وجنات وعيون وفواكه وبقول ولحم ومزارع قطن وقمح وشعير، وبها قوم من البربر والتجار، وبها ماء كثير منبسط على وجه الأرض عذب، وفيه سمك وفيه طرق حمر لم ير في الدنيا سمك على صفته، وأهل المسيلة يفتخرون به، قدره من الشبر فما دونه، وربما اصطيد منه الشيء الكثير واحتمل إلى قلعة بني حماد، وبينهما اثنا عشر ميلاً. مسكن: قرية من أرض العراق على دجلة فيها عسكر عبد الملك بن مروان حين خرج إلى مناجزة مصعب بن الزبير، وهي من أرض السواد. قال ابن عباس (٦) ﵄: لما رجعنا من حرب الشراة صلى بنا أمير المؤمنين بمسكن صلاة الفجر ثم انفتل عن يمينه فنظر إلي فتبسم فقلت: ما يضحك أمير المؤمنين أضحك الله سنه؟ فقال: يا ابن عباس تبنى هاهنا مدينة عظيمة المقدار يسكنها خلق كثير من أمة محمد ﷺ ، الحديث. وفيها التقى الحسن ومعاوية ﵄ فاصطلحا وكتبا بينهما كتاباً، ورجع الحسن ﵁ إلى المدينة، فعوتب فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة لا يصلحون لخير، وهم أسرع البلاد خراباً، وكان ذلك في سنة إحدى وأربعين.

стр. 575

ومسكن (١) أيضاً متصلة بنواحي كرمان، وهي عامرة بالناس، وفي أهلها شدة ومنعة، وبها نخل وزروع وإبل وجمل من الفواكه. ولسان أهل كرمان فارسي، ولباس عامتهم القواطن، ولباس التجار والجلة القمص والأردية، ويتعممون بالفوط والمناديل المصفحة بالذهب على مثل زي تجار أهل العراق. مسينا (٢) : هي مدينة في ركن جزيرة صقلية في شرقيها، والجبال من الناحية الغربية محيطة (٣) بها، وهي إحدى قواعدها، ساحلها بهيج وأرضها طيبة المنابت، وبها جنات وبساتين ذات ثمار كثيرة، وعليها أنهار غزيرة عليها أرحاء كثيرة، وهي من أجل البلاد وأكثرها عمارة، والسفر منها وإليها قصداً، وهي دار إنشاء وبها حط وإقلاع وبها إرساء، من جميع بلاد الروم الساحلية، وبها تجتمع السفن الكبار والمسافرون والتجار من بلاد الروم والإسلام، وأسواقها رائقة وسلعها نافقة وقاصدوها كثير؛ وفي جبلها معدن الحديد الذي يتجهز به إلى جميع البلاد المجاورة لها، ومرساها عجيب مشهور ترسي به السفن العظام وتكون من الشاطئ بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي، وبها المجاز الذي يعبر منه إلى بلد قلورية، وبحره صعب المجاز لا سيما إذا خالف الريح الماء وإذا التقت المياه الداخلة والخارجة في وقت واحد لا يكاد يسلم مركب إلا أن يشاء الله تعالى، ومسافة الواسع من هذا المجاز عشرة أميال، وسعة الضيق منه ثلاثة أميال، وبينها وبين طبرمين مرحلة. هي مشهورة بالخمر الطيبة وفي مطلع قصيدة لابن قلاقس (٤) : من ذا يمسيني على مسيني ... وقال الأديب أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي تميم من أهل العصر: يا سيدي قد جاء مسيني ... أرق من حالي ومن ديني جاء به مرتين في دنه ... لا عطبت أجفان مرتين وليس يدنيني من دنه ... إلا ندى موسى بن ياسين وهذه المدينة مسينة (٥) رأس جزيرة صقلية وبها دار صنعة لإنشاء الأساطيل. مسفهان (٦) : جزيرة من الجزائر الخالدات التي في الغرب الأقصى حيث بحر الظلمات الذي لا يعلم ما خلفه، وفي وسط هذه الجزيرة جبل مدور عليه صنم أحمر بناه أسعد أبو كرب الحميري، وهو ذو القرنين الذي ذكره تبع في شعره، وتسمى بهذا الاسم كل من بلغ طرفي الأرض، وإنما نصب أبو كرب الحميري ذلك الصنم هناك ليكون علامة لمن قصد تلك الناحية في البحر، ليعرفه ويعرف أنه ليس وراءه مسلك يسلك، وفي ساحل هذا البحر الذي فيه هذه الجزيرة يوجد العنبر الجيد، ويوجد أيضاً في ساحله حجر البهت، وهو حجر مشهور عند أهل المغرب الأقصى يباع الحجر منه بقيمة جيدة، ولا سيما في بلاد لمتونة، وهم يحكون أن هذا الحجر من أمسكه وسار في حاجة قضيت له بأوفى عناية، وهو عندهم جيد في عقد الألسنة، وعندهم حجر إذا علق على الثدي الموجوع برئ، وأحجار تسهل الولادة، وأحجار يشير (٧) ماسكها إلى ما أراد من النساء والأطفال فتتبعه. مسقط: في طريق عمان على البحر، يمر عليها من أراد بلاد الهند والصين فيسير مع الشمال تلقاء الجنوب حتى يصير إلى مسقط هذه، وهي بين جبلين، وترفأ هناك السفن وتستقي من آبار هناك عذبة المياه وتحمل منها الحجارة لرمي العدو إذا خرج عليه ثم تسير منها مع الشمال، وجبال العرب ماثلة ظاهرة، حتى تمر مقدار تسعين فرسخاً إلى حدود الشحر وحضرموت.

стр. 576

المشلل (١) : في طريق مكة، وهي ثنية مشرفة على قديد، وفيه دفن مسلم بن عقبة صاحب وقعة الحرة ونبش وصلب. ولما احتضر فيه (٢) وهو متوجه إلى مكة لحرب ابن الزبير سنة أربع وستين دعا الحصين بن نمير فأوصى إليه بوصية يزيد بن معاوية إياه وقال: والله يا برذعة الحمار ما خلق الله تعالى خلقا أبغض إلي منك، ولولا أن أمير المؤمنين عهد إلي فيك ما عهدت إليك، لا تكرم قريشاً ولا تزدهم على الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، ثم مات لعنه الله، فكان من موت يزيد بن معاوية وأمر الحصين وانصرافه عن ابن الزبير ما هو مشهور. المشرقان (٣) : مدينة بقرب تستر، وهي عامرة بأهلها، والصادر عنها والوارد عليها كثير، ولهم معايش وأرزاق، وأكثر شجرها النخل، ورطبهم إذا أكله الإنسان وشرب عليه ماء المشرقان وجد عليه رائحة الخمر سواء، وعندهم من الحنطة والشعير شيء كثير، والأرز وسائر أنواع الحبوب، وهم يطبخون الأرز ويتخذون منه خبزاً يأكلونه ويفضلونه على الحنطة، وبالمشرقان من غلات القصب الشيء الكثير الذي يفوق ما بسائر البلاد والآفاق من ذلك. وقد ذكر البكري (٤) مشرقان، بضم أوله واسكان ثانيه وضم الراء المهملة بعدها قاف، وقال هي قرية من عمل البصرة، فانظر هل هي هذه أو غيرها. مشقه (٥) : مدينة للصقالبة من أعمال براغة وتلي بلاد الأتراك، ومشقه بلد واسع كثير الطعام واللحم والعسل والحوت (٦) ، وجبايته المثاقيل البرقطية (٧) ، وهي أرزاق رجاله في كل شهر، كل واحد عدد معروف منها، ولصاحبها ثلاث آلاف دارع (٨) ، وهم أنجاد تعدل المائة منهم خمسمائة (٩) من غيرهم، ويعطى الرجالة الملابس والخيل والسلاح وجميع ما يحتاجون إليه، وإذا ولد لأحدهم ولد أمر بإجراء الرزق عليه ساعة يولد، ذكراً كان أو أنثى، فإذا بلغ إن كان ذكراً زوجه ودفع عنه النحلة إلى والد الجارية، وإن كانت أنثى أنكحها ودفع النحلة إلى أبيها، والنحلة عند الصقالبة عظيمة، ومذهبههم فيها كمذهب البربر، وإذا ولد للمرء ابنتان أو ثلاث فهو سبب غناه، وان ولد له ولدان أو ثلاثة فهو سبب فقره. ويجاور مشقه من المشرق الروس. المشقر (١٠) : قصر بالبحرين وقيل هو مدينة هجر قال امرؤ القيس (١١) : دوين الصفا اللائي يلين المشقرا ... وقال ابن الأعرابي: هي مدينة عظيمة في وسطها قلعة. مهزور (١٢) : واد من أودية المدينة، الأولى منه زاي معجمة وآخره راء مهملة. روى مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال في سيل مهزور ومذينب: " يمسك الأعلى حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل ". وقيل مهزور (١٣) موضع سوق المدينة، كان قد تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين، فأقطعه عثمان ﵁ الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وأقطع مروان فدك. مهيعة: تقدم ذكره في رسم الجحفة. المهراس (١٤) : ماء بأحد، قال ابن الزبعرى:

стр. 577

ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل فاسأل المهراس من ساكنه ... بعد أبدان وهام كالحجل وقال شبل بن عبد الله مولى بني هاشم (١) : واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلاً بجانب المهراس يعني حمزة بن عبد المطلب، وإنما نسب قتله إلى بني أمية لأن أبا سفيان كان رئيس الناس يوم أحد. مهورة (٢) : مدينة بالهند منيعة مشهورة لها في بلاد الكفر ذكر قديم واشتهار عظيم، ومن جهلهم يذكرون أن الجن رفعت قواعد بنيانها وبنت بيوت أوثانها، إذ لم يعرفوا أول بانيها، ولا أول من نصب الأصنام فيها، وذاك أنهم صادفوا مباني لا يهتدي لمثلها الإنس، ولا يهتدي لصنعتها أهل الدهر، ويوردون في أخبارهم أن الحكمة تقسمت ثلاثة أقسام، ففاز أهل مهورة وأصنامها بثلثيها، وبقي لسائر البرية ثلثها، وهي مدينة كبيرة لها سبعة أبواب، وبني سورها بالشيد والحجارة، وكان فيها زهاء ألف قصر مشيد، وألف بيت للأصنام، وكان في عرصتها دار ذات ارتفاع، ساحتها ألف ذراع، قد بنيت من صفائح الصخور، وبني عليها ثلاثة بيوت للأصنام، وكلها من حجر لا تعمل فيه المعاول، حتى كأنها من أسها إلى سمكها منحوتة من حجر واحد، وعلى رأس كل واحد من بيوتها شمسة عظيمة قد وشحت بالتذهيب التام، وأمام كل بيت سارية منصوبة من صخرة واحدة، طولها ثلاثون ذراعاً في نهاية الغرابة، على رأس كل واحدة منها تمثال خنزير أو ثور، قد تلطف في تصويرها بغاية الحذق، بحيث لو تصاب صخور مثل تلك الصخور المنحوتة وصناع يحسنون تلك الصنعة وبذل مائة ألف دينار على التقليل، لما تم في مدة مائتي سنة مثل ذلك البناء على التحقيق. وكانت فيها خمسة أصنام مصنوعة من الذهب طول صنم منها تسعة أذرع في عرض موافق لهذا الطول، وجوارح تشاكل هذا الجرم المحدود، وكان وجه كل صنم منها كوجه أسد، له نابا خنزير، قد ركب في رأس كل ناب منهما ياقوت متقارب الهيئة رماني اللون، في صفاء واحمرار رائق، كأنهما قد أفرغا في قالب واحد، بحيث لو أعطيا في سوم مبتاع لاسترخص كل واحد منهما بمائتي ألف دينار، ووجد في سائر جوارحه من الياقوت واللآلي الكبار عدد كثير بلغ وزن ياقوت أكهب منها وزن ستمائة مثقال، وبغور الفراغ وزن صنم منها بعد عناء شديد في تفريق أجزائه فبلغ ثمانية وتسعين ألف مثقال وثلثمائة مثقال، وكل واحد من هذه الأصنام غير ناقص عن هذا المقدار، وقلع من الأصنام المفصلة زيادة على ألف صنم من الكبار والصغار وملئت تلك البيوت بالحطب وأضرمت فيها النيران. مهرة: من بلاد اليمن، ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة أن رجلاً من مهرة أتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: ممن أنت؟ قال: من مهرة، فقال علي ﵁ " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ". قال ابن لهيعة: قبر هود ﵇ بمهرة. المهدية: مدينة محدثة بساحل إفريقية، كان يقال لتلك الناحية: جمة، بناها عبيد الله الشيعي الخارج على بني الأغلب، وهو سماها المهدية نسبها إلى نفسه، وكان ابتداء بنيانها في سنة ثلثمائة، وهو عبيد الله بن سالم صاحب شرطة زياد ومن مواليه، وسالم جده قتله المهدي العباسي على الزندقة وكان عبيد الله يلقب بالمهدي، وللناس اختلاف في ثبوت نسبه وأكثرهم نفاه وما أثبته، والعبيديون منسوبون إليه، وانتقلوا إلى الإسكندرية وملكوها وملكوا البلاد المصرية، وكانت لهم دولة شامخة حتى كان آخرهم عبد الله العاضد، فهو الذي حجبه صلاح الدين، ثم تسبب في محو رسمهم وصير الدولة عباسية. وبين المهدية (٣) والقيروان ستون ميلاً، والبحر قد أحاط بها من جهاتها الثلاث، وإنما يدخل إليها من الجانب الغربي، وربضها يعرف بزويلة، فيه الأسواق والحمام، وقد مر ذكرها في حرف الجيم (٤) .

стр. 578

ولم تزل (١) ذات إقلاع وحط، وهي مدينة حسنة، مقصد للسفن الواردة من المشرق والمغرب والأندلس وبلاد الروم وغيرها، وإليها تجلب البضائع الكثيرة بقناطير الأموال، وهي من القيروان على نحو مرحلتين، وهي نظيفة المنازل، وديارها حسنة وحماماتها جليلة، وبها خانات، وهي بهية المنظر داخلاً وخارجاً، وأهلها حسان الوجوه نظاف الثياب، وتعمل بها الثياب الرفيعة الجيدة ويتجهز بها إلى الآفاق، وشرب أهلها من المواجل، وآبارها غير عذبة، ويحيط بالمدينة سور مبني بالحجارة عليه بابا حديد لفق بعضه على بعض من غير خشب لا يدرى مثلهما في الصنعة والوثاقة، ولم يكن بها قبل جنات ولا بساتين ولا نخل ولا فاكهة إلا ما جلب إليها. وبها قيل: بنيت بأرجاء المغارب دار ... دانت لها الأقطار والأمصار لاذت ببرد الماء لما أيقنت ... أن القلوب على الحسين حرار وكانت المهدية (٢) مدينتين، المهدية يسكنها السلطان وجنوده، وزويلة يسكنها الناس. والمهدية كانت قاعدة البلاد الإفريقية وقطب مملكتها، وتغلب عليها طاغية صقلية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وانفصل عنها ومضى إلى بجاية ثم إلى قلعة بني حماد، فلم يجد عند صاحبها ابن عمه نصرة، فاستمر سيره حتى انتهى إلى صاحب المغرب حينئذ، عبد المؤمن بن علي، فحرضه على الطلوع إلى إفريقية، وحضه على استنقاذ المهدية من يد العدو، فهو كان سبب تحركه إلى إفريقية، فوصل إليها ونزل على المهدية بجموعه، وحصر العدو الذي بها إلى أن صالحه على الخروج عنها إلى صقلية فكان ذلك، وصارت المهدية للمسلمين من حينئذ وفي الخبر طول. وقال أبو عبد الله الحنفي يعرض بأهل المهدية: إذا حل بالمهدية الضيف نازلاً ... وسام القرى زفت إليه الكوامل صحاف حكت من أم موسى فؤادها ... يغالط فيها حسه ويشاغل إذا حسروا عنها المناديل أنشدت ... " وما السيف إلا غمده والحمائل " مهران (٣) : هو نهر السند الأعظم يخرج من جبال شقنان، ويقال إنه يخرج من جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، وتمده أنهار كثيرة وعيون غزيرة فيقطع أرض الهند والسند، ويظهر على توافره بناحية المولتان، ثم يمر على المنصورة حتى يقع في البحر الشرقي. وقال الكندي: مهران تنشق منه أنهار الهند كلها. وهو يأتي (٤) من منبعه حتى إذا وصل إلى مدينة قالري (٥) التي هي في غربي النهر وبينه وبين المنصورة مرحلة، انقسم قسمين، وصار معظمه إلى المنصورة، ومد الذراع الثاني منه آخذاً مع الشمال إلى ناحية شروشان (٦) ، ثم يأخذ راجعاً في جهة المغرب إلى أن يتصل بصاحبه وهو القسم الثاني من النهر، وذلك أسفل مدينة المنصورة، وعلى نحو اثني عشر ميلاً منها، فيصيران واحداً، ويمر إلى البحر. ومن الناس (٧) من قال إن مخرج هذا النهر ومخرج النيل واحد. وذكر لغسان بن عباد أن في هذا النهر سمكة تصاد ويطين رأسها وجميع بدنها إلى المواضع التي يخرج منها الثفل ثم يجعل ما لم يطين منها على الجمر، ويمسكها ممسك حتى ينشوي منها

стр. 579

ما كان موضوعاً على الجمر وينضج، ثم يؤكل ما نضج أو يرمى به عنها، وتلقى السمكة في الماء ما لم ينكسر العظم الذي هو فقار السمكة، فتعيش السمكة وينبت على ظهرها اللحم، فأمر غسان بحفر بركة في داره وملأها ماء وأمر بامتحان ما بلغه، قال: فكنا نؤتى في كل يوم بعدة من لحم هذا السمك، فنشويه على الحكاية التي ذكرت لنا، ونكسر من بعضه عظم الصلب ونترك بعضه لا نكسره، فكان ما كسرنا عظمه يموت وما لم نكسرعظمه يسلم وينبت عليه اللحم ويسوى (١) الجلد، إلا أن جلد تلك السمكة يشبه جلد الجدي الأسود، وكان ما كسرناه من لحوم السمك التي شويناها ورددناها إلى الماء يكون على غير لون لجلد الأول لأنه يصير إلى البياض. ويعضد هذا ما حكي أن بقرب بلاد كشك نهراً عظيماً كالفرات يصب في بحر الروم، تأتيهم في كل سنة من هذا النهر سمكة عظيمة فيتناولون منها، ثم تعود في العام الثاني ذلك الوقت وقد عاد اللحم الذي أخذ منها، يعرفون ذلك لا يشكون فيه. الموريان (٢) : قرية بالأهواز منها أبو أيوب سليمان بن مخلد، وقيل سليمان بن داود المورياني وزير أبي جعفر المنصور، وقيل إنه مولاه اشتراه بالجزيرة إذ كان يليها لأخيه أبي العباس، ولأبي جعفر المنصور والمورياني قصة عجيبة بسببها قتل المنصور المورياني (٣) . الموصل (٤) : في الجانب الغربي من دجلة وسميت بهذا الاسم لأنها وصلت بين الفرات ودجلة، وشرب أهلها من ماء الدجلة، وبساتينها قليلة، وضياعها ومزدرعاتها ممتدة، وأبنيتها بالجص والحجارة، ولها رساتيق عظيمة وكور كثيرة. وهي مدينة (٥) عتيقة ضخمة عليها سوران وثيقان، وباطن الداخل منهما بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره المطيف بالبلد كله، قد أمكن فتحها فيه لغلظ بنيته وسعة وضعه، فللمقاتلة في هذه البيوت حرز ووقاية، وهي من المرافق الحربية، وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رص بناؤها رصاً، عليها سور وثيق البنية مشيد البروج، وتتصل بها دور السلطان، ويفصل بينها وبين البلد شارع متصل ممتد من أعلى البلد إلى أسفله، ودجلة شرقي البلد متصلة بالسور وأبراجه في مائها، وللبلد ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق، وأحدث فيها أحد أمراء البلد، كان يعرف بمجاهد الدين (٦) ، جامعاً على شط دجلة ما رؤي أحفل منه، وأمامه مارستان حفيل، وبنى بداخل البلد قيسارية للتجار عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض بأبدع بناء، وللمدينة جامعان: أحدهما جديد والآخر من عهد بني أمية، وفي وسط صحن هذا الجامع الجديد سارية رخام قائمة قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار من جرم رخامها، وفي أعلاها جامة رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة، فيرتفع في الهواء أزيد من القامة كأنه (٧) قضيب بلور معتدل، ثم ينعكس إلى أسفل القبة. ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث، ويجمع أيضاً في جامع الربض. وفي المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أزيد قد بنيت على دجلة فتلوح كأنها القصور ولها مارستان. وبهذه المدينة مشهد جرجيس. وإذا عبرت دجلة نحو الميل ظهر لك تل التوبة، وهو التل الذي وقف عليه يونس ﵇ بقومه، ودعا ودعوا حتى كشف الله عنهم العذاب، وبمقربة منه (٨) ، على قدر الميل أيضاً، العين المباركة المنسوبة إليه ﵇ ويقال إنه أمر قومه بالتطهر منها وإظهار التوبة ثم صعدوا إلى التل داعين، وفي هذا التل بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصير، يضم الجميع باب واحد، وفي وسط ذلك البناء بيت ينسدل عليه ستر ويغلق عليه باب مرصع كله يقال إنه كان الموضع الذي وقف فيه يونس ﵇، ومحراب هذا البيت يقال إنه كان بيته الذي

стр. 580

كان يتعبد فيه، ويطيف بهذا كله شمع كأنه جذوع النخل عظماً، فيخرج الناس إلى هذا الرباط ليلة كل جمعة ويتعبدون، وقريب من هذا الرباط خراب عظيم يقال إنه كان مدينة نينوى، مدينة يونس ﵇، وأثر السور المحيط بهذه المدينة ظاهر، وفرج الأبواب فيه بينة، وأكوام أبراجه مشرفة. وأهل الموصل على طريقة حسنة ومروة (١) ، لا تلقى منهم إلا ذا وجه طلق، ولهم بر بالغرباء وإقبال عليهم، وعندهم اعتدال في جميع معاملاتهم. وكان جرجيس (٢) من الأنبياء الذين كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة والسلام، من أهل فلسطين، بعثه الله تعالى إلى ملك الموصل يدعوه إلى الإسلام فقتله بالعذاب مرات وأحياه الله آية لهم وعبرة، ونشره قطعاً ورماه إلى الأسد الضارية فخضعت الأسد برؤوسها، وظل يومه كذلك، فلما أدركه الليل جمع الله تعالى أوصاله ورد روحه، ثم أقبل عليهم اليوم الثاني يعظهم ويغلظ عليهم، فلما استمروا في عتوهم وكفرهم بعث الله تعالى عليهم ناراً فأحرقتهم عن آخرهم. وصورة افتتاح الموصل فيما حكاه البلاذري (٣) أن عمر بن الخطاب ﵁ ولى عتبة بن فرقد السلمي الموصل في سنة عشرين، فسار إليها فقاتله أهل نينوى، فأخذ حصنها وهو الشرقي من دجلة عنوة، وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية والأذن لمن أراد الجلاء، ثم فتح بلاداً، ثم عزله عمر ﵁ عن الموصل وولاها هرثمة بن عرفجة البارقي، وكان بها في الجانب الغربي حصن وبيع للنصارى ومنازل ومحلة لليهود، فمصرها هرثمة وأنزل العرب بها. وقد روى الهيثم بن عدي أن عياض بن غنم أتى الموصل ففتح الحصن الغربي والله أعلم. وكان عمر ﵁ وجه هرثمة بن عرفجة البارقي إليها بعد عتبة بن فرقد السلمي فأنزل العرب بها منازلهم واختط لهم، ثم بنى المسجد الجامع. وقالوا: كان الذي فرش الموصل بالحجارة ابن تليد صاحب شرطة محمد بن مروان بن الحكم، وكان محمد ولي الموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان، ويقال إن عبد الملك بن مروان ولى ابنه سعيداً صاحب نهر الموصل فبنى سعيد سوق الموصل، فهدمه الرشيد حين خالفوا، وفرشها بالحجارة حين اجتاز بها. وللموصل كور وأنظار وأعمال كثيرة، والذي ارتفع (٤) في خراج الموصل مع الإحسانات سوى الضياع من الرزق ستة آلاف ألف وثلثمائة ألف. وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ينسبان إليها، وناهيك بهما نبلاً وعلماً ومعارف وشهرة. المولتان (٥) : ثغر من ثغور المسلمين مما يلي بلاد السند، وهو أبداً يحارب صاحب قشمير ملكاً من ملوك السند، وكان صاحبها من ولد سامة بن لؤي، وهو ذو جيوش ومنعة، وأكثر ماله من الصنم المعروف بالمولتان، يقصده السند والهند من أقصى بلدانهم بنذور الأموال وأنواع الجواهر والطيب، ويحج إليه الألوف، ويحمل إليه من العود القماري الذي يؤثر فيه الختم كما يؤثر في الشمع، يبلغ ثمن المن منه مائتي دينار. وهو إذا عجز عن مقاومة من ناوأه منهم هدده بكسر الصنم فيكف عنه. مورور (٦) : كور مورور متصلة بأحواز قرمونة من جزيرة الأندلس، وهي في الغرب والجوف من كورة شذونة، وأحوازها متصلة بأحوازها، وهي من قرطبة بين القبلة والمغرب. ومدينة قلب (٧) قاعدة مورور ودار الولاة بها، وكانت جباية كورة مورور أيام الحكم بن هشام بن عبد الرحمن أحداً وعشرين ألف دينار. موريقس (٨) : جبل معترض بقرب زالغ من أرض الحبش، وليس بكثير العلو ولكنه يعلو على وجه الماء مرة ويغيب في مواضع أخرى يستره الماء، ولكنه يتصل في ذاته، ولا يمر بهذا الجبل شيء من

стр. 581

المراكب المسمرة بالحديد إلا اجتذبها إليه وأمسكه فلا يكاد يتخلص منه البتة. مؤتة (١) : قرية بالشام، بعث إليها رسول الله الجيش سنة ثمان، عليهم زيد بن حارثة وقال: " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. وخرجوا في ثلاثة آلاف، وودعهم المسلمون فقالوا لهم: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة ﵁: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا ومضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم، فأقام الناس ليلتين على معان ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما يقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقابلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل والروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبى لهم المسلمون ثم التقوا فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة ﵁ براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر ﵁ فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، قال المخبر: والله كأني أنظر إليه حين اقتحم عنها ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارداً شرابها ... والروم روم قد دنا عذابها ... علي إذ لاقيتها ضرابها ... وكان جعفر ﵁ أول من عقر في الإسلام، ووجد في مقدمه مائتا ضربة بسيف وطعنة برمح واثنتان وسبعون جراحة، ولما قتل جعفر ﵁ أخذ الراية عبد الله بن رواحة ﵁ ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد، ثم قال: أقسمت بالله لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه ... أن اجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراك تكرهين الجنه ... قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه ... وقال أيضا: يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت ... وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت ... يعني صاحبيه زيداً وجعفراً ﵄، ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، فاصطلحوا على خالد بن الوليد ﵁، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس،

стр. 582

قال خالد ﵁: ندر في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفيحة يمانية. وكان ﷺ إذا وجه علياً ﵁ بعد مؤتة في وجه قال: " اللهم إنك أثكلتني عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفراً يوم مؤتة، وهذا علي، فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ". ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ : " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً "، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال ﷺ : " ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً "، ثم قال ﷺ : " لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد ثم مضى ". وذكر ابن هشام (١) أن جعفراً أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ فقطعه بنصفين. وذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ قال بالمدينة لما أصيبوا قبل أن يأتيه نعيهم: " مر علي جعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان ". قال: وقدم يعلى بن منية على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : " إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك "، قال: فأخبرني يا رسول الله، فأخبره ﷺ خبرهم كله ووصفه له، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفاً واحداً لم تذكره، وأن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى رفع لي الأرض حتى رأيت معترككم ". وقالت عائشة ﵂: عرفت في وجه رسول الله ﷺ الحزن لما أتى نعيهم، ذكر القصة بطولها ابن إسحاق. المؤتفكة: مدينة قوم لوط، وهي المذكورة في القرآن في قوله تعالى " والموتفكة أهوى ". قالوا: في قوله تعالى " ونجيناه ولوطاً " إن إبراهيم نزل بفلسطين ولوطاً بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة. موقان (٢) : مدينة من خراسان من أعمال طوس، وهي من غر البلاد المذكورة، ولها سوق وسور حصين، وبها تجار مياسير وضياع وفعلة، وبها حصن منيع، وبها قبر علي بن موسى الرضا، وبجبل موقان معدن الفضة والنحاس والحديد، ويوجد فيها من أحجار الفيروزج كثير، وكانت موقان دار الإمارة بخراسان إلى أيام الطاهرية، فانتقل منها إلى نيسابور فخرب أكثرها وتغيرت محاسنها. الموجه (٣) : في بحر دارلارومي (٤) فيها عدة ملوك بيض يشبهون أهل الصين في الزي، لهم خيل يقاتلون عليها ملوكاً حولهم، وتتصل هذه الجزيرة بمشارق الشمس، وتوجد عندهم دابة المسك ودابة الزباد، ونساؤهم من أجمل نساء الأمم، ولهم شعور طوال، والنساء لا يستترن ويمشين مكشوفات الرؤوس، ويكللن رؤوسهن بعصائب فيها أنواع من الودع الملون والأصداف المجزعة. موريدس (٥) : مدينة بالهند خصيبة عامرة بها تجارات وجيوش تحرس ثغر كابل، وهي في حضيض جبل عظيم صعب الصعود إلى أعلاه، وينبت فيه قنا وخيزران. ميسان (٦) : بفتح أوله، موضع من أرض البصرة، استعمل عليه عمر بن الخطاب ﵁ النعمان بن عدي فقال: ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم

стр. 583

لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم فبلغ شعره عمر ﵁ فقال: نعم والله إن ذلك ليسوءني، فمن لقيه فليخبره أني قد عزلته. ومن ميسان كان يسار والد الحسن بن أبي الحسن البصري، وولد الحسن مملوكاً، ومات سنة عشر ومائة، ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وكانت خيرة ربما غابت فيبكي، فتعطيه أم سلمة ﵂ ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه، فدر عليه ثديها، فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. ميافارقين (١) : بلد معروف من أرض أرمينية، بين حدود الجزيرة وحدود أرمينية، وبعض الناس يعدها من أرمينية، وبعضهم يعدها من بلاد الجزيرة، وهو في شرقي دجلة على مرحلتين منها، والمعارف المصنوعة بميافارقين لا نظير لها ولا يعدلها مثلها صنعة. وبينها وبين آمد خمسة فراسخ، وهي منيعة مسورة حصينة وليست بالكبيرة، وهي كثيرة الناس، والبساتين تسقى من الآبار ومن أعين غير غزار، وداخل مدينتها عين ماء. وفتحها عياض بن غنم على مثل صلح الرها، وهي في حضيض من جبل، تصنع بها التكك والمناديل العراض والسبنيات، وقال أبو طالب العلوي: ولما ابيض شعر الرأس مني ... ودعت وقلت مياً فارقينا فمالي والتصابي بعد شيبي ... ولو أعطيت ميافارقينا وقال بعض الظرفاء: سميت ميافارقين لأن ذا الرمة أو غيره من العشاق، لو وصل إلى هذه المدينة بالاتفاق، وشاهد وجوه أهلها الملاح، والعيون السقيمة الصحاح، وعاين رشاقة القدود، ولباقة الخدود، وسواد الطرر، وبياض العرر، وسمرة الشفاه اللعس، وحمرة الوجنات والجباه الملس، لقال لصاحبته: مي فارقيني ولا ترافقيني، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، ولا حاجة إلى الدواء بعد البرء والشفاء. ميورقة (٢) : هي جزيرة في البحر الزقاقي، تسامتها من القبلة بجاية من بر العدوة، بينهما ثلاثة مجار، ومن الجوف برشلونة من بلاد أرغون، وبينهما مجرى واحد، ومن الشرق إحدى جزيرتيها منرقة، وبينهما مجرى في البحر طوله أربعون ميلاً، وشرقي ميورقة هذه جزيرة سردانية، بينهما في البحر مجريان، وغربيها جزيرة يابسة، بينهما مجرى في البحر طوله سبعون ميلاً، وغربي يابسة مدينة دانية من بر الأندلس بينهما في البحر سبعون ميلاً. وميورقة أم هاتين الجزيرتين وهما بنتاها، وإليها مع الأيام خراجهما. وطول ميورقة من الغرب إلى الشرق سبعون ميلاً، وعرضها من القبلة إلى الجوف خمسون ميلاً. فتحها المسلمون سنة تسعين ومائتين إلى أن تغلب عليها العدو البرشلوني وخربها سنة ثمان وخمسمائة، وهي المرة الأولى، ودخل المدينة فلم يجد سوى العيال والأطفال والشيخ الفاني، فلحسابهم أحالوا السيف عليهم، فلما قضى وطره من هذه الجزيرة أسرع الرجوع إلى بلاده. ثم اختلفت عليها ولاة ابن تاشفين، ثم وليها محمد بن علي بن غانية المسوفي، وهو أول ولاة بني غانية ثم تعاقبوا على ولايتها إلى أن كان آخرهم عبد الله بن إسحاق، فوجه إليه الملك الناصر محمد بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن السيد أبا العلا ادريس بن يوسف بن عبد المؤمن والشيخ أبا سعيد بن أبي حفص،، فاجتمعا بدانية فعرض كل واحد منهما من أسند إليه، فكان الفريقان ألفي فارس ومائتي فارس والرماة سبعمائة والرجالة خمسة عشر ألفاً، غير غزاة القطع، وكان الأسطول ثلثمائة جفن منها سبعون غراباً وثلاثون طريدة وخمسون مركباً كباراً وسائرها قوارب منوعة، وأما العدد والسلاح والمجانيق والسلالم والمساحي والفؤوس والمعاول والرقائق والحبال فشيء لا يأخذه عدد، وكذلك الدروع والسيوف والرماح والبيضات والأتراس والدرق والقسي وصناديق

стр. 584

النشاب، وجملة وافرة من الطعام، فصلوا الجمعة بيابسة وأقلعوا غدوة السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة مكمل سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فأتوا ميورقة ونزلوا وتقرب العسكر من المدينة ودار الأسطول بالمرسى مع السيد أبي العلا، وخرج إليهم عبد الله بجموعه، فنشبوا في القتال ودافعوا كل الدفاع، وآخر ذلك انهزم ثم صرع فقتل، وغلق باب المدينة فأحاطت بها الرماة وغزاة البحر، فتغلبوا عليها فدخلت ونهبت، ولم يسلم إلا قصبتها، ودخل السيد أبو العلا وأبو سعيد البلد ورأس عبد الله معهما على قناة بيد رجل غزي كان قطعه، فنهيا الناس عن النهب وأمرا بضرب عنق رجل فعل ذلك وخالف النهي، وطيف برأسه، وأمنا الناس ونودي بالأمن في الأزقة والقصبة، فخرج الناس وأمنوا، وكتبا إلى الملك الناصر بالفتح. وكان السبب في التوجه إلى ميورقة أن المنصور يعقوب كان وجه إلى صاحب ميورقة علي بن إسحاق بن محمد بن غانية يستدعي بيعته، فأنف من ذلك وأساء الرد واحتال على الرسل حتى اعتقلهم وأودعهم في السجون، ثم تحرك من ميورقة علي المذكور إلى بجاية، فاحتال حتى استولى عليها وملكها، ولما تم له ذلك أتى الجزائر فدخلها، ثم مليانة ومازونة، ثم دخل أشير عنوة ثم أتى القلعة فملكها، وبعد ثلاث من دخولها كانت له في العرب الحطمة المشهورة، وبث في هذه البلاد عمالاً وحكاماً، ثم قصد قسنطينة فسار إليها وحاصرها أشهراً فلم يفلح، وهناك بلغه أن عسكراً برياً وأسطولاً بحرياً هائلين أتياه من المغرب، ووصل الأسطول والعسكر إلى بجاية، فأخرجا نائبه منها وهو أخوه يحيى، فتوجه إلى أخيه علي وهو على قسنطينة، وخلى للقوم بلدهم، ثم توجها معاً نحو القبلة، ومرا بالقلعة فاستأصلاها، ثم سار علي إلى قفصة فأخذها ثم توزر، ومع ذلك جاء عسكر المغرب فيه المنصور يعقوب فجهز إليه عسكراً فالتقوا بوطاة عمرة، فكانت الوقيعة المشهورة والهزيمة العظيمة على عسكر المنصور بعد الإثخان الكثير في أصحابه، وتبددوا في الصحراء. وكان أول خروج ابن غانية من ميورقة لذلك في سنة ثمانين وخمسمائة وهي السنة التي مات فيها صاحب مراكش والمغرب يوسف بن عبد المؤمن ثم بقي علي بن إسحاق وأخوه يحيى يهيمان في تلك الجهات ولما بلغ المنصور خبر وقيعة عمرة وما جرى فيها على عسكره امتعض من ذلك واستبد برأيه، فتوجه بنفسه حتى نزل على قفصة فحاصرها حصاراً عظيماً إلى أن نزلوا على حكمه، فحكم فيهم بالسيف، وأثر فيهم الأثر الشنيع، وهدم سورها، ولابن مجبر في ذكر ذلك قصيدة مليحة جداً، منها: ما غر قفصة إلا أنها اجترمت ... فلم يكن عند أهل الحلم تثريب ما بالها زار أمر الله حوزتها ... فلم يكن عندها أهل وترحيب وقد ذكرنا ذلك في حرف العين عند ذكر عمرة. وبعد ذلك كله مات علي بعد أن تفرق جمعه، قيل سهم أصابه وهو على توزر سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتمادت ميورقة على امتناعها إلى أن توفي المنصور في شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وولي ابنه الملك الناصر، فوجه إليها الجيوش وحكم عليها كما قلناه. ثم لم تزل ولاة الملك الناصر تختلف على ميورقة إلى أن كانت المصيبة العظمى والحادث الشنيع بهزيمة العقاب عليه سنة تسع وستمائة، ثم إن الطاغية البرشلوني تحرك إلى ميورقة عازماً عليها فنزل عليها أسطوله في شوال سنة ست وعشرين وستمائة، فأراها من القتال وشدة الحصار وأنواع المحن ما لم يجر مثله في زمان وحكم عليها عنوة بعد طول الحصار والقتل والسبي، ثم أخذ واليها ابن يحيى فعذبه أشد العذاب حتى مات، واستولى الشرك على الجزيرة في عام سبعة وعشرين وستمائة. ميلة: مدينة على أربع مراحل من قلعة حماد، وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة، خرج المنصور العبيدي أو غيره (١) غازياً لكتامة، فلما قرب من ميلة زحف إليها عازماً على استئصال أهلها، فخرج إليه النساء والعجائز والأطفال بعد أن عبى جيوشه لمحاربتها، فلما رأى من خرج إليه منها بكى، وأمر ألا يقتل من أهلها أحد، وأمر بهدم سورها وتسيير من فيها إلى باغاية، فخرجوا بجماعتهم يريدونها وقد حملوا ما خف من أمتعتهم، فلقيهم ماكسين بن زيري بعسكره فأخذ جميع ما كان معهم، وبقيت ميلة خراباً ثم عمرت بعد

стр. 585

ذلك، وعليها سور صخر، وحولها ربض وبها جامع وأسواق وحمامات، والمياه تطرد حولها، يسكنها العرب والجند والمولدون، وهي من غر مدن الزاب، ولها باب شرقي يعرف بباب الروس، وعلى مقربة منه جامعها، وهو ملاصق لدار الإمارة، وباب جوفي، ويليه داخل المدينة عين تعرف بعين أبي السباع مجلوبة تحت الأرض من جبل هناك يشق منها سوقها ساقية، فإذا قل الماء في الصيف أجريت يوم السبت والأحد لا غير، ولها حمامان في ربضها، وبها عين تعرف بعين الحمى يرش منها على المحموم فيبرأ ببركتها وشدة بردها، ومن مدينة ميلة إلى جبل جيجل، وهو جبل الرحمن. وميلة (١) مدينة أزلية بها آثار للأول تدل على أنها كانت كبيرة، وهي الآن عامرة آهلة كثيرة الخصب رخيصة السعر على نظر واسع وقرى عامرة، وهي كثيرة الأسواق والمتاجر، وعليها سور جليل، وفي وسط مدينتها عين خرارة عذبة من بناء الأول لها سرب كبير يدخل فيه فلا يوجد له آخر ولا يعلم من أين يأتي ذلك الماء، ويقال إنه مجلوب من جبل بالقرب منها يسمى تامروت (٢) ، وهي العين المعروفة بعين أبي السباع، وبالقرب من ميلة جبل العنصل، ويسمى اليوم جبل بني زلدوي، وهم قبيل كبير من البربر سكنوا ذلك الجبل، ولهم خلاف كثير على الولاة بسبب منعة جبلهم، وفيه مدن وعمائر وقرى كثيرة، وهو أخصب جبال إفريقية، فيه جميع الفواكه من التفاح والسفرجل والأعناب الكثيرة. وميلة (٣) مدينة حسنة كثيرة الأشجار، محاسنها ظاهرة ومياهها عذبة، وكانت في طاعة يحيى بن العزيز صاحب بجاية، وبينها وبين قسنطينة الهوا ثمانية عشر ميلاً. ميلاص (٤) : حصن بجزيرة صقلية كبير القطر مليح الهيئة وثيق البنية، وقلعته منيعة من أحسن البلاد وأجلها تشبه الحواضر في العمارات والأسواق وما بها من المواد والأرفاق، وهي على ساحل البحر يحدق بها (٥) البحر من جميع جهاتها إلا من جهة شمالها يدخل إليها منها (٦) ، ويسافر إليها براً وبحراً، ويتجهز منها بالكتان الكثير ولها مزارع زاكية ومياه غزيرة، ويصاد بها التن، وبينها وبين مسينى مرحلة. ميرتلة (٧) : مدينة بالأندلس شرقي مدينة باجة، بينهما أربعون ميلاً، وهي على آنة، وبمقربة من شاطئ البحر مرسى هاشم، وهو حصن أولي فيه آثار قديمة وبه كنيسة عظيمة بنيت في أيام قسليان قيصر الذي بنيت في أيامه كنيسة طليطلة المعروفة بكنيسة الملوك، وقيصر هذا هو أول من نسج في ثيابه وفرشه الذهب وهو الرابع والثلاثون من القياصرة.

стр. 586

فراغ

стр. 587

حرف النون نابل (١) : مدينة قديمة على البحر من الجزيرة التي بقبلي مدينة تونس حيث كانت مدينة باشو، وكانت عامرة فخربت، وبقي الآن منها قصر صغير، وأرضها كثيرة الخيرات والمرافق. ونابل (٢) أيضاً عمل عظيم في البر الكبير من بلاد الروم، وبينها وبين مرسى مسينى من جزيرة صقلية اثنان وثلاثون ميلاً، ومدينة نابل هذه حسنة أولية عامرة ذات أسواق نافقة السلع وافرة البضائع والأمتعة، وبين نابل واسطابة (٣) جبل نار لا يتوصل إلى بركانه لأنه دائم الدهر يرمي بالنار. الناصرة (٤) : قرية بالشام على ثلاثة عشر ميلاً من طبرية، وذكر بعضهم أن فيها ولد المسيح ﵇، وأهل بيت المقدس ينكرون ذلك، وتقدم ذلك في حرف الباء. ناردين (٥) : هو جبل بالقرب من نصيبين، من قرار الأرض إلى ذروته نحو ستة أميال، وعليه قلعة بناها حمدان بن الحسين تسمى بالبازي الأشهب لا يستطاع فتحها بوجه لحصانتها. الناشيان (٦) : من كور الأهواز على مرحلتين من مدينة الدورق، وهي عامرة بأهلها وبها أخلاط من الناس، وهي متوسطة الكبر يشقها نهر صغير، وهي حسنة من داخلها وخارجها. ناخبة (٧) : من مدن كرمان، وهي مدينة حسنة صالحة الأحوال بها أسواق وصناعات، ومنها إلى الشيرجان شمالاً مائة ميل، وبينها وبين جيرفت جنوباً ستون ميلاً. ناعم (٨) : حصن من حصون خيبر، وهو أول حصون خيبر، افتتحه رسول الله ﷺ ، وعنده قتل محمود بن سلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته. نابلس (٩) : من مدن الشام، وهي مدينة السامرية، وبها البئر التي حفرها يعقوب ﵇، وبها حبس عيسى ﵇ وطلب من المرأة السامرية الماء ليشرب، وعليه الآن كنيسة حسنة، ويزعم أهل بيت المقدس أن السامرية لا يوجد أحدهم إلا بهذه المدينة.

стр. 588

وقال المسعودي (١) : والأسامرة، في وقتنا هذا في قرى متفرقة ببلاد فلسطين والأردن إلى مدينة نابلس وأكثرهم في هذه المدينة وهم يقولون لا مساس. نبقة (٢) : موضع في بلاد طيء، ذكر أبو عبيدة عن منصور بن يزيد الطائي أن قبر حاتم هناك حوله قدور حجارة عظيمة من بقايا قدوره التي كان يطعم فيها مكفأة، وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعن شماله مثلهن محتجزات على قبره كالنائحات، لم ير مثل بياض أجسامهن وجمال وجوههن، وربما رآهن الرائي ففتن بهن ومال إليهن إعجاباً، فإذا دنا منهن رأى حجارة عظيمة يزعمون أنها من عمل الجن، فهن بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليهن، قال: ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى طلوع الفجر. وكان رجل يكنى أبا الخيبري مر في نفر من قومه بقبر حاتم فجعل يناديه: يا أبا الجعد أقرنا فقالوا له: أتنادي رمة بالية؟! قال: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به قط أحد إلا قراه؟ وناموا فانتبه أبو الخيبري مذعوراً ينادي: واراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بالك؟ قال: خرج حاتم بالسيف وأنا أنظر حتى نحر راحلتي، فنظروا إلى راحلته فإذا هي متجدلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك، فظلوا يأكلون لحمها شواء وطبيخاً ثم ارتدفوه وانطلقوا سائرين، وإذا راكب بعير يقود آخر قد لحقهم، فقال: أيكم أبو الخيبري؟ فقال الرجل: أنا، فقال الراكب: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتماً جائني الليلة فذكر أنك استقريته واستنطيته وهو ينشدك: أبا خيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتامها أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة صدحت هامها أتبغي لي الذم عند المبيت ... وحولي طي وأنعامها فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي المطي فنعتامها قال: وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك فدونكه. وقال الشاعر يمدح عدي بن حاتم: أبوك أبو سباقة الخير لم يزل ... لدن شب حتى مات في الخير راغبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا النباج (٣) : هما نباجان، نباج ثيتل ونباج ابن عامر بالبصرة، وقال أبو عبيدة: النباج وثيتل موضعان متدانيان بينهما دوح، ينزلهما اللهازم من بني بكر. وفي خبر عمارة قال: أغارت عكل على مال لبني حنظلة فذهبت به، فرحلت إلى إسحاق بن إبراهيم بن أبي حميصة (٤) وهو بالنباج أشتكي إليه ما نزل بنا من عكل وأستنصره عليهم، فكتب لي إلى عامله كتاباً، فلما خرجت من عنده مزقت الكتاب وقلت: جعلتم قراطيس العراق سيوفكم ... ولن يقطع القرطاس والسيف باتر وقلتم خذوا البر التقي فإنه ... أقل امتناعا واتركوا كل فاجر فرحت بقرطاس طويل وطينة ... وراحت بنو أعمامنا بالأباعر نجد: ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان إلى العروض، وقد أنجد الرجل إذا أتى نجداً كما يقال: أعرق وأشأم، والشيخ النجدي الذي حضر قريشاً بدار الندوة ليتشاوروا في شأن رسول الله ﷺ يراد به إبليس اللعين.

стр. 589

النجاغة (١) : من مدن الحبشة صغيرة على ضفة النهر، أهلها فلاحون يزرعون الذرة والشعير ومنه يعيشون ومتاجرها قليلة، والسمك عندهم كثير ممكن والألبان غزيرة، وبينها وبين مركطة ستة أيام انحداراً في النهر، وفي الصعود أزيد من عشرة أيام على قدر الإمكان وليس بعد هاتين المدينتين في جهة الجنوب شيء من العمارات ولا شيء يعول عليه. نجران: من بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وممن كان (٢) في الفترة أصحاب الأخدود، وكانوا بنجران، وبلغ ذا نواس أن قوماً بنجران على دين المسيح، وكان هو يهودياً، فنهض إليهم بنفسه، وحفر لهم أخاديد وأضرمها ناراً ثم دعاهم إلى اليهودية فمن أبى قذفه في الأخاديد، فأتي بامرأة معها طفل ابن سبعة أشهر فأبت أن ترجع عن دينها، فأدنيت من النار فجزعت، فأنطق الله تعالى الطفل فقال: امضي على دينك فلا نار بعدها فألقيت في النار، فسلط الله تعالى عليهم الحبشة وغلبوهم على أرض اليمن إلى أن كان من أمر ابن ذي يزن واستجارته بكسرى أنوشروان ما كان. وبنجران (٣) كان عبد الله بن الثامر من أهل دين عيسى ﵇، وكان بها بقايا من أهل دينه على الإنجيل أهل فضل واستقامة، وعبد الله بن الثامر رأس لهم، وكان أصل ذلك الدين بنجران، مع أن العرب كانوا أصحاب أوثان، أن رجلاً من بقايا ذلك الدين يقال له فيميون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به، وكان صالحاً مجتهداً زاهداً في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحاً ينزل القرى ولا يعرف في قرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد فلا يعمل فيه شيئاً، فخرج إلى فلاة من الأرض يصلي بها حتى يمسي، وكان في قرية من قرى الشام، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح، فأحبه حباً شديداً وكان يتبعه حيث ذهب فلا يفطن له فيميون حتى خرج في يوم أحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، فاتبعه صالح وهو لا يدري بمكانه، وقام فيميون يصلي فأقبل نحوه التنين، الحية ذات الرؤوس السبعة، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، فرآها صالح ولم يدر ما أصابها، فخافها عليه، فعيل صبره فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك، فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ منها وأمسى وانصرف، وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه فقال له: يا فيميون، اعلم أني ما أحببت شيئاً قط حبك، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيث كنت، قال: إما شئت، أمري كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم، فلزمه صالح. وكان إذا جاءه أحد به الضر دعا له فشفي، وإذا دعي إلى أحد به ضر لم يأته، وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له إنه لا يأتي أحداً دعاه ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجرة، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوباً، ثم جاءه فقال: يا فيميون إني أردت أن أعمل في بيتي عملاً فانطلق معي إليه حتى تنظر إليه، فأشارطك عليه (٤) ، فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك هذا. قال كذا وكذا، ثم أزال الرجل الثوب عن الصبي وقال: يا فيميون عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له، فدعا له فيميون فقام الصبي ليس به بأس وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية واتبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل فقال: أفيميون؟ قال: نعم قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت الآن، قال: فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف، وتبعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدوا عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد في كل سنة، فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء، ثم خرجوا إليها وعكفوا عليها يوماً، فابتاع فيميون رجل من أشرافهم، وابتاع صالحاً آخر، فكان فيميون إذا قام الليل في بيت له أسكنه إياه سيده يصلي استسرج له البيت نوراً حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه فأخبره به، وقال له فيميون: إنما أنتم في باطل، إن هذة النخلة لا تضر ولا تنفع ولو

стр. 590

دعوت عليها إلاهي الذي أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيده: فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه، فقام فيميون فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله تعالى عليها، فأرسل الله عليها ريحاً فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم ﵇، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هناك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب. قالوا (١) : وكان في قرية من قرى نجران ساحر يعلم أهل نجران السحر، فلما نزلها، فيميون ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله تعالى وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا تعلم جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه عمد إلى قداح، ثم لم يبق لله اسماً يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد لها ناراً ثم جعل يقذفها فيها قدحاً قدحاً حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئاً، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه، فقال: وما هو؟ قال له: كذا، قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال: أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل، فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحداً به ضر إلا قال له: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله تعالى فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله تعالى ذلك الملك وشهد بشهادة عبد الله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث. وحدثوا (٢) أن رجلاً من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب ﵁، حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تنبعث (٣) دماً، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربي، فكتب فيه إلى عمر ﵁ فكتب إليهم عمر ﵁: أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه، ففعلوا. وكان الأسود بن كعب العنسي قد ادعى النبوة في عهد النبي ﷺ واتبع على ذلك، وسمعت به بنو الحارث بن كعب من أهل نجران، وهم يومئذ مسلمون، فأرسلوا إليه يدعونه أن يأتيهم في بلادهم، فجاءهم فاتبعوه وارتدوا عن الإسلام، ويقال: دخلها يوم دخلها في خمسة آلاف من حمير يدعي النبوة ويشهدون له بها، فنزل همدان فلم يتبعه من النخع ولا من جعفي أحد، وتبعه ناس من بني أسد ومذحج وعنس وأود وحكم، وأقام الأسود بنجران، ثم رأى أن صنعاء خير له من نجران فسار إليها في ستمائة راكب من بني الحارث فنزلها، فأبت الأبناء أن يصدقوه، فغلب على صنعاء واستذل الأبناء بها وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم إياه، إلى أن كان من أمره ما نذكره عند الوصول إلى ذكر صنعاء إن شاء الله تعالى. وإلى أفعى نجران مضى أولاد معد بن عدنان وهم مضر وإياد

стр. 591

وأنمار وربيعة ليحكم بينهم في قسمة ميراث أبيهم، وهي قصة مشهورة. النجف: بالعراق بظهر الكوفة، وهو البساتين والمتنزهات التي يشرف الخورنق عليها، وذكر صاحب المنطق أن موضع البر قد يكون بحراً وموضع البحر قد يكون براً، قال: وللمواضع شباب وهرم وحياة وموت كما في الحيوان، وقد كان البحر فيما سلف في الموضع المعروف بالنجف، وهو بالحيرة، وكانت ترفأ هناك سفن الهند والصين، ترد على ملوك الحيرة فصار بين الحيرة وبين البحر الآن مسيرة أيام كثيرة، ومن رأى النجف وأشرف عليه تبين ما وصفنا. وبالنجف (١) نزل خالد بن الوليد في سلطان أبي بكر ﵄ بعد أن فتح الله اليمامة، وقتل كذابها يريد الحيرة، فتحصن منه أهلها في القصر الأبيض، فلما نزل خالد ﵁ بالنجف بعث إليهم أن ابعثوا إلي رجلاً من عقلائكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض، ودعي بقيلة لأنه خرج يوماً وعليه ثياب خضر، فقال له قومه: ما هذا إلا بقيلة، وعبد المسيح هذا هو الذي رأى سطيحاً وسأله عن رؤيا الموبذان وارتجاج الأبوان فأتى عبد المسيح خالداً وله يومئذ ثلثمائة سنة وخمسون، فتجاهل عبد المسيح وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عمله، فقال له: من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي، قال: فمن أين جئت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت ويحك؟ قال: على الأرض، قال: أتعقل؟ قال: أي والله وأقيد، ... الخبر بطوله، وقد مر في حرف الحاء. وكان خالد قال لعبد المسيح: ما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا النجف بمتاع الهند والصين، وأمواج البحر تضرب ما تحت قدمك، وقال: رأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تزود إلا رغيفاً، فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة حتى ترد الشام، ونراها اليوم قد أصبحت يباباً، وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد. وحكي أن أبا جعفر المنصور وجه في إشخاص جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضى الله عنهم من المدينة إلى العراق، فلما سار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال: اللهم بك أستفتح وبك أستنجح، سهل لي حزونته ولين لي عريكته، وأعطني من الخير ما أرجو، وادرأ عنى من الشر ما أخاف وأحذر، فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبره وغلفه بيده وأصرفه إلى منزله وإنما كان أشخصه ليقتله ﵁. نجيرم (٢) : بلد من بلاد سيراف منها أبو يعقوب النجير مي وبينهما ثلاثة عشر فرسخاً. النجير (٣) : هي حضرموت وأنشدوا للأعشى: وأبتذل العيس المراقيل تغتلي ... مسافة ما بين النجير فصرخدا وقيل هو حصن في اليمن، فيه تحصن الأشعث بن قيس بن معدي كرب ومن ارتد معه، فقال له من نصحه (٤) : أنشدك الله يا أشعث ووفادتك على رسول الله ﷺ وإسلامه أن تنقضه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من يقتل من خالفه، وإياك إياك، أبق على نفسك، فإنك إن تقدمت تقدم الناس، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا، فأبى الأشعث وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، ونحن أقصى العرب داراً من أبي بكر، فكيف يبعث إلينا الجيوش، قال: أي والله وأحرى ألا يدعك عامل رسول الله ﷺ ترجع إلى الكفر، يعني زياد بن لبيد الأنصاري، وكان النبي ﷺ بعثه إليهم فتضاحك ثم قال: أما يرضى زياد أن أجيره، فقال له: سترى، ثم قام الأشعث فخرج من المسجد إلى منزله وقد أظهر ما أظهر من الكلام القبيح من غير أن يكون نطق بالردة، ووقف (٥) يتربص وانحاز بأصحابه إلى حصن النجير فأغلقوه، فحاصره المسلمون لا يفارقونه ليلاً ولا نهاراً، وقذف الله الرعب في قلوبهم، فلما اشتد عليهم الحصار بعث إلى زياد بن

стр. 592

لبيد أن تنح عنا حتى نخرج و نخل يك والحصن، قال: لا أبرح شبراً واحداً حتى نموت عن آخرنا أو تنزلوا على حكمنا ورأينا، وجعل يكابدهم لما يرى من جزعهم، وكتب على لسان أبي بكر ﵁ كتاباً إليه فيه: احصرهم ولا تقبل منهم إلا ما خرجوا منه أو السيف، وقد بعثت إليك بعشرة آلاف رجل عليهم فلان وخمسة آلاف عليهم فلان، فإن أظفرك الله تعالى بهم فإياك والبقيا في أهل النجير، حرق حصنهم بالنار واقطع معايشهم واقتل المقاتلة واسب الذرية وابعث بهم إلي إن شاء الله، وإنما كتب هذا مكايدة لعدوه، فلما قرئ عليهم الكتاب أيقنوا بالهلكة واشتد عليهم الحصار، وندموا، فقال الأشعث: إلى متى هذا الحصر؟ قد غرثنا وغرث عيالنا، وهذه البعوث تقدم علينا بما لا قبل لنا به، قد ضعفنا عمن معنا، فكيف بمن يأتينا من هذه الأمداد، والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، قالوا: وهل لنا قوة بالقوم. فما ترى لنا فأنت سيدنا. قال: أنزل فآخذ لكم أماناً قبل أن تدخل هذه الأمداد بما لا قبل لنا به، فجعل أهل الحصن يقولون: يا أشعث افعل وخذ لنا أماناً، قال: فأنا أنزل، فأرسل إلى زياد: أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال: نعم، فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، وإن لي قرابة ورحماً وإن أبا بكر يكره قتل مثلي، وقد جاءك كتابه ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، وإنما أطلب منك الأمان على أهلي ومالي، فقال زياد: لا أؤمنك أبداً على دمك، وأنت كنت رأس الردة، فقال: أيها الرجل دع ما مضى واستقبل الأمور إذا أقبلت، قال: وماذا؟ قال: أفتح لك النجير، فأمنه على أهله وماله على أن يقدم به على أبي بكر ﵁ فيرى فيه رأيه، وفتح له النجير فأخرجوا المقاتلة، فعمد زياد إلى سبعمائة من أشرافهم فضرب أعناقهم على دم واحد، ولام القوم الأشعث وقالوا لزياد: غدر بنا فأخذ الأمان لنفسه وأهله، وإنما نزل على أن يأخذه لجميعنا، وجاء كتاب أبي بكر ﵁: إن ظفرت بأهل النجير فاستبقهم، فقدم عليه ليلاً وقد قتل منهم في أول النهار سبعمائة في صعيد واحد، وأبى زياد أن يواري جثثهم وتركوا للسباع، فكان هذا أشد على من بقي من القتل. نخلة (١) : موضع على ليلة من مكة. وكان بها (٢) لقريش وبني كنانة بعض الطواغيت التي كانت تعظمها مع الكعبة لأنهم قالوا " اجعل الآلهة إلهاً واحداً " الآية، فكانت لهم بيوت تعظمها وتطوف بها كطوافها بالكعبة، بعضها الذي بنخلة وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان، وبها كانت العزى، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ فلما سمع صاحبها ذلك علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هو فيه، وانتهى إليها خالد ﵁ فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ . نخل (٣) : غير مصروف، قرية لفزارة، وفي شعر زهير (٤) : تربص فإن تقو المرورات منهم ... وداراتها لا تقو منهم إذاً نخل النخيلة (٥) : موضع بالكوفة على لفظ التصغير، وهي التي كان علي ﵁ يخرج إليها إذا أراد أن يخطب الناس. وفي سنة تسع وثلاثين أوقع علي ﵁ بالخوارج بالنخيلة وحروراء. ندرومة (٦) : مدينة في طرف جبل تاجرا بأرض المغرب، وهي مدينة حسنة كثيرة الزرع والفواكه رخيصة الأسعار، ولها بسائط خصيبة ومزارع كثيرة، وبينها وبين البحر نحو عشرة أميال، ولها مرسى مأمون مقصود وعليه رباط حسن يتبرك به، ويقال أنه من أتى فيه منكراً لم تتأخر عقوبته، قد عرف ذلك من بركته ومن صنع الله فيه. نكور: مدينة بالمغرب بقرب مدينة مليلة، وهي مدينة كبيرة بينها وبين البحر نحو عشرة أميال وقيل خمسة، وهي بين رواب وجبال منها جبل يقابل المدينة يعرف بالمصلى. وبها جامع على

стр. 593

أعمدة من خشب العرعر، وهو والأرز أكثر خشبها، ولها أربعة أبواب في القبلة باب سليمان وبين القبلة والجوف باب بني ورياغل، وفي المغرب باب المصلى، وفي الجوف باب اليهود وسورها من اللبن، وحماماتها كثيرة، وأسواقها عامرة وغزا (١) المجوس مدينة نكور سنة أربع وأربعين ومائتين فتغلبوا عليها وانتهبوها وسبوا من فيها إلا من خلصه الفرار فأقاموا بها ثمانية أيام. وبها نهران (٢) أحدهما يسمى نكور، وبه سميت، يخرج من جبل هناك ومن هذا الجبل ينبعث النهر المعروف بورغة وهو نهر كبير مشهور من أنهار المغرب وعلى نهرها الأرحاء. ومدينة نكور (٣) كثيرة البساتين طيبة الفواكه لا سيما الكمثرى والرمان فليس يوجد مثلهما في بلد، وهي قديمة أزلية افتتحها سعيد بن ادريس بن صالح الحميري أو بناها وهو المعروف بالعبد الصالح وذلك في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان وكان دخل أرض المغرب في الافتتاح الأول قبل موسى بن نصير، وعلى يديه أسلم البربر المجاورون لهذه المدينة وهم صنهاجة وغمارة ثم ارتد منهم بشر كثير لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام. ولإبراهيم (٤) بن أيوب النكوري: أيا أملي الذي أبغي وسولي ... ودنياي الذي أرجو وديني أأحرم من يمينك ري نفسي ... ورزق الخلق في تلك اليمين ويحجب عن جبينك لحظ طرفي ... ونور الأرض من ذاك الجبين وقد جبت المهامه من نكور ... إليك بكل ناجية أمون وبين مدينة نكور ومرسى تمسامان عشرون ميلاً. نمرة (٥) : موضع بعرفة معلوم. نصيبين (٦) : مدينة في ديار ربيعة العظمى وهي من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، وهي قديمة عظيمة كثيرة الأنهار والجنات والبساتين، ولها نهر عظيم يقال له الهرماس عليه قناطر حجارة، وأهلها قوم من ربيعة من بني تغلب. وهي في مستو من الأرض ذات سور حصين وأسواق عامرة وتجارات وبها فعلة وصناع، وبها مياه كثيرة وعقارب قتالة. وافتتحها عياض بن غنم الفهري في خلافة عمر ﵁ سنة ثمان عشرة وكانت مدينة رومية، فلما افتتحها غياض أسكنها المسلمين، وهي كبيرة، ونهرها الهرماس عليه بساتين وكروم، وبها مستقر الولاة، ومنها إلى دارا خمسة فراسخ. ويمتد أمام نصيبين وخلفها بسيط أخضر مد البصر أجرى الله تعالى فيه مذانب من الماء تسقيه وتطرد في نواحيه، وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار يانعة الثمار، وفيها قال أبو نواس: طابت نصيبين بي يوماً فطبت بها ... يا ليت حظي من الدنيا نصيبين وفيه مدرستان ومارستان واحد. نصراباذ (٧) : بنيسابور ونصراباذ بالري. نعمان (٨) : بفتح أوله وادي عرفة دونها إلى منى، وهو كثير

стр. 594

الأراك، قال الشاعر (١) : تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة خفرات وهو أيضاً موضع بالشام. نفطة (٢) : في قصطيلية من بلاد الجريد في إقليم إفريقية، بينها وبين قيطون بياضة مرحلة، ومنها إلى توزر مرحلة، ونفطة مبنية بالصخر، عامرة آهلة، بها جامع ومساجد وحمامات كثيرة وتجارات ونخيل وغلات ومياه جارية كثيرة سائحة، وشرب جميع بلاد قصطيلية بوزن إلا نفطة فإن شربها جزاف، وجميع أهلها شيعة، وتسمى الكوفة الصغرى. وهي قديمة (٣) عليها سور من بناء الأول، ولها غابة كبيرة كثيرة النخل والبساتين وجميع الفواكه، وهي كثيرة الخصب، ولها نهر يسقي بساتينها، وأهلها ذوو يسار، وهم من بقايا الروم. نفزاوة (٤) : بينها وبين القيروان ستة أيام، ولها سور صخر وطوب، ولها ستة أبواب، وبها جامع وحمام وأسواق حافلة، وهي على نهر كثيرة النخل والثمار، وحواليها عيون كثيرة، وبينها وبين قابس ثلاث مراحل، ومن نفزاوة تسير إلى بلاد قصطيلية. وبها أرض (٥) سواخة وسباخ وملاحات لا يهتدى للطريق لها إلا بخشب قد نصبت في دهس يشبه الصابون في الرطوبة، فمن أخطأ طريق تلك الخشب المنصوبة على الطريق هلك في تلك السباخ، وقد هلكت العساكر والجماعات في قديم الزمان ممن دخلها ولم يعرف أمرها، وتلك السباخ لا يعلم لها آخر ولا يسلك منها إلا الطريق إلى توزر وإلى بلاد قصطيلية، ويقال إنها متصلة ببلاد غدامس، وهذه السباخ كلها ملائح، وفيها موضع بين نفطة والحمة يعرف بالسبع سباخ. وفي وسط طريق المار من توزر إلى نفزاوة جزيرة صغيرة فيها عين عذبة يشرب منها من يسير على تلك الطريق، وإذا دخل المسافر هذا الطريق في أيام الصيف يكاد يهلك من حرارة الملح ويرجع ما في الزقاق من الماء العذب ملحاً لا يقدر على شربه إلا أن يمزج بالسكر أو العسل. ولما هزم المنصور يعقوب ملك المغرب علي بن إسحاق على حمة مطماطة فر منهزماً على هذه السباخ فتبعه الموحدون سالكين سبيله حتى شارفوا توزر فألفوه قد توغل في صحرائها. نفوسة (٦) : جبل نفوسة، من قفصة إليه نحو ستة أيام، وهو جبل عال نحو من ثلاثة أيام طولاً، وفيه كروم ومياه جارية وأعناب وتين، وأكثر زرعهم الشعير المتناهي طيباً ولأهله في خبزه صنعة وحذق وتمييز فاقوا فيه كل الناس، ويكون أطيب من سائر الطعام في سائر الأقاليم، ويقال إنه متصل بجبل درن. نفيس (٧) : مدينة من بلاد المغرب عند أغمات تعرف بالبلد النفيس، وهو مدينة قديمة صغيرة حولها عمارات وطوائف من قبائل البربر، وبها من الحنطة والفواكه واللحوم ما لا يكون في كثير من البلاد، وبها جامع وسوق نافقة وأنواع عجيبة من الزبيب المتناهي طيباً وكثرة. وغزاها (٨) عقبة بن نافع ﵀ وحاصر بها الروم فافتتحها وأصاب المسلمون فيها أموالاً كثيرة ومغانم واسعة، وبنى فيها عقبة مسجداً وهر معروف به إلى اليوم، وليس في جميع تلك البلاد أطيب هواء منها ولا أجل منظراً ولا أكثر أنهاراً وأشجاراً وثماراً، ويشق بلد نفيس نهر كبير ينبعث من جبل درن حيث تربة الإمام المهدي وخليفته عبد المؤمن، ومراكش بين أغمات ونفيس. وكان الفقيه (٩) قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن

стр. 595

ابن مضاء اللخمي تبع الخليفة المنصور يعقوب في حركته إلى إفريقية، فلما انتهى إلى القيروان اعتل ابن مضاء واشتاق إلى وطنه قرطبة، وكان من كبار نبهائها، فمما قاله ببلاد العدوة وقد اشتاق إلى وطنه: يا ليت شعري وليت غير نافعة ... من الصبابة هل في العمر تنفيس حتى أرى ناظراً في جفن قرطبة ... وقد تغيب عن عيني تنيس نقيع (١) : بالقاف المنقوطة من فوق، موضع تلقاء المدينة النبوية شرفها الله تعالى، وبينه وبين مكة ثلاث مراحل، وكان عمر ﵁ حماه. نقاوس (٢) : من بلاد الزاب، وهي مدينة صغيرة كثيرة الأنهار والثمار والمزارع كثيرة شجر الجوز، منها يحمل إلى قلعة حماد وبجاية وإلى أكثر تلك البلاد، ويتجهز بفواكهها إلى ما جاورها من الأقطار، ولها سوق ومعايش كثيرة، ومنها إلى المسيلة أربع مراحل، وقيل ثلاث، ومنها إلى بسكرة مرحلتان. نقمودية (٣) : مدينة في البحر الرومي، وهي القسطنطينية الأولى، بإزائها مدينة في جوف البحر يحسر البحر عنها يوماً في السنة، فيحجون إليها ويقيمون عليها ويتقربون ويهدون إليها، فإذا كان العصر أخذ الماء في الزيادة، وتبادروا بالانصراف، فلا تزال كذلك حتى يغمرها الماء فلا يظهر منها شيء، وبقيت كذلك إلى رأس السنة. نسا: بفتح أوله، هي كورة من كور نيسابور، وقال المسعودي: هي من أرض فارس، وقيل هو موضع بخراسان، وينسب إلها نسائي ونسوي وهو القياس. وهي مدينة (٤) حصينة كثيرة المياه والبساتين، وهي في المساحة مثل سرخس، ومياههم مطردة في دورهم وسككهم، ولها رساتيق واسعة ونواح خصيبة. ومنها زهير بن حرب (٥) أحد شيوخ مسلم بن الحجاج، وأبو عبد الرحمن النسائي صاحب التصنيف في الحديث المشهور، له قصة عجيبة في ابتداء أمره، ذكرها ابن عساكر تقتضي الرغبة في العلم والحض على طلبه (٦) . نسف (٧) : من سمرقند إلى كش يومان، ومن كش إلى نسف ثلاث مراحل، ونسف مدينة على مدرج طريق بخارى وبلخ، وهي في مستو من الأرض والجبل منها على نحو مرحلتين مما يلي كش، وبينها وبين جيحون مفازة لا جبل فيها، فينصب منها هذا النهر ويشرع إلى القرى، ودار الإمارة على شط هذا النهر بمكان يعرف برأس القنطرة، ولها ربض واسع وقهندز خراب، والمسجد الجامع فيه، والأسواق مجتمعة ما بين دار الإمارة والجامع، ولها منبران سوى منبرها، وليس لنسف ورساتيقها ماء يسيح إلا هذا النهر، وربما انقطع في بعض السنة. ولنسف (٨) سور وربض عامر كبير يحيط به السور، ولها أربعة أبواب، وفي المدينة قهندز ليس بالحصين، وفي ربضها مسجد جامع، وأسواقها في الربض مجتمعة بين دار الإمارة والمسجد الجامع ويتصل نهرها بها من كش، فإذا خرج عن المدينة سقى المزارع وقد ينقطع جريه في بعض السنين الممحلة، ولهم مياه نابعة تسقي الكثير من مزارعهم، والغالب عليها الخصب والسعة والدعة، وبها تجتمع طريق سمرقند. نهاوند: بفتح أوله، من كور الجبل، وهي آخر كور الجبل، من همذان إلى نهاوند مرحلتان، ومنها إلى الكرج مرحلتان. قالوا: ونهاوند ماه البصرة، ومعنى نهاوند صاحب الأساس، وقيل

стр. 596

ترجمة نهاوند " وجدت كما هي " سميت بذلك لأنها لم توجد بعد الطوفان قرية فيها بقية سواها. ونهاوند (١) مدينة جليلة على جبل ذات سور طين، ولها بساتين وجنات وفواكه ومتنزهات ومياهها كثيرة وفواكهها تحمل إلى العراق لطيبها وكبرها وبها جامعان أحدهما قديم والآخر محدث، وهي كثيرة الرساتيق والعمارات. وفيها كان اجتماع الفرس لما لقيهم النعمان بن مقرن المزني سنة ثلاث وعشرين. قال الهمداني: لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى قرية فيها بقية سوى نهاوند. وكان عمر ﵁ قال للهرمزان (٢) : أما إذ فتني بنفسك فأشر علي، أبفارس أبدأ أو بالجبال: أذربيجان وأصبهان؟ قال: فارس الرأس، والجبال جناحان، فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس، قال عمر ﵁: بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح ولا رجل. وكتب ابن كسرى إلى أهل الجبال: أصبهان وهمذان وقومس: إن العرب قد ألحوا علي. فاجتمعوا بنهاوند وتعاقدوا على غزو أمير العرب يعنون عمر ﵁، في بلاده، فكتب أهل الكوفة بذلك إلى عمر ﵁: فقام على المنبر فقال: أين المسلمون أين المهاجرون والأنصار فاجتمع الناس. فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن عظماء أهل الري وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان، أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها، وقد تعاقدوا على أن يخرجوا إخوانكم من بلادهم، وأن يغزوكم في بلادكم فأشيروا علي وأوجزوا ولا تطنبوا، فمنهم من صرف الأمر إليه وولاه ما تولى، ليمن نقيبته وخبرته، ومنهم من أشار بأن يتوجه إليهم بأهل الحرمين وأهل اليمن والشام حتى يلتقي الجمع الجمع، ومنهم من أشار بأن يكتب إلى أهل البصرة فليفترقوا ثلاث فرق: فرقة في ديارهم، وفرقة في أهل عهدهم، وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة، قال: هذا رأيي وكنت أحب أن أتابع عليه، لعمري لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إلي الأعاجم لتنقضن الأرض وليمدنهم من لم يمدهم، وليقولن: أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب. فكتب (٣) إلى النعمان بن مقرن وكان بكسكر، وكان قد كتب إلى عمر ﵁: يا أمير المؤمنين إنما مثلي ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون له كل يوم وتعطر، وأنا أذكرك الله تعالى إلا بعثتني في جيش إلى ثغر غازياً ولا تبعثي جابياً، فندب عمر ﵁ أهل المدينة، فانتدب منهم جمع فوجههم إلى الكوفة وكتب إلى عمار بن ياسر ﵁ أن يستنفر ثلث أهل الكوفة فيسيروا إلى العجم بنهاوند فقد وليت عليهم النعمان بن مقرن، وكتب إلى أبي موسى ﵁ يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند، وكتب إلى النعمان: إني وجهت جيشاً من أهل المدينة وأهل البصرة وأهل الكوفة إلى نهاوند، وأنت على الناس ومعك في الجيش طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب فأحضرهما الناس وشاورهما في الحرب فإن حدث بك حدث فأمير الناس حذيفة، فإن قتل فجرير فإن قتل فالمغيرة بن شعبة. وبعث عمر (٤) ﵁ بالكتاب مع السائب بن الأقرع بن عوف وقال له: إن سلم الله تعالى ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم، فلا ترفعوا لي باطلاً ولا تمنعن أحداً حقه وإن هلك ذلك الجند فاذهب في الأرض فلا أرينك أبداً. فسار جميعهم إلى نهاوند وسار النعمان فتوافوا بنهاوند وبها من الأعاجم ستون ألفاً عليهم ذو الفروة، وهو ذو الحاجب، وقد خندقوا وهالوا في الخندق تراباً قد نخلوه وبعث النعمان طليحة بن خويلد ليعلم علم القوم، فأبطأ حتى ساء ظن الناس به، فعلم علمهم ثم رجع، فلم يمر بجماعة إلا كبروا، فأنكر ذلك منهم، وقال: ما لكم تكبرون إذا رأيتموني؟ قالوا: ظننا أنك فعلت كفعلتك قال: لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وأقام النعمان أياماً حتى يستجم الناس أنفسهم وظهرهم، ثم

стр. 597

دنا من معسكر الأعاجم فاقتتلوا ثم تحاجزوا عن قتلى وجرحى، وتقاتلوا من الغد حتى صبغت الدماء متن الخيل، وتحاجزوا عند المساء، فبات المسلمون يوقدون النيران ويعصبون بالخرق، لهم أنين بالجراح ودوي بالقرآن، وبات المشركون في المعازف والخمور وبهم من الجراح مثل ما بالمسلمين، وأصبحوا يوم الجمعة، فأقبل النعمان معلماً ببياض على برذون قصير، عليه قباء أبيض مصقول وقلنسوة بيضاء مصقولة فوقف على الرايات فحضهم وقال: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء قد أخطروا لكم أخطاراً وأخطرتم لهم أخطاراً، أخطروا لنا دنياً (١) وأخطرتم لهم الإسلام، فالله الله في الإسلام أن تخذلوه، فإنكم أصبحتم باباً بين المسلمين والمشركين فإن كسر الباب دخل على الإسلام، ليشغل كل امرئ منكم قرنه ولا يجعله على صاحبه فإنه لؤم وخذلان ووهل وفشل، وإني هاز الراية، فإذا هززتها فلتأخذ الرجال أهبتها، وليتعهد أصحاب الخيل أعنتها وحزمها، فإذا هززتها الثانية فليعرف كل امرئ منكم مصوب رمحه وموضع سلاحه ووجه مقاتله، فإذا هززتها الثالثة وكبرت فكبروا واستنصروا الله تعالى واذكروه، وإذا حملت فاحملوا، فقال رجل من أهل العراق: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، ونحن واقفون عند قولك، منتهون إلى رأيك، فأول النهار أحب إليك أو آخره؟ قال: آخره، حين تهب الرياح وتحل الصلاة وينزل النصر لمواقيت الصلاة، فأمهل الناس حتى إذا زالت الشمس هز الراية، فقضى الناس حوائجهم وشدت الرجال مناطقها ونزع أصحاب الخيل المخالي عن خيلهم وقرطوها أعنتها وشدوا حزمها وتأهبوا للحرب، ثم أمهل حتى إذا كان في آخر الوقت هزها وصلى الناس ركعتين، وجال أصحاب الخيل في متونها وصوبوا رماحهم فوضعوها بين آذان خيولهم، وأقبلت الأعاجم على براذينهم عليهم الرايات المدبجة والمناطق المذهبة، ووقف ذو الحاجب على بغلته، فإنه زي الأعاجم وهم في حربهم، وإن لأقدامهم في ركبهم لزلزلة، وإن الأسوار ليأخذ النشابة فما يسدد الفوق للوتر وما يتمالك أن يضعها على قوسه، فقال النعمان: يا معشر المسلمين، إني هاز الراية الثالثة، وحاملاً فاحملوا ولا يلو أحد على أحد، وإن قيل قتل النعمان فلا يلوين أحد على أحد، وإني داع بدعوة، فعزمت على كل رجل منكم إلا قال: اللهم أعط النعمان اليوم الشهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم. ثم نثل درعه وهز الراية وكبر فكبر الأدنى فالأدنى ممن حوله حتى عشيهم التكبير من السماء، وصوب رايته كأنها جناح طائر وحمل وحمل الناس، فكان أول صريع، ومر به معقل بن يسار فذكر دعوته ألا يلوي أحد على أحد، فجعل علماً عنده، ومر أخوه سويد بن مقرن أو نعيم فألقى عليه ثوباً كيلا يعرف ونصب الراية وهي تقطر دماً قد قتل بها قبل أن يصرع وسقط ذو الحاجب عن بغلته فانشق بطنه، وانهزم المشركون فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا. قال بعض من حضر ذلك اليوم: إني لفي الثقل فثارت بيننا وبين القوم عجاجة قسطلانية، فجعلت أسمع وقع السيوف على الهام، ثم كشطت فإذا المسلمون كالذئاب تتبع الغنم. واتبعتهم طائفة من المسلمين حتى دخلوا مدينتهم، ثم رجعوا وحوى المسلمون عسكرهم، ورجع معقل بن يسار فسار إلى النعمان بعد انهزام المشركين، ومعه إداوة فيها ماء، فغسل التراب عن وجهه، فقال: من أنت؟ قال: معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم قال: الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر ﵁، وفاضت نفسه، فاجتمع الناس وفيهم ابن الزبير وابن عمر ﵃، فأرسلوا إلى أم ولده فقالوا: عهد إليك عهداً؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فأخذوه فإذا كتاب عمر ﵁ إلى النعمان: إن حدث بك حدث فالأمير حذيفة، فإن قتل ففلان، فإن قتل ففلان، فتولى أمر الناس حذيفة ﵁، فأمر بالغنائم فجمعت ثم سار إلى مدينة نهاوند، وحملت تلك الغنائم إلى عسكرهم، وحضر أهل المدينة فقاتلوهم، فبينا هم يطاردونهم إذ لحق سماك بن عبيد عظيماً من عظمائهم يقال له دينار، فسأله الأمان فأمنه فأدخله على حذيفة ﵁، فصالحه عن البلد على ثمانمائة ألف وشيء من العسل والسمن، وقال: إن لكم الوفاء بالعهد، وأخاف عليكم خمسة أشياء: الخب والبخل والغدر والخيلاء والفجور من قبل القبط والروم وفارس ومن قبل أهل الأهواز. وأتى (٢) السائب بن الأقرع دهقان وقد جمعت الغنائم فقال: أتؤمنني على دمي ودماء قرابتي وأدلك على كنز النخيرجان، لم تجلبوا عليه في الحرب فيقسم وتجري عليه السهام، ولم تحرزوه بجزية أقاموا عليها، وإنما هو دفين دفنوه وفروا عنه فتأخذه لصاحبكم، يعني عمر ﵁، تخصه به؟ فقال: أنت

стр. 598

آمن إن كنت صادقاً، قال: فانهض معي، فنهض معه فانتهى إلى قلعة، فرفع صخرة ودخل غاراً فاستخرج سفطين، فإذا قلائد منظومة بالدر والياقوت وقرطة وخواتيم وتيجان مكللة بالجوهر، فأمنه ثم أتى به حذيفة ﵁ فأخبره، فقال: اكتمه فكتمه حتى قسم الغنائم بين الناس، وعزل الخمس. ثم خرج السائب مسرعاً فقدم على عمر ﵁، فقال له ما وراءك؟ فوالله ما نمت هذه الليلة إلا تغريراً، إذ ما أتت علي ليلة بعد الليلة التي أصبح رسول الله ﷺ فيها ميتاً أعظم من هذه الليلة قال: أبشر بفتح الله ونصره وحسن قضائه لك في جنودك، ثم اقتص الخبر حتى انتهى إلى قتل النعمان فقال: إنا لله، يرحم الله النعمان، ثم مه؟ قال: ثم والله ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه، فقال: لا أم لك ولا أب، قتل الضعفاء الذين لا يعرفهم عمر ابن أم عمر، وأكب طويلاً يبكي ثم قال: أصيبوا لضيعة؟ قال: لا ولكن أكرمهم الله بالشهادة وساقها إليهم، قال: ويحك، أغلبتم على أجساد إخوانكم أم دفنتموهم. قال: دفناهم، قال: فأعطيت الناس حقوقهم؟ قال: نعم، فنهض عمر ﵁، فأخذ السائب بثوبه وقال: حاجة، قال: ما حاجتك إذا أعطيت الناس حقوقهم؟ قال: حاجة لك وإليك، فجلس، وأخذ السائب الغرارة فأخرج السفطين ففتحهما فنظر إلى ما فيهما كأنه النيران يشب بعضه بعضاً، فقال عمر ﵁: ما هذا؟ فأخبره، فدعا علياً وعبد الله بن أرقم وغيرهما فختموا على السفطين وقال له: اختم معهم، فختمه، وقال لعبد الله بن أرقم: ارفعه، ورجع السائب. فرأى عمر ﵁ ليالي كالحيات يردن نهشه، فسرح رجلاً وكتب إلى السائب: إن صادفك رسولي في الطريق فلا تصلن إلى أهلك حتى تأتيني، وإن وصلت إلى أهلك فعزمة مني إليك، إذا قرأت كتابي هذا أن تشد على راحلتك وتقبل إلي. وكتب إلى عمار ﵄: لا تضعن كتابي هذا حتى يرحل السائب إلي، وأمر الرسول أن يعجله، فقدم الرسول فقال له السائب: أبلغه عني شيء أم به علي سخطة؟ قال: ما رأيت ذلك، ولا أعلمه بلغه عنك خير ولا شر، وركب فقدم على عمر ﵁ فقال له: يا ابن أبي مليكة، يا ابن الحميرية، ما لي ولك، أم ما لك ولي، ثكلتك أمك، ما الذي جئتني به؟ فلقد بت مما جئتني به مروعاً أظن الحيات تنهشني، أخبرني عن السفطين، قال: والله لئن أعدت عليك الحديث، فزدت حرفاً أو نقصت، لأكذبن، قال: إنك لما انصرفت فأخذت مضجعي لمنامي أتتني ملائكة فأوقدوا علي سفطيك جمراً ودفعوهما في نحري، وأنا أنكص وأعاهدهم أن أردهما فأقسمهما على من أفاءهما الله عليه، فكاد ابن الخطاب يحترق، ثم لم أزل مروعاً أظن الحيات ينهشنني، فاردد هذين السفطين فبعهما بعطاء الذرية والمقاتلة أو نصف ذلك، واقسم منهما على من أفاءهما الله عليه، وقيل، قال له: بعهما واجعل ثمنهما في أعطية المسلمين بالبصرة والكوفة، فإن خرج كفافاً فذلك، فإن فضل فاجعله في بيت مال المسلمين (١) ، فقدم السائب بهما فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء الذرية والمقاتلة، وقيل اشتراهما بأعطية أهل المصرين، فباع أحدهما من أهل الحيرة بما أخذهما به واستفضل الآخر. وقال بعضهم: استفضل مائة ألف دينار، فكان أول مال اعتقده. ولما انهزم أهل نهاوند جعلوا يسقطون في ذلك الخندق الذي هالوا فيه التراب المنخول فيغرقون في ذلك، وكان يقال لفتح نهاوند فتح الفتوح، قال موسى بن عقبة عن أخيه: قدمت البصرة فرأيت بها شيخاً أصم، فقلت: ما أصابك. قال: أنا من أهل نهاوند، لما نزل المسلمون عندما نزلوا عليها كبروا تكبيرة ذهب سمعي منها. وفي الروايات عن فتح نهاوند اختلاف كثير، فلنقتصر منه على هذا. النهروان (٢) : بالعراق، مدينة صغيرة من بغداد إليها مشرقاً أربعة فراسخ، ويقال بضم الراء وفتحها وكسرها مع النون، ويقال بضم النون والراء معاً أربع لغات، ولها نهر جليل تجري فيه المراكب العظام ينبعث من جبال أرمينية ويستمد من القواطل، فإذا صار بباب كسرى سمي النهروان، وفي الجانب الغربي منها أسواق ومسجد جامع ونواعر تسقي أرضها، وفي الجانب الشرقي مسجد جامع أيضاً وأسواق، وحول المسجد خانات ينزلها الحاج والميارة. وعليها كانت الوقيعة بين علي ﵁ وبين الخوارج

стр. 599

إذ خرجوا عليه وقالوا له: حكمت الرجال في دين الله تعالى، ما كان لك ذلك، يعنون أنه رضي ببعث الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاصي ﵄، ففارقوه، والخبر مشهور. نهر تيرى (١) : من كور الأهواز، مدينة صالحة القدر عامرة بالديار والأسواق، كثيرة الخيرات، وبها طرز تتخذ منها ثياب حسنة، قالوا: وبها دار لا تعمر، وكل من يسكنها لا يلبث فيها أكثر من يوم واحد ولا يجاوز الليلة إلى الغد. نهر معقل: بالبصرة ينسب إلى معقل بن يسار، وكان ابن زياد بن أبيه حفره وأمر معقلاً ففتحه تيمناً بصحبته، فنسب إليه. نهروارة (٢) : مدينة في بلاد الهند ملكها عظيم يسمى بلهرا له جيوش وفيلة، عبادته صنم البد، وهو يحمل تاج الذهب على رأسه ويلبس الحلل المنسوجة بالذهب، ويركب الخيل في سائر الأيام، ويركب في كل جمعة مرة، ويركب حوله نحو مائة امرأة، ولا يمشي معه أحد سواهن، وقد لبسن القراطق المذهبة وتحلين بأحسن الحلية واحتملن الأساور من الذهب والفضة في أيديهن وأرجلهن، وأسبلن شعورهن على أردافهن وهن يتدافعن ويتلاعبن والملك يقدمهن، فأما جملة وزرائه وعظماء رجاله فلا يركبون معه إلا إذا خرج محارباً لمن قام عليه أو اهتضم شيئاً من عمالاته، أو إلى من قصده من الملوك المجاورين له، وله الفيلة الكثيرة، وهي عمدة حربه. ويصل نهروارة كثير من تجار المسلمين، وللمسافرين بها إكرام من ملوكهم وضبط لما بأيديهم، وبسط العدل في أهل الهند طبيعة لا يعولون على شيء سواه، ولفضل عدلهم وحسن سيرتهم ذكروا هم وأهل تلك البلاد بخير، وكثر القاصد إليهم، فبلادهم عامرة وأحوالهم ناجحة وادعة، ومن انقياد عوامها للحق واتباعهم له وكراهيتهم للباطل أن الرجل منهم يكون له عند آخر حق فيلقاه حيث لقيه فيخط له خطاً في الأرض كالحلقة، يدخله الطالب في تلك الحلقة فيدخلها المطلوب طائعاً ولا يبرح منها إلا بإنصاف خصمه، أو يعفو عنه الذي له الحق، فيخرج من الحلقة. وطعام أهل نهروارة الأرز والحمص والباقلا واللوبيا والعدس والماش والسمك والحيوانات التي تموت موتاً طبيعياً، ولا يذبحون طائراً ولا حيواناً، فأما البقر فإنها محرمة عليهم، فإذا ماتت دفنت دون سائر البهائم. وأهل الهند يحرقون موتاهم ولا قبور لهم، فإذا مات الملك قطعت له عجلة عريضة ارتفاعها على الأرض مقدار شبرين وتوضع على العجلة قبة مكللة، ويوضع الملك عليها ويطاف به في المدينة كلها تجره عبيده، ورأسه مكشوف لمن يراه وشعره ينجر على تراب الأرض، وينادي عليه مناد بلسان الهند: أيها الناس هذا ملككم فلان ابن فلان، عاش في ملكه فارحاً قادراً كذا وكذا سنة، وها هو ذا قد مات وفتح يده بما معه، لا يملك من ملكه شيئاً ولا يدفع عن جسمه أذى، ففكروا فيما أنتم إليه صائرون وإليه راجعون، كل هذا باللغة الهندية، فإذا فرغ من التطواف به أخرج إلى مكان النار التي من عادتهم أن يحرقوا بها الموتى، موتى ملوكهم، فيلقونه في النار حتى يحترق. وأهل الهند لا يحزنون كثيراً ولا يقومون بالهموم جملة، وجملة البلاد الهندية المجاورة للسند الذين قد مازجهم المسلمون يدفنون موتاهم في بيوتهم بالليل تستراً، ويسوون التراب عليهم ولا يبكون ميتاً ولا يحزنون عليه كثيراً. والزنا في جميع بلاد البلهرا مباح إلا في المزوجات، والرجل إن ارتضى نكاح ابنته أو أخته أو خالته أو عمته، ما لم يكن مزوجات فعل. النوشجان (٣) : من بلاد فارس وفيها شعب بوان، فيه شجر الجوز والزيتون والكروم وغير ذلك من الفواكه، وهو أحد المواضع المشهورة بالحسن، وفيه يقول المتنبي: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان

стр. 600

نول لمطة (١) : من بلاد السوس الأقصى بالمغرب، بينها وبين وادي السوس الأقصى ثلاث مراحل، ومنها إلى البحر ثلاثة أيام، وبينها وبين سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة وفيها جزولة ولمطة. ومدينة نول إحدى مدن الإسلام، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط، وعليه قبائل لمطة ولمتونة، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو ثلاث مراحل، وإنما سميت نول لمطة لأن قبيل لمطة يسكنونها، وماؤها جار، وهي آخر بلاد السوس، ومن أراد الدخول من وادي درعة إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، فيمشي من وادي درعة نحو خمس مراحل إلى وادي تركى (٢) ، وهو أول الصحراء ثم يسير في جبال وعرة في طريق قد فتحت في حجر صلد بالنار والخل من عمل الأول ويزعم قوم أن ملوك بني أمية فتحوها، وهذه الطريق من إحدى عجائب العالم ومنها إلى جبل يسمى جبل الحديد ومن هذا الجبل يدخل إلى بلاد لمتونة، وأكثر لمتونة إنما هم رحالة لا يستقر بهم موضع، ولا يعرفون الحرث ولا الزرع ولا الخبز، وإنما لهم الأنعام الكثيرة فعيشهم من لبنها ولحمها، فهم يجففون اللحم ويطبخونه ويصبون عليه الشحم المذاب أو السمن ويأكلونه ويشربون عليه اللبن قد غنوا به عن الماء، فيبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب ماء ولا يأكل خبزاً، وربما نفذ عمره ولا يأكل خبزاً ولا يعرفه، وصحتهم مع ذلك متمكنة، وربما مرت بهم القوافل فيتحفون ملوكهم ورؤساءهم بالخبز والدقيق. وببلادهم (٣) يكون اللمط الذي تعمل من جلوده الدرق فلا شيء أبدع منها ولا أصلب ظهراً، وبها يقاتل أهل المغرب لحصانتها وخفة محملها، وتصنع بهذه المدينة السروج وأقتاب الإبل، وتباع بها الأكسية السفسارية والبرانس التي يباع الواحد منها بخمسين ديناراً، والبقر والغنم عندهم كثيرة، والألبان والسمن، وإليها يلجأ أهل تلك الجهات في مهم حوائجهم. وهذا الحيوان (٤) المسمى باللمط دابة دون البقر لها قرون رقاق حادة تكون لذكرانها وإناثها، وكلما كبر هذا الحيوان طال قرنه حتى يكون أزيد من أربعة أشبار، وأجود الدرق وأغلاها ثمناً ما عمل من جلود الإناث المسنات التي قد طالت قرونها لكبر سنها حتى منعت الفحل أن يعلوها. وببلادهم أيضاً الفنك كثير، ومن عندهم تحمل جلودها إلى جميع البلاد، وعندهم الكباش الدمانية، وهي على خلقة الضأن إلا أنها أعظم وشعرها كشعر المعز لا صوف عليها، وهي من أحسن الغنم خلقاً وألواناً. والريحان في بلاد الصحراء وفي بلاد السوس عزيز لأن بلادهم لا تنبته، وهو عندهم من أطيب الطيب. ومن عجائب (٥) هذه الصحراء أن بها معدن ملح تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن، ويوجد الملح تحت قامتين أو دونهما من وجه الأرض فيقطع كما تقطع الحجارة وعلى هذا المعدن حصن مبني بالحجارة المخرجة من المعدن وجميع ما فيه من بيوت وغرف ومساكن إنما هو مبني بحجارة الملح، وبهذا الملح يتجهز إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، وله غلة عظيمة، وبإزاء معدن الملح الماء العذب الطيب أخبر بذلك من عاينه. ومن مدينة نول إلى وليلي وهو موضع على شاطئ البحر المحيط بالقرب منه جزيرة في البحر لا يوصل إليها إذا مد البحر إلا في المراكب، وعند الجزر يوصل إليها على القدم، ويوجد فيها العنبر كثيراً، وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف، وهي أكثر شيء في ذلك الموضع وهي مفرطة العظم وربما دخل الرجل في محار ظهورها يصيد في البحر كالقارب، وفي هذه الجزيرة أغنام كثيرة ومواش، وهي منتهى المراكب وآخر مراسي المغرب، ومن مدينة نول إلى هذه الجزيرة على البر لا يفارق الساحل مسيرة شهرين في أرض محجرة تنبو عنها المعاول ويكل فيها الحديد، وإنما يشرب من يمر على ذلك الطريق من حفر يحفرونها عند جزر البحر فتنبع ماء عذباً، وهو من العجائب، وإذا مات للمارين بهذا الطريق ميت لم يمكنهم مواراته بالتراب لصلابة الأرض وامتناعها عن الحفر فيسترونه بالحطام والحشيش ويقذفونه في البحر. النوبهار (٦) : هو بيت نار بناه منوشهر الهندي بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك وتنقاد إليه وتحمل إليه الأموال، وسمة المتولي بسدانته برمك، وسميت
следующие страницы →