← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

• وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان: نفي بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإن الإيمان كثيرًا ما ينفي لانتقاء بعض أركانه وواجباته كقوله ﷺ : "لا يَزني الزاني حين يَزني وهو مُؤمِنٌ، وَلا يَسرق السارقُ حين يسرق وهو مُؤمِنٌ، ولا يشْرب الخَمرَ حين يشربها وَهُو مؤمن" (١). وقوله: "لا يُؤمِن مَنْ لا يأمَنْ جارُه بَوائِقَهُ" (٢). [رأي العلماء في مرتكب الكبيرة]: وقد اختلف العلماءُ في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان أم لا يسمى مؤمنًا وإنما يقال: هو مسلم وليس بمؤمن؟ على قولين، وهما: روايتان عن الإمام أحمد. * * * [رأي العلماء في مرتكب الصغائر]: فأما من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص

стр. 317

الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك. * * * [أقوال السلف في مرتكب الكبيرة]: والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان: مرويّ عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم. والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن: مروي عن أبي جعفر: محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه اختار عند أهل السنة. • وقال ابن عباس، ﵄: الزاني ينزع منه (١) نور الإيمان. • وقال أبو هريرة: ينزع منه الإيمان، فيكون فوقه كالظُّلَّة فإذا تاب عاد إليه (٢). * * * • وقال عبد الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمان كالقميص: يلبسه الإنسان تارة ويخلعه أُخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره. * * * والمعنى أنه إذا أكمل خصال الإيمان لبسه، فإذا نقص منها شيئًا نزعه. * * * [من صفات المؤمن الكامل أن يحب للناس ما يحب لنفسه]: وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء. والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أَن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه؛ فقد نقص إيمانه بذلك.

стр. 318

• وقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة: "أَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا" (١). خرجه الترمذي وابن ماجه (٢). • وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: "أفضل الإيمان أن تُحبَّ لله، وتُبغضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَك في ذكر الله" قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: "أن تحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك، وتكرهَ لهم ما تكرهُ لِنفْسِكَ، وأن تقول خيرًا أو تصمت" (٣). * * * [من ثمرات هذه القيمة: دخول الجنة]: وقد رتب النبي ﷺ دخول الجنة على هذه الخصلة. • ففي مسند الإمام أحمد ﵀ عن يزيد بن أسد القشري قال: قال لي رسول الله ﷺ "أتحب الجنة؟ " [قال] قلت: نعم. قال: "فأَحِبَّ لأخيك ما تحبُّ لِنَفْسِكَ" (٤). [والبعد عن النار]: • وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "مَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجنَّة؛ فلتُدْرِكُه مَنِيَّتُّهُ وهو يؤمن بالله والَيْومِ الآخر، ويأتِي إلى النَّاس الذي يُحِب أنْ يُؤتَى إليْه" (٥). * * *

стр. 319

[النصح للمسلمين]: وفيه أيضًا عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا أبا ذَرَّ! إنِّي أرَاكَ ضعيفًا؛ وإنِّي أُحب لَكَ مَا أُحِب لِنَفْسي؛ لا تأَمَّرَنَّ على اثنَين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم" (١). وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه؛ وهو ﷺ يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أُمور الناس؛ لأَن الله قَوَّاه على ذلك، وأمرهُ بدعاءِ الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم. * * * وقد رُوي عن علي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "إنّي أَرْضَى لَكَ مَا أرْضَى لِنَفْسِي، وَأكْرَهُ لَكَ مَا أكْرهُ لنَفْسِي، لا تقرأ القُرآنَ وأنتَ جُنُبُ، ولا وأنتَ راكعٌ وَلا وأنت سَاجِد" (٢). • وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه. وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه (٣).

стр. 320

وقد (١) ذكرنا فيما تقدم (٢) حديث النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ المؤمنِينَ في تَوادِّهم وتَعَاطفهِمْ وتراحُمهم مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تَدَاعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر". خرجاه في الصحيحين. * * * [المؤمن مع المؤمن فيما يسوءه وفيما يسره]: وهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويَحْزُنه ما يحزنه. وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير. [مبعث ذلك]: وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد؛ فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم. والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (٣). [أثر كراهية تفوق الغير بالخير]. وروى ابن جرير (٤) بإسناد فيه نظر عن علي ﵁ قال:

стр. 321

إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل (١) صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وكذا روي عن الفضيل بن عياض في هذه الآية قال: "لا يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره، ولا شراكه أجود من شراك غيره". [حب التفوق على الغير بين الفخر والتجمل]. • وقد قيل (٣): إن هذا محمول على أنه أراد الفخر على غيره لا بمجرد التجمل. • قال عكرمة وغيره من المفسرين في هذه الآية: العلوّ في الأرض: التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي. • وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من كره أن يفوقه أحَدٌ من الناس في الجمال (٤). • فخرج الإمام أحمد، ﵀، والحاكم في صحيحه من حديث ابن مسعود، ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ وعنده مالك بن مُرارَة الرَّهاوي فأدركته وهو يقول: يا رسول الله! قد قُسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أحدًا من الناس فَضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو من البغي؟ فقال: "لا! ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِر أو قال سَفِه الحقَّ (٥) وغَمَص (٦) الناس" (٧). • وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ معناه، وفي

стр. 322

حديثه: "الكبر" بدل "البغي" فنفى أن تكون كراهته (١) لأن يفوقه أحد في الجمال بغيًا أو كبرا، وفسر البغي والكبر ببطر الحق، وهو التكبر عليه، والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف هواه (٢). * * * [المؤمن متواضع يقبل الحق ولا يأباه]. • ومن هنا قال بعض السلف: "التواضع: أن تقبل الحق من كل مَن جاءَ به وإن كان صغيرًا". فمن قبل الحق ممن جاء به سواء أكان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء أكان يحبه أو لا يُحبه، فهو متواضع. ومن أبى قبول الحق تعاظمًا عليه فهو متكبر. وغَمْصُ الناس: هو احتقارهم وازدراؤهم، وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص. * * * [حب الناس يدفع إلى إصلاح عيوبهم]. وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه اجتهد في إصلاحه. قال بعض الصالحين من السلف: أهل المحبة لله نظروا بنور الله، وعطفوا على أهل معاصي الله: مقتوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم، وأشفقوا على أبدانهم من النار. * * *

стр. 323

[حب الناس يدفع إلى الغبطة لا الحسد]. ولا يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه. وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها، فإن كانت تلك الفضيلة دينية كان حسنًا. • وقد تمنى النبي ﷺ لنفسه منزلة الشهادة. وقال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقرؤه آناه الليل، وآناء النهار" (١). • وقال (٢) في الذي رأى من ينفق ماله في طاعة الله فقال: لو أن لي مالا لفعلت فيه كما فعل [هذا] فهما في الأجر سواءٌ. وإن كانت دنيوية فلا خير في تمنيها كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٣). * * * وأما قوله : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤) فقد فُسر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما أعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفُسر بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدَرًا كتمني النساء أن يكن رجالا، أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراث والعاقل والشهادة ونحو ذلك. وقيل: إن الآية تشمل ذلك كله. ومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية؛ ولهذا أُمِر أن ينظر في الدين إلى مَن هو فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته كما قال تعالى:

стр. 324

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ولا يكره أن أحدًا يشاركه في ذلك، بل يجب للناس كلهم المنافسة فيه (٢)، ويحثهم على ذلك، وهو من تمام أداء النصيحة للإخوان. * * * [حب المؤمن أن يكون غيره مثله وأحسن منه]. • قال الفضيل: إن كنت تحب أن يكون الناس مثلك فما أديت النصيحة لربك، كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك؟! يشير إلى أن النصيحة لهم: أن يحب أن يكونوا فوقه، وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة في النصح، وليس ذلك بواجب. • وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله، ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد على لحاقه، وحزن على تقصير نفسه، وتخلفه عن لحاق السابقين، لا حسدًا لهم على ما آتاهم الله بل منافسة لهم وغبطة وحزنًا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين. * * * [المؤمن يحاسب نفسه]. • وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها. والنظر إلى نفسه بعين النقص. • وينشأ من هذا أن يجب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه بل هو يجتهد في إصلاحها. * * * • وقد قال محمد بن واسع لابنه: أما أبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله (٣). • فمن كان لا يرضى عن نفسه فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله، مع نصحه لهما؟ بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرًا مما هو

стр. 325

عليه. * * * [ويتحدث بنعمة الله عليه]. • وإن علم المرءُ أن الله قد خصه على غيره بفضل فأخبر به لمصلحة دينية، وكان إخباره على وجه التحدث بالنعم، ويرى نفسه مقصرًا في الشكر كان جائزًا؛ فقد قال ابن مسعود: "ما أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني". ولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به، فقد قال ابن عباس ﵄: إني لأمُرُّ على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم. * * * [ولا يتفاخر بما حباه الله به]. • وقال الشافعي: "وددتُ أن الناس تعلّموا هذا العلم ولم يُنْسَبْ إليّ منه شيء (١) ". * * * [ويسعى في خير غيره]. • وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أعماله: "أخْرِجْ إليّ ماءً أو تمرات أفطر عليها ليكون لك مثلُ أجْرِي (٢) ". * * *

стр. 326

الحديث الرابع عشر عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "لا يَحِل دَم امْرِئ مُسْلم إلا بِإِحْدى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّاركُ لِديِنه الْمُفارِقُ للِجَمَاعَةِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. * * * [تخريج الحديث]. • هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود (١). وفي رواية لمسلم: "التارك للإسلام" بدل قوله: التارك لدينه (٢). وفي هذا المعنى أحاديث متعددة. • فخرج مسلم من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ مثل حديث ابن مسعود (٣). وخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي ﷺ قال: "لا يحِلُّ دَم امرِئ مُسلم إلا بإحدى ثَلاث: رَجُلٌ كَفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفْسًا بغير نفْس" (٤). • وفي رواية للنسائي: رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القوَدُ، أو ارتد بعد إسلامه

стр. 327

فعليه القتلُ (١). وقد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم. * * * [عقوبة الإعدام بخصال ثلاث]. وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم (٢) وفيه أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين. * * * [زنا الثيب]. أما زنا الثيب فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت، وقد رجم النبي ﷺ ماعزا والغامدية (٣) وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم). * * * [ابن عباس يثبت الرجم بالقرآن]. وقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤). قال: فمن كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، ثم تلا هذه الآية، وقال: كان الرجم مما أَخفَوْا. خرجه النسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٥).

стр. 328

[والزهري أيضًا]. ويستنبط أيضا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) وقال الزهري: بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي ﷺ وقال: إني أحكم بما في التوراة وأمر بهما فرجما (٢). * * * • وخرج مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين (٣)، وقال في حديثه: فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٤) وأنزل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) في الكفار كلها. • وخرجه الإمام أحمد وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقولون: ائتوا محمد فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: في اليهود (٦).

стр. 329

• ورُوي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١). وكان الله تعالى قد أمر أولًا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلًا. ثم جعل الله لهن السبيل، ففي صحيح مسلم (٢) عن عبادة عن النبي ﷺ قال: "خُذُوا عَنِّي، خذوا عنِّي: قَدْ جَعَل الله سَبِيلا: الْبِكْر بالْبِكْر جَلْدُ مائة وتغريبُ عام، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم". * * * [بعض العلماء يشدد في حد الزنا]. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء وأوجبوا جلد الثيب مائة، ثم رجمه، كما فعل علي بشُراحة الهَمْدانية (٣) وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . ويشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر، وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضًا (٤). * * * وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد، ﵀، وإسحاق، وهو قول الحسن، وطائفة من السلف. • وقالت طائفة منهم: إن كان الثيبان شيخين جلدا ورجما، وإن كانا شابين رجما بغير جلد؛ لأن ذنب الشيخ أقبح، لا سيما بالزنا، وهذا قول أبيِّ بن كعب. وروي عنه مرفوعًا، ولا يصح رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا. وأما "النفس بالنفس" فمعناه: أن المكلف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدا فإنه يقتل بها، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى:

стр. 330

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٢). [لا قصاص بين والد وولده]. ويستثنى من عموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ صور منها: أن يقتل الوالد ولده. الجمهور على أنه لا يقتل به؛ وصح ذلك عن عمر ﵁، وروي عن النبي ﷺ من وجوه متعددة (٣) وقد تُكُلِّم في أسانيدها. [شروط ذلك]. وقال مالك: إن تعمد قتله تعمدًا لا يشك فيه مثل أن يذبحه فإنه يقتل به وإن حذفه بسيف أو عصا لم يقتل. وقال الْبَتِّي (٤) يقتل بقتله بجميع وجوه العمد للعمومات. * * * [ولا بين حر وعبد والآراء في ذلك]. ومنها: أن يقتل الحر عبدًا. فالأكثرون على أنه لا يقتل به وقد وردت في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال. وقيل: يقتل بعبد غيره دون عبده وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

стр. 331

وقيل: يقتل بعبده وعبد غيره، وهى رواية عن الثوري، وقول طائفة من أهل الحديث. لحديث سمرة عن النبي ﷺ "من قَتل عبدَه قَتلناه، ومَنْ جَدَعه جَدَعْناه" (١). وقد طعن فيه الإمام أحمد (٢) وغيره. وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف وهذا يدل على أن هذا الحديث مطَّرحٌ لا يعمل به، وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾: الأحرار، لأنه ذكر بعد القصاص في الأطراف، وهو يختص بالأحرار. * * * [ولا بين مسلم وكافر والآراء في ذلك]: ومنها: أن يقتل المسلم كافرًا فإن كان حربيًّا لم يُقْتَل به بغير خلاف؛ لأن قتل الحربي مباح بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا. • وفي صحيح البخاري عن علي، عن النبي ﷺ قال: "لا يُقتلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر" (٣). • وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يُقتل بهِ. • وقد روى ربيعة عن ابن (٤) البيلماني عن النبي ﷺ أنه قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته". • وهذا مرسل ضعيف، قد ضعفه الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي،

стр. 332

والجوزجاني، وابن المنذر، والدارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف: لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسل؟. وقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن المنكدر (١) عن ابن البيلماني. وابن أبي يحيى متروك الحديث (٢). وفي مراسيل أبي داود حديث آخر مرسل: أن النبي ﷺ قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلة، وقال: "أنا أولى وأحق من وفى بذمته" (٣). وهذا مذهب مالك، وأهل المدينة: أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم بالكافر، وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا (٤) على تقدير صحته. * * * [المساواة بين الرجل والمرأة في القصاص]. ومنها أن يقتل الرجل والمرأة فيقتل بها بغير خلاف (٥). • وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي ﷺ "أن الرجل يقتل بالمرأة (٦) ". • وصح أنه ﷺ قتل يهوديا قتل جارية (٧). وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء. وروي عن علي أنه يدفع إليهم نصف الدية؛ لأن دية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول طائفة من السلف، وأحمد في رواية عنه. * * * [المرتد يقتل حدًّا]. وأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به: من ترك الإسلام، وارتد عنه، وفارق

стр. 333

جماعة المسلمين، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان (١). وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة، وحكم الإسلام لازم له بعدها، ولهذا يستتاب، ويطلب منه العود إلى الإسلام. وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلافٌ مشهور بين العلماء. وأيضًا فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين، ويدعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين، أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك.

стр. 334

• وفي صحيح البخاري (١) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من بدَّل دينَه فاقتلوه" (٢). [هل يفرق بين الرجل والمرأة في حد الردة؟]. ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء. ومنهم من قال: لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساءُ أهل دار (٣) الحرب في الحرب، وإنما يُقْتَل رجالهم. وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي. والجمهور فرقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام؛ ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني والزَّمِن والأعمى، ولا يُقْتَلون في الحرب. * * * [قبول توبة المرتد]. • وقوله ﷺ : "التَّارك لِدِينه المفَارقُ للجَمَاعة" يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام لا (٤) يقتل؛ لأنه ليس بتاركٍ لدينه بعد رجوعه، ولا مفارقٍ للجماعة. فإن قيل: بل استثناء هذا ممن يُعْصَمُ دَمُه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ولو كان مقرا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المحصَن، وقاتل النفس، وهذا يدل على أن المرتد لا تقبل توبته، كما حكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتد ممن ولد على الإسلام، فإنه لا تقبل توبته. وإنما تقبل توبة من كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتد على قول طائفة من العلماء منهم الليث بن سعد، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق. قيل: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه، كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزاني، وقاتل النفس؛ لأن قتلهما وجب عقوبةً لجريمتهما الماضية ولا يمكن تلافى ذلك.

стр. 335

وأما المرتد؛ فإنما قتل لوصف قائم به في الحال، وهو ترك دينه، ومفارقة الجماعة. فإذا عاد إلى دينه، وإلى موافقته للجماعة فالوصف الذي أبيح به دمه قد انتفى، فتزول إباحة دمه. والله أعلم. * * * • فإن قيل: فقد خرَّج النسائي من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا يَحِل دمُ امرئٍ مُسلم إلا بإحدَى ثلاث خِصال: زَانٍ محصَن يُرجم، ورَجُلٌ قتل [رجلا] (١) متعمدًا فَيُقَتل (٢)، ورجل يخرجُ من الإسلام يحارب (٣) الله [ ] ورسوله، فيقتلُ أو يُصَلَّب أو يُنْفَى من الأرْض" (٤). وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة. • قيل: قد خرج أبو داود حديث عائشة ﵂ بلفظ آخر وهو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَحلُّ دَم امْريءٍ مُسلم يشهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسُولُ الله إلا في (٥) إحدى ثَلاث: رَجُلٌ زَنَى بَعد إحْصَان فإنه يُرجم. ورَجُل خرج مُحاربًا لله ورسوله فإنه يُقْتَل أو يصلب أو ينفى من الأرض. أو يقتل نفسًا فيقتل بها (٦) ". وهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين خُيِّر الإمام فيه مطلقًا، كما يقوله علماء أهل المدينة، مالك وغيره. والرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام: خروجه عن أحكام الإسلام، وقد تحمل على ظاهرها. ويستدل (٧) بذلك من يقول: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب

стр. 336

فُعِل به ما في الآية، ومن حارب من غير ردة أُقِيمتْ عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة. وهذا رواية عن أحمد ﵀ لكنها غير مشهورة عنه. وكذا قالت طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين: منهم أبو قلابة وغيره. وبكل حال فحديث عائشة ﵂ ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا. وحديث ابن مسعود ﵁ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته. * * * [اللواط موجب للحد]. ولكن يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الخصال الثلاث (١). فمنها في اللواط وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" (٢). * * * وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد وقالوا: إنه موجب للقتل بكل حال محصنًا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: "ورجل عمل عمل قوم لوط (٣) ". ومنها: من أتى ذات محرم. وقد روي الأمر بقتله (٤).

стр. 337

[حكم من تزوج بامرأة أبيه]. وروي أن النبي ﷺ قتل من تزوج بامرأة أبيه (١). وأخذ بذلك طائفة من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقًا محصنًا كان أو غير محصن. * * * [حكم الساحر]. ومنها الساحر. • وفي الترمذي من حديث جندُب مرفوعًا: "حدُّ الساحر ضربة بالسَّيفِ" (٢). وذكر أَن الصحيح وقفه على جندَب. وهو مذهب جماعة من العلماء منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ولكن هؤلاء يقولون إنه: يكْفر بسحره فيكون حكمه حكم المرتدين. [حكم من وقع على بهيمة]: ومنها قتل من وقع على بهيمة (٣). وقد ورد في حديث مرفوع (٤) وقال به طائفة من العلماء. * * * [تارك الصلاة]. ومنها: من ترك الصلاة فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس بكافر. وقد سبق ذكر ذلك مستوفى. * * *

стр. 338

[شارب الخمر]. • ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. وقد ورد الأمر به عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁، وغيره. وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبي ﷺ أتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله (١). • وفي صحيح البخاري: أن رجلًا كان يؤتى به النبي ﷺ في الخمر فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله". ولم يقتله بذلك (٢). [السارق] وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة (٣)، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه. * * * [إذا بُويع لخليفتين]. • ومنها ما روي عنه ﷺ أنه قال: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما" (٤). خرجه مسلم من حديث أبي سعيد. وقد ضعَّف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها (٥). * * * • ومنها: قوله ﷺ : "من أتاكُمْ وأمُرُكم جَميعٌ على رجُل وحد فأراد أن يشُقَّ عصاكُم، أو يفرِّقَ جماعَتكم؛ فاقتلوه" (٦).

стр. 339

وفي رواية: "فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان". وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عَرْفَجَة (١). [حكم من شهر السلاح]. • ومنها: من شهر السلاح، فخرج النسائي من حديث ابن الزبير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شَهَر السلاحَ ثم وضعه فدمه هدر" (٢). وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا. وقال البخاري: إنما هو موقوف. وسئل أحمد ﵀ عن معنى هذا الحديث فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق بن راهويه: "إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حل قتله". وهو مذهب الحَرُورِيّة يستعرضون (٣) الرجال والنساء والذرية. * * * وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق: فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلامًا شهَر السيف على مولاه في إمْرَة سعيد بن العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أشار بحديدةٍ [إلى أحد من المسلمين] (٤) يريد قتله فقد وجب دمه" فأخذه مولاه فقتله (٥).

стр. 340

وقال صحيح على شرط الشيخين. * * * وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (١). وفي رواية: "ومن قتل دون دمه فهو شهيد" (٢). * * * فإذا أريد مال المرء أو دمه دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله. وهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد. * * * وذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه أبيح له قتله ابتداءً. ودخل على ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صَلْتًا (٣) فلولا أنهم حالوا بينه وبينه لقتله. وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة قال: "اقتله بأي قِتلة قدرت عليه". وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى (٤) هاربًا من غير جناية، منهم: أبو أيوب السِّخْتيِانِي. * * *

стр. 341

[حرمة البيوت]. • وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت (١) عن النبي ﷺ قال: "الدار حرمك، فمن دخل عليك حرمك فاقتله". ولكن في إسناده ضعف. * * * [حكم الجاسوس]. ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين. وقد توقف فيه أحمد. وأباح قتلَه طائفةٌ من أصحاب مالك، وابنُ عقيل من أصحابنا، ومن المالكية من قال: إن تكرر ذلك منه أبيح قتله. واستدل من أباح قتله بقول النبي ﷺ في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي ﷺ إليهم، ويأمرهم بأخذ حِذْرِهم، فاستأذن عمر في قتله فقال: إنه شهد بدرًا (٢). فلم يقل: إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرًا ومغفرة الله لأهل بدر. وهذا المانع منتف في حق من بعده. * * * [ضارب أبيه]. • ومنها ما خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب (٣) أن النبي ﷺ قال: "من ضرب أباه فاقتلوه".

стр. 342

وروي مسندًا من وجه آخر لا يصح (١). والله أعلم. * * * [درجة الأحاديث المذكورة]. وأعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح، ولا يعرف به قائل معتبر كحديث "من ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث قتل السارق في المرة الخامسة. وباقى النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود؛ وذلك أن حديث ابن مسعود تضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال. إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين. وإما أن يزني وهو محصَن. وإما أن يقتل نفسًا بغير حق. فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرّم، وانتهاك الفرج المحرم. فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها. * * * [حكمة قتل المحصن]. فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في الحديث أنه الزنا بعد الإحصان، وهذا والله أعلم على وجه المثال؛ فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح؛ فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه. * * * [هل يقوم شيء مقام الإحصان؟]. وقد ينتفي شرط الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال إما مطلقًا كاللواط، أو في حق الواطئ: كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا

стр. 343

الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء. والأحاديث دالة على أنه يكون خلفًا عنه ويكتفى به في إباحة الدم (١). * * * [هل تنزل إثارة الفتن منزلة سفك الدم؟]. وأما سفك الدم الحرام فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشقّ العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودلِّ الكفار على عورات المسلمين؟ هذا هو محل النزاع. وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا. * * * [وشهر السلاح]. وكذلك شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابن الزبير، وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك. * * * [وقطع الطريق وبم يباح قتل النفس؟]. وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرَّمة، وقول الله : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) يدل على أنه يباح قَتْل النفس بشيئين: أحدهما بالنفس، والثانى بالفساد في الأرض. ويدخل في الفساد في الأرض: الحراب (٣)، والردة والزنا. فإن ذلك كله فساد في الأرض. وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة. وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر ﵁ على حده ثمانين، وجعلوا (٤) السكر مظنة الافتراء والقذفِ الموجبِ لجلد الثمانين.

стр. 344

ولما قدم وفد "عبد القيس" على النبي ﷺ ، ونهاهم عن الأشْرِبة، والانتباذ في الظروف، قال: "إن أَحَدَكُم ليقوم إلى ابن عمه - يعنى إذا شرب - فيضربه بالسيف" (١). وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي ﷺ . فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم [بالقتل إقامة لمظان القتل] (٢) مقام حقيقته. لكن هل نُسخَ ذلك أم حكمه باق؟ هذا هو محل النزاع. وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه: الإرتداد عن دين الإسلام (٣) ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله ﷺ وهو مقرٌّ بالشهادتين أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دِينَه. * * * [حكم من استهان بالقرآن]. وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يُخرِج من الدين. وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس؟. هذا ينبنى على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟. فمن رآه خروجا عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما.

стр. 345

ومن لم يره خروجًا عن الدين فاختلفوا: هل يلحق بتارك الدين في القتل؛ لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام؛ أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين؟. * * * [حكم الداعي إلى بدعة]. ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع؛ فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخْفَوْا، وإذا دعا إلى ذلك تَغلَّظ جُرمه بإفساد دين الأمة. وقد صح عن النبي ﷺ الأمرُ بقتل الخوارج وَقَتْلُهُمْ (١)، وقد اختلف العلماء في حكمهم. فمنهم من قال: هم الكفار فيكون قتلهم لكفرهم. ومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين، وتكفيرهم لهم؛ وهو قول مالك وطائفةٍ من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهاز على جريحهم. ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا. وهو نصٌّ عن أحمد ﵀ وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة. ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم؛ حتى يبدوا بقتال أو بما يبيح قتالهم من سفك دم ونحوه كما روي عن علي ﵁، وهو قول الشافعي وكثيرٍ من أصحابنا. • وقد روى من وجوه متعددة أن النبي ﷺ أمر بقتل رجل كان يصلي وقال: "ولو قتل لكان أول فتنة وآخرها" (٢).

стр. 346

• وفي رواية: "لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال (١). خرجه الإمام أحمد ﵀ وغيره. فيستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن السلمين، ويَحْسِم مادة الفتن. • وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك: جواز قتل الداعي إلى البدعة. فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود ﵁ بهذا التقدير، ولله الحمد. * * * [هذه النصوص محكمة أم منسوخة؟]. وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هنا: إنها منسوخة (٢) بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر من وجهين: أحدهما: أنه لا يُعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية؛ فإن هؤلاء كلَّهم رَوَوْا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. والثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخرا عنه في الصحيح الذي عليه

стр. 347

جمهور العلماء؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، [ودلالة العام عليه: بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص] (١). • وقد روي أن النبي ﷺ أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته، وقال لحِيٍّ من العرب: "إن رسول الله ﷺ أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم" (٢). • وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبَوْا أن يزوجوه وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدّقوه، ونزل على تلك المرأة، وحينئذ فهذا الرجل قد زنى ونَسبَ إباحة ذلك إلى النبي ﷺ وهذا كفر ورِدَّةٌ عن الدين. • وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ أمر عليًّا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده مارية، وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده عليٌّ مجبوبًا تركه (٣). وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهَد إذا فعل ما يؤذي المسلمين انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي ﷺ ؟. وقال بعضهم: بل كان مسلمًا ولكنه نُهي عن ذلك فلم ينته؛ حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي ﷺ وأَذَى النبيِّ ﷺ في فراشه مبيح (٤) للدم، لكن لما ظهرت براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية، فزال السبب المبيح للقتل. [أم كانت خصوصية للنبي ﷺ -؟]. • وقد روي عن الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغَيرُه ليس له ذلك، كأنه يشير إلى أنه ﷺ كان له أن

стр. 348

يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة، لأنه ﷺ معصوم من التعدي والحَيْف. وأما غيره فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمون عليه التعدي (١) بالهوى. قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن حديث أبي بكر: "أكانت (٢) لأحد بعد النبي ﷺ " قال لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاث، والنبي ﷺ كان له ذلك: أن يقتل" (٣). وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أن رجلًا كلم أبا بكر: فأغلظ له، فقال له أبو بَرْزَة: ألا أقتله؟ يا خليفة رسول الله! فقال أبو بكر: "ما كانت لأحد بعد النبي ﷺ " (٤). وعلى هذا يتخرج حديث الأمْر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضًا حديث الأمر بقتل السارق، إن كان صحيحًا، فإن فيه أن النبي ﷺ أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه، فقطعه ثم فعل ذلك أربع مرات، وهو يأمر بقتله، فيراجَع فيه، فَيُقطع حتى قطعت أطرافه الأربع ثم قتل في الخامسة (٥) والله أعلم. * * *

стр. 349

الحديث الخامس عشر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليقُلْ خَيرًا أو لِيَصْمُتْ، وَمَنَ كانَ يُؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كان يُؤمِنُ بالله واليَوم الآخِر، فَلْيُكْرِم ضَيْفَهُ". رواه البخاري ومسلم. * * * [تخريج الحديث]. هذا الحديث خرّجاه من طرق عن أبي هريرة (١) وفي بعض ألفاظها: فلا يؤذي جاره"

стр. 350

وفي بعضها: "فليحسن قرى ضيفه" وفي بعضها: "فليصل رحمه" بدل ذكر الجار. • وخرجاه أيضًا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي (١) عن النبي ﷺ . • وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ﷺ من حديث عائشة (٢)، وابن مسعود (٣)، وعبد الله بن عمرو (٤) وأبي أيوب الأنصاري (٥)، ..............................

стр. 351

وابن عباس (١)، وغيرههم من الصحابة ﵃ (٢). * * * [الإيمان وخصاله]. • فقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان. وقد فسر النبي ﷺ الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة: بالطاعة. • وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات، وترك المحرمات. ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره. وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أَذاه: فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن. * * * [قول الخير من الإِيمان]. أحدها: قول الخير، والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي قال:

стр. 352

قلت: يا رسول الله! أَوصني. قال: "هَلْ تملك لسانَكَ؟ " قلت: ما أملِكُ إذا لم أملك لِساني؟. قال: "فهل تَمْلِكُ يَدَكَ "؟ قلت: فما أملِكُ إذا لم أَملِك يدِي؟. قال: "فلا تَقُلْ بلسَانكَ إلا معْرُوفًا، ولا تبْسطْ يَدك إلا إلى خير (١) ". * * * [استقامة اللسان من الإِيمان]. وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإِيمان، كما في المسند عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يستَقيمُ إيمانُ عبد حتَّى يستقيمَ قلبُه ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانه" (٢). • وخرّج الطبراني من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يبلغُ عَبْدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتى يخْزُنَ مِنْ لسانِه" (٣). [فضيلة الصمت عما عدا الخير]. • وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل عن النبي، ﷺ قال:

стр. 353

"إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك" (١). وفي مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "مَنَ صَمَتَ نَجَا" (٢). * * * • وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الرجُلَ ليتكَلَّم بالكَلِمة ما يتبيّن مَا فيها يَزِلُّ بها في النارِ أبعدَ مِمَّا بَيْن المشْرِق والمغْرِب (٣) ". • وخرج الإِمام أحمد والترمذي (٤) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:

стр. 354

"إن الرجلَ ليتكَلَّم بالكَلِمَة لا يَرى بهَا بأَسًا يَهْوِي بها سَبْعين خريفًا في النَّار". • وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الرجُل ليتكَلَّم بالكَلمةِ مِنْ رضْوان الله لا يُلْقِى لها بالًا يرفَعُهُ الله بها درجات، وإنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة مِنْ سُخْط الله لا يلقِى لَها بالًا يهوي بِها في جهنم" (١). • وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان (٢) بن سحيم عن أمه قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الرجل ليدْنُو من الجنَّةِ حَتَّى مَا يكون بينَه وبينَها إلا ذراع فيتكلم بالكلِمة فَيَتَبَاعَدُ منها أَبعدَ من صَنْعاء" (٣). • وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارث قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أحدَكم لَيتكلم بالكَلمة من رضْوان الله ما يظن أن تبْلغ ما بلغت فيَكْتُب الله له بها رضْوانه إلى يَوم يلقاه، وإنّ أحَدَكم لَيتكلَّم بالكَلمة من سُخْط الله ما يَظنّ أن تبلغ

стр. 355

مَا بلغت فيَكْتبُ الله عليه بها سَخَطَه إلى يَوم يلقاه" (١). وقد ذكرنا فيما سبق (٢) حديث أم حبيبة عن النبي ﷺ قال: "كلامُ ابن آدم عَلَيه لا له إلا الأمرَ بالمعْرُوف والنهيَ عَنِ المنكر وذكرَ الله (٣) ". [الكلام إما خير وإما غير خير]. فقوله ﷺ : "فليقل خيرًا أو لِيَصْمُت". أمرٌ بقول الخير، وبالصمت عما عداه. وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قولُه، والصمتُ عنه، بل إما أن يكون خيرًا، فيكونَ مأْمورًا بقوله، وإما أن يكون غيرَ خير، فيكونَ مأمورًا بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا. * * * [فهو إما لك وإما عليك]. وخرج ابن أبي الدنيا حديث معاذ بن جبل ولفظه: أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ! ثَكلتْكَ أُمُّك، وهل تَقولُ شيئًا إلا وهُوَ لَكَ أَو عَلَيك (٤)؟ ". * * * [مسئولية الكلمة]. وقد قال الله تعالى ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
следующие страницы →