← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فسلَّم على رسول الله ﷺ فأَعْرَضَ عنه، فعل ذلك مِرَارًا؛ فهدمها الرجل (١). • وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده: فقال النبي ﷺ : "كُلُّ بنَاءٍ - وأشارَ بيده هكذا عَلَى رأسه - أَكْثَرُ مِنْ هذَا فَهَوُ وبالٌ" (٢). • وقال حريث بن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان ﵁، فأتناول سقفَهَا بيدي". * * * وروي عن عمر ﵁ أنه كتب: "لا تُطيلوا بِنَاءَكم؛ فإنه شَرُّ أَيامِكُمْ". • وقال يزيد ابن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان (٣): "ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لِم؟ لتجعلَني مَلَكًا؟ قال: لا! ولكن نبني لك بيتًا من قصب ونسقفه بالبواري (٤) إذا قمت كاد أن يصيب (٥) رأسَك وإذا نمت كاد أن يمسَّ طرفيْك (٦) قال: كأنك كنتَ في نفسى!؟ ". * * * • وعن عمار بن أبي عمار قال: "إذا رَفَعَ الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين إلى أين؟ ". خرّجهُ كُلَّه ابنُ أبي الدنيا.

стр. 142

• وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده: "بلغني عن ابن عائشة حدثنا ابن أبي شُميلة (١) قال: "نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعرَ ففشا فيهم السرَق؛ فكتبوا إلى عمر؛ فأذن لهما في اليراع؛ فَبَنَوْا بالقصبِ فَفَشَا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر ﵁، فأذن لهم في المدر ونهى أن يرفع الرجل سَمْكهُ (٢) أكثر من سبعة أذرع وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد". * * * [وفي المساجد]: • قال ابن أبي عائشة (٣): وكان عتبة بن غَزْوان بَنَى مسجدَ البصرة بالقصب، قال [وكان يقال] "من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لَبنٍ، ومن صلى فيه وهو من لَبِن أفضل (٤) ممن صلى فيه وهو من آجُرٍّ". • وخَرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي ﷺ ؛ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ في المسَاجِدِ" (٥). ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أراكمُ سَتُشَرِّفُون (٦) مَساجدَكم بعدي كما شَرَّفَت اليهودُ كَنَائِسَها وكما شَرَّفَت النَّصارَى بِيعَهَا" (٧). * * * • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ﵁ قال: "لما بنى رسولُ الله ﷺ مسجدَه قال: "ابنُوهُ عريشا كعريش موسى ﵇". قيل للحَسَن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رَفع يدَه بلغ العريشَ، يعنى السقف (٨).

стр. 143

الحديث الثالث عن أبي عبد الرحمن: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "بُنِىَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادِةِ أن لَا إِلَهَ إِلا الله، وأَنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرسُولُه، وإقَامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكَاة، وَحَجّ البيتِ (١)، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". رواه البخاري ومسلم (٢). * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجاه، في الصحيحين من رواية عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄. وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر. وله طرق أخرى عنه. • وقد رُوي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله البَجَلي عن النبي ﷺ . وخرج حديثَه الإمامُ أحمد (٣). وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر الإسلام. [معنى الحديث]: والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبنيٌّ على هذه الخمس؛ فهي كالأركان والدعائم لبنيانه. • وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: "بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْس دَعَائِم" فذكره (٤).

стр. 144

[مقصود الحديث]: • والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كَتَتِمَّة البُنْيَان. فإذا فُقِدَ منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا يُنْتقَضُ بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإِسلامَ يزول بفقدها جميعها بغير إشكال. وكذلك يزول بفقد الشهادتين. [المراد بالشهادتين]: والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله ورسوله. وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا: "بُني الإسلام على خَمْسٍ: الإِيمان بالله ورسوله" وذكر بقية الحديث. • وفي روايةٍ لمسلم: "على خمس: على أن يُوحَّد اللهُ ". وفي رواية له: "على أن يُعبد الله ويُكْفَر بما دُونه" (١). [الإيمان داخل ضمن الإسلام]: وبهذا يعلم أن الإِيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام؛ كما سبق تقريره (٢) في الحديث الماضي. [إقام الصلاة وتركها]: • وأما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فعد خرج من الإِسلام. ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَين الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشرك والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (٣). ورُوي مِثْلُه من حديث بُرَيْدَة وثوبان وأنس وغيرهم. * * *

стр. 145

• وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمَّدًا؛ فَمَنْ تَركَها مُتَعَمِّدًا فقدْ خَرجَ مِنَ المِلَّةِ" (١). وفي حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ : "رَأْسُ الأمْرِ الإسلَامُ، وَعَمُودُه الصَّلَاةُ" (٢). فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط، ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه. * * * • وقال عمر ﵁: "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة". • وقال سعد ﵁ وعلي بن أبي طالب ﵁: "من تركها فقد كفر". • وقال عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون من الأعمال شيئا تركهُ كُفْرٌ إلا الصلاة". • وقال أيوب السَّخْتياني (٣): "ترك الصلاة كفر لا يُختلَفُ فيه". • وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السلف والخلف. وحكى قول ابن المبارك وأحمد وإسحق. وحكى إسحق إجماع أهل العلم عليه. • وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث (٤). [من ترك شيئًا من أركان الإسلام]: وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك.

стр. 146

وروي دلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكَم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. [ترك الحج]: • وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله! الحجُّ كُلّ عام؟ قَالَ: "لو قُلتُ: نَعَم لَوَجَبَ عَلَيكُمْ، وَلَو وَجَبَ عَلَيكُم ما أَطَقْتُموه، ولو تَركْتُموهُ لكفرتُم" (١). • وخرج اللَّالَكَائي (٢) من طريق مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد، عن (٣) عمرو بن مالك النُّكْرِى، عن أبى الجوزاء (٤) عن ابن عباس ولا أحسَبُه إلا رفعه قالَ: "عُرَى الإسلَام وقَواعدُ الدين ثلاثةٌ: عَلَيْهن أُسِّسَ الإسْلامُ: شَهادةُ أن لا إله إلا الله والصَّلاةُ [المكتوبة] (٥) وَصَومُ رَمَضان، مَنْ تَرك مِنْهنَّ وَاحدةً فَهو بِهَا كَافرٌ حَلَالُ الدَّم" وَتَجده (٦) كَثير المال لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَزالُ بِذلك كافرًا وَلَا يَحلُّ دمُهُ وَتَجدُه كَثير المال وَلا

стр. 147

يُزكِّى فَلا يَزَالُ بِذَاك كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُه (١). ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفا مختصرًا. ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: "مَنْ تَركَ مِنْهُنَّ وَاحدِةً فَهُو بالله كَافرٌ، وَلَا يُقْبل مِنْهُ صَرفٌ ولا عَدْلٌ، وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ". ولم يَذْكر ما بَعْدَه. وقد روي عن عمر ﵁ ضَرْبُ الجزية على من لم يحج وقال: "ليسوا بمسلمين". وعن ابن مسعود ﵁ أن تارك الزكاة ليس بمسلم (٢). وعن أحمد - رواية - أن ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كُفْرٌ دون الصيام والحج. [المرجئة وترك الفرائض]: • وقال ابن عيينة: المرجئة سَمَّوْا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم. وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلالٍ معصيةٌ، وترك الفرائض من غير جهل ولا

стр. 148

عذر - هو كفر -. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي ﷺ بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه. [كفر تارك الصلاة]: وقد استدل أحمد وإسحق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم؛ وتركُ السجود لله أعظمْ. • وفي صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ ابنُ آدَمَ السجْدة وسجَدَ اعْتَزل إبليسُ يَبْكى وَيَقولُ: يا ويْلي أمرَ ابنُ آدم بالسُّجود فَسجَدَ فله الجنَّةُ، وأُمرتُ بالسَّجودِ فَأبيتُ فليَ النار". [هذه الدعائم الخمس مترابطة]: • واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ فَرضَهُنَّ الله في الإسْلَام فَمن أَتى بِثَلاثٍ لَمْ يُغنينَ عنه شَيئًا حَتَّى يَأتي بِهنَّ جَميعًا: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وَصَومُ رمضانَ وَحَجُّ البيت" (٢). وهذا مرسل. وقد روي عن زياد عن عُمارة بن حزم (٣) عن النبي ﷺ . • وروي عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدينُ خمسٌ لا يقبل الله مِنهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا

стр. 149

إلهَ إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله (١) وإيمانٌ بالله وملائكته كتبهِ ورسله والجنة النار والحياة بعدَ الموت. هذه واحدة والصلوات (٢) الخَمْسُ عَمُودُ الدين لا يَقبلُ الله الإيمان إلا بالصلاة والزكاةُ طَهُورٌ من الذنوب ولا يَقبلُ الله الإيمان والصَّلاةَ إلا بالزكاة [فَمنَ فَعَل هَؤلاءِ الثَّلاث ثُم جَاءَ رَمَضَانُ فتركَ صيَامَه مُتَعمدًا لَمْ يَقبل الله مِنْه الإِيمانَ وَلا الصَّلاةَ، وَلا الزَّكاة] (٣) فَمنْ فَعَل هُؤلَاء الأَرْبَع ثمَّ تَيسَّرَ لَهُ الحَجُّ فَلَمُ يَحُجَّ، ولمْ يُوص بِحجَّتِه (٤) ولمْ يَحجَّ عَنْه بعضُ أهله - لمْ يَقبل الله منه الأربعَ الَّتي قَبلَها". ذكره ابن أبي حاتم (٥) وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر؛ يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني. قلت: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وَعَطَاءٌ عن أجلاء (٦) علماء الشام. وقال ابن مسعود ﵁: "من لم يُزَكِّ فلا صلاة له". ونَفي القبول هنا لا يراد به نفيُ الصحة، ولا وجوبُ الإعادة بتركه وإنما يراد بذلك انتفاءُ الرضا به، ومدح عامله، والثناءِ بذلك عليه في الملأ الأعلى والمباهاةِ به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها حصل له القبول بهذا المعنى. ومن قام ببعضها دون بعض لم يحصل له ذاك، وإن كان لا يعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا. [ارتكاب محرم قد يمنع قبول طاعة]: ومن هنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينتقص بها الإيمان تكون مانعة عن قبول بعض الطاعات ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه كما قال النبي ﷺ . "من شَرِب الخمر لم تُقبلْ له صَلاةٌ أَرْبَعين يومًا" (٧).

стр. 150

وقال: "مَنْ أَتَى عَرافًا فَصَدَّقَهُ بمَا يَقُولُ لم تُقْبَل له صَلاةٌ أَرَبَعِينَ يومًا" (١). وقال: "أَيُّما عَبدٍ أبَقَ من مَواليِه لَمْ تُقْبلُ له صَلَاةٌ" (٢). * * * [بطلان القول بزوال الإيمان لزوال بعض أعماله]: وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة لم يلزم (٣) زوال الاسم بزوال بعضها؛ فيبطل بذلك قول من قال: إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي ﷺ جعل هذه الخمس: دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل، وفي حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الإسلام ففسره له بهذه الخمس. [والمخالفون لهم يقولون]: ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة أو أربع خصال سوى الشهادتين - لم يخرج بذلك من الإسلام. وقد روى بعضهم أن جبرئيل سأل النبي ﷺ عن شرائع الإسلام لا عن الإسلام. وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده، منهم: أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العُقَيْلِى وغيرهم. [ودليل آخر]: وقد ضرب العلماء مَثَل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة، وإنما يقال هي شجرة ناقصة، أو غيرها أتم منها!؟. وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٤)

стр. 151

والمراد بالكلمة: كلمة التوحيد، وبأصلها: التوحيدُ الثابت في القلوب، وأُكُلُها: هو الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبي ﷺ مثل المؤمن والمسلم بالنخلة، ولو زال شيء من فروع النخلة ومن ثمرها لم يَزُل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر (١). ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا مع أن الجهاد أفضل الأعمال. [لماذا لم يذكر الجهاد]: وفي رواية أن ابن عمر ﵄ قيلَ له: فالجهادُ؟ قال: الجهادُ حسنٌ ولكن هَكَذا حدثنا رسولُ الله ﷺ . خرجه الإمام أحمد (٢). * * * • وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن رأْسَ الأمرِ الإِسْلامُ، وعَمُودَهُ الصلاةُ، وذِرْوةَ سَنامه الجهادُ (٣). وذروة سَنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يبق حينئذ مِلَّةٌ غير (٤) مِلَّة الإسلام - فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويُسْتَغْنى عن الجهاد. بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك. والله أعلم. * * *

стр. 152

الحديث الرابع عن أبي عبد الرحمن: عبد الله بن مسعود رضي الله (تعالى) عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: "إن أَحدكم يُجْمَعُ خَلقُه في بَطْن أُمِّهِ أربعينَ يومًا نُطْفَةً، ثَم يَكُونُ علَقةً مِثْلَ ذلك، ثم يكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثم يُرسِلُ الله إليه الملَكَ (١)، فَيَنْفُخُ فيه الرّوح وَيؤمر بِأرْبعِ كَلِمَات: بكتْب رِزقِه وعمَله وأجَلِه وشَقيٌّ أو سعيدٌ؛ فوالله الذي لا إله غيْره (٢): إِن أحَدَكم ليعملُ بِعمل أَهل الجنة حتى ما يكون بينَه وَبَينَها إلا ذرَاعٌ، فَيسْبقُ عليهِ الكتابُ فيعملُ بِعَمَل أَهل النار فيدْخُلُها؛ وإن أَحَدَكمْ لَيَعْمَلُ بَعَمل أهل النَّار، حتَّى ما يكُون بَينَهُ وَبَينَها إلا ذِراعٌ؛ فَيَسْبقُ عليهِ الكتابُ، فَيَعْملُ بِعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلُها". رواه البخاري ومسلم (٣). [تخريج الحديث]: هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول. رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرجه الشيخان في صحيحيهما، وقد روي عن محمد بن يزيد الأَسْفاطي (٤) قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم فقلت: يا رسول الله! حديث ابن مسعود الذي حدث عنك، فقال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق؟ فقال ﷺ : والذي لا إله إلا هو حَدَّثْته به أنا" يقولهُ ثلاثًا ثم قال: غَفَرَ الله للأعمش كَما حدَّثَ بِهِ وَغَفَرَ الله لِمنْ حَدَّثَ بِه قَبْلَ الأَعمشِ وَلِمنْ حدَّثَ بِهِ بَعْدَهُ". وقد رُوِيَ عن ابن مسعود من وجوه أخر. [شرح الجملة الأولى في الحديث]: فقوله ﷺ : "إن أَحَدكُم يُجمَع خَلْقُه في بطن أمِّه أربعينَ يومًا نطفة".

стр. 153

قد روي تفسيره عن ابن مسعود، روى الأعمش عن خيثمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شَعَرِهِ وَظُفُرهِ فتمكث أربعين يومًا ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة قال: فذلك جمعها". خرجه ابن أبي حاتم وغيره. * * * وروي تفسير الجمع مرفوعًا بمعنى آخر، فخرج الطبراني وابن منده في كتاب التوحيد من حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: "إن الله تَعَالَى إذا أَرَادَ خلق عَبدٍ فَجَامَعَ الرَّجلُ المرْأةَ طَارَ ماؤه في كُلِّ عرق وَعُضْو منْهَا، فَإذَا كَانَ يَوَمُ السَّابِع جَمعَهُ الله تَعَالَى ثُمَّ أُحضَرَه في كلِّ عرق لَهُ دَونَ آدم ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " (١). فقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما (٢). * * * وخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم عن موسى بن علي بن رياح عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لجدِّه يَا فُلان! ما وُلد لك؟ قال يا رسُول الله! ومَا عسى أن يُولَدَ لي إِما غُلامٌ وإِمَّا جاريةٌ؟ قال فَمَنَ يُشْبه؟ قال مَنْ عَسَى أَن يُشْبِهِ؟ يُشْبه أُمَّه أوْ أَبَاهُ؟ قال: فقال النبي ﷺ : "لا تَقُولَنَّ كَذَا (٣) إن النُّطفةَ إذا استْقَرَّتْ في الرَّحم أَحْضَرَهَا الله كلّ نَسَبِ بَيْنَها وَبَيْنَ آدَمَ، أمَا قَرَأْت هذه الآية: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٤) قال: "شَكَّلَكَ" (٥).

стр. 154

وهذا إسنادٌ ضعيف؛ ومطهر بن الهيثم ضعيف جدًّا (١)، وقال البخاري: وهو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن موسى بن علي عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق ﵁. يعني أنه لا صحبة له (٢). ويشهد لهذا المعنى قول النبي ﷺ للذي قال له: ولدت امرأتي غلاما أسود قال: "لعلَّه نَزَعَهُ عِرْقٌ" (٣) * * * [شرح الجمل التالية]: • وقوله: "ثم يكون عَلقة مثل ذلك" يعني أربعين يومًا. والعلقة قطعة من دم. "ثم يكون مُضْغَةً مِثْلَ ذلك" يعني أربعين يومًا والمضغة قطعة من لحم. "ثم يُرْسِلُ الله إليه الملَك فينفُخ فيه الرُّوحَ ويُؤمَر بأربع كلمات بكَتْب رزْقِه وعَمَلِهِ وأَجَلِه وشَقيٌّ أو سعيد". * * * [دلالة الحديث] فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، في كل

стр. 155

أربعين (١) يومًا منها يكون في طَورٍ، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المائة والعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع كلمات (٢). [القرآن وأطوار الخلق]: • وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تَقَلُّبَ الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣). وذكر هذه الأطوار الثلاثة: النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة في القرآن. • وفي موضع آخَرَ ذَكر زيادة عليها فقال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٤) فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه. [الآثار فذلك]: • وكان ابن عباس ﵄ يقول: خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية. وسئل عن العزل فقرأ هذه الآية ثم قال: "فهل يُخلَّق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة"؟. وفي رواية عنه قال: "فهل تموت نفس حتى تَمُرَّ على هذا الخلق؟ ". * * * • وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلى عمر علي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكروا العزل فقالوا: لا بأس به. فقال رجل: "إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى"؟ فقال علي ﵁: "لا تكون مَوْءُودَةً حتى

стр. 156

تَمرَّ على التَّاراتِ السَّبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مُضْغَةً، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحما، ثم تكون خلقًا آخر؟ فقال عمر ﵁: "صدقت أطال الله بقاءك" (١). رواه الدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢). [إسقاط الجنين]: • وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح وجعلوه كالعزل. وهو قول ضعيف؛ لأن الجنين وَلَدٌ انعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله انعقاده وخلقه كما قال النبي ﷺ لما سئل عن العزل: "لا عَلَيْكُمْ أَن لا تَعْزِلُوا إنه ليس مِنْ نَفْس مَنْفُوسةٍ إِلا الله خالِقُها (٣) ". * * * وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علَقَةً لم يَجُزْ للمرأة إسقاطُه؛ لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدًا. [ذكر العظام في بعض الروايات]: • وقد ورد في بعض الروايات في (٤) حديث ابن مسعود ﵁ ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يومًا، فخرَّج الإمام أحمد رواية علي بن زيد "سمعت أبا عبيدة يُحدِّث قال: قال عبد اللّه: قال رسول الله ﷺ : "إن النُّطفة تكونُ في الرَّحمِ أَربَعينَ يَوْمًا علَى حالها لا تُغيَّرُ فَإِذا مَضَت الأرْبعونَ صَارتْ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغةً كَذَلك ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ فإِذَا أراد الله تَعَالَى أن يُسَوِّي خَلْقَهُ بَعَثَ الله إليها مَلَكًا". وذكر بقية الحديث (٥). * * *

стр. 157

• ويروى من حديث عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِن النُّطفةَ إذا اسْتَقرتْ في الرَّحم تَكُون أَربعينَ ليلةً نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُون عَلقةً أَرْبعينَ ليلة، ثُم تكُونُ عِظَامًا أَرْبَعينَ لَيْلةً، ثمَّ يَكْسُو الله الْعِظَامَ لحمًا". * * * • ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يُكْسَى اللَّحْمَ إلا بعد مائة وستين يومًا. وهذا غلط بلا ريب فيه؛ فإنه بعد مائة وعشرين يومًا ينفخ فيه الروح بلا ريب كما سيأتي ذكره. وعلي بن زيد هو ابن جُدْعَان؛ لا يُحْتَجُّ به (١). وقد ورد في حديث حذيفة بن أَسِيد ما يدل على خلق اللحم والعظام في أول الأربعين الثانية، ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال: "إِذا مَرَّ بالنُّطَفة اثْنَتَان (٢) وأربَعُونَ لَيلةً بَعَث الله إليها مَلَكًا فَصَوَّرَها وَخَلقَ سَمْعَها وبَصَرها وجِلْدَهَا ولحمَها وَعِظَامَها، ثمَّ قَالَ: يَا رب! أَذكرٌ أم أنثى؟ فيَقضي رَبُّك ما شاءَ وَيكْتُبُ الملَكُ ثم يَقُولُ: يَارب! أجَلهُ؟ فيقول رَبُّك مَا شاءَ، وَيكْتبُ الملكَ ثُمَّ يَقُول: يا ربّ! رِزْقُه فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاء وَيكتبُ الملَكُ ثُمْ يَخْرجُ الْملَكُ بالصَّحيفَةِ في يده فلا يزيدُ عَلى ما أُمر ولا ينقُصُ (٣). فظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه - يكون في أول الأربعين الثانية فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وَعظامًا" (٤). * * * وقد تأول بعضهم ذلك على أن الملَكَ يُقَسِّمُ النطفة إذا صارت علَقة إلى أجزاء

стр. 158

فيجعل بعضها للجلد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدر ذلك كله قبل وجوده. وهذا خلاف ظاهر الحديث، بل الظاهر أنه يصورها، ويخلق هذه الأجزاء كلها. وقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض. وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون للنطفة أيضًا في اليوم السابع؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ (١) وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها. قال ابن مسعود ﵁ أمشاجها: عروقها (٢). [التفسير الطبي لتكوُّن الجنين]: • وقد ذكر علماء أهل الطب ما يوافق ذلك وقالوا: إن المنيَّ إذا وقع في الرحم حصل له زَبدِيّة أو رغوة ستة أيام أو سبعة وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير استمداد من الرحم ثم بعد ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدم يوما، ويتأخر يوما، ثم بعد ستة أيام وهو الخامس عشر من وقت العلوق يَنْفُذُ الدم إلى الجميع فيصير عَلَقَةً ثم تتميز الأعضاء تميزًا ظاهرًا، ويتنحى بَعْضُهَا عن مُمَاسَّةِ بَعض وَتمْتدُ لرُطوبَة النُّخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطرافُ عن الأصابع، تميزًا يستَبين (٣) في بعض ويخفى في بعض. قالوا: وأقلُّ مدَّة يتصور الذكر فيها ثلاثون يومًا. والزمان المعتدل في تصور الجنين خمسة وثلاثون يومًا وقد يتصور في خمسة وأربعين يوما. قالوا: ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يومًا ولا أنثى قبل أربعين (٤) يوما. فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفَةَ بْنُ أَسِيدِ في التخليق في الأربعين الثانية ومصيره لحما فيها أيضًا. [الروايات المختلفة في التخليق والتصوير]: • وقد حمل (٥) بعضهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين

стр. 159

الأولى وصف المني، وفي الأربعين الثانية وصف العلقة، وفي الأربعين الثالثة، وصف المضغة وإن كانت خِلْقتُهُ قد تمت وتم تصويره. وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين. وقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين الثالثة أيضًا. فروى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود ﵃ قال: النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملَكٌ فأخذها بكفه فقال: أي رب مُخَلّقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل مخلقة قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل وما الأثر وبأي أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله فيقال: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة: قال فتخلّق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ في أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت؛ فدفنت في ذلك، ثم تلا الشعبي هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (١) الآية فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نَسَمَة، فإن كانت غير مخلّقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مُخَلَّقَة نُكِسَتْ نَسَمَةً. خرجه ابن أبي حاتم وغيره (٢). * * * • وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁ أن لا تصوير قبل ثمانين يومًا. فروى السُّدِّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٣) قال: "إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون عَلَقةً أربعين يومًا، ثم تكون مُضْغَةً أربعين يَوْمًا فإذا بلغ أن تُخَلَّق بعث الله تعالى مَلَكا يُصوِّرُهَا فيأتي الملَكُ بُتَرابٍ بين

стр. 160

أصبعيه فيخلطه في المضغَة ثم يعجنه بها ثم يُصَوِّرها كما يؤمر، فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره وما مصائبه؟ فيقول الله ﵎ ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دُفن حيث أُخذ ذلك الترابُ". خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١) ولكن السُّدِّي مُختلَف في أمره، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد، كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث الواحد (٢). [من أخذ بظاهر هذا هن الفقهاء]: • وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها وقالوا: أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يومًا؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق (٣) قبل أن يكون مضغة. • وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي - بناء على هذا الأصل -: إنه لا تنقضي العدة ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلَّقة، وأقل ما يمكن أن تتخلق أو تتصور في أحد وثمانين يومًا. • وقال أحمد ﵀ في العلقة: هي دم؛ لا يستبين فيها الخلق. [تفريعات وتطبيقات في العدة]: فإن كانت المضغة غيرَ مُخلَّقة فهل تنقضي بها العدة، وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وإن لم يظهر فيها التخطيط (٤) ولكن كان خفيًّا لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء فشهدن (٥) بذلك قبلت شهادتهن. ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر، أو قبلها عند أكثر العلماء. ونص على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه. ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه في الأربعة.

стр. 161

قال الشعبي: إذا نكس في الخلق الرابع [و] كان مخلقًا انقضت به العدة (١) وعتقت به الأمة إذا كان لأربعة أشهر وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أم الولد فإن كان خِلْقَةً تامة عتقت وانقضت به العدة، وإذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح. وهذا يخالف رواية الجماعة عنه. [وفي العتق]: وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقه ليس فيه اختلاف؛ أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة. ونقل عنه جماعة أيضًا في العلقة إذا تبين أنها ولد: أن الأمة (٢) تعتق بها وهو قول النخَعي، وحُكِي قولا للشافعي. ومن أصحابنا من طرَّد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة به أيضًا. [متى يتم التخليق؟]: وهذا كله مبنيّ على أنه يمكن التخليق في العلقة كما قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أَسِيد المتقدم (٣) إلا أن يُقال: إن حديث حذيفة إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظمًا وأن ذلك قد يقع في الأربعين الثانية لا في حال كونه علقة. وفي ذلك نظر (٤) والله أعلم. وما ذكره الأطباء يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك. وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضًا والله أعلم. * * * [حديث ابن مسعود ورواياته والتوفيق بينها]: وبقي (٥) في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك فيكتب الكلمات الأربع، وينفخ (٦) فيه الروح، وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما.

стр. 162

[بين الكتابة ونفخ الروح]: • واختلفت ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب (١) الكتابة والنفخ؛ ففي رواية البخاري في صحيحه: ويُبعَثُ إليه الملَكُ فَيُؤمَرُ بأربع كلماتٍ ثم يُنفَخ فيه الروح (٢). ففي هذه الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة. * * * • وفي رواية خرجها البيهقي في كتاب القدر: ثُم يُبْعثُ الملَكُ فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع كلمات (٣). وهذه الرواية تصرح بتقديم النفخ على الكتابة: فإما أن يكون هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط لا ترتيب ما أخبر به. * * * [متى تنفخ الروح؟]: وبكل حال فحديث ابن مسعود ﵁ يدل على تَأَخُّر نفخ الروح في الجنين، وكتابة الملَك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم الأربعون الثالثة. * * * [ما روي عن الصحابة في نفخ الروح وكتابة الملَك]: • فأما نفخ الروح فقد روُي صريحا عن الصحابة ﵃ أنه إنما يُنْفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود. * * * [ما روي في ذلك عن علي]: • فروى زيد بن علي عن أبيه، عن علي ﵁ قال: إذا تمت النطفة أربعة أشهر بُعِثَ إليها ملَكٌ فينفُخ فيها الروح في الظلمات، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ

стр. 163

خَلْقًا آخَرَ﴾ (١). خرجه ابن أبي حاتم، وإسناده (٢) منقطع. * * * [ما روي عن ابن عباس]: • وخرج اللالكائي بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرا، ثم نفخ (٣) فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم بُعِثَ إليها مَلَكٌ فَنقَفَها (٤) في نُقْرة القفا وكتب شقيا أو سعيدًا. وفى إسناده نظر. وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام. [ما روي عن ابن مسعود] [وتأسيس مذهب أحمد عليه]: • وبنى الإمام أحمد مذهبه (٥) المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل يُنْفَخُ فيه الروح بعد الأربعة أشهر، وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صُلِّي عليه حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات. * * * [ما روي عن سعيد بن المسيب]: وحكي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب، وهو أحد قولي الشافعي وإسحاق. [روايات أخرى عن الإمام أحمد]: ونقل غير واحد عن أحمد أنه قال: "إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك العشر يُنَفَخُ فيه الروح، ويُصَلَّى عليه". • وقال في رواية أبي الحارث عنه (٦) "تكون النَّسَمة نُطْفَةً أربعين ليلة، وعلَقَةً أربعين

стр. 164

ليلة، ومُضغَةً أربعين ليلة، ثم تكون عظمًا ولحمًا، فإذا تم أربعة أشهر وعشرًا نفخ فيه الروح. [مقارنة بين الروايات]: فظاهر هذه الرواية أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر وعشر كما روي عن ابن عباس. والروايات التي قبل هذه عن أحمد إنما تدل على أنه ينفخ فيه الروح في مدة العشر بعد تمام الأربعة وهذا هو المعروف عنه. • وكذا قال ابن المسيب لما سئل عن عدة الوفاة؛ حيث جعلت أربعة أشهر وعشرا: ما بال العشر؟ قال: "ينفخ فيها الروح" (١). * * * [الطب وتصور الجنين]: • وأما أهل الطب فذكروا أن الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين يوما، وولد في مائتين وعشرة أيام. وذلك سبعةُ أشهر وربما تقدم أياما وتأخر في التصوير والولادة. وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يوما تحرك في تسعين يوما، وولد في مائتين وسبعين يوما، وذلك تسعةُ أشهر والله أعلم. * * * [كتابة الملَك ومتى تكون؟]: وأما كتابة الملك فحديث ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد الأربعة أشهر أيضًا على ما سبق. * * * • وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: "وَكَّل الله بالرَّحمِ ملكًا يَقُولُ: أي ربِّ! نُطْفةٌ! أي رب عَلَقَةٌ؟ أي رب! مُضغَةٌ؟ فَإِذَا أراد الله أَنْ يَقْضيَ خَلقًا قال:

стр. 165

يا رب! أذكرٌ أم أُنثى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيد؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فما الأَجلُ. فَيُكْتَبُ كَذَلكَ في بَطنِ أُمِّهِ" (١). وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود، ولكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث حُذيفة بن أسِيد - الذي تقدم - يدل على أن الكتابة في أول الأربعين الثانية. * * * • وخرجه مسلم أيضًا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أَسِيد يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: "يدُخْل الملَكُ على النُّطفة بعد ما تستقر في الرحم بِأربعين أو خمس وأربعين لَيْلةً فيقول: يَا رب! أَشَقِي أمْ سعيدٌ فَيُكْتبان فيقول: أي رب! أذكرٌ أم أَنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عَملُه وَأَثرُه وأجَلُه وَرِزقُه، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحفُ فَلا يُزادُ فيِهَا ولا يُنقَصُ" (٢). * * * وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "إنَّ النطْفةَ تَقَعُ في الرَّحِم أَرَبَعينَ ليلةً ثم يتسور (٣) عَلَيْها المَلكُ فَيقُولُ يَا رب أذَكرٌ أَمْ أنثَى؟ ". وذكر الحديث (٤). * * * وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: لبضعٍ وأربعين ليلةً (٥).

стр. 166

• وفي مسند الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "إذا اسَتقرَّت النُّطْفَةُ في الرَّحِم أَربَعين يَومًا أَوْ أرْبعين ليلةً بُعِثَ إليها مَلَكٌ فَيقولُ: [يَا رب! ما رِزْقُه؟ فَيُقَال لَهُ، فَيَقُولُ: يَا رَب! مَا أَجَلُه؟ فَيُقَال لَهُ، فَيَقُولُ: يَا رَب! ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى! فَيعلم، فيقول:] يَا رب شَقيّ أَوْ سَعيدٌ؟ فيعلم" (١). وقد سبق ما رواه الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود من قوله. وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه وهو نطفة (٢). • وقد روى عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: إن اللّه تُعْرَضُ عليه كل يوم أعمال بني آدم فينظر فيها ثلاث ساعات، ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات وهو قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٣). وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٤) ويؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات وتسبحه الملائكة ثلاث ساعات. قال: فهذا من شأنكم، وشأن ربكم. ولكن ليس في هذا (٥) توقيت ما ينظر فيه من الأرحام بمدة. * * * • وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الكتابة في الأربعين الثانية: فخرج اللَّالكائي بإسناده عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: "إذا مكَثت النُّطْفةُ في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها مَلَكٌ فاختلَجَها، ثم عَرَج بِهَا إلى الرحمن فيقول: أخْلُق يا أحسن الخالقين! فيقضي اللّه فيها ما يشاء من أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول يا رب! أسقط أم تمام (٦)؟ فيبين له، فيقول: يا رب! أناقص الأجل أم تام الأَجل؟ فيبيَّنُ له ويقول؟ يا رب! أواحد أو توأم. فيبين له فيقول: يا رب! أذكر

стр. 167

أم أنثى. فيبين له فيقول: يا رب! أشقي أو سعيد. فيبيَّنُ له ثما يقول: يا رب! أقطَعْ له رِزْقَهُ، فيقطع له رزقه مع أجله (١)، فَيَهْبِطُ بهما جميعًا، فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسمه له". * * * • وخرّج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: إن المني يمكث في الرحم أربعين ليلة فيأتيه ملك النفوس فيعرج به إلى الجبار فيقول: يا رب! أذكر أم أنثى. فيقضي الله (٢) ما هو قاض، ثم يقول: يا رب! أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق بين يديه، ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وهذا (٤) كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أَسِيد. * * * وقد تقدم عن ابن عباس ﵄ أن كتابة الملَك تكون بعد نفخ الروح بأربعين ليلة، وأن إسناده فيه نظر (٥). [الجمع بين الأحاديث]: وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار وبين حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرتين. وقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم. والأظهر - واللّه أعلم - أنها مرة واحدة. ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنَّة؛ فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة. وقد يقال: إن لفظة "ثم" في حديث ابن مسعود إنما يراد (٦) بها ترتيب الأخبار، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه. واللّه أعلم (٧).

стр. 168

[وعند المتأخرين]: • ومن (١) المتأخرين من رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية كما دل عليه حديث حذيفة بن أسِيد، وقال: إنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذُكرت بلفظ "ثم" لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه نطفة، وعلقة، ومضغة؛ فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، ولذلك (٢) أخر المعطوف عليها وإن كان المعطوف (٣) متقدما على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٤). والمراد بالإنسان: آدم ﵇. ومعلوم أن تسويته ونفخ الروح فيه كان قبل جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ولكن لما كان المقصود ذكر قدرة اللّه في مبدأ خلق آدم، وخلق نسله - عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخر ذكر تسوية آدم ونفخ الروح فيه، وإن كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين، وبين خلق نسله. واللّه أعلم. * * * [الكتابة بين عيني الجنين]: • وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين؛ ففي مسند البزار عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا خَلَقَ اللّه النَّسَمةَ قَالَ مَلَكُ الأرحام: أي رب! أَذَكَرٌ أَمْ أنثى؟ قَالَ: فَيَقْضي اللّه إِليْهِ أمره (٥) ثُمَّ يَقُول: أي رب! أَشَقيُّ أم سعيد؟ فَيَقْضي اللّه إِلَيْهِ أمره، ثم يُكْتَبُ بَينْ عَيْنَيه مَا هُوَ لاقٍ حَتَّى النَّكْبةِ يُنْكَبُهَا" (٦). وقد ورد موقوفا على ابن عمر غير مرفوع. وحديث حذيفة بن أَسِيد المتقدم (٧) صريح في أن الملَك يكتب ذلك في صحيفة.

стр. 169

ولعله يكتب في صحيفة: (١)، ويكتب بين عيني الولد. * * * [وصفات الوليد]: • وقد روي أنه يقترن بهذه الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة. • فروي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إِن اللّه إِذَا أرَاد أن يَخْلُق الخلق بَعَث مَلَكًا فَدَخل الرَّحمَ فَيَقولُ: أَي رب! ماذا؟ فَيَقُولُ: غُلامٌ أَوْ جاريةٌ أوْ مَا شاءَ أَن يَخلْق في الرَّحم، فَيقُول: أي رب! (٢) أَشَقيٌّ أَمْ سَعيدٌ؟ [فيقول ما شاء] فيقول: يا رَبِّ! ما أَجَله؟ فَيَقولُ: كَذَا وَكَذَا [فيقول: يا رب! ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا] (٣) فَيقُول: [يا رب!] (٤) مَا خَلْقهُ؟ ما خلائقه؟ فَيَقول: كَذَا وَكَذَا، فَما مِنْ شَيْءٍ إلا وَهُو يُخلقُ مَعَه في الرَّحم". • خرجه أبو داود في كتاب القدر والبزار في مسنده (٥). * * * [سبق القدر]: وبكل حال فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٦) كما في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللّه قَدَّرَ مَقَادير الخلائق قَبْلَ أنْ يَخْلق السَّموات والأرض بِخمْسِين ألفَ سَنَةٍ" (٧). * * * • وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللّه القَلَم،

стр. 170

قَالَ لَهُ: اكْتبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائنٌ إلى يَومِ القيامة" (١). * * * وقد سبق ذكر ما رُوي عن ابن مسعود ﵁ (٢) أن الملَك إذا سأل عن حال النطفة أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة. * * * [النصوص في سبق القدر]: وقد تكاثرت النصوص بذكر الكتاب السابق بالسعادة والشقاوة. * * * [من حديث علي]: • ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا وَقَدْ كَتَبَ اللّه مَكانَها مِنَ الجَنَّةِ أَو النَّار (٣) وإلَّا وقد كُتبتْ شَقِيَّة أَو سَعيدةً" فَقَالَ رَجلٌ: يَا رَسُول اللّه! أفلا نمكُثُ عَلَى كِتَابنَا وَنَدَعُ الْعمَلَ؟ فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ. أَمَّا أَهْلُ السَّعادَة فَيُيَسَّرُونَ لِعَمل أَهْلِ السَّعَادَة، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعمَل أهل الشَّقَاوَة ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٤). • ففي (٥) هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب للسعادة (٦) أو الشقاوة. * * *

стр. 171

[من حديث عمران بن حُصَين]: • وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسُول اللّه! أَيُعرَف أهْلُ الجنّةِ مِنْ أَهل النَّار؟ قالَ: "نعم" قَالَ: فَلِمَ يَعْمَل العَامِلُون؟ قَالَ: "كُلٌّ يَعْملُ لِما خُلِقَ لَهُ، أو لما يُسِّرَ لَهُ" (١). * * * [حديث ابن مسعود]: • وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة. وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال. وقد قيل إن قوله في آخر الحديث: "فَوَاللّه الَّذي لا إله غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمل يعَمَل أَهلِ الجنّة" إلى آخر الحديث - مدرج من كلام ابن مسعود - كذلك رواه سلمة (٢) بن كُهَيْلٍ، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعودِ من قوله. وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة أيضًا. * * * [الأعمال بالخواتيم وحديث سهل بن سعد]: • وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالخواتيِم" (٣). * * * [حديث عائشة]: • وفي صحيح ابن حبان عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا الأعْمَالُ بالخوَاتيم (٤) ".

стр. 172

[ومعاوية]: • وفيه أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إِنَّما الأَعْمَالُ بخواتيمها كَالْوِعَاء إِذا طَاب أَعْلاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإذَا خَبثَ أَعْلاهُ خَبُث أسْفَلُهُ" (١). * * * [وأبي هريرة]: • وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرَّجُل لَيعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّويلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنّةِ ثم يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلٍ النَّارِ، وَإنَّ إلرَّجُلَ لَيَعْملُ الزَّمَان الطَّويلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلهُ بِعَمَلِ أهْل الجَنَّةِ (٢). * * * [وأنس]: • وخرج الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمُرِه أو بُرْهَةً مِنْ دَهرِه بِعَمَل صَالحٍ لَوْ مَات عَلَيه دَخَل الجنَّة، ثُمَّ يَتَحول فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا وَإِنَّ العَبْد لَيَعْمل البرهَة مِنْ عُمُره بِعَمَلٍ سَيئ لَوْ مَاتَ عَلَيْه دَخَل النَّار، ثُمَّ يَتَحَولُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالحًا (٣) ". [وعائشة أيضًا]: • وخرج أيضًا من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ وَهُوَ مَكْتُوبٌ (٤) في الكتاب منْ أَهْلِ النَّار فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِه تَحَوَّلَ فَعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار فَمَاتَ فَدَخلَ النَّار، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَملِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ لَمكْتُوبٌ في الكِتابِ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ فَإِذَا كَانَ قَبْل مَوتِه تَحَوَّل فَعَمِل بِعَمل أهْل الجنّة فَمَاتَ

стр. 173

فَدَخَلَهَا" (١). * * * [وعبد اللّه بن عمرو]: • وخرَّج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد اللّه بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكتِابَانِ؟ فَقُلْنَا: لا يَا رَسُول اللّه! إِلا أَنْ تُخْبرنَا؟ فَقَالَ للِذي في يَده اليُمْنَى: هَذا كِتابٌ مِنْ ربّ العَالَمينَ فِيه أَسْمَاءُ أَهْل الجنَّة وأَسْماءُ آبائهم وقبائلهم ثُمَّ أجْمِل (٢) عَلى آخرهم فَلا يُزَادُ فيهمْ وَلا يُنْقَص مِنْهمْ أَبَدًا، ثَمَّ قال للذي في شِماله: هَذَا كِتَابٌ منْ رَبِّ العَالمين فيه أسماء أَهْل النَّار وَأَسْماءُ آبَائهِم وَقَبَائلهم ثُمَّ أُجْمِل عَلَى آخرهم؛ فَلا يُزَادُ فِيهمْ وَلا يُنْقَص مِنْهُمْ أبدًا: فَقَالَ أَصحَابُه: فَفِيم العَمَلُ يَا رَسُول اللّه إِن كَانَ أمْرًا قَد فُرِغَ منه؟ " فَقَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِب الجنّة يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَل أهْل الجنَّةَ وإنْ عَمل أَيَّ عَمَل، وإِنَّ صَاحِبَ النَّار يَخْتُمُ لَهُ بِعَمَل أهْلِ النَّار وإنْ عَمِلَ أيّ عَمَلٍ" ثُمَّ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ بِيدَيْه (٣) فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قالَ: فَرغَ رَبُّكَمْ من العِبَادِ فريقٌ فِي الجنَّةِ وفَريقٌ في السَّعير (٤). * * * [وعليّ]: • وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وخرجه الطبراني من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ وزاد فيه: "صَاحبُ الجنَّة مَخْتُومٌ لَهُ بِعَملِ أَهْل الجنّةِ وَصَاحبُ النَّار مَخْتُومُ لَهُ بعَمَلِ أهَل النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ"

стр. 174

وقَد يُسلكُ بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة (١) حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم السعادة فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاء طريق أهل السعادة حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويُدْركهم الشقاءُ: من كتبه اللّه سعيدًا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يُسعده قبل موته ولو بفواق ناقة"، ثم قال: "الأعمال بخواتيمها الأعمال بخواتيمها" (٢). [وابن عمر]: • وخرجه البزار في مسنده بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ (٣). [وسهل بن سعد]: • وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ الْتقى هو والمشركون وفي أصحابه رجل لا يدع شاذَّة ولا فاذَّة (٤) إلا اتَّبعها يضربها بسيفه فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول اللّه ﷺ : "هُوَ مِنْ أَهْل النَّار" فَقَال رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أنَا صَاحِبُه فَاتَّبعَه فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فاسْتَعْجَلَ الموْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيَفِه عَلَى الأرْضِ، وَذُبَابَهُ (٥) بَينْ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرجَ الرَّجُلُ إلى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسَولُ اللّه! وَقَصَّ عَليْه القِصَّة؛ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجنَّةِ فِيمَا يَبْدُو للِنَّاس وَهُوَ مِن أَهْلِ النّار وَإنَّ الرُّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدو للّناسِ وَهُوَ مِنْ أهْلِ الجنّةِ. - زاد البخاري رواية له: إِنَّمَا الأعمالُ بالخواتيم" (٦).

стр. 175

[شرح الحديث]: وقوله فيما يبدو للناس إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس: إما من جهة عمل سَيّئ ونحو ذلك؛ فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت. وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير؛ فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره؛ فتوجب له حُسْنَ الخاتمة. • قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: "حضرت رجلًا عند الموت يلقن الشهادة (١): لا إله إلا الله - فقال في آخر ما قال هو كافر بما تقول ومات على ذلك قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر". فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته. * * * [الخواتيم ميراث السوابق]: وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق فكل ذلك سبق في الكتاب السابق. [خوف السلف]: ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم يقولون بماذا يختم لنا، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق يقولون ماذا سبق لنا؟. [بكاء السلف عند الموت]: وبكى بعض الصحابة عند موته فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن اللّه تعالى قبض خلقه قبضتين فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ولا أدري في أي القبضتين كنت (٢) ". • قال بعض السلف: "ما أبكى العيون ما أبكاها الكتابُ السابق! ".

стр. 176

• وقال سفيان لبعض الصالحين: "هل أبكاك قط علم اللّه فيك؟ " فقال له ذلك الرجل: "تركتنى لا أفرح أبدًا". • وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول: "أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي ويقول أخاف أن أُسْلَبَ الإيمانَ عند الموت (١) ". • وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته، ويقول: "يا رب! قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكنِ النار ففي أي الدارين منزل مالك (٢)؟ ". • قال حاتم الأصم: "من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء": "الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاءِ في الجنة ولا أبالى، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان؟ ". "الثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث فنودي الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ ". "والثالث: ذكر هول المطلع ولا يدري أيبشر برضاء اللّه أو بسخطه؟ ". "والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتا ولا يدري أيُّ الطريقين يُسْلَكُ به". * * * وقال سهل التُّسْتَرِى: المريد يخاف أن يُبتلَى بالمعاصي! والعارف يخاف أن يبتلَى بالكفر! ". * * * [خوف النفاق]: ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه؛ فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجَه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة (٣).

стр. 177

[طَلَبُ التثبيت]: وقد كان النبي ﷺ يُكثِر أَنْ يَقُول في دُعَائِهِ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب ثَبتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ! " فَقيلَ لَهُ يَا نَبيَّ اللّه! آمَنَّا بِك وَبمَا جئت بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنا؟ فقال: "نَعَم إِنَّ القُلوبَ بَبنْ أصْبعَيْن مِنْ أَصابِع الرَّحْمَن يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ". خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس (١). • وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القْلُوب ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينك" فقلت: يا رسول اللّه (٢) وإنَّ القَلْب لِيُقَلَّبُ؟ قَال: "نَعَم مَا مِنْ خَلْقِ اللّه منْ بَني آدَمَ من بَشَر إِلا أَنَّ قَلْبَهُ بينَ أُصبُعين مِنْ أصابع اللّه فَإِنْ شَاءَ اللّهَ أَقَامَه وإنْ شَاءَ أَزَاغَهُ؛ فَنَسْأَلُ اللّه رَبَّنا أَنْ لما يُزِيغَ قُلُوبنا بَعْدَ إذ هَدَانا، وَنَسْألُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لدنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُو الوَهَّابُ". قالت: قلت: يا رسول اللّه! ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى! قولي: الَّلهُمَّ رَبَّ النَّبي مُحَمَّد اغْفِرْ لي ذَنْبى، وأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبى، وَأَجِرْنِى مِنْ مُضِلَّاتِ الفتنِ ما أحْيَيْتَنى" (٣). وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة. * * * • وخرج مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو سمع رسول اللّه ﷺ يقول: "إِنَّ قُلُوبَ بَني آدَم كُلَّها بَينَ أصْبُعَين مِنْ أصابع الرَّحْمنَ كَقَلْب وَاحدٍ، يُصَرِّفُهُ حيث يَشَاء" ثُمَّ قَال رسول اللّه ﷺ : "اللَّهُمّ مُصَرِّف القُلوُبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِك" (٤). * * *

стр. 178

الحديث الخامس عن أم المؤمنين: أم عبد اللّه (١) عائشه ﵂ قالت قال رسول اللّه ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو رَدٌّ". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضى اللّه عنها (٢) وألفاظه مختلفة (٣) ومعناها متقارب وفي بعض ألفاظه: "من أحدث في ديننا ما ليس فيه (٤) فهو رد". [قيمة الحديث]: وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها [كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها] (٥). فكما أن كل عمل لا يراد به وجه اللّه تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل كمل لما يكون عليه أمر اللّه ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به اللّه ورسوله فليس من الدين في شيء. * * * • وسيأتي حديث العرباض بن سارية (٦) عن النبي ﷺ أنه قاله: "مَنْ يَعِشْ مِنكُم

стр. 179

بَعْدى فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثيرًا فَعَليْكُمْ بسُنَّتى وَسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّين مِنْ بَعْدِى عضُّوا عَليْها بِالنَّواجِذِ وإيَّاكم وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ؛ فَإنّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةُ". * * * • وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: "إِن أَصْدَقَ الحَديت كِتَابُ اللّه، وخَيْرَ الهَدْى هديُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَّ الأمُورِ محدَثَاتُها" (١). [الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع]: وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه. ونتكلم ههنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردِّها. فهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود. ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود. والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه كالمراد بقوله في الرواية الأخرى "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فالمعنى - إذًا - أن من كان عمله خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع فهو مردود. [معنى قوله: ليس عليه أمرنا]: وقوله "ليس عليه أمرنا" إشارة إلى أن أعمال العاملين كلِّهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة؛ فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها؛ فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة، موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود. * * * [الأعمال: عبادات ومعاملات]: • والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن

стр. 180

حكم اللّه ورسوله بالكلية، فهو مردرد على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١). [مطلب: التقربُ إلى اللّه بسماع الملاهي أو بالرقص بدعة حرام (٢)] فمن تقرب إلى اللّه بعمل لم يجعله اللّه ورسوله قربة إلى اللّه فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مُكَاءً وتَصْدِيةً. * * * وهذا كمن تقرب إلى اللّه تعالى بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع اللّه ورسوله التقرب بها بالكلية. * * * [ما يكون قربة في عبادة قد لا يكون قربة في سواها] وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا. فقد رأى النبي ﷺ رجلا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم. فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه (٣) يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرهما. * * * وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ : وهو على المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ما دام النبي ﷺ يخطب؛ إعظاما لسماع خطبة النبي ﷺ . ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفى بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل
следующие страницы →