← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أحمد: عن عمرو بن عَبَسَة (١)، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسُولَ الله! مَا الإسلام. قَالَ: "أنْ يُسْلِمَ قَلبُكَ [لله]، وَأنْ يَسْلَمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ". قَالَ: فَأيُّ الإسْلامِ أفضلْ، قَالَ: "الإيمانُ". قَالَ: وَمَا الإيمان؟ قَالَ: "أنْ تؤْمِنَ بِالله وملائِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ والبَعْثِ بعْدَ الموْتِ". قَالَ: فَأيُّ الإيمان أفْضلُ؟ قَالَ: "الهِجْرةُ" قَالَ: فما الهِجْرَةُ؟ قالَ: "أنْ تَهْجُرَ السُّوءَ" قَالَ: فأيُّ الهِجرةِ أفْضَلُ قَالَ: "الجِهَادُ". فجعل النبي ﷺ الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال. * * * [بين الإيمان والإسلام]: وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان هل هما واحد أو مختلفان؛ فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة؛ فمنهم من يدّعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شَيْءٌ واحد منهم محمد بن نصر المروزي، وابنُ عبد البر. وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه. وأيوب فيه ضعف (٢).

стр. 107

ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره. وقد نُقِل التفريقُ بينهما عن كثير من السلف: منهم قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب (١) وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة ويحيى بن معين، وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما. • وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن. • وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف؛ فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قُرِن بين الاسمين كان بينهما فرق. * * * [التحقيق في الفرق بين الإيمان والإسلام]: والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه: الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمى (٢) النبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينا. وهذا أيضًا مما يدل على أن أخذ الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرَّق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر، فيكون - حينئذ - المراد بالإيمان جنسَ تصديق القلب، وبالإسلام جنسَ العمل. • وفي المسند للإمام أحمد (٣) عن أنس، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الإِسْلامُ عَلانية، والإِيمانُ في الْقَلْبِ" (٤). وهذا لأن الأعمال تظهر علانية، والتصديق في القلب لا يظهر.

стр. 108

• وكان النبي ﷺ يقول في دعائه - إذا صلى على الميت: "اللَّهُمَّ! مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتهُ مِنَّا فَتَوَفّه عَلَى الإِيمانِ" (١). لأن العمل بالجوارح إنما يُتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب. * * * [لماذا قيل: كل مؤمن مسلم]: • ومن هنا قال المحققون من العلماء: "كل مؤمن مسلم" فإن من حقق الإيمان، ورسَخ في قلبه: قام بأعمال الإسلام كما قال ﷺ : "ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلّه؛ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢). فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام. [ولم لا يقال: كل مسلم مؤمن؟] وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تاما مع عمل جوارحه بأعمال (٣) الإسلام؛ فيكون مسلمًا وليس بمؤمن بالإيمان التام، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤). ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). يعنى لا ينقصكم من أجورها؛ فَدَلَّ على أن معهم من الإيمان ما تُقْبَل به أعمالُهم. وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص لا قال له: "لَمْ تُعْطِ (٦) فلانا وهو

стр. 109

مؤمن؟ " فقال النبي ﷺ : "أو مسلم؟ ". يشير إلى أنه لم يُحَقِّقْ مقام الإيمان وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر. [متى ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ العَمَلُ]: ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا. لكن اسم الإيمان يُنفى عمن ترك شيئًا من واجباته كما في قوله ﷺ : "لا يَزْني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١). [بم يوصف المؤمن حينئذ]: • وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين. وهما روايتان عن أحمد. وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينتفى (٢) بالإتيان بما ينافيه بالكلية. ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا. • واختلف العلماء (٣): هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائر كافرا كفرًا أَصْغَرَ أو منافقًا النفاق الأصغر؟ ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه؛ إلا أنه روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما تارك الزكاة بمسلم". ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجًا عن (٤) الإسلام. وكذلك روى عن عمر ﵁ فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين. والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهما الجزية. يقول: لم

стр. 110

يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كِتَابيَّتِهمْ (١). * * * [متى يجوز نفي وصف الإسلام؟]: وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عَبَسة (٢). [الإسلام المطلق ومتى يصير المسلم مؤمنًا؟]: وخَرَّجَ النسائي من حديث عقبة بن مالك (٣) أن النبي ﷺ بعث سرية فأغَارَتْ (٤) على قوم فقال رجل منهم: إني مُسْلِمٌ؟ فقتله رجل من السَّرِيَّة فَنُمِىَ الحديثُ إلى رسول الله ﷺ فقال فيه قولا شَديدًا فقال الرجل: إنما قالها تَعَوُّذًا من القتل؟ فقال النبي ﷺ : "إنَّ الله أبَى عَلَيَّ مَنَ قَتَل (٥) مُؤمِنًا". ثلاث مرات (٦).

стр. 111

فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يَصِرْ مَنْ قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول. وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وأخبر عن يوسف ﵇: أنه دعا بأن يموت (٢) على الإسلام (٣). وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. * * * [من الأدلة الأخرى على هذا]: • وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عَدِيُّ! أسْلِمْ تَسْلَمْ!؟ " قُلْتُ: ومَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: "تَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلا اللهُ، وتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله، وتُوْمِنُ بالأقْدَارِ كُلِها: خَيرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِها ومُرِّها" (٤). وهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع. وليس المراد الإتيانَ بلفظهما (٥) دون التصديق بِهِمَا. فعُلِمَ أن التصديق بهما داخلٌ في الإسلام. وقد فَسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٦) بالتوحيد والتصديق - طائفةٌ من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير. * * *

стр. 112

[إيمان الصديقين]: [وماذا إذا نفي الإيمان وأثبت الإسلام؟]: وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل؛ إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين. وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته. وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل. وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله: أحمد بن حنبل (١)، فإن إيمان الصِّدِّيقِينَ الذين يتجَلَّى الغيبُ لقلوبهم حتى يصيرَ كأنه شهادةٌ بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم (٢) يبلغ هذه الدرجة، [بحيث] لو شُكِّك لدخله الشك؛ ولهذا جعل النبي ﷺ مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين! • ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكر ﵁ بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَر في صدره (٣). • وسئل ابن عمر ﵄: هل كانت الصحابة ﵃ يضحكون؟ فقال: "نَعَم! وإن الإيمان (٤) في قلوبهم أمثَالُ الجبال!؟ ". * * * فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار (٥) فهؤلاء يصح أن يقال في حقهم (٦) لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم. * * * [خطورة قضايا الإيمان والكفر]: • وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة

стр. 113

جدًّا؛ فإن الله علَّق بهذه الأسماء: السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار. * * * [الخلاف فيها كان أول خلاف]: • والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماءَ السلمين وأموالَهم، ثم حدث بعدهم خلافُ المعتزلة، وقولُهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلافُ المرجئة وقولهم إن الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإِيمان. * * * • وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة. وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد: القاسم بن سلام، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي. وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف. وقد ذكرنا ها هنا نكتا جامعة لأصول كثيرة من هذه السائل والاختلاف فيها. وفيه إن شاء الله كفاية. (فصل) [فيما يدخل في مسمى الإسلام والإيمان] قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضًا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضًا أعمال الجوارح الباطنة، فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله تعالى، والنصحُ له ولعباده، وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد، وتوابع ذلك من أنواع الأذى. * * * ويدخل في مُسَمَّى الإيمانِ: وَجَلُ القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيّادة الإيمان بذلك، وتحقيق التوكل على الله ، وخوف الله سرًّا

стр. 114

وعلانية. والرضا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا، واختيارُ تلف النفوس - بأعظم أنواع الآلام - على الكفر، واستشعارُ قرب الله من العبد، ودوامُ استحضاره، وإيثارُ محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحبُّ في الله (١) والبُغْضُ فيه، والعطاءُ له، والمنعُ له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له، وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية، والاستبشارُ بعمل الحسنات، والفرحُ بها، والْمسَاءة بعمل السيئات، والحُزْنُ عليها، وإيثارُ المؤمنين لرسول الله ﷺ على أنفسهم وأموالهم، وكثرةُ الحياء، وحسنُ الخلق، ومحبة ما يحبه لنفسه - لإخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنين - خصوصًا الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين ومناصرتُهم، والْحزن بما يَحْزُنُهم. [أدلة ما تقدم]: ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك. [دخول العمل في مسمى الإسلام]: • فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام. ففي مسند الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال قلت: يَا رَسُولَ الله! بالَّذي بَعَثَكَ بالحق ما الذي بعَثَك به؟ قَالَ: "الإِسْلامُ". قُلْتُ: ومَا الإسْلام؟ قَالَ: "أنْ تُسْلِمَ قَلْبَك لله تَعَالَى، وأنْ تُوَجِّه وجهَكَ إلى الله تعالى، وتُصَلِّيَ الصَّلاةَ المكتُوبَة، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المفْروضَةَ" (٢). وفي رواية [له] (٣) قلت: وَمَا آيَةُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أنْ تقُولَ أسْلَمْتُ وجْهِىَ لله، وتَخَلَّيْتُ (٤)، وَتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزَّكَاةَ وكلُّ مسلم عَلَى مسلم حَرَامٌ". وفي السنن عَنْ جُبَيرِ بن مُطْعِم عن النَّبي ﷺ أنَّه قَالَ في خُطْبته بالخَيْفِ من مِنى: "ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِم: إخْلاصُ العَمَل لله، ومنَاصَحة ولاةِ الأمور، ولزوم

стр. 115

جمَاعة المُسْلمينَ؛ فإن دَعوتَهُمْ تُحيِطُ مِن وَرَائِهم" (١). فأخبر أن هذه الثَّلاث الخِصَال تَنْفي الغِلَّ عنَ قَلْبِ المسْلِمِ. وفي الصَّحيحين عَنْ أبي مُوسَى عَنِ النّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئلَ أيُّ المسلمين أفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الْمُسْلِمُ أخُو الْمسلِمِ؛ فَلا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، بِحَسْب امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحْقِرَ أخَاهُ الْمسلِمَ. كُلُّ الْمسْلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وعِرْضُهُ" (٣). * * * [دخول العمل في اسم الإيمان]: • وأما مما ورد في دخوله في اسم الإيمان فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨). • وفي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَنِ العَبَّاس بن عَبد المُطَّلب عن النَّبي ﷺ قال: "ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وبالإسْلامِ دينًا، وبمحمدٍ رَسولًا (٩).

стр. 116

[معنى الرضا بالله ربا]: والرضا بربوبية الله يتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، والرضا (١) بتدبيره للعبد واختياره له. والرضا بالإسلام دينًا يتضمن (٢) اختياره على سائر الأديان، والرضا بمحمد رسولا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح كما قال سبحانه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). وفي الصحيحين عن أنس عَنِ النَّبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ من كُنَّ فيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلاوَةَ الإيمَانِ: مَن كَانَ الله وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيه مِمَّا سواهُمَا، وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعود إِلَى الكفر - بَعد إذْ أنقَذَهُ الله منهُ - كَمَا يَكْرهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ" (٤). وفي رواية: "وَجد بهنَّ طَعْمَ الإيمان". وفي بعض الروايات: "طَعْمَ الإيمانِ وَحَلاوَتَهُ" (٥).

стр. 117

وفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يُؤُمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِه والناس أجْمَعِينَ". وفي رواية: "مِنْ أَهْلَهَ ومَالِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ" (١). وفي مسند الإمام أحمد عَن أبي رَزِين العُقَيْلِي، قال: قلت يَا رَسولَ الله! ما الإِيمانُ؟ قال: "أن تَشْهَدَ أنْ لا إله إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسُولُه، وأن يَكون الله وَرَسُولُهُ أحبَّ إليك مما سواهما، وَأنْ تُحْرَق في النَّارِ أحَبُّ إِليْكَ مِنْ أن تُشْرِكَ بالله، وأن تُحِبَّ غَير ذي نَسَب لا تُحبُّه إلَّا لله [ ] فإذَا كنْتَ كَذلَكَ فَقَدْ دَخَل حُبُّ الإِيمانِ في قَلبكَ كما دَخَل حُبُّ المَاء للظمْآنِ في اليوم القَائِظ". قُلتُ: يا رسول الله! كَيْفَ لي بأنْ أعْلَمَ أنِّي مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: "مَا مِنْ أمتي أو هَذه الأمَّة عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَيعلمُ أنَّها حَسَنةٌ وأنَّ الله جازيه بها خيرًا، ولا يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَيَعلم أنَّها سَيِّئَةٌ وَيسْتغْفِرُ الله منها ويَعْلم أنه لا يغْفِرُها إلا هو؛ إلا وَهو مُؤمِنٌ" (٢). [من الإيمان أن تسرك حسناتك]: • وفي المسند وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من سَرَّتْهُ حَسنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئتُه فَهُوَ مُؤمِنٌ" (٣). • وفي مسند بَقِيِّ بن مَخْلِدٍ عن رجل سَمِعَ رسولَ الله ﷺ قال: "صَرِيحُ الإِيمان إِذا أسَأتَ أو ظَلَمْتَ أحدًا: عَبْدكَ أو أمَتَكَ أوْ أحَدًا من النَّاسِ صُمْتَ أو تَصَدَّقْتَ، وإذا أحَسَنْتَ اسْتَبشْرتَ". [من صور الإيمان]: وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمُنوا بالله وَرَسُولِهِ ثم لَمْ يَرتابوا وجَاهَدوا بأَمْوَالِهم وَأَنْفُسِهِم في سَبيل

стр. 118

الله، والَّذي يَأْمنُه الناسُ عَلىَ أموالهم وأَنْفُسِهِم (١)، ثم الذَّي إِذا أشْرَفَ عَلىَ طَمَع تَرَكَهُ لله " (٢). [من تعريفات الرسول للإيمان والإسلام وأفضل التطبيقات لهما]: • وفيه أيضًا عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: قلت: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: "طيبُ الكلامُ، وإطعامُ الطعام" فقلت: ما الإِيمانُ؟ قال: "الصبر والسماحةُ" قلت: أيُّ الإسلام أفْضلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِم المسلمون مِن لسانه ويدِهِ". قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: خُلُقٌ حَسنٌ" (٣). * * * • وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة فقال: "هو الصبر عن محارم الله، والسماحة بأداء فرائض الله" (٤). [أكمل المؤمنين إيمانًا]: • وفي الترمذي وغيره عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "أكْمَل المؤْمِنينَ إيمانًا أحْسَنُهُم خُلقًا" (٥). وخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة (٦) ﵁. * * *

стр. 119

[من الإيمان التوحيد وإيتاء الزكاة والعلم بمعية الله]: • وخرج البزار في مسنده من حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري (١) عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ من فَعَلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ الإِيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ وأنَّهُ (٢) لا إِلَهَ إِلّا الله. وَأعْطَى زكاةَ مَالهِ طيبةً بها نَفْسُه، رافدةً عليه (٣) في (٤) كلِّ عامٍ. وذكر الحديثَ (٥). وفي آخره: فقال رجلٌ: فما تزكية المرءِ نَفْسَهُ يا رسول الله؟ قال: "أن يعَلَمَ أن الله معه حيث كان". وخَرَّج أبو داود أولَّ الحديثِ دونَ آخِرِه. وخرج الطَّبَرَاني مِنْ حَديثِ عُبَادةَ بن الصَّامِتِ عن النَّبي ﷺ قالَ: "إن أفضل الإيمانِ أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيث كُنتَ" (٦). [ومن الإيمان الحياء من الله ]: • وفي الصَّحيِحَينِ عَن عَبد الله بن عُمَرَ ﵄؛ عن النبيِّ ﷺ قال: "الحَياءُ شُعْبَةٌ مِن الإِيمانِ" (٧). * * * [سهولة انقياد المؤمن لأمر الله ورسوله]: وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ من حديثِ العِرْباضِ بن سَارِيةَ ﵁ عَن

стр. 120

النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا المؤْمنُ كالجَمَلِ الأَنِفِ حَيثُما قِيدَ انْقَادَ". وَقَالَ الله (١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). [الإيمان وترابط أفراد المجتمع]: • وفى الصَّحيحين عن النعمان بن بشير ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "مَثلُ المؤمِنينِ في تَوادّهِم وتَعَاطُفِهِمْ وتَراحُمِهمْ كمثَل الجَسدِ إذا اشْتَكَى منهُ عضوٌ تَدَاعَى له سَائرُ الجَسدِ بالحُمَّى والسَّهر". وفي رواية لمسلم: "المؤمنُونَ كرجُلٍ وَاحِدٍ". وفي رواية له أيضًا: "المسلمُونَ كرجُلٍ واحدٍ إذا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وإن اشْتَكَى رأسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ". • وفي الصَّحيِحَين عَنْ أبي مُوسَى ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤْمنِ كَالْبُنْيَانِ يشُدُّ بَعضُهُ بَعْضًا". وشَبَّكَ بَينَ أصَابِعِه (٣). * * * وفي مُسْندِ الإمامِ أحْمد عن سهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ قَال: "المؤمِنُ من أهل الإيمان بِمنزِلةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَألَمُ المُؤْمنُ لأَهلِ الإيمانِ كمَا يألم الجسدُ لما في الرأس" (٤).

стр. 121

[الأخوة بين المؤمنين]: وفي سُننِ أبِي داودَ عَن أَبي هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبي ﷺ قالَ: "المؤمنُ مرآةُ المؤمِنِ، المُؤْمِن أخُو المؤمِنِ يَكُفُّ عليه ضَيْعتَه، ويَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه" (١). [من الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه]: وفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النَّبِي ﷺ قالَ: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفْسِه" (٢). * * * [نفي الإيمان عمن لا يُؤْمَنُ أذاه]: • وفي صحيح البُخَارِي عَنْ أبِي شُرَيحٍ الكَعْبي ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قَال: "والله لا يؤمِنُ! والله لا يؤمنُ! والله لا يؤمنُ! " قَالُوا: من ذاك؟ يا رسولَ الله! قال: "من لا يَأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ" (٣). [نفي الإيمان عمن يشبع وجاره جائع] • وخَرَّجَ الحَاكِمُ من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ ﵄ عن النَّبي ﷺ قَال: "لَيْسَ المؤمنُ الذي يَشْبَعُ وجَارهُ جَائعٌ" (٤). [من شعب الإيمان أن تعطي لله وتمنع لله وتحب لله وتبغض لله]: • وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني عن النَّبي ﷺ قَالَ: "مَنْ أعْطَى لله، وَمَنَعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله - زاد الإمام أحمد - وَأَنْكَحَ لله فقد اسْتَكملَ إيمَانَهُ" (٥).

стр. 122

[وتُعْملَ لسانَك في ذكر الله وتحب للناس ما تحب لنفسك]: • وفي رواية للإمامِ أحمد أنَّهُ سأل النبي ﷺ عن أفْضَلِ الإيمانِ فقال: "أن تُحِبُّ لله وتُبْغِضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَكَ في ذكر الله" فقالَ: وماذَا؟ يا رسول الله! قال: "وأنْ تُحِبَّ للنَّاس مَا تُحِت لِنَفْسِكَ، وتكرَهَ لَهُمْ مَا تكْرهُ لِنفسِكَ". * * * [وأن تقول خيرًا أو تصمت]: • وفي روَايةٍ له: "وأن تَقُولَ خَيرًا أوْ تَصْمُتَ" (١). * * * • وفي هذا الحديث: أن كثرةَ ذِكْرِ الله منْ أفضل الإيمان. [الحب في الله سفير الولاية مع الله]: • وخرَّج أيضًا: من حديث عَمْرو بن الجَمُوحِ: أنَّه سَمِعَ النَّبي ﷺ يَقُولُ: "لا يُحِقُّ العَبْدُ صَريحَ الإيمانِ حتَّى يُحبَّ لله ويُبْغِضَ للهِ، فإذا أحَبَّ لله وأبَغَضَ لله فقد استَحَقَّ الولاية من الله تَعَالَى" (٢). • وخرج أيضًا من حديث البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ قالَ: "إنَّ أوْثَقَ عُرَى الإِيمانِ أنْ تُحِبَّ في الله، وتُبْغِضَ في الله" (٣).

стр. 123

• وقال ابنُ عَباسٍ ﵄: "أحِبَّ في الله، وأَبْغِضْ في الله، وَوَالِ في الله وعَادِ في الله فإِنَّمَا تُنَالُ ولايةُ الله بِذَلكَ، ولنْ يَجدَ عبدٌ طَعْمَ الإيمان وإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وصوْمُه؛ حتَّى يَكُونَ كَذلك وقدْ صَارَتْ عَامَّةُ مؤاخاةِ الناسِ عَلى أمر الدُّنيا، وذلك لا يُجْدِى على أهْله شَيْئًا". • خَرَّجه ابن جَرِير الطَّبَري ومحمدُ بن نصر المروزي (١). (فصل) [عن الإحسان وكيف ورد في القرآن والسنة؟] • وأما الإِحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع: تارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالإِسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى، أو بالعمل. [الإحسان مقرونًا بالإيمان]: • فالمقرون بالإِيمان كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٣). [وبالإسلام]: • والمقرون بالإِسلام كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤). وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥).

стр. 124

[وبالتقوى]: • والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١). • وقد يذكر مفردًا. • كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢). • وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة (٣). وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإِحسان، لأن الإِحسان هو أن يَعْبُدَ المؤمن ربّهُ في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته؛ فكان جزاء ذلك: النَّظَرَ إلى وجه الله عَيَانًا (٤) في الآخرة. وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٥). وجعل ذلك جزاءً لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الرّانِ على قلوبهم حتى حُجِبَتْ عن معرفته، ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجِبُوا عن رؤيته في الآخرة. * * * [تفسير النبي ﷺ للإحسان]: • فقوله ﷺ في تفسير الإحسان: "أنْ تعْبُدَ الله كَأنَّك تَرَاهُ" مشيرًا إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهي استحضار قربه وأنه بن يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوفَ، والهيبةَ والتعظيم؛ كما جاء في رواية أبي هريرة ﵁: "أن تَخْشَى الله كأنَّكَ تَرَاهُ" (٦). ويوجب أيضًا: النُّصْحَ في العبادة، وبذلَ الجَهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. * * *

стр. 125

[كيف وصى النبي ﷺ بالإحسان؟]: [وصيته لأبي ذر]: • وقد وصّى النبي ﷺ جماعةً من أصحابه بهذه الوصية كما روى إبراهيمُ الهَجَريُّ، عن أَبي الأحْوَصِ، عن أبي ذر، ﵁ قال: "أوصَانِي خَلِيلي ﷺ أنْ أخْشَى الله كَأنِّي أرَاهُ، فإنْ لمْ أكنُ أرَاه فَإنَّهُ يَرانِي". [ولابن عمر]: • وروي عن ابن عمر ﵄ قال: "أخذَ رسُولُ الله ﷺ بِبَعْضِ جَسَدي فَقَالَ: اعْبُدِ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ" (١). خرجه النسائي. [ولزيد بن أرقم]: ويروى من حديث زيد بن أرْقَمَ مَرفوعًا وموقوفًا: "كُنْ كَأنَّكَ تَرى الله فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ" (٢). * * * [ولأنس]: • وخرج الطبراني من حديث - أنس ﵁: "أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله! حَدِّثْنِي بحدَيثٍ وَاجْعَلْهُ مُوجَزًا؟ فَقَالَ: "صَلِّ صَلاةَ مْوَدِّعٍ؛ فَإنَّكَ إِنْ كنْتَ لا تَرَاه فَإنَّه يَرَاكَ" (٣). [ولحارثة]: • وفي حديث حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح: أن النبي ﷺ قال له: "كَيْفَ أصْبَحتَ! يَا حَارِثَة؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤمِنًا حَقًّا! قَالَ: انظُرْ مَا تَقُولُ؛ فَإِنْ لِكُلِّ قَولٍ حَقيِقَةً؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأسْهَرْتُ لَيْلي وَأظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ ربِّي بَارِزًا! "وكأني

стр. 126

أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها! وَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ (١) فِيهَا قَالَ: "أبْصرْتَ فَالْزَمْ؛ عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإِيمَانَ في قَلْبهِ" (٢). [ولأبي أمامة]: وروى من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ وصى رجلا فقال له: "اسْتَحْي مِنَ الله اسْتحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ مِنْ صَالحِي عَشِيرتك لا يفارقانك" (٣). ويروى من وجه آخر مرسلًا. "استحي من ربك". [ولمعاذ]: ويروى عن معاذ أن النبي ﷺ وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: "اسْتَحْي منَ الله كَمَا تَسْتَحييِ منْ رَجُلٍ ذِي هَيْبَةٍ مِنْ أهْلِك (٤) ". وسئل النبي ﷺ عن كشف العورة خاليا فقال "الله أحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْه" (٥).

стр. 127

[من وصايا السلف في الإحسان] [وآثارهم فيه] ووصى أبو الدرداء ﵁ رجلا فقال له: "اعبد الله كأنك تراه". وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه؛ ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال: "كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا". أخرجه أبو نعيم وغيره (١). * * * [تفسير الجملة الثانية في الوصية بالإحسان]: • وقوله ﷺ : "فَإِنْ لَمْ تَكُن تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ": قيل إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يَشُقُّ ذلك عليه؛ فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويَطَّلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أمره. فإذا تحقق هذا المقام سَهُل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده، ومعيته (٢) حتى كأنه يراه. * * * وقيل بل هو إشارة إلى أن من شقَّ عليه أن يعبد الله تعالى كأنه يراه؛ فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه؛ فليستحي من نظره إليه كما قال بعض العارفين: "اتق الله أن يكون أهونَ الناظرين إليك".

стр. 128

وقال بعضهم: "خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك". [مقاما الإخلاص والمشاهدة]: وقال بعض العارفات (١) من السلف: "من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص". فأشارت (٢) إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما: أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله، وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادتِه بالعمل. والثاني: مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمان، وتَنْفُذَ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيبُ كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇. ويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر. وقد فسر طائفَة من العلماء المثلَ الأعلى المذكور في قوله : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). بهذا المعنى. ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٤). والمراد: مَثَلُ نوره في قلب المؤمن. كذا قاله أبي بن كعب وغيره كما السلف. * * * [الإحسان أفضل الإيمان] وقد سبق حديث: "أفضلُ الإيمان: أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيثُ كنتَ" (٥) وحديث: "ما تزكيةُ المرء نَفْسَه؟ " قال: "أن يعلم أن الله معه حيث كان" (٦).

стр. 129

[من ثمرات الإحسان]: • وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ في ظِلِّ الله تَعَالى يَوْم الْقِيامَة يَوْمَ لا ظِلّ إِلا ظِلُّهُ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوجَّهَ عَلِمَ أن الله مَعَهُ. . وذكر الحديث (١) ". * * * [أدلة قرب الله من العبد ومعيته له وشهوده عليه]: وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥). • وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (٧). * * * [دعوة السنة إلى استحضار قرب الله ] • وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله ﷺ : "إِنَّ أحدَكُمْ إِذَا قامَ يُصَلِّي فإِنَّما يُنَاجِي رَبَّهُ أو ربَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلة".

стр. 130

وقوله: "إِنَّ الله قِبَل وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى". وقوله: "إنَّ الله يَنصُبُ وَجْهَهُ لِوجْهِ عَبْدِهِ في صَلاتِه مَا لَمْ يَلْتَفِتْ" (١). • وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ ولَا غَائِبًا؛ إِنَّكُمُ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَريبًا" (٢). • وفي رواية: "وهو أقْرَبُ إِلَى أَحدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِه (٣) ". وفي رواية: "هُوَ أَقْرَبُ إلى أحْدِكُمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ". وقوله: "يَقُولُ اللهُ : أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا [هو] ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ" (٤). وقوله: "يَقُولُ الله : أنَا مَعَ ظَنِّ عِبْدِي بِي وأنَا مَعَهُ حيث ذكرني، فإنْ ذَكَرني في نفْسِهِ ذَكَرْتُه في نَفْسي، وَإنْ ذَكَرني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَربْتُ مِنْه ذِراعًا، وَإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منْه بَاعًا، وإن أتانِي يَمْشى أتَيْتُهُ هَرْولةً" (٥). [معنى قرب الله ] ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله - فسُبحان مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. * * *

стр. 131

[تفسير بكر المزني] قال بكر المزني: "من مِثْلُكَ يا ابن آدم؟ خُلِّيَ بينك وبين المحراب والماء؟! كلما شِئْتَ دَخَلْتَ على الله ؟! وليس بينك وبينه تَرْجُمَانٌ" (١). [متى يستأنس العبد بالله] ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته استأنس بالله واستوحش من خلقه ضرورة. [من الآثار في ذلك] قال ثور بن يزيد: "قرأت في بعض الكتب أن عيسى ﵇ قال: "يا معشر الحواريين: كَلِّمُوا الله كثيرًا وكلموا الناسَ قليلًا" قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟ قال: "اخْلوا بمناجاته!؟ اخْلُوا بدعائه؟! ". خرجه أبو نعيم (٢). * * * وخرج أيضًا بإسناده عن رِيَاحٍ، قال: "كان عندنا رجلٌ يُصَلِّى كلَّ يوم وليلة ألفَ ركعة حتى أُقِعدَ من رجليه فكان يصلي جالسًا كل ليلة ألف ركعة، فإذا صلَّى العصْرَ احتبَى واستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنِسَتْ بسواك؟ بل عجبْتُ للخليقة كيف استنارت قُلُوبُها بذكر سواك؟! " (٣). * * * وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت: "كأنك تكره أن تُؤتَى؟ ". قال: أجل! فقلت: أو ما تستوحش؟ قال: كيف أستوحِشُ وهو يقول أنا جليس من ذكرني؟!

стр. 132

وقيل مالك بن مِغْوَل (١) - وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟ وكان حبيب: أبو محمد يخلو في بيته ويقول: "من لم تَقَرَّ عينُه بكَ فلا قرَّتْ عينه، ومن لم يأنْس بكِ فلا أَنِسَ". * * * • وقال غَزْوان: "إني أصبت راحة قلبي في مجالسة مَنْ لديه حاجتي". * * * • وقال مسلم بن يسار: "ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله " (٢). • وقال مسلم بن عابد (٣): "لولا الجماعة ما خرجْتُ من بابي أبدًا حتى أموت". • وقال: "ما يَجِدُ المطيعون لله لذةً في الدنيا أَحْلَى من الخَلْوة بمناجاة سَيِّدِهِمْ ولا أحْسَبُ لهم في الآخرة من عَظِيم الثّواب أكْبَرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم من النظر إليه". ثم غُشِيَ عليه. * * * وعن إبراهيم بن أدهم قال: "أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنِسَ إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك، حتى لا تَرْجُوَ إِلا رَبَّك، ولا تخافَ إلا ذَنْبَك، وتَرْسَخَ محبتُه في قلبك، حتى لا تؤثِرَ عليها شيئًا؛ فإذا كنتَ كذلك لم تبالِ (٤) في بَرٍّ كُنْتَ أو في بَحْرٍ أو في سهل أو في جَبَلٍ، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيّب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف". * * * • وقال الفضيل: "طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه" (٥).

стр. 133

وقال أبو سليمان: "لا آنسنى الله إلا به أبدا". * * * وقال معروف (١) لرجل: "توكَّل على الله؛ حتى يكون جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواك". * * * • وقال ذو النون (٢): "من علامات المحبين لله أن لا يأْنَسُوا بسواه ولا يستوحشوا معه. ثم قال: إذا سكن القلب حُبُّ الله تعالى أنِسَ بالله؛ لأن الله أجلُّ في صدور العارفين أن يحبوا سواه". [تعقيب]: وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى. * * * [بيان أن علوم الفقه والأخلاق والعقيدة والتصوف لا تخرج عن هذا الحديث]: فَمنْ تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم (٣) أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث، وتدخل تحته، وأن جميع العلماءِ مَنْ فِرَقِ (٤) هذه

стр. 134

الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دلَّ عليه مجملا ومفصلا؛ فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفون إلى ذلك: الكلامَ في أحكام الأموال والأَبْضَاعِ والدماء وَكُلُّ ذلك من علم الإِسلام كما سبق التنبيه عليه. ويبقى كثير (١) من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ولا يتكلمون على معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. والذين يتكلمون في أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر. والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإِحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضًا، كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك. فانحصرت العلوم الشرعية التي تتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه. ففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة * * * [الساعة وأمارتها واستئثار الله بعلمها]: وبقى الكلام على ذكر الساعة من الحديث. فقول جبريل ﵇: أَخْبِرْني عَن السَّاعةِ؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا السئول عنْها بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". يعني أن علم الخلق كلّهم في وقت الساعة سواء. وهذا (٢) إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها. ولهذا [جاء أن العالِم. إذا سُئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلمه، وأن ذا لا ينقصه شيئا بل هو من ورعه ودينه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم] (٣).

стр. 135

[أدلة استئثار الله بعلم الساعة]: ١ - [من القرآن]: • [و] في حديث أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : "في خمس لا يعلمهن إِلا الله تعالى ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١). وقال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٢ - [ومن السنة]: وفي صحيح البخاري (٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلمهُنّ إِلا الله" ثُمَّ قرأ هَذِه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾. * * * وخرجه الإمام أحمد، ولفظه أن النبي ﷺ قال: "أُوتِيتُ مَفَاتيحَ كُلِّ شَيءٍ إلا الْخَمْسَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية﴾ (٤). • وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: "أُوتي نبيُّكُمْ ﷺ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيءٍ غيرَ خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية﴾ (٥). * * * [أمارات الساعة]: وقوله (٦): (فأخبرني عن أماراتها) يعني عن علاماتها التي تدل على اقترابها.

стр. 136

• وفي حديث أبي هريرة ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال: "سأُحَدِّثكَ عَنْ أشْرَاطِهَا". وهي عَلَامَاتُها أيضًا. [أمارتان]: • وقد ذكر النبي ﷺ للساعة علامتين: [الأولى: أن تلد الأمة ربَّتها]: الأولى "أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "ربَّها". وهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جَلْب الرقيق؛ حتى تكْثُرَ السراري وتَكْثُرَ أولادُهُنَّ فتكون الأمة رقيقةً لسيدها وأولاده منها بمنزلته؛ فإن ولد السيدة بمنزلة السيد فيصير ولدُ الأمة بمنزلة رَبِّهَا وَسَيِّدهَا. * * * [استنتاجات الفقهاء من ذلك]: وذكر "الخطابي" (٢) أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد؛ إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وأنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق عليهم، وأنها قبل موت سيدها تُبَاعُ. قال: وفي هذا الاستدلال نظر. قلت: قد استدل به بعضهم على عكسِ ذلك، وأن أم الولد لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد اللأمة ربَّها فكأن ولدها هو الذي عتقها، فصار عتقا منسوبًا إليه؛ لأنه سبب عتقها؛ فصار كأنه مولاها. • وهذا كما روي عن النبي ﷺ أنه قال في أم ولده مارية - لما ولدت إبراهيم ﵇ "أعْتَقَهَا وَلَدُهَا" (٣).

стр. 137

وقد استدل بهذا الإِمام أحمد ﵁، فإِنه قال في رواية محمد بن الحكمِ عنه: "تلد الأَمَةُ رَبّتَهَا": تكثر أمهات الأولاد، يقول إذا ولدت. فقد عتقت لولدها وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ. وقد فسر قوله: "تلد الأمةُ ربّتها" بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها. وقد وقع هذا في الإسلام. وقيل: معناه أن الإماء يَلدْنَ الملوك. وقال وكيع: "تلد المعجم العرب (١) "والعرب ملوك المعجم وأرباب لهم. [الأمارة الثانية]: والعلامة الثانية: "أَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُراةَ العَالَةَ" والمراد بالعالة: الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (٢). • وقوله: "رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاولُونَ فِي البُنْيانِ" هكذا في حديث عمر ﵁. والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهَوْن (٣) بطول البنيان، وزخرفته، وإتقانه. [أمارات أخرى]: وفي حديث أبي هريرة ﵁ ذكر ثلاث علامات منها: "أن يكُون الحُفَاةُ العراةُ رءوس الناس". ومنها أن يتطاول رُعاة البَهْمِ في البنيان". • وروى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عطاء عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ فقال فيه: "وَأَنْ تَرَى الصُّمَّ البُكْمَ العُمْيَ الحُفَاةَ رِعَاء الشَّاء يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيانِ مُلَوكَ النَّاس" قال: فَقَامَ رَجُلٌ (٤) فَانْطَلَقَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! مَنْ هَؤُلَاءِ الذَينَ نَعَتَّ؟ قال: "هُمْ العُرَيْبُ". وكذا رَوى هذا الحديثَ بهذه اللفظة الأخيرة (٥) عليُّ بن زيد، عن يحيى بن يعمَر،

стр. 138

عن ابن عمر. وأما الألفاظ الأول فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها. * * * وقوله: "الصّم البُكْمُ العُمْيُ" إشارة إلى جهلهم، وعدم علمهم وفهمهم. وفي هذا المضى أحاديثُ متعدِّدة. • فَخَرَّجَ الإمامُ أَحْمدُ والتِّرْمِذِيُّ من حديث حُذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال. "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعَ بنَ لُكَعٍ" (١). • وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكونَ عِنْدَ لُكَعِ بن لُكَعٍ" (٢). • وخرج الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْيبَ عَلَى الدُّنْيا لُكَعُ بنُ لُكَعٍ" (٣). • وخرج الإِمام أحمد والطبراني من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَينَ يَدَى السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُتَّهمُ فِيهَا الأمينُ، وَيؤَتمَنُ فِيهَا المُتَّهَمُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قَالوا: وَما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: "السَّفِيهُ يَنْطِقُ في أَمْر العَامَّةِ". وفي رواية: "الفَاسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ" (٤). وفي رواية الإمام أحمدَ: "إنّ بَينْ يَدَي الدَّجال سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّق فِيهَا الكَاذبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُخوَّنُ فِيها الأمِينُ، ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ، وذَكَرَ باقيه" (٥).

стр. 139

[مضمون ما ذكر]: ومضمون ما ذُكِرَ من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمورَ تُوَسَّدُ إِلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانتظِر السَّاعَةَ" (١). [وأدلة ذلك]: فإنه إذا صار الحفاة العراةُ رِعاءُ الشاءِ، وهم أهل الجهل والجفاء رءوسَ الناس وأصحابَ الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا؛ فإنه إذا رأس الناسَ من كان فقيرًا عائلا فصار ملكًا على الناسِ سواء كان ملكه عامًّا أو خاصًّا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال؛ فقد قال بعض السلف: "لأن تمد يدَك إلى التِّنِّين فَيَقْضِمَهَا خَيْرٌ لك من أن تَمُدَّها إِلى يد غَنيٍّ قد عالج الفقر" (٢). وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم. وفي حديث آخر: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلةٍ مُنَافقُوها" (٣). وإذا صار ملوك الناس ورءوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فَصُدِّقَ الكاذب، وكُذِّبَ الصادق، واؤُتمِنَ الخائن، وخُوِّنَ الأَمين، وتَكَلَّم الجاهل، وسَكَتَ العَالِمُ، أو عُدِمَ بالكلية. كما صح عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 140

"إن مِن أشْراط السَّاعةِ أن يُرفعَ العِلْمُ، وَيَظْهرَ الجهلُ" (١). وأخبر أنه "يُقْبَضُ العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جُهالا فَسئِلُوا فأفتوا بِغيْر عِلْم؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢). وقال الشعبي: "لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا والجهل علما". وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور. • وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنَّ مِن أَشرَاط السَّاعَةِ أنْ يُوضَعَ الأخيَارُ، ويُرفَعَ الأشْرَارُ (٣). * * * [التطاول في البنيان وعلام يدل؟]: وفي قوله: "يتطاولون في البنيان" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان. ولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة. • وروى أبو الزناد عن الأَعرج عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : • "لا تقوم السَّاعة، حتى يَتَطَاوَل الناسُ في البُنْيَانِ". خرجه البخاري (٤). [النهي عن التطاول في البنيان وذمه]: • وخرج أبو داود من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ خرج فرأى قُبَّةً مُشْرِفةً عالية فقال: "ما هذه؟ " قالوا: هذه لفلان: رجل من الأنصار فجاء صاحبها

стр. 141

فسلَّم على رسول الله ﷺ فأَعْرَضَ عنه، فعل ذلك مِرَارًا؛ فهدمها الرجل (١). • وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده: فقال النبي ﷺ : "كُلُّ بنَاءٍ - وأشارَ بيده هكذا عَلَى رأسه - أَكْثَرُ مِنْ هذَا فَهَوُ وبالٌ" (٢). • وقال حريث بن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان ﵁، فأتناول سقفَهَا بيدي". * * * وروي عن عمر ﵁ أنه كتب: "لا تُطيلوا بِنَاءَكم؛ فإنه شَرُّ أَيامِكُمْ". • وقال يزيد ابن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان (٣): "ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لِم؟ لتجعلَني مَلَكًا؟ قال: لا! ولكن نبني لك بيتًا من قصب ونسقفه بالبواري (٤) إذا قمت كاد أن يصيب (٥) رأسَك وإذا نمت كاد أن يمسَّ طرفيْك (٦) قال: كأنك كنتَ في نفسى!؟ ". * * * • وعن عمار بن أبي عمار قال: "إذا رَفَعَ الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين إلى أين؟ ". خرّجهُ كُلَّه ابنُ أبي الدنيا.

стр. 142

• وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده: "بلغني عن ابن عائشة حدثنا ابن أبي شُميلة (١) قال: "نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعرَ ففشا فيهم السرَق؛ فكتبوا إلى عمر؛ فأذن لهما في اليراع؛ فَبَنَوْا بالقصبِ فَفَشَا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر ﵁، فأذن لهم في المدر ونهى أن يرفع الرجل سَمْكهُ (٢) أكثر من سبعة أذرع وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد". * * * [وفي المساجد]: • قال ابن أبي عائشة (٣): وكان عتبة بن غَزْوان بَنَى مسجدَ البصرة بالقصب، قال [وكان يقال] "من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لَبنٍ، ومن صلى فيه وهو من لَبِن أفضل (٤) ممن صلى فيه وهو من آجُرٍّ". • وخَرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي ﷺ ؛ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ في المسَاجِدِ" (٥). ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أراكمُ سَتُشَرِّفُون (٦) مَساجدَكم بعدي كما شَرَّفَت اليهودُ كَنَائِسَها وكما شَرَّفَت النَّصارَى بِيعَهَا" (٧). * * * • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ﵁ قال: "لما بنى رسولُ الله ﷺ مسجدَه قال: "ابنُوهُ عريشا كعريش موسى ﵇". قيل للحَسَن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رَفع يدَه بلغ العريشَ، يعنى السقف (٨).

стр. 143

الحديث الثالث عن أبي عبد الرحمن: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "بُنِىَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادِةِ أن لَا إِلَهَ إِلا الله، وأَنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرسُولُه، وإقَامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكَاة، وَحَجّ البيتِ (١)، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". رواه البخاري ومسلم (٢). * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجاه، في الصحيحين من رواية عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄. وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر. وله طرق أخرى عنه. • وقد رُوي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله البَجَلي عن النبي ﷺ . وخرج حديثَه الإمامُ أحمد (٣). وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر الإسلام. [معنى الحديث]: والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبنيٌّ على هذه الخمس؛ فهي كالأركان والدعائم لبنيانه. • وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: "بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْس دَعَائِم" فذكره (٤).

стр. 144

[مقصود الحديث]: • والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كَتَتِمَّة البُنْيَان. فإذا فُقِدَ منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا يُنْتقَضُ بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإِسلامَ يزول بفقدها جميعها بغير إشكال. وكذلك يزول بفقد الشهادتين. [المراد بالشهادتين]: والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله ورسوله. وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا: "بُني الإسلام على خَمْسٍ: الإِيمان بالله ورسوله" وذكر بقية الحديث. • وفي روايةٍ لمسلم: "على خمس: على أن يُوحَّد اللهُ ". وفي رواية له: "على أن يُعبد الله ويُكْفَر بما دُونه" (١). [الإيمان داخل ضمن الإسلام]: وبهذا يعلم أن الإِيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام؛ كما سبق تقريره (٢) في الحديث الماضي. [إقام الصلاة وتركها]: • وأما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فعد خرج من الإِسلام. ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَين الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشرك والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (٣). ورُوي مِثْلُه من حديث بُرَيْدَة وثوبان وأنس وغيرهم. * * *

стр. 145

• وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمَّدًا؛ فَمَنْ تَركَها مُتَعَمِّدًا فقدْ خَرجَ مِنَ المِلَّةِ" (١). وفي حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ : "رَأْسُ الأمْرِ الإسلَامُ، وَعَمُودُه الصَّلَاةُ" (٢). فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط، ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه. * * * • وقال عمر ﵁: "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة". • وقال سعد ﵁ وعلي بن أبي طالب ﵁: "من تركها فقد كفر". • وقال عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون من الأعمال شيئا تركهُ كُفْرٌ إلا الصلاة". • وقال أيوب السَّخْتياني (٣): "ترك الصلاة كفر لا يُختلَفُ فيه". • وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السلف والخلف. وحكى قول ابن المبارك وأحمد وإسحق. وحكى إسحق إجماع أهل العلم عليه. • وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث (٤). [من ترك شيئًا من أركان الإسلام]: وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك.
следующие страницы →