كثير من المنافقين وغيرهم.
وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب.
وقد قال عكرمة وغيره: إن الآية نزلت في ذلك (١).
ويقرب من ذلك: السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح.
ودلت أيضًا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سَبَبًا لنزول التشديد فيه؛ كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أو لا؟
[وشواهد ذلك]:
• وفي الصحيح (٢) عن سعد [بن أبي وقاص ﵁] (٣) عن النبي ﷺ أنه قال:
"إنَّ أَعظَمَ الْمُسْلِمين في الْمُسْلِمينَ جُرْمًا مَنْ سَأل عَنْ شَيء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّم مِنَ أَجْلِ مَسْألَتِهِ".
* * *
• ولما سئل النبي ﷺ عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ابْتُلي السائل عنه (٤) قبل وقوعه - بذلك في أهله (٥).
* * *
• وكان النبي ﷺ ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (٦).
стр. 247
[سؤال الرسول بين النهي عنه والرخصة فيه]:
• ولم يكن النبي ﷺ يرخص في السائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه: يتألفهم بذلك. فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم فنهوا عن المسألة، كما في صحيح مسلم (١) عن النواس بن سمعان قال: أَقَمْتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ بالمدِينةِ سَنَةً ما يَمْنَعُني من الهِجرَةِ إلا الْمَسْأَلَةُ؛ كان أَحَدُنا إذا هَاجَرَ لَمْ يَسْأل النبي ﷺ عن شيء [قال فسألته عن البر والإثم فقال رسول الله ﷺ : "البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"].
* * *
• وفيه أيضًا عن أنس ﵁ قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عَنْ شيء فَكَان يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ البَادية العَاقلُ، فَيسْأَلَهُ ونَحْنُ نَسْمَع (٢).
* * *
وفي المسند عن أبي أمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
قال: فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ﷺ قال: فأتينا أعرابيا فرشوناه بُرْدًا (٣) ثم قلنا له: سل النبي ﷺ وذكر حديثا (٤).
وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال: "إنْ كَانَ لَتَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ أُريدُ أنْ أَسْأل رَسُول الله ﷺ عَنْ شَيءٍ فَأتَهَيَّبُ منْهُ وإن كُنَّا لَنَتَمَنَّى الأعراب" (٥).
* * *
стр. 248
وفي مسند البزار عن ابن عباس ﵄ قال: ما رَأَيْتُ قَوْمًا أَخيرَ مِنْ أَصحَاب مُحَمَّدٍ ﷺ مَا سَألُوه إلا عَنْ اثْنَتيْ عَشْرةَ مَسْأَلَةً كُلها في القَرْآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٣) وذكر الحديث (٤).
* * *
[السؤال عما يتوقع]:
وقد كان أصحاب النبي ﷺ أحيانًا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقُوا العدوِّ غدا، وليس معنا مُدًى أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم، وقتالهم.
وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها.
* * *
[عودٌ إلى الحديث]:
فهذا الحديث وهو قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم":
يدل على كراهة المسائل وذمها.
[هل كان خاصًّا بزمنه ﷺ -؟]:
ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصًّا بزمن النبي ﷺ لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته ﷺ .
ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهية المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرناه بقوله: ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا
стр. 249
تَسْألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.
[الحاجة الحقيقية إلى فهم ما تم الإخبار به]:
ومعنى هذا: أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم لابد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسولُهُ ﷺ عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أَعْلم بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لابد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١).
وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه، والحاجة إليه. وإنما الحاجة الهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله، ثم اتباع ذلك والعمل به.
وقد كان النبي ﷺ يُسأل عن السائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف (٢) وأشار رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتنات نهيه شغلا عن المسائل فقال:
"إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيء فَاجْتَنبُوهُ وإذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا اسْتَطعْتُمْ".
[ماذا على المسلم؟]:
فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام: أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره.
[هكذا كانوا]:
وهكذا كان حال أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة.
стр. 250
[الصورة المقابلة]:
فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر.
[اتباع السنة]:
وقد سأل رَجلٌ ابن عَمَر عَنِ اسْتلامِ الحَجَر فَقَال لَهُ: رَأيتُ النَّبي ﷺ يَستَلِمهُ وَيُقَبِّلُهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أرأَيْتُ أَنْ غُلِبتُ عَنْهُ؟ أرَأيْتَ أَنْ زُوحمتُ؟ فقال له ابْنُ عَمَر: اجعل "أَرأَيْتَ" بِاليَمَن؛ رَأَيتُ رسول الله ﷺ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُهُ.
خرجه الترمذي (١).
[ومتى يحمد السؤال في العلم؟]:
ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي ﷺ ولا حاجة إلى (٢) فرض العجز عن ذلك، أو تَعَسُّرِه قبل وقوعه، فإنه قد يفتِّرُ (٣) لعزم على التصميم على المتابعة (٤)؛ فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل.
* * *
[العلم والفتنة]:
• وقد روي عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتُمِست الدنيا بعمل الآخرة.
* * *
• وعن ابن مسعود ﵁ قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهزم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذلك؟ قال إذا قلّت أمناؤكم، وكثرت أُمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكُمْ، وكثرت
стр. 251
قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة.
خرجهما عبد الرزاق في كتابه (١).
[لماذا كانوا يكرهون السؤال؟]:
ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك.
قال عمرو بن مرة: "خرج عمر ﵁ على الناس فقال: أُحَرِّج عليكم أن تسألونا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلا".
• وعن ابن عمر ﵄ قال: "لا تسألوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؟ فَإنِّي سَمِعتُ عُمَرَ ﵁ يقول: لُعن السَّائلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ".
* * *
• وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا؛ قال: دعوه حتى يكون (٢).
* * *
• وقال مسروق: "سألت أبَيَّ بنَ كعب عن شيء، فقال: أكان بَعدُ؟ فقلت: لا: فقال: أَجِمَّنَا [يعني أرحنا] (٣) حتى يكون؛ فإذا كان: اجتهدنا لك رأْينا.
* * *
• وقال الشعبي: "سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا.
قال: فدعونا حتى يكون؛ فإذا كان تجشَّمْنَاهُ لكم".
* * *
• وعن الصلت بن راشد قال: "سألتُ طاووسًا عن شيء فانتهرنى وقال: أكان هذا؟ قلت: نعم. قال: آلله؟ قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل، ﵁، أنه قال:. أيها الناس! لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فَيَذْهَبَ بكم
стр. 252
ها هنا وها هنا: فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفكَّ المسلمون أن يكون فيهم مَنْ إذا سُئِل سُدِّدَ، أو قال وُفِّقَ.
[النهي عن سؤال ما لم يكن]:
وقَد خَرَّجَهُ أبو دَاودَ في كتاب المَراسِيلَ مَرْفُوعًا (١) مِنْ طَرِيق ابن عَجْلان عنْ طَاوُوس عن مُعَاذ بن جَبَلٍ قَال: قَال رسول الله ﷺ : " لا تُعَجِّلُوا بالْبليَّة قبْل نزولها فَإنكم إن لم تَفْعَلوا لَمْ يَنْفَكَّ المسْلمونَ [أَنْ يَكُونَ] مِنْهُم مَنْ إذا قَالَ سُدِّدَ أَوْ وُفِّق، وَإنَّكُم إنْ عَجَّلتُمْ تَشَتَّتتْ بِكُمُ السُّبُلُ هَهُنا وههنا".
ومعنى إرساله أن طاووسا لها يسمع من معاذ.
وخرجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ بمعناه مرسلًا (٢).
* * *
[وروى الحجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم، سمعت الزبير بن سعيد - رجلًا، من بني هاشم - قال: سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزالُ في أُمَّتِي مَنْ إذا سئِل سُدِّد وأُرْشِدَ حَتّى يسْألوا عَمَّا لم يَنْزل تَبْيينهُ فإذا فَعلُوا ذَلك ذُهب بِهْم هَهُنَا وَهَهُنَا (٣) ".
[النهي عن الأغلوطات]:
وقد روي عن الصُّنابِحي، عن معاوية، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الأُغْلُوطَاتِ.
خرجه الإمام أحمد ﵀ (٤) وفسره الأوزاعي وقال: هي شِدادُ المسائل (٥).
стр. 253
وقال عيسى بن يونس: هي ما لا يُحْتَاج إليه من كيف وكيف.
* * *
[الآثار في ذلك]:
ويروى من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُونُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتي يُغَلِّطونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعُضَل الْمسَائل، أولئك شِرَارُ أُمتّي" (١).
* * *
• وقال الحسن: "شِرارُ عباد الله الذين يتبعون شِرارَ المسائل يَغُمُّونَ بِها عبَاد الله".
• وقال الأوزاعي "إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط. فلقد رأيتهم أقلَّ الناس علما".
* * *
• وقال ابن وهب عن مالك: "أدركت هذه البلدة، وإنَّهُمْ ليكرهون هذا الإكثارَ الذي فيه النَّاسُ اليوم".
يريد المسائل.
• وقال أيضًا: سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام، وكثرة الفتيا ثم قال: يتكلم كأنه جمل مُغْتَلِم (٢) يقول: هو كذا هو كذا يهدر في كلامه.
* * *
стр. 254
• قال: وسمعتُ مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل وقال: قال الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (١) فلم يأته في ذلك جواب، وكان مالك يكره المجادلة عن السنن أيضًا.
• قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله! الرجل يكون عالما بالسنن؛ يجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة، فإن قُبلت منه وإلا سكت.
* * *
• قال إسحق بن عيسى: "كان مالك يقول: الراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل".
* * *
• وقال ابن وهب: "سمعت مالكًا يقول: الراء في العلم يُقْسِى القلوب ويورث (٢) الضِّغْنَ".
* * *
• وكان أبو شريح الإسكندارني يوما في مجلسه فكثرت المسائل فقال: قد دَرَنَتُ قلوبكم منذ اليوم؛ فقوموا إلى أبي حميد: خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتحر الصداقة، وأقِلّوا المسائل إلا ما نَزَل، فإنها تُقْسي القلوب، وتُورثُ العَدَاوةَ.
• وقال الميموني: "سمعت أبا عبد الله يعني أحمد - يُسْأَلُ عن مسألة فقال: وقعت هذه المسألة؟ بليتم بها بعد؟ ".
* * *
[الناس في هذا أقسام]:
وقد انقسم الناس في هذا الباب أقسامًا.
فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل حتى قَلَّ فقهه (٣) وعلمه بحدود ما أنزل
стр. 255
الله على رسولِه، وصار حاملَ فقه غيرَ فقيه.
* * *
ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها: ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولدَ من ذلك افتراقُ القلوب، ويستمرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس.
وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلَّت السنة على قبحه وتحريمه.
* * *
[فقهاء الحديث ومنهجهم الأمثل]:
وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ ، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهّمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السُّنَّة، والزهد والرقائق وغير ذلك.
وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين.
* * *
[من ثمرات هذا المنهج]:
• وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أَحْدَثَ النَّاسُ من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدالَ، وكثرةَ القيل والقال.
[مما قيل عنه]:
• وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سئل عن شيء من المسائل المولَّدات التي لا تقع يقول: "دعونا من هذه المسائل المحدثة".
* * *
стр. 256
• وما أحسن ما قاله (١) يونس بن سليمان السَّقَطى (٢): "نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر الرب وربوبيّته وجلاله (٣) وعظمته، وذكر العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه.
ونظرت في الرأي فإذا فيه المنكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه".
* * *
• وقال أحمد بن شبُّوية: "من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخُبْزِ فعليه بالرأي".
* * *
• ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها.
* * *
[الائتمام بالأئمة]:
• ولا بد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم، كالشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبي عبيد، ومن سلك مسلكهم؛ فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقتهم في قع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به.
[وملاك الأمر في هذا]:
ومِلاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله ، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه.
ومن كان كذلك وفقه الله، وسدده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب (٤) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥). ومن الراسخين في العلم.
стр. 257
[الراسخون في العلم]:
• وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل عن الراسخين في العلم؛ فقال: "مَنْ بَرَّتْ يمينُه، وصدق لسانهُ، واستقام قَلْبُه، ومن عفَّ بطنُه وفرجه؛ فذلك من الراسخين في العلم (١) ".
* * *
• وقال نافع بن زيد (٢): يقال: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون (٣) مَن فوقهم، ولا يَحقِرون مَنْ دونهم.
ويشهد لهذا قولُ النبي ﷺ : "أتاكم أهلُ اليمن، هم أبرُّ قلوبا، وأرقُّ أفئدةً، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية" (٤).
وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني، وأويس القرني، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه.
* * *
وبعضهم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ولم يكن تميزهم عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث ولا جدال.
وكذلك معاذ بن جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة (٥). ولم يكن علمه بتوسعة المسائل، وتكثيرها، بل قد سبق عنه
стр. 258
كراهة الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالما بالله وعالمًا بأصول دينه ﵁.
* * *
وقد قيل للإمام أحمد: "مَنْ نَسأَلُ بعدَك؟ قال: عبدَ الوهاب الوراق، قيل له: إنه له اتساع في العلم؟ قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق".
وسئل عن معروف الكرخي فقال: "كان معه أصل العلم: خشية الله!؟ ".
وهذا يرجع إلى قول بعض السلف: "كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا".
وهذا باب واسع يطول استقصاؤه.
* * *
[عود إلى شرح الحديث]:
ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة ﵁ فنقول: من لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا (١) يوجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ (٢) بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصَد بذلك امتثالَ الأوامر، واجتنابَ النواهي، فهو ممن امتثل أمر رسول الله ﷺ في هذا الحديث، وعمل بمقتضاه.
ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسوله، واشتغل بكثرة توليد مسائل قد تقع وقد لا تقع، وتكلَّف أجوبتها بمجرد الرأي خُشِيَ عليه أن يكون مخالفا لهذا الحديث مرتكبًا لنهيه، تاركا لأمره.
[مأتى كثرة الحوادث]:
واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هي من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل عما شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة.
وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه؛ فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عَسُرَ رَدُّهَا إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها.
стр. 259
[وعلاج ذلك]:
وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث، وانتهى عما نهى عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصَل له النجاة في الدنيا والآخرة.
ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه؛ وقع فيما حذّر منه النبي ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم، وطاعتهم لرسلهم.
* * *
وقوله ﷺ : "إذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبوهُ، وَإذَا أَمرتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُمْ".
قال بعض العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة.
وروي هذا عن الإمام أحمد ﵀.
ويشبه هذا قول بعضهم:
"أعمال البرِّ يعملها الْبَرُّ والفاجر، وأما المعاصي فلا يتركها إلا صدِّيق" (١).
* * *
وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ لَه: "اتَّق الْمَحارِمَ تَكُنْ أعْبدَ النَّاس" (٢).
وقالت عائشة ﵂: "من سرَّهُ أنْ يَسْبِق الدّائبَ المُجْتَهد فَلْيَكُفَّ عَن الذُّنوب" وروي عنها مرفوعا (٣).
وقال الحسن: "ما عَبَدَ العابدون بشيء أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه".
* * *
стр. 260
[تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات]:
والظاهر أن ما ورد منْ تَفْضِيل ترك المحرمات على فعل الطاعات فإنما أريد به على نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أدل من جنس ترك المحرمات؛ لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها؛ ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، ولذلك كان جنس ترك الأعمال قد يكون كفرًا كترك التوحيد؛ وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه.
ويشهد لذلك قول ابن عمر ﵄: "لردُّ دَانقٍ حرامٍ أفضل من مائة ألف تنْفَقُ في سبيل الله".
وعن بعض السلف قال: "ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة".
* * *
• وقال ميمون بن مِهران: "ذكرُ الله باللسان حَسَنٌ وأفضل منه أن يذكر العبدُ الله عند المعصية فيمسكَ عنها".
* * *
• وقال ابن المبارك: "لأن أَرُدَّ دِرْهَمًا من شبهة أحب إليَّ مِنْ أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف".
* * *
• وقال عمر بن عبد العزيز: "ليست التقوى قيامَ الليل، وصيامَ النهار، والتخليطُ فيما بين ذلك؟! ولكن التقوى أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير".
أو كما قال.
• وقال أيضًا: "وددت أني لا أصلي غيرَ الصلوات الخمس سوى الوتر وأن أؤدى الزكاة، ولا أتصدق بعدها بدرهم، وأن أصوم رمضان، ثم لا أصوم بعده يوما أبدًا، وأن أحج حجة الإسلام، ثم لا أحج بعدها أبدًا، ثم أعمِد إلى فضل قوتي فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ فأمسكَ عنه".
стр. 261
[والحاصل]:
• وحاصل كلامهم يدل على أن اجتناب المحرمات وإن قلَّت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات؛ فإن ذلك فرضٌ وهذا نفل.
* * *
وقال طائفةٌ من المتأخرين: إنما قال ﷺ "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" لأن الامتثال للأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب، وبعضها قد لا يستطاع؛ فلذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة؛ قال الله :
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
وقال في الحج:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢).
وأما النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل، فالمقصود استمرار العدم الأصلي وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر؛ فإن الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع عن فعل المعصية مع القدرة عليها فيحتاج الكف (٣) عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة، وربما كانت أشقَّ على النفوس من مجرد مجاهدة النفس على فعل الطاعات، ولهذا يوجد كثيرًا من يجتهد في فعل الطاعات، ولا يقوى على ترك المحرمات.
وقد سئل عمر عن قوم يشتهون المعصية، ولا يعملون بها فقال: "أولئك قوم امتحَن الله قلوبَهُم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم".
* * *
• وقال يزيد بن ميسرةَ: "يقول الله في بعض الكتب: أيها الشباب التارك لشهوته، المتبذل في شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي".
وقال: "ما أشد الشهوة في الجسد! إنها مثل حريق النار، وكيف ينجو منها
стр. 262
الحصُوريُّونَ (١)؟ ".
* * *
[التحقيق في هذا]:
والتحقيق في هذا: أن الله لا يكلِّفُ العبادَ من الأعمال ما لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رُخْصَةً عليهم، ورحمةً لهم.
وأما المناهي فلم يعذِر أحدًا بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلفهم تركها على كل حال، وإنما أباح أن يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجل التلذذ والشهوة.
[والاستنتاج]
ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد ﵀: "أن النهي أشد من الأمر".
* * *
[تأكيد أن النهي أشد من الأمر]:
وقد روي عن النبي ﷺ من حديث ثوبان وغيره أنه قال: "اسْتَقيموا وَلَنْ تُحْصُوا (٢) ".
يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها.
وروى الحكَم بن حَزْن الكُلَفي (٣) قال: وَفَدْتُ إلى رَسُول الله ﷺ فَشَهدْتُ معَهُ الجُمُعةَ فَقَام رسولُ الله ﷺ مُتَوكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْس، فَحَمِدَ الله وأَثنى عَلَيْه بِكَلماتٍ خَفيفات طَيِّبات مُبارَكَاتٍ ثُمَّ قَال: "أيَّها النَّاسُ! إنكُمْ لَنْ تُطيقُوا وَلَنْ تَفْعَلوا كُلَّ مَا أَمَرْتكُم بِهِ وَلَكنْ سَدِّدُوا وَأبْشِرُوا".
стр. 263
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي قوله ﷺ "إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ" دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كُلِّه، وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكنه منه.
وهذا مُطَّرد في مسائل:
• منها: الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إما لعدم الماء أو المرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه، ويَتَيمَّمُ للباقي.
وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور.
* * *
• ومنها الصلاة؛ فمن عجز عن فعل الفرِيضة قائمًا صلى قاعدًا، فإن عجز صلّى مضطجعًا.
وفي صَحيح البخَاري عَنْ عِمْرانَ بْن حصين ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلِّ قَائمًا؛ فإنْ لَمْ تسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فإنْ لَمْ تَسْتَطِع فعَلى جَنْبٍ" (١).
ولو عجز عن ذلك كله أوْمَأَ بطرْفه، وصلَّى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور.
• ومنها زكاة الفطر؛ فإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح، فأما من قدر على صيام بعض النهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف؛ لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه.
* * *
وكذا (٢) لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يؤمر بتكملته بكل طريق.
* * *
وأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة؟ على روايتين عن أحمد
стр. 264
أشهرهما: أنه يقتصر على الطواف والسعي؛ لأن البيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به مَنْ لم (١) يقف بعرفة، كما لا يؤمر به المعتمر المقيم والله أعلم.
стр. 265
الحديث العاشر
عن أبي هريرة رضي الله (تعالى) عنه قال: قال رَسُولُ الله ﷺ :
"إنَّ الله تَعالى طَيِّبٌ لَا يَقْبلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله تَعَالَى أَمرَ الْمؤْمنينَ بمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَليَن فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢).
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلى السَّماء يَاربِّ! يَا رَبّ! وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يستَجَابُ لِذَلِكَ؟ ". رواه مسلم (٣).
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وخرجه الترمذي وقال: "حسن غريب" (٤).
وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرَّجَ له مسلم دون البخارى (٥).
стр. 266
وقوله ﷺ "إنَّ الله طَيِّبٌ" هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إنَّ الله طيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّب، نظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، وَجَوادٌ يُحِبُّ الْجُودَ".
* * *
خرجه الترمذي (١).
وفى إسناده مقال. والطيِّب هنا معناه الطاهر.
* * *
والمعنى: أن الله مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها.
وهذا كما في قوله تعالى ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢).
والمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها.
* * *
وقوله "لَا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا" قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: "لا يتصدق أحد بصدقة إلا من كعسب طيِّبٍ ولا يقبل الله إلا طيبًا" (٣).
والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالا.
* * *
стр. 267
[عموم معنى الطيب في الأموال والأعمال والأقوال]:
وقد قيل إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: "لا يقبل إلا طيِّبًا" أعَم من ذلك وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا؛ فإن الطَّيِّبَ يوصفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكُلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ.
[التعميم في الخبيث والطيب]:
وقد قيل إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (١) هذا كلُّه.
* * *
[تقسيم الكلام إلى خبيث وطيب]:
وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيِّبٍ وخبيثٍ فقال:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٢) ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (٣). ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤).
* * *
[الرسول يحل الطيب ويحرم الخبيث]:
ووصف الرسولَ ﷺ بأنه يُحِلُّ الطيباتِ، ويُحَرِّمُ الخبائث.
وقد قيل إنه يدخل في ذلك: الأعمال والأقوال والاعتقادات أيضًا.
[وصف المؤمنين]:
ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (٥) وأن الملائكة تقول عند الموت: اخرجي أيَّتُهَا النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب (٦)، وأن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم
стр. 268
الجنَّة، ويقولون لهم: طبتم.
وقد ورد في الحديث: "إن المؤمنَ إذَا زار أخًا له في الله تقول له الملائكة: طِبْتَ وطَاب مَمْشاكَ، وتَبَوَّأْتَ من الجنة منزلا (١).
* * *
[المؤمن طيب كله]:
فالمؤمن كله طيِّب: قلبه ولسانه وجسدُهُ بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه.
فهذه الطيبات كلها يقبلها الله .
[من أعظم وسائل طيب العمل]:
ومن أعظم ما يحصل به طيبة (٢) الأعمال للمؤمنين: طيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال؛ فبذلك يزكو عمله.
* * *
• وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقْبَلُ العملُ ولا يَزْكُو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العملَ، ويمنع قبولَهُ؛ فإنه قال بعد تقريره:
"إن الله لا يقبل إلا طيبا وإن (٣) الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٤) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٥).
[والمراد]:
والمراد بهذا: أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح؛ فما دام الأكل حلالا فالعمل صالح مقبول؛ فإذا كان الأكل غير
стр. 269
حلال فكيف يكون العمل مقبولًا؟.
* * *
وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقَبَّلُ مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام.
* * *
• وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: "تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ :
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١).
فقام سعد بن أبي وقاص فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَني مُسْتَجَابَ الدَّعْوة فَقَال له النَّبي ﷺ : يا سَعْدَ! أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيدِه إنَّ العَبْدَ لِيَقْذفُ اللُّقْمَةَ الحَرَامِ في جَوْفِهِ ما يَتَقبَّلُ الله مِنْهُ عَمَل أَرْبَعين يَوْمًا.
وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فالنَّارُ أوْلَىَ بِهِ" (٢).
* * *
• وفي مسند الإمام أحمد ﵀ بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: "مَنْ اشْتَرى ثَوبًا بعَشَرة دَرَاهِمَ في ثَمَنِه درهمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ الله لهُ صَلاة مَا كَان عَلَيْه".
ثُمَّ أَدْخَلَ إصْبَعَيْه في أُذنيه فَقَالَ: صُمَّتَا إنْ لمْ أَكُنْ سَمِعتُه مِنْ رَسُول الله ﷺ " (٣).
• ويُروى من حديث علي ﵁ مرفوعا معناه أيضًا.
خرجه البزار وغيره بإسناد ضعيف جدًّا (٤).
стр. 270
• وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بنَفَقَةٍ طَيِّبةٍ ووَضَع رِجْلَه في الغَرْز، فنادى لبيك اللهم لبَّيك! نَاداهُ مُنادٍ مِنَ السَّماء لَبَّيْك وَسَعْدَيْك، زَادُكَ حَلالٌ، ورِحِلتكَ حَلالٌ وحَجُّكَ مَبْرورٌ غير مأْزور، وإذا خَرَج الرجُلُ بالنَّفَقَةِ الخبَيثَة فَوَضَع رِجْلهُ في الْغَرْز فَنَادى: لَبَّيك اللَّهم لَبيك ناداهُ منادٍ مِن السَّماء: لا لَبَّيكَ وَلا سَعديكَ؟ زَادُكَ حَرامٌ، ونَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرورٍ" (١).
• ويروى من حديث عمر ﵁ نحوه بإسناد ضعيف أيضًا.
* * *
وروى أبو يحيى القتات (٢)، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام".
* * *
[من حج بمال حرام]:
وقد اختلف العلماء في حجِّ من حجَّ بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك؟.
وفيه عن الإمام أحمد ﵀ روايتان.
وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام.
[المراد بقبول العمل]:
لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به.
وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه:
وقد يراد به سقوط الفرض من الذمة:
стр. 271
فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة. كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط، ولا من أتى كاهنا، ولا من شرب الخمر أربعين يوما.
والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني وهو المراد والله أعلم من قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم؛ فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم (٢).
وسئل الإمام أحمد عن معنى المتقين فيها فقال: يتقي الأشياء؛ فلا يقع فيما لا يحل له.
* * *
[تمام العمل بخمس خصال]:
وقال أبو عبد الله النِّبَاجي الزاهد ﵀: "خمس خصال بها تمام العمل:
[١] الإيمان بمعرفة الله .
[٢] ومعرفةُ الحق.
[٣] وإخلاصُ العمل لله.
[٤] والعملُ على السنة.
[٥] وأكلُ الحلال.
فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل.
وذلك أنك إذا عرفتَ الله ولم تعرف الحق لم تنتفع.
وإذا عرفْت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع.
وإن عرفتَ الله وعرفتَ الحقَّ ولم تُخْلِصِ العملَ لم تنتفع.
وإن عرفت الله وعرفتَ الحق وأخلصتَ العملَ ولم يكن على السنة لم تنتفع.
وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (٣) ".
стр. 272
[أكل الحرام وآثاره]:
وقال وهَيْبُ بن الورد: "لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلال أو حرام".
* * *
[الصدقة بالمال الحرام]:
وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يقْبلُ الله صَلاةً بِغير طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً مِنْ غُلولٍ (١) ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما تَصَدَّقَ أحدٌ بِصَدَقةٍ مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ وَلا يقْبَل الله إلا الطَّيِّب إلّا أَخَذَها الرَّحْمَنُ بِيمينه" وذكر الحديث (٢).
وفي مسند الإمام أحمد ﵀ عَن ابن مَسْعود ﵁ عن النبي ﷺ قَال "لا يَكْسِبُ عَبْد مالًا منْ حَرَامٍ فَيُنْفِقُ مِنْه فَيُبارَكَ له فِيه، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فُيَتقَبَّلَ مِنْه، وَلا يَتْرُكُه خَلْفَ ظهْرِهِ إلا كانَ زَادَهُ إلى النارِ، إنَّ الله لا يَمْحو السَّيئَ بالسيئ ولَكنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بالحَسَن؛ إن الخبيثَ لَا يَمْحو الخبيثَ" (٣).
ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"مَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيه أَجْرٌ، وَكَانَ إصْرهُ عَلَيْه" (٤).
خرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة.
ومن مراسيل القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 273
"مَن أَصَابَ مَالًا مِنْ مَأْثَم؛ فَوَصَلَ بِهِ رَحِمَهُ، أو تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ في سبِيل الله جُمِعَ ذَلِكَ جَميعًا ثُمَّ قُذِف بِهِ في نَار جَهَنَّمَ" (١).
* * *
ورُوى عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مَثَلَ من أصاب مالا من غير حله فتصدق به مَثَلَ من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملة (٢).
* * *
وسئل ابن عباس ﵄ عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال: "إن الخبيثَ لا يُكَفِّرُ الخبيثَ".
* * *
وكذا قال ابن مسعود ﵁: "إن الخبيثَ لا يكفِّر الخبيثَ (٣) ولكن الطَيب يكفّرُ الخبيثَ".
* * *
وقال الحسن: "أيها المتصدق على المسكين يَرحمه! ارحم مَنْ قد ظلمتَ".
[أنواع الصدقة بالمال الحرام]:
واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالكِ بذلكَ أجْرٌ لعدم قصده ونيته.
كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا.
وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: "وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: "لا تؤجر أنت ولا صاحبها (٤) ".
стр. 274
ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب.
ولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من بيت المال ما لا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدًا أو غيره مما ينتفع به الناس فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه؛ ولذلك قال لعبد الله بن عامر أمير البصرة وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه أن يتكلم فروى له حديثًا: "لا يقبل الله صدقة من غُلُولٍ" ثم قال له: وكنتَ على البصرة (١).
وقال أسد بن موسى في كتاب الورع: حديث الفضيل بن عياض عن منصور عن تميم بن سلمة قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: "أرأيت هذه العِقَاب (٢) التي نسهّلها، والعيون التي نفجّرها ألنا فيها أجر؟ " فقال ابن عمر: "أما علمتَ أن خبيثا لا يُكَفِّرُ خبيثًا قَطُّ؟ ".
* * *
حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق فقال: "مَثَلُكَ مَثَلُ رجل سرق إبلَ حاج ثم جاهدَ بها في سبيل الله فانظر هل يُقْبَل منه؟ ".
* * *
[توقي الانتفاع بما يحدثه الملوك العصاة]:
وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاووس ووهيب بن الورد يتوقَّوْن
стр. 275
الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك.
وأما الإمام أحمد ﵀ فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة كالمساجد والقناطر والمصانع؛ فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما؛ فحينئذ يُتوقَّى الانتفاعُ بما عمل بالمال الحرام.
ولعل ابن عمر ﵄ إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم؛ فإن هذا شبيهٌ بالغصوب وعلى مثل هذا يُحْمَلُ إنكارُ مَنْ أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.
* * *
[ابن الجوزي يرد فتوى]:
قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: رأيت بعض المتقدمين سئل عمن كسب حلالا وحراما من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلبِ المنفق، وأن له في إنفاق مالا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرفُ أعيان المغصوبين فيرد عليهم.
قال: فقلت: واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة؟ ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا.
فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت وجوه مصارفه فكيف يَمْنَعُ مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟
وإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال.
وإن كان حراما أو غصبا فكل تصرف فيه (١) حرام والواجب رده على من أخذ منه أو ورثته، فإن لم يعرف رد إلى بيت المال، فيصرف في المصالح أو في الصدقة ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى.
* * *
стр. 276
[ابن رجب يوضح رأي ابن الجوزي]:
وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما ينسبونه (١) إليهم من مدارس وأرْبطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ويُخَصُّ به قوم دون قوم.
فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهما ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان جائزًا.
ولو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه منه بناء (٢) محتاجًا إليه في حال يجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بني على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة.
وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال، ونهاهم أن يجاوزوا (٣) ما تصدع منه وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًّا.
ورُوي عنه أنه قال: "لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم".
* * *
[تصرف الغاصب في مال غيره]:
واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفا على إجازة مالكه؛ فإن أجاز تُصَرُّفَهُ فيه جاز.
وقد حكى بعض أصحابنا - رواية عن أحمد -: أن من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه له المالك جاز وسقط عنه الزكاة.
وكذلك خَرَّجَ ابنُ أبي موسى (٤) رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عَبدَ غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه وهو خلاف نص أحمد.
• وحكي عن (٥) الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازها المالك أجزأت عنه.
* * *
стр. 277
[النوع الثاني من الصدقة بالمال الحرام]:
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته؛ فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم مالك، وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
* * *
[أقوال العلماء في ذلك]:
• قال ابن عبد البر: ذهب الزهري، والثوري، والأوزاعي، والليث إلى أن الغالَّ (١) إذا تفرق أهل العسكر، ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خُمُسَهُ ويتصدَّقُ بالباقي (٢).
روي ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود، وابن عباس ﵄ أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يُعْرَفُ صاحبه، وقال: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه - إذا جاء - مخيرًا بين الأجر والضمان وكذلك الغُصوب. انتهى.
* * *
• وروي عن مالك بن دينار قال: سألت عطَاء بنَ أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال: يتصدق به، ولا أقول إن ذلك يجزئ عنه.
• قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهبا!؟.
• وقال سفيان - فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يرده إليهم، فإن لم يقدر عليهم تصدق به كله، ولا يأخذ رأس ماله.
وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال: يَتَصَدّق بالثَّمَنِ.
وخالفه ابن المبارك وقال: يتصدق بالربح خاصة.
• وقال أحمد: يتصدق بالربح.
стр. 278
وكذا قال فيمن ورث مالا عن أبيه، وكان أبوه يبيع ممن تُكرهُ معاملته أنه يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ الباقي.
وقد رُوي عن طائفة من الصحابة نحو ذلك منهم: عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁.
* * *
والمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها.
* * *
وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مالٌ حرام لا يُعرف أربابُه أنه يتلفه ويلقيه في البحر، ولا يتصدق به وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب.
* * *
[والصحيح في ذلك]:
والصحيح الصدقة به؛ لأنّ إتلافَ المال، وإضاعته منهيٌّ عنه، وإرصادَه أبدًا تعريضٌ له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقةُ به ليست عن (١) مكتسبه حتى يكون تقربًا منه بالخبيث؛ وإنما هي صدقة عن مالكه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا.
* * *
[دعاء ذي المطعم الحرام]:
وقوله: "ثمَ ذَكر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَر أشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْه إلى السَّمَاءِ يَا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِىَ بِالحَرَامِ؛ فَأنَّى يُسْتَجابُ لِذَلكَ!؟ ".
* * *
[أسباب إجابة الدعاء وآدابه]:
هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته،
стр. 279
إلى ما يمنع من إجابته؛ فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
أحدهما: إطالة السفر.
والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:
"ثَلاثُ دَعَواتٍ مُستَجاباتٌ لا شَك فِيهنَّ: دَعْوَةُ المظلومِ، ودعْوةُ المُسَافِرِ، وَدَعوةُ الوَالدِ لِولَدِهِ".
خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي (١).
وعنده: "دعوةُ الوالِدِ على وَلَده".
وروي مثله عن ابن مسعود ﵁ من قوله:
ومتى طال السفر، كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان.
وتَحمُّلُ المشاق والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
* * *
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار.
وهو أيضًا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالأبواب لَوْ أقسمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ" (٢).
стр. 280
ولما خرج النبي ﷺ للاستسقاء خرج متبذلًا متواضعًا متضرعا (١).
وكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه، وأخذ عكَّازا بيده فقيل له ما هذا؟ قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي (٢).
* * *
الثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته.
وفي حديث سلمان ﵁، عن النبي ﷺ : "إن الله تعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحيي إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إلَيْهِ يَديْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائبتَيْنِ" (٣).
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما.
وكان النبي ﷺ يَرْفَعَ يَدِيْهِ في الاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرى بَيَاضُ إِبطَيْهِ (٤) وَرَفَعَ يَدَيْه يومَ بَدْرٍ يَسْتَنْصِرُ عَلَى المُشْرِكين حَتَّى سَقَط رِدَاؤُهُ عَنْ منْكَبَيْه (٥).
стр. 281
وقد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها أنه كان يشير بإصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (١)، وفعله لما ركب راحلته (٢).
* * *
[دعاء القنوت في الصلاة]:
وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحق بن راهويه.
* * *
وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (٣).
* * *
وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة.
* * *
[من صور رفع اليدين في الصلاة]:
• ومنها أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه.
وقد رويت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء.
стр. 282
واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني.
وقال بعض السلف: "الرفع على هذا الوجه تضرع".
• ومنها أنه رفع يديه وجعل ظهورهما (١) عكس ذلك.
وقد روي عن النبي ﷺ في الاستسقاء أيضًا (٢).
ورُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك.
وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به. منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃.
ورُوي عن النبي ﷺ أَنَّه كَانَ إذا استْعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى هذَا الْوَجْه (٣).
* * *
• ومنها رفع يديه، وَجَعْلُ كَفَّيْهِ إِلى السَّمَاءِ، وَظُهُورُهما إلى الأرْض.
وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله في غير حديث.
وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله .
• ومنها عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلى الأرض.
وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء (٤).
وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه، فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء (٥).
وخرجه أبو داود ولفظه: استسقى هكذا يعني النبي ﷺ مد يديه وجعل بطونهما مما يلى الأرض (٦).
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان النبي ﷺ
стр. 283
واقفًا بِعرفَةَ يَدعُو هَكَذا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثَنْدُوتَنهِ (١) وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْه مِمَّا يلي الأَرض.
* * *
وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي ﷺ يديه بعرفة.
ورُوي عن ابن سيرين: أن هذا هو الاستجارة.
وقال الحميدي: هذا هو الابتهال.
* * *
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.
وخرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعًا: "إذا قال العَبْدُ يا رب! أَرْبَعًا قَالَ الله: لَبَّيْكَ عَبْدي سَل تُعطه" (٢).
وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قَوْما شَكَوْا إلى النَّبي ﷺ قُحُوط المَطَر فَقَالَ: "اجْثُوا عَلَى الرُّكَب وَقَولُوا يا رب! يا ربّ! " وَرَفَع السَّبابَة إلى السَّماء فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشفَ عنْهُم (٣).
وفي المسند وغيره عن الفضل بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الصَّلاةُ مَثْنى، مثنى، وتَشَهُّدٌ في كُلِّ رَكْعَتين، وَتَضَرُّع وَتَخَشُّعٌ، وَتمَسْكُنٌ وَتُقْنِعُ يَديْكَ، يقولُ ترفعهما إلى رَبِّكَ مُسْتَقْبلًا بهما وَجْهَك وتقولُ: يَا رب! يا رب! فَمَنْ لَمْ يَفْعل ذَلِكَ فهي خِداجٌ" (٤).
стр. 284
وقال يزيد الرقاشي (١) عن أنس ما من عبد يقول يا رب! يا رب! يا رب! إلا قال له ربه لبيك لبيك.
ورُوي عن أبي الدرداء وابن عباس ﵃ أنهما كانا يقولان: "اسم الله الأكبر ربِّ! ربِّ (٢)! "
وعن عطاء قال: "مَا قَالَ عبدٌ يا ربِّ.! يا رب! ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلَّا نَظَر الله إليه" فذكر ذَلكَ للحَسَنَ فقال: أَمَا تقْرأون القرآن؟ ثُمَّ تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
* * *
ومن تأمل الأدعية الذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرب لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤) ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٥).
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٦) ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي فقالا: يقول: يا رب! زاد مالك، كما قالت الأنبياء في دعائهم.
* * *
стр. 285
[موانع إجابة الدعاء]:
وأما ما يمنع إجابة الدعاء فقد أشار ﷺ إلى أنه: التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسًا وتغذية.
وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضًا، وأن النبي ﷺ قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (١).
فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به: سبب موجب لإجابة إلدعاء (٢).
• وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: كيف (٣) تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: "ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت؟! ".
• وعن وهب بن منبه قال: "مَنْ سَرَّهُ أَن يستجيبَ الله دعوتَهُ فَلْيُطَيِّبْ (٤) طُعْمَتَهُ".
* * *
• وعن سهل بن عبد اللّه قال: "مَنْ أكل الحلال أربعين صباحًا أجيبت دعوته".
• وعن يوسف بن أسباط قال: "بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم".
* * *
وقوله ﷺ " فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ".
معناه: كيف يستجاب له؟! فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية. فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذى به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء.
• ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي