← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

• وقال سفيان لبعض الصالحين: "هل أبكاك قط علم اللّه فيك؟ " فقال له ذلك الرجل: "تركتنى لا أفرح أبدًا". • وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول: "أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي ويقول أخاف أن أُسْلَبَ الإيمانَ عند الموت (١) ". • وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته، ويقول: "يا رب! قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكنِ النار ففي أي الدارين منزل مالك (٢)؟ ". • قال حاتم الأصم: "من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء": "الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاءِ في الجنة ولا أبالى، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان؟ ". "الثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث فنودي الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ ". "والثالث: ذكر هول المطلع ولا يدري أيبشر برضاء اللّه أو بسخطه؟ ". "والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتا ولا يدري أيُّ الطريقين يُسْلَكُ به". * * * وقال سهل التُّسْتَرِى: المريد يخاف أن يُبتلَى بالمعاصي! والعارف يخاف أن يبتلَى بالكفر! ". * * * [خوف النفاق]: ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه؛ فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجَه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة (٣).

стр. 177

[طَلَبُ التثبيت]: وقد كان النبي ﷺ يُكثِر أَنْ يَقُول في دُعَائِهِ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب ثَبتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ! " فَقيلَ لَهُ يَا نَبيَّ اللّه! آمَنَّا بِك وَبمَا جئت بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنا؟ فقال: "نَعَم إِنَّ القُلوبَ بَبنْ أصْبعَيْن مِنْ أَصابِع الرَّحْمَن يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ". خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس (١). • وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القْلُوب ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينك" فقلت: يا رسول اللّه (٢) وإنَّ القَلْب لِيُقَلَّبُ؟ قَال: "نَعَم مَا مِنْ خَلْقِ اللّه منْ بَني آدَمَ من بَشَر إِلا أَنَّ قَلْبَهُ بينَ أُصبُعين مِنْ أصابع اللّه فَإِنْ شَاءَ اللّهَ أَقَامَه وإنْ شَاءَ أَزَاغَهُ؛ فَنَسْأَلُ اللّه رَبَّنا أَنْ لما يُزِيغَ قُلُوبنا بَعْدَ إذ هَدَانا، وَنَسْألُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لدنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُو الوَهَّابُ". قالت: قلت: يا رسول اللّه! ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى! قولي: الَّلهُمَّ رَبَّ النَّبي مُحَمَّد اغْفِرْ لي ذَنْبى، وأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبى، وَأَجِرْنِى مِنْ مُضِلَّاتِ الفتنِ ما أحْيَيْتَنى" (٣). وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة. * * * • وخرج مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو سمع رسول اللّه ﷺ يقول: "إِنَّ قُلُوبَ بَني آدَم كُلَّها بَينَ أصْبُعَين مِنْ أصابع الرَّحْمنَ كَقَلْب وَاحدٍ، يُصَرِّفُهُ حيث يَشَاء" ثُمَّ قَال رسول اللّه ﷺ : "اللَّهُمّ مُصَرِّف القُلوُبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِك" (٤). * * *

стр. 178

الحديث الخامس عن أم المؤمنين: أم عبد اللّه (١) عائشه ﵂ قالت قال رسول اللّه ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو رَدٌّ". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضى اللّه عنها (٢) وألفاظه مختلفة (٣) ومعناها متقارب وفي بعض ألفاظه: "من أحدث في ديننا ما ليس فيه (٤) فهو رد". [قيمة الحديث]: وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها [كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها] (٥). فكما أن كل عمل لا يراد به وجه اللّه تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل كمل لما يكون عليه أمر اللّه ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به اللّه ورسوله فليس من الدين في شيء. * * * • وسيأتي حديث العرباض بن سارية (٦) عن النبي ﷺ أنه قاله: "مَنْ يَعِشْ مِنكُم

стр. 179

بَعْدى فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثيرًا فَعَليْكُمْ بسُنَّتى وَسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّين مِنْ بَعْدِى عضُّوا عَليْها بِالنَّواجِذِ وإيَّاكم وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ؛ فَإنّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةُ". * * * • وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: "إِن أَصْدَقَ الحَديت كِتَابُ اللّه، وخَيْرَ الهَدْى هديُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَّ الأمُورِ محدَثَاتُها" (١). [الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع]: وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه. ونتكلم ههنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردِّها. فهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود. ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود. والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه كالمراد بقوله في الرواية الأخرى "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فالمعنى - إذًا - أن من كان عمله خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع فهو مردود. [معنى قوله: ليس عليه أمرنا]: وقوله "ليس عليه أمرنا" إشارة إلى أن أعمال العاملين كلِّهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة؛ فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها؛ فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة، موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود. * * * [الأعمال: عبادات ومعاملات]: • والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن

стр. 180

حكم اللّه ورسوله بالكلية، فهو مردرد على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١). [مطلب: التقربُ إلى اللّه بسماع الملاهي أو بالرقص بدعة حرام (٢)] فمن تقرب إلى اللّه بعمل لم يجعله اللّه ورسوله قربة إلى اللّه فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مُكَاءً وتَصْدِيةً. * * * وهذا كمن تقرب إلى اللّه تعالى بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع اللّه ورسوله التقرب بها بالكلية. * * * [ما يكون قربة في عبادة قد لا يكون قربة في سواها] وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا. فقد رأى النبي ﷺ رجلا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم. فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه (٣) يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرهما. * * * وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ : وهو على المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ما دام النبي ﷺ يخطب؛ إعظاما لسماع خطبة النبي ﷺ . ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفى بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل

стр. 181

ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن. وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى في وقت النهي. * * * [ماذا إذا خلط مشروعًا بما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع؟]: وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع - فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا (١) عليه أم لا؟ فهذا لما يطلق القول فيه بِرَدٍّ ولا قبول بل ينظر فيه. فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها أو كمن أخل بالركوع أو السجود أو بالطمأنينة (٢) فيهما - فهذا عمله مردود عليه وعليه إعادته إن كان فرضا. وإن كان ما أخل به لما يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص. وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردودًا كمن زاد في صلاته ركعة عمدًا مثلا. وتارة لما يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعا أربعًا أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه. * * * [وماذا لو بدل مأمورا به بمنهي عنه؟]: وقد يبدَّل بعضُ ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرّم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بُقْعَةٍ غَصْبٍ - فهذا اختلف

стр. 182

العلماء فيه: هل عمله مردود من أصله؟ أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله. * * * [من صلى بثوب من حرام]: وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم الشِّمْرِية أصحاب أبي شِمْر (١) أنهم يقولون إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته وقال: ما سمعت قولا أخبثَ من قولهم؛ نسأل اللّه العافية. وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث المطلعين على مقالات السلف. وقد استنكرَ هذا القولَ وجعلهُ بدعة؛ فدل على أنه لم يُعْلَمْ عن أحد من السلف القولُ بإعادة الصلاة في مثل هذا (٢). * * * [والحج بمال حرام]: ويشبه هذا: الحج بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه ولكنه حديث لا يثبت وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟ [والذبح بآلة محرمة]: وقريب من ذلك الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح كالسارق؛ فأكثر العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرمة وكذا (٣) الخلاف في ذبح المحرم للصيد؛ لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر لأنه منهي عنه بعينه. * * * [بين نهي ونهي]: ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها،

стр. 183

وبين أن لا يكون مختصًّا بها فلا يبطلها. [الصلاة بالنجاسة والصلاة في الغصب]: فالصلاة بالنجاسة أو بغير طهارة أو بغير ستارة أو إلى غير القبلة يبطلها (١) لاختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب. * * * [صيام المجامع والمغتاب]: ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع بخلاف ما نهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور. * * * [الحج بين المجامع والسارق]: وكذلك الحج لا (٢) يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر. * * * [ماذا يبطل الاعتكاف؟]: وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه وهو الجماع. وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين لنهي السكران عن قربان المسجد ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) أن المراد مواضع الصلاة فصار كالحائض ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكاب الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء". * * * وإن خالف في ذلك طائفة من السلف منهم عطاء والزهري والثورى ومالك وحكي

стр. 184

عن غيرهم أيضًا. * * * [بماذا تبطل المعاملات؟]: • وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما فما كان منها تغييرًا (١) للأوضاع الشرعية كجعل حَدِّ الزنا عقوبةً مالية، وما أشبه ذلك؛ فإنه مردود من أصله لا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام. ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا (٢) على فلان؛ فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي ﷺ : "المائة شاة والخادم ردٌّ عليكَ، وعلى ابنكَ جلدُ مائة وتغريبُ عام" (٣) وما كان منها عقدًا منهيًّا عنه في الشرع إما لكون العقود عليه ليس محلا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه أو عليه (٤)، أو لكون العقد يشغل عن ذكر اللّه الواجب عند تضايق وقته أو غير ذلك - فهذا العقد هل هو مردود بالكلية لا ينتقل به الملك أم لا؟. [اختلاف الروايات في ذلك]: وهذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرًا، وذلك أنه ورد في بعض الصور: أنه مردود لا يفيد (٥) المِلْك، وفي بعضها: أنه يفيده فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك. [والأقرب: التفريق بين ما فيه حق اللّه تعالى وما فيه حق الآدمي]: والأقرب: - إن شاء اللّه تعالى - أنه إن كان النهي فيه لحق اللّه تعالى فإنه لا يفيد

стр. 185

الملك بالكلية. ومعنى أن يكون الحق (١) للّه أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه. وإن كان النهي عنه لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به؛ فإنه يقف على رضاه به؛ فإن رضي لزم العقد، واستمر المِلْك وإن لم يرض به فله الفسخ. فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكُلِّية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق؛ فلا عبرة برضاه ولا بسخطه. وإن كان النهي رفقًا بالنهى خاصة لا يلحقه من المشقة فخالف وارتكب المشقة؛ لم يبطل بذلك عمله. * * * [صور الأول]: فأما الأول فله صور كثيرة منها: نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه: كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب، أو للجمع، أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه، كنكاح المعتدة والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك. وقد روي أن النبي ﷺ فَرَّق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حُبلى؛ فرد النكاح (٢) لوقوعه في العدة. ومنها عقود الربا فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردها، وقد أمر النبي ﷺ من باع صاع تمر بصاعين أن يَرُدَّهُ (٣). ومنها بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز التراضي ببيعه. * * * [صور الثاني]: وأما الثاني فله صور عديدة منها: إنكاح الولى من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها -

стр. 186

بغير إذنها (١). وقد رد النبي ﷺ نكاح امرأة ثيب زوَّجها أبوها وهي كارهة (٢). وروي عنه ﷺ أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها (٣) وفي بطلان هذا النكاح أو وقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد. * * * وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه لم يكن تصرفه باطلا من أصله؛ بل يقف على إجازته، فإن أجازه جاز وإن ردَّه بطَل. واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه (٤) للنبي ﷺ شاتين وإنما كان أمره بشراء شاة (٥) واحدة ثم باع إحداهما وقَبِلَ ذلك النبيُّ (٦) ﷺ . وخص ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن. * * * [تصرف المريض في ماله]: ومنها تصرف المريض في ماله كله هل يقع باطلًا من أصله أم يوقف (٧) تصرفه في الثلثين (٨) على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهور للفقهاء، والخلاف في مذهب أحمد وغيره.

стр. 187

• وقد صح أن النبي ﷺ رفع إليه أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له غيرهم فدعا بهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولًا شديدًا ولعل الورثة لم يجيزوا عتق الجميع واللّه أعلم (١). ومنها بيع المدلَّس (٢) ونحوه كالمصَرَّاة (٣) وبيع النَّجْش (٤) وتلقي الرُّكْبَان (٥) ونحو ذلك. وفي صحته كله اختلاف مثمهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه. والصحيح أنه يصح ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك. • فقد صح عن النبي ﷺ أنه جعل مشتري المصراة بالخيار (٦) وأنه جعل للركبان الخيار إذا هبطوا السوق (٧). وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله. وقد أورد (٨) على بعض من قال بالبطلان حديثُ المصَرَّاة فلم يذكر عنه جوابا. وأما بيع الحاضر للبادي فمن صححه جعله من هذا القبيل ومن أبطله جعل الحق فيه

стр. 188

لأهل البلد كلهم، وهم غير منحصرين فلا يتصور إسقاط حقوقهم، فصار كحق اللّه . ومنها لو باع رقيقًا يحرم التفريق بينهم وفرق بينهما كالأم وولدها فهل يقع باطلًا مردودًا أم يقف على رضاهم بذلك؟. وقد روي أن النبي ﷺ أمر برد هذا البيع (١). ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم ولو رضوا بذلك؟ وذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم، منهم النخعي وعبيد اللّه بن الحسن العنبري (٢). فعلى هذا يتوجه أن يصح ويقف على الرضا. * * * [لو خص بعض ولده بعطية]: • ومنها لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن النبي ﷺ أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطة أن يرده (٣). ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد؛ فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة فإن ساوى (٤) بين الأولاد في العطية أو استرد ما أعطى الولد جاز وإن مات ولم يفعل شيئًا من ذلك فقال مجاهد هو (٥) ميراث. وحكي عن أحمد نحوه وأن العطية تبطل والجمهور على أنها لا تبطل. وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد. * * *

стр. 189

[الطلاق النهي عنه]: • ومنها الطلاق النهي عنه كالطلاق في زمن الحيض فإنه قد قيل أنه قد نهي عنه لحق الزوج حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم ومن نهي عن شيء رفقًا به فلم ينته عنه بل فعله وتجشم مشقته فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كما صام في المرض أو السفر أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائمًا مع تضرره بالقيام للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف ولم يتيمم، أو صام الدهر ولم يفطر، أو قام الليل ولم ينم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول بتحريمه. • وقيل إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لا فيه من الإضرار بها بتطويل العدة ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض فهل يزول بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي أنه يزول التحريم بذلك. * * * • فإن قيل إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة فإذا أقدم (١) عليه فقد أسقط حقه فسقط وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه أيضًا؛ فإن رضاء المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يخالف فيه سوى شِرْذِمة يسيرة من الروافض ونحوهم كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر ولو تضرر به، ولكن إذا تضررت المرأة بذلك وكان قد بقى شيء من طلاقها أمر الزوج بإرتجاعها كما أمر النبي ﷺ ابن عمر بارتجاع زوجته (٢) تلافيا منه لضررها وتلافيا منه (٣) لما وقع منه من الطلاق المحرم، حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم؛ وليتمكن من طلاقها على وجه مباح فتحصل إبانتها على هذا الوجه. * * * • وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ رَدَّهَا عليه، ولم يرها شيئًا. وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل ابنه

стр. 190

سالم ومولاه نافع وأنس وابن سيرين وطاووس ويونس بن جبير وعبد اللّه بن دينار وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم. • وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات فلا يقبل تفرده فإن في (١) رواية الجماعة عن ابن عمر مما يدل على أن النبي ﷺ حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة. وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن طلاق المرأة (٢) في الحيض إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين فإن رسول اللّه ﷺ أمرني بذلك - يعني بارتجاع المرأة - وإن كنت طلقتها (٣) ثلاثا فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله ثم تلا رسول اللّه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٤). ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر. وإنما روى عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر: أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح. وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، وأن النبي ﷺ إنما ردها عليه لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الدهني (٥) عنه فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقًّا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه (٦). وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال عن جابر: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فقال النبي ﷺ "ليراجعها فإنها امرأته" وأخطأ في ذكر (٧) جابر في هذا الإِسناد وتفرد بقوله: فإنها امرأته وهي لا تدل (٨) على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يُخْتَلَفْ عليهم فيه.

стр. 191

• فروى (١) أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم (٢) أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي ﷺ أن يراجعها فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب: يونس بن جبير، وكان ذا ثَبَتٍ (٣) فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة. خرجه مسلم (٤). وفي رواية قال ابن سيرين فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه. وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا الزبير من هذا القبيل ولذلك كان نافع يسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثا أو واحدة. ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك، لهذه الشبهة، واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم (٥) غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له. • قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض. • وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم ويمنهم وشأمهم وعراقهم ومصرهم. وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم (٦).

стр. 192

[رأى ابن حزم]: • وأما ما حكاه ابن حزم (١) عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى الأندلسى حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبيد اللّه بن عمر عن نافع ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها. وبإسناده عن خلاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقطت عن آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة. كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه عن عبد الوهاب الثقفي (٢). وكذلك (٣) رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب أيضًا وقال هو غريب لم (٤) يحدث به إلا عبد الوهاب ومراد ابن عمر أن الحيضة التي تطلق فيها المرأة لا تعتد بها المرأة قرءا، وهذا هو مراد خلاس وغيره. * * * وقد روي ذلك أيضًا عن جماعة من السلف منهم زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابن حزم فحكوا عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع. وهذا سبب وهمهما واللّه أعلم. * * * [عود إلى الحديث والاستشهاد به]: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل يجمع له في مسكن واحد (٥) فقال يجمع ذلك كله مسكن واحد، حدثتنى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ عَمِلَ عملا ليس عليه أمْرُنَا فهو رَدٌّ".

стр. 193

خرجه مسلم (١). * * * [تغيير الوصية إلى ما هو الأحب والأنفع]: ومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى اللّه وأنفع جائز وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج. وربما يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا (٢) أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) ولعله أخذ هذا من جمع العتق فإنه (صح أن رجلًا) (٤) أعتق ستة مملوكين له عند موته [لم يكن له مال غيرهم] (٥) فدعاهم النبي ﷺ فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة. خرجه مسلم (٦). وذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث، لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه (٧). ولهذا شرعت السراية والسعاية (٨) إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد وقال ﷺ فيمن أعتق بعض عبد له: "هُوَ عتيق كُلُّهُ لَيْسَ للّه شَريكٌ" (٩). * * * وأكثر العلماء على خلاف قول القاسم هذا وأن وصية الموصي لا تجمع ويتبع لفظه

стр. 194

إلا في العتق خاصة؛ لأن المعنى الذي جمع له في العتق غير موجود في بقية الأموال؛ فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي. * * * وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه ويستسعون في الباقي. واتباع قضاء رسول اللّه ﷺ أحق وأولى. والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصي له للورثة في المساكن كلها ضررًا عليهم فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكن واحد فإن اللّه قد شرط في الوصية عدم المضارة، بقوله تعالى ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١) فمن ضار في وصيته كان عمله مردودا عليه؛ لمخالفته ما شرط اللّه تعالى في الوصية. * * * [لو أوْصَى بثُلُث مساكنه] وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه (٢) كلها ثم تلف ثلثا (٣) المساكن؛ وبقى منها ثلث أنه يعطيه كله (٤) للموصى له وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة. وحكي عن أبي يوسف ومحمد ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه. وبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تُقَسَّم بين المشتركين فيها قسمة إجبار كما هو قول مالك. وظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا والمشهور عند أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي حنيفة والشافعي رحمهما اللّه. [وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة والموصى لهم [إن] طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم. وهذا التأويل بعيد مخالف للظاهر واللّه أعلم] (٥).

стр. 195

الحديث السادس عن أبي عبد الله: النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله! ﷺ يقول: "إنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيَنْهُمَا أُمورٌ مُشْتبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاس، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات، فَقَد اسْتَبْرأ لدِينِه وَعِرْضِهِ، وَمنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ في الْحَرَامِ، كالرَّاعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَن يَرْتعَ فيه، أَلَا وَإنّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، أَلا وإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلا وَإنَّ في الجَسَد مُضغَةً، إذا صَلَحتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِي الْقَلْبُ". رواه البخاري ومسلم (١). [تخريج الحديث وبيان درجته]: هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص. والمعنى واحد أو متقارب. وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر (٢) وعمار بن ياسر (٣) وجابر وابن مسعود وابن عباس (٤). وحديث النعمان أصح أحاديث الباب. [شرح الحديث]: فقوله ﷺ : "الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبَهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاس" معناه: أن الحلال المحض بيِّن لا اشتباه فيه وكذلك الحرام المحض ولكن بين

стр. 196

الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي. [الحلال المحض]: • فأما الحلال المحض فمثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام وشرب الأشربة الطيبة ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر وكالنكاح والتسري وغير ذلك إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة. [الحرام المحض]: • والحرام المحض مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الاكتساب المحرم كالربا والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس (١) ونحو ذلك. [المشتبه]: • وأما المشتبه فمثل أكل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه: إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضَّب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينَة والتورُّق (٢)، ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسَّر المشتبهات أحمد وإسحق وغيرهما من الأئمة. [ومجمل القول في ذلك]: وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام كما قال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) قال

стр. 197

مجاهد وغيره: لكل شئٍ أُمِروا به، أو نُهُوا عنه، وقال الله تعالى: في آخر سورة النساء التي بيّن فيها كثيرًا من أحكام الأَمْوال والأَبْضَاع ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٣). ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول. كما قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤). [إكمال الدين]: وما قبض رسول الله ﷺ حتى أكمل له ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥) وقال ﷺ : "تَرَكْتُكُمْ عَلَى بَيْضاءَ نَقيَّةٍ لَيْلُها كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ" (٦). * * * • وقال أبو ذر ﵁: "توفي رسول الله ﷺ وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذَكَر لنا منه عِلْمًا (٧) ". • ولما شك ناس في موته ﷺ قال عمه العباس ﵁: "والله! ما مات رسول الله ﷺ حتى ترك السّبيل نهجًا واضحًا، وأَحَلَّ الحلالَ، وحَرَّمَ الحرام، ونكح وطلّق، وحارَبَ وسَالَم وما كان راعي غنم يتبع بها رءوس الجبال يخبط عليها العضاة (٨) بمخبطته (٩)

стр. 198

ويمدر (١) حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله ﷺ كان فيكم". [ما ترك الله ورسوله أمرا من الحلال والحرام إلا مبيَّنًا]: • وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا، ولا حرامًا إلا مبينًا لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه، واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام. [أسباب خلافات العلماء]: وما كان بيانه دون ذلك؛ فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة. فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم. ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب: • منها أنه قد يكون النص عليه خفيًّا لم ينقله إلا قليل من الناس فلما يبلغ جميعَ حملةِ العلم. • ومنها أنه قد يُنْقل فيه نصّان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم فيبلغ طائفةً منهم أحدُ النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم. أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ. • ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا. • ومنها ما يكون فيه أمر ونهي (٢) فتختلف أفهام (٣) العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه. * * * [ولابد للأمة من عالم يوافق قوله الحق]: وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق؛ فيكون هو العالم بهذا الحكم؛ وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالما بهذا؛ فإن

стр. 199

هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورًا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال ﷺ في المشتبهات: "لا يَعْلَمُهُنَّ كثير مِنَ النَّاس"، فدل على أن من الناس من يعلمها وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء. * * * [ومن أسباب الاشتباه في الحلال والحرام]: وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن. • ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه. فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه. والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه. [ما لا يعلم له أصل ملك]: • وأما ما لا يعلم (١) له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدرى هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه؛ لثبوت يده عليه. والورع اجتنابه، فقد قال النبي ﷺ : "إِنِّي لأنْقَلِبُ إِلى أَهْلِي فأَجِدُ (٢) التَّمْرةَ سَاقِطَة عَلَى فِراشى فأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أن تَكُونَ صَدقَةً (٣) فَأُلقِيْهَا". خرجاه في الصحيحين (٤).

стр. 200

[متى تقوى الشبهة؟]: • فإن كان هناك من جنس المحظور وشكّ هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهة. • وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ أصابه أرق من الليل فقال له بعض نسائه: يا رسول الله! أرقت الليلة؟ فقال: "إِنِّي كُنْتُ أَصبْتُ تمرة تَحَتَ جَنْبِي فَأكلْتُها وَكَانَ عِنْدنَا تمرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدقة فَخَشِيتُ أَن تَكونَ منهُ (١) ". • ومن هذا أيضًا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين حِلِّه من التذكية والعقد (٢). * * * [ماذا لو تردد العالم في الحكم؟]: فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه - فيبني (٣) فيما أصله الحرمة على التحريم. ولهذا نهى النبي ﷺ عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء؛ وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبيح له أو من غيره. • • • [تأسيس الأحكام على اليقين]: ويرجع فيما أصله الحل إلى الحل فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة. وكذلك البدَن إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافًا لمالك ﵀ إذا لم يكن قد دخل في الصلاة.

стр. 201

• وقد صح عن النبي ﷺ أنه شُكِىَ (١) إليه الرجل يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَع صَوتًا أَوْ يَجِدَ ريحًا" (٢). وفي بعض الروايات: "في المسجد" بدل: "الصلاة". وهذا يعم حال الصلاة وغيرها (٣). [ماذا لو وجد سببا لغلبة ظن؟]: فإن وجد سَبَبٌ قويٌّ يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات؛ فهذا محل اشتباه. فمن العلماء من رخص فيه؛ أخذًا بالأصل. ومنهم من كرهه تنزيها. ومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة، مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون، ملاقيا لعورته كالسراويل والقمص (٤). [قاعدة هذه المسائل]: وترجع هذه المسائل وأشباهها (٥) إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة. * * * [تعارض الأدلة]: وقد تعارضت الأدلة في ذلك فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم وقد أجاب النبي ﷺ دعوة يهودي وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب والأوانى وكانوا في المغازى يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب ويستعملونها وصح عنهم أنهم استعملوا الماء من مزادة مشركة.

стр. 202

والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي ﷺ أنه سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فقال: "إن لمْ تَجِدوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بالَماءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا (١) ". * * * [الشبهة عند الإمام أحمد]: وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض (٢) وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه. وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام. * * * ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه (٣) إلا أن يكون شيئًا يسيرًا أو لا يعرف. واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين. وإن كان أكْثَرُ ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله. * * * [جوائز السلطان]: • وقد روى الحارث عن علي ﵁ أنه قالَ في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام. * * * [التعامل مع المشركين وأهل الكتاب]: • وكان النبي ﷺ وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا

стр. 203

يجتنبون الحرام كله. * * * [ماذا لو اشتبه الأمر؟]: وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه. • قال سفيان: لا يعجبني ذلك وتركه أعجب لي. • وقال الزهري ومكحول لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه - نص عليه أحمد في رواية حنبل. • وذهب إسحق بن راهويه: إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ مِمَّا (١) يقضي من الربا والقمار - نقله عنه ابن منصور. • وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي وإن كان المال قليلًا اجتنبه كله؛ وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئًا فإنه يتعذر (٢) معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير. • ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي. • ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه (٣) كما تقدم عن مكحول والزهري. • وروي مثله عن الفضيل بن عياض. وروى في ذلك آثار عن السلف. فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمَّن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعام؟ قال أجيبوه فإنما الهناء (٤) لكم والوزر عليه.

стр. 204

وفي رواية أنه قال له (١) لا أعلم له شيئًا إلا خبيثًا أو حراما؟ فقال أجيبوه. وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود ولكنه عارضه بما روي عنه قال "الإثْمُ حزَّازُ الْقُلُوب" (٢). وروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول. وعن سعيد بن جبير والحسن البصري ومورق العجلي وإبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهم. والآثار بذلك موجودة في كتاب الأدب لحميد بن زنجويه، وبعضها زي كتاب الجامع للخلال، وفى مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم. * * * [إذا علم أن عين الشيء محرم أخذ بوجه محرم؟]: ومتى علم أن عين الشيء حرام أخذ بوجه محرم فإنه يحرم تناوله وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره. وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضي من القمار، قال: لا بأس به. خرجه الخلال بإسناد صحيح. وروى عن الحسن خلاف هذا (٣) وأنه قال: إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها شبه المضطر.

стр. 205

وعارض المروي (١) عن ابن مسعود وسلمان ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أكل طعاما ثم أخبر أنه من حرام فاستقاءهُ (٢). * * * [الاشتباه في الحكم لتردد الفروع بين أصول تجتذبه]: وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددًا بين أصول تجتذبه كتحريم الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى، وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد (٣) وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه [الزوجة بدون زوج وإصابة] (٤). وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه وإنما يوجب الكفارة الصغرى أو لا يوجب شيئًا على الاختلاف في ذلك. فمن ها هنا كثر الاختلاف في هذه المسألة في زمن الصحابة فمن بعدهم. * * * [الأمور المشتبهة قد تظهر للبعض]: وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا يتبين أنها حلال أو حرام لكثير من الناس كما أخبر به النبي ﷺ قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام. لما عنده من ذلك من مزيد علم. * * * [ولا يعلمها الكثيرون]: • وكلام النبي ﷺ يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها وكثير منهم لا يعلمها فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها؛ لاشتباهها عليه.

стр. 206

والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه. ودل كلامه على أن غير هؤلاء يعلمها. ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم. وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله ، وغيره ليس بعالم بها بمعنى: أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقادًا يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلًا ويكون مأجورًا على اجتهاده، ومغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده. * * * • وقوله ﷺ "فَمن اتَّقى الشُّبهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لدِينِه وعِرْضِهِ، وَمنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَام". قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين. وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها. فأما من كان عالمًا بها واتبع ما دله علمه عليها فذلك قسم ثالث لم نذكره، لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع (علمه في ذلك وأما من لم يعلم) حكم الله (فيها فهم قسمان) (١) أحدهما من يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه ومعنى استبرأ طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين. والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح. وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها فقد حصَّن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها (٢). وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم فلا يلومنَّ من أساء الظن به. * * *

стр. 207

• وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "فَمَنْ تَركَها اسْتِبْراءً لدِينِه وَعرضِهِ فَقَدْ سَلِمَ" (١). والمعنى: أن منْ تركها بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه عن النقص لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه. وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين ولهذا ورد: كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة. • وفي رواية الصحيحين في هذا الحديث: "فَمَنْ تَركَ مَا يَشْتَبِهُ عَلَيْه مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرك" (٢). يعني من ترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم. القسم الثاني من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده فأما من أتى شيئًا مما يظنه أناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر فلا حرج عليه من الله في ذلك لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنًا. • وهذا كما قال النبي ﷺ لمن رآه واقفا مع صفية: "إِنَّهَا صَفِيّةُ بنتُ حُيَيّ" (٣). وخرج أنس إلى الجمعة فرأى الناس قد صلَّوْا فاستحيا ودخل موضعًا لا يراه الناس فيه وقال: "من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله". وخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح (٤). * * *

стр. 208

[من يأتي الشبهات لاعتقاده حلها]: وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال - إما باجتهاد سائغ أو تقليد سائغ وكان مخطئًا في اعتقاده - فحكمه حكم الذي قبله. فإن كان الاجتهاد ضعيفًا أو التقليد غير سائغ وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى - فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه. * * * [من يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه]: والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي ﷺ أنه وقع في الحرام فهذا يفسر بمعنيين: أحدهما: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث: "ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان" (١). وفي رواية "مَنْ يُخالِطُ الرَّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ (أي يقرب أن يقدم) على الحرام المحض" (٢). والجسور: المقدام الذي لا يهاب شيئًا، ولا يراقب أحدًا. ورواه بعضهم يجشر بالشين المعجمة أي يرتع والجشر الرعي وجشرت الدابة إذا رعيتها. * * * • وفي مراسيل أبي المتوكل النَّاجى (٣) عن النبي ﷺ "منْ يَرعَى بجَنَبَاتِ الْحَرامِ

стр. 209

يوشِكُ أَنْ يُخَالِطهُ وَمنْ تَهَاونَ بِالمُحقِّراتِ يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الْكَبائرَ". والمعنى الثاني أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أو حرام فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام. * * * • وقد روي من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الْحلالُ بَيِّنٌ والْحرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبهاتٌ فَمَنَ اتَّقَاها كَان الأَنْزَه (١) لدِينِه وَعِرضِه ومن وَقَع في الشّبُهَاتِ أَوْشَكَ أَنْ يقعَ في الْحَرامِ كالْمرْتِعِ (٢) حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ (٣) أَنْ يُوَاقِعَ الْحِمىَ وَهُوَ لا يَشْعُر". خرجه الطبراني وغيره (٤). * * * [طاعة الوالدين في الشبهة]: واختلف العلماء هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أو لا يطيعهما؟ • فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة. • وعن محمد بن مقاتل العبادانى قال: يطيعهما. • وتوقف أحمد في هذه المسألة وقال يداريهما وأبى أن يجيب فيها (٥). * * * [البيع من الشبهة]: • وقال أحمد لا يشبع الرجل من الشبهة ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة وتوقف في حل ما يؤكل وما يلبس منها وقال في التمرة يلقيها الطير لا يأكلها ولا يأخذها ولا يتعرض لها.

стр. 210

[في العثور على مال في البيت]: • وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدراهم أحبُّ إليَّ أن يتنزه عنها يعني إذا لم يدر من أين هي؟. • وكان بعض السلف لا يأكل شيئًا (حتى) يعلم من أين هو (١) ويسأل عنه حتى يقف على أصله. * * * • وقد روي في ذلك حديث مرفوع إلا أن فيه ضعفًا (٢). * * * وقوله ﷺ "كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يرتعَ فِيه أَلا وَإِن لِكُلِّ مَلكٍ حِمىً أَلا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ": * * * • هذا مَثَلٌ ضربه النبي ﷺ لمن وقع في الشبهات وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض. وفى بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (و) سَأَضْربُ لَكُمْ مَثَلًا (٣). ثم ذكر هذا الكلام فجعل النبي ﷺ مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه. * * * • وقد جعل النبي ﷺ حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرَّمًا، لا يقطع شجره، ولا يصاد صيده، وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة والله حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٤). * * * • وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم فلا يقربوا الحرام ولا يتعدوا

стр. 211

الحلال وكذلك قال في آية أخرى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرًا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه؛ فلذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه!. * * * [وجوب التباعد عن المحرمات]: وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا. [وترك بعض المباح] [واتخاذ ذلك حاجزا من الحرام] • وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ قال: "لا يَبلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتَّقينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْس بِهِ حَذرًا ممَّا بِه بأس" (٢). * * * • وقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما - حجابا بينه وبين الحرام. • وقال الحسن: "ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام". • وقال الثوري: "إنما سُمُّوا المتقين؛ لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى". • وروي عن ابن عمر قال: "إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها". • وقال ميمون بن مِهران: "لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام

стр. 212

حاجزًا من الحلال". • وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعلَ بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدعَ الإِثْمَ وما تشابه منه". * * * [الحديث وسد الذرائع]: ويستدل بهذا الحديث مَنْ يذهب إلى سَدِّ الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضًا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته. ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان ﷺ يأمر امرأته إذا كانت حائضًا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار (١). * * * ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي ﷺ : من سيب دابته ترعى زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع ولو كان ذلك نهارًا وهذا هو الصحيح لأنه مفرِّط بإِرسالها في هذه الحال. وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبًا من الحرم فدخل الحرم فصاد فيه ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل يضمنه بكل حال. * * * • وقوله ﷺ : "ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغةً إِذَا صَلحت صَلحَ الْجسدُ كُلُّهُ وإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسدُ كُلُّهُ أَلا وهي الْقَلبُ" فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صَلَحت حركات الجوارح كُلها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلِّهَا، وتوقِّى

стр. 213

الشبهات؛ حذرًا من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلِّهَا وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب. * * * [القلب ملك والأعضاء جنوده]: ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك. فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة (١) فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢). وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا" (٣). فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة (الله وما يحبه الله وخشية الله وخشية) (٤) ما يباعده منه. * * * [استقامة إيمان المرء باستقامة قلبه]: وفي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يَسْتَقِيمُ

стр. 214

إيمانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقيم قَلْبُهُ" (١). [المراد باستقامة إيمان المرء]: والمراد باستقامة [إيمانه استقامة أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة] (٢) القلب. ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته. • وقال الحسن لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني أن مراده منهما ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة اللهِ وعظمتُه (٣) ومحبتُه وخشيتُه ومهابتُه ورجاؤه والتوكل عليه وتمتلئ من ذلك. * * * [استقامة الإيمان وحقيقة التوحيد]: وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فلا صلاح للقلوب، حتى يكون إلهُها الذي تؤلهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده (٤) لا شريك له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرض كما قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٥) فعُلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كلِّه وإن كانت حركة القلب وإرادته (٦) لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب. [التوحيد والحب في الله]: وروى الليث عن مجاهد في قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٧) قال: لا تحبوا غيري. • وفي صحيح الحاكم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الشركُ

стр. 215

أخفي منْ دبيب الذَّرّ على الصَّفا في الليلة الظَّلْمَاء وأدْنَاهُ أن تحبَّ على شيءٍ مِنَ الْجَوْر وأن تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض؟ " قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). [محبة ما يكرهه الله] فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه الله متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه، من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. * * * [علامة حب الله] • وقال الحسن ﵀: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا فأحب الله أن يجعل لحبه علَمًا فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). • ومن هنا قال الحسن: "اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته". • وسئل ذو النون المصري: متى أحب ربي؟ قال: "إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر". * * * • وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. * * *
следующие страницы →