[النهي عن الإقامة المحرجة]:
وقوله ﷺ : "لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه"، يعني يقيم عنده حتى يضيق عليه لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟.
فأما فيما ليس بواجب فلا شك في تحريمه.
وأما فيما هو واجب - وهو اليوم والليلة - فينبني على أنه هل تجب الضيافة على مَنْ لا يجد شيئًا أم لا تحب إلا على من وجد ما يُضيِّف به؟.
فإن قيل (١) لا تجب إلا على من يجد ما يُضَيّف به، وهو قول طائفة من أهل الحديث، منهم، حُميد بن زنجويه، لم يَحِلّ للمضَيِّف (٢) أن يستضيف من هو عاجز عن ضيافته.
* * *
[النهي عن التكلف للضيف]:
وقد روي من حديث سلمان قال:
نهانا رسول الله ﷺ أن نتكلّف للضيف ما ليس عندنا (٣).
فإذا نُهِي المضيف أَن يتكلف للضيف ما ليس عنده، دل على أَنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عندهُ، فإذا لم يكن عندد فضل لم يلزمه شيء.
* * *
[فضل إيثار الضيف]:
وأما إذا آثر على نفسه كما فعل الأنصاري الذي نزل فيه:
стр. 387
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
فذلك مقام فضل وإحسان، وليس بواجب.
ولو علم الضيف أنهم لا يضيِّفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يَتأَذُّون بذلك، لم يَجُز له استضافتهم حينئذٍ، عملًا بقوله ﷺ : "لا يحل له أن يُقِيم عنده حتّى يُحْرجَه" (٢).
[على من تجب الضيافة؟]:
• وأيضًا فالضيافة نفقة واجبة، ولا تجب إلا على مَن عنده فضل عن قُوته، وقُوت عياله، كنفقة الأقارب، وزكاة الفطر.
• وقد أَنكر الخطابي تفسير تَأَثُّمه بأن يقيم عنده ولا شيء له يَقْريه به، وقال: أراه غلطًا. وكيف يأَثم في ذلك وهو لا يتسع لقِراه، ولا يجد سبيلًا إليه؟ وإنما الكُلْفة على قدر الطاقة. قال: وإنما وجه الحديث أنه كُره له المقام عنده بعد ثلاث؛ لئلا يضيق صدره بمكانه، فتكونَ الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى؛ فيبطل أجره.
وهذا الذي قاله: فيه نظر؛ فإنه قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره. وإنما وجهه إنه إذا أقام عنده ولا شيء له يَقْريه به (٣) فربما دعاه ضيقُ صدره به وحَرَجُه إلى ما يأْثم به في قول أو فعل. وليس المراد أنه يأْثم بترك قِراه مع عجزه عنه. والله أعلم.
* * *
стр. 388
الحديث السادس عشر
عَنْ أَبي هُرَيْرَهَّ رَضيَ الله (تَعَالَى) عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قالَ للنَّبي ﷺ :
أَوْصِني. قالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مرارًا، قال: "لَا تَغْضَبْ". رَواهُ الْبُخَاريُّ (١).
[تخريج الحديث]:
* هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي حَصِين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، ولم يخرّجه مسلم؛ لأن الأَعمش رواه عن أَبي صالح، واختُلف عليه في إسناده؛ فقيل: عنه، عنِ أبي صالح عن أَبي هريرة، كقول أبي حَصِين، وقيل: عنه، عن أَبي صالح، عن أبي سعيد الخدري. وعند يحيى بن معين أَن هذا هو الصحيح. وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أَبي هريرة وأبي سعيد. وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أَبي هريرة أو جابر. وقيل عنه، عن أبي صالح، عن رجل من الصحابة غيرِ مسمى.
* وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي حَصين أَيضًا ولفظه: "جاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! عَلِّمْني شيئًا ولا تُكثر عليّ لعلِّي أَعِيه. قال: "لا تغضب". فردّد ذلك مرارًا. كلّ ذلك يقول: "لا تغضب" (٢).
* وفي رواية أُخرى لغير الترمذي، قال: قلت: يا رسول الله! دُلَّني على عمل يُدخِلني الجنة ولا تُكْثر عليّ. قال: "لا تغضب" (٣).
стр. 389
[طلبَ الرجل وصيةً جامعة]:
* فهذا الرجل طلب من النبي ﷺ أن يُوصِيَه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير ليحفظها عنه؛ خشية أَن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي ﷺ أَن لا يغضب، ثم ردّد هذه المسأَلة عليه مرارًا والنبي ﷺ يردِّد عليه هذا الجواب.
* فهذا يدل على أَن الغضب جِمَاعُ الشر، وأَن التحرّز منه جماع الخير.
[من السائل؟]:
ولعل هذا الرجل الذي سأَل النبي ﷺ هو أَبو الدرداء.
فقد خرج الطبراني من حديث أَبي الدرداءِ قال: قُلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: " لا تغضب ولك الجنة" (١).
* وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه جَاريَة (٢) بن قدامة: أن رجلًا قال: يا رسول الله! قل لي قولًا وأَقلل عليّ لعلي أعقله. قال: "لا تغضب" فأَعاده عليه مرارًا.
كلُ ذلك يقول: "لا تغضب".
* خرجه الإِمام أَحمد (٣).
* وفي رواية له أن جَارية بن قدامة قال: سألت النبي ﷺ . فذكره.
* فهذا يغلب على الظن أَن السائل هو جارية بن قدامة، ولكن ذكر الإمام أحمد
стр. 390
عن يحيى القطان: أَنه قال: هكذا قال هشام. يعني: أن هشامًا ذكر في الحديث أن جاريهّ سأل النبي ﷺ قال يحيى: وهم يقولون: إنه لم يدرك النبي ﷺ ، وكذا قال العجلي وغيره: "إنه تابعي وليس بصحابى" (١).
* وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أَصحاب النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله أَوصني. قال: "لا تغضب". قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال؛ فإذا الغضبُ يَجْمَعُ الشَّر كلَّه (٢).
* ورواه مالك في الموَّطأ عن الزهري، عن حُميد مرسلًا (٣).
* وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أَنه سأل النبي ﷺ ماذا يباعدني من غضب الله ؟ قال: "لا تغضب" (٤).
[الغضب جماع الشر]:
* وقول الصحابي: " ففكرت فيما قال النبي ﷺ فإذا الغضب يجمع الشر كله": يشهد لما ذكرناه: أن الغضب جماع الشر كله (٥).
* قال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر.
* وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حُسْن الخلق في كلمة؟ قال: "تَرْك الغضب".
* وكذا فسر الإمام أَحمد وِإسحاق بن راهويه حصن الخلق بترك الغضب.
стр. 391
وقد روي ذلك مرفوعًا؛ خرجه محمد بن نصر المروزي، في كتاب الصلاة من حديث أَبي العلاءِ بن الشِّخِّير (١):
أَن رجلًا أَتى النبي ﷺ من قِبَل وجهه فقال: يا رسول الله! أَيُّ العمل أَفضل؟ فقال: "حسنُ الخلق" ثم أتاه عن يمينه فقال يا رسول الله! أَيُّ العمل أفضل؟ فقال: "حسن الخلق "، ثم أتاه عن شِمَالِه فقال: يا رسول الله! أَيُّ العمل أَفضل؟ قال: "حُسْنُ الخلق". ثم أَتاه من بعده - يعني من خلفه - فقال: يا رسول الله أي العمل أَفضل؟ فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال: "مالك لا تفقه؟ حُسُن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت".
وهذا مرسل.
[معنى قوله لا تغضب]:
* فقوله ﷺ لمن استوصاه: "لا تغضب" يحتمل أَمرين:
* أَحدهما: أَن يكون مرادُه الأَمرَ بالأَسباب التي توجب حسنَ الخلق، من الكرم والسخاء، والحلم، والحياء، والتواضع، والاحتمال، وكف الأَذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، وِالطلاقة، والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإن النَّفْسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة، أَوجبت لها ذلك دفع الغضب عند حصول أَسبابه.
* والثاني: أن يكون المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأْمر به؛ فإن الغضب إذا ملك ابنَ (٢) آدم كان كالآمِر الناهي له؛ ولهذا المعنى قال الله : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٣) فإِذا لم يمتثل الإنسان ما يأْمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب، وربما سكنَ غضبه، وذهب عاجلًا، وكأَنه حينئذ لم يغضب!.
стр. 392
[الدليل على ذلك].
* وإِلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. (١) وبقوله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
[السنة في علاج الغضب]:
* وكان النبي ﷺ يأْمر من غضب بتعاطي أَسباب تدفع عنه الغضب وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسه عند غضبه؛ ففي الصحيحين عن سليمان بن صُرَد قال:
استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جُلوس، وأحدهما يَسُبُّ صاحبه مغْضَبًا قد احمرَّ وجهُه فقال النبي ﷺ : "إني لأَعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجِد؛ لو قال: أَعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقالوا للرجل: أَلا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟ قال: إني لست بمَجْنون (٣).
* وخرج الإِمام أَحمد والترمذي من حديث أَبي سعيد الخدري أَن النبي ﷺ قال في خطبته:
"أَلا إن الغضَبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم، أَفما رأيتم إلى حُمْرةِ عينيه، وانتفاخ أوداجِه؟ فمن أَحَسَّ من ذلك شيئًا فليلْزقْ بالأَرض" (٤).
стр. 393
وخرج الإِمام أحمد وأَبو داود من حديث أَبي ذر أنّ النبي ﷺ قال:
"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإِن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضْطَجع" (١).
* وقد قيل: إن المعنى في هذا: أَن القائم متهيِّئٌ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع أَبعد عنه؛ فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام.
* ويشهد لذلك أنه روى من حديث سنان بن سعد عن أنس عن النبي ﷺ ، ومن حديث الحسن مرسلًا عن النبي ﷺ : "فإن الغضب جمرة في قلب الإنسان تُوقد، ألا ترى إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فإذا أحسَّ أحدكم من ذلك شيئًا فلْيجلس ولا يَعْدُوَنَّه الغَضَب".
* والمراد أَنه يحبسه في نفسه ولا يعدِّيه إِلى غيره بالأَذى بالفعل.
* ولهذا المعنى قال النبي ﷺ في الفتن:
"إن المضطجع فيها خيرٌ من القاعد، والقاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي" (٢).
وإن كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن، إِلا أَن المعنى: أَن من كان أَقرب إِلى الإِسراع فيها، فهو شر ممن كان أبعدَ عن ذلك.
* وخرج الإِمام أَحمد (٣) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إذا غضبَ أَحَدُكم فليسكتَ؛ قالها ثلاثًا".
* وهذا أيضًا دواءٌ عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يَصْدُرُ منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا، من السباب وغيري مما يَعظُم ضرره، فإِذا سكت زال هذا الشر كله عنه.
стр. 394
[من الآثار في علاج الغضب]:
* وما أَحسن قولَ موَرِّق العجلي ﵀: "ما امتلأتُ غَيظًا قط، ولا تكلمتُ في غضبٍ قطُّ بما أَندمُ عليه إِذا رضيتُ".
وغضب يومًا عمر بن عبد العزيز فقال له ابنه عبد اللك، رحمهما الله: "أنت يا أمير المؤمنين! مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضب هذا الغضب؟ " فقال له: أَو ما تخضب يا عبد الملك؟ فقال عبد اللك: "وما يُغنْي عنِّي سَعَة جَوْفى إذا لم أرَدّد فيه الغضب حتى لا يظهر؟! ".
فهؤلاءِ قوم ملكوا أَنفسهم عند الغضب. ﵃.
* وخرج الإمام أَحمد وأَبو داود منِ حديث عروة بن محمد السعدي أَنه كلَّمه رجل فأَغضبه، فقام فتوضأَ، ثم قال: حدثني أبي، عن جدي عطية، قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن الغضب من الشيطان، وإن الشَّيْطَانَ خُلِق من النار، وإِنما تُطْفأُ النار بالماء، فإِذا غَضِب أَحدكم فليتوضأْ" (١).
* وروى أَبو نعيم بإسناده عن أَبي مسلم الخولاني أَنه كلَّم معاوية بشيء وهو على المنبر فغضب ثم نزل فاغتسل ثم عاد إلى المنبر وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن الغضَب من الشيطانِ والشيطان من النار، والماءُ يطفئُ النار، فإِذا غضبَ أَحدُكم فَلْيغتسلْ (٢) ".
* وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليس الشديد بالصُّرعَة إِنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٣).
стр. 395
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ما تعدُّون الصُّرَعَةَ فيكم؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرجال؟ قال: "ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب" (١).
* وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٢) من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي ﷺ قال:
"من كظم غيظًا وهو يستطيع أَن يُنْفِذَهُ دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حَتى يُخَيِّرَهُ في أَي الحور شاءَ".
* وخرج الإمام أَحمد (٣) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
"ما تجرَّع عبد جُرْعةً أفضلَ عند الله [ ] من جُرْعةِ غيظ يكظمها ابتغاءَ وجه الله تعالى".
* ومن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
"ما من جرْعَةٍ أَحبَّ إِلى الله من جُرْعَةِ غيظ يَكْظِمُها عبد. ما كظم عبد لله إِلا ملأَ الله جوفه إِيمانًا" (٤).
стр. 396
* وخرج أَبو داود معناه (١) من رواية بعض الصحابة عن النبي ﷺ ، وقال: "ملأَه الله أَمنًا وإِيمانًا".
[ملك اللسان واليد].
وقال ميمون بن مِهْرَان: جاءَ رجل إِلى سَلْمانَ فقال: يا أبا عبد الله! أوصني قال: لا تغضب. قال: أَمرتني أَن لا أَغضب، وإِنه ليَغْشاني مالا أَملِك؟! قال: فإِن غضبتَ فامْلِك لسانَك ويدَك.
خرجه ابن أَبي الدنيا (٢).
ومِلْكُ لسانه ويده هو الذي أَشار إِليه النبي ﷺ بأَمره لمن غضب أَن يجلس، ويضطجع، وبأَمره له أَن يسكت.
[ملك النفس]:
* قال عمر بن عبد العزيز: "قد أَفلح من عُصِم من الهوى والغضب والطمع! ".
* وقال الحسن: " أَربعٌ من كُنَّ فيه عَصَمه الله من الشيطان وحرّمه على النار: مَن مَلك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب".
وهذه الأَربع التي ذكرها الحسن هي مبدأُ الشر كله.
فإِن الرغبة في الشيء هي: ميل النفس إِليه؛ لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبة في شيء حَمَلته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلًا إليه، وقد يكون كثير منها محرمًا، وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرمًا.
والرهبة: هي الخوف من الشيء، وإِذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعًا له، وقد يكون كثير منها محرّمًا.
стр. 397
والشهوة: هي ميل النفر إلى ما يلائمها وتتلذذ به، وقد تميل كثيرًا إلى ما هو محرم، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، بل وإلى الكفر، والسحر والنفاق، والبدع.
والغضب هو: غليان دم القلب طلبًا لدفع المؤْذِي عند خشية وقوعه، أو طلبًا للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه، وينشأُ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل، والضرب، وأنواع الظلم، والعدوان، وكثير من الأَقوال المحرمة، كالقذف، والسَّبّ، والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجَبَلَة بن الأَيْهَم (١). وكالأَيْمان التي لا يجوز التزامها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندم.
[واجب المؤمن]:
* والواجب (٢) على المؤمن أَن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له (٣)، وربما تناولها بنية صالحة؛ فأُثيب عليها، وأن يكون غضبه دفعًا للأَذى في الدين له أو لغيره (٤)، وانتقامًا ممن عصى الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
[والرسول هو الأسوة]:
* وهذه كانت حالَ النبي ﷺ ؛ فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذَا انتُهكت حرماتُ الله لم يقم لغضبه شيء.
ولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأَة، إلا أن يُجَاهد في سبيل الله.
وخدمه أَنس عشر سنين، فما قال له أُفٍّ قط، ولا قال له لشيء فعلَه: لم فعلتَ كذا؟ ولا لشيء لم يفعلْه: أَلا فعلتَ كذا؟ (٦).
стр. 398
وفي رواية أَنه كان إذا لامه بعض أَهله قال ﷺ : "دعوه فلو قضي شيء كان" (١).
وفي رواية للطبراني قال أَنس: "خدمت رسول الله ﷺ عَشرَ سنين، فما دريت شيئًا قطُّ وافقه، ولا شيئًا خالفه، رضا من الله بما كان (٢).
[خلق الرسول]:
* وسئلت عائشة ﵂ عن خلُق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خُلُقه القرآن" (٣).
стр. 399
يعني (١) أنه كان يتأَدب بآدابه، ويتخلق لأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه،
стр. 400
وما ذمه القرآن كان فيه سَخَطُه.
* وجاءَ في رواية عنها قالت: "كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسَخَطِه" (١).
* وكان ﷺ لشدة حيائه لا يواجه أَحدًا بما يكره، بل تُعرف الكراهةُ في وجهه، كما [في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال] (٢):
كان [النبي ﷺ أَشدّ حياءً من العذراءِ في خدرها، فإذا رأَى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه] (٣).
* ولما بلُّغه ابنُ مسعود قولَ القائل: هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله - شقّ عليه ﷺ ، وتغيّر وجهه وغضب، ولم يزد على أَن قال:
"قد أُوذِيَ موسَى بأَكثر من هذا فصبر" (٤).
стр. 401
وكان ﷺ إذا رأَى أَو سمع ما يكرهه الله، غضب لذلك، وقال فيه، ولم يسكت. وقد دخل بيت عائشة ﵂، فرأَى سِتْرًا فيه تَصَاوير؛ فتلون وجهُه وهَتَكه، وقال:
"إن من أَشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور" (١).
ولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يطيل بالناس صلاته؛ حتى يتأخرَ بعضهم عن الصلاة معه غضب - واشتد غضبه، ووعظ الناسَ، وأَمر بالتخفيف (٢).
стр. 402
* ولما رأَى النُّخامة في قبلة المسجد تغيّظ وحكَّها وقال: "إن أَحدكم إِذا كان في الصلاة فإِن الله حيِالَ وجهه؛ فلا يتنخَّمَنَّ حِيالَ وجهه في الصلاة (١).
стр. 403
[من دعائه ﷺ في ذلك]:
وكان من دعائه ﷺ : "أَسأَلك كلمة الحى في الغضب والرضا" (١).
وهذا عزيز جدًّا، وهو أَن الإنسان لا يقول سوى الحق، سواءٌ غضب أَو رَضِي؛ فإن أَكثر الناس إِذا غضب لا يتوقف فيما يقول.
стр. 404
وخرج الطبراني من حديث أَنس مرفوعًا:
ثلاثٌ من أَخلاق الإيمان: مَنْ إِذا غضب لم يُدخله غضبه في باطل، ومَن إِذا رضي لم يُخرجه رضاه من حق، ومَن إِذا قدَر لم يتَعاطَ ما ليس له" (١).
стр. 405
[التحذير من التفوه بما يوبق في حال الغضب]:
* وقد رُوي عن النبي ﷺ أَنه أَخبر عن رجلين ممن كان قبلنا: كان أحدهما عابدًا، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، وكان العابد يعظه فلا ينتهي، فرآه يومًا على ذنب استعظمه فقال: والله لا يغفر الله لك!؟. فغفر الله للمذنب، وأَحْبَط عمل العابد (١).
وقال أَبو هريرة: لقد تكلَّم بكلمة أوبَقَت دنياه وآخرته.
فكان أَبو هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب وقد خرجه الإمام أحمد وأَبو داود (٢).
стр. 406
فهذا غضب لله، ثم تكلم في حال غضبه لله بما لا يجوز، وحتَّم على الله بما لا يعلم، فأَحبط الله عمله، فكيف بمن تكلم في غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز؟.
[التحذير من اللعن في الغضب]:
* وفي صحيح مسلم عن عمران بن حُصين أَنهم كانوا مع النبي ﷺ في بعض أَسفاره وامرأَة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنَتْها فسمع النبي ﷺ فقال: خذوا متاعها ودعوها (١).
[وقد يوافق ساعة إجابة]:
* وفيه أيضًا عن جابر، قال: سِرْنا مع رسول الله ﷺ في غزوة (٢) ورَجُل من الأَنصار على ناضح (٣) له فتلدَّن عليه بعض التلدن (٤) فقال له (٥) سر لعنك الله.
فقال رسول الله ﷺ : "انزل عنه فلا يصحَبنا مَلْعُون، لا تدْعوا على أَنفسكم، ولا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأَلُ فيها عطاءً فيستجيبَ لكم" (٦).
فهذا كله يدل على أن دعاءَ الغضبان قد يُجاب إذا صادف ساعةَ إِجابة، وأَنه يُنهى عن الدعاء على نفسه، وأهله، وماله، في الغضب.
[معنى آية سورة يونس]:
وأَما ما قاله مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (٧).
قال: هو الواصل لأَهله وولده وماله إِذا غَضِب عليه (٨) قال: اللهم لا تُبارك فيه.
стр. 407
اللهم العنه. يقول: لو عُجل له ذلك لأَهلك من دعا عليه فأَماته (١).
فهذا يدل على أنه يُستجاب جميع ما يدعو به الغضبان على نفسه، أهله وماله. والحديث دل على أَنه قد يستجاب لمصادفته ساعة إِجابة.
[ما روي مما يخالف ذلك]:
وأَما ما روي عن الفُضَيْل بن عياض قال: "ثلاثة لا يُلامون على غضب: الصائم والمريض والمسافر".
* وعن الأحنف بن قيس قال: "يُوحِي الله إلى الحافِظَيْن اللذَيْن مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضَجَره شيئًا".
وعن أَبي عمران الجوني قال: "إِن المريض إِذا جزع فأَذنب قال الملَك الذي على اليمين للملَك الذي على الشمال: لا تكتب (٢) ".
[لا أصل له]:
خرجه ابن أَبي الدنيا - فهذا كله لا يعرف له أصل صحيح من الشرع يدل عليه، والأَحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على خلافه.
[معنى: إذا غضبت فاسكت]:
* وقول النبي ﷺ : "إِذَا غَضبتَ فاسكت" يدل على أَن الغضبان مكلف في حال غضبه بالسكوت؛ فيكون حينئذ مؤاخَذًا بالكلام.
[الغضبان مكلف]:
* وقد صح عن النبي ﷺ أنه أَمر من غضب أَن يتلافى غضبه بما يسكنه من أَقوال وأَفعال (٣).
стр. 408
وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب فكيف يقال: إِنه غير مكلف في حال غضبه بما يصدر منه؟.
* وقال عطاء بن أَبي رباح: "ما أَبكى العلماءَ بكاءٌ آخر العمر مِنْ غضبة يغضبها أَحدهم فَتَهدِم (١) عمل خمسين سنة أَو ستين سنة أَو سبعين سنة. ورب غضبة قد أَقحمت صاحبها مُقْحَمًا ما استقاله".
خرجه ابن أَبي الدنيا.
[ما يؤاخذ به وما لا يؤاخذ]:
" ثم إِن مَن قال من السلف: إِن الغضبان إِذا كان سبب غضبه مباحًا كالمرض والسفر (٢) أو الطَّاعة كالصوم، لا يلام عليه - إِنما مرأده أَنه لا إِثم عليه إِذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيرًا من كلام يوجب تضجُّرًا أو سبًّا ونحوه، كما قال ﷺ :
"إِنما أَنا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضى البَشر، وأَغضب كما يغضَبُ البشَر، فأَيما مُسْلمٍ سَبَبْتُه أَو جَلَدْتُه فاجْعَلْها له كفارة" (٣).
فأَما ما كان من كفر أو ردّة، أَو قتل نفس، أَو أَخذ مال بغير حق، ونحو ذلك - فهذا لا يشك مسلم أَنهم لم يريدوا أَن الغضبان لا يؤاخَذُ به. وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق. وعِتَاقٍ أَو يمين، فإنه يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف.
[من الأمثلة في ذلك]:
وفي مسند الإمام أَحمد عن خوْلةَ بنت ثَعْلَبة (٤): امرأة أَوس بن الصامت أَنها راجعت زوجها، فغضب، فظاهر منها، وكان شيخًا كبيرًا قد ساءَ خلقه، وضجر، وأَنها جاءَت إلى النبي ﷺ ، فجعلت تشكو إِليه ما تَلقى مِن سوءِ خلقه، فأَنزل الله آية الظهار، وأَمره رسول الله ﷺ بكفارة الظهار في قصة طويلة.
وخرجها ابن أَبي حاتم من وجه آخر عن أبي العالية: أَن خويلة غضب زوجها فظاهر منها، فأَتت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، وقالت: إِنه لم يُرد الطلاق، فقال النبي ﷺ :
стр. 409
"ما أُراكِ إِلا حَرُمت عليه" وذكر القصة بطولها. وفي آخرها قال: فحول الله الطلاق، فجعله ظِهارًا؛ فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه.
وكان النبي ﷺ يرى حينئذ أن الظهار طلاق وقد قال: "إِنها حرمت عليه بذلك" يعني لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارًا مكفَرًا ألزمه بالكفارة ولم يلغه.
* وروى مجاهد، عن ابن عباس: أَن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثًا، وأَنا غضبان. فقال: "إِن ابن عباس: لا يستطيع أَن يُحِلَّ لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك، وحرمت عليك امرأَتك؟! ".
خرجه الجوْزجَاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم (١).
[اللغو في الأَيمان]:
وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب "أَحكام القرآن" بإسناد صحيح عن عائشة، ﵂، قالت: اللغو في الأَيمان: ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد (٢) عليه القلب، وأَيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جَدّ من الأَمر في غضب أو غيره لتَفْعَلنَّ أو لتتركن. فذلك عقد الأَيمان فيها الكفارة.
وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (٣).
وهذا من أَصح الأَسانيد.
[لا طلاق في إغلاق]:
وهذا يدل على أن الحديث المروي عنها مرفوعًا: "لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق".
إِما أَنه غير صحيح أَو أَن تفسيره بالغضب غير صحيح (٤).
стр. 410
[فتاوى الصحابة في يمين الغضبان]:
* وقد صح عن غير واحد من الصحابة أَنهم أَفتوا أَن يمين الغضبان منعقدة وفيها الكفارة (١). وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح إسناده.
* وقال الحسن: طلاق السنة: أَن يطلقها واحدة طاهرًا من غير جماع، وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيَض، فإن بَدا لَهُ أَن يراجعها كان أَملكَ بذلك. فإن كان غضبان ففي ثلاث حِيض، أو في (٢) ثلاثة أَشهر - إن كانت لا تحيض - ما يُذهب غضبَه.
* وقال الحسن: لقد بيّن الله لئلا يندم أَحد في طلاق كما أَمره الله.
حرّجه القاضي إِسماعيل.
[كنايات الطلاق في الغضب]:
* وقد جعل كثير من العلماءِ الكنايات مع الغضب كالصريح في أَنه يقع بها الطلاق ظاهرًا، ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق.
* ومنهم من جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأَوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضًا. فكيف يُجعل الغضب مانعًا من وقوع صريح الطلاق؟!.
стр. 411
الحديث السابع عشر
عَن أَبِي يعْلَى: شَدَّاد بْنِ أَوْسٍ رَضِى اللهُ تَعَاَلَى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قال:
"إِنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنْوا الْقِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرحْ ذَبيحَتَهُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ (١).
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأَشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، وتركه البخاري؛ لأنَّه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئًا، وهو شامي ثقة (٢).
* وقد روي نحوه من حديث سمرة عن النبي ﷺ قال: "إِن الله مُحْسِنٌ؛ فأَحسنوا، فإذا قتَل أَحَدُكم فَلْيُكْرِم (٣) مقتولَه، وإذا ذَبَحَ فليُحِدَّ شَفْرَتَه، وليُرحْ ذَبيحَتَهُ".
خرجه ابن عدي (٤).
стр. 412
وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي ﷺ قال: "إِذا حكمتم فاعدلوا، وإِذا قتلتم فأحسنوا؛ فإِن الله مُحْسِنٌ يحب المحسنين" (١).
* * *
[معنى الجملة الأولى]:
* فقوله ﷺ : "إِن الله كتبَ الإِحسان على كل شيء" وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب السير، عن خالد، عن أبي قلابة عن النبي ﷺ :
"إِن الله كتب الإِحسانَ على كل شيء، أو قال: على كل خلق (٢) ".
هكذا خرّجها مرسلة، وبالشك في "كل شيء" أو "كل خلق". وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإِحسان فيكون كل شيء، أو كل مخلوق، هو المكتوب عليه، والمكتوب هو الإحسان.
* وقيل: إن المعنى: أَن الله كتب الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء، أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، فيكون المكتوب عليه غير مذكور، وإنما المذكور المحسَن إِليه، ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافًا لبعضهم. وإنما يعرف استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم، إما شرعًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣) وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٥) أَو فيما هو واقع قدرًا لا محالة كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٦) وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٧) وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (٨).
* وقال النبي ﷺ في قيام شهر رمضان: "إِني خَشِيتُ أَن يُكتَبَ عَليكم" (٩).
стр. 413
وقال:
"أُمِرتُ بالسِّوَاكِ حتى خشيتُ أَن يُكَتب علىَّ" (١).
* وقال:
"كُتِبَ على ابن آدم حَظُّه من الزِّنا؛ فهو مدركٌ ذلك لا مَحَالة" (٢)
[الحديث نص في الإِحسان]:
وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان.
وقد أمر الله تعالى به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣)
وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
стр. 414
[أنواع الأمر بالإحسان]:
وهذا الأَمر بالإِحسان تارة يكون للوجوب، كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإِحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه، على ما سبق ذكره.
* وتارة يكون للندب: كصدقة التطوع ونحوها.
[دلالة الحديث على وجوب الإحسان]:
* وهذا الحديث يدل على وجوب الإِحسان في كل شيء من الأعمال.
[وهو في كل شيء بحسبه]:
لكن إِحسان كل شيء بحسبه؛ فالإِحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها؛ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.
وأما الإِحسان فيها بإِكمال مُسْتحَبّاتها فليس بواجب.
* والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (١) فهذا القدر من (٢) الإِحسان فيها واجب.
* وأَما الإِحسان في الصبر على المقدورات فأن يأَتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسَخُّطٍ ولا جزع.
* والإِحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أَوجب الله عن حقوق ذلك كله.
* والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستِهم: القيامُ بواجبات الولاية كلِّها.
* والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله: إِحسانٌ ليس بواجب.
والإِحسان في فتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إِزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأَسهلها وأوحاها (٣) من غير زيادة في التعذيب. فإنه إيلام لا حاجة إليه.
стр. 415
[الإحسان المقصود في الحديث]:
* وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أَو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال؛ فقال: "إذا قتلتم فأَحسنوا القِتلة، وإِذا ذبحتم فأَحْسِنُوا الذِّبْحة".
والقِتْلة والذِّبحة بالكسر: أي الهيئة. والمعنى: أَحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل.
وهذا يدل على وجوب الإِسراع في إِزهاق النفوس التي يباح إِزهاقها على أَسهل الوجوه.
وقد حَكى ابنُ حزم (١): الإِجماعَ على وجوب الإِحسان في الذِّبحة (٢).
* * *
[أسهل وجوه قتل الآدمي]:
* وأَسهل وجوه قتل الآدمي: ضربُه بالسيف على العنق؛ قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٣) وقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٤).
وقد قيل إنه عَيَّن الموضع الذي يكون الضربُ فيد أسهلَ على المقتول، وهو فوق العظام، ودون الدماغ.
ووصى دُرَيْد بن الصِّمَّة قاتله أَن يقتله كذلك.
* * *
[النهي عن المثلة]:
* وكان النبي ﷺ إذا بعث سرية تغزو في سبيل الله قال لهم: "لا تَمْثُلوا، ولا تقْتُلوا وليدًا" (٥).
стр. 416
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أعَفُّ
стр. 417
الناس قِتلةً: أهل الإيمان به" (١).
• وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين، وسمرة بن جُندَب أَن النبي ﷺ كان ينهى عن المثلة (٢).
стр. 418
• وخرجه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن المثلة (١).
• وخرج الإمام أحمد (٢) من حديث يَعلى بن مُرّة عن النبي ﷺ قال:
"لا تمثلوا بعباد الله" (٣).
стр. 419
• وخرج أيضًا من حديث رجل من الصحابة عن النبي ﷺ قال:
"من مَثَّل بذي روح ثم لم يتب مثَّل الله به يوم القيامة" (١).
* * *
[أنواع القتل المباح]:
• واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين:
стр. 420
[الوجه الأول]
• أن يكون قصاصا فلا يجوز التمثيل (١) فيه بالمقتص منه، بل يقتل كما قَتَل. فإن كان قد مثل بالمقتول فهل يُمثَّل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف؟ فيه قولان مشهوران للعلماء:
• أحدهما أنه يفعل به كما فعل، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وفي الصحيحين عن أنس، قال:
خرجت جارية عليها أوضَاحٌ (٢)، بالمدينة فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ وبها رَمَقٌ، فقال لها رسول الله ﷺ : فلان قتلك؟ فرفعت رأْسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فَخَفَضت رأْسها، فدعا به رسول الله ﷺ ، فَرضَخَ رأسَهُ بين حجَرين.
وفي رواية لهما: فأُخذ فاعترف (٣).
وفي رواية لمسلم: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسها بالحجارة، فأخِذ فأُتِيَ به النبيُّ ﷺ فأمر به أن يُرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات (١).
стр. 424
• والقول الثاني: لا قَود إلا بالسيف، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة ﵁، ورواية عن أحمد.
وعن أَحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فَعَل إلا أَن يكون حرَّقَه بالنار أَو مثَّل به فيقتل السيف؛ للنهي عن المثلة، وعن التحريق بالنار.
نقلها عنه الأثرم.
وقد روي عن النبي ﷺ قال: "لا قَوَد إلا بالسيف".
خرجه ابن ماجه.
وإسناده ضعيف (١).
قال أحمد: يُروى "لا قود إِلا بالسيف" وليس إسناده بجيد.
وحديث أَنس - يعني في قتل اليهودي بالحجارة - أسند منه وأَجود.
* * *
[ماذا لو مثل به ثمَّ قتله؟]:
ولو مثَّل به ثم قتله مثل أَن قَطع أَطرافه ثم قَتَله فهل يُكتفي بقتله أم يُصنع به كما صنَعَ فتقطع أَطرافه ثم يقتل؟ على قولين:
أحدهما: يفعل به كما فعل سواء.
وهو قول أَبي حنيفة، والشافعي وأحمد، في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم.
والثاني: يكتفي بقتله.
وهو قول الثوري، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، ومحمد.
وقال مالك: إن فعل ذلك به على سبيل التمثيل والتعذيب فُعِل به كما فعل، وإن لم يكن على هذا الوجه اكتُفِي بقتله.
* * *
стр. 425
[الوجه الثاني من وجوه القتل المباح]:
• والوجه الثاني: أن يكون القتل للكفر: إما لكفر أصلي أو لردة عن الإسلام؛ فأكثر العلماء على كراهة الممثلة فيه أيضًا وأنَّه يقتل فيه بالسيف.
* * *
[ما روي في جواز التمثيل]:
• وقد روي عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك كما فعله خالد بن الوليد وغيره (١).
• وروي عن أبي بكر ﵁ أنه حرق فجاءَة (٢) بالنار.
• وروي أن أم قرفة (٣) الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق فأَمر بها فشدّت ذؤابتها في أذناب قلُوصين، أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة.
وأَسانيد هذه القصة منقطعة.
• وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (٤) بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله ﷺ وأخبر النبي ﷺ بذلك.
وصح عن علي ﵁ أنه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (٥).
• وقيل: إنه لم يحرقهم وإِنما دخن عليهم حتى ماتوا. وقيل إنه قتلهم ثم حرقهم، ولا يصح ذلك، وروي عنه أنه جيء بمرتد فأمر به فوطيء بالأرجل حتى مات.
• واختار ابن عقيل من أصحابنا جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا تغلَّظ،