وقد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها أنه كان يشير بإصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (١)، وفعله لما ركب راحلته (٢).
* * *
[دعاء القنوت في الصلاة]:
وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحق بن راهويه.
* * *
وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (٣).
* * *
وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة.
* * *
[من صور رفع اليدين في الصلاة]:
• ومنها أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه.
وقد رويت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء.
стр. 282
واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني.
وقال بعض السلف: "الرفع على هذا الوجه تضرع".
• ومنها أنه رفع يديه وجعل ظهورهما (١) عكس ذلك.
وقد روي عن النبي ﷺ في الاستسقاء أيضًا (٢).
ورُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك.
وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به. منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃.
ورُوي عن النبي ﷺ أَنَّه كَانَ إذا استْعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى هذَا الْوَجْه (٣).
* * *
• ومنها رفع يديه، وَجَعْلُ كَفَّيْهِ إِلى السَّمَاءِ، وَظُهُورُهما إلى الأرْض.
وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله في غير حديث.
وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله .
• ومنها عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلى الأرض.
وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء (٤).
وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه، فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء (٥).
وخرجه أبو داود ولفظه: استسقى هكذا يعني النبي ﷺ مد يديه وجعل بطونهما مما يلى الأرض (٦).
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان النبي ﷺ
стр. 283
واقفًا بِعرفَةَ يَدعُو هَكَذا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثَنْدُوتَنهِ (١) وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْه مِمَّا يلي الأَرض.
* * *
وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي ﷺ يديه بعرفة.
ورُوي عن ابن سيرين: أن هذا هو الاستجارة.
وقال الحميدي: هذا هو الابتهال.
* * *
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.
وخرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعًا: "إذا قال العَبْدُ يا رب! أَرْبَعًا قَالَ الله: لَبَّيْكَ عَبْدي سَل تُعطه" (٢).
وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قَوْما شَكَوْا إلى النَّبي ﷺ قُحُوط المَطَر فَقَالَ: "اجْثُوا عَلَى الرُّكَب وَقَولُوا يا رب! يا ربّ! " وَرَفَع السَّبابَة إلى السَّماء فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشفَ عنْهُم (٣).
وفي المسند وغيره عن الفضل بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الصَّلاةُ مَثْنى، مثنى، وتَشَهُّدٌ في كُلِّ رَكْعَتين، وَتَضَرُّع وَتَخَشُّعٌ، وَتمَسْكُنٌ وَتُقْنِعُ يَديْكَ، يقولُ ترفعهما إلى رَبِّكَ مُسْتَقْبلًا بهما وَجْهَك وتقولُ: يَا رب! يا رب! فَمَنْ لَمْ يَفْعل ذَلِكَ فهي خِداجٌ" (٤).
стр. 284
وقال يزيد الرقاشي (١) عن أنس ما من عبد يقول يا رب! يا رب! يا رب! إلا قال له ربه لبيك لبيك.
ورُوي عن أبي الدرداء وابن عباس ﵃ أنهما كانا يقولان: "اسم الله الأكبر ربِّ! ربِّ (٢)! "
وعن عطاء قال: "مَا قَالَ عبدٌ يا ربِّ.! يا رب! ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلَّا نَظَر الله إليه" فذكر ذَلكَ للحَسَنَ فقال: أَمَا تقْرأون القرآن؟ ثُمَّ تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
* * *
ومن تأمل الأدعية الذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرب لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤) ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٥).
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٦) ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي فقالا: يقول: يا رب! زاد مالك، كما قالت الأنبياء في دعائهم.
* * *
стр. 285
[موانع إجابة الدعاء]:
وأما ما يمنع إجابة الدعاء فقد أشار ﷺ إلى أنه: التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسًا وتغذية.
وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضًا، وأن النبي ﷺ قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (١).
فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به: سبب موجب لإجابة إلدعاء (٢).
• وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: كيف (٣) تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: "ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت؟! ".
• وعن وهب بن منبه قال: "مَنْ سَرَّهُ أَن يستجيبَ الله دعوتَهُ فَلْيُطَيِّبْ (٤) طُعْمَتَهُ".
* * *
• وعن سهل بن عبد اللّه قال: "مَنْ أكل الحلال أربعين صباحًا أجيبت دعوته".
• وعن يوسف بن أسباط قال: "بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم".
* * *
وقوله ﷺ " فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ".
معناه: كيف يستجاب له؟! فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية. فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذى به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء.
• ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي
стр. 286
أخلصوا فيها لله تعالى، ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم.
* * *
• وقال وهب بن منبه: "مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل كَمَثَلِ الذي يرمى بغير وتر" (١).
وعنه قال: "العمل الصالح يبلغ الدعاء" ثم تلا قوله تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاءَ والتسبيحَ" (٣).
* * *
• وعن أبي ذر ﵁ قال: "يكفي مع البر من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامَ من الملح".
• وقال محمد بن واسع: "يكفي من الدعاء من الورع: اليسيرُ".
* * *
• وقيل لسفيان: لو دعوتَ الله؟ قال: إن تركَ الذنوب هو الدعاء.
* * *
• وقال ليث: رأى موسى ﵊ رجلا رافعًا يديه وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى ﵇: "أي ربِّ! عبدُك دعاك حتى رحمته، وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته؟ " فقال: "يا موسى! لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حَقِّي! ".
* * *
• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعًا معناه
وقال مالك بن دينار: "أصاب بني إسرائيل بلاءٌ فخرجوا مخرجًا فأوحى الله تعالى
стр. 287
إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسةٍ، وترفعون إليَّ أَكفَّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا منى إلا بُعْدًا".
وقال بعض السلف: "لا تستبطئ الإجابةَ وقد سَدَدْتَ طُرُقَهَا بالمعاصي".
وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
نحن ندعو الإله في كُلّ كَربٍ … ثم ننساه عندَ كَشْفِ الكروب!
كيف نرجو استجابة لِدُعَاءٍ … قَدْ سَدَدْنا طريقَها بالذنوب؟
* * *
стр. 288
الحديث الحادي عشر
عن أبي مُحمَّدٍ: الحَسنِ بْنِ عَلي بْن أَبِي طالِب ﵄ سِبْط رَسُولِ الله ﷺ وَرَيْحَانِتِه قَالَ:
حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ : "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ".
رَوَاهُ النَّسائي والترمِذِيُّ وَقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن حبان في صحيحه (٤) والحاكم (٥) من حديث بريد (٦) بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي، وصححه الترمذي.
стр. 289
• وأبو الحوراء السعدي قال الأكثرون: إن اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف (١).
• وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر.
وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي: "فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة".
• ولفظ ابن حبان: "فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة".
• وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال "دَعْ مَا يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" (٢).
• وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفًا على أنس (٣).
• وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا (٤) قال الدارقطني:
стр. 290
وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويُروى عن مالك من قوله (١) انتهى.
• ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف - عن أبيه عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال لرجل:
"دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك" قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: "إذا أردت أمرًا فضَع يدَك على صَدْرِكَ، فإن القْلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلمَ الورِعَ يَدَعُ الصغيرةَ مَخَافَةَ الكبيرة".
• وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلًا.
وخرج الطبراني نحوه بإسناده ضعيف - عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ وزاد فيه:
"قيل: فمن الوَرِع؟ قال: الذي يقف عند الشبهة" (٢).
• وقد روي (٣) هذا الكلام موقوفًا على جماعة من الصحابة منهم (٤): عمر، وابن عمر، ﵃، وأبو الدرداء.
• وعن ابن مسعود قال:
"ما تريد إلى ما يَريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك؟! ".
* * *
[الربا والريبة]:
• وقال عمر: "دعوا الربا والريبة" يعني: ما ارتبتم فيه. وإن لم تتحققوا أنه ربا.
* * *
[قلب المؤمن دليله]:
• ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال المحض
стр. 291
لا يحصل للمؤمن في قلبه منه ريب (١)، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب: القلق والاضطراب الموجب للشك.
[من أقوال العلماء في ذلك]:
• وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: "إذا كان العبد ورِعا تَرَكَ ما يريبه إلى ما لا يريبه".
• وقال الفُضَيْل: "يزعم الناس أن الورع شديد؟ وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما؛ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وقال حسان بن أبي سنان: "ما شَىْءٌ أهونَ من الورع: إذا رابك شيء فدعه".
وهذا إنما يسهل على مثل حسان ﵀.
* * *
[رجل يرفض انتهاز الفرص]:
• قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قِبَلك. فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفًا قال: فأتى صاحب السكر فقال: يا هذا إن غلامي كان قد كتب إليّ فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك؟ فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبتُه لك قال: فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه، فقال: يا هذا! إني لم آت هذا الأمر - من قبل وجهه؛ فأُحب أن تسترد هذا البيع قال: فما زال به حتى ردَّه (٢) عليه.
* * *
[وصور أخرى]:
• وكان يونس بن عبيد إذا طَلب المتاعَ ونفَق وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: أعْلم مَن تشتري منه أن المتاع قد طُلب.
وقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليوم بأسًا.
* * *
стр. 292
[الإسلام يأبى حبس السلع لزيادة أسعارها]:
وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره (١) أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة فوجدت الطعام مُبَغَّضًا (٢) فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا وعملتَ بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي (٣) فتصدق بجميع ثمن ذلك (٤) الطعام (٥) على فقراء البصرة فليتنى أسلم إذا فعلتَ ذلك.
* * *
[التنزه عن ما فيه شبهة]:
• وتنزه يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين.
* * *
• وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوَّت منه إلى أن مات ﵀.
* * *
وكان المِسْور بن مَخْرمَة قد احتكر طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف، فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟! فآلى أن لا يربح فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: جزاك الله خيرًا.
* * *
[مما يؤخذ من ذلك]:
وفي هذا: أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارًا مَنْهِيًّا عنه.
* * *
[أدلة ذلك]:
• وقد نص الإمام أحمد ﵀ على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه،
стр. 293
لدخوله في ربح ما لم يضمن.
وقد نهى عنه النبي (١) ﷺ : فقال أحمد - في رواية عنه فيمن (٢) أجره ما استأجره بربحه: "إنه يتصدق بالريح".
وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة: "إذا خالف فيه المضارب إنه يتصدَّق به".
وقال في رواية عنه - فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدوِّ (٣) صلاحها بشرط القطع - ثم تركها حتى بدا صلاحها - إنه يتصدق [به وقال في رواية عنه] (٤) بالزيادة.
وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب، لأَن الصدقة بالشبهات مستحب (٥).
• وروي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن أكل الصيد للمُحْرِم فقالت: "إنما هي أيام قلائل؛ فما رابك فدعه" يعني، ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصده هو.
* * *
[العمل بالرخصة أفضل]:
• وقد يُستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة،
стр. 294
ولكن المحققين (١) من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن من مسائل الخلاف ما ثبت فيه عن النبي ﷺ رخصة ليس لها مُعارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء؛ فامتنع منها لذلك.
• وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه صح عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا ينصرف حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا (٢) " ولا سيما إن كان شكه في الصلاة؛ فإنه لا يجوز له قطعها. لصحة النهي عنه (٣)، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك.
* * *
[متى يترك العمل بالرخصة؟]:
وإن كان للرخصة معارض إما من سنة أُخرى، أو من عمل الأمة بخلافها فالأَولى تركُ العمل بها.
وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ﵃، فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعينّ، فإن هذه الأُمة قدْ أجارها الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق، وما عداه فهو باطل.
وها هنا أمر ينبغي التفطُّن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع.
* * *
[التنزه عن الصغيرة مع ارتكاب الكبيرة ليس من الورع]:
فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه فإنه لا يُحتَمل له ذلك، بل يُنكَر عليه؛ كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من
стр. 295
أهل العراق: يسألوننى عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي ﷺ يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" (١)؟!
• وسأل رجلٌ بشْر بن الحارث عن رجل له زوجة وأُمه تأْمره بطلاقها؟ فقال: إن كان يَبَرُّ أَمَّهُ في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أُمه فيضربها فلا يفعل.
• وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة (٢) يعني التي تربط بها جُرْزَةُ (٣) البقل؟ فقال أحمد: إيش هذه المسائل؟ قيل له: إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك؟! (٤) فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم. هذا يشبه ذاك.
وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا.
* * *
[هؤلاء هم أهل الورع]:
• وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع؛ فإنه أمَر مَن يشتري له سمنًا فجاء به على ورقة؛ فأمر برد الورقة إلى البائع.
• وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته (٥) يستمد منها.
• واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم.
• واستأْذنه رجل آخر (٦) في ذلك فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا!
وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع.
стр. 296
وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويُقْدِم على الشبهات من غير توقف.
* * *
[الخير طمأنينة والشر ريبة]:
• وقوله ﷺ "فإن الخيرَ طمأنينة وإن الشر ريبة" يعني أن الخير تطمئن به القلوب عند الاشتباه، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه.
• وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيد لهذا في (١) الكلام على حديث "النواس بن سمعان (٢) " إن شاء الله تعالى.
* * *
[استفت قلبك]:
• وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشير (٣) بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (٤) ثم قال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله. قالت: مناكبها: جبالها، فكأنما سُفِع في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم: فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك (٥).
* * *
[الصدق طمأنينة والكذب ريبة]:
• وقوله في الرواية الأخرى "إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة" يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل، كما في حديث وابصة" وإن أفتاك الناس وأفتَوْك" وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق.
стр. 297
وعلامة الصدق أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه.
ومن هنا كان العقلاء على (١) عهد النبي ﷺ إذا سمعوا كلامه، وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل.
وقد روي أن عمرو بن العاص سمعد قبل إسلامه يدعي أُنه أنزل (٢) عليه "يا وَبْرُ يا وَبْرُ (٣)!! لك أُذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو! " فقال: "والله! إني لأعلم أَنك تكذب؟! ".
* * *
[وبضدها تتميز الأشياء]:
• وقال بعض المتقدمين صوِّر ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قِسْه إلى ضده؛ فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك تصور محمدًا ﷺ ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) ثم تتصوّر ضد محمد ﷺ فتجده مسيلمة؛ فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:
أَلا يا ربة المخدع … قد هُيِّئ لك المضجع
يعني قوله لسجاح حين تزوج بها.
• قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينا عجيبًا يلوط بالقلب (٥) ويحسن في السمع، وترى ذا - يعنى قول مسيلمة - باردًا غثًّا فاحشا، فتعلم أن محمدًا حقٌّ أتى بوحي، وأن مسيلمةَ كَذّابٌ أَتى بباطل.
стр. 298
الحديث الثاني عشر
عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضِيَ الله تَعَالَى عنه عَن النبي ﷺ قال:
"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المرءِ تَرْكُهُ ما لَا يَعْنيِهِ". حَديث حَسَن رَوَاهُ الترمذي وغيره هكذا.
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه الترمذي (١) وابن ماجه (٢) من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵃.
وقال الترمذي: غريب. وقد حسنه الشيخ المصنف، ﵀؛ لأن رجال إسناده ثقات.
وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل (٣) وثقه قوم، وضعفه آخرون.
• وقال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات.
وهذا موافق لتحسين الشيخ له، ﵁ (٤).
وأما أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو محفوظًا (٥) بهذا الإسناد، إنما هو محفوظ عن الزهري، [عن علي بن حسين، عن النبي ﷺ ، مرسلًا.
• كذلك رواه الثقات عن الزهري] (٦)، منهم مالك في الموطأ، ويونس، ومعمر،
стр. 299
وإبراهيم بن سعد، إلا أَنه قال: "من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه".
* * *
وممن قال إنه لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلًا: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدارقطني.
وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا.
والصحيح فيه المرسل.
ورواه عبد الله بن عمر العمري (١) عن الزهري، عن علي بن حسين، عن أبيه عن النبي ﷺ [فوصله وجعله من مسند الحسين بن علي.
وخرّجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه (٢).
والعمري ليس بالحافظ.
وخرّجه أيضًا من وجه آخر عن الحسين (٣) عن النبي ﷺ ] (٤).
وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضًا وقال: لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر، وكلها ضعيفة (٥).
* * *
[الحديث أصل عظيم من أصول الأدب]:
• وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد: إمام المالكية في زمانه أنه قال: "جماع آداب الخير، وأزِمَّته تتفرع من أربعة أحاديث:
стр. 300
[١] قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (١).
[٢] وقوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
[٣] وقوله ﷺ : للذي اختصر له في الوصية: "لا تغضب" (٢).
[٤] وقوله ﷺ : "المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٣).
[مَنْ حَسُن إسلامُه تَرَكَ ما لا يعنيه بحكم الشرع]:
ومعنى هذا الحديث: أن من حَسُن إسلامه ترك ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال.
ومعنى يعنيه: أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه.
• والعناية: شدة الاهتمام بالشيء يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به، وطلبه.
وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به (٤)، ولا إرادة - بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام.
ولهذا جعله من حسن الإسلام؛ فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال؛ فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇، وإن الإسلام الكامل (٥) الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٦).
стр. 301
[حتى المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات]:
وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كلِّه من المحرمات، والمشتبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كلَّه لا يعني المسلم إذا كَمُل إسلامه، وبلغ إلى درحة الإِحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
[الحياء من وسائل ترك ما لا يعني]:
فمن عبَد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضاره قربَ الله منه، واطلاعَه عليه. فقد حَسُن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه؛ يتولّد من هذين المقامين: الاستحياءُ من الله وتركُ كلِّ ما يُستحيا منه؛ كما وصى ﷺ رجلًا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه (١).
• وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "الاستحياءُ من الله تعالى: أن تحفظ الرأسَ وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، [ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا] (٢) فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" (٣).
[مما أثر في ذلك]:
• قال بعضهم: "استحي من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك".
وقال بعض العارفين: "إذا تكلمت فاذكر سمعَ الله لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظرهُ إليك".
وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى:
стр. 302
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٣).
* * *
[من حُسْن الإسلام: قلة الكلام فيما لا يعني]:
• وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأول التي هي في سورة ق.
وفي المسند من حديث الحسين (٤) عن النبي ﷺ قال:
"إن مِنْ حُسن إسلام المرءِ قلةَ الكلام فيما لا يعنيه".
• وخرج الخرائطيُّ من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله! إني مطاع في قومي، فما آمرهم؟ قال له: مرهم بإفشاء السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم" (٥).
* * *
[كيف يقضي المرء وقته؟]:
• وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: كان في صحف إبراهيم ﵊: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر
стр. 303
فيها في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب".
"وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوّدٍ لمعاد، أو مَرمَّةٍ لمعاش، أو لذةٍ في غير محرم".
"وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه (١) ".
وقال عمر بن العزيز ﵀: "من عدَّ كلامَه من عمله قل كلامُه إلا فيما يعنيه".
وهو كما قال؛ فإن كثيرًا من الناس لا يعُدُّ كلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ فيجازفُ فيه ولَا يتحرى.
[المؤاخذة على الكلمة].
وقد خفي هذا على معاذ بن جبل ﵁، حتى سأل عنه النبيَّ ﷺ فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّم به؟ فقال: ثَكِلتْكَ أمّك (٢) يا معاذ! وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (٣)؟ ".
* * *
[نفي الخير عن كثير مما يتناجى به الناس].
وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم فقال:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٤).
стр. 304
• وخرّج الترمذي وابن ماجه من حديث أم حبيبة عن النبي ﷺ قال:
"كل كلامِ ابن آدمَ عليه لا لَهُ إلا الأَمْرَ بِالمعْروفِ، والنَّهيَ عن المنكَرِ، وذكْرَ الله " (١).
وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري فقال سفيان: وما تعجُّبكم (٢) من هذا؟ أليس قد قال الله تعالى:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣).
أليس قد قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (٤).
* * *
[من آثار الكلام فيما لا يعني عدم دخول الجنة]:
• وخرّج الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: توفي رجل من أصحابه يعني النبي ﷺ فقال، يعني رجل: أبشر بالجنة! فقال رسول الله ﷺ : "أو لا تدري فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه" (٥).
стр. 305
وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي ﷺ وفي بعضها أنه قتل شهيدًا (١).
* * *
[وعدم المبالاة بمن يتكلم فيما لا يعنيه]:
• وخرَّج أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على النبي ﷺ أنه سمع النبي ﷺ وقالت له امرأة: يا رسول الله! أَلا تسلم علينا؟ فقال: "إنك من قبيل (٢) يقلِّلن الكثير، ومنعها ما لا يغنيها، وسؤالها عما لا يعنيها".
стр. 306
[وتكثير الذنوب]:
• وخرَّج العقيلي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أكَثُر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه" (١).
[من ثمرات السكوت عما لا يعني: رفعة الشأن]:
• قال عمرو (٢) بن قيس الملائي: مر رجل بلقمان والناس عنده فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني (٣).
[بعد المنزلة]:
• وقال وهب بن منبه: "كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما (٤) برجل يمشي على الهواء فقالا له: يا عبد الله! بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من الدنيا، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني (٥) عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه ربي ولزمت الصمت؛ فإن أقسمت على الله أبر قسمي، وإن سألته أعطأني (٦) ".
[والتهلل عند الموت]:
• ودخلوا (٧) على بعض الصحابة في مرضه، ووجهه يتهلل، فسألوه عن سبب تَهَلّلِ وجهه فقال: "ما من عمل أوثقَ عندي من خصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين".
стр. 307
• وقال مورِّق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه، ولست بتاركٍ طلبه أبدًا، قالوا: وما وهو؟ قال: "الكف عما لا يعنيني".
رواه ابن أبي الدنيا (١).
[ودخول الجنة]:
• وروى [أسد بن موسى قال] (٢): حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة". فدخل عبد الله بن سلام فقام إليه ناس فأخبروه وقالوا: أخبرنا (٣) بأوثق عملك في نفسك قال: إن عملى لضعيف [إن] (٤) أوثق ما أرجو به: سلامةُ الصدر، وتركي (٥) ما لا يعنيني (٦).
[رجل يعرضي الله عنه]:
• وروى أبو عبيدة عن الحسن قال: "من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه".
* * *
• وقال سهل التُّسْتَري: "مَنْ تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق".
* * *
стр. 308
• وقال معروف: "كلام العبد فيما لا يعنيه: خذلان من الله ".
* * *
[من حَسُن إسلامه فترك ما لا يعنيه زادت حسناته]:
• وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرءَ: من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كُلَّه، فقد كمل حُسْن إسلامه.
وقد جاءَت الأحاديث بفضل من حَسُن إسلامُهُ، وأَنه تُضاعف حسناته، وتكفَّر سيئاته.
والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:
"إذَا أَحْسَن أَحدُكُم إِسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنةٍ يَعْملُها تُكتَب بِعشْر أمْثالِها إلى سَبعمِائة ضِعْفٍ، وكلُّ سيئة تُكْتَب بمِثلها حَتَّى يَلْقى الله " (١).
فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابدَّ منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام، وإخلاصِ النية، والحاجةِ إلى ذلك العمل، وفضلِه، كالنفقة في الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى، والمساكين، وأوقاتِ الحاجة إلى النفقة.
ويشهد لذلك ما روي عن عطية عن ابن عمر ﵁ قال: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢) في الأعراب قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر ثم تلا قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
• وخرّج النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال:
"إذا أسْلم العبدُ فَحَسُنَ إسلامُهُ كتب الله له كُلَّ حسنة كان أزلفها (٤) ومحيت عنه كلُّ سيئة كان أزلَفَها ثم كان بعد ذلك القصاصُ: الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله".
стр. 309
• وفي رواية أخرى: "وقيل له ائْتَنِف العمل" (١).
[الإسلام يَجُبُّ ما قبله]:
والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام.
وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم، ويمحى عنه سيآته إذا أسلم، لكن بشرط أن يحسن إسلامه، ويتقي تلك السيات في حال إسلامه.
وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵀.
• ويدل على ذلك ما في الصحيحين (٢). عن ابن مسعود ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما مَن أحسَن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام".
• وفي صحيح مسلم (٣) عن عمرو بن العاص ﵁ قال للنبي ﷺ - لما أسلم -: أريد أن أشترط. قال: "تشترط ماذا؟ " قلت: أن يُغفر لي؟ قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ ".
• وخرجه الإمام أحمد، ولفظه:
"إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الذُّنوب" (٤).
стр. 310
وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن؛ جمعًا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله.
• وفي صحيح مسلم (١) أيضًا عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله! أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَسلمتَ على ما أسلفتَ من خير".
وفي رواية له قال: فقلت: والله لا أدع شيئًا صنعتُه في الجاهلية إلا صنعتُ في الإسلام مثله.
* * *
[حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها]:
وهذا يدل على أن حسنات الكافر - إذا أسلم - يثاب عليها؛ كما دل عليه حديث أبي سعيد المتقدم (٢).
* * *
[وسيئاته تبدل حسنات].
وقد قيل: إن سيآته في الشرك تبدل حسنات، ويثاب عليها؛ أخذًا من قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٣).
[كيف تبدل السيئات حسنات].
وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين، فمنهم من قال: هو في الدنيا بمعنى: أن الله يبدل من أسلم، وتاب إليه بدل ما كان عليه من الكفر والمعَاصي: الإيمان والأعمالَ الصالحة، وحَكى هذا القولَ إبراهيمُ الحربي في غريب الحديث، عن أكثر المفسرين، وسمى منهم ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والسُّدِّي، وعكرمة.
قلت: وهو المشهور عن الحسن ﵁.
стр. 311
قال: وقال الحسن، وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة، ليس هي في أهل الإسلام.
قلت: إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما سيأتي.
وأما إن قيل: إنه في الدنيا فالكافر إذا أسلم، والمسلم إذا تاب في ذلك [سواء بل المسلم إذا تاب] (١) فهو أحسن حالا من الكافر إذا أسلم.
وقال: وقال آخرون: والتبديل في الآخرة، جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة، منهم: عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسَيِّب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو العالية، ومجاهد، وخالد سَبَلان وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصله: أنه يلزم من ذلك أن يكون من كَثُرت سيئاته أحسن حالًا ممن قلَّت سيئاته؛ حيث يعطى مكان كل سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أن تبدل السيئات حسنات، ولم يذكر العدد كيف تبدل؟ فيجوز أن معنى تبدَّل: أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها تُبَدَّلُ مائة ألف حسنة، ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف حسنة فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالًا.
قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية وتلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٢).
ورد بعضهم بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤).
[كيف تبدل سيئات التائب؟].
• ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يُوقفُ عَلَى سيئاته ثم تُبَدَّل حسنات.
قال أبو عثمان النهْدي: "إن المؤمن يؤتى كتابَه في سِتر من الله ، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته، فيقرؤها، فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٥).
стр. 312
ورواه بعضهم عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وقال بعضهم: عن أبي عثمان، عن سلمان.
• وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها؛ فَتُعْرَض عليه صغار ذنوبه فيقال له: عملتَ يوم كذا وكذا: كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعْرض عليه فيقالُ له: "فإن لك مكان كل سيئة حسنة" فيقول: رَبِّ! قد عملتُ أَشياءَ لا أراها ههنا؟ فلقد رأيتُ رَسُول الله ﷺ ضحك حتى بدت نَواجِذهُ (١).
* * *
فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار ففي حقِّ مَنْ محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النَّصوح أولى؛ لأن محوها بذلك أَحَبُّ إلى الله من محوها بالعقاب.
• وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس (٢) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليتمنَّينَّ أقوام أنهم أكثروا من السيئات" قالوا: بم؟ يا رسول الله! قال: "الذين بدَّل الله سيئاتهم حسنات (٣) ".
• وخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سليمان أبي داود الزهري (٤)، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا وهو أشبه من المرفوع.
стр. 313
ويروي مثل هذا عن الحسن البصْري أيضًا، وهو يخالف قوله المشهور: أن التبديل في الدنيا.
وأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته، ومن كثرت سيئاتُه يُقَلل من حسناته، فحديث أبي ذر صريح في ردِّ هذا وأنه يُعطَى مكان كل سيئة حسنةً.
[التبديل في حق من؟].
وأما قوله: يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاتُه أحسن حالًا ممن قلَّت سيئاته - فيقال: إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته، وجعلها نصب عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا ورجلًا وحياءً من الله، ومسارعةً إلى الأعمال الصالحة المكفِّرة كما قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (١).
* * *
وما ذكرناه كلَّه داخل في العمل الصالح، ومن كانت هذه حالَه فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سببًا لأعمال صالحة ماحية له؛ فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات.
وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه: تبدلت سيئاته في الشرك حسنات.
• فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير عن أبي فروة: شَطْب أنه أتى النبي ﷺ فقال: أرَأيْتَ رجلا عمل الذنوب كُلَّهَا، ولم يترك حاجة ولا داجة (٢) فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمت؟ " قال: نعم قال: "فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها" قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: "نعم" قال: فما زال يكبر حتى توارى (٣).
стр. 314
• وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف، عن سلمة بن نفيل (١) عن النبي ﷺ .
• وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلا (٢).
• وخرج البراز الحديث الأول، وعنده عن أبي طويل: [شطب الممدود] (٣) أنه أتي النبي ﷺ فذكره بمعناه.
• وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه (٤)، وذكر أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي ﷺ طويلا شطبا (٥).
والشطب في اللغة الممدود (٦)، فصحفه بعض الرواة وظنه اسم رجل.
стр. 315
الحديث الثالث عشر
عن أبي حَمْزَةَ: أَنَس بْنِ مالِك ﵁ خادِمِ رَسُولِ الله ﷺ قال:
"لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتى يُحبَّ لأَخِيه ما يُحبُّ لنَفْسِهِ". رَوَاهُ البُخاريُّ ومُسْلمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا (١) الحديث خرجاه في الصحيحين (٢)، من حديث قتادة، عن أنس ولفظ مسلم: "حتى يحب لجاره أو لأخِيهِ" بالشك.
• وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه: "لا يبْلُغ عَبْدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتى يُحبَّ للناس ما يُحبُّ لنفسه مِنَ الخَيْر" (٣).
стр. 316
• وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان: نفي بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإن الإيمان كثيرًا ما ينفي لانتقاء بعض أركانه وواجباته كقوله ﷺ :
"لا يَزني الزاني حين يَزني وهو مُؤمِنٌ، وَلا يَسرق السارقُ حين يسرق وهو مُؤمِنٌ، ولا يشْرب الخَمرَ حين يشربها وَهُو مؤمن" (١).
وقوله:
"لا يُؤمِن مَنْ لا يأمَنْ جارُه بَوائِقَهُ" (٢).
[رأي العلماء في مرتكب الكبيرة]:
وقد اختلف العلماءُ في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان أم لا يسمى مؤمنًا وإنما يقال: هو مسلم وليس بمؤمن؟ على قولين، وهما: روايتان عن الإمام أحمد.
* * *
[رأي العلماء في مرتكب الصغائر]:
فأما من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص
стр. 317
الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك.
* * *
[أقوال السلف في مرتكب الكبيرة]:
والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان: مرويّ عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.
والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن: مروي عن أبي جعفر: محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه اختار عند أهل السنة.
• وقال ابن عباس، ﵄: الزاني ينزع منه (١) نور الإيمان.
• وقال أبو هريرة: ينزع منه الإيمان، فيكون فوقه كالظُّلَّة فإذا تاب عاد إليه (٢).
* * *
• وقال عبد الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمان كالقميص: يلبسه الإنسان تارة ويخلعه أُخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره.
* * *
والمعنى أنه إذا أكمل خصال الإيمان لبسه، فإذا نقص منها شيئًا نزعه.
* * *
[من صفات المؤمن الكامل أن يحب للناس ما يحب لنفسه]:
وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء.
والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أَن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه؛ فقد نقص إيمانه بذلك.
стр. 318
• وقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة: "أَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا" (١).
خرجه الترمذي وابن ماجه (٢).
• وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: "أفضل الإيمان أن تُحبَّ لله، وتُبغضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَك في ذكر الله" قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: "أن تحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك، وتكرهَ لهم ما تكرهُ لِنفْسِكَ، وأن تقول خيرًا أو تصمت" (٣).
* * *
[من ثمرات هذه القيمة: دخول الجنة]:
وقد رتب النبي ﷺ دخول الجنة على هذه الخصلة.
• ففي مسند الإمام أحمد ﵀ عن يزيد بن أسد القشري قال: قال لي رسول الله ﷺ "أتحب الجنة؟ " [قال] قلت: نعم. قال: "فأَحِبَّ لأخيك ما تحبُّ لِنَفْسِكَ" (٤).
[والبعد عن النار]:
• وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "مَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجنَّة؛ فلتُدْرِكُه مَنِيَّتُّهُ وهو يؤمن بالله والَيْومِ الآخر، ويأتِي إلى النَّاس الذي يُحِب أنْ يُؤتَى إليْه" (٥).
* * *
стр. 319
[النصح للمسلمين]:
وفيه أيضًا عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ :
"يَا أبا ذَرَّ! إنِّي أرَاكَ ضعيفًا؛ وإنِّي أُحب لَكَ مَا أُحِب لِنَفْسي؛ لا تأَمَّرَنَّ على اثنَين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم" (١).
وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه؛ وهو ﷺ يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أُمور الناس؛ لأَن الله قَوَّاه على ذلك، وأمرهُ بدعاءِ الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم.
* * *
وقد رُوي عن علي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ :
"إنّي أَرْضَى لَكَ مَا أرْضَى لِنَفْسِي، وَأكْرَهُ لَكَ مَا أكْرهُ لنَفْسِي، لا تقرأ القُرآنَ وأنتَ جُنُبُ، ولا وأنتَ راكعٌ وَلا وأنت سَاجِد" (٢).
• وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه.
وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه (٣).
стр. 320
وقد (١) ذكرنا فيما تقدم (٢) حديث النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال:
"مَثَلُ المؤمنِينَ في تَوادِّهم وتَعَاطفهِمْ وتراحُمهم مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تَدَاعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر".
خرجاه في الصحيحين.
* * *
[المؤمن مع المؤمن فيما يسوءه وفيما يسره]:
وهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويَحْزُنه ما يحزنه.
وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير.
[مبعث ذلك]:
وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد؛ فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم.
والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.
وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (٣).
[أثر كراهية تفوق الغير بالخير].
وروى ابن جرير (٤) بإسناد فيه نظر عن علي ﵁ قال: