← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

[وما الذي يدخل في عموم الحديث؟]: • ومما قد يدخل في عموم قوله "يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النسب" لو ظاهر من امرأته فشبهها بمحرمة من الرضاع فقال لهات أنتِ على كأمي من الرضاع، فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يثبت به تحريم الظهار وهو قول الجمهور ومنهم: مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن صالح وعثمان البَتِّي (١). وهو المشهور عن أحمد. والثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول الشافعي، وتوقف فيه أحمد في رواية ابن منصور.

стр. 1157

الحديث الخامس والأربعون عَنْ جابِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ عامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بمَكَّةَ يَقُولُ: "إِنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْع الْخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الجلودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ! إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيهِمْ الشُّحُومَ فَأَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر (١). • وفي رواية مسلم أن يزيد قال: كتب إليَّ عطاء فذكره (٢). ولهذا قال أبو حاتم الرازي (٣): "لا أعلم يزيد بن أبي حبيب، سمع من عطاء شيئًا" يعني: أنه إنما يروي عنه كتابه. وقد رواه أيضًا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ بنحوه (٤). • وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن رجلًا باع خمرًا" فقال: قاتله الله! ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: "قاتل الله اليهود! حرمت

стр. 1158

عليهم الشحوم فجملوها فباعوها؟ " (١). • وفي رواية: "وأكلوا أثمانها" (٢). • وخرجه أبو داود (٣) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه وزاد فيه: "وإن الله إذا حرّم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" (٤). • وخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: إن الله إذا حَرّم شيئًا حرم ثمنه (٥). • وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله وآله وسلم قال: "قاتلَ الله اليهودَ حُرّمتْ عليهم الشّحُومُ فباعُوها وأكلوا ثمنَها (٦). • وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﵌ فاقترأهُنَّ على الناس ثم نَهَى عن التجارة في الخمر" (٧).

стр. 1159

• وفي رواية لمسلم: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﵌ إلى المسجد؛ فحرم التجارة في الخمر (١). • وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي ﵌ قال: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربْ ولا يبعْ" قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها (٢). • وخرج أيضًا من حديث ابن عباس أن رجلًا أهدى لرسول الله ﷺ راويةَ خمرٍ؛ فقال له رسولُ اللّه ﵌: "هل عَلِمتَ أن اللّه قد حَرّمها؟ "، قال: لا، قال: فَسَارَّ إنسانًا، فقال له رسول اللّه ﷺ : "بم سَاررتَه"؟ قال: أمَرْته ببيعها؟ قال: "إنَّ الذي حَرّم شُرْبَهَا حَرّم بيعَه" قال: "ففتح المزادة (٣) حتى ذَهَبَ ما فيها" (٤). * * * [وحاصل هذه الأحاديث]: • فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم اللّه الانتفاع به؛ فإنه يحرُم بيعُه وأكلُ ثمنه؛ كما جاء مصرّحًا به في الرواية المتقدمة: "إن اللّه إذا حَرّم شيئًا حرَّم ثمنَه". * * * [ما يحرم الانتفاع به قسمان]: • وهذه كلمة عامة جامعة تطّرد في كل ما كان المقصودُ من الانتفاع به حرامًا، وهو قسمان:

стр. 1160

[القسم الأول: ما ينتفع به مع بقاء عينه]: • أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلًا مع بقاء عينه كالأصنام؛ فإن منفعَتها المقصودَةَ منها: الشركُ (١) باللّه، وهو أعظم المعاصي على الإطلاق. ويلتحق بذلك: ما كانت منفعته محرمة؛ ككتب الشرك والسحرِ والبدعِ والضلالِ. وكذلك الصور المحرمة، وآلاتُ الملاهي المحرمة كالطنبور، وكذلك شراء الجواري للغناء. وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي ﵌ قال: "إن اللّه بعثني رحمةً وهُدىً للعالمين، وأمرَني أن أمحَقَ المزامير والكَنَّارات يعني البَرَابِط (٢)، والمعازِفَ والأوثانَ التي كانت تُعْبَدُ في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جُزعةً من خمر إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنَّم مُعَذَبًا أو مغفورًا له، ولا يُسْقاها صبيًّا صغيرًا؛ إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنم معذبًا أو مغفورًا له". "ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس، ولا يحل بيعهنّ ولا شراؤُهُنَّ ولا تعليمهن، ولا تجارةٌ فيهن، وأثمانُهنَّ حَرَامٌ: للمغنيات" (٣). *وخرجه الترمذي (٤).

стр. 1161

ولفظه: "لا تبيعوا القَيْنَات، ولا تشتروهن، ولا تعملوهن ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". وفي مثل ذلك أنزل اللّه -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ - الآية وخرجه ابن ماجه أيْضًا (١). وفي إسناد الحديث مقال (٢). وقد روي نحوه من حديث عمر ﵁، وعلي ﵁، بإسنادين فيهما ضعف (٣) أيضًا.

стр. 1162

ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية، تباع على أنها ساذجة، ولا يؤخذ لغنائها ثمن، ولو كانت الجارية ليتيم، ونص على ذلك أحمد. ولا يَمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة؛ لأن الانتفاعَ به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها. وهو من أعظم مقاصد الرقيق. نعم لو علم أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه، لم يجز بيعه له عند الإمام أحمد، وغيره من العلماء، كما لا يجوز بيعُ العَصير ممن يتخذه خمرًا، ولا بيع السلاح في الفتنة، ولا بيعُ الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة. * * * [والقسم الثاني ما ينتفع به مع إتلاف عينه]: • القسم الثاني: ما (١) ينتفع به مع إتلاف عينه. فإذا كان المقصود الأعظم منه محرمًا فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محرمة؛ كأكل الميتة للمضطر، ودفع الغصة بالخمر، وإطفاء الحريق به، والخرْز بشعر الحرير عند قوم، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك؛ ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة لم يعبأ بها، وحرم البيع؛ لكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة أكلهما. ومن الخمر شربها، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك، وقد أشار ﵌ إلى هذا المعنى لما قيل له: أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: "لا؛ هو حرام" (٢). * * *

стр. 1163

[معنى قوله ﷺ : هو حرام]: • وقد اختلف الناس في تأويل قوله ﵌: "هو حرام": • فقالت طائفة: أراد: أن هذا الانتفاع المذكور بشحوم الميتة حرام. وحينئذ فيكون ذلك تأكيدًا للمنع من بَيْع الميتة؛ حيث لم يجعل شيئًا من الانتفاع بها مباحًا. • وقالت طائفة: بل أراد أن بيعها حرام، وإن كان قد يُنتفع بها بهذه الوجوه. لكن المقصود من الشحوم، هو الأكل؛ فلا يباح بيعها لذلك. * * * [الانتفاع بشحوم الميتة]: • وقد اختلف العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة. • فرخص فيها عطاء، وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد وإسحق؛ إلا أن إسحاق قال: إذا احتيج إليه. وأما إذا وجد عنه مندوحة فلا. • وقال أحمد: يجوز إذا لم يمسه بيده. • وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو قول مالك والشافعي، وأبي حنيفة. وحكاه ابن عبد البر إجماعًا من غير عطاء. [الأدهان الطاهرة إذا تنجست]: • وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من النجاسات؛ ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وفيه روايتان عن أحمد. • وأما بيعها فالأكثرون على أنه لا يجوز بيعها. وعن أحمد رواية بجواز بيعها من كافر، ويُعْلَم بنجاستها. وهو مروي عن أبي موسى الأشعري.

стр. 1164

• ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز الاستصباح بها وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة؛ فإن شحوم الميتة لا يجوز بيعها، وإن قيل بجواز الانتفاع بها. • ومنهم من خرجه على القول بطهارتها بالغسل؛ فيكون - حينئذ - كالثوب المتضمخ بنجاسة. وظاهر كلام أحمد منع بيعها مطلقًا؛ لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ميتة والميتة لا يؤكل ثمنها. * * * [بقية أجزاء الميتة]: وأما بقية أجزاء الميتة فَمَا حكم بطهارته منها جاز بيعه؛ لجواز الانتفاع به، وهذا كالشَّعَر، والقَرْن، عند من يقول بطهارتهما. وكذلك الجلد عند من يرى أنه طاهر بغير دباغ. كما حكي عن الزهري، وتبويب البخاري يدل عليه. واستدل بقوله: "إنما حُرِّمَ من الميتة أكلُها". • وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلد قبل الدباغ؛ فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ؛ لأنه جزء من الميتة، وشذ بعضهم فأجاز بيعَه كالثوب النجس، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسة، وجلد الميتة جزء منها، وهو نجس العين. • وقال سالم بن عبد الله بن عمر: "هل بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها!؟ ". وكرهه طاووس وعكرمة (١). • وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يبيعوها؛ فيأكلوا أثمانها (٢). * * * [وإذا دبغت؟]: وأما إذا دبغت فمن قال بطهارتها بالدبغ أجاز بيعها.

стр. 1165

ومن لم ير طهارتها بذلك لم يُجِزْ بيعَها. • ونص أحمد على منع بيع القمح؛ إذا كان فيه بول الحمار حتى يُغْسَلَ. ولعله أراد بيعه ممن لا يعلم بحاله خَشية أن يأكله، ولا يعلم نجاسته. * * * [ثمن الكلب]: وأما الكلب؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري (١) أن رسولَ اللّه ﷺ "نهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ". • وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج، سمع النبي - صلى اللّه وآله وسلم - يقول: "شَرُّ الكَسْبِ مَهرُ البغيّ، وثمنُ الكَلْب، وكَسْبُ الحجّام" (٢). وفيه عن معقل الجزري، عن أبي الزبير قال: سألتُ جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور، فقال: "زَجَر النبي ﷺ عن ذلك" (٣). وهذا إنما يعرف عن أبي لهيعة عن أبي الزبير. • وقد استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديثَ ابن لهيعة. قد تُتُبِّعَ ذلك فوُجد كما قاله أحمد ﵀. وقد اختلف العلماء في بيع الكلب؛ فأكثرهم حرموه؛ منهم: الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد، وإسحق وغيرهم. • وقال أبو هريرة هو سُحت (٤). • وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب (٥).

стр. 1166

• وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير (١). • وهؤلاء لهم مآخذ. • أحدها: أنه إنما نهى عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريمَ بيع كل نجس العين. وهذا قول الشافعي وابن جرير الطبري، ووافقهم جماعة من أصحابنا كابن عقيل في "نظرياته" وغيره والتزموا: أن البغل والحمار إنما نجيز بيعَهُما إذا لم نقل بنجاستهما. وهذا مخالف للإجماع. • والثاني: أن الكلب لم يُبَحْ الانتفاعُ به وافتناؤُه مطلقًا كالبغل والحمار، وإنما أبيحَ اقتناؤُه لحاجاتٍ مخصوصة؛ وذلك لا يبيح بيعه؛ كما لا تُبيحُ الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما. وهذا مأْخذ طائفة من أصحابنا وغيرهم. • والثالث: أنه إنما نهى عن بيعه لخسَّتِهِ، ومهانته؛ فإنه لا قيمة له إلا عندَ ذوي الشُّحِّ والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهى عن أخذ ثمنه ترغيبًا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة. وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره من السلف. وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السّنَّور. * * * [كلب الصيد]: ورخصت طائفة في بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب ككلب الصيد وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة رحمه اللّه تعالى وأصحابه، ورواية عن مالك. وقالوا: إنما نُهِيَ عن بيع ما يَحْرُمُ اقتناؤهُ منها. ورَوَى حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كَلْبَ صيد. خرجه النسائي، وقال: هو حديثٌ مُنْكَر، وقال أيضًا: ليس بصحيح (٢).

стр. 1167

• وذكر الدارقطني أن الصحيح وقفه على جابر (١). • وقال أحمد: لم يصح عن النبي ﷺ رخصة في كلب الصيد (٢). وأشار البيهقي (٣) وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء فظنه من البيع وإنما هو من الاقتناء. وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بقوي. ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم كما ظنه طائفة من المتأخرين فقد أخطأ؛ لأن مسلمًا لم يخرّج لحماد بن سلمة عن أبي الزبير شيئًا، وقد بين في كتاب "التمييز" (٤) أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية. * * * [بيع الهر]: • فأما بيع الهر فقد اختلف العلماء في كراهته: فمنهم من كرهه، وروي ذلك عن أبي هريرة، وجابر، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في رواية عنه، وقال: هو أهونُ من جلود السباع. وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا، ورخص في بيع الهر ابن عباس، وعطاء في رواية الحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد (٥) وهو قول الثوري، وأبي حنيفة ﵀

стр. 1168

تعالى، ومالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه. • وعن إسحاق روايتان. • وعن الحسن أنه كره بيعَها، ورخّص في شرائها للانتفاع بها. وهؤلاء منهم من لم يصحح النهي عن بيعها؛ قال أحمد: ما أعلم فيه شيئًا يثبت أو يصح. وقال أيضًا: الأحاديث فيه مضطربة. • ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه كالبرّي ونحوه. • ومنهم من قال: إنما نُهي عن بيعها؛ لأنه دناءة، وقلةُ مروءة؛ لأنها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية؛ فهي من (١) مرافق الناس التي لا ضرر عليهم في بذل فضلها. فالشحُّ بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها. * * * [حكم بقية الحيوانات التي لا تؤكل كالحشرات]: • وأما بقية الحيوانات التي لا تؤكل؛ فما لا نفع فيه كالحشرات ونحوها، لا يجوز بيعُه، وما يُذْكَر من نفع في بعضها فهو قليل، فلا يكونُ مبيحًا للبيع، كما لم يبح النبي ﷺ بيع الميتة؛ لما ذكر له ما فيها من الانتفاع. ولهذا كان الصحيح أنه لا يباح بيع العَلُق (٢) لمصّ الدم، ولا الديدان للاصطياد، ونحو ذلك. * * * [ما يستخدم في الاصطياد]: • وأما ما فيه نفع للاصطياد منها؛ كالفهد والبازي والصقر؛ فحكى أكثر الأصحاب في جواز بيعها، روايتين عن أحمد.

стр. 1169

ومنهم من أجاز بيعها، وذكر الإجماع عليه، وتأول رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في "المجرد". ومنهم من قال: لا يجوز بيع الفهد والنسر. وحكى فيه وجهًا آخر بالجواز، وأجاز بيعَ البزاة والصقور، ولم يحك فيه خلافًا. وهو قول أبي موسى وأجاز بيعَ الصقر والبازي والعُقَابِ ونحوهِ أكثرُ العلماء؛ منهم: الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وإسحقُ. والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جوازُ بيعها. وتوقف في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن مُعَلّمةً. * قال الخلال: العمل على ما رواه الجماعة: أنه يجوزُ بيعُها بكل حال. وجعل بعض أصحابنا الفيلَ حكمه حكم الفهد ونحوه وفيه نظر. * والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل؛ أنه لا يحل بيعه، ولا شراؤه وجعلَه كَالسَّبُع. * وحُكي عن الحسن أنه قال: لا يركب ظهره وقال: هو مسخ. وهذا كله يدل على أنه لا منفعة فيه. * * * [بيع الدب]: ولا يجوز بيع الدب؛ قاله القاضي في "المجرد". وقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيعُ القرد. قال ابن عبد البر: لا أعلم في ذلك خلافًا بين العلماء. وقال القاضي في "المجرد": إن كان يُنتفع به في موضع؛ لحفظ المتاع؛ فهو كالصقر والبازي، وإلا؛ فهو كالأسد. لا يجوز بيعه. والصحيح: المنع مطلقًا، وهذه المنفعة يسيرة، وليست هي المقصودةَ منه؛ فلا يبيح البيع كمنافع الميتة. ومما نهي عن بيعه: جِيفُ الكفار إذا قُتلوا.

стр. 1170

خرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵁ قال: "قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأُعْطُوا بجيفته مالًا، فقال رسول الله ﵌: "ادفعوا إليهم جيفته؛ فإنه خبيثُ الجيفة، خبيثُ الدية" فلم يقبل منهم شيئًا (١). * وخرجه الترمذي ولفظه: "إن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجلٍ من المشركين؛ فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم [إياه] " (٢). وخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا. ثم قال وكيع: الجيفةُ لا تُباع. وقال حرب: قلت لإسحاق: ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين؟ قال: لا. وروى أبو عمر الشيباني: أن عليًّا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصر، فاستتابه؛ فأبى أن يتوب؛ فقتله فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفًا؛ فأبى عليّ فأحرقه (٣). * * *

стр. 1171

الحديث السادس والأربعون عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيه أبِي مُوسى الأشْعَرِيٍّ أن النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَة عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصنَعُ بِهَا (١)، فَقَالَ: "وَمَا هِيَ؟ " قَالَ: الْبِتْعُ وَالمزْرُ، فَفِيلَ لِأَبِي بُرْدَةَ: ما الْبِتْعُ؟ قالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالمِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ. فَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". * * * [تخريج الحديث]: خَرَّجَه الْبُخَارِيُّ (٢). • وخرجه مسلم ولفظه قال: بعثني رسول الله ﵌ أنا ومعاذَ بنَ جبل إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! إنّ شرابًا يُصنَعُ بأرضنَا يقالُ له: المزْرُ، من الشعير، وشرابٌ يقال له: البِتْعُ، من العسل؟ فقال: "كلّ مسكرٍ حرام" (٣). • وفي رواية لمسلم فقال: "كلُّ ما أسكَر عن الصلاة فهو حرام". وفي رواية له قال: وكان رسول الله ﵌ قد أُعطي جوامعَ الكلم بخواتمه فقال: "أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة" (٤).

стр. 1172

[هذا الحديث أصل في تحريم كل مسكر]: • فهذا (١) الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل. [العلة المحرمة للمسكر]: • وقد ذكر الله تعالى في كتابه العلَّة المقتضية لتحريم المسكرات. [هذا الحديث أصل]: • وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته فخلط في قراءته؛ فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢). • وكان منادي رسول الله ﵌ ينادي: لا يقرب الصلاةَ سكران. ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣) فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر - وهو القمار - وهو أن الشيطان يُوقعُ بينهم العدواةَ والبغضاء؛ فإن من سَكِرَ اختلَّ عقلُه، فربما تسلَّط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بَلَغ إلى القتل، وهي أم الخبائث؛ فمن شربها قتل النفس، وزنى، وربما كفر. • وقد رُوي هذا المعنى عن عثمان وغيره (٤).

стр. 1173

• وروي مرفوعًا (١) أيضًا. • ومن قامر، فربما قُهِر، وأُخذِ مالُه قهرًا فلم يبق له شيء، فيشتدّ حقدُه على مَن أخذ مالَه. • وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حرامًا، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر واليسر عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فإن السكرانَ يزولُ عقله، أو يختلّ؛ فلا يستطع أن يذكر الله ولا أن يصلي. • ولهذا قالت طائفة من السلف: إن شاربَ الخمر تمرُّ عليه ساعةٌ لا يعرف فيها ربَّه، والله سبحانه تعالى إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحالَ بين العبد وبينَ معرفة ربه وذِكْرِه ومُنَاجَاتِهِ؛ كان محرَّمًا وهو السكر. * * * • وهذا بخلاف النوم؛ فإن الله تعالى جَبَلَ العباد عليه واضطرَّهُمْ إليه، ولا قوامَ لأبدانهم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنَّصَب؛ فهو من أعظم أَنْعُمِ الله علَى عباده؛ فإذا نامَ المؤمنُ بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته، ودعائه؛ كان نومُه عونًا له على الصلاة والذكر. ولهذا قال مَن قال مِنَ الصحابة: إني أحتسبُ نَوْمَتِي كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (٢). • وكذلك الميسر يَصُدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة؛ فإن صاحبَه يعكُف بقلبه عليه، ويشتغلُ به عن جميع مصالحه ومُهماته، حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه. ولهذا قال عليّ ﵁ لما مرّ على قوم يلعبون بالشَّطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فشبّههم بالعاكفين على التماثيل.

стр. 1174

[مدمن الخمر كعابد الوثن]: • وجاء في الحديث أن "مُدْمِنَ الخمر كعابد وثن" (١)؛ فإنه يتعلق قلبه بها، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته. • وهذا كله مضاد لما خلق الله العبادَ لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته، ومحبته، وخشيته، وذكرِه، ومُنَاجاته، ودعائه، والابتهال إليه. فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد إليه ضرورةٌ بل كان ضررًا محضًا عليه كان محرَّمًا. • وقد روي عن علي ﵁ أنه قال لمن رآهم يعلبون الشطرنج: "ما لهذا خلقتم". • ومن هنا يعلم أن الميسر محرم سواء كان بعِوَض أو بغير عِوَض، وأن الشطرنج كالنَّرد أو شرٌّ منه؛ لأنها تشغل أصحابَها عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من النّرد. • والمقصود أن النبي ﵌ قال: "كلّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكُلُّ ما أسكَر عن الصلاة فهو حَرَام". • وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ﵌؛ فخرّجا في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال: "كلّ مسكر خمر، وكلّ خَمْرٍ حرام" (٢). ولفظ مسلم: "وكُلّ مسكرٍ حرام" (٣). وخرجا أيضًا من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﵌

стр. 1175

سئل عن البتع، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام". وفي رواية لمسلم: "كل شراب مسكر حرام" (١). وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجَّا به. ونقل ابن عبد البر إجماعَ أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي ﵌ في تحريم المسكر. وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه فلا يثبت ذلك عنه. وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام" (٢). * * * [إلى هذا ذهب الجمهور]: وإلى هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار. وهو مذهب مالك، والشافعي، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. وهو مما أَجْمَعَ على القول به أهلُ المدينة كلُّهم. وخالف فيه طوائفُ من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر إنما هو خَمْرُ العنب خاصة، وما عاداها؛ فإنما يَحْرُم منه القدرُ الذي يُسْكِرُ، ولا يَحْرُمُ ما دونه. وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين، مغفورًا لهم، وفيهم خَلْقٌ من أئمة العلم والدين. • قال ابن المبارك: ما وجدتُ في النبيذ رُخْصَة عن أحد صحيح؛ إلا عن إبراهيم،

стр. 1176

يعني النخعي. • ولذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيءٌ يصحّ. • وقد صنف كتابَ الأشربة ولم يذكر فيه شيئًا من الرخصة. • وصنف كتابًا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكارَه، فقيل له: كيف لم تجعلْ في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلتَ في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. * * * [دليل على أن كل مسكر خمر]: • ومما يدلّ على أن كل مسكر خمر أن تحريمَ الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لم تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم؛ لما كان فيها بيانٌ لما سألوا عنه، ولكان محملُ السبب خارجًا من عموم الكلام، وهو ممتنع. ولما نزل تحريم الخمر أراقُوا مَا عندهم من الأشربة؛ فدلّ على أنهم فهموا أنه من (١) الخمر المأمور باجتنابه. • وفي صحيح البخاري عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خَمْرِنَا البُسْر (٢) والتمر. وعنه أنه قال: إني لأَسقي أبا طلحة، وأبا دُجَانة، وسُهَيْلَ بنَ بيضاء، خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر؛ فقذفتها وأنا ساقيهم وأصْغَرُهم، وإنا لنعدها حينئذٍ الخمر (٣). • وفي الصحيحين عنه قال: "ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ" (٤). • وفي صحيح مسلم عنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة

стр. 1177

شراب يشرب إلا من تمر (١). • وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب (٢). • وفي الصحيحين عن الشعبي، عن ابن عمر قال: قام عمر ﵁ على المنبر فقال: أما بعد؛ نزل تحريم الخمر وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل (٣). وخرجه الإمام أحمد (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌. وذكر الترمذي أن قول من قال: عن الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر أصح. وكذا قال ابن المديني.

стр. 1178

وروى أبو إسحق عن أبي بُردة (١) قال: قال عمر: ما خمرته فَعَتَّقْتَهُ: فهو خمر، وأَنَّى كانت لنا الخمر خَمْرَ العنب؟ [ما أسكر كثيرة فقليله حرام]: • وفي مسند الإمام أحمد، عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن الشّرب في الأوعية قال: نهى رسول الله ﵌ عن المزفتة فقال: "كُلّ مسكرٍ حرام" قلت له: صدقت، السَّكَر حرام فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليلُه وكَثِيرُه حرام، وقال: الخمر من العِنَبِ، والتَمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَة، والشعير والذرة؛ فما خمرت من ذلك؛ فهو الخمر (٢). خرجه أحمد، عن عبد الله بن إدريس، سمعت المختار يقول … فذكره. وهذا إسناد على شرط مسلم. • وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: "الخمر من هاتين الشَّجَرَتَيْن: النَّخْلة (٣) والعِنَبة". وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر. • وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما خرجه أبو داود (٤) وابن ماجه (٥)

стр. 1179

والترمذي (١) وحسنه، من حديث جابر، عن النبي ﵌ قال: "ما أسكر كثيرُه فقليله حرام". وخرج أبو داود (٢) والترمذي (٣) وحسنه من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرْقُ فمِلْءُ الكَفِّ منه حَرَام". وفي رواية: "الحَسْوَةُ منه حرام". • وقد احتج به أحمد وذهب إليه. وسئل عن قال إنه لا يصح فقال: هذا رجل مُغْلٍ يعني: أنه قد غلا في مقالته. • وقد خرّج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ (٤). • وقد روي عن النبي ﵌ من وجوه كثيرة يطول ذكرها. • وروى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، حدثني أبو وهيب الجيشاني، عن وفد أهل اليمن، أنهم قدموا على النبي ﷺ فسألوه عن أشربة تكون باليمن قال: فَسَمَّوْا له البِتْعَ من العَسَل، والمِزْرَ من الشعير، قال النبي ﷺ : "هل تَسْكَرُونَ منها "؟ قالوا: إن أكثرنا منها (٥) سكرنا، قال: "فحرام قليل ما أسكَرَ كَثيرُه". خرجه القاضي إسماعيل. • وقد كانت الصحابة ﵃ تحتج بقول النبي صلى الله عليه وآله

стр. 1180

وسلم: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " على تحريم جميع أنواع المسكرات، ما كان موجودًا منها على عهد النبي ﵌، وما حَدَث بعده، كما سئل ابنُ عباس عن الباذَقِ؟ فقال: "سبق محمد ﷺ الباذَقَ؛ فما أسكر فهو حرام" (١). خرجه البخاري. يشير إلى أنه إن كان مُسْكِرًا، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة. * * * [السكر نوعان]: • واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان: • أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، فهذا هو الخمر المحرَّم شربُه. وفي المسند عن طلق الحنفي، أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ ، فقال له رجل: يا رسول الله! ما ترى في شراب نصنعه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال ﷺ : "مَنْ سائلٌ عن المسكر؟ فلا تشربْه ولا تَسْقِهِ أخاكَ السلم؛ فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يحلف به - لا يشربه رجلٌ ابتغاءَ لذةٍ مُسْكِرَةٍ؟ فيسقيَه الله الخمر يوم القيامة" (٢). قالت طائفة من العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدًا أو مائعًا. وسواء كان مطعومًا أو مشروبًا. وسواء كان من حب أو تمر أو لبن أو غير ذلك. وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل هن ورق القنَّب (٣) وغيرها مما يؤكل لأجل

стр. 1181

لذته وسكره، وفي سنن أبي داود من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومُفْتِر" (١). والفْتِر! هو الخدر للجسد وإن لم ينته إلى حد الإسكار. * * * [التداوي بالسكر غير الملذ]: • والثاني: ما يزيل العقل ويسكره، ولا لذّة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه. فقال أصحابنا: إنْ تناولَه لحاجة التداوي به، وكان الغالب منه السلامة جاز. وقد روي عن عروة بن الزبير أَنه لما وقعت الأكِلَة في رجله، وأرادوا قطعها، قال له الأطباء: نسقيك دواءً حتى يغيب عقلك، ولا تُحِسَّ بألم القطع؟ فأبى وقال: ما ظننت أن خلقًا يشرب شرابًا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه!!. وروي عنه أنه قال: لا أشرب شيئًا يحول بيني وبين ذكر ربي . [تناول السكر الذي لا لذة فيه لغير التداوي]: • وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثر أصحابنا: كالقاضي، وابن عقيل، وصاحب المغني: إنه محرم؛ لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة؛ فحرم كشُرْب المسكر. • وروي حَنَش الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "من شرب شرابًا يذهب بعقله؛ فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر" (٢). • وقالت طائفة منهم ابن عقيل في فنونه: لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذة فيه، والخمر

стр. 1182

إنما حرمت لما فيها من الشدة المطربة، ولا إطرابَ في البنج ونحوه ولا شدة. * * * [وماذا لو طلق في هذه الحال؟]: • فعلى قول الأكثرين: لو تناول ذلك لغير حاجة وسَكِرَ به فطلّق فحكم طلاقه حُكْم طلاق السكران. قاله أكثر أصحابنا كابن حامد، والقاضي، وأصحاب الشافعي. • وقالت الحنفية: لا يقع طلاقه. وعللوا بأنه ليس فيه لذة. وهذا يدلّ على أنهم لم يُحَرّمُوه. • وقالت الشافعية: هو محرم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان. وظاهر كلام أحمد: أنه لا يقع طلاق بخلاف السكران. • وتأوله القاضي وقال: إنما قال ذلك إلزامًا للحنفية لا اعتقادًا له. وسياق كلامه محتمل لذلك. [عقوبة المسكر]: وأما الحد؛ فإنما يجب بتناول ما فيه شدة وطرب من المسكرات، لأنه هو الذي تدعو النفوس إليه؛ فجعل الحدَّ زاجرًا عنه. فأما ما فيه سكر بغير طرب، ولا لذة؛ فليس فيه سوى التعزير؛ لأنه ليس في النفوس داعٍ إليه حتى يحتاج إلى حدّ مقدّر زاجر عنه؛ فهو كأكل الميتة، ولحم الخنزير، وشرب الدم. وأكثر العلماء الذين يرون تحريمَ قليل ما أسكر كثيرُه، يرَوْنَ حدّ مَنْ شَرِب ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حِلّه متأولًا - وهو قول الشافعي، وأحمد، خلافًا لأبي ثور، فإنه قال: لا يُحَدُّ، لتأوُّلِه فهو كالناكح بلا وليّ. [والناكح بغير ولي]: وفي حد الناكح بغير وليٍّ خلافٌ أيضًا. لكن الصحيح أنه لا يحدّ.

стр. 1183

• وقد فرّق مَنْ فرّق بينه وبين شرب النبيذ متأولًا بأن شرب النبيذ المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمعِ على تحريمه، بخلاف النكاح بغير ولي؛ فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه، وموجبٌ للاستعفاف عنه. • والمنصوص عن أحمد: أنه إنما حَدَّ شاربَ النبيذ متأوّلًا لأن تأويله ضعيف لا يُدرأ عنه الحدُّ به؛ فإنه قال في رواية الأثرم: "يحدّ مَنْ شَرِب النبيذَ متأولًا". ولو رُفع إلى الإمام مَن طلّق ألبتة، ثم راجعها متأولًا: أن طلاق ألبتة واحدة والإمام يرى أنها ثلاث؛ لا يفرق بينهما. وقال: هذا غيرُ ذاك، أمْرُه بين في كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ. وقال النبي ﷺ : "كل مسكر خمر". فهذا بيِّن، وطلاق ألبتة إنما هو شيء اختلف الناس فيه. * * *

стр. 1184

الحديث السابع والأربعون عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مُعْدِ يكَرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ما مَلأَ ابْنُ (١) آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحِسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ (٢) يُقِمْنَ صلْبَهُ، فَإِنْ كانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ". رَوَاهُ الإِمامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ (٣) حَسَنٌ. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجه الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥) من حديث يحيى بن جابر الطائي، عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا الوجه (٦)، ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن (٧) جدّه. وخرجه ابن ماجه من وجه آخر عنه (٨).

стр. 1185

وله طرق أُخر (١). وقد روى هذا الحديث مع ذكر سببه. فروى أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث عبد الرحمن بن المرقَّع، قال: فتح رسول الله ﷺ خيبر، وهي مخضرة من الفواكه؛ فوقع الناس في الفاكهة فَغَشِتتْهُم الحمّى، فَشَكوْا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إنما الحمّى رائدُ الموت، وسجْنُ الله في الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكمْ فَبَرِّدُوا الماءَ في الشِّنَانِ، فصبّوها عليكم بين الصلاتَين يعني المغرب والعشاء"، قال: ففعلوا ذلك؛ فذهبَتْ عنهم فقال رسول الله ﷺ : "لم يخلق الله وعاءً إذا مُلِئَ شَرًّا من بطن، فإن كان لابد، فاجعلوا ثلثًا للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للريح" (٢). * * * [هذا الحديث أصل جامع في الطب]: وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا (٣) من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات (٤)، ودكاكين الصيادلة. [التخمة أصل الداء]: وإنما قال هذا لأن أصل كل داء التُّخَم كما قال بعضهم: "أصل كل داء: البَرَدَةُ". وروي مرفوعًا ولا يصح رفعه (٥).

стр. 1186

[والحمية رأس الدواء]: • وقال الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب: "الحِمْيَةُ رأسُ الدواء، والبِطْنَةُ رأس الداء". ورفعه بعضهم ولا يصح أيضًا (١). • وقال الحارث أيضًا: "الذي قتل البَرِية، وأهلك السِّبَاعَ في البرِّية، إدخال الطعام على الطعام، قبل الانهضام". وقال غيره: "لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؛ لقالوا: التخم". فهذا بعض منافع تقليل الغذاء، وترك التملي من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. [صلاح القلب في قلة الغذاء]: • وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه؛ فإن قلة الغذاء تُوجب رِقَّةَ القلب، وقوة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب. وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك. [من المأثور في ذلك]: • قال الحسن: يا ابن آدم! كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودعْ ثُلُث بطنك يتنفس؛ لتتفَكّر (٢). * * *

стр. 1187

وقال المروزي: جعل أبو عبد الله - يعني الإمام أحمد - يعظم أمر (١) الجوع والفقر؛ فقلت له: يُؤْجَرُ الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر؟ وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة (٢) أشهر!. • قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع (٣)؟ قال: ما أرى. وروى المروزي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه. فروى بإسناده عن ابن سيرين قال: "قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال: وأي شيء هو؟ قَال: شيءٌ يهضمُ الطعام إذا أكلته. قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقوامًا يجوعون أكثر مما يشبعون" (٤). • وبإسناده عن نافع قال: "جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر فقال: ما هذا؟ قال: شيء (٥) يهضم به الطعام قال: ما أصنع به؟ إني ليأتي (٦) عليَّ الشهرُ ما أشبع فيه من الطعام". • وبإسناده عن رجل قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رقت مَضغَتُك، وكَبِر سنُّك، وجُلَسَاؤك لا يعرفون لك حقَّك، ولا شرفَك؟ فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئًا يُلْطِفُوكَ إذا رجعتَ إليهم؟ قال: ويحك! والله ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة، مرة واحدة، فكيف بي وإنما بقي مني كَظِمْءِ الحمار (٧). وبإسناده عن عمرو بل الأسوِد العنَسي أنه كان يدع كثيرًا من الشِّبع مخافة الأشر (٨). • وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الجوع" بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: "ما شبعتُ منذ أسلمتُ" (٩). • وروى بإسناده عن محمد بن واسع قال: "من قل طُعْمُه، فَهِم وأفهَمَ، وصفا

стр. 1188

ورقّ، وإنَّ كثرةَ الطَّعام؛ لتثْقِلُ صاحبه عن كثير مما يريد (١) ". • وعن أبي عبيدة الخواص قال: حَتفُك في شبعك، وحَظّك في جوعك، إذا أنتَ شبعتَ ثَقُلْتَ فنمتَ، استمكن منك العدو، فجثَم عليك، وإذا أنتَ، تجوّعتَ، كنتَ للعدو بمرصد. • وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة؛ فإنها تُقْسِي القلبَ. • وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله. • وعن بعض العلماء قال: إذا كنتَ بطينًا؛ فاعْدُدْ نَفْسَك زَمِنًا حتى تَخْمَصَ. • وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطينًا فتم عزمه. • وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردتَ حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغيّر العقل. • وعن مالك بن دينار قال: "ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبرَ همه، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه (٢) ". قال: وحدّثني الحسين (٣) بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره: كانت بلية أبيكم آدم ﵇ أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. قال: وكان يقال: مَنْ ملك بطنَه ملَكَ الأعمالَ الصالحة كلّها. • وكان يقال: لا تسكن الحكمة معدةً ملأى. • وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يُقال: قِلة الطعم عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات. • وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه. • وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نَرَ للأشِر مثلَ دوام الجوع، فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامُه أن لا تشبع أبدًا. قال: وكيف يقدر مَنْ كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسرَ ذلك يا ألا عبد الرحمن! على أهل ولايته، ومن وفَّقه لطاعته، لا يأكل إلا دونَ الشبع وهو دوامُ الجوع. ويشبه هذا قولُ الحسن لما عرض الطعامَ على بعض أصحابه، فقال له: أكلتُ حتى لا

стр. 1189

أستطع أن آكل، فقال الحسن: سبحان اللّه! ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟!. • وروى أيضًا إسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من أحبّ أن يُنوَّرَ له قلبه، فليُقِلَّ طُعمَه. • وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويَقِلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل. • وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهونُ على اللّه من أن يُجيعنا، إنَّما يُجيع أولياءَه. • وعن عبد اللّه بن الفرج (١) قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبع؟ قال: لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا. • وعن رياح القيسي أنه قرب إليه طعام، فأكل منه، فقيل له: ازدد، فما أراك شبعت، فصاح صيحة وقال: كيف أشبع أيام الدنيا، وشجرةُ الزّقوم طعامُ الأثيم بين يديّ؟ فرفع الرجل الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء، ونحن في شيء (٢). • قال المروزي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعم يعني أحمد؟ قلت له: وكيف هو متنعم؟ قال؟ أليس يجد خبزًا يأكل، وله امرأة يسكن إليها، ويطؤها، فذكرتُ ذلك لأبي عبد اللّه فقال: "صدق" وجعل يسترجع وقال: "إنا لنشبع! ". • وقال بشر بن الحارث: ما شبعتُ منذ خمسين سنة. • وقال: "ما ينبغي للرجل أن يشبعَ اليومَ من الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام، فيكُفّ (٣) من هذه الأقذار". • وعن إبراهيم بن أدهم قال: "من ضَبَطَ بطنه، ضبط دينَه، ومَنْ مَلَك جُوعَه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية اللّه بعيدة من الجائع، قريبةٌ من الشَّبعان، والشِّبَعُ يميت القلبَ، ومنه يكون الفرحُ والمرحُ والضحك". • وقال ثابت البُنَاني: "بلغنا أن إبليسَ [لعنه اللّه] ظهر ليحيى بن زكريا عليهما

стр. 1190

السلام، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى ﵇: يا إبليس! ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيبُ من بني آدم؟ قال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعتَ فثقّلناك عن الصلاة، وعن الذكر. قال: فهل غيرُ هذا؟ قال: لا، قال: للّه على أن لا أملأ بطي من الطعام أبدًا، قال: فقال إبليس - لعنه اللّه -: للّه علي أن لا أنصح مسلمًا أبدًا" (١). • وقال أبو سليمان الداراني: "إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفَا القلبُ ورَقّ، وإذا شبعت ورويت، عَمِيَ القلبُ". • وقال: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من اللّه ، وإن اللّه ليعطي (٢) الدنيا مَن يحبّ ومن لا يحبّ، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يُعْطِي إلا مَنْ أحبّ خاصة، ولأن أدع من عَشَائي لُقْمَةً أَحَبُّ إليَّ من أَنْ آكلها، ثم أقومَ من أول الليل إلى آخره". • وقال الحسن بن يحيى الخشني: "من أراد أن تَغْزُرَ دموعُه، ويرقَّ قلبُه، فليأكل وليشرب في نصف بطنه" (٣). • وقال أحمد بن أبي الحواري، فحدثتُ بهذا أبا سليمان، فقال: "إنما جاء الحديث: ثلث طعام، وثلث شراب، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سُدُسًا". • وقال محمد بن النضر الحارثي: "الجوعُ يَبْعثُ على البر كما تبعث البطنة على الأشر" (٤). • وعن الشافعي قال: "ما شبعتُ منذ ستة عشر سنة، إلا شَبْعَةً أطرحُها؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة". وقد ندب النبي ﷺ إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام وقال: "حسب ابن آدم لقيماتٌ يقمْن صُلْبه" (٥). • وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "المؤمنُ يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل

стр. 1191

في سبعة أمعاء" (١) والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع؛ فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشرَه (٢) والنهم فيأكل في سبعة أمعاء، وندب ﷺ مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه فقال: "طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة" (٣). * * * [أحسن ما أكل المؤمن]: فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثًا، كما ذكره النبي ﷺ في حديث المقدام؛ فإن كثرةَ الشرب تجلبُ النوم، وتُفسد الطعام. • قال سفيان: كلْ ما شئت، ولا تشرب؛ فإذا لم تشرب لم يجئك النوم (٤). • وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل؛ فإذا كان عيد فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا. • وقد كان النبي ﵌ وأصحابه يجوعون كثيرًا (٥)، ويتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام؛ إلا أن اللّه تعالى لا يختار لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلَها (٦). ولهذا كان ابن عمر يتشبه بهم في ذلك (٧)، مع قدرته على الطعام، وكذلك أبوه (٨)

стр. 1192

من قبله. • ففي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من خبز برّ ثلاث ليال تباعًا، حتى قبض" (١). • ولمسلم قالت: "ما شبع رسول اللّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين؛ حتى قبض" (٢). وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما شبع رسول اللّه ﷺ من طعام ثلاثة أيام؛ حتى قبض" (٣). • وعنه قال: "خرج رسول اللّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير" (٤). وفي صحيح مسلم عن عمر: أنه خطب فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه (٥). وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي ﷺ ﵌، قال: "لقد أوذيتُ في اللّه وما يؤذَى أحد، ولقد أُخِفْتُ في اللّه وما يُخَافُ أحد، ولقد أتتْ عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي الطعام؛ إلا مَا وارَاهُ إبِطُ بِلالٍ" (٦).

стр. 1193

• وخرَّج ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد قال: "أتانا رسول اللّه ﷺ فَمَكَثْنَا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر - على طعام" (١). وبإسناده عن أبي هريرة قال: "أُتي رسول اللّه ﷺ بطعامٍ سُخْنٍ، فأكل؛ فلما فرغَ قال: الحمد للّه ما دخل بطني طعامٌ سُخْنٌ منذ كذا وكذا" (٢). [ذم القرآن من اتبع الشهوات]: • وقد ذم اللّه ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣). وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ القُرون قَرْني، ثم الذين يلُونَهُم ثم الذين يلونَهُمْ، ثم يأتي قوم يَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وَيَنذِرُون ولا يُوفونَ، ويظهرُ فيهم السِّمَنُ" (٤). • وفي المسند أن النبي ﷺ رأى رجلًا سمينًا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا؛ لكان خيرًا لك" (٥). • وفي المسند عن أبي بَرْزَة عن النبي ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم؛ شهواتُ الغَيِّ في بطونكم وفروجكم ومُضِلَّاتُ الهوى" (٦). • وفي مسند البزَّار وغيره عن فاطمة عن النبي ﷺ قال: "شرار أمتي الذين غذُّوا

стр. 1194

بالنعم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام" (١). وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: "كُفَّ عنَّا جُشَاءَكَ؛ فإن أكثَرَهُمْ شِبَعًا في الدُّنْيَا أطولُهم جوعًا يوم القيامة" (٢). • وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضًا بنحوه (٣).

стр. 1195

وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة (١) وفي أسانيدها كلها مقال واللّه أعلم. [ثلث للطعام]: • وروى يحيى بن منده في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي ﷺ : "ثلثٌ للطعام، وثلثٌ للشراب، وثلثٌ للنفَس" فقال: "ثلُث للطعام هُوَ القُوت، وثُلُث للشَّرَاب هو القُوَى، وثُلُث للنَّفَس هو الروح". * * *
следующие страницы →