← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحلال وكذلك قال في آية أخرى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرًا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه؛ فلذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه!. * * * [وجوب التباعد عن المحرمات]: وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا. [وترك بعض المباح] [واتخاذ ذلك حاجزا من الحرام] • وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ قال: "لا يَبلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتَّقينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْس بِهِ حَذرًا ممَّا بِه بأس" (٢). * * * • وقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما - حجابا بينه وبين الحرام. • وقال الحسن: "ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام". • وقال الثوري: "إنما سُمُّوا المتقين؛ لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى". • وروي عن ابن عمر قال: "إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها". • وقال ميمون بن مِهران: "لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام

стр. 212

حاجزًا من الحلال". • وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعلَ بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدعَ الإِثْمَ وما تشابه منه". * * * [الحديث وسد الذرائع]: ويستدل بهذا الحديث مَنْ يذهب إلى سَدِّ الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضًا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته. ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان ﷺ يأمر امرأته إذا كانت حائضًا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار (١). * * * ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي ﷺ : من سيب دابته ترعى زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع ولو كان ذلك نهارًا وهذا هو الصحيح لأنه مفرِّط بإِرسالها في هذه الحال. وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبًا من الحرم فدخل الحرم فصاد فيه ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل يضمنه بكل حال. * * * • وقوله ﷺ : "ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغةً إِذَا صَلحت صَلحَ الْجسدُ كُلُّهُ وإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسدُ كُلُّهُ أَلا وهي الْقَلبُ" فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صَلَحت حركات الجوارح كُلها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلِّهَا، وتوقِّى

стр. 213

الشبهات؛ حذرًا من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلِّهَا وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب. * * * [القلب ملك والأعضاء جنوده]: ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك. فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة (١) فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢). وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا" (٣). فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة (الله وما يحبه الله وخشية الله وخشية) (٤) ما يباعده منه. * * * [استقامة إيمان المرء باستقامة قلبه]: وفي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يَسْتَقِيمُ

стр. 214

إيمانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقيم قَلْبُهُ" (١). [المراد باستقامة إيمان المرء]: والمراد باستقامة [إيمانه استقامة أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة] (٢) القلب. ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته. • وقال الحسن لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني أن مراده منهما ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة اللهِ وعظمتُه (٣) ومحبتُه وخشيتُه ومهابتُه ورجاؤه والتوكل عليه وتمتلئ من ذلك. * * * [استقامة الإيمان وحقيقة التوحيد]: وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فلا صلاح للقلوب، حتى يكون إلهُها الذي تؤلهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده (٤) لا شريك له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرض كما قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٥) فعُلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كلِّه وإن كانت حركة القلب وإرادته (٦) لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب. [التوحيد والحب في الله]: وروى الليث عن مجاهد في قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٧) قال: لا تحبوا غيري. • وفي صحيح الحاكم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الشركُ

стр. 215

أخفي منْ دبيب الذَّرّ على الصَّفا في الليلة الظَّلْمَاء وأدْنَاهُ أن تحبَّ على شيءٍ مِنَ الْجَوْر وأن تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض؟ " قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). [محبة ما يكرهه الله] فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه الله متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه، من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. * * * [علامة حب الله] • وقال الحسن ﵀: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا فأحب الله أن يجعل لحبه علَمًا فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). • ومن هنا قال الحسن: "اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته". • وسئل ذو النون المصري: متى أحب ربي؟ قال: "إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر". * * * • وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. * * *

стр. 216

• وقال أبو يعقوب النهر جوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة. * * * • وقال رويم: المحبة الموافقة في كل الأحوال. * * * • وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. * * * • وعن بعض السلف قال: قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه. * * * [السلوك لله كله]: • وفي السنن عن النبي ﷺ قال: "من أَعطى لله وَمَنَعَ لله وأَحبَّ لله وأَبغَض لله فَقَدِ استكمَلَ الإيمانَ" (١). ومعنى هذا أن كل (٢) حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا. * * * [بين صلاح الجوارح وصلاح القلب]: ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح؛ فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله؛ فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفَّت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك. * * *

стр. 217

[من سلوك السلف وأقوالهم]: • قال الحسن ﵁: "ما ضربتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي؛ حتى أنظر: أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدم وإن كانت معصيةً تأخرتُ". • وقال محمد بن الفضل البلخي: "ما خطوت منذ أربعين سنة خُطوةً لغير الله ". * * * • وقيل لداود الطائي: لو تنحيتَ من الظل إلى الشمس فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تُكتَب؟ ". • فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم؛ فلم يبق فيها إرادة لغير الله صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله ، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 218

الحديث السابع عن أبي رقية: تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة": [ثَلاثًا] قلنا: لمن؟ [يا رسول الله] قال: "لله [ ] وَلِكتَابه ولرِسُوله ﷺ ولأَئِمَّةِ المُسلمِينَ وَعَامَّتِهِم". رواه مسلم. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجه مسلم (١) من رواية سهيل (٢) بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري. وقد روي عن سهيل وغيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وخرجه الترمذي (٣) من هذا الوجه (٤). فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعًا ومنهم من قال: إن الصحيح حديث تميم والإسناد الآخر وهم. وقد روي هذا الحديث عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر (٥) وثوبان (٦) وابن عباس (٧) وغيرهم. وقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود: أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه. وقال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيم (٨) ذكر محمد بن أسلم

стр. 219

الطوسي: "أنه أحد أرباع الدين". * * * [أحاديث النصحية]: • وخرج الطبراني (١) من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: "من لا يَهتَمُّ بأَمرِ المُسلمينَ فَلَيسَ منهُم، وَمَن لَم يُمسِ وَيُصبحُ ناصحًا لله وَلِرَسُولِه ولِكتَابِه ولإمَامِهِ ولعَامَّة المسلمينَ فَليسَ منهُم". • وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "قَالَ الله : أحَبُّ ما تَعبَّدني بهِ عَبدِي: النُّصحُ لي" (٢). * * * [أنواع النصيحة]: وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعاياهم. [النصح للمسلمين]: • فأما الأول وهو النصح للمسلمين عموما ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: "بايعتُ النبيَّ ﷺ على إقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكَاة، والنُّصح لِكُلِّ مُسلِم" (٣). • وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "حَقُّ المُؤمِنِ على المؤمن ستٌّ ذكر منها: "وَإذَا استَنصحَك فَانصَح لهُ" (٤). وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي ﷺ . وفي المسند عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه عن النبي ﷺ قال:

стр. 220

"إذَا استَنصَحَ أحدُكُم أخَاه فَليَنصحُ له" (١). [النصح لولاة الأمور]: • وأما الثاني وهو النصح لولاة الأمور. ونصحهم لرعاياهم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله يَرضَي لكُم ثَلاثًا: يَرضي لكُم أن تَعُبدوُهُ ولا تُشركوا به شَيئًا، وَأَن تَعتصمُوا بِحَبلِ الله جَميعًا وَلا تَفرَّقُوا، وأَن تُنَاصِحُوا من ولَّاه الله أمركُم" (٢). • وفي المسند وغيره (٣) عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته بالخَيْف من مني: "ثلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيهنَّ قَلب امريءٍ مُسلِم: إخلاصُ العَمَلِ لله، وَمُناصَحةُ وُلاةِ الأمر، ولُزومُ جَمَاعةِ المُسلِمين". • وقد روي هذه الخطبة عن النبي ﷺ جماعة منهم أبو سعيد الخدري. • وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في الأفراد بإسناد جيد ولفظه أن النبي ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يُغَلُّ عَليهنَّ قَلبُ امرئٍ مُسلمِ: النَّصيِحَةُ لله وَلِرسُوله ولكتابه وَلعَامَّة المُسلِمين". • وفي "الصحيحين" عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: "مَا مِن عَبدٍ يَستَرعيهِ الله رَعيَّةً ثُمَّ لم يَحُطهَا بنصيحةٍ إلَّا لم يَدخُل الجنة" (٤). [نصح الأنبياء لأممهم] وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء ﵈ أنهم نصحوا لأممهم، كما أخبر الله بذلك عن نوح ﵇ وعن صالح ﵇.

стр. 221

[ونصح الضعفاء لله ورسوله]: وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه، بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله (٢) في تخلفه؛ فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح الله ورسوله. [إخبار الرسول بأن الدين النصيحة واقتضاء النصيحة الحب]: وقد أخبر النبي ﷺ أن الدين النصيحة: فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل ﵇، وسَمَّى ذلك كُلَّهُ دِينًا؛ فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام الإحسان فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه، وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا. • وفي مراسيل الحسن ﵀ عن النبي ﷺ قال: "أَرَأَيتُم لَو كَانَ لأحدِكُم عَبْدان، فَكَانَ أَحَدهُما يُطيعُه إذَا أَمرَهُ، ويُؤدِّي إليه إذا ائتَمنه، وَيَنصحُ له إذَا غَابَ عَنهُ، وكان الآخرُ يَعصِيه إذَا أمرهُ، وَيَخونهُ إذَا ائتمَنهُ، وَيَغُشُّهُ إذَا غَابَ عَنهُ كَانَا سَواءٌ؟ " قالوا: لا. قَالَ: "فَكَذَا كم أنتُم عِنَدَ الله ". خرجه ابن أبي الدنيا. وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه (٣) عن النبي ﷺ . [الآثار في اقتضاء النصيحة الحب]: • وقال الفضيل بن عياض: "الحب أفضل من الخوف ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك؛ فالذي يحبك منهما ينصحك: شاهدا كنت أو غائبا؛ لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخافه، ويغشَّك إذا

стр. 222

غبتَ ولا ينصحَكَ". • قال عبد العزيز بن رفيع: قال الحواريون - لعيسى ﵊: ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه، قالوا: فما النصح لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس، وإن عرض لك أمران: أحدهما الله تعالى والآخر للدنيا بدأت بحق الله تعالى. * * * [تفسير العلماء للنصيحة]: [عند الخطابي]: • وقال الخطابي (١): النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي: إرادة الخير للمنصوح له قال: وأصل النصح في اللغة: الخلوص يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، فمعنى النصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته. والنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه. والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له (٢) فيما أمر به ونهى عنه. والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. انتهى. * * * [عند بعض أهل العلم]: • وقد حكى الإمام أبو عبد الله: محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة (٣) - عن بعض أهل العلم - أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ونحن نحكيه ههنا بلفظه إن شاء الله تعالى؛ قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: "جماع تفسير النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له كائنا من كان وهي على وجهين". أحدهما: فرض، والآخر: نافلة. [النصيحة الفرض] فالنصيحة المفترضة لله هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما

стр. 223

افترض، ومجانبة ما حرَّم. * * * [النصيحة النافلة]: وأما النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض له أمران: أحدهما لنفسه والآخر لربه؛ فيبدأ بما كان لربه ويؤخر ما كان لنفسه. فهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه والنافلة. ولذلك (١) تفسير، وسنذكر بعضه ليَفهم بالتفسير من لا يفهم الجملة (٢). * * * [تفصيل ذلك]: فالفرض منها: مجانبة نهيه، وإقامة فرضه، بجميع جوارحه ما كان مطيقًا له؛ فإن عجز عن الإقامة بفرضه - لآفة حلَّت به من مرض أو حبس أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣) فسماهم محسنين؛ لنصيحتهم لله بقلوبهم لَمَّا مُنِعوا من الجهاد بأنفسهم. [النصح لله لا يسقط]: وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم النصح لله فلو كان من المرض (٤) بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وهو أن يندم على ذنوبه، وينويَ - إن صح - أن يقوم بما افترض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه. وكذلك النصح لله ورسوله ﷺ فيما أوجبه على الناس عن أمر ربّه. * * *

стр. 224

[من النصح لله]: ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله. * * * [النصيحة النافلة]: وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض فبذل المجهود (١) بإيثار الله تعالى على كل محبوب بالقلب، وسائر الجوارح؛ وحتى (٢) لا يكون في الناصح فضل عن غيره؛ لأن الناصح إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته، فكذلك الناصح لربه. ومن تنفل لله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق (٣) للنصح بكماله. * * * [النصيحة لكتاب الله]: وأما النصيحة لكتاب الله (٤) فشدة حبه، وتعظيم قدره: إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية في تدبره (٥)، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم به له بعد ما يفهمه. [وكذلك الناصح من العباد يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه غُنِي بفهمه؛] (٦) ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه. فكذلك الناصح لكتاب ربه يعني بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ويرضى. ثم ينشر ما فهم في العباد، ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّبِ بآدابه. * * *

стр. 225

[النصيحة للرسول في حياته وبعد مماته]: وأما النصيحة للرسول ﷺ في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته، ومعاونته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب، والإعراض عمن تدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبه به في زيه ولباسه. * * * [النصيحة لأئمة المسلمين]: وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم (١) ورشدهم، وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم (٢)، وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله ، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله . * * * [النصيحة لعامة المسلمين]: وأما النصيحة للمسلمين فأن يحبَّ لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزنَ لحزنهم، ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم. وإن كان في ذلك فوات ربح ما بيع من تجارته وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم، وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم. * * * [النصيحة عند ابن الصلاح]: وقال أبو عمرو بن الصلاح (٣): النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح

стр. 226

له بوجوه الخير إرادة وفعلا. فالنصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال وتنزيهه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك، والحث عليه. [النصيحة لكتابه]: والنصيحة لكتابه: الإيمان به، وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه. وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين، وطعن الملحدين عنه. * * * [النصيحة لرسوله]: والنصيحة لرسوله ﷺ قريب من ذلك: الإيمان به، وبما جاء به وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة (١) علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك (٢). * * * [لأئمة المسلمين]: والنصيحة لأئمة المسلمين (٣): معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به (٤)، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب (٥) عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.

стр. 227

[لعامتهم]: والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبُّ عنهم، ومجانبةُ الغشِّ والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره (١) لنفسه، وما شابه ذلك انتهى ما ذكره. ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم، إيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل، بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ محبَّةٌ لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف: "وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وإن لحمي قرض بالمقاريض" (٢). وكان عمر بن عبد العزيز يقول: "يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي". [ومن النصح لله ورسوله]: ومن أنواع النصح لله تعالي وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلَّها، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردِّها. ومن ذلك: بيان ما صح من حديث النبي ﷺ وما لم يصح منه بتبيين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم، ومن لا تقبل. وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل رواياتهم. * * * [ومن النصح لعامة المسلمين]: ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره كما قال ﷺ : "إذا استنصح أحدُكم أخاه فلينصح له (٣) "وفي بعض الأحاديث: "إن من حق المسلم على

стр. 228

المسلم أن ينصح له إذا غاب (١) ". ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويردَّ عنه وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفَّه عن ذلك؛ فإن النصح في الغيب يدل على صدق الناصح؛ فإنه قد يُظهر النصح له في حضوره؛ تملقًا ويغشه في غيابه!. [من مأثور السلف في النصيحة]: • وقال الحسنُ إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه. * * * • قال الحسن: وقال بعض أصحاب النبي ﷺ والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله: إن أحبَّ عباد الله إلى الله الذين يحبون الله إلى عباده، ويحببون عبادَ الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة. وقال فرقد السَّبَخَى: قرأت في بعض الكتب: "المحب لله أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك (٢) والمحبة منتهى القرية والاجتهاد، ولن (٣) يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله . يحبونه ويحبون ذكره، ويحبونه إلى خلقه: يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه وصفوته (٤) أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. * * * • وقال ابن عُلَيَّة - في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر ﵁ أصحاب محمد ﷺ بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كان في قلبه (٥) قال: الذي كان في قلبه: الحب لله ، والنصيحة في خلقه. * * * • وقال الفضيل بن عياض ﵀: "ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة

стр. 229

والصيام وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة". * * * • وسئل ابن المبارك أي الأعمال أفضل؟ قال: "النصح الله". * * * • وقال معمر: "كان يقال أنصح الناس لك: من خاف الله فيك". * * * • وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا حتى قال بعضهم: "من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه". * * * • وقال الفضيل بن عياض ﵀: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر". * * * • وقال عبد العزيز بن أبي روَّاد: "كان من كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئا يأمُره في رفق؛ فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق (١) بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره". * * * • وسئل ابن عباس: ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: "إن كنت فاعلًا ولا بد ففيما بينك وبينه". * * * • وقال الإمام أحمد ﵀: ليس علي المسلم نصح الذمي، وعليه نصح المسلم، وقال النبي ﷺ : "والنصح لكل مسلم وأن تنصح لجماعة المُسلِمين وعَامَّتهم". * * *

стр. 230

الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله، قال: "أُمرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَشهَدُوا أن: لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رَسُولُ الله، وَيقيمُوا الصَّلاة، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلُوا ذَلك، عَصَمُوا منِّي دِماءَهُم وَأَموَالَهُم، إلَّا بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم عَلَى الله تَعَالَى". رواه البخاري ومسلم. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر ﵄ (١). وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم. وقد روي معنى هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعددة. • "ففي صحيح البخاري" عن أنس ﵁ (٢) عن النبي ﷺ قال: "أُمرتُ أَن أُقَاتِل النَّاس - يعني (٣) المُشركين - حَتَّى يَشهَدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُه، فَإذَا شَهدُوا أن لا إله إلا الله وأن مُحمدًا رَسُولُ الله، وَصَلَّوا صلاتنا واستقبَلوا قِبلتَنَا وأكلُوا ذبيحَتَنَا؛ فَقَد حَرُمَت عَلينَا دِمَاؤهُم وأموَالهُم إلا بحقِّها". * * *

стр. 231

• وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "إنَّمَا أُمرتُ أن أُقَاتلَ النَّاس حَتَّى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ويَشهُدوا أن لا إله إلا الله وحده لَا شريك له، وأنَّ مُحمَّدًا عبده ورسوله (١) فَإذَا فَعَلوا ذلِك فقد اعتَصَمُوا وعَصمُوا دِمَاءَهُم وأموَالَهُم إلَّا بحَقِّهَا وَحِسابُهُم على الله (٢). وخرجه ابن ماجه مُختَصَرًا (٣) * * * • وخرج نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا (٤). ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلواة ولا إيتاء الزكاة ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولوا لَا إله إلا الله فَمَن قَالَ لا إله إلا الله عَصَم منِّي مَالهُ وَنَفسه إلَّا بِحقِّه وِحِسَابُهُ عَلَى الله (٥) ". * * * • وفي رواية لمسلم: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي (٦) وبما جئت به" وخرجه مسلم أيضًا من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد فيه في آخره: ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٧). • وخرج (٨) أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله، وكَفَر بِمَا يُعبدُ من دُونِ الله حُرِّمَ مَالهُ ودَمُه

стр. 232

وَحِسَابُهُ عَلَى الله [ ] ". • وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: "كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة". وهذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظر؛ فإن رواة هذه الأحاديث (١) إنما صحبوا النبي ﷺ بالمدينة (٢) وبعضهم تأخر إسلامه. * * * [شرح الحديث واستدلالاته]: • ثم قوله: "عصموا مني دماءهم وأموالهم" يدل على أنه كان [عند هذا القول] (٣) مأمورا بالقتال، ويقتل من أبى الإسلام. وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة. [الشهادتان ثم شرائع الإسلام]: ومن المعلوم بالضرورة: أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا: وقد أنكر (٤) على أسامة بن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه، ولم يكن النبي ﷺ ليشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم (٥) الصلاة والزكاة بل قد رُوي أنه قد قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا. ففي مسند الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: اشترطت ثقيف على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأن رسول الله ﷺ قال: "سَيصَّدَّقُونُ وَيُجَاهِدون" (٦). • وفيه أيضًا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على

стр. 233

أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه (١). • وأخذ أحمد بهذه الأحاديث وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها. واستدل أيضًا بأن حكيم بن حزام قال: بايعت النبي ﷺ على أن لا أخرَّ إلا قائمًا (٢). قال أحمد: معناه أن يسجد مِن غير ركوع (٣). * * * وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًّا عن أنس ﵁ قال: لم يكن النبي ﷺ يتقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على من أقر محمد ﷺ وبالإسلام وذلك قول الله : ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤). * * * وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه ﷺ أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولًا

стр. 234

إلى الشهادتين وقال: "إن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة" (١). ومراده أن من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة. * * * وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام. وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام. * * * [الجمع بين ألفاظ الأحاديث]: وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أن كلها حق، فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا. * * * [فهم خاطئ]: وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيمَ الصلاة، ويؤتيَ الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع. وفي هذا نظر. وسيرة النبي ﷺ في قتال الكفار تدل على خلاف هذا.

стр. 235

[دليل هذا الخطأ]: • وفي صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة رضي الله غنه أن النبي ﷺ دعا عليا يوم خيبر فأعطاه الراية وقال: "امْشِ وَلَا تَلْتفتْ حَتَّى يَفْتح الله عَليْكَ" فَسَارَ عَليٌّ شَيْئًا (وَلَمْ يَلْتفِتْ) (٢) ثُمْ وَقَفَ فَصرَخَ يَا رسُول الله! عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاس! فقالَ: "قَاتَلُهُم عَلَى أن يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأَن محمدًا رَسُولُ الله؛ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ فقد عَصمُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالهُمُ إلا بِحقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله ". فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموال إلا بحقها، ومن حقها الامتناع عن الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة ﵃. * * * [قتال الجماعة الممتنعة عن الشرائع]: ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٥) مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٦). وثبت أن النبي ﷺ كان إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا وإلا أغار عليهم. مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام. وكان يوصي سراياه: "إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدًا. فلا تقتلوا أحدًا (٧) ". وقد بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر فأغار عليهم ولم يسمع أذانًا. تم ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك (٨). وبعث النبي ﷺ إلى أهل عمان كتابًا فيه: "مِنْ مُحَمدٍ النَّبيِّ إلى أهل عُمانَ سَلامٌ

стр. 236

عَلَيْكُمْ أَمّا بَعدُ فأقرُّوا بشهادةِ أن لَا إله إلا الله، وَأَدُّوا الزَّكاة، وخُطُّوا المساجَدَ وَإلا غَزَوْتُكُمْ". خرجه البراز والطبراني وغيرهما (١). فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر ﵄ كما في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما تُوفي رسول الله ﷺ واستُخْلِفَ أبو بكر الصديق ﵁ بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر ﵁ لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أُمرتُ أنْ أُقاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لا إله إلا الله فَمَنْ قَالَ لَا إله إلا الله فقد عَصَمَ مِنِّي مَالُه وَنَفْسهُ إلا بِحقِّه وَحِسابُهُ عَلَى الله ، فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتِلنَّ من فَرقَ بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شَرَحَ صَدْرَ أبي بكر للقتال فعرفتُ أَنَّهُ الحق" (٢). [وجهتا نظر أبي بكر وعمر]: فأبو بكر ﵁ أخذ قتالهم من قوله: "إلا بحقه" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداء حق المال الواجب. وعمر ﵁ ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا. [تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امْتَنعَ من دخول النار في الآخرة] (٣) تمسكًا بعموم ألفاظ وردت. وليس الأمر على ذلك. ثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر ﵁. * * * وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر ﵄ بزيادة، وهي:

стр. 237

أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله ﷺ : أُمرْتُ أن أَقاتلَ النَّاس حَتَّى يَشْهدُوا أنْ لَا إله إلا الله وَأَنِّي رَسُولَ الله وَيُقيمَوا الصُّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاة (١). • وخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢) ولكن هذه الرواية خطأ. أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنا قاله أئمة الحفاظ منهم علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي (٣). ولم يكن هذا الحديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر. وإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث "إلا بحقها" وفى رواية "إلا بحق الإسلام" فجعل من حق الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا ترتكب (٤) الحدود وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله إلا بحقها. * * * [دلالة قوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة]. وقوله: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإنما الزكاة حق المال" يدل على أن من ترك الصلاة فإنه يقاتل، لأنها حق البدن؛ فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال. * * *

стр. 238

• وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر ﵁ وإنما (١) أخذ من قوله: "إلا بحقها" فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها. وكل ذلك من حقوق الإسلام. * * * [من أدلة القتال على ترك الصلاة]: ويستدل أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: "يُستَعْمَلُ عَلْيكُمْ أُمراءُ فَتَعْرفُون وَتُنكِرُون فَمَنْ أنْكَرَ فَقَدْ برئ وَمَنْ كَره فَقَدْ سَلِم، ولكِنْ مَنْ رَضيَ وَتَابعَ"، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! ألا نُقَاتِلُهُمْ؟ قال: "لا! مَا صَلَّوْا" (٢). * * * [القتال على ترك الطَّائفة سائر أركان الإسلام]: وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلون على ترك الصلاة والزكاة. • وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع أن أبا بكر الصديق ﵁ بعث خالد بن الوليد ﵁ وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة من الخمس فقاتلهم عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. • وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب: "لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهما على الصلاة والزكاة". فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات.

стр. 239

[قتال الفرد أو قتله]: وأما قتل الواحد المتنع عنها فأكثر العلماء على أنه يقتل المتنع عن الصلاة. وهو قول مالك والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم. • ويدل على ذلك ما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري: أن خالد بن الوليد استأذن النبي ﷺ في قتل رجل فقال: "لا؛ لعله أن يكون يصلي؟ " فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه!؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لَمْ أَومَر أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ الناس وَلا أشُقَّ بَطُونَهَم" (١). • وفي المسند للإمام أحمد ﵀ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين - فقال النبي ﷺ : "أليْس يَشْهَدُ أَن لا إله إلا الله؟ ". قال: بلى، ولا شهادة له. [قال: "ألَيس يَشْهَدُ أن مُحمدًا رسُول الله"؟ قال: بلى] (٢). قال: "أَليْسَ يصَلِّي"؟ قَالَ: بلىَ ولا صَلَاة له!؟ قال: "أُولَئكَ الذينَ نَهَاني الله عن قَتْلِهم" (٣). * * * [قتل المتنع عن أداء الزكاة]: وأما قتل المتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من فعل الصلاة. أحدهما: يقتل أيضًا وهو المشهور عن أحمد ﵀ ويستدل له بحديث ابن عمر هذا. والثاني: لا يقتل، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. * * *

стр. 240

[والصوم]: وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يقتل بتركه. وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يقتل بذلك. ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه. فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم. ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء. * * * قلت: وقد روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفا: أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج. * * * وقد سبق ذكر شرحه في حديث بُني الإسلام على خمس. [الحج؟]: وأما الحج فعن أحمد ﵀ في القتل بتركه روايتان. وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه بالكلية. أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه فأما إن أخَّره معتقدًا أنه على التراخي كما يقوله كثير من العلماء؛ فلا قتل بذلك. * * * [عودٌ إلى شرح الحديث]. • وقوله ﷺ "إلا بِحَقها" وفي رواية "إلا بِحَق الإسلام" قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحق - فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضًا. * * * ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات. وقد ورد تفسير حقها بذلك خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن

стр. 241

النبي ﷺ قال: "أُمْرت أنْ أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قَالُوها عَصمُوا مِني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُم إلَّا بحَقِّها وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله . قيل: وما حقها؟ قال: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وكُفرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وقَتْلُ نفسٍ فَيُقتَلُ بِهَا". ولعل آخره من قول أنس (١). وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه. * * * ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَحلُّ دَمُ امْرئٍ مُسْلمٍ يَشْهدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا الله وأَنِّي رَسُول الله إلا بإِحْدَى ثَلاتٍ الثَّيبُ الزّاني، والنَّفسُ بالنفس، وَالتَّارِك لِديِنه المُفَارِق للجَمَاعة". وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (٢). وقوله ﷺ : "وحِسَابهُمْ عَلَى الله ". يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما يبيح دمه. وأما في الآخرة فحسابه على الله : فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار. وقد تقدم (٣) أن في بعض الروايات في صحيح مسلم "ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٤). والمعنى: إنما عليك تذكيرهم بالله ودعوتهم إليه، ولست مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك. ثم أخبر تعالى أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه. وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله كلمةٌ

стр. 242

عَلَى الله كريمةٌ لَها عِنْدَ الله مَكَانٌ، وهِى كَلِمَةٌ مَنْ قالها صادقًا أَدْخَلَهُ الله بِها الجنَّة، ومَنْ قَالَها كاذِبًا حَقَنَتْ مَالهُ ودمَهُ، ولَقِى الله غدًا فَحَاسَبَهُ" (١). [قبول توبة الزنديق]: وقد استدل بهذا من يرى قبول الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر العود إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقق ويُجْريهمْ على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن. وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه. وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء والله أعلم (٢).

стр. 243

الحديث التاسع عن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْه فَاجْتنِبوهُ، ومَا أَمرْتُكُمْ بِه فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فإنَّمَا أَهْلَكَ الّذيِنَ منْ قَبْلِكُمْ كَثرةُ مَسَائِلهِمْ، واختلافُهُم عَلَىَ أَنْبيائِهمْ". رواه البخاري ومسلم: [تخريج الحديث]: هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة (١). وخرجَاهُ من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "دعوني ما تركتكم إنما أهْلكَ مَنْ كان قَبْلكم سؤالُهم واخْتلافُهمْ على أَنْبيائهم فإذا نَهَيتُكُم عَنْ شيء فَاجْتَنِبُوه، وإذا أَمَرْتكُم بِأَمْرٍ فَأتوا مِنْه مَا استَطعتُم (٢) ". وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه (٣). [سبب ورود الحديث]: وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ قال: • خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فقال: "يا أيُّها النَّاسُ! قَدْ فَرضَ الله عَلَيْكُمُ الحَجَّ فحُجُّوا" فقال رجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسوُلَ الله فَسَكَتَ حتَّى قَالَهَا ثلاثًا؛ فَقال رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ قُلتُ نَعمْ لَوَجَبَتْ وَلَما استَطعْتُم ثم قال: ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ فَإنَّما هَلَكَ مَنْ كان قَبْلكُم بِسؤَالِهمْ وَاخْتِلافهِم عَلَى أَنْبيَائِهِم؛ فَإذَا أَمرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإذَا نَهيتكُمْ عَنْ شَيء فَدَعُوه" (٤). وخرجه الدارقطني من وجه آخر مختصرًا (٥) وقال فيه: فنزل قوله تعالى.

стр. 244

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). * * * • وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي ﷺ عن الحج وقالوا أفي كل عام؟. * * * وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال رجلٌ: مَنْ أبي؟ فقال: "فلان" فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٢). * * * وفيهما أيضًا عن قتادة عن أنس، قال: سألوا رسول الله ﷺ حَتى أحْفَوُه (٣) في المسألة فَغَضِبَ فَصَعِدَ المنِبَرَ فَقَالَ: "لا تَسألوني اليَوْمَ عَنْ شَيء إلا بَيَّنْتُه". فقام رَجُلٌ كانَ إذا لَاحى (٤) الرِّجَالَ دُعِيَ إلَى غَيْر أبيه، فَقَالَ: يا رسُولَ الله! مَنْ أَبي؟ قال: "أبُوَكَ حُذافةُ" ثُمَّ أنْشَأ عَمَرُ فقال: رَضينَا بالله رَبًّا وبالإسْلامِ دِينًا وبمُحَمدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بالله مِنْ الفِتَن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٥). * * * وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل: مَنْ أَبي؟ ويقول الرَّجلُ تضِلُّ ناقته: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٦). * * *

стр. 245

وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١) من حديث أبي هريرة قال خَرجَ رَسَولُ الله ﷺ وهُوَ غَضْبَانُ مُحْمارًّا وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبر فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: "في النار" فَقَامَ إليه آخرُ فقال: مَنْ أبي؟ قال: "أبُوكَ حُذافَةٌ" فَقَامَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: "رَضِينَا بالله رَبًّا، وَبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ نَبِيًّا، وَبالقْرْآن إمَامًا إنّا يا رسولَ الله حَديثُو عَهْدٍ بِجِاهليَّة وَشِرْك وَالله أَعْلَم مَنْ آباؤنا؟ قَال: فَسَكَنَ غَضَبُهُ ونَزَلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢). وروي أيضًا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: إن رسول الله ﷺ أذَّن في الناس فقال: يا قوم! "كُتبَ عليْكم الحجُّ" فقام رجل فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فَأَغَضَبَ رسولَ الله ﷺ غَضَبًا شديدًا فقال: "والذي نَفْسِي بيده لو قُلْتُ نَعْم لَوجَبتْ ولو وَجَبت ما استَطعْتُم، وإذن لكفرْتم فَاتْركُوني مَا تركتكُمْ فإذا أمرتكم بشيء فافْعَلوا، وإذا نهيْتكُم عن شيء فانْتهوا عَنْه" فأنَزْلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ نهاهما أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة فأصبحوا بها كافرين. فنهى الله تعالى عن ذلك [وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك] (٣) ولكن انتظروا (٤) فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه (٥). * * * [دلالة الأحاديث]: فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يُحتاج إليه مما يسوء السائل جوابُهُ مثل سؤال السائل هل هو في النار؟ أو في الجنة؟ وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره؟ وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء كما كان يفعله

стр. 246

كثير من المنافقين وغيرهم. وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب. وقد قال عكرمة وغيره: إن الآية نزلت في ذلك (١). ويقرب من ذلك: السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح. ودلت أيضًا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سَبَبًا لنزول التشديد فيه؛ كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أو لا؟ [وشواهد ذلك]: • وفي الصحيح (٢) عن سعد [بن أبي وقاص ﵁] (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أَعظَمَ الْمُسْلِمين في الْمُسْلِمينَ جُرْمًا مَنْ سَأل عَنْ شَيء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّم مِنَ أَجْلِ مَسْألَتِهِ". * * * • ولما سئل النبي ﷺ عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ابْتُلي السائل عنه (٤) قبل وقوعه - بذلك في أهله (٥). * * * • وكان النبي ﷺ ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (٦).

стр. 247

[سؤال الرسول بين النهي عنه والرخصة فيه]: • ولم يكن النبي ﷺ يرخص في السائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه: يتألفهم بذلك. فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم فنهوا عن المسألة، كما في صحيح مسلم (١) عن النواس بن سمعان قال: أَقَمْتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ بالمدِينةِ سَنَةً ما يَمْنَعُني من الهِجرَةِ إلا الْمَسْأَلَةُ؛ كان أَحَدُنا إذا هَاجَرَ لَمْ يَسْأل النبي ﷺ عن شيء [قال فسألته عن البر والإثم فقال رسول الله ﷺ : "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"]. * * * • وفيه أيضًا عن أنس ﵁ قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عَنْ شيء فَكَان يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ البَادية العَاقلُ، فَيسْأَلَهُ ونَحْنُ نَسْمَع (٢). * * * وفي المسند عن أبي أمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ﷺ قال: فأتينا أعرابيا فرشوناه بُرْدًا (٣) ثم قلنا له: سل النبي ﷺ وذكر حديثا (٤). وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال: "إنْ كَانَ لَتَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ أُريدُ أنْ أَسْأل رَسُول الله ﷺ عَنْ شَيءٍ فَأتَهَيَّبُ منْهُ وإن كُنَّا لَنَتَمَنَّى الأعراب" (٥). * * *

стр. 248

وفي مسند البزار عن ابن عباس ﵄ قال: ما رَأَيْتُ قَوْمًا أَخيرَ مِنْ أَصحَاب مُحَمَّدٍ ﷺ مَا سَألُوه إلا عَنْ اثْنَتيْ عَشْرةَ مَسْأَلَةً كُلها في القَرْآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٣) وذكر الحديث (٤). * * * [السؤال عما يتوقع]: وقد كان أصحاب النبي ﷺ أحيانًا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقُوا العدوِّ غدا، وليس معنا مُدًى أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم، وقتالهم. وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها. * * * [عودٌ إلى الحديث]: فهذا الحديث وهو قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم": يدل على كراهة المسائل وذمها. [هل كان خاصًّا بزمنه ﷺ -؟]: ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصًّا بزمن النبي ﷺ لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته ﷺ . ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهية المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرناه بقوله: ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا

стр. 249

تَسْألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. [الحاجة الحقيقية إلى فهم ما تم الإخبار به]: ومعنى هذا: أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم لابد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسولُهُ ﷺ عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أَعْلم بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لابد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١). وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه، والحاجة إليه. وإنما الحاجة الهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله، ثم اتباع ذلك والعمل به. وقد كان النبي ﷺ يُسأل عن السائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف (٢) وأشار رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتنات نهيه شغلا عن المسائل فقال: "إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيء فَاجْتَنبُوهُ وإذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا اسْتَطعْتُمْ". [ماذا على المسلم؟]: فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام: أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره. [هكذا كانوا]: وهكذا كان حال أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة.

стр. 250

[الصورة المقابلة]: فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. [اتباع السنة]: وقد سأل رَجلٌ ابن عَمَر عَنِ اسْتلامِ الحَجَر فَقَال لَهُ: رَأيتُ النَّبي ﷺ يَستَلِمهُ وَيُقَبِّلُهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أرأَيْتُ أَنْ غُلِبتُ عَنْهُ؟ أرَأيْتَ أَنْ زُوحمتُ؟ فقال له ابْنُ عَمَر: اجعل "أَرأَيْتَ" بِاليَمَن؛ رَأَيتُ رسول الله ﷺ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُهُ. خرجه الترمذي (١). [ومتى يحمد السؤال في العلم؟]: ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي ﷺ ولا حاجة إلى (٢) فرض العجز عن ذلك، أو تَعَسُّرِه قبل وقوعه، فإنه قد يفتِّرُ (٣) لعزم على التصميم على المتابعة (٤)؛ فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل. * * * [العلم والفتنة]: • وقد روي عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتُمِست الدنيا بعمل الآخرة. * * * • وعن ابن مسعود ﵁ قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهزم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذلك؟ قال إذا قلّت أمناؤكم، وكثرت أُمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكُمْ، وكثرت
следующие страницы →