← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ترجمة نهاوند " وجدت كما هي " سميت بذلك لأنها لم توجد بعد الطوفان قرية فيها بقية سواها. ونهاوند (١) مدينة جليلة على جبل ذات سور طين، ولها بساتين وجنات وفواكه ومتنزهات ومياهها كثيرة وفواكهها تحمل إلى العراق لطيبها وكبرها وبها جامعان أحدهما قديم والآخر محدث، وهي كثيرة الرساتيق والعمارات. وفيها كان اجتماع الفرس لما لقيهم النعمان بن مقرن المزني سنة ثلاث وعشرين. قال الهمداني: لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى قرية فيها بقية سوى نهاوند. وكان عمر ﵁ قال للهرمزان (٢) : أما إذ فتني بنفسك فأشر علي، أبفارس أبدأ أو بالجبال: أذربيجان وأصبهان؟ قال: فارس الرأس، والجبال جناحان، فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس، قال عمر ﵁: بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح ولا رجل. وكتب ابن كسرى إلى أهل الجبال: أصبهان وهمذان وقومس: إن العرب قد ألحوا علي. فاجتمعوا بنهاوند وتعاقدوا على غزو أمير العرب يعنون عمر ﵁، في بلاده، فكتب أهل الكوفة بذلك إلى عمر ﵁: فقام على المنبر فقال: أين المسلمون أين المهاجرون والأنصار فاجتمع الناس. فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن عظماء أهل الري وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان، أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها، وقد تعاقدوا على أن يخرجوا إخوانكم من بلادهم، وأن يغزوكم في بلادكم فأشيروا علي وأوجزوا ولا تطنبوا، فمنهم من صرف الأمر إليه وولاه ما تولى، ليمن نقيبته وخبرته، ومنهم من أشار بأن يتوجه إليهم بأهل الحرمين وأهل اليمن والشام حتى يلتقي الجمع الجمع، ومنهم من أشار بأن يكتب إلى أهل البصرة فليفترقوا ثلاث فرق: فرقة في ديارهم، وفرقة في أهل عهدهم، وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة، قال: هذا رأيي وكنت أحب أن أتابع عليه، لعمري لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إلي الأعاجم لتنقضن الأرض وليمدنهم من لم يمدهم، وليقولن: أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب. فكتب (٣) إلى النعمان بن مقرن وكان بكسكر، وكان قد كتب إلى عمر ﵁: يا أمير المؤمنين إنما مثلي ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون له كل يوم وتعطر، وأنا أذكرك الله تعالى إلا بعثتني في جيش إلى ثغر غازياً ولا تبعثي جابياً، فندب عمر ﵁ أهل المدينة، فانتدب منهم جمع فوجههم إلى الكوفة وكتب إلى عمار بن ياسر ﵁ أن يستنفر ثلث أهل الكوفة فيسيروا إلى العجم بنهاوند فقد وليت عليهم النعمان بن مقرن، وكتب إلى أبي موسى ﵁ يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند، وكتب إلى النعمان: إني وجهت جيشاً من أهل المدينة وأهل البصرة وأهل الكوفة إلى نهاوند، وأنت على الناس ومعك في الجيش طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب فأحضرهما الناس وشاورهما في الحرب فإن حدث بك حدث فأمير الناس حذيفة، فإن قتل فجرير فإن قتل فالمغيرة بن شعبة. وبعث عمر (٤) ﵁ بالكتاب مع السائب بن الأقرع بن عوف وقال له: إن سلم الله تعالى ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم، فلا ترفعوا لي باطلاً ولا تمنعن أحداً حقه وإن هلك ذلك الجند فاذهب في الأرض فلا أرينك أبداً. فسار جميعهم إلى نهاوند وسار النعمان فتوافوا بنهاوند وبها من الأعاجم ستون ألفاً عليهم ذو الفروة، وهو ذو الحاجب، وقد خندقوا وهالوا في الخندق تراباً قد نخلوه وبعث النعمان طليحة بن خويلد ليعلم علم القوم، فأبطأ حتى ساء ظن الناس به، فعلم علمهم ثم رجع، فلم يمر بجماعة إلا كبروا، فأنكر ذلك منهم، وقال: ما لكم تكبرون إذا رأيتموني؟ قالوا: ظننا أنك فعلت كفعلتك قال: لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وأقام النعمان أياماً حتى يستجم الناس أنفسهم وظهرهم، ثم

стр. 597

دنا من معسكر الأعاجم فاقتتلوا ثم تحاجزوا عن قتلى وجرحى، وتقاتلوا من الغد حتى صبغت الدماء متن الخيل، وتحاجزوا عند المساء، فبات المسلمون يوقدون النيران ويعصبون بالخرق، لهم أنين بالجراح ودوي بالقرآن، وبات المشركون في المعازف والخمور وبهم من الجراح مثل ما بالمسلمين، وأصبحوا يوم الجمعة، فأقبل النعمان معلماً ببياض على برذون قصير، عليه قباء أبيض مصقول وقلنسوة بيضاء مصقولة فوقف على الرايات فحضهم وقال: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء قد أخطروا لكم أخطاراً وأخطرتم لهم أخطاراً، أخطروا لنا دنياً (١) وأخطرتم لهم الإسلام، فالله الله في الإسلام أن تخذلوه، فإنكم أصبحتم باباً بين المسلمين والمشركين فإن كسر الباب دخل على الإسلام، ليشغل كل امرئ منكم قرنه ولا يجعله على صاحبه فإنه لؤم وخذلان ووهل وفشل، وإني هاز الراية، فإذا هززتها فلتأخذ الرجال أهبتها، وليتعهد أصحاب الخيل أعنتها وحزمها، فإذا هززتها الثانية فليعرف كل امرئ منكم مصوب رمحه وموضع سلاحه ووجه مقاتله، فإذا هززتها الثالثة وكبرت فكبروا واستنصروا الله تعالى واذكروه، وإذا حملت فاحملوا، فقال رجل من أهل العراق: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، ونحن واقفون عند قولك، منتهون إلى رأيك، فأول النهار أحب إليك أو آخره؟ قال: آخره، حين تهب الرياح وتحل الصلاة وينزل النصر لمواقيت الصلاة، فأمهل الناس حتى إذا زالت الشمس هز الراية، فقضى الناس حوائجهم وشدت الرجال مناطقها ونزع أصحاب الخيل المخالي عن خيلهم وقرطوها أعنتها وشدوا حزمها وتأهبوا للحرب، ثم أمهل حتى إذا كان في آخر الوقت هزها وصلى الناس ركعتين، وجال أصحاب الخيل في متونها وصوبوا رماحهم فوضعوها بين آذان خيولهم، وأقبلت الأعاجم على براذينهم عليهم الرايات المدبجة والمناطق المذهبة، ووقف ذو الحاجب على بغلته، فإنه زي الأعاجم وهم في حربهم، وإن لأقدامهم في ركبهم لزلزلة، وإن الأسوار ليأخذ النشابة فما يسدد الفوق للوتر وما يتمالك أن يضعها على قوسه، فقال النعمان: يا معشر المسلمين، إني هاز الراية الثالثة، وحاملاً فاحملوا ولا يلو أحد على أحد، وإن قيل قتل النعمان فلا يلوين أحد على أحد، وإني داع بدعوة، فعزمت على كل رجل منكم إلا قال: اللهم أعط النعمان اليوم الشهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم. ثم نثل درعه وهز الراية وكبر فكبر الأدنى فالأدنى ممن حوله حتى عشيهم التكبير من السماء، وصوب رايته كأنها جناح طائر وحمل وحمل الناس، فكان أول صريع، ومر به معقل بن يسار فذكر دعوته ألا يلوي أحد على أحد، فجعل علماً عنده، ومر أخوه سويد بن مقرن أو نعيم فألقى عليه ثوباً كيلا يعرف ونصب الراية وهي تقطر دماً قد قتل بها قبل أن يصرع وسقط ذو الحاجب عن بغلته فانشق بطنه، وانهزم المشركون فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا. قال بعض من حضر ذلك اليوم: إني لفي الثقل فثارت بيننا وبين القوم عجاجة قسطلانية، فجعلت أسمع وقع السيوف على الهام، ثم كشطت فإذا المسلمون كالذئاب تتبع الغنم. واتبعتهم طائفة من المسلمين حتى دخلوا مدينتهم، ثم رجعوا وحوى المسلمون عسكرهم، ورجع معقل بن يسار فسار إلى النعمان بعد انهزام المشركين، ومعه إداوة فيها ماء، فغسل التراب عن وجهه، فقال: من أنت؟ قال: معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم قال: الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر ﵁، وفاضت نفسه، فاجتمع الناس وفيهم ابن الزبير وابن عمر ﵃، فأرسلوا إلى أم ولده فقالوا: عهد إليك عهداً؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فأخذوه فإذا كتاب عمر ﵁ إلى النعمان: إن حدث بك حدث فالأمير حذيفة، فإن قتل ففلان، فإن قتل ففلان، فتولى أمر الناس حذيفة ﵁، فأمر بالغنائم فجمعت ثم سار إلى مدينة نهاوند، وحملت تلك الغنائم إلى عسكرهم، وحضر أهل المدينة فقاتلوهم، فبينا هم يطاردونهم إذ لحق سماك بن عبيد عظيماً من عظمائهم يقال له دينار، فسأله الأمان فأمنه فأدخله على حذيفة ﵁، فصالحه عن البلد على ثمانمائة ألف وشيء من العسل والسمن، وقال: إن لكم الوفاء بالعهد، وأخاف عليكم خمسة أشياء: الخب والبخل والغدر والخيلاء والفجور من قبل القبط والروم وفارس ومن قبل أهل الأهواز. وأتى (٢) السائب بن الأقرع دهقان وقد جمعت الغنائم فقال: أتؤمنني على دمي ودماء قرابتي وأدلك على كنز النخيرجان، لم تجلبوا عليه في الحرب فيقسم وتجري عليه السهام، ولم تحرزوه بجزية أقاموا عليها، وإنما هو دفين دفنوه وفروا عنه فتأخذه لصاحبكم، يعني عمر ﵁، تخصه به؟ فقال: أنت

стр. 598

آمن إن كنت صادقاً، قال: فانهض معي، فنهض معه فانتهى إلى قلعة، فرفع صخرة ودخل غاراً فاستخرج سفطين، فإذا قلائد منظومة بالدر والياقوت وقرطة وخواتيم وتيجان مكللة بالجوهر، فأمنه ثم أتى به حذيفة ﵁ فأخبره، فقال: اكتمه فكتمه حتى قسم الغنائم بين الناس، وعزل الخمس. ثم خرج السائب مسرعاً فقدم على عمر ﵁، فقال له ما وراءك؟ فوالله ما نمت هذه الليلة إلا تغريراً، إذ ما أتت علي ليلة بعد الليلة التي أصبح رسول الله ﷺ فيها ميتاً أعظم من هذه الليلة قال: أبشر بفتح الله ونصره وحسن قضائه لك في جنودك، ثم اقتص الخبر حتى انتهى إلى قتل النعمان فقال: إنا لله، يرحم الله النعمان، ثم مه؟ قال: ثم والله ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه، فقال: لا أم لك ولا أب، قتل الضعفاء الذين لا يعرفهم عمر ابن أم عمر، وأكب طويلاً يبكي ثم قال: أصيبوا لضيعة؟ قال: لا ولكن أكرمهم الله بالشهادة وساقها إليهم، قال: ويحك، أغلبتم على أجساد إخوانكم أم دفنتموهم. قال: دفناهم، قال: فأعطيت الناس حقوقهم؟ قال: نعم، فنهض عمر ﵁، فأخذ السائب بثوبه وقال: حاجة، قال: ما حاجتك إذا أعطيت الناس حقوقهم؟ قال: حاجة لك وإليك، فجلس، وأخذ السائب الغرارة فأخرج السفطين ففتحهما فنظر إلى ما فيهما كأنه النيران يشب بعضه بعضاً، فقال عمر ﵁: ما هذا؟ فأخبره، فدعا علياً وعبد الله بن أرقم وغيرهما فختموا على السفطين وقال له: اختم معهم، فختمه، وقال لعبد الله بن أرقم: ارفعه، ورجع السائب. فرأى عمر ﵁ ليالي كالحيات يردن نهشه، فسرح رجلاً وكتب إلى السائب: إن صادفك رسولي في الطريق فلا تصلن إلى أهلك حتى تأتيني، وإن وصلت إلى أهلك فعزمة مني إليك، إذا قرأت كتابي هذا أن تشد على راحلتك وتقبل إلي. وكتب إلى عمار ﵄: لا تضعن كتابي هذا حتى يرحل السائب إلي، وأمر الرسول أن يعجله، فقدم الرسول فقال له السائب: أبلغه عني شيء أم به علي سخطة؟ قال: ما رأيت ذلك، ولا أعلمه بلغه عنك خير ولا شر، وركب فقدم على عمر ﵁ فقال له: يا ابن أبي مليكة، يا ابن الحميرية، ما لي ولك، أم ما لك ولي، ثكلتك أمك، ما الذي جئتني به؟ فلقد بت مما جئتني به مروعاً أظن الحيات تنهشني، أخبرني عن السفطين، قال: والله لئن أعدت عليك الحديث، فزدت حرفاً أو نقصت، لأكذبن، قال: إنك لما انصرفت فأخذت مضجعي لمنامي أتتني ملائكة فأوقدوا علي سفطيك جمراً ودفعوهما في نحري، وأنا أنكص وأعاهدهم أن أردهما فأقسمهما على من أفاءهما الله عليه، فكاد ابن الخطاب يحترق، ثم لم أزل مروعاً أظن الحيات ينهشنني، فاردد هذين السفطين فبعهما بعطاء الذرية والمقاتلة أو نصف ذلك، واقسم منهما على من أفاءهما الله عليه، وقيل، قال له: بعهما واجعل ثمنهما في أعطية المسلمين بالبصرة والكوفة، فإن خرج كفافاً فذلك، فإن فضل فاجعله في بيت مال المسلمين (١) ، فقدم السائب بهما فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء الذرية والمقاتلة، وقيل اشتراهما بأعطية أهل المصرين، فباع أحدهما من أهل الحيرة بما أخذهما به واستفضل الآخر. وقال بعضهم: استفضل مائة ألف دينار، فكان أول مال اعتقده. ولما انهزم أهل نهاوند جعلوا يسقطون في ذلك الخندق الذي هالوا فيه التراب المنخول فيغرقون في ذلك، وكان يقال لفتح نهاوند فتح الفتوح، قال موسى بن عقبة عن أخيه: قدمت البصرة فرأيت بها شيخاً أصم، فقلت: ما أصابك. قال: أنا من أهل نهاوند، لما نزل المسلمون عندما نزلوا عليها كبروا تكبيرة ذهب سمعي منها. وفي الروايات عن فتح نهاوند اختلاف كثير، فلنقتصر منه على هذا. النهروان (٢) : بالعراق، مدينة صغيرة من بغداد إليها مشرقاً أربعة فراسخ، ويقال بضم الراء وفتحها وكسرها مع النون، ويقال بضم النون والراء معاً أربع لغات، ولها نهر جليل تجري فيه المراكب العظام ينبعث من جبال أرمينية ويستمد من القواطل، فإذا صار بباب كسرى سمي النهروان، وفي الجانب الغربي منها أسواق ومسجد جامع ونواعر تسقي أرضها، وفي الجانب الشرقي مسجد جامع أيضاً وأسواق، وحول المسجد خانات ينزلها الحاج والميارة. وعليها كانت الوقيعة بين علي ﵁ وبين الخوارج

стр. 599

إذ خرجوا عليه وقالوا له: حكمت الرجال في دين الله تعالى، ما كان لك ذلك، يعنون أنه رضي ببعث الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاصي ﵄، ففارقوه، والخبر مشهور. نهر تيرى (١) : من كور الأهواز، مدينة صالحة القدر عامرة بالديار والأسواق، كثيرة الخيرات، وبها طرز تتخذ منها ثياب حسنة، قالوا: وبها دار لا تعمر، وكل من يسكنها لا يلبث فيها أكثر من يوم واحد ولا يجاوز الليلة إلى الغد. نهر معقل: بالبصرة ينسب إلى معقل بن يسار، وكان ابن زياد بن أبيه حفره وأمر معقلاً ففتحه تيمناً بصحبته، فنسب إليه. نهروارة (٢) : مدينة في بلاد الهند ملكها عظيم يسمى بلهرا له جيوش وفيلة، عبادته صنم البد، وهو يحمل تاج الذهب على رأسه ويلبس الحلل المنسوجة بالذهب، ويركب الخيل في سائر الأيام، ويركب في كل جمعة مرة، ويركب حوله نحو مائة امرأة، ولا يمشي معه أحد سواهن، وقد لبسن القراطق المذهبة وتحلين بأحسن الحلية واحتملن الأساور من الذهب والفضة في أيديهن وأرجلهن، وأسبلن شعورهن على أردافهن وهن يتدافعن ويتلاعبن والملك يقدمهن، فأما جملة وزرائه وعظماء رجاله فلا يركبون معه إلا إذا خرج محارباً لمن قام عليه أو اهتضم شيئاً من عمالاته، أو إلى من قصده من الملوك المجاورين له، وله الفيلة الكثيرة، وهي عمدة حربه. ويصل نهروارة كثير من تجار المسلمين، وللمسافرين بها إكرام من ملوكهم وضبط لما بأيديهم، وبسط العدل في أهل الهند طبيعة لا يعولون على شيء سواه، ولفضل عدلهم وحسن سيرتهم ذكروا هم وأهل تلك البلاد بخير، وكثر القاصد إليهم، فبلادهم عامرة وأحوالهم ناجحة وادعة، ومن انقياد عوامها للحق واتباعهم له وكراهيتهم للباطل أن الرجل منهم يكون له عند آخر حق فيلقاه حيث لقيه فيخط له خطاً في الأرض كالحلقة، يدخله الطالب في تلك الحلقة فيدخلها المطلوب طائعاً ولا يبرح منها إلا بإنصاف خصمه، أو يعفو عنه الذي له الحق، فيخرج من الحلقة. وطعام أهل نهروارة الأرز والحمص والباقلا واللوبيا والعدس والماش والسمك والحيوانات التي تموت موتاً طبيعياً، ولا يذبحون طائراً ولا حيواناً، فأما البقر فإنها محرمة عليهم، فإذا ماتت دفنت دون سائر البهائم. وأهل الهند يحرقون موتاهم ولا قبور لهم، فإذا مات الملك قطعت له عجلة عريضة ارتفاعها على الأرض مقدار شبرين وتوضع على العجلة قبة مكللة، ويوضع الملك عليها ويطاف به في المدينة كلها تجره عبيده، ورأسه مكشوف لمن يراه وشعره ينجر على تراب الأرض، وينادي عليه مناد بلسان الهند: أيها الناس هذا ملككم فلان ابن فلان، عاش في ملكه فارحاً قادراً كذا وكذا سنة، وها هو ذا قد مات وفتح يده بما معه، لا يملك من ملكه شيئاً ولا يدفع عن جسمه أذى، ففكروا فيما أنتم إليه صائرون وإليه راجعون، كل هذا باللغة الهندية، فإذا فرغ من التطواف به أخرج إلى مكان النار التي من عادتهم أن يحرقوا بها الموتى، موتى ملوكهم، فيلقونه في النار حتى يحترق. وأهل الهند لا يحزنون كثيراً ولا يقومون بالهموم جملة، وجملة البلاد الهندية المجاورة للسند الذين قد مازجهم المسلمون يدفنون موتاهم في بيوتهم بالليل تستراً، ويسوون التراب عليهم ولا يبكون ميتاً ولا يحزنون عليه كثيراً. والزنا في جميع بلاد البلهرا مباح إلا في المزوجات، والرجل إن ارتضى نكاح ابنته أو أخته أو خالته أو عمته، ما لم يكن مزوجات فعل. النوشجان (٣) : من بلاد فارس وفيها شعب بوان، فيه شجر الجوز والزيتون والكروم وغير ذلك من الفواكه، وهو أحد المواضع المشهورة بالحسن، وفيه يقول المتنبي: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان

стр. 600

نول لمطة (١) : من بلاد السوس الأقصى بالمغرب، بينها وبين وادي السوس الأقصى ثلاث مراحل، ومنها إلى البحر ثلاثة أيام، وبينها وبين سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة وفيها جزولة ولمطة. ومدينة نول إحدى مدن الإسلام، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط، وعليه قبائل لمطة ولمتونة، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو ثلاث مراحل، وإنما سميت نول لمطة لأن قبيل لمطة يسكنونها، وماؤها جار، وهي آخر بلاد السوس، ومن أراد الدخول من وادي درعة إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، فيمشي من وادي درعة نحو خمس مراحل إلى وادي تركى (٢) ، وهو أول الصحراء ثم يسير في جبال وعرة في طريق قد فتحت في حجر صلد بالنار والخل من عمل الأول ويزعم قوم أن ملوك بني أمية فتحوها، وهذه الطريق من إحدى عجائب العالم ومنها إلى جبل يسمى جبل الحديد ومن هذا الجبل يدخل إلى بلاد لمتونة، وأكثر لمتونة إنما هم رحالة لا يستقر بهم موضع، ولا يعرفون الحرث ولا الزرع ولا الخبز، وإنما لهم الأنعام الكثيرة فعيشهم من لبنها ولحمها، فهم يجففون اللحم ويطبخونه ويصبون عليه الشحم المذاب أو السمن ويأكلونه ويشربون عليه اللبن قد غنوا به عن الماء، فيبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب ماء ولا يأكل خبزاً، وربما نفذ عمره ولا يأكل خبزاً ولا يعرفه، وصحتهم مع ذلك متمكنة، وربما مرت بهم القوافل فيتحفون ملوكهم ورؤساءهم بالخبز والدقيق. وببلادهم (٣) يكون اللمط الذي تعمل من جلوده الدرق فلا شيء أبدع منها ولا أصلب ظهراً، وبها يقاتل أهل المغرب لحصانتها وخفة محملها، وتصنع بهذه المدينة السروج وأقتاب الإبل، وتباع بها الأكسية السفسارية والبرانس التي يباع الواحد منها بخمسين ديناراً، والبقر والغنم عندهم كثيرة، والألبان والسمن، وإليها يلجأ أهل تلك الجهات في مهم حوائجهم. وهذا الحيوان (٤) المسمى باللمط دابة دون البقر لها قرون رقاق حادة تكون لذكرانها وإناثها، وكلما كبر هذا الحيوان طال قرنه حتى يكون أزيد من أربعة أشبار، وأجود الدرق وأغلاها ثمناً ما عمل من جلود الإناث المسنات التي قد طالت قرونها لكبر سنها حتى منعت الفحل أن يعلوها. وببلادهم أيضاً الفنك كثير، ومن عندهم تحمل جلودها إلى جميع البلاد، وعندهم الكباش الدمانية، وهي على خلقة الضأن إلا أنها أعظم وشعرها كشعر المعز لا صوف عليها، وهي من أحسن الغنم خلقاً وألواناً. والريحان في بلاد الصحراء وفي بلاد السوس عزيز لأن بلادهم لا تنبته، وهو عندهم من أطيب الطيب. ومن عجائب (٥) هذه الصحراء أن بها معدن ملح تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن، ويوجد الملح تحت قامتين أو دونهما من وجه الأرض فيقطع كما تقطع الحجارة وعلى هذا المعدن حصن مبني بالحجارة المخرجة من المعدن وجميع ما فيه من بيوت وغرف ومساكن إنما هو مبني بحجارة الملح، وبهذا الملح يتجهز إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، وله غلة عظيمة، وبإزاء معدن الملح الماء العذب الطيب أخبر بذلك من عاينه. ومن مدينة نول إلى وليلي وهو موضع على شاطئ البحر المحيط بالقرب منه جزيرة في البحر لا يوصل إليها إذا مد البحر إلا في المراكب، وعند الجزر يوصل إليها على القدم، ويوجد فيها العنبر كثيراً، وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف، وهي أكثر شيء في ذلك الموضع وهي مفرطة العظم وربما دخل الرجل في محار ظهورها يصيد في البحر كالقارب، وفي هذه الجزيرة أغنام كثيرة ومواش، وهي منتهى المراكب وآخر مراسي المغرب، ومن مدينة نول إلى هذه الجزيرة على البر لا يفارق الساحل مسيرة شهرين في أرض محجرة تنبو عنها المعاول ويكل فيها الحديد، وإنما يشرب من يمر على ذلك الطريق من حفر يحفرونها عند جزر البحر فتنبع ماء عذباً، وهو من العجائب، وإذا مات للمارين بهذا الطريق ميت لم يمكنهم مواراته بالتراب لصلابة الأرض وامتناعها عن الحفر فيسترونه بالحطام والحشيش ويقذفونه في البحر. النوبهار (٦) : هو بيت نار بناه منوشهر الهندي بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك وتنقاد إليه وتحمل إليه الأموال، وسمة المتولي بسدانته برمك، وسميت

стр. 601

البرامكة لأن خالداً كان من ولد من ولي هذا البيت، وكان بنيانه من أعلى المباني تشييداً، تنصب في أعلاه شقق الحرير الأخضر، طول الشقة مائة ذراع لتدفع عنه قوة الريح، فيذكر أن الريح خطفت يوماً بعض تلك الشقق فرمت به على مسافة خمسين فرسخاً، وهذا يدل على ذهابه في الجو. وعلى باب النوبهار كتاب بالفارسية: قال بيوراسف: أبواب الملوك تحتاج إلى خصال: عقل وصبر ومال، وتحت هذه الكتابة مكتوب بالعربية: كذب بيوراسف، الواجب على الحر إذا كان معه واحدة من هذه الخصال ألا يلزم باب السلطان. نوابية (١) : إليها ينسب النوبة وبها عرفوا، وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير، ولباسهم الجلود المدبوغة وأزر الصوف ومنها إلى النيل أربعة أيام، وشرب أهلها من الآبار، وطعامهم الذرة والشعير، ويجلب إليهم التمر، والألبان عندهم كثيرة، وفي نسائهم جمال فائق ولهن أعراق طيبة ليست من أعراق السودان في شيء. وجميع بلاد النوبة في نسائهم جمال وكمال وشفاههم (٢) رقاق وأفواههم صغار ومباسمهم بيض وشعورهم سبطة، وليس في جميع السودان والزنوج والحبشة والبجاة وغيرهم من شعور نسائهم كشعور نساء النوبة فإنها سبطة مرسلة، ولا أحسن للجماع منهن ويبلغ ثمن الجارية منهن ثلثمائة دينار، ولهذه الخلال التي فيهن يرغب فيهن ملوك مصر، فيتنافسون في أثمانهن ويتخذونهن أمهات أولاد لحسنهن وطيب مباضعتهن. نيكث (٣) : مدينة من عمل الشاش جليلة المقدار كثيرة العمار والتجارات الواسعة والخيرات، وعليها سور حصين، ولها مياه جارية ومتنزهات، وبخارجها ربض عليه سور حصين وأكثر أسواقها العامرة في الربض. نيطس (٤) : بحر نيطس متصل من جهة جنوبه ببلاد اللازقة إلى أن يتصل بالقسطنطينية، وطوله ألف ميل وثلثمائة ميل، وعرضه ثلثمائة ميل، وأعرض موضع فيه يكون أربعمائة. وبحر نيطس هو بحر أمم من الترك والبرغز والروس وغيرهم، وهو يمر من الشمال من ناحية اللازقة ثلثمائة ميل، وهي وراء القسطنطينية، ويتصل هذا البحر من بعض جهاته ببحر الخزر. وفي بحر (٥) نيطس جزيرتان عامرتان: إحداهما يصاد بها الحوت المسمى شهربا (٦) ، وهو نوع من السقنقور يصاد عند هيجان البحر في مرسى بغربي الجزيرة يفعل مثل الذي يفعله السقنقور في الباه بل هو أجود وأفضل، فإن الصائد إذا رمى شبكته وتعلق بها هذا الحوت أنعظ إنعاظاً شديداً خارجاً عن العادة فيعلم به الصائد من قبل أن يراه، وهو قليل الوجود، ومقدار هذا الحوت من ذراع إلى شبر بلا زائد، يملح بعد التشريح بالملح والزنجبيل ويلف في أوراق الأترج ويهدى إلى الملوك الساكنين بتلك الأرض فيجيزون عليه، ومقدار ما يمسك منه الآخذ تحت لسانه وزن قيراط لا غير، وهذا عندهم صحيح معلوم. نينوى (٧) : كورة من كور الموصل من عمل الجزيرة، وهي مقابلة للموصل بينهما دجلة، وإلى أهلها بعث يونس بن متى ﵇، وكان قومه يعبدون الأصنام فكان من أمره وأمر قومه ما نصه الله تعالى في كتابه " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا "، وهي مدينة أيوب ﵇، وهي عامرة وفيها عين ثرة وهي التي استحم فيها أيوب ﵇ وتطهر وغسل نفسه من البلاء الذي كان به ينزل إليها في درج وليس بهذه المدينة أشجار، وهناك عين تعرف بعين يونس، ويأوي إلى المسجد النساك. وأول من بنى هذه المدينة ملك يقال له بسوس كان ملكه من

стр. 602

شاطئ دجلة إلى أرمينية إلى بلاد أذربيجان إلى حد الجزيرة والجودي، وكان ملك الموصل محارباً لملك نينوى، ثم غلب ملك الموصل على نينوى، ورجعت جميع هذه الممالك إلى ملوك فارس، حتى أتى الله بالإسلام، وقد خربت وآثار سورها بينة وأصنام من حجارة مكبوبة على وجوهها. ومن متأخري علماء نينوى محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النواوي صاحب كتاب " الأذكار المسبحة في الليل والنهار (١) " و " شرح كتاب مسلم " و " شرح المهذب " توفي بنينوى سنة ست وسبعين وستمائة. وذكر ابن عساكر أن الحسين بن علي ﵄ قتل بنينوى، وحكي عن بعضهم أنه كان مع علي ﵁ وهو ذاهب إلى صفين، فسمعه لما حاذى نينوى يقول: صبراً أبا محمد صبراً أبا محمد، فقلت: من أبو محمد يا أمير المؤمنين؟ فقال: الحسين، يقتل هاهنا. النيل: مدينة بين الكوفة وواسط. ونيل مصر من سادات الأنهار وأشراف البحار فإنه يخرج من الجنة على ما في الخبر: إن النيل وسيحان يخرجان من الجنة، وهو من عجائب العالم إذ لا يعرف له منبع. ومن الناس من يقول (٢) : أنه ينبع من تحت جبل القمر وراء خط الاستواء بسبع درجات ونصف درجة، يخرج من اثنتي عشرة عيناً هناك، فيجتمع في بحيرتين هنالك كالبطائح، ثم يتشعب من كل بطيحة ثلاثة أنهار تجتمع جميعها إلى بطيحة من الإقليم الأول، فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر وغيره من الأنهار الكبار، وذلك في البلاد المحترقة الجنوبية التي لا يكون فيها نبات ولا حيوان لقرب الشمس من ذلك الموضع قيل فينبعث نيل مصر في رمال وجبال، ثم يخترق أرض السودان ما يلي بلاد الزنج، ثم ينبعث منه خليج يشق بلاد الزنج ويصب في بحر الزنج وتظهر في هذا الخليج الزيادة التي تظهر في نيل مصر. وفيه التمساح الكائن في نيل مصر، والحيوان الذي (٣) يسمى الورل الذي يكون في الصحراء والبراري إنما أصله من التمساح، وذلك أن التمساح يخرج من النيل ليسرح على الساحل، فربما جزر عنه الماء فيبقى في البر فيتناسل فيكون منه الورل المشهور، والتمساح لا يوجد إلا في نيل مصر أو في نهر أصله من ماء واحد مع نيل مصر. وفي نيل مصر السمك الرعاد، من صاده لم تزل يده ترعد ما دام في شبكته، وعلى النيل جبل يراه أهل تلك الجهة وفيه صدع من انتضى سيفه ثم أولجه فيه وقبض على مقبضه بيده جميعاً اضطرب السيف في يديه فارتعد فلا يقدر على إمساكه ولو كان أشد الناس، وإذا حد بحجارة هذا الجبل سكين أو سيف لا يؤثر فيه حديد أبداً وجذب الإبر والمسال أشد جذباً من المغنيطس، ولا يبطل الثوم عمله كما يبطل المغنيطس، وحجر الجبل نفسه لا يجذب الحديد وإن حد عليه حديد جذب ذلك الحديد وهذا من العجب. ويقال إن نيل مصر يجري على وجه الأرض سبعمائة فرسخ أو تسعمائة ويخرج في غير عمران مسيرة أربعة أشهر، وفي بلاد السودان مسيرة شهرين، وفي بلاد مصر مسيرة شهر، من أسوان إلى أن يصب في البحر بحلق رشيد بشرقي الإسكندرية. وذكر هروشيوش الرومي في تاريخه أن من منبعثه إلى موقعه ثلثمائة ألف وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثين ميلاً. والنيل مخالف لكل نهر من أنهار الأرض لأن كل نهر يستقبل الجنوب والنيل يستقبل الشمال، فهو مخالف لجميع أنهار الأرض كلها وعلة ذلك أن منبعثه من الجنوب، قال الشاعر: مصر ومصر شأنها عجيب ونيلها تجري به الجنوب قيل: وليس في الدنيا نهر يسمى بحراً ويماً غير النيل، قال تعالى " فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " والعرب تسميه البحر، وليس في الدنيا نهر يفيض على الأرض فيزرع عليه ويغني عن المطر غير نيل مصر. وقيل: بلاد مصر ثلاثة أشهر درة

стр. 603

بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء وثلاثة أشهر زمردة خضراء وثلاثة أشهر سبيكة حمراء، وتفسير ذلك أن النيل إذا استوى عم جميع الأرض من بلاد مصر فتبقى قراها وضياعها في رواب وتلال كأنها الكواكب ويتصرف الناس بينها في الزواريق، فتكون الأرض كدرة بيضاء ويمكث عليها ثلاثة أشهر فإذا نضب عنها الماء أخذ الحراثون في بذر الزرع فتمكث الأرض سوداء إلى أن ينبت الزرع وتظهر خضرته ثلاثة أشهر فكأن الأرض مسكة سوداء وأيضاً فإنه تفوح فيها روائح طيبة عطرة، فإذا كبر الزرع وظهرت خضرته كانت الأرض كأنها زبرجدة خضراء، وبقيت كذلك ثلاثة أشهر إلى أن يصفر الزرع (١) ، وييبس ويتناهى فتكون الأرض عند ذلك كأنها سبيكة ذهب حمراء وبقيت كذلك ثلاثة أشهر حتى يتم الحصاد. وذكر أن مصر في كتب الأوائل مصورة، وسائر البلاد مادة إليها أيديها تستطعمها، يريد أنها أكثر بلاد الله زرعاً. وليلة الغطاس (٢) بمصر أعجب شيء وهي لعشر يمضين من كانون الآخر، وهو شهر ينير، وحينئذ ينتهي مد النيل ويأخذ في الانحطاط. وأصفى ما يكون ماء النيل في ذلك الوقت، ولهذه الليلة بمصر شأن عظيم، يخرج الناس أجمعون بتلك الليلة لمشاهدتها، ويعدون ما قدروا عليه من الأطعمة والأشربة، ويلبسون أحسن ملابسهم، ويظهرون ما أمكنهم من الجواهر وأواني الذهب والفضة، وأحضروا جميع الملاهي، ويدخل الناس في الزواريق وبعضهم في الدور المشرفة على النيل، يستعملون المشاعل والشمع الكثير، فيحرق بمصر تلك الليلة من الشمع ما لا يحصى، والناس على شطوط النيل في الزواريق وفي الدور المشرفة على النيل بالطبول والأبواق وجميع الملاهي، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأكملها سروراً، ويغطس أكثر الناس في النيل، ومن لم يغطس يرش عليه من الماء، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض. وذكر محمد بن محمد بن ادريس (٣) أن النيل على قسمين: القسم الأول نيل مصر يشق أرضها من الجنوب إلى الشمال وأكثر مدن مصر على ضفتيه معاً، والقسم الثاني من النيل يمر من جهة المشرق إلى أقصى المغرب، وعلى هذا القسم من النيل جميع بلاد السودان أو أكثرها، وهذان القسمان مخرجهما من جبل القمر فوق خط الاستواء بست عشرة درجة، وان مبدأ النيل من هذا الجبل من عشر عيون فأما الخمسة الأنهار منها فإنها تصب وتجتمع في بطيحة كبيرة، والخمسة الأنهار الأخر تنزل أيضاً من الجبل إلى بطيحة أخرى كبيرة، ويخرج من كل واحدة من هاتين البطيحتين ثلاثة أنهار فتمر بأجمعها إلى أن تصب في بطيحة كبيرة جداً (٤) وتفترق منها الأنهار فيخرج ذراع من النيل واحد فيمر في جهة المغرب وهو قبلي بلاد السودان الذي عليه أكثر بلادها، ويخرج منه ذراع آخر فيمر إلى جهة الشمال، ويشق في بلاد النوبة وبلاد أرض مصر وينقسم في أسفل أرض مصر على أربعة أقسام فثلاثة منها تصب في البحر الشامي، وقسم واحد يصب في البحيرة الملحة التي تنتهي إلى قرب الاسكندرية، وبين هذه البحيرة والإسكندرية ستة أميال وهي لا تتصل بالبحر بل هي من فيض النيل ومع الساحل قليلاً. وذكر قدامة (٥) أن جرية النيل من مبدأه إلى مصبه في البحر الشامي خمسة آلاف ميل وستمائة ميل وأربعة وثلاثون ميلاً، وعرض النيل في بلاد النوبة ميل واحد، وعرضه قبالة مصر ثلث ميل. وفي البطيحات الصغار وما بعدها من النيل التمساح وفيها الحوت المسمى بالخنزير، وهو ذو خرطوم أكبر من الجاموس ويخرج إلى الجهة المجاورة للنيل فيرعى الزرع بها ويرجع إلى النيل، وفي النيل سمكة مدورة حمراء الذنب يقال لها اللاش لا تظهر فيه إلا بذرة، وهي كثيرة اللحم طيبة الطعم، وفيه أيضاً سمك يسمى الابرميس (٦) ، وهو حوت أبيض مدور أحمر الذنب يقال إنه ملك السمك وهو طيب الطعم لذيذ يؤكل طرياً ومملوحاً إلا أنه لطيف، وفيه أيضاً الراي (٧) وهو سمك كبير لونه أحمر فيه كبير وصغير، وفيه سمك يقال له البني كبير عجيب الطعم في الواحد منه خمسة أرطال وعشرة أرطال، وفيه سمك في صورة الحيات، وفيه السمك الرعادة إذا مسها الإنسان ارتعدت يده حتى تسقط منها، وفيه كلاب الماء وفرس الماء وفيه خلقة الفرس، وحوافره مثل أرجل البط تنضم إذا

стр. 604

رفعتها وتنتفخ إذا وضعتها، وله ذنب طويل، وفيه السقنقور وهو صنف من التمساح يشاكل السمك من جهة يديه ورجليه ولا يشاكل التمساح وشحمه يتعالج به للجماع وكذلك ملحه الذي يملح به، والسقنقور لا يكون في النيل إلا بمكان من حد أسوان، والتمساح لا يكون إلا في نيل مصر، وهو مستطيل الرأس وطول رأسه نحو طول نصف جسده، وهو بري وبحري لأنه يخرج إلى البر ويقيم به اليوم والليلة يدب على يديه ورجليه ويضر في البر وأكثر ضرره في الماء ثم إن الله سلط عليه دابة من دواب النيل يقال لها اللشك ترتقبه وترصده حتى يفتح فاه فإذا فتحه وثبت فيه فتمر في حلقه ولا تزال تأكل كبده وأمعاءه حتى تفنيه فيموت، وفي النيل أيضاً البوري والشابل. نيق العقاب (١) : بين مكة والمدينة، فيه لقي أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة أخو أم سلمة رسول الله ﷺ عام فتح مكة فحجبهما رسول الله ﷺ وأبى من لقائهما، فقالت أم سلمه: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال ﷺ : " أما ابن عمي فقد هتك عرضي وأما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال " ثم أذن لهما فأسلما، والقصة أطول من هذا. نيسابور (٢) : سميت بذلك لأن سابور مر بها فلما نظر إليها قال: هذه تصلح لأن تكون مدينة فأمر بها فقطع قصبها ثم كبس ثم بنيت فقيل لها نيسابور وهي من بلاد خراسان، وهو بلد واسع افتتحه عبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاثين وهي أرض سهلة ليس بها ماء جار إلا نهر يخرج إليهم فضله في السنة ولا يدوم ماؤه وهو فضل ماء هراة، وهي مدينة يكون قدرها قدر نصف مرو. ومن نيسابور جماعة من أكابر الفضلاء، ولو لم يكن إلا الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب " المسند الصحيح " ويقال أيضاً: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى النيسابوري (٣) . ونيسابور (٤) مدينة جميلة في مستو من الأرض وأبنيتها من طين، وهي قديمة البناء، وقدر مساحتها ثلاثة أميال في مثلها ولها ربض كبير آهل دائر بها، ومسجد جامعها في ربضها، ولها قصبة منيعة، ولها أربعة أبواب: باب القنطرة، وباب سكة معقل، وباب القصبة، وباب قنطرة دومكين، ولها نهر يشربون منه ويسقون رساتيقهم، وبينها وبين سرخس ست مراحل، ورساتيقها عامرة وفيها مدن كثيرة، ونيسابور قلب لما حولها من البلاد والأقطار. وهي في أرض (٥) سهلة مقدارها فرسخ في مثله، وقهندزها متصل بمدينتها خارج عنها ويحف بهما جميعاً ربض، وجامعها بموضع يعرف بالعسكر، ودار الإمارة بمكان يعرف بميدان الحسين، وبين المسجد الجامع ودار الإمارة ربع فرسخ، ودار الإمارة من بناء عمرو بن الليث، وأسواقها خارجة عن المدينة في الربض، ومعظمها سوقان: المربعة الكبيرة والمربعة الصغيرة، فإذا أخذت من المربعة نحو المغرب فالسوق ممتدة إلى مقابر الحسن، وفي خلال هذه الأسواق خانات يسكنها التجار للبيع فيها، يضاهي كل فندق منها سوقاً من أسواق بعض البلدان. وليس بخراسان مدينة أصح هواء ولا أرحب فناء ولا أشد عمارة ولا أمكن تجارة ولا أكثر سابلة ولا أغزر فائدة من نيسابور، ويرتفع منها من أصناف البز وفاخر الثياب القطن والقز ما يعم البلاد وتؤثره الملوك ويتنافس فيه الرؤساء، ولها حدود واسعة ورساتيق عامرة ومدن معروفة. وكانت دار الإمارة في القديم بخراسان مرو وبلخ إلى أيام الطاهرية فإنهم نقلوها إلى نيسابور فعمرت وعظمت أحوالها وشهر بالعلم رجالها. وفي سنة (٦) ثمان عشرة وستمائة نزل الططر على نيسابور وهي حينئذ عروس خراسان، ومحط التجار من سائر البلدان، وبها الطراز الأعظم، وفيها من الأئمة والعلماء والسادة والكبراء خلق لم يجتمع في سواها وقد طابت غلاتها فراموا فيها مكراً بتأمين أو خديعة، فقال أهلها: الكلب خير من صاحب أمرهم فإنه يحفظ العهد وهو ما له عهد ولا يفي بقول قد غدر بأهل بخارى وأهل سمرقند وغيرهما، فكيف ننخدع بعدما سمعنا، وفينا من يرغب في

стр. 605

الشهادة وما برحوا يقاتلون حتى دخل الططر عليهما محلة فمحلة، ولم يبقوا على أحد حتى انهم قتلوا الأطفال وكثيراً من النساء، إذ كان فيهن من يرمي عليهم الحجارة من السطوح، وخربوا المدينة وتركوها موحشة وساروا إلى أختها مرو. نيقية (١) : قديمة أزلية كبيرة من عمل القسطنطينية، لها بحيرة عذبة طولها اثنا عشر ميلاً، وهي قديمة لا يعرف بانيها، وفي بحيرتها المذكورة ثلاثة أجبل، ومن البحيرة إلى المدينة باب صغير فإذا طرقهم خوف أو فاجأهم أمر أخرجوا الذراري من الحصن إلى الزوارق ثم ساروا إلى تلك الجبال معتصمين بها. وهي مدينة جليلة كبيرة. وفي بحيرتها حوت طوله متر، لونه إلى الخضرة دقيق الشوك إذا طبخ مع النخالة واعتصرت وشرب عصارتها نفعت في السعال المزمن مرة واحدة، ويوجد بها على ضفتها أحجار خاوية خفاف صفراء إذا علق الحجر منها على فخذ المرأة التي في الطلق أسرعت ولادتها بلا تأخير، قد جرب ذلك فصح. ومن نيقية إلى عمورية ثمانية أيام.

стр. 606

فراغ

стр. 607

حرف الهاء الهاشمية: مدينة بالعراق. قالوا (١) : لما جاء السفاح أمير المؤمنين نزل الكوفة أول أمره ثم انتقل إلى الأنبار فبنى على شاطئ الفرات الهاشمية، وتوفي قبل أن تستتم المدينة. وقيل لما ولي أبو جعفر الخلافة بنى مدينة بين الكوفة والجزيرة سماها الهاشمية، فأقام بها مدة إلى أن عزم على توجيه ابنه محمد المهدي لغزو الصائفة في سنة أربعين ومائة، فسار إلى بغداد وشرع في بنيانها. قالوا (٢) : ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر المنصور، فلما نظر إليه قال: هيه يا معن تعطي ابن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زادت به ... شرفاً إلى شرف بنو شيبان قال: كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله: ما زلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمان فحميت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان فقال: أحسنت يا معن، وكان معن من أصحاب يزيد بن هبيرة، وكان مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وكان قد شغب فيه عدة من أهل خراسان، فإنه حضر وهو معتم متلثم، فلما نظر إلى القوم قد وثبوا على المنصور تقدم، ثم جعل يضربهم بالسيف قدامه، فلما أفرجوا وانصرفوا قال: من أنت ويحك؟ فحسر عن وجهه وقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة، فلما انصرف المنصور أمنه وحباه وأكرمه وكساه ورتبه. هلبك (٣) : من بلاد الختل (٤) ، مدينة حسنة البقعة رائقة الرقعة كثيرة البساتين والمتنزهات وبناؤها بالطين والآجر والجيار، وبها أسواق كثيرة وقوم مياسير والسلطان ينزل بها. الهاروني (٥) : قصر على دجلة بناه هارون الواثق بن المعتصم، وكان نزله جعفر المتوكل بن المعتصم وآثره على جميع قصور المعتصم. الهباءة (٦) : ممدود، موضع بقرب الربذة كانت فيه وقعة لعبس على ذبيان، وقتل فيها حذيفة بن بدر وأخوه حمل، قال قيس بن زهير يرثيه:

стр. 608

تعلم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم وفي القصيدة المشهورة للتطيلي الأعمى التي أولها (١) : ألا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان يقول فيها: وعوجا على جفر الهباءة واعجبا ... لضيعة أعلاق هناك ثمان هجر (٢) : بفتح الجيم قصر من قصور مأرب. وهجر (٣) ، بفتح أوله وثانيه، مدينة البحرين، وهي معرفة (٤) لا تدخلها الألف واللام سميت بهجر بنت مكنف من العماليق. وفي سنة (٥) سبع وثمانين ومائتين دخل أبو سعيد القرمطي هجر بعد حصار أربع سنين فدخل إلى قوم هلكى ضعفاً وهزلاً وبعد أن كان الوبأ قد وقع فيهم فمات منهم خلق كثير قتل منهم القرمطي ثلثمائة ألف وطرحهم أحياء في النار، ونجا منهم قوم قليل إلى جزيرة أوال ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلاً، وكانت محنتهم عظيمة. وهجر مشهورة بالتمر وكثرته، فيها قيل: كمهدي التمر إلى هجر. وهجر (٦) مدينة ملك البجاة، وهم أصحاب إبل، ولهم حراب يحاربون بها على إبلهم وهم عبدة أوثان، ولهم صنم من حجارة في صورة الصيني يسجدون له وأحكامهم أحكام التوراة. ولم يكن (٧) لهم عهد ولا صلح، وأول من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب ويقول بعض الشيوخ إنه قرأ كتاب ابن الحبحاب فإذا فيه ثلثمائة بكر في كل عام، حتى ينزلوا الريف مجتازين، تجاراً غير مقيمين، على أن لا يقتلوا مسلماً ولا ذمياً وإن قتلوا فلا عهد لهم، ولا يؤوا عبيد المسلمين، وأن يردوا أباقهم. هرشى (٨) : بفتح أوله وإسكان ثانية مقصور على وزن فعلى جبل من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية لا تنبت شيئاً وهي قريبة من الجحفة يرى منها البحر، وقال الشاعر: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق وروي أن رسول الله ﷺ رأى خالد بن الوليد ﵁ متدلياً من عقبة هرشى فقال: " نعم الرجل خالد بن الوليد ". وفي كتاب مسلم أنه ﷺ أتى على ثنية هرشى فقال: " أي ثنية هذه "؟ قالوا: ثنية هرشى، قال ﷺ : " كأني أنظر إلى يونس بن متى ﵇ على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي ". هرقلة (٩) : بالشام في بلاد الروم، كان الرشيد نزل عليها وحصرها سنة تسعين ومائة، وكان طاغية الروم نقفور بن استبراق (١٠) قد هادنه، ثم نكث، وكان الرشيد مريضاً فكرهوا تعريفه بذلك لمرضه فدخل عليه من أنشده: نقض الذي أعطاكه نقفور ... وعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير في أبيات غير هذه فقال الرشيد: أو قد فعل؟ ثم جهز وغزاه

стр. 609

فنزل على هرقلة هذه، وكان معه أهل الثغور، وفيهم شيخا الثغور الشامية: مخلد بن الحسين وأبو إسحاق الفزاري صاحب كتاب السير، فخلا الرشيد بمخلد بن الحسين فقال: أيش تقول في نزولنا على هذا الحصن؟ فقال: هذا أول حصن لقيته من حصون الروم، وهو في نهاية المنعة والقوة، فإن نزلت عليه وسهل فتحه لم يتعذر عليك فتح حصن بعده، فأمره بالانصراف ودعا بأبي إسحاق الفزاري فقال له مثل ما قال لمخلد، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا حصن بنته الروم في نحر الدروب، وجعلته لها ثغراً من الثغور، وليس بالآهل، فإن فتحته لم يكن فيه ما يعم المسلمين من الغنائم، وإن تعذر فتحه كان ذلك نقصاً في التدبير، والرأي عندي أن يسير أمير المؤمنين إلى مدينة عظيمة من مدن الروم، فإذا فتحت عمت غنائمها المسلمين، وإن تعذر ذلك قام العذر، فقال الرشيد: القول قول مخلد، ونزل على هرقلة ونصب حواليها الحرب سبعة عشر يوماً فأصيب خلق من المسلمين، وفنيت الأزودة والعلوفات، وضاق صدر الرشيد من ذلك، فأحضر أبا إسحاق الفزاري فقال: يا إبراهيم قد ترى ما نزل بالمسلمين، فما الرأي الآن عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد أشفقت من هذا وقدمت القول فيه، ورأيت أن يكون الحرب والجد من المسلمين على غير هذا الحصن، والآن فلا سبيل إلى الرحيل عنه من بعد المباشرة، فيكون ذلك نقصاً في الملك ووهناً على الدين، وإطماعاً لغيره من الحصون في الامتناع على المسلمين والمصابرة لهم، ولكن يا أمير المؤمنين تأمر بالنداء في الجيش: أن أمير المؤمنين مقيم على هذا الحصن حتى يفتحه الله على المسلمين، وتأمر بقطع الحجارة وجمع الخشب وبناء مدينة بإزاء هذا الحصن إلى أن يفتحه الله تعالى، ولا يكون هذا الخبر ينمي إلى من في الحصن (١) إلا على المقام فإن رسول الله ﷺ قال: " الحرب خدعة "، وهذه حرب حيلة لا حرب سيف. فأمر الرشيد بالنداء من ساعته، فحملت الحجارة وقطع الشجر، وأخذ الناس في البناء، فلما رأى أهل الحصن ذلك جعلوا يتسللون في الليل ويدلون أنفسهم في الحبال (٢) إلى أن أسلموها وتركوها وهي الآن خراب تعرف بهرقلة. وقال سهل (٣) الترجمان: كنت مع الرشيد حين نزل على هرقلة ففتحها، فرأيت فيها حجراً مكتوباً عليه باليونانية، فجعلت أترجمه والرشيد ينظر إلي وأنا لا أعلم، وكانت ترجمته: بسم الله الرحمن الرحيم يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك إفراط السرور على المآثم، ولا تحمل نفسك هم يوم لم يأت فإنه إن يكن من أجلك يأت الله فيه برزقك، ولا تكن من المغرورين من جمع المال، فكم قد رأينا جامعاً لبعل حليلته ومقتراً على نفسه توفيراً لخزانة غيره، وكان تاريخ الكتاب في ذلك اليوم زائداً على ألفي سنة. وباب هرقلة (٤) مطل على واد وخندق يطيف بها. وذكر جماعة من أهل الثغور أن أهل هرقلة لما اشتد بهم الحصار وعضتهم الحرب بالحجارة والنار والسهام، فتح الباب فاستشرف المسلمون لذلك، فإذا رجل من أهلها كأجمل الرجال قد خرج في أكمل السلاح فنادى: يا معشر العرب قد طالت مواقفتكم إيانا، فليخرج إلي منكم الرجل والعشرة إلى العشرين مبارزة، فلم يخرج إليه من الناس أحد ينتظرون إذن الرشيد، وكان الرشيد نائماً، فعاد الرومي إلى حصنه، فلما هب الرشيد أخبر بذلك، فتأسف ولام خدمه على تركهم إيقاظه، فقيل يا أمير المؤمنين: إن امتناع الناس منه اليوم سيطمعه ويطغيه، وأحر به أن يخرج في غد فيعود لمثل قوله، فطالت على الرشيد ليلته، وأصبح كالمنتظر له، إذ فتح الباب فإذا بالفارس قد خرج وعاد إلى كلامه، فقال الرشيد: من له؟ فابتدره جلة القواد فعزم على إخراج بعضهم، فضج أهل الثغور والمطوعة بباب المضرب، فأذن لبعضهم، وفي مجلسه مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، فدخلوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، قوادك مشهورون بالبأس والنجدة وعلو الصيت ومباشرة الحرب، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذلك، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر وثلمة لا تسد، ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صوت (٥) ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يختار منا رجلاً يخرجه إليه فعل، فاستصوب الرشيد رأيهم، قال مخلد وإبراهيم: صدقوا يا أمير المؤمنين، فأوموا إلى رجل منهم يعرف بابن الجزري مشهور في الثغور معروف بالنجدة، فقال له الرشيد: تخرج؟

стр. 610

قال: نعم وأستعين بالله عليه، فقال: أعطوه فرساً ورمحاً وسيفاً وترساً فقال: يا أمير المؤمنين أنا بقوسي أوثق، ورمحي في يدي أسد (١) ، ولكن قد قبلت السيف والترس، فلبس السلاح، واستدناه الرشيد فودعه وأتبعه الدعاء، وخرج معه عشرون من المطوعة. فلما انقض (٢) في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحداً واحداً: إنما كان في الشرط عشرون وقد ازددتم رجلاً، ولكن لا بأس، فنادوه: ليس يخرج إليك منا إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله العلج وقد أشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون صاحبهم، فقال له الرومي: أتصدقني عما أسألك عنه؟ قال: نعم، قال: أنت ابن الجزري بالله؟ قال: اللهم نعم، ثم أخذا في شأنهما، فاطعنا حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرسان يقومان تحتهما، وليس منهما واحد خدش صاحبه، ثم رميا برمحيهما، هذا نحو أصحابه وهذا نحو حصنه، وانتضيا سيفيهما وقد اشتد الحر عليهما وتبلد جواداهما فجعل ابن الجزري يضرب الرومي الضربة التي يظن أنه بالغ فيها، فيتقيها الرومي، وكانت درقته حديداً، فيسمع بذلك صوت منكر، ويضربه الرومي فينغرز سيفه (٣) لأن ترس ابن الجزري كان درقة ثبتية، وكان العلج يخاف أن يعض السيف (٤) فيعطب، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فدخلت الرشيد والمسلمين كآبة لم يصبهم مثلها، وفرح المشركون، وإنما كانت حيلة من ابن الجزري، فاتبعه العلج وعلا عليه، فلما تمكن منه ابن الجزري رماه بوهق، فاختطفه من سرجه، ثم عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون وانكسر المشركون وبادروا الباب ليغلقوه. واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد أن يجعلوا في حجارة المنجنيق النار، فليس عند القوم دفع بعد هذا، وعاجلهم المسلمون إلى الباب فدخلوها بالسيف، وقيل إنهم بادروا بالأمان، وافتتاحها عنوة أشهر من قول من قال فتحت صلحاً، قال الشاعر في ذلك (٥) : هوت هرقلة لما أن رأت عجباً ... حوائماً (٦) ترتمي بالنفط والنار كأن نيرانها في جنب قلعتهم ... معلقات (٧) على أرسان قصار وصبت الأموال على ابن الجزري وقود وخلع عليه، فلم يقبل شيئاً من ذلك، وسأل أن يعفى ويترك على ما هو عليه، وفي ذلك يقول أبو العتاهية: ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق للصواب غدا هارون يوعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها مر السحاب أمير المؤمنين ظفرت فاسلم ... وابشر بالغنيمة والإياب هرقلية (٨) : بلد قديم قريب من المهدية على طريقها من تونس. هراة (٩) : بلد في خراسان بقرب بوشنج، وهي مدينة عامرة لها ربض محيط بها من جوانبها، وداخلها مياه، والنهر جار على باب المدينة وعليه قنطرة، وعلى سائر أبوابها مياه جارية وبساتين، إلا أن الباب الذي عليه القنطرة لا ترى بعد عبورك لها جرية ماء ولا اخضرار نبات وماء هراة (١٠) يخرج من قرب مخرج ماء مرو، ويجري في

стр. 611

الجبال إلى أن يخرج في أعلى هراة حتى يشق بلاد هراة فيصير إلى بوشنج ثم ينحدر منها إلى سرخس ورساتيقها وتنبعث منه أنهار تعرف بخشكرود، وعلى الخشكرود قنطرة عظيمة، وفي هراة قهندز ومسجد جامع، ودار الإمارة خارج الحصن بمكان يعرف بخراسان اباد منقطع عن المدينة، بينه وبين المدينة ثلاثة فراسخ، وهي على طريق بوشنج غربي هراة، وهراة مقدار نصف فرسخ في مثله، ولها أربعة أبواب، منها باب من ناحية الشمال يخرج منه إلى بلخ يعرف بباب سراي (١) ، والمسجد الجامع في المدينة وحوله الأسواق، وعلى رأس الجبل الذي يلي هراة بيت نار يدعى سرشك وهو معمور، ولهراة أربعمائة قرية فيما بينها سبع وأربعون دسكرة، كل واحدة تشتمل على عشرة نفر إلى عشرين، ولهراة من الأرحاء ثلثمائة وأربع وعشرون، وهذا الجبل الذي هراة في سفحه هو من آخر حدود باذغيس (٢) مما يلي سرخس مشرقاً حتى يتصل بجبل الفضة ورستاق كنج ومرو الروذ والطالقان والجوزجان، حتى يتصل بالباميان، وعن يمين هذا الجبل اسفرايين وسجستان وبست والرخج (٣) ، وعن يساره مرو الروذ وغيرها، وهو مستقبل بوشنج وهراة، فهو حاجز بين الحدود، وفي الجبل نفسه أمم وفيه أكثر من ثلثمائة قرية. وافتتح هراة الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وإليها ينسب الهروي صاحب الغريبين (٤) . وهي مدينة (٥) كبيرة عامرة لها ربض، وفي مدينتها قصبة، ولها أبواب كثيرة كلها خشب مصفحة بحديد إلا باب سراي فإنه كله حديد، والمسجد الجامع في المدينة، والأسواق محيطة به، والسجن في قبلته، وبها من فقهاء المسلمين وعلمائهم خلق كثير، وهي فرضة خراسان وسجستان وفارس. وفي سنة (٦) ثمان عشرة وستمائة نزل الططر على هراة، وهي إحدى أمهات خراسان، فاستولوا عليها وقتلوا منها خلقاً عظيماً، وجرى الططر على عادتهم المذمومة من قتل الأطفال والعيث، وقتلوا في جامعها المشهور بالخير من العلماء والصالحين والمنقطعين عدداً كثيراً ثم مضوا منها إلى الطالقان. الهرم اس (٧) : نهر نصيبين المسمى بالخابور، وعليه قنطرة حجارة، ويصب فيه ماء الثرثار إلى دجلة. الهرم (٨) : أحد أهرام مصر، وخبر الأهرام مشهور، وعلى ستة أميال من مصر الهرمان، وهما بناءان في مستو من الأرض، طول كل واحد منهما ارتفاعاً في الجو نحو أربعمائة ذراع، وعرضه في الدائر كارتفاع الكل مبني بحجارة الرخام، وارتفاع كل حجر خمسة أشبار، وطوله خمس عشرة ذراعاً إلى العشرين (٩) وأزيد وأنقص، وكلما ارتفع بناؤه على وجه الأرض ضاق حتى يصير أعلاه نحو مبرك جمل، وبين الهرم والهرم نحو خمسة أميال، وفي بعض حيطانه كتابة درس أكثرها. هرمز (١٠) : مدينة بمقربة من جيرفت من عمل كرمان، وتسمى قرية الجوز (١١) وهي كانت مدينة هرمز، وفيها كانت مملكته إلى أن هلك، وانفصل الملك عنها إلى الشيرجان، وساكنوها من أهلها وأخلاط من الناس، وهي مدينة حسنة، الداخل والخارج إليها كثير، وهي كثيرة المياه، وبها أسواق وتجارات، وبينها وبين جيرفت غرباً مرحلة. هكر (١٢) : مدينة باليمن، وفي شعر امرئ القيس: أو كبعض دمي هكر.

стр. 612

همذان (١) : بالذال المعجمة، مدينة من عراق العجم من كور الجبل، كبيرة جداً فرسخ في مثله، محدثة إسلامية، ولها أربعة أبواب، وهي كثيرة المياه والبساتين والزروع. وقيل (٢) : بل هي قديمة البناء، ولذلك قالوا: بهمذان باب يعرف بباب الأسد لأن أسداً من حجارة كان على قرب من هذا الباب على الطريق المؤدية إلى الري، وكان هذا الأسد كأعظم ما يكون من الخلقة، قد صور أحكم تصوير وأتقن أتم إتقان، وكان أهل همذان يتوارثون في أخبارهم عن أسلافهم مستفيضاً فيهم، أن الإسكندر لما أتى همذان منصرفاً عن بلاد خراسان وصادراً من مطافه ب الهند والصين وغيرهما، جعل ذلك الأسد طلسماً للمدينة وسورها، فكانوا يرون أن خراب البلد وفناء أهله يكون عند كسر ذلك الأسد أو قلعه، فكان أهل همذان يمنعون من يجتاز بهم من العساكر والسابلة أن يمسوا ذلك الأسد ويكسروا منه شيئاً، ولم يقلب لعظمه وصلابة حجره إلا بالخلق الكثير من الناس، فبقي كذلك حتى كان من أمر مرداويج الجيلي ما كان، فكسرت جيوشه ذلك الأسد وقلبوه، فكانت الدبرة لأهل همذان عليهم فقتلوهم كيف شاءوا، ثم عاودهم مرداويج بنفسه في نحو سنة عشرين وثلثمائة فغلب على همذان واستأصل أهلها ونساءها وذريتها سبياً، وديارها تخريباً وإحراقاً. وفتح مدينة همذان بديل بن عبد الله بن ورقاء سنة ثلاث وعشرين، وفتح الري وأصبهان. وهمذان شديدة البرد، وقال الشاعر: همذان متلفة النفوس ببردها ... والزمهرير، وحرها مأمون غلب الشتاء بصيفها وخريفها ... فكأنما تموزها كانون ونزل الططر على همذان سنة ثمان عشرة وستمائة فلم يزل أهلها يقاتلونهم حتى فنيت الأقوات فضعفوا، وكان رئيس همذان عز الدين بن علاء الدين الحسيني، فتقدم بين أيدي الناس للقتال: معه الفقهاء والصالحون، فقتلوا من الططر خلقاً، ثم إن الرئيس المذكور أيقن بالغلبة، فدخل من سرداب كان قد أعده، فنفذ إلى خارج المدينة في واد غامض وشعاب مضلة، فخرج منه إلى قلعة له في الجبل جعل فيها ذخائره وأهله، فلم يستطع أحد عليه، وبقي أهل همذان بعده في حيرة، إلا أنهم أجمعوا على القتال والشهادة، إلى أن دخلها الططر عنوة بعد أشهر، في رجب من السنة المذكورة، فقاتلهم أهلها داخل المدينة قتال من باع نفسه من الله تعالى، حتى بطل حكم السلاح من الزحمة، فاقتتلوا بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتكاثر الططر واشتدوا بالأمداد المستريحة الواصلة إليهم في كل يوم، فأفنوا أهلها قتلاً، ثم ألقوا النار في المدينة وساروا إلى قلعة الرئيس، فرأوا أن مرامها يصعب، فراسلوه فاتفق معهم على أن يعمر البلد بمن بقي في أطراف الجبال والقلاع، ويكون واليهم على تلك الجهة، ويحمل لهم الأموال، فقنعوا بذلك. وخبر الهمذاني مع أبي جعفر المنصور، وسقوط السهم العائر بين يديه قد تقدم في رسم مدينة المنصور من حرف الميم. الهند (٣) : أرض الهند فتحها محمد بن القاسم الثقفي سنة أربع وتسعين، وكان السبب في ذلك أن امرأة مسلمة ممن سباها أهل الهند أرادوها على نفسها، فصرخت: وا حجاجاه، فجهز الجنود إلى أرض الهند مع محمد بن القاسم، وكان معسكره بشيراز، فاتخذه الولاة منزلاً إلى الآن. وفي بحر الهند (٤) والصين جبال ومضايق، وربما تطاير من البحر صبيان صغار مثل صبيان الزنج سود طوال يدورون في المراكب ولا يؤذون أحداً ثم يعودون إلى البحر وهذا عندهم مشهور، فإذا رأى أهل المركب هذا فهي عندهم علامة لهبوب الريح التي تسمى ريح الخب، وهي ريح خبيثة مخوفة، فيستعدون لذلك ويأخذون أهبتهم لهبوبها، فيخففون الأمتعة عن المراكب ويلقونها في البحر، ويلقون أيضاً ما معهم من السمك والملح حتى لا يتركوا منه شيئاً، ويقطعون من طول الصواري ذراعين

стр. 613

وأكثر مخافة أن تنكسر، فتهب الريح المذكورة فيصيرون بقدرة الله تعالى حتى تنجو أو تتلف، كيف ما شاء الله ، وعندهم علامة للخلاص إذا قضى الله تعالى بذلك، وهي أن يرى أهل المراكب على صاريهم طائراً ذهبي اللون كأنه شعلة نار، فإذا رأوه علموا أنه من علامات النجاة، تواترت الأخبار بذلك، وهي من العجائب. وملوك الهند (١) والصين ترغب في ارتفاع ظهور الفيلة وتزيد في أثمانها الذهب الكثير، وأرفعها تسع أذرع، وقد يوجد في موضع معلوم عندهم عشر أذرع وإحدى عشرة ذراعاً. ومملكة الهند (٢) عند جميع ملوك الكفار، بإجماع منهم، مملكة الحكمة، والحكمة من الهند مبدؤها. وزعموا أنهم أول من ضم المملكة ونصبوا لها ملكاً، وأولهم البرهمن الأكبر، وهو الذي أظهر الحكمة وطبع السيوف وآلات الحرب وصور الأفلاك والبروج، وجعل ذلك كتابة قريبة للعقول وأثبته في الأفهام، وأشار إلى المبدأ الأول، وذلك هو كتاب " السند هند " أي دهر الدهور، ومنه فرعت الكتب، المجسطي وغيره. وأعظم (٣) ملوك الهند البلهرا ومعناه ملك الملوك. والهند سبعة أجناس أحدها الساكهرية (٤) ، وهم الأشراف منهم، والملك فيهم لا يكون في غيرهم، وجميع أجناسهم يسجدون له عند اللقاء وهم لا يسجدون لأحد، ثم البراهمة، وهم عباد الهند ولباسهم جلود النمور، وهم يعبدون الأصنام توسلاً إلى الله تعالى. ولأهل الهند (٥) اثنتان وأربعون ملة، فمنهم من يثبت الخالق وينفي الرسل، ومنهم من ينفي الكل، ومنهم من يعبد النار ويحرق نفسه، ومنهم من يعبد الشمس ويسجد لها ويعتقد أنها الخالقة المدبرة لهذا العالم، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الثعابين يحظرونها بحظائر ويطعمونها أرزاقاً، وهم يتوسلون بها، ومنهم من لا يتعب نفسه بعبادة شيء وينكر الكل. هنين (٦) : مدينة بالمغرب جليلة على البحر، وشمالها تلمسان، وهي بقرب ندرومة. الهولاة: جزيرة في البحر من جزر قمار، سكانها الهند، وليس بها متجر ولا سوق. هيت (٧) : مدينة بين الرحبة وبغداد، وهي على شاطئ الفرات، والهيت الهوة، وسميت هيت لأنها في هوة، وهي الأرض المنخفضة، وقيل سميت باسم بانيها هيت بن البلندى ملك من ولد مدين بن إبراهيم ﵇. وهي (٨) في غربي الفرات، وعليها حصن، وهي من أعمر البلاد. وبأرض هيت عيون تسيل بالقار. وفي مطلع قصيدة للمعري: هات الحديث عن الزوراء أو هيتا ... ومن مدينة هيت محمد بن أبي العز بن جميل محيي الدين، ولاه الخليفة الناصر صدقة المخزن، بيته مشهور بهيت، توفي سنة عشر وستمائة له في فرس أحمر محجل الأربع: ومحجل للحسن منه حلة ... من أجلها فتنت به الأبصار لما أتى والبرق يعثر خلفه ... خلعت عليه ثيابها الأنوار إن قلت نار فالدخان بعرفه ... يقضي بما حكمت به النظار أو قلت فيه جنة فانظر له ... قد فجرت من تحته الأنهار وكان فتح (١٠) هيت على يد عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل،

стр. 614

وجهه إليها سعد بن أبي وقاص بأمر عمر بن الخطاب ﵄ في جند رسم له صاحب مقدمته ومجنبتين وساقة، فخرج نحو هيت، وقدم الحارث بن يزيد العامري، وهو المعين لمقدمته، حتى نزل بهيت وقد خندقوا عليهم، فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم استطال أمرهم، فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث، فحاصرهم، وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا في غرة، فأخذها عنوة، فأجاب أهلها إلى الجزية، وكتب إلى الحارث بن يزيد: إن هم استجابوا فخل عنهم، وإلا فخندق على خندقهم خندقاً أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيي، فسمحوا بالإستجابة، وانضم الجند إلى عمر ﵁ والأعاجم إلى أهل بلدتهم. الهيبل (١) : نهر كبير عذب، يقال إن فيه تماسيح كتماسيح النيل، وهو مثله في الكبر، وجريه بالأمطار الصيفية كجريه، وينتشر على وجه الأرض ثم ينضب، فيزرع عليه حسبما يزرع بأرض مصر. هيرت: قلعة بالهند، كان محمود بن سبكتكين سلطان خراسان حين غزا بلاد الهند فتحها وخربها بعد ما صابر سكانها قليلاً فأخذوا وقتلوا تقتيلاً.

стр. 615

حرف الواو واسط (١) : مدينتان على جانبي دجلة، والمدينة القديمة في الجانب الشرقي، وابتنى الحجاج مدينة في الجانب الغربي، وجعل بينهما جسراً بالسفين. قيل (٢) : سميت بواسط لتوسطها بين المصرين: البصرة والكوفة، والمدائن، بينها وبين كل واحدة منها أربعون فرسخاً، وكان بناء الحجاج واسط في سنة ثلاث وثمانين، وبها مات سنة خمس وتسعين. وفي كل (٣) واحدة من المدينتين جامع يخطب فيه، وفي التي بناها الحجاج نخل ومزارع وبساتين وعمارات متصلة، والمدينة الأخرى التي في الضفة الشرقية تسمى واسط العراق، وهي مثل أختها، حسنة فسيحة الأرجاء مبانيها سامية وبساتينها وأسواقها كبيرة وناسها حسان الزي ملابسهم البياض والعمائم الكبار، وأهلها أخلاط من أهل العراق وغيرها؟ وهواؤها صحيح أصح من هواء البصرة، وهي من أعمر بلاد العراق، وعليها معول ولاة بغداد، ونواحي واسط عمل مفرد من أعمال العراق، وأموالها كانت ترتفع إلى مدينة السلام، وبينهما ثمان مراحل. وقال البكري: إنما سميت واسط بموضع يقرب منها كان يقال له واسط القصب، وقيل إن الحجاج رأى راهباً قد أقبل على أتان له وعبر دجلة، فلما كان بموضع واسط تفاجت الأتان فبالت، فنزل الراهب فاحتفر موضع ذلك البول وحمله حتى رماه في دجلة، وذلك بعين الحجاج، فقال: علي بالراهب، فلما أتاه قال: ما حملك على ما صنعت. قال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد فيه الله تعالى، ما دام في الأرض أحد، فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع، وهو على جانبي الدجلة. وفي الجانبين مسجدان جامعان يعرف أحدهما بمسجد الحجاج، وخراج واسط ثلاثة وثلاثون ألف درهم. وكتب الحجاج لما فرغ من بناء واسط إلى عبد الملك إني اتخذت مدينة في كرش من الأرض بين الجبل والمصرين وسميتها واسط. وكان الحجاج قد عمل على الخضراء، وهي قبته، طلسماً من نحاس كهيئة الفرس، عليه رجل راكب، للبق والجرجيس، فلم يكن بمدينة واسط بق ولا جرجيس أصلاً، فلما ولي واسط أحد عمال المتوكل قلع ذلك الطلسم وحمله إلى بلده بخراسان ونصبه هناك، فلم ينتفع به، وعمل بالأبلة طلسم نحاس مثل ذلك الفرس والراكب عليه، وحمل إلى واسط، ونصب على القبة الخضراء، فهو عليه إلى هذا الوقت، فلم ينتفع به، وكثر بها البق والذباب والجرجيس والهوام. وواسط أيضاً بحمى ضرية. الواقوصة (٤) : أهوية بالشام في أرض اليرموك؟ لما انهزم الروم في وقيعة اليرموك تبعهم المسلمون فانتهوا إلى مكان مشرف على أهوية

стр. 616

تحتهم فجعلوا يتساقطون فيها ولا يبصرون في يوم ذي ضباب، فهم يرتكسون فيها لا يعلم آخرهم ما لقي أولهم حتى سقط فيها نحو من مائة ألف رجل ما أحصوا إلا بالقصب، وبعث أبو عبيدة من الغد في عدهم فوجدوا أكثر من ثمانين ألفاً، فسميت تلك الأهوية الواقوصة لأنهم وقصوا فيها وما فطنوا لتساقطهم، حتى انكشف الضباب فأخذوا في وجه آخر، والخبر مبسوط في وقيعة اليرموك، ذكره أصحاب فتوح الشام. وانيامة: من بلاد رومية، عين جارية من شرب منها ممن في عينيه غشاوة أو ضرر أو بياض جلا بصره وأذهب ما كان يجد فيها من ضر. واسم (١) : قيل إنه مهبط آدم ﵇، ونزلت حواء بالهند، قاله ابن إسحاق. وانشريس (٢) : جبل وانشريس في قبلة فكان، وبه شعراء غامضة، وتسكنه قبائل من البربر مكناسة وأوربة وكتامة ومطماطة وزواوة وغيرهم، وطول هذا الجبل أربعة أيام وينتهي طرفه إلى قرب تاهرت. وانسيفن (٣) : بالمغرب عند قلعة مهدي ببلاد فازاز، وواديها هو المعروف بوادي أم ربيع، وسيأتي له ذكر إن شاء الله تعالى. واركلان (٤) : في طرف الصحراء مما يلي إفريقية، وهو بلد خصيب كثير النخل والبساتين، وفيه سبع مدائن مسورة حصينة بعضها قريب من بعض، وهي كثيرة الزرع والضرع والبساتين والمياه، والعجب أن الرجل منهم يحفر فيها بئراً بأزيد من مائة دينار، فإن أرضهم صلبة والماء بعيد يدرك على أزيد من مائة (٥) قامة، فيجد على الماء طبقاً من حجر صلد فيستبشر عند وجوده، ويطعم أصحابه فرحاً به، وينزل إليه من يعرف كيف ينقره مربوطاً في حبال وثيقة، وينقره فيفور الماء، فإن أبطأ الرجال في رفعه حتى يدركه الماء هلك لحينه، ويبقى الماء على مر الدهور يفور، وهكذا جميع آبارهم، وبها يسقون جناتهم وزرعهم ونخلهم. وتضرب ببلد واركلان دنانير على نوع المرابطية، وهي مشهورة، وبين واركلان والجريد أربعة وعشرون (٦) يوماً، ومن بلاد الجريد إلى القيروان سبعة أيام، وأهل واركلان بربر، وفيهم جمال، ونساؤهم موصوفات بالحسن، وبينها وبين غدامس نحو عشرين يوماً في صحراء قليلة الماء، في هذه الصحراء معدن حجارة يشبه العقيق، وربما كان في الحجر الواحد منها ألوان من الحمرة والصفرة والبياض، وهو أنفق (٧) شيء ببلاد السودان عامة وغيرها، وهو عندهم أجل (٨) من الياقوت، وهو كالياقوت لا يعمل فيه الحديد، إنما يثقب بحجر آخر، ولا يظهر معدن هذا الحجر حتى تذبح الإبل فينضح الموضع بدمها، وفي هذه الصحراء معدن الشب الطيب. الواحات (٩) : هي بلاد كثيرة في الصحراء ما بين إفريقية وبلاد مصر، ولولا قلة الماء في هذه الصحراء لكان الطريق من إفريقية إلى مصر على الواحات أقرب، وبلاد الواحات كثيرة التمر والنخل، وفيها مدن كثيرة مسورة وغير مسورة، وكل مدينة منها لها اسم يعود إلى الواح، وأهلها مسلمون، وهي آخر بلاد الإسلام، بينها وبين بلاد النوبة ست مراحل، وفي بعض مدن الواحات قبائل من لواتة، وإنما أهلها أقباط (١٠) . وفي هذه (١١) الأرض أرض شبية وزاجية، وعيون حامضة الطعوم تستعمل كاستعمال الخل، وعيون مختلفة الطعوم من المر والحامض والحريف والملح، ولكل نوع منها منفعة وخاصية. وزعموا (١٢) أن في أقصى بلاد الواحات بلداً يقال له واح صبرو لا يقع عليها إلا من ضل في الصحراء في النادر من الزمان، وأنه بلد عظيم كثير الخيرات من النخل والزرع وجميع الفواكه ومعادن

стр. 617

الذهب، وانه أخصب بلاد الدنيا، وأن الواقع عندهم يكون في أخصب عيش، وإذا أرادوا خروجه من بلادهم أروه صورة بلاده فتاقت نفسه إليها فلم يلبث عندهم ورحل كيف ما استطاع، وقد وقع في هذا البلد رجل من عرب بني قرة وبقي فيه مدة ورجع إلى بلاده، فأخبر بما رأى فيه من الخصب والخيرات، ومما في أيدي أربابه من الأموال. وليس لهم مدافعة ولا بصر بالحرب ولا سلاح، لأنهم لم يعهدوا الحروب، فبلغ ذلك أمير بني قرة، وكان اسمه مقرب بن ماض، فعزم على النهوض إليهم فأعد أزودة كثيرة وظهراً مطيقاً وماء كثيراً، وذهب في الصحراء يطلب واح صبرو ودله الرجل الذي دخل البلد فوصل إلى مدينة الواح خارج، فسأل عن واح صبرو، فقالوا كلهم: ما نعرف له طريقاً ولا يجده إلا من ضل في الصحراء في النادر من الزمان، وهو كما ذكر وأكثر فخرج من الواح خارج يطلب واح صبرو، فبقي يجول في الصحراء مدة فلم يجده ولا قدر على الوصول إليه، فخاف نفاد الزاد فكر راجعاً، فنزل في رجوعه ذات ليلة ربوة من الأرض في تلك الصحراء فوجد بعض أصحابه في نواحي تلك الربوة بيتاً للأول، فبحثوا عنه فإذا هو لبن من نحاس أحمر، فزادوا في البحث، فوجدوا أساس سور من نحاس للأول، فأوقروا جميع ما عندهم من تلك اللبن وساروا حتى أتوا مدينة الواح الخارج، فباعوا ذلك النحاس بأموال كثيرة ثم أرادوا أن يرجعوا إلى تلك الربوة التي وجدوا فيها النحاس فلم يقدروا عليها وضلوا طريقها، ولو وجدوها لكان فيها غناهم طول الدهر. قالوا (١) : وأتى رجل من أهل الواح خارج إلى مقرب بن ماض فأخبره أنه دخل حائط نخل كان له، فوجد أكثر تمره قد أكل، ووجد فيه أثر قدم إنسان لا يشبه هذا الخلق في العظم، قال: فاحترسه هو وأهله ليالي حتى طرقهم ذلك الشخص، فرأوا خلقاً عظيماً لم يعهد مثله، فجعل يأكل التمر فلما هموا به فاتهم فلم يعلموا له أمراً، قالوا: فذهب معهم مقرب حتى وقف على أثر ذلك الشخص فاستعظمه وأمرهم أن يحفروا زبية في الموضع الذي كان يدخل فيه ويغطوا أعلاه بالحشيش ويرقبوه، ففعلوا ذلك ورقبوه ليالي كثيرة، فلما كان ذات ليلة أقبل ذلك الشخص على عادته فتردى في الزبية، فبادروا إليه بجمعهم وغلبوا عليه بكثرتهم حتى أخذوه، فإذا بامرأة سوداء عظيمة الخلق مفرطة الطول والعرض لا تفقه منها كلمة، فرآها مقرب بن ماض فهاله أمرها، فكلموها بكل لغة علموها من لغات السودان فلم تجاوب بواحدة منها، وتكلمت بكلام لا يفهم، وبقيت عندهم أياماً يأتمرون في أمرها، فقال لهم مقرب: أرى أن ترسل وتركب الخيل السوابق والنجب العتاق في أثرها إلى أن يوقف على موضعها وتعلم حقيقة أمرها فلما أرسلت فاتت الخيل والنجب، وبارت الرياح فلم يقعوا منها على حقيقة خبر. ويذكر (٢) أن بين بلاد الواح وبلاد الجريد من إفريقية رمالاً عريضة فيها بقاع تعرف بالجزائر وهي كثيرة النخل والعيون، ولا عمران فيها ولا أنيس. ويقال إنه يسمع فيها عزيف الجن، ولا شك أنها كانت بلاداً عامرة، ويتكدس هناك من التمر تحت النخيل أكوام لا يقع عليه أحد إلا الطير والوحوش، وربما انتجعه الناس عند السنين الجدبة للضرورة. قالوا (٣) : وكثر جري الرياح على أرض الواحات الخارجة فعدا عليها وغير ما فيها من الآبار، فبلاد الواحات الخارجة الآن صحراء لا أنيس بها ولا عامر، والمياه بها موجودة، وكانت قديماً معمورة متصلة الثمار والعمارات، ومنها كان الدخول إلى مدينة غانة في طريق مسلوكة ومناهل معلومة، لكنها انقطعت ودرست، وبالواحات الخارجة أغنام وأبقار متوحشة، وبين الواحات وحد النوبة مسيرة ثلاثة أيام في مفاوز غير عامرة، وفي أرض الواحات الخارجة جبل معترض فيها سامي الذروة، فيه معدن يستخرج منه حجر اللازورد ويحمل إلى أرض مصر فيصرف، وفي أرض الواحات يكون الثعبان ولا يكون البتة في غيرها من الأرض، والثعبان على ما يحكيه أهل تلك النواحي يرى كالتل العظيم يلتقم العجل والكبش والإنسان، وهو حيوان على صورة الحية ينساب على بطنه، له أذنان بارزتان وأنياب وأسنان، وحركته بطيئة، ويأوي إلى الكهوف والدهاس، فمن قصده أو اعترضه التقمه، وإذا خرج عن هذه الأرض مات، وهذا مشهور عندهم. وأما الواحات الداخلة فإن بها قوماً من البربر وغيرهم متحضرين يزرعون هناك حيث المياه النيلج، والنيلج الواحي معروف بالطيب والجودة ويفوق غيره، وينتج بهذه الأرض مع ما اتصل بها من أعلى أرض أسوان حمير صغار المقادير في مقدار الكباش ملمعة بسواد وبياض لا تحمل

стр. 618

الركوب عليها، وأن أخرجت عن أرضها هلكت، وبأعلى صعيد مصر حمير ليست بكثيرة اللحم ولكنها في غاية السير وسرعة المشي، وبرمال الواحات وما اتصل بها حيات كثيرة تستتر في الرمل فإذا مرت بها الجمال ثارت من الرمل ورمت بأنفسها حتى تقع في المحامل، فتنهش هناك من وافقته فيموت في الحال. والمو (١) : بالأندلس من أقاليم قونكة، وهو على نهر شقر، وبإقليم والمو قرية فيها غريبة، وذلك عين راكدة قد علاها الطحلب، فإذا فاجأها إنسان وصاح عليها بشدة صياحه درت بالماء وغلت غلي البرام على النار وينقطع طحلبها بشدة غليان الماء ثم تعود إلى حالها. الواق واق (٢) : أرض الواق واق متصلة بأرض سفالة، وفيها مدينتان حقيرتان، وساكنها قليل لضيق عيشها وتكدر رزقها، وبينهما قرية كبيرة تسمى دغرغة، وهم سودان قباح الوجوه مشوهو الخلقة، وكلامهم نوع من الصفير، وهم عراة لا يستترون بشيء، والداخل إليهم قليل، وأكلهم الحوت والصدف ولحوم السلاحف، وتتصل بهم جزائر الواق واق، وكل واحدة من هذه البلاد على خور كبير، ولا يخرج عن هؤلاء تجارة، ولا مراكب لهم ولا دواب، وجزائر الواق واق لا تعرف ما بعدها، وربما وصل أهل الصين إليها في الندرة، وهي جزائر عدة لا عامر بها. ورأيت (٣) في موضع آخر أن في عرض البحر المحيط بلاد الواق واق ومنابت القنا، وأمة الواق واق جمل شجر عظام معلقة بشعورها ولها ثدي وفروج كفروج، النساء وأبدان حسان، ولا يزلن يصحن واق واق، وإذا قطعت من الأشجار التي تحملها أقامت يوماً وبعض يوم ثم تهلك، وربما نكحهن الناس في أطيب رائحة وألذ مباضعة. وبلاد الواق واق لا يسكنها بشر إنما يسقط إليها أهل المراكب الندرة، وهي أكثر الأرض طيباً، وبها تمر وفواكه لا تعرف في غيرها ولا يعلم ما هي، ألذ مأكول وأطيب مشموم، ويليهم أمة بحرية على شبه النساء الحسان، سبط الشعور نواهد الصدور، ويقال لها بنات الماء، لهم قهقهة وضحك وكلام لا يفهم، وقد أولد بعض البحريين واحدة منهن غلاماً وهو مستوثق منها، ثم ظن بعد ولادتها أنها ستألف ابنها ولا تفارقه وأرسلها من وثاقها فتغفلته وتردت في البحر وذهبت سابحة، ثم ظهرت له بعد يوم وألقت إليه صدفاً فيه در نفيس، ثم ولت ذاهبة، فكان ذلك الغلام يعرف بابن البحرية. وفي جزائر (٤) الواق واق الأبنوس الذي لا يفوقه شيء في الجودة. وادي الخراطين (٥) : هو جزيرة بناحية جزيرة صقلية، وبقربها جزيرة أخرى يقال لها ولهذه جزيرتا البركان، وإنما سميت بوادي الخراطين لأن كل خرط بصقلية هناك يخرط بأرحاء الماء. وادي القرى (٦) : من أعمال المدينة، وهي مدينة عامرة كثيرة النخل والبساتين والعيون، وبها ناس من ولد جعفر بن أبي طالب، وهم الغالبون عليها ويعرفون بالواديين. قالوا (٧) : ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهلها ليالي ثم انصرف راجعاً إلى المدينة. قال أبو هريرة ﵁: نزلناها أصلاً مع مغرب الشمس، فبينما غلام لرسول الله ﷺ يضع رحله أتاه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : " كلا والذي نفس محمد بيده، إن الشملة الآن لتحترق عليه في النار كان غلها من فيء خيبر ". فأتاه رجل بشراكين فقال: أخذتهما لنعلي، فقال: " يقد لك مثلهما من النار ".

стр. 619

ومن شعر ليزيد بن معاوية يخاطب به عبد الله بن الزبير حين وجه مسرف بن عقبة إلى المدينة: أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وهبط القوم على وادي القرى ... عشرون ألفا بين كهل وفتى ... أجمع سكران من القوم ترى ... ياعجباً من ملحد يا عجبا ... أبو بكر هو عبد الله بن الزبير، وكان يزيد يسمى السكير. وادي السباع: بالبصرة على طريق المدينة، سمي بذلك لأن أسماء بنت عمران بن الحاف بن قضاعة (١) كانت تنزله ويقال لها أم الأسبع، لأن ولدها أسد وكلب والذئب والدب والفهد والسرحان. وأقبل وائل بن قاسط فلما نظر إليها رأى امرأة ذات جمال فطمع فيها، ففطنت له فقالت: لو هممت بك لأتاك أسبعي، فقال: ما أرى حولك أسبعاً، فدعت بنيها فأتوا بالسيوف من كل ناحية، فقال: والله ما هذا إلا وادي السباع، فسمي به. وبهذا الموضع قتل الزبير بن العوام ﵁ لما رجع عن يوم الجمل، قتله عمرو بن جرموز. قالوا (٢) : خرج علي ﵁ حاسراً على بغلة رسول الله يوم الجمل فنادى: يا زبير اخرج إلي، فخرج إليه الزبير شاكاً سلاحه، فقيل ذلك لعائشة ﵂ فقالت: واحزنك (٣) يا أسماء، فقيل لها إن علياً حاسر فاطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي رضي الله عنك: ويحك يا زبير، ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان ﵁، قال: قتل الله تعالى أولانا بدم عثمان، أوما تذكر يوم لقيت رسول الله ﷺ وهو راكب حماره، فضحك إلي وضحكت إليه وأنت معه، فقلت أنت: يا رسول الله ما يدع علي زهوه، فقال: " ليس به زهو، أتحبه يا زبير "؟ قلت: والله إني لأحبه، فقال: " إنك ستقاتله وأنت له ظالم ولينصرن عليك "، فقال الزبير: أستغفر الله لو ذكرته ما خرجت، فكيف أرجع الآن وقد التقت حلقتا البطان؟ هذا والله العار الذي لا يغسل أبداً، فقال: يا زبير ارجع بالعار قبل أن ترجع بالعار والنار، فرجع الزبير وهو يقول: اخترت عاراً على نار مؤججة ... أنى يقوم لها خلق من الطين نادى علي بأمر لست أجهله ... عار لعمرك في الدنيا وفي الدين فقلت حسبك من عذل أبا حسن ... فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني ورجع الزبير إلى عائشة ﵂ فقال: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب، فقال له ابنه عبد الله: جمعت هذين حتى إذا حدد بعضهم إلى بعض أردت أن تتركهم وتذهب؟! قال: ذكرني يا بني أمراً كنت أنسيته، فقال: لا والله ولكن فررت من سيوف بني عبد المطلب فإنها طوال حداد تحملها فتية أنجاد، فقال: لا والله ولكن ذكرني ما أنسانيه الدهر فاخترت العار على النار، أفبالجبن تعيرني لا أبا لك!؟ ثم قلع سنانه وشد على ميمنة علي ﵁ فقال: افرجوا له فقد هاجوه، وشد في الميسرة، ثم مضى منصرفاً حتى أتى وادي السباع، والأحنف بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فقال له رجل: هذا الزبير ماراً، فقال الأحنف: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس فقتل بعضهم بعضاً، وهو مار إلى منزله سالماً، ما رأيت مثل هذا، أتى بحرمة رسول الله ﷺ يسوقها فهتك عنها حجاب رسول الله ﷺ وستر حرمته في بيته، ألا رجل يأخذ لله منه؟ فلحقه نفر من بني تميم سبقهم إليه عمرو بن جرموز، وقد نزل للصلاة، فقتله وهو ابن خمس وسبعين سنة، وأتى عمرو بن جرموز بسيف الزبير وخاتمه إلى علي ﵁، فقال علي: هذا سيف طال ما جلى الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، لكن الحين ومصارع السوء، وقاتل ابن صفية في النار، ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز: أتيت علياً برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفه

стр. 620

فبشر بالنار قبل العيان ... فبئست بشارة ذي التحفه لسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عير بذي الجحفة وفي ذلك تقول زوجه عاتكة بنت عمرو بن زيد بن نفيل أخت سعيد بن زيد: غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشاً رعش البنان ولا اليد ثكلتك أمك إن قتلت لمسلماً ... حلت عليك عقوبة المتعمد إن الزبير لذو بلاء صادق ... سمع سجيته كريم المشهد فاذهب فما ظفرت يداك بمثله ... فيما مضى فيما تروح وتغتدي وادي الأزرق (١) : موضع خلف أمج إلى مكة بميل. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ أتى على واد فقال: " أي واد هذا "؟ قالوا: وادي الأزرق، فقال: " كأني أنظر إلى موسى ﵇ وهو هابط هذه الثنية، له جؤار بالتلبية "، ثم أتى على ثنية فقال: " أي ثنية هذه "؟ قالوا: ثنية هرشى، فقال ﵇: " كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة خطامها خلبة، وهو يلبي على هذه الثنية ". وادي أبي موسى: موضع بمقربة من جبل نفوسة من البلاد الإفريقية بسفح هذا الجبل كانت الوقيعة (٢) بين أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص ملك إفريقية وبين يحيى بن إسحاق الميورقي، وذلك في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وستمائة، وحضر تلك الوقيعة جملة من رؤساء العرب وأعيانهم ومن الرياحيين وغيرهم، وحضرها محمد بن مسعود وولده عبد الله وبنو عمه، وذلك أن يحيى بن إسحاق لما انهزم في وقيعة شبرو، وجرى عليه وعلى جموعه بها ما جرى من القتل والنهب والهزيمة، لم يقر له قرار، فاستمال الأعراب ووعدهم وأطعمهم، فاجتمعت له منهم جموع من رياح وزعب والشريد وعوف ونفات ودباب ومن لافهم، ثم رجع بهم إلى إفريقية، وصاحب إفريقية المذكور يراعي أخباره، فلما بلغه ما عزم عليه قال: إن تركنا هنا الفاسق حتى يدخل البلاد أفسدها، فخرج من تونس فنزل المحمدية، ثم جد به السير حتى خرج من حدود إفريقية وتركها خلفه، وتراءى الجمعان بوادي أبي موسى فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودخلت الميمنة في الميسرة، والميسرة في الميمنة والقلب على القلب، فأجلت الحرب عن موت محمد بن الغازي، وهو ابن عم يحيى، وحركات ابن أبي الشيخ ومحمد بن مسعود وجمع من أعيان العرب الرياحيين وزعب وشداد، ورأى يحيى ما حل بأصحابه فنكص على عقبيه، واستولى الموحدون على أكثر مضاربه وخزائنه وأسبابه، وفني في هذه الوقيعة مشاهير العرب وأنجادها وأمراؤها، وفر يحيى لا يعرج على شيء، وتفرق جمعه مفلولين مهزومين. وادي سهر (٣) : بالزاب من أرض المغرب. وادي آش (٤) : مدينة بالأندلس قريبة من غرناطة كبيرة خطيرة تطرد حولها المياه والأنهار، ينحط نهرها من جبل شلير، وهو في شرقيها، وهي على ضفته، ولها عليه أرحاء لاصقة بسورها، وهي كثيرة التوت والأعناب وأصناف الثمار والزيتون، والقطن بها كثير، وكان بها حمامات، ولها بابان: شرقي على النهر وغربي على خندق، وقصبتها مشرفة عليها، وعليها سور حجارة، وهو في ركنها الذي بين المغرب والقبلة. وبقرب وادي آش قرية بها عين تجري سبعة أعوام وتغور سبعة أعوام، قالوا: وهذا معروف على قديم الزمان تسكن بجريان عينها وتخلو بغؤورها. منها عبد البر بن فرسان الوادياشي المتصل بعلي بن غانية

стр. 621

الميورقي، ثم استوزره بعده أخوه يحيى الطويل الفتنة بإفريقية وجهاتها، وكان صاحب رياسة السيف والقلم، وإليه تنسب الأبيات المشهورة: أجبناً ورمحي ناصري وحسامي ... وعجزاً وعزمي قائدي وزمامي ولي فتك بطاش اليدين غضنفر ... يضارب عن أشباله ويحامي ألا غنياني بالصهيل فإنه ... سماعي ورقراق الدماء مدامي وحطا على الرمضاء رحلي فإنها ... مهادي وخفاق البنود خيامي وأكثر شعره فيما يكنى به طول مدة الميورقي من الحروب كقوله: أديروا مداماً للدماء فإنني ... بها أنتشي طيباً وبالنوح أطرب معيشة ليث ليس يأوي لراحة ... يخال إذا ما جدت الحرب يلعب ذكره ابن سعيد وابن نخيل، ومات بفزان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وهو القائل: بين الحجاز وبين الغرب قاطعة (١) ....... وادي أم ربيع (٢) : هو وادي وانسيفن، عند قلعة مهدي ببلد فازاز من أرض المغرب. وأم ربيع (٣) قرية هناك كبيرة جامعة فيها أخلاط من البربر وهم أصحاب حرث ومواش وجمال، والغالب عليهم الفروسية. وأم ربيع على هذا الوادي وهو كبير خرار يجاز بالمراكب سريع الجري كثير الانحدار والصخور والجنادل وبهذه القرية ألبان وأسمان ونعم كثيرة وحنطة في نهاية الرخص وبها بقول ومزارع القطاني والقطن والكمون، وهي في جنوب الوادي ويجاز هذا الوادي (٤) ، إلى غيضة كبيرة من الطرفاء والانشام والعليق، وهي غابة كبيرة ملتفة والأسد بها كثيرة، وربما أضرت بالمارة، غير أن أهل تلك النواحي لا يهابونها، وقد مهروا في مقابلتها بأنفسهم من غير سلاح، إنما يلقونها بأنفسهم عراة يلقون أكسيتهم على أذرعهم ويمسكون معهما قتات من شوك السدر وسكاكينهم بأيديهم لا غير فتلقى الأسد منهم هناك نكايات وترجع خائبة. وينحدر (٥) هذا الوادي في سعة بلاط قدره عشرون شبراً أو نحوها وعليه قنطرة محدثة وعليها لوح كثير. وبوادي أم ربيع هذا مات صاحب المغرب أبو العلا ادريس بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وهو القتال السفاك، وذلك في رابع المحرم سنة ثلاثين وستمائة، فإنه لما نازل سبتة وحاصرها ولم يقدر عليها، وأدركته وجموعه المجاعة الشديدة فبلغ مد الشعير عندهم سبعة دراهم، وبلغه أن مراكش تملكها ابن أخيه يحيى فلم يجد بداً من الارتحال عن سبتة، فرحل مضطراً قاصداً إلى مراكش، فلما وصل إلى وادي أم ربيع أدركه حمامه، فمات هناك. فاحتمل ميتاً إلى مراكش، وقام بالأمر بعده عبد الواحد المسمى بالرشيد، فخلف أباه في جده وحزمه، وعند انصرافه إلى مراكش بتابوت أبيه لقي يحيى ابن عمه محمد الناصر مقبلاً إليه بجموع من البربر وغيرهم، فهزمه عبد الواحد واستبد بالأمر، فكان يحيى تارة يصعد إلى الجبل، وتارة ينحدر إلى مراكش، فلم يتأت له شيء، وآخر أمره قتلته المعقلة. وادي لكه (٦) : موضع من أرض الجزيرة الخضراء من ساحل الأندلس القبلي، فيه التقى طارق بن زياد مولى موسى بن نصير وجموعه الداخلون الأندلس مع لذريق طاغية الأندلس آخر ملوك القوط الذين عدة ملوكهم بالأندلس ستة وثلاثون ملكاً، وكانت مدة ملكهم الأندلس ثلثمائة سنة واثنتين وأربعين سنة، ولم يكن لذريق هذا من أبناء الملوك، ولا صحيح النسب في القوط، إنما اغتصب الملك وتسور عليه عند موت الملك الذي كان قبله، استصغر أولاده واستمال طائفة من الرجال مالوا معه، فانتزع الملك

стр. 622

من أولاده. وكانت الوقيعة سنة اثنتين وتسعين من الهجرة فانهزم القوط أعظم هزيمة وقتل لذريق وغلبت العرب على الأندلس. وادي الحجارة (١) : وهي مدينة تعرف بمدينة الفرج بالأندلس، وهي بين الجوف والشرق من قرطبة، وبينها وبين طليطلة خمسة وستون ميلاً. وهي (٢) مدينة حسنة كثيرة الأرزاق جامعة لأشتات المنافع والغلات، ولها أسوار حصينة ومياه معينة وبغربيها نهر صغير لها عليه بساتين وجنات وكروم وزراعات وبها من غلات الزعفران الشيء الكثير، يتجهز به منها إلى سائر البلاد، وبينها وبين مدينة سالم خمسون ميلاً. وادي العلاقي (٣) : في أرض الحبشة، إليه يختلف أهل الصعيد وهو واد فيه خلق كثير وجمع غزير، والعلاقي في ذاته كالقرية الجامعة والماء بها من آبار عذبة، ومعدن النوبة المشهور متوسط في أرضها في صحراء لا جبل حولها وإنما هي رمال لينة وسباسب سائلة، فإذا كان أول ليالي الشهر العربي وآخره خاض الطلاب في تلك الرمال بالليل، وكل واحد منهم ينظر فيما يليه من الأرض، فإذا أبصر التبر يضيء بالليل جعل على موضعه علامة يعرفها وبات هناك، فإذا أصبح عمد كل واحد إلى علامته فيأخذ ما يجد فيه ويحمله معه فمضى به إلى آبار هناك، ثم يقبل على غسله بالماء في جفنة عود، فيستخرج الكثير منه، ثم يؤلفه بالزئبق ويسبكه بعد ذلك، فما اجتمع لهم تبايعوه فيما بينهم واشتراه بعضهم من بعض، ثم يحمله التجار إلى سائر الأمصار، فهذا شغلهم دأباً لا يفترون عنه، ومن ذلك معايشهم ومبادي مكاسبهم وعليه يعولون. وادي درعة (٤) : بالمغرب، بينه وبين سجلماسة خمسة أيام، وعليه الطريق في الصحراء إلى بلاد السودان. وادي سبو (٥) : على نحو ثلاثة أيام من فاس، وفيه يصب وادي فاس وهو نهر عظيم من أعظم أنهار بلاد المغرب، منبعه من جبل في بلاد بني واريتن، ويتصيد فيه الشابل الكبير ويدخل فيه الحوت الكبير، يجلب إلى فاس ومكناسة وتصنع منه ألوان كثيرة. وادي زاقه: في البلاد الإفريقية بين باجة والأربس، تقدم ذكره في حرف الزاي. وبار (٦) : مبني على الكسر، بالدهناء، وبها إبل حوشية، قال الخليل: كانت محلة عاد وهي بين اليمن ورمال يبرين، وقد يعرب بوجوه الإعراب، وقال الشاعر: ومر دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار ويقال إن وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح صارت إلى رمل عالج وهي الأرض المعروفة بأرض وبار، فأهلكهم الله لما كان من بغيهم في الأرض وانقرضوا. والعرب تزعم أن ديار وبار سكنتها الجن وحمتها من كل من أرادها، وكانت أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها شجراً وأطيبها ثمراً، وإذا دنا أحد من تلك البلاد ساهياً أو متعمداً أسفت الجن عليه سوافي الرمل وأثارت عليه الزوابع، فيزعمون أنه ليس بهذه الأرض إلا الجن والجمال الوحشية، وهذا عند كثير من العقلاء مردود. قال أبو عمرو (٧) : وبار بالدهناء، بلاد بها إبل حوشية ونخل كثير لا أحد يأبره ولا يجده وزعم أن رجلاً وقع إلى تلك الأرض فإذا بتلك الإبل ترد عيناً وتأكل من ذلك التمر فركب فحلاً منها ووجهه قبل أهله، فاتبعته تلك الإبل الحوشية فذهب بها إلى أهله، وقال الخليل: وبار كانت محلة عاد بين اليمن ورمال يبرين فلما أهلك الله تعالى عاداً أورث محلتهم الجن فلا يقربها أحد من الناس، وهي الأرض التي ذكرها الله تعالى في قوله " واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون ". ويذار (٨) : من مدن خراسان، وهي مدينة حسنة متوسطة المقدار

стр. 623

تعمل بها الثياب الويذارية المنسوبة إليها، وهي قطن في قطن، حسنة الصنعة غريبة المثال تلبس خاماً غير مقصورة، وليس بُخراسان أمير ولا وزير ولا قاض إلا وهو يلبسها ظاهراً على ما يكتسيه في الشتاء، وجمالهم بها ظاهر وزينتهم بها فاشية لأنها ثياب تميل إلى صفرة الزعفران لينة الملمس، ويعمر الثوب منها كثيراً ويستخدم المدة الطويلة، ويبلغ ثمن الثوب في بلادهم من ثلاثين ديناراً إلى عشرين ديناراً على قدر جودته ورداءته. وَبْذة (١) : مدينة بالأندلس، وهي حصن على واد بقرب أقليش، وعلى وادي وبذة عدة كثيرة من الأرحاء، ويجري هذا النهر على عدة كثيرة من القرى فيسقيها، وبقرب وبذة قرية يقال لها بنتيج أهلها نصارى ينعقد ماؤها في الإناء فيصير حجراً أصفر، وكذلك أين ما جرى، وينعقد على أسنان أهلها، وتشملهم علة الحصى. الوتير (٢) : ماء في أرض خزاعة، عليه كانت الوقيعة بين بني الديل وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وبني خزاعة، وكان الذي هاج ما بينهم أن حليفاً للأسود بن رزن الديلي خرج تاجراً، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة، قبيل الإسلام، على بني الأسود بن رزن: سلمي وكلثوم وذؤيب، وهم منخر بني كنانة وأشرافهما، كانوا في الجاهلية يؤدون ديتين ديتين لفضلهم في قومهم، فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم، ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحُدَيْبية دخلتْ خزاعة في عقد رسول الله ﷺ ودخلتْ بنو بكر في عقد قريش فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير، ماء لهم، وأصابوا منهم رجلاً، وتحاوزوا (٣) واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً، فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق. مما استحلوا منهم، وكانوا في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعي الكعي حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس فقال: يا ربِّ أني ناشدٌ محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا ... قد كنتم ولداً وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا ... فانصر هداك الله نصراً أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشاً أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركّعاً وسجَّدا ... يقول: قتلنا وقد أسلمنا. فقال رسول الله ﷺ : " نصرت يا عمرو بن سالم "، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: " إن هذه السحابة لتسهل بنصر بني كعب ". وجدة (٤) : بالدال المهملة، حصن من حصون خيبر. ووجدة (٥) : أيضاً بالمغرب، بينها وبين تلمسان ثلاث مراحل، وهي مدينة كبيرة مشهورة قديمة كثيرة البساتين والجنات والمزدرعات والمياه والعيون، طيبة الهواء جيدة الغذاء (٦) ، يمتاز أهلها من غيرهم بنضارة ألوانهم وتنعم أجسامهم، ومراعيها أنجع المراعي وأصلحها للسائمة، يذكر أنه يوجد في شاة من شياههم مائتا أوقية من شحم، ويصنعون من صوفها أكسية ليس لها نظير

стр. 624

في الجودة، يساوي الكساء الجيد فها خمسين ديناراً وأزيد، وعلى وج دة طريق المار والصادر من بلاد المشرق إلى بلاد المغرب وإلى سجلماسة وغيرها. وجرة (١) : بالراء المهملة، على ثلاث مراحل من مكّة في طريق البصرة، وطولها أربعون ميلاً: ليس فيها منزل، قال الطوسي: وجرة في طريق (٢) السي، وهي فلاة بين مران وذات عرق، وهي ثلاثون (٣) ميلاً يجتمع فيها الوحش، لا ماء فيها، وقال النابغة: من وحشِ وجرةَ موشّىً أكارعُه ... طاوي المصير كسيف الصَّيقَل الفردِ وج (٤) : هو الطائف، وقيل هو وادي الطائف. في كتاب رسول الله ﷺ لثقيف: " وثقيف أحق الناس بوج ". وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: " ان آخر وطأة وطئها الله بوج "، يريد أن آخر ما أوقع الله المشركين بوج، وهي الطائف، لأن آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ الطائف وحنين؛ وهو كقوله ﷺ : " اللهم اشدد وطأتك على مضر "، وحنين وادي الطائف. وقيل سميت بوج بن عبد الحي من العمالقة، وهو أول من نزلها. وفي الخبر ان الحَكَم بن العاصي طريد رسول الله ﷺ ، بسبب أنه كان يفشي سره، لعنه وسيره إلى وجّ، فلم يزل طريداً حياة رسول الله ﷺ ، وفي خلافة أبى بكر وعمر ﵄ ثم أدخله عثمان ﵁ وأعطاه مائة ألف درهم. وفي الخبر: لمّا مات ابن عباس ﵄ وخرجوا بنعشه جاء طير عظيم أبيض من قبل وج حتى خالط أركانه ثم لم يروه. ودان (٥) : قرية من أمهات القرى بالحجاز، وهو فعلان من الود. وفي سير ابن إسحاق (٦) : غزوة الابواء وهي غزوة ودّان. وقال (٧) يعقوب بن حميد: أقبلت من مكة، فلما صرت بودان لقيت صفراء من مولداتها فقلت: يا جارية ما فعلت نعم؟ فقالت: سل النصيب، تريد قوله: ألا تسأل الخيماتِ من بطن أرثدٍ ... إلى النخل من ودّان ما فعلتْ نعمُ أسائل عنها كل ركب لقيتهم ... ومالي بها من بعد أن فارقت علم قال: فعجبنا من ظرفها. وقال البكري: من ودان إلى مدينة الجار، وهو بئر تنزل عليه القوافل، بينهما خمسة وثلاثون ميلاً. وودّان (٨) : أيضاً في بلاد البربر في حيّز برقة، بينها وبين قصر ابن ميمون ستة أيام، وقصر ابن ميمون آخر عمل طرابلس. قالوا: وكانت ودّان فيما سلف أكثر الأرض عمارة، وكان الملك في أهلها متوارثاً إلى أن جاء دين الإسلام فخافوا من المسلمين فتوغلوا في بلاد الصحراء وتفرقوا ولم يبق منهم إلا بقايا قوم من السودان، معايشهم كدرة وأمورهم نكدة، وهم في سفح جبل طنطنة، وإبلهم قليلة وجلتهم يأكلون لحوم الجمال المقددة ويشربون ألبان الإبل، والحطب عندهم قليل، وأكثر نيرانهم من بعر الجمال وبعض الشوك. ؟؟ ورزيغة (٩) : مدينة بين فاس واغمات، كثيرة المياه والثمار، وهي آهلة كثيرة الخيرات تباع فها ألف حبة إجاص بربع درهم، قتل ميسور الفتى أهلها وسبى نساءها بعد زواله عن مدينة فاس سنة أربع وعشرين وثلثمائة.

стр. 625

عين وردة: موضع على مقربة من الكوفة وقد تقدم قي حرف العين المهملة. الوردانية (١) : حصن الوردانية بالمغرب بينه وبين حصن القرويين ميلان، وهو على جبل بساحل البحر، ومن الوردانية إلى هنين أربعة أميال، وهو على مرسى جيد مقصود، وهو أكثر الحصون بساتين وضروب ثمر، تسكنه كومية، وبين هذا الحصن ومدينة ندرومة ثلاثة عشر ميَلاً. ورام: بالهند، وفي الكتاب الذي وجه به محمود بن سبكتكين سلطان خُراسان إلى الإمام القادر بالله أمير المؤمنين: ووردت رسلُ مَلِكي كفرة ورام، باذلين عنها حسن الطاعة وذاكرين أن كل واحد منهما ينهض ابناً له إلى خدمة الراية، فأجاب العبد أنهما إن أسلما سلما في الدنيا والآخرة من أشد العذاب، وإن أصرَا على كفرهما لم ينتفعا بانفاذ الهدايا والأولاد شيئاً " إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا لَنْ تغنِيَ عَنهمْ أَمْوَالهمْ وَلا أَوْلَادهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأولئِك هُمْ وَقُود النَّارِ " آل عمران: ١٠ ". ورزازات (٢) : بالمغرب، قريب من وادي درعة، وهو بلد هسكورة. الوطيح (٣) : حصن من حصون خيبر وكان آخر ما فتح رسول الله ﷺ من حصونهم الوطيح والسُلالم، حاصرهم فيها رسول الّله ﷺ بضع عشرة ليلة، وخرج مرحب اليهودي ونادىَ مَن يبارز، وارتجز: فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر اني كعب ... مفرج الغما جريء صعب ... معي حسام كالعقيق عضب ... نطؤكم حتى يذل الصعب ... فقال رسول الله ﷺ : " مَنْ لهذا؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس، قال: " فقم إليه، اللهم أعنه عليه "، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فاتّقاه بدرقته فوقع سيفه فها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر يقول: مَنْ يُبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام ﵁، فقالت أمّه صفية بنت عبد المطلب ﵂: يقتل ابني يا رسول الله؟ فقال ﷺ : " بل ابنك يقتله إن شاء الله "، فخرج الزبير ﵁ فالتقيا فقتله الزبير. وليلي (٤) : مدينة بالمغرب بطرف جبل زرهون، مدينة رومية قديمة، ذكروا أن فيها نزل إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن. ابن علي بن أب طالب ﵃ بعد أن انهزم من وقيعة فخ سنة تسع وستين ومائة فاستتر مدة، وألح السلطان في طلبه، فضاقت عليه المذاهب ورغب في الخروج من بلاد المشرق، فخرج معه راشد، وكان من موالي العلوية وأصله لمن البربر، ليثور به في قومه ويأمن من عدوه " وكان راشد عاقلاً شجاعاً أيّداً ذا فهم ولطف وحزم فخرج به في غمار الحاج وغيَّر زيه وألبسه مدرعة وعمامة من خشن الثياب، وصيره كالغلام يخدمه " إذا أمر أو نهى أسرع، فسار به مستخفياً من موضع إلى موضع حتى قربا من بلاد إفريقية فتركها، وسار به إلى بلاد البربر حتى انتهى إلى بلد فاس وطنجة، فنزل به مدينة وليلي هذه على إسحاق بن محمد ابن عبد الحميد الأوربي، وكانت اوربة إذ ذاك أعظم قبائل بلاد المغرب، وكانت فيها مدن كثيرة أعظمها حينئذ مدينة سقوما (٥) ، وكان إسحاق هذا معتزلي المذهب، فوافقه ادريس على مذهبه

стр. 626

وأقام عنده، وأمر إسحاق قبيلته بطاعته وتعظيمه وكان ذلك في خلافة الرشيد، فوصله خبره فغمه ذلك، فقال له يحيى بن خالد: أنا أكفيك أمره فأرسل إلى سليمان بن جرير وكان من ربيعة يرى رأي الزيدية متعصباً لآل أبي طالب، وكان جلداً شجاعاً، وهو الذي جمع الرشيد بينه وبين هشام بن الحَكَم حين ناظره في أمر الإمامة في قصة طويلة، فرغبه يحيى بن خالد في المال، ووعده عن نفسه وعن الرشيد بمواعيد عظيمة، ودعاه إلى قتل ادريس والتلطف في أمره، فأجابه إلى ذلك، وأعطاه مالاً جزيلاً ودفع إليه قارورة فيها غالية مسمومة، ووجه معه رجلاً من ثقاته فتوغلا في البلاد حتى وصلا إلى ادريس، وكان ادريس عالماً برياسة سليمان في الزيدية، فلما وصل إليه قال له: إنما جئت بنفسي وحملتها على ما حملتها عليه لمذهبي فيكم أهلَ البيت. فجئتك لا من حاجة إليك إلا لأنصرك بنفسي فسر ادريس بقوله وقبله أحسن قبول، فأحسن نزله وأكرم مثواه وأنس به، فكان سليمان يجلس في مجالس من البربر ويظهر الدعاء إلى ولد رسول الله ﷺ ويحتج لأهل البيت كاحتجاجه بالعراق وكان من شياطين الانس، فاعجب ذلك ادريس منه، ومكث عنده مدة وهو يطلب الغرة ويترصد الفرصة في أمره، حتى غاب راشد في بعض أمره، فدخل عليه سليمان ومعه القارورة، فلما انبسط إليه ادريس وأخلى له وجهه قال له سليمان: جعلني الله فداك، هذه القارورة فيها غالية رفيعة أوصلتها معي، وأعلم أنه ليس ببلدك طيب فجئتك بها، ووضعها بين يديه، ففتحها ادريس وشمها وتغلف بها، وقيل أخرج سكينة وقطع به تفاحة وأعطاه النصف الذي يلي الجهة المسمومة من السكين، ثم انصرف سليمان إلى صاحبه وقال: قد تمَّ مرادنا، وقد كانا أعدا فرسين مضمرين، فركباهما وخرجا يركضان يطلبان النجاة، فلما وصل السم إلى خياشم ادريس وتغلغل في دماغه سقط مغشياً عليه لا يعقل، ولا يدري من يختص به من أهله وحاشيته ما شأنه، فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعاً، وتشاغل في معالجته، وقطع سليمان وصاحبه بلاداً في تلك المدة. قيل: فبقي إدريس في غشيته عامة نهاره وليلته تضرب عروقه حتى مات، فتبين لهم أمر سليمان بن جرير، فركب راشد في طلبه مع جماعة من أصحابه، فجد السير في طلبهما حتى لحقهما وحده، لأن فرسه كان ضمر أكثر من خيل أصحابه، فأدركهما فشد عليهما راشد، ففر صاحب سليمان، وضرب سليمان بالسيف ثلاث ضربات على وجهه ورأسه، كل ذلك لا يصيب مقتلاً، مع دفع سليمان عن نفسه، وعجز فرس راشد عن ادراكه، فلما رجع عنه راشد نزل فعصب جراحه فسار حتى لحق بالمشرق فكان في المشرق مكتع اليد، ومات إدريس بوليلي سنة خمس وسبعين ومائة فكانت مدته ثلاثة أعوام وستة أشهر، فهذا كان السبب في دخول العلويين بلاد المغرب فيما زعموا. الولجة (١) : بالعراق مما يلي كسكر من البر، وكان فتحها على يد خالد بن الوليد ﵁ سنة اثنتي عشرة. قالوا (٢) : لمّا وقع الخبر إلى ازدشير بمصاب قارن وأهل المذار أرسل الأندرزغر، وكان فارسياً من مولدي السواد وتنّائهم، ولم يكن ممن وُلِد في المدائن ولا نشأ بها، وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش، وأمره بغير طريق الاندرزغر، فقال أهل فارس ومولدو أهل المدائن هجاء للاندرزغر بالفارسية، وتفسير ذلك: لا يعود الخل عسلاً ولا السوادي فارساً، فأجابهم بالفارسية: لا يلفى الفارسي إلا صلفاً. وكان الأندرزغر قبل ذلك على خرج (٣) خراسان، الأندرزغر سائراً من المدائن حتى أتى كسكر ثم جازها إلى الولجة، وخرج بهمن جاذويه في أثره وأخذ غير طريقه، فسلك وسط السواد، وقد حشر إلى الأندرزغر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة، فلما اجتمع له ما أراد واستتم له أعجبه ما هو فيه، فأجمع السير إلى خالد، ولمّا بلغ خالداً وهو بالثني خبر الاْندرزغر ونزوله الولجة نادى بالرحيل، وخلّف سويد بن مقرن وأمره بلزوم الحفير، وتقدم إلى من خلف على أسفل دجلة وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة وترْك الاغترار، وخرج سائراً في الجنود نحو الولجة حتى ينزل على الأندرزغر وجنوده ومن تأشب إليه، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ (٤) ورفع النصر، واستبطا خالد كمينه وكان قد وضع لهم كميناً في ناحيتين عليهم بسر بن أبي رهم وسعيد ابن مرة العجلي، فخرج الكمين من وجهين، فانهزمت صفوف الأعاجم وولوا، وأخذهم خالد من بين أيديهم، والكمين من خلفهم، فم يرَ رجل منهم مقتل صاحبه، ومضى الأندرزغر

стр. 627

في هزيمته فمات عطشاً، وقام خالد في الناس خطيباً يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب، وقال: ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إليه ولم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوعَ والإقلالَ من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. وسار خالد ﵁ في الفلاحين بسيرة (١) فلم يقتلهم، وسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزي والذمة، فتراجعوا، وبارز خالداً يوم الولجة رجل من أهل فارس يعدل بألف رجل، فقتله خالد، فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه؛ وقال خالد في يوم الولجة: نهكناهم بها حتى استجاروا ... ولولا الله لم يرزوا قبالا فولوا الله نعمته وقولوا ... ألا بالله نحتضر القتالا ألا بالله قوتنا ونبرا ... من الحول المقدرة البسالا ونقارة (٢) : في أرض السودان قريبة من غانة، وهي جزيرة طولها ثلثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلاً، والنيل يحيط بها من كل جهة في سائر السنة، فإذا كان شهر أغشت وحمي القيظ وخرج النبل وفاض، غطى هذه الجزيرة أو أكثرها وأقام عليها المدة التي عادته أن يقيم ثم يأخذ في الرجوع، فإذا انحدر رجع كل من في بلاد السودان المنحشرين إلى تلك الجهة يبحثون طول أيام رجوع النيل، فيجد كل إنسان منهم في بحثه هناك ما أعطاه الله تعالى قليلاً أو كثيراً من التبر، وما يخيب منهم أحد، فإذا عاد النيل إلى حدّه باع الناس ما حصل بأيديهم من التبر، وتاجر بعضهم بعضاً، واشترى أكثره أهل وارقلان وأهل المغرب الأقصى، فأخرجوه إلى دور السبك في بلادهم، فيضربونه دنانير ويتصرفون به في التجارات والبضائع وهكذا في كل سنة، وهو أكبر غلة عند السودان وعليها يعولون. وفي أرض ونقارة بلاد معمورة ومعاقل مشهورة، وأهلها أغنياء، والتبر عندهم وبأيديهم كثير، والخيرات مجلوبة إليهم من أطراف الأرض وأقاصيها وهم سود جداً، ويزرعون الذرة، وبقربها غابات وحولها شجر التوت كثير وتين ونخل كثير. الوعساء (٣) : أرض بحضرموت، قال الشاعر (٤) : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم وقش (٥) : قرية بثغر الأندلس، ينسب إليها أبو الوليد هشام ابن أحمد بن هشام بن خالد الكناني الوقشي (٦) من أهل طليطلة، ولي قضاء طلبيرة وعني بالهندسة والمنطق، مليح النادرة ذكر أنه اختصم إليه رجلان فقال أحدهما: يا فقيه اشتريت من هذا اثتي عشر تيساً حاشاك فقال له: قل أحد عشر، توفي بدانية سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وقعة الحمار (٧) : موضع من عمل اشبيلية كانت فيه وقعة للمسلمين على النصارى، وذلك في سنة عشر وستمائة، اتفق الفنش صاحب قشتالة، وصاحب بلاد الجوف، على أن يخرجا بعسكريهما على بلاد الإسلام التي لا دافع عنها بجزيرة الأندلس بعد وقيعة العقاب، فأما صاحب بلاد الجوف فجاء في الشمال إلى عمل اشبيلية فاصطلم كل ما مرَّ عليه إلى أن انتهى إلى مرج الحمار، فخرج السيد أبو زكريا بن أبي حفص بن عبد المؤمن صاحب اشبيلية بعسكر الأندلس الوافر الذين لم تلحقهم معرّة العقاب في السنة الماضية فوعدهم ومناهم وأثار حفائظهم وزحف بهم إلى العدو فأعطاه الله تعالى النصر، فيقال إنهم قتلوا منهم نيفاً على عشرة آلاف، وامتلأت أيديهما مما كان في عسكرهم، وكانت وقيعة

стр. 628

تحُدِثَ بها زماناً وما زال أهل اشبيلية يعتزون مما اتفق فيها فيخرجون متى ألم عدو بجهاتهم فيرجعون إلى أنحس حالة وأكثرهم أسير أو قتيل. واسللت (١) : جبل عظيم طوله يومان، وبينه وبين القيروان خمسة عشر ميلاً، وفيه عمارات ومياه جارية وفيه حصون كثيرة عامرة لأهلها مواش وأبقار وأغنام، ورجال العرب متغلبون على سهول هذه الأرض. وشقة (٢) : مدينة حصينة بالأندلس لها سوران من حجر بينها وبين سرقسطة خمسون ميَلاً، ووشقة مدينة حسنة متحضرة ذات متاجر وأسواق عامرة وصنائع قائمة، وأحوازها تتصل بأحواز بربطانية، ومشقة بشرقي مدينة سرقسطة، وهي مدينة كبيرة أولية قديمة رائقة البنيان، قد اتقن سورها أتم اتقان، وبها أزيد من ستين مسجداً، وهي على نهر يشق مدينتها ويجري في حمّامين من حمّاماتها وتسقى بفضلة مائه بساتين، وهي كريمة التربة، ويحيط بها من جنباتها جنات مغروسة وحدائق من الثمار ملتفة، وهي مخصوصة بطيب الكمثرى والزعرور، وحاصر المسلمون مدينة وشقة منذ فتح الأندلس حصاراً طويلاً حتى بنوا عليها المساكن وغرسها الغروس وحرثوا لمعايشهم، واتصل ذلك من فعلهم سبعة أعوام، والنصارى في القصبة القديمة محصورون، فلما طال عليهم الحصار استأمنوا لأنفسهم وذراريهم، فمن دخل في الإسلام ملك نفسه وماله وحرمته، ومن أقام على النصرانية أدى الجزية فليس بوشقة من أهلها المتأصلين رجل ينتهي في أصل صحيح من العرب وشكة (٣) : مدينة بثغر سرقسطة، منها أبو عبد الله محمد بن أحمد الوشكي سكن مرسية وعاشر صفوان صاحب " زاد المسافر (٤) " وبينهما مراسلات ومن شعره: لست أهوى الخد إلا ... مثل ماء دون طحلب والذي تلقاه يهوى ... ذاك كالهائم يطلب وله: إن عضَّك الدهر بأنيابه ... فاصبر عسى ينزع عن عضه ودار من تبصره مبغضاً ... فربما يضجر من بغضه وهران (٥) : بالمغرب على ساحل البحر، قيل إنها أسست في سنة تسعين ومائتين، وبناها جماعة من الاْندلسيين البحريين بسبب المرسى، للفتنة مع قبائل البربر المجاورين لها، فسكنوها مع قبيل من البربر نحو سبعة أعوام، ثم زحف إليهم قبائل كثيرة من البربر الطالبين للثأر الذي بينهم وبين القبيل الذين مكثوا معهم من البربر، ونصبوا الحرب، فهرب البربر الساكنون بها، وتغلب البربر المحاصرون عليها وأخرجوا من كان فيها وأضرموها ناراً، فخربت وهران عند ذلك وبقيت سنين خربة، ثم تراجع الناس إليها وبنوها فعادت إلى أحسن مما كانت عليه. وهي مدينة كثيرة البساتين والثمار، ولها ماء سائح من عيون وأنهار وأرحاء كثيرة، وهي من غرّ البلاد، ولها نظر كبير فيه قرى كثيرة وآثار قديمة، وأهلها موصوفون بعظم الخلق وكمال القامة والأيد والشدّة، يكون الرجل الكامل من غيرهم إلى منكب الرجل منهم، واقتطع رجل منهم ألف طلحة (٦) وحملها على ظهره يقيم بها بيتاً يسكنه، ولوهران مرسى كبير للسفن يكنّ من كل ريح لأنه في جون جبل مطل على وهران مرتفع. وعلى وهران (٧) سور تراب متقن، وبها أسواق وصنائع كثيرة

стр. 629

وتجارات نافقة، وهي تقابل مدينة المرية في ساحل برّ الأندلس، وسعة البحر بينهما مجريان، ومنها أكثر ميرة ساحل الأندلس، ولها على بابها مرسى صغير لا يستر شيئاً، ولها على ميلين منها المرسى الكبير، به ترسي السفن الكبار وهو يستر من كل ريح، لا مثال له في المراسي، وشرب أهلها من واد يجري إليها من البّر، وعليه بساتين وجنات، وبها فواكه ممكنة، وأهلها في خصب، والعسل بها والسمن والزبد كثير، والبقر والغنم رخيصة، والمراكب مختلفة إليها، وفي أهلها غرة أنفس ونخوة. ويطونان (١) : موضمع بين مدينة تامدلت ومدينة اودغست، فيه بئر يُسْهل ماؤها مَن شَربَ منه من الناس والبهائم، وماؤها كثيره لا ينزف.

стр. 630

فراغ

стр. 631

حرف الياء يابه (١) : قرية من قُرى بخارى. وياب (٢) : مدينة من مدن فرغانة. يافه (٣) : هي فرضة بيت المقدس، بينهما مرحلتان خفيفتان، وقد تقدَّم في ذكر لدّ قصة ابن حمل الضأن الذي يفتح الشام، ويضرب برواقه على تل يافا، وقد تقدم الخبر بطوله. يازور (٤) : قرية من أعمال الرملة بفلسطين، بنسب إليها أبو محمد الحسن بن علي اليازوري وزير المستنصر بن الظاهر خليفة مصر الشيعي، وسِير هذا الوزير وأخباره مصنفة لبعد آثاره وتمكنه من الاستيلاء على الدولة العبيديّة، وهو الذي وجه عرب الصعيد إلى إفريقية لما خلع المعز بن باديس الصنهاجي دعوة العبيدية، مات سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. يان (٥) : قرية من قُرى بلخ، منها أبو جعفر محمد بن رميح الياني، حدَث بسَنده قال، قال رسول الله ﷺ " لا تصلّوا عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا نصف النهار حتى تزول الشمس، ولا يوم الجمعة والإمام يخطب ". يَابُرَة (٦) : مدينة من كور باجة الاندلس، وهي قديمة، وتنتهي أحواز باجة فيما حواليها مائة ميل، وينسب إليها ابن عبدون اليابري الشاعر (٧) . وفي قصيدة (٨) عيسى بن الوكيل المشهورة التي مدح بها علي ابن القاسم بن محمد بن عشرة قاضي سلا التي أولها: سَل البرقَ إذ يلتاح من جانب البرقا ... أَقرطَيْ سليمى أم فؤادي حكى خفقا ولمْ أسبلت تلك الغمامةُ دمعها ... أَريعتْ لوشكِ البين أم ذاقتِ العشقا يقول فيها: غريب باْرض الغرب فرق قلبه ... فآوت سلا فرقا ويابرة فرقا إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعداً ... على شجوه إلا الغمائم والورقا

стр. 632

ومنها في المدح: حياء يغض الطرْف إلا على العلى ... وعرض كماء المزن في المزن بل أنقى وفضل نمير الماء قد خضَّر الربى ... وعدل منير النجم قد نوَّر الأفقا بلغنا بنعماك الأمانيَّ كلها ... فما بقيت أمنيّة غير أن تبقى وسبب مدحه له بهذه القصيدة أنه كان مستعملاً بغرناطة في الدولة اللمتونية، فحكي أنه انكسر عليه مال جليل يبلغ عشرة آلاف دينار، فقبض عليه وأشخص منكوباً إلى مراكش، فلما بلغ الموكلون به مدينة سلا وبها يومئذ بنو القاسم المعروفون ببني عشرة، رباب السماح وأرباب الأمداح، قال هذه القصيدة يمدح القاضي أبا الحسن منهم ويستجير به، وسأل إيصالها إليه، فبادر عند الوقوف عليها إلى المخاطبة بتضمن المال وتحمّله وسؤال الصفح عنه والابقاء عليه باعادته على عمله، فصدر جوابه الاسعاف والاسعاد، وعاد ابن الوكيل إلى غرناطة أنبه معاد. الياسرية (١) : موضع من متفرجات بغداد على نهر عيسى، كان رضوان الياسري ملازماً سكنى الياسرية، وكان كثير القول في المياه والرياض، له: بالياسرية موقف العُشّاق ... وتراسل الأحداق بالأحداقِ ورياض كل أخي انفساح مبهج ... ومآلف الزفرات والاحراق وكان طاهر بن الحسين حين ضيق على المخلوع نزل الياسرية فاجتهد في حصاره، ثم نزل باب الأنبار وحاصر أهل بغداد، وتمادى القتال حتى كان من قتل المخلوع ما كان. يابسة (٢) : جزيرة تلي جزيرة ميورقة، ويقال لهذه الجزيرة ولمنورقة - بالنون - بنتا جزيرة ميورقة. وهي جزيرة (٣) حسنة كثيرة الكروم والأعناب، وبها مدينة حسنة صغيرة خضرة، وأقرب بر إليها مدينة دانية، بينهما مجرى، والمجرى مائة ميل، وفي شرقي يابسة جزيرة ميورقة بينهما مجرى. وبجزيرة يابسة عشرة مراس، وبها أنهار جارية. وقرى كثيرة وعمائر متصلة، وأرضها تنبت الصنوبر الجيد العود للانشاء وعدد المراكب، وبها ملّاحة لا ينفد ملحها، ويتصل بها في القبلة جزيرتان بينهما وبينها مجازات تسمى الأبواب. ياجميرى (٤) : من أرض الموصل، إليها كان ينتهي مصعب عند خروجه للقاء عبد الملك، وكانت أقصى مملكته، ولذلك قال أبو الجهم الكناني: أبيت يا مصعب إلّا سيرا ... في كلّ عام لد يا جميرا يبورة (٥) : مدينة بالأندلس، بينها وبين مدينة القصرين (٦) مرحلتان، وهي كبيرة عامرة بالناس لها أسواق وقصبة، ومسجد جامع، وبها الخصب الكثير الذي لا يوجد لغيرها من كثرة الحنطة واللحم وسائر البقول والفواكه، وهي أحسن البلاد بقعة وأكثرها فائداً، والتجارات إليها داخلة خارجة، وبينها وبين بطليوس مرحلتان. يتَرب (٧) : ثانيه تاء مثناة مفتوحة الراء، قرية بين اليمامة والوشم، يقال يترب أو أترب، بالهمز وأنشد (٨) : وقلن لحا الله رب العباد ... جنوب السخال إلى يتربِ

стр. 633

يثرب (١) : بالثاء المثلثة، اسم جاهلي لمدينة النبي ﷺ سميت بيثرب بن قانية بن مهليل بن ارم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها. ولمّا هلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر وأقصدتهم سهامه قال بعض ولده ممن رثاهم: عين جودي على عبيل وهل يُر ... جع ما فات فيضُها بانسجام عمروا يثرباً وليس بها شف ... ر ولا صارخ ولا ذو سنام غرسوا لينها بمجرى معين ... ثمّ حفوا الفسيل بالآجام وقال اله تعالى حاكياً " وَإذ قَالَت طَائِفَة مِنهم يَا أهلَ يَثرِب لَا مُقَامَ لَكم " " الأحزاب: ١٣ "، وقال ﷺ : " تسمونها يثرب ألا وهي طيبة "، كأنه كره أن تسمى يثرب لما فيه من لفظ التثريب. ولمّا خرج عمرو بن عامر من اليمن بسبب أنه رأى جرذاً يحفر في سدّ مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، علم أنه لا بقاء للسدّ على ذلك، فعزم على النقلة من اليمن، فكاد قومه، فأمر أصغر بنيه أن يلطمه في القصة المشهورة، فتفرقوا في البلاد، فنزلت الأوس والخزرج يثرب، والخبر طويل. قالوا: وكانت يثرب تدعى في الجاهلية غلبة، غلب عليها اليهود العماليق، وغلب الأوس الخزرج علها اليهود، وغلب المهاجرون عليها الأوس والخزرج، وغلب الأعاجم عليها المهاجرين. يجاجين (٢) : بمقربة من سبتة، وهي مدينة جليلة مفيدة، على نهر عذب، وبها جامع وأسواق وحمّام، وهي لمصمودة. اليحموم (٣) : جبل بالجزيرة قريب من الثرثار. يدوغ (٤) : جبل يدوغ على مدينة بونة، وهو عالي الذروة، وفيه معادن الحديد. اليرموك: موضع بالشام فيه كانت الوقيعة العظمى المشهورة للمسلمين على الروم في الصدر الأول. قالوا (٥) : إن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ لمّا بلغه كتاب عمر بن الخطّاب ﵁ يأمره بنزول حمص ويحذره من المتنصرة، انثنى أبو عبيدة ﵁ إلى حمص فنزل بها يوم الجمعة من شوّال سنة أربع عشرة، فصالحه أهلها على أداء الجزية بعد أن قاتلهم، وبها مات عكرمة بن أبي جهل، وبعث خالداً ﵁ إلى المعرّات وبلد العواصم، فصالحه أهلها على أداء الجزية، فلما بلغ هرقل افتتاح العرب لهذه البلاد، جيش الجيوش من كل ناحية، وأرسل إلى أهل رومية وأهل قسطنطينية وأهل أرمينية ومن كان على دينه من أهل الجزيرة، وبعث إلى عماله أن يحشدوا كلَّ من بلغ الحلم فما فوقه من أهل مملكته إلا الشيخ الفاني، فاجتمعوا، ووجَّه معهم من الملوك ابن قاطر وجرجير الأرمني والدرنجار وقورين ابن اخته، ومعهم الشمامسة والقسيسون والرهبان والأساقفة والبطارقة، ولم يبق في الصوامع راهب إلا نزل غضباً لدينهم، فرفعوا مائة ستين صليباً تحت كل صليب عشرة آلاف، وأمر عليهم ماهان الأرمني، وكان من أشرافهم وعظمائهم ليس فيهم أشجع منه. فلما (٦) بلغ المسلمين اجتماع جموع الروم استشار أبو عبيدة ﵁ أهل الرأي، فكلهم أشار عليه بالخروج عن الشام إلا خالد بن الوليد ﵁، وتبعه على ذلك قيس بن هبيرة بن مكشوح، وكان مثله في الشدة والاقدام والشجاعة، فقال خالد لأبي عبيدة: ولِّني ما وراء بابك ودعني والأمر، فولاه أبو عبيدة أمرهم.

стр. 634

فصار خالد إلى اليرموك، واجتمع به جموع المسلمين، ونزل الروم بالواقوصة على ضفّة اليرموك - وهو واد - وصار الوادي خندقَاً بينهم، وهو لِهْبٌ لا يدرك، وزحفت الروم في يوم في ضباب، وفيهم ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألفاً في السلاسل، عشرة في سلسلة، وأربعون ألفاً مربوطون بالعمائم، وأقبلوا لهم دويّ كدويّ الرعد، فأزالوا المسلمين على الميمنة إلى ناحية القلب، وكان خالد ﵁ في نحو ألف فارس، وقيل في نحو ستة آلاف، فلما رأى انكسار المسلمين واضطراب فرسان العرب، وكان إلى جنبه أكثر من مائة ألف من الروم، فاعترضهم وحمل عليهم، فما بلغتهم الحملة حتى فضَّ الله جمعهم واتبعهم من يليهم، فانكشفوا بين أيديهم كما تولي الغنم بين يدي الأسد. وحمل عليهم (١) المسلمون من كل ناحية، فمنحهم الله تعالى أكتافهم فقتلوهم كيف شاءوا لا يمتنعون من أحد، وركب الروم بعضهم بعضاً في الضباب إلى مكان شرف على أهوية تحتهم، فأخذوا يتساقطون فيها لا يعلم آخرهم ما لقي أولهم من أجل الضباب، فكان من صبر للقتال من المقرنين يهوي به من خشعت نفسه، فيهوي الواحد بالعشرة فلا يطيقونه، فسقط فيها خلق كثير، فبعث أبو عبيدة ﵁ من الغد شداد بن اوس بن ثابت ابن أخي حسَان يعدهم فلم يقدر، فقطعت القصب من الوادي وجعل على كل ألف قتيل قصبة، فإذا القتلى مائة ألف وعشرون ألفاً، فسميت تلك الأهوية حينئذ الواقوصة لأنهم وقصوا فيها، وما فطنوا بتساقطهم حتى انكشف الضباب، فأخذوا في وجه آخر، وقتل المسلمون منهم في المعركة مائة ألف وخمسة آلاف فيهم صناديدهم وفيهم أخو هرقل والتدارق والصقلار خصي هرقل، وذلك يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة خمس عشرة. وفر ماهان في من بقي من الروم إلى دمشق، فاتبعه خالد ﵁ في جيشه فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وترجل ماهان فقتله النعمان بن علقمة الازدي، وقيل بل عاصم بن حوال اليربوعي، فقومت عدته التي خرج بها للحرب بستين ألفاً لأنها كانت مرصعة بالدر والياقوت. ولم يزل خالد ﵁ يتبعهم فيقتلهم في كل واد وكل شعب وكل جبل. وكتب عمر بن الخطّاب إلى أبي عبيدة ﵄ أن يقسم الغنائم على المسلمين، فقسمها بدمشق، فأصاب الفارس أربعة وعشرون ألف مثقال من الذهب الأحمر ومثلها من الفضة، وأصاب الراجل ثمانية آلاف من كل نوع، وأعطى الفَرَس الهجين سهماً والفَرَس العربي سهمين، وألحق البراذين بالعربيات، وكانت أيام اليرموك من أشد أيام القتال، وأشدها يوم التغوير، وهو اليوم الذي أمر فيه ماهان مائة ألف رام من الأرمن أن يرموا فيه كلهم عن قوس واحدة، فرموا فغارت من المسلمين سبعمائة عين، منهم عين أبي سفيان بن حرب ﵁. وفي طريق آخر أنه لمّا تصافوا للقتال برز من صفّ العدو رجل منهم عظم الشأن عندهم، فقال أبو عبيدة ﵁: مَن يبرز إليه؟ فبرز إليه قيس بن هبيرة بن المكشوح، فطعنه فأرداه عن فرسه، فنادى أبو عبيدة ﵁ في الناس: والله مما بعدها إلا النصر فاحملوا، فحمل المسلمون فكانت الدبرة على الروم، فقتل منهم سبعون ألفاً لأنهم كانوا تقيّدوا للثبوت فلم ينج منهم إلا الأقل من الثلث، ولم يقتل في وقيعة من أهل الدهر إلى وقتنا هذا أكثر من قتلى اليرموك، وقال قيس بن المكشوح: جلبنا الخيل من صنعاء ... بكل مدجج كالليث حامي إلى وادي القرى فديار كلب ... إلى اليرموك بالبلد الشآمي واليرموك نهر بذلك الموضع وبه سمي. وفي التفسير أن لقمان لما وعظ ابنه بقوله " يَا بُنيَّ إِنَّها إلا تَك مِثقَالَ حبةٍ مِن خَرْدَلٍ " الآية " لقمان: ١٦ " أخذ حبّة من خردل فأتى بها إلى اليرموك وألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم ذكرها فبسط يده، فأقبل ذباب فألقاها في ناحيته. ومن امداح حسان بن ثابت لآل جفنة في الجاهلية قوله: لمن الدار أقفرت بمعانِ ... بين أصل اليرموك فالخمان ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر محلاً لحادث الأزمان

стр. 635

وقد تقدم في ذكر جلق قصة جبلة بن الأيهم، وذكر هذا الشعر هناك. يلملم (١) : جبل أو قرية على ليلتين من مكَّة من جبال تهامة، وأهله كنانة، تنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق ال يمن إلى مكَّة، وهو ميقات من حجَّ من هناك، وماؤها من آبار وعيون. يلاق (٢) : من مدن النوبة، وهو بين ذراعين من النيل، وأهلها متحضرة ومعايشهم حسنة، وربما وصلت إليهم الحنطة مجلوبة، والشعير والذرة عندهم ممكنة موجوعة، وبها يجتمع تجار النوبة والحبشة، ويسافر تجار مصر إليها إذا كانوا معهم في صلح وهدنة، وأرضها تسقى بالنيل وبالنهر الذي يأتي من بلاد الحبشة، وهو نهر كبير جداً يمدّ النيل، وموقعة بمقربة من مدينة يلاق وفي الذراع المحيط بها، وعليه مزارع أهل الحبشة وكثير من مدنها، وليس في مدينة يلاق مطر ولا يقع بها غيث البتة، وكذلك في ساذر بلاد السودان من النوبة والحبشة والكانميين وغيرهم من الأمم لا يمطرون وما لهم إلا فيض النيل. يلمقة (٣) : من مصانع اليمن التي بنتها الجن على عهد سليمان ﵇ مثل سلحين وغمدان، لم ير الناس مثلها، هدمتها الحبشة حين غلبت على اليمن، وير هذا المصنع يلمقة باسم بلقيس بنت هداد صاحبة سليمان ﵇ ملكة سبأ، وكان اسمها يلمقة. يَمَن (٤) : بفتح أوله وثانيه، موضع قريب من مكة، قال ابن أبي ربيعة: نظرت عيني إليها نظرةً ... مَهْبطَ البطحاء من بطن يَمَنْ فأمّا اليمن البلد المعروف الذي كان لسبأ فسمي يمنَاً لأنه عن يمين الكعبة، كما سمي الشام شاماً لأنه عن شمال الكعبة، والحجاز حجازاً لأنه حاجز بينهما، وقيل سمي اليمن ليمنه والشام لشؤمه، وقيل سمي اليمن يمنًا بتيمن بن قحطان. وهذا الأخير هو مراد سديف الشاعر (٥) فيما أحسب بقوله لبعض الطالبيين: لا عز ركنا نزار يومَ نائبةٍ ... إن أسلموك ولا ركنا ذوي يمن قوموا بدعوته ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فينا يا بني حسن يمويمن (٦) : هي مدينة دكالة بين مراكش وبين البحر المحيط، حدَّث بعضهم قال: دخلت مدينة يمويمن في أيام العادل خليفة مراكش، وهي في نهاية من العمارة، والخبز ستة عشر رغيفاً بدرهم، والعلفة بنصف درهم، والدجاجة مع عشرين بيضة بنصف درهم، وكنت أتعجب من قبائل دكالة إذا وصلوا بالضيافات وعرضوا أنفسهم، ولهم الخيول الحسنة والملابس الرائقة والعُدَد المستحسنة، فما هو إلا أن رجعنا لمراكش فصار جميع ذلك للضّد باستيلاء عرب الخلط على بلادهم حتى تركوها خراباً، وافتضوا الأبكار وهتكوا الأستار وعظمت الشناعة، فانتقى العادل عسكراً ثانياً كان زيادة في السلب، فخرج العسكر إلى محاربة العرب وهسكورة، عليه أبو إسحاق ابن إسماعيل بن أبي حفص، وهو الذي تقدمت ولايته على إفريقية، وعندما التقى الفريقان انهزم العسكر المراكشي وقتل أميره أبو إسحاق وأكابر فرسانه ولم يخلص إلا القليل ممن كان على فرس سابق. اليمامة (٧) : مدينة متصلة بأرض عُمان من جهة المغرب مع الشمال، كان اسمها جوّاً، وسميت اليمامة بامرأة، وهي الزرقاء، زرقاء اليمامة، وهي المشهورة في الجاهلية بجودة النظر وصحة إدراك البصر، وهي التي يقول فيها النابغة (٨) :
следующие страницы →