← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

وفي رواية لمسلم: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسها بالحجارة، فأخِذ فأُتِيَ به النبيُّ ﷺ فأمر به أن يُرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات (١).

стр. 424

• والقول الثاني: لا قَود إلا بالسيف، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة ﵁، ورواية عن أحمد. وعن أَحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فَعَل إلا أَن يكون حرَّقَه بالنار أَو مثَّل به فيقتل السيف؛ للنهي عن المثلة، وعن التحريق بالنار. نقلها عنه الأثرم. وقد روي عن النبي ﷺ قال: "لا قَوَد إلا بالسيف". خرجه ابن ماجه. وإسناده ضعيف (١). قال أحمد: يُروى "لا قود إِلا بالسيف" وليس إسناده بجيد. وحديث أَنس - يعني في قتل اليهودي بالحجارة - أسند منه وأَجود. * * * [ماذا لو مثل به ثمَّ قتله؟]: ولو مثَّل به ثم قتله مثل أَن قَطع أَطرافه ثم قَتَله فهل يُكتفي بقتله أم يُصنع به كما صنَعَ فتقطع أَطرافه ثم يقتل؟ على قولين: أحدهما: يفعل به كما فعل سواء. وهو قول أَبي حنيفة، والشافعي وأحمد، في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم. والثاني: يكتفي بقتله. وهو قول الثوري، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، ومحمد. وقال مالك: إن فعل ذلك به على سبيل التمثيل والتعذيب فُعِل به كما فعل، وإن لم يكن على هذا الوجه اكتُفِي بقتله. * * *

стр. 425

[الوجه الثاني من وجوه القتل المباح]: • والوجه الثاني: أن يكون القتل للكفر: إما لكفر أصلي أو لردة عن الإسلام؛ فأكثر العلماء على كراهة الممثلة فيه أيضًا وأنَّه يقتل فيه بالسيف. * * * [ما روي في جواز التمثيل]: • وقد روي عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك كما فعله خالد بن الوليد وغيره (١). • وروي عن أبي بكر ﵁ أنه حرق فجاءَة (٢) بالنار. • وروي أن أم قرفة (٣) الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق فأَمر بها فشدّت ذؤابتها في أذناب قلُوصين، أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة. وأَسانيد هذه القصة منقطعة. • وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (٤) بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله ﷺ وأخبر النبي ﷺ بذلك. وصح عن علي ﵁ أنه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (٥). • وقيل: إنه لم يحرقهم وإِنما دخن عليهم حتى ماتوا. وقيل إنه قتلهم ثم حرقهم، ولا يصح ذلك، وروي عنه أنه جيء بمرتد فأمر به فوطيء بالأرجل حتى مات. • واختار ابن عقيل من أصحابنا جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا تغلَّظ،

стр. 426

وحمَل النهي عن المثلة على القتل بالقصاص. • واستدل من أجاز ذلك بحديث العُرَنيّين، وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أَنس: أَن أناسا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فاجتوَوها (١) فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشرَبُوا من أَلبانها وأَبوالها فافعلوا. ففعلوا فصَحُّوا، ثم مالوا على الرِّعاء فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وسَاقوا ذَودَ (٢) رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في أثَرهِم، فأُتي بهم، فقطَّع أيديَهُم وأرجلهم، وشمل (٣) أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا". • وفي رواية. ثم نُبذوا في الشمس حتى ماتوا. وفي رواية: وسُمِرت أعينهم وأُلقوا في الحرة يستسقون فلا يُسقَونَ (٤).

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 430

• وفي رواية للترمذي: قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف (١). • وفي رواية للنسائي: وصلَّبهم (٢). * * * [الآراء فيما عوقبوا به]: • وقد اختلف العُلماءُ في وجه عقوبة هؤلاءِ: فمنهم من قال: من فَعل مثل فِعلهم فارتد وحارب وأَخذ المال - صُنع به كما صنع بهؤلاءِ. • ورُوي هذا عن طائفة منهم أبو قلابة، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: بل (٣)

стр. 431

هذا يدل على جواز التمثيل بمن تغلظت جرائمه في الجملة، وإِنما نهى عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابن عقيل من أَصحابنا. • ومنهم من قال: بل نُسخ ما فُعل بالعُرَنيين بالنهي عن المثلة. • ومنهم من قال: كان قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، ثم نسخ بذلك. وهذا قول جماعة منهم الأَوزاعي وأَبو عبيد (١). ومنهم من قال: بل ما فعله النبي ﷺ بهم إِنما كان بآية المحاربة (٢) ولم ينسخ شيء من ذلك، وقالوا: إِنما قتلهم النبي ﷺ ، وقطع أيديهم لأَنهِم أَخذوا المال، ومن أَخذ المال وقَتل: قُطِعَ وصُلِّب حتما. فيقتل لقتله، وتقطع لاُخذه المال يده ورجله من خلاف، ويصلَّب لجمعه بين الجنايتين، وهما: القتل وأَخذ المال. وهذا قول الحسن ورواية عن أحمد. وإِنما سَمَل أعينهم لاُنهم سَمَلوا أَعين الرعاة. كذا أَخرجه مسلم من حديث أَنس (٣). • وذكر ابن شهاب أَنهم قتلوا الراعي، ومثلوا به. وذكر ابن سعد أَنهم قطعوا يده ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وحينئذ فقد يكون قطعهم وسَمْلُ (٤) أَعينهم، وتعطيشُهم - قصاصا. • وهذا يتخرج على قول من يقول: إِن المحارب إِذا جنى جناية توجب القصاص اسْتُوْفِيَتْ منه قبل قتله، وهو مذهب أَحمد. لكن هل يستوفى منه تحتُّمًا كقتله أَم على وجه القصاص فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه، ولكن رواية الترمذي أَن قطعهم من خلاف يدل على أَن قطعهم للمحاربة، إلا أَن يكونوا قد قطعوا يد الراعي ورجله من خلاف. والله أعلم. * * *

стр. 432

[الإذن في التحريق ثم نسخه]: • وقد روي عن النبي ﷺ أَنه كان أَذن في التحريق بالنار، ثم نهى عنه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إِن وجدتم فلانا وفلانًا - لرجلين من قريش - سماهما - فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني كنت أمرتكم أن تُحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وِإن النار لا يعذب بها إِلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١). وفيه أَيضًا عن ابن عباس أَن النبي ﷺ قال: لا تعذبوا بعذاب الله (٢). • وخرج الإمام أَحمد ﵀ وأَبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ فمررنا بقرية نمل قد أُحرقت فغضب النبي ﷺ وقال: "إنه لا ينبغي لبشر أن يعذِّب بعذاب الله " (٣). • وقد حرق خالد جماعة في الردة. • وروي عن طائفة من الصحابة تحريق مَنْ عِمل عمَل قوم لوط. • وروي عن عليّ أَنه أَشار على أبي بكر أَن يقتله ثم يُحَرقه بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهوية؛ لئلا يكون تعذيبا بالنار. • وفي مسند الإِمام أَحمد أَن عليا لما ضربه ابن مُلْجَم قال: افعلوا به كما أراد رسول

стр. 433

الله ﷺ أَن يفعل برجل أراد قتله، قال: اقتلوه ثم حرقوه (١). • وأَكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام. • وقال إِبراهيم النخعي: تحريق العقرب بالنار مُثْلةٌ. ونهت أُم الدرداءِ عن تحريق البرغوث بالنار. • وقال أَحمد: لا يشوى السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أَهون، لأَنه لادم له. * * * [النهي عن صبر البهائم وأن تتخذ الروح غرضا]: وقد ثبت عن النبي ﷺ أَنه نهى عن صَبْرِ البهائم وهو: أَن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنَّبْل ونحوهِ حتى تموت. • ففي الصحيحين عن أَنس: أَن النبي ﷺ نهى أَن تُصْبَر البهائم (٢). • وفيهما أَيضًا عن ابن عمر: أَنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا؟ إِن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا. • وخرّج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أَنه نهى أَن يتخذ شيء فيه الروح غرضا (٣). والغرض: هو الذى يرمي فيه السهام. • وفي مسند الإمام أَحمد عن أبي هريرة: أَن النبي ﷺ نهى عن الرَّميَّة أَن ترمى الدابة، ثم تؤكل، ولكن تذبح، ثم ليرموا إِن شاءوا (٤).

стр. 434

[الأمر بإحسان الذبح]: • وفي هذا المعنى أَحاديث كثيرة. فلهذا أَمر النبي ﷺ بإحسان القتل والذبح، وأَمر أَن تحد الشفرة، وأن تُراح الذبيحة، يشير إِلى أَن الذَّبْحَ بالآلة الحادة يُريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها. • وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عمر: قال أمر رسول الله ﷺ بحدّ الشفار، وأَن تُوارى عن البهائم، وقال: "إِذا ذبح أَحدكم فليُجْهِز" (١) يعني فليسرع الذبح. [الأمر بالرفق في الذبح]: وقد ورد الأَمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها. • وخرج ابن ماجه من حديث أَبي سعيد الخدري قال: مَرَّ رسول الله ﷺ ، برجل، وهو يجر شاة بأذُنِها فقال رسول الله ﷺ : "دع أُذنها وخذ بسالفتها" (٢). والسالفة: مقدم العنق. • وخرج الخلّال والطبراني من حديث عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رسول الله ﷺ برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها؛ فقال: "أفلا قَبْل هذا؟ أتريد أن تميتها موتتين؟ " (٣). وقد روي عن عكرمة مرسلًا، خرجه عبد الرزاق (٤) وغيره، وفيه زيادة: "هلا حدَدت شفرتك قبل أن تضجعها". • وقال الإمام أَحمد: تُقاد إِلى الذبح قودا رفيقا، وتُوارى السكين عنها، ولا يظهر السكين إِلا عند الذبح. أَمر رسول الله ﷺ بذلك أَن توارى الشفار (٥).

стр. 435

• وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تُبهَم، إنما تعرف ربها، وتعرف أنها تموت. • وقال يروى عن ابن سابط أنه قال: إِن البهائم جبلت على كل شيء إِلا أَنها (١) تعرف ربها، وتخاف الموت. • وقد ورد الأَمرُ بقطع الأَوداج عند الذبحِ كما خرجه أَبو داود من حديث عكرمة عن ابن عباس، وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن شريطة الشيطان (٢). وهي التي تذبح فيقطع الجلد. ولا تفري الأَوداج. • وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وعنده: قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسير ثم يذَرُونها حتى تموت، ولا يقطعون الودَج، فنُهي عن ذلك (٣). • وروى عبد الرزاق في كتابه، عن محمد بن راشد، عن الوَضين بن عطاء قال: إِن جزارًا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت النبي ﷺ ، فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها، فقال لها النبي ﷺ : "أصبري لأمر الله، وأنت يا جزار، فسقها إلى الموت سوقا رفيقا (٤) ". • وبإسناده عن ابن سيرين: أَن عمر رأَى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك قُدْها إلى الموت قودا جميلا (٥). • وروى محمد بن زياد أن ابن عمر رأى قصَّابا يجر شاة فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا فأخرج القصاب شفرته (٦) فقال: ما أسوقها سوقًا جميلًا، وأنا أريد أن أذبحها الساعة. فقال: سقها سوقا جميلا. • وفي مسند الإِمام أَحمد عن معاوية بن قرَّة، عن أَبيه، أَن رجلا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ﷺ ! إِنى لأَذبح الشاة وأَنا أَرحمها فقال النبي ﷺ : والشاة إن رحمتَها

стр. 436

رحِمكَ الله (١). • وقال مطرِّف بن عبد الله: إِن الله ليرحم برحمة العصفور. • وقال نوفٌ (٢) البكالي: إِن رجلا ذبح عِجَّوْلا (٣) بين يدى أُمه فخُبل فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ إِلى الأرض فرحمه، فأَعاده في مكانه، فرد الله إليه قوّته. * * * وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ أَنه نهى أَن تُولَّهَ والدة عن ولدها (٤). وهو عام في بني آدم وغيرهم. وفي سنن أبي داود: أن النبي ﷺ سئل عن الفَرَع فقال: "هو حق وأَن تتركوه حتى يكون بَكْرا ابن مخاض أَو ابْن لبون فُتعطيَه أَرملة أَو تحمل عليه في سبيل الله - خيرٌ من أَن تذبحه فيلصَق لحمه بوبره، وتُكفئَ إِناءَك، وتولِّهَ ناقَتَك (٥) ".

стр. 437

والمعنى أَن ولد الناقة إِذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبه بانقطاع لبن ناقته، ويُكفئَ إِناءَه، وهو المحلب الذي تُحلب فيه الناقة، وتُولَّه الناقة على ولدها؛ بفقدها إياه.

стр. 438

الحديث الثامن عشر عَنْ أبِي ذَرٍّ: جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ وأَبِي عَبْد الرَّحْمنِ: مُعَاذِ بْنِ جَبَل ﵄ أنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قال: "اتقَّ الله حَيْثُما كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخالقِ النَّاس بِخُلُق حَسَنٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَديث حَسَنٌ، وَفي بَعْض النُّسَخ حَسَن (١) صَحيحٌ (٢). * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب (٣)، عن أبي ذر. • وخرجه أَيضًا لهذا الإسناد عن ميمون، عن معاذ، وذكر عن شيخه: محمود بن غيلان أنه قال: حديث أبي ذر أَصح. • فهذا الحديث قد اختلف في إسناده، وقيل فيه: عن حبيب، عن ميمون، أن النبي ﷺ وصى بذلك - مرسلًا - ورجح الدارقطني هذا المرسل. • وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين (٤). • أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب (٥)، ويقال: ابن شبيب لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن المغيرة بن شعبة. • والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لما يصح سماعه من أحد من الصحابة، قال الفلاس: ليس [في شيء] (٦) من روايته [عن الصحابة] (٧): "سمعت" ولم أُخبر أَن أَحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي ﷺ . • وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة.

стр. 439

• وقال أبو داود: لم يدرك عائشة ولم ير عليا. وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى (١). • ورأْيُ (٢) البخاري وشيخِه علي بن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم: أن الحديث لا يتصل إِلا بصحة اللقى. وكلام الإمام أحمد يدل على ذلك، ونص عليه الشافعي في الرسالة (٣) وهذا كله خلاف رأي مسلم ﵀. * * * [روايات أخرى للحديث]: • وقد رُوي عن النبي ﷺ : أنه وصى بهذه الوصية معاذا وأَبا ذر من وجوه أُخر: [رواية البزار]. • فخرج البزار من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيلِ. عن معاذ: أن النبي ﷺ بعثه إلى قوم فقال: يا رسول الله! أَوصني. فقال: "أفش السلام، وابذل الطعام، واستحى من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أهلك، وإذا أسأْت فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت" (٤). [والطبراني والحاكم]: • وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَن معاذ بن جبل أَراد سفرا فقال: يا رسول الله! أَوصني قال: "اعبد الله ولا تشرك به شيئًا". قال يا رسول الله! زدني قال: "إذا أسأت فأحسن، قال: يا رسول الله! زدني: قال: فاستقم، ولتحسن خلقك" (٥). [وأحمد]: • وخرج الإمام أحمد من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي ذر أَن رسول الله

стр. 440

- ﷺ قال له: "أوصيك بتقوى الله في سِرِّ أمْرِكَ، وعلانيته، وإذا أَسَأْتَ فأحِسنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا، وإن سقط سَوْطك، ولا تقبِض أَمانة، ولا تقض بين اثنين" (١). * * * • وخرج أيضًا من وجه آخر عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! "علِّمني عملا يُقرّبُني من الجنة ويباعدني من النار. قال: "إذا عملتَ سيئة فاعْمَلْ حَسَنَةً؛ فإنها عَشْرُ أَمْثَالِها" قال: قلت: يا رسول الله! أَمن الحسنات "لا إله إِلا الله"؟ قال: هي أَحسن الحسنات" (٢). * * * [وابن عبد البر]: وخرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر عن أنس قال: بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن فقال: "يا معاذ! اتق الله، وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة". فقال: قلت: يا سول الله! "لا إله إلا الله" من الحسنات؟ قال: "هي من أكبر (٣) الحسنات". * * * [سياقات أخرى أطول]: وقد رويت وصية النبي ﷺ لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره، بسياق مطوّل، من وجوه فيها ضعف.

стр. 441

• ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه سئل: ما أكثرُ ما يدخلُ الناسَ الجنة؟. قال: "تقوى الله، وحسنُ الخلق". خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه (١). [الوصية بالتقوى وصية جامعة]: • فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله، وحقوق عباده؛ فإن حق الله على عباده: أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية لله للأوّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). [أصل كلمة التقوى]: • وأصل التقوى أَن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه: فتقوى العبد لربه أَن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه - وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.

стр. 442

[معنى التقوى إذا أضيفت إلى اسم الله]: • وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). • وإذا (٣) أُضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سَخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأَخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٥) فهو سبحانه - أهل أَن يُخْشى ويُهاب ويُجَلَّ ويعظَّمَ في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطعوه؛ لما يستحقه من الإِجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش، وشدة البأس. • وفي الترمذي عن أنس عن النبيّ ﷺ في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: قال الله تعالى: "أنا أهل أن أتقى" (٦) فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أَن أَغفر له (٧). * * * [تقوى عقاب الله]: • وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة - كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٩) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١٠) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١١).

стр. 443

[ما الذي يدخل في التقوى؟]: • ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات. • وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات. وهو أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢). [مما أثر في التقوى]: • قال معاذ بن جبل: "ينَادَي يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر. قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأَوثان، وأَخلصوا لله بالعبادة". • وقال ابن عباس: "المتقون: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاءَ به". • وقال الحسن: "المتقون: اتقوا ما حرم الله عليهما (٣)، وأدَّوْا ما افترض الله عليهم". • وقال عمر بن عبد العزيز: "ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: تركُ ما حرَّم الله، وأَداءُ ما افترض الله، فمنَ رُزِق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير". • وقال طَلْق بن حبِيب: "التقوى أَن لعمل بطاعة الله، على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأَن تترك معصية الله، على نور من الله تخاف عقاب الله".

стр. 444

• وعن أبي الدرداء قال: "تمام التقوى أَن يتقي الله العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة؛ وحتى يترك بعض ما يرى أَنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام؛ فإن الله قد بيّن للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١) فلا تحقرنَّ شيئًا من الخير أَن تفعله، ولا شيئًا من الشر أَن تتقيه". • وقال الحسن: " ما زالت التقوى بالتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال؛ مخافة الحرام ". • وقال الثوري: " إنما سموا متقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى ". • وقال موسى بن أعْين: " المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أَن يقعوا في الحرام. فسماهما الله متقين ". • وقد سبق حديث: " لا يبلغ العبد أَن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأْس به؛ حذرا مما به بأْس (٢) ". • وحديث: " من اتقى الشبهات استبرأَ لدينه وعرضه " (٣). • وقال ميمون بن مهران: " المتَّقي أَشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه ". وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٤) قال: (أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر). • وخرجه الحاكم مرفوعًا (٥)، والموقوف أَصح. وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات. ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. * * *

стр. 445

[التقوى واجتناب المحرمات]. وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات؛ كما قال أَبو هريرة وسئل عن التقوى فقال: " هل أَخذتَ طريقًا ذا شوك؟ " قال: " نعم "قال: فكيف صنعت؟ " قال: " إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عَنْه أَو جاوزتُه (١) أَو قصرتُ عنه "قال: " ذاك التقوى!؟ ". * * * [ابن المعتز والتقوى]. وأخذ هذا المعنى ابن المعتزّ (٢) فقال: خَلِّ الذنوبَ صغيرَها … وكبيرَها فهو التُّقَى واصنع كماشٍ فوق أَرْ … ضِ الشَّوْك يَحذَرُ ما يَرى لا تحقرَنَّ صغيرة … إن الجبَالَ مِنَ الحصىَ * * * [أصل التقوى]. وأصل التقوى: أَن يعلم العبد ما يُتَّقى ثم يَتَّقِي. • قال عون بن عبد الله: "تمام التقوى أَن تَبتغي علْم ما لَمْ تَعْلمْ منها إلى ما علمتَ منها". • وذكر معروف الكَرْخي عن بكر بن خُنَيْس، قال: " كيف يكون متقيا من لا يدري ما يُتَّقَى؟ ". ثم قال معروف الكرخي [: إذا كنت لا تحسن تتقي أَكلتَ الربا وإِذا] (٣) كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تغضَّ بصرك، وإذا كنتَ لا تحسن تتقي وضعتَ سيفَك على عاتقك، وقد قال النبي ﷺ لمحمد بن مسلمة: إذا رأَيت أُمتي قد اختلفت فاعمِد

стр. 446

إلى سيفك فاضرب به أُحُدًا (١). ثم (٢) قال معروف: ومجلسي هذا لعلَّه كان ينغي لنا أَن نتقيه، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أَن نتقيه، أليس جاءَ في الحديث أنه فتنة للمتبوع، مذلة للتابع يعني مشي الناس خلف الرجل؟. * * * [وفي الجملة]: وفي الجملة فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله ﷺ لأُمته. [وصية الرسول ﷺ لصحابته بالتقوى]: • وكان ﷺ إذا بعث أَميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا (٣). • ولما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله

стр. 447

وبالسمع والطاعة لأئمتهم. * * * • ولما وعظ الناس قالوا له: " كأنها موعظة مُودِّع فأَوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة " (١). * * * • وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه ابن حبان (٢) وغيره، قلت: يا رسول الله! أوصني قال: " أُوصيكَ بتقوى الله؛ فإنه رأْسُ الأمر كلِّه ". • وخرج الإمام أَحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله! أَوصني، قال: أَوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأْس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإِسلام (٣). • وخرجه غيره ولفظه قال: " عليك بتقوى الله؛ فإنها جِماعُ كلِّ خير " (٤). * * * • وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أَنه سأَل النبي ﷺ قال: يا رسول الله! إِني

стр. 448

سمعت منك حديثا كثيرًا فأَخاف أَن ينسيني أَوله آخره؛ فحدثني بكلمة تكون جماعًا قال: " اتق الله فيما تعلم " (١). [من وصايا السلف بالتقوى]: ولم يزل السلف الصالح يتواصَوْن بها. • وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: "أَما بعد! فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أَهله، وأَن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢). • ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيّة وأول ما قال له: اتق الله يا عمر؟!. • وكتب عمر إلي ابنه عبد الله: أَما بعد! فإني أُوصيك بتقوى الله ؛ فإنه مَن أتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زَاده من نعماه، فاجعل التقوى نُصب عينيك، وجلَاء قلبك. * * * • واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على سرية فقال له: أُوصيك بتقوى الله الذي لا بدّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة. * * * • وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أُوصيك بتقوى الله التي لا يَقْبل غَيرها، ولا يَرْحم إِلا أَهلَها، ولا يُثِيبُ إِلا عليها؛ فإِن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين. • ولما ولي خطب فحَمِد الله، وأَثنى عليه، وقال: أُوصيكم بتقوى الله ؛

стр. 449

فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوي الله خلف. * * * • وقال رجل ليونس بن عبيد: أَوصني، فقال: أُوصيك بتقوى الله والإِحسان؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. • وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله، فمن اتقى الله فلا وحشة عليه. * * * • وقيل لرجل من التابعين عند موته: أَوصنا، فقال: أُوصيكم بخاتمة سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١). * * * • وكتب رجل من السلف إِلى أَخ له: أُوصيك بتقوى الله؛ فإنها أَكرم ما أَسررت، وأَزين مما أَظهرت، وأَفضل ما ادخرت، أَعاننا الله وإِياك عليها، وأَوجب لنا ولك ثوابها. * * * • وكتب رجل منهم إلى أَخ له: " أَوصيك وأَنْفُسَنا بالتقوى، فإنها خير زاد الآخرة والاُولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شَرٍّ مَهْرَبَك؛ ففد تكفل (٢) الله لأهلها بالنجاةِ مما يحذرون، والرزقِ من حيث لا يحتسبون ". • وقال شعبة: " كنتُ إذا أَردتُ الخروجَ قلتُ للحكَم: أَلك حاجة؟ فقال: أوصيك بما أوصى به النبي ﷺ معاذَ بنَ جبل: " اتَّق الله حيثما كنتَ، وأَتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلقٍ حَسَنٍ ". [من دعاء الرسول ﷺ بالتقوى]: • وقد ثبت عن النبي ﷺ أَنه كان يقول في دعائه: " اللهم إِني أسأَلك الهدى

стр. 450

والتقى والعفة والغنى " (١). • وقال أَبو ذر: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ثم قال! يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أَخذوا بها لكفتهم (٢). * * * [معنى الجملة الأولى]: • فقوله ﷺ : " اتق الله حيثما كنت" مراده: في السر والعلانية حيث يراه الناس، وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أَن النبي ﷺ قال له: " أُوصيك بتقوى الله في سر أَمرك وعلانيته " (٣). • وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: " أسأَلك خشيتك في الغيب والشهادة " (٤). • وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات. * * *

стр. 451

• وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أَن النبي ﷺ قال له: " استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أَهلك " (١). • وهذا هو السبب الوجب لخشية الله في السر؛ فإن من علم أَن الله يراه حيث كان، وأنَّه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته - أَوجب له ذلك ترك المعاصي في السر. وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). [من هدى السلف في المراقبة والتقوى]. • كان بعض السلف يقول لأَصحابه: زهَّدنا الله وإِياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة، فعلم أَن الله يراه، فتركه من خشيته. أو كما قال. • وقال الشافعي: " أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجى ويُخاف ". • وكتب ابن السماك الواعظ إلى أَخ له: " أَما بعد! أُوصيك بتقوى الله الذي هو نَجيّك في سريرتك، ورقيبُك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أَنك بعينه، ليس تخرج من سلطانه إِلى سلطان غيره، ولا من مُلْكه إِلى مُلْك غيره؛ فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلكَ، والسلام ". * * * • وقال أبو الجلد: أَوحى الله تعالى إِلى فبي من الأَنبياء: قل لقومك: " ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي؛ وتظهرونها لي؟ إِن كنتم ترون أَني لا أَراكم فأنتم مشركون لي، وإِن كنتم ترون أَني أَراكم فلم تجعلوني أَهونَ الناظرين إليكم؟! ". * * * • وكان وُهيب بن الورد يقول: " خف الله على قدر قدرته عليك، واستحْيِ منه

стр. 452

على قدر قربه منك ". • وقال له رجل: عظني فقال له: " اتق الله أَن يكون أَهون الناظرين إليك؟! ". * * * • وكان بعض السلف يقول: " أتراك ترحم من لم تَقَرَّ عينه بمعصيتك حتَّى علم أَن لا عين تراه غيرك؟ ". * * * • وقال بعضهم: ابنُ آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك من عيْن ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفَت لك معصيته ولم تستحي منه حياءكَ من بعض خلقه - ما أَنت إِلا أَحدُ رجلين: إن كنت ظننت أَنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أَنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أَضعف خلقه لقد اجترأَت عليه (١)؟!. * * * • دخل بعضهم غيضة (٢) ذات شجر فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأَ الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣). * * * • راود بعضهم أعرابية وقال لها: ما يرانا إِلا الكواكب قالت: فأَين مُكَوْكِبُهَا؟!. * * * • رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إِن الله يراكما سترنا الله وإياكما. * * * • وقال الحارث المحاسبي: " المراقبة: عِلمُ القلب بقرب الرب ". • وسئل الجنيد: بِم يستعان على غض البصر؟ قال: " بعلمك أَن نظر الله إِليك أسبق من [نظرك] (٤) إِلى ما تنظره. "

стр. 453

وكان الإمام أحمد يُنْشِد: إِذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقُلْ … خلوتُ ولكن قل عَليّ رقيبُ ولا تحسَبنّ الله يغفلُ ساعةً … ولا أَن ما يَخْفَى عليه يغيبُ وكان ابن السماك يُنْشِد: يا مُدْمِنَ الذَّنب أَما تستحي … والله في الخلوة ثَانِيكَا؟! غرَّكَ من ربك إِمهالهُ … وسَتْرُه طولَ مساويكَا؟! [مقصود الوصية النبوية]: والمقصود أَن النبي ﷺ لما وصى معاذا بتقوى الله سرًّا وعلانية، أرشده إِلى ما يعينه على ذلك، وهو أَن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من قومه. • ومعنى ذلك: أَن يستشعر دائمًا بقلبه قُربَ الله منه، واطلاعه عليه؛ فيستحي من نظره إليه. [امتثال معاذ]: • وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي ﷺ . • وكان عمر قد بعثه على عمل فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته فقال: كان معي ضاغط، يعني من يضَيّقُ عليّ، ويمنعني من أَخذ شيء. • وإنما أَراد معاذ ربَّه ، فظنت امرأته أَن عمر بعث معه رقيبًا فقامت تشكوه إِلى الناس. * * * [الترقي بذلك إِلى التقوى]: • ومن صار له هذا المقام حالا دائمًا أَو غالبا (١) فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأَنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحشَ إلا اللَّمَمَ (٢). * * *

стр. 454

[وجملة القول]: • وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإِيمان، وله تأثير عظيم في إِلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين. • وفي الحديث: " ما أَسرَّ عبد سريرة إلا أَلبسه الله رداءَها علانية: إِن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر " (١). روي هذا الحديث مرفوعًا، وروي عن ابن مسعود من قوله. * * * [من مأثور السلف في هذا]: • وقال أَبو الدرداء: ليتق أَحدكم أَن تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يَشْعُرُ؛ يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله له البُغض في قلوب المؤمنين. • وقال سليمان التيمي: " إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته ". • وقال غيره: " إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إِلى إِخوانه فيَروْن أَثر ذلك عليه ". * * * [من أَعظم الأدلة قراءة الخلق لآثار المعصية]: • وهذا من أَعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار (٢).

стр. 455

[من هو السعيد؟]: فالسعيد من أَصلح ما بينه وبين الله؛ فإِنه مَنْ أَصلح ما بينه وبين الله أَصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامدِ الناس بسخط الله عاد حامدُه من الناس له ذامًّا. * * * •قال أَبو سليمان (١): الخاسرُ من أَبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح مَن هو أقرب إليه من حبل الوريد. [من أعجب ما روي في ذلك]: • ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم فمر ذات يوم فإذا هو بصبيان يلعبون فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، قال: يا رب أَفشيت سري إلى الصبيان. فرجع فجمع ماله كله، قال: يا رب إني أَسيرٌ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأَعتقني. فلما أَصبح تصدق بالمال كله، وأَخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأَوه قال بعضهم لبعض: " اسكتوا فقد جاءَ حبيب العابد ". فبكى وقال: " يا رب! أَنت تذم مرة، وتحمدُ مرة، وكله من عندك ". * * * [وأتبع السيئة الحسنة]: • وقوله ﷺ : " وأتبع السيئة الحسنة تمحها ": لما كان العبد مأْمورًا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أَن يقع منه أَحيانًا تفريط في التقوى إِما بترك بعض المأْمورات، أَو بارتكاب بعض المحظورات، فأَمره (٢) بأَن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أَن يُتبعها بالحسنة؛ قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣). * * *

стр. 456

• وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أَن رجلا أَصاب من امرأة قُبْلةً ثم أَتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فسكت النبي ﷺ ، حتى نزلت هذه الآية؛ فدعاه، فقرأَها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: " بل للناس عامة " (١). * * * [من وصف القرآن للمتقين]: • وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبيُّ ﷺ في هذه الوصية في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢). فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإِحسان إِليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأَذَى. وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي ﷺ لمعاذ. • ثم وصفهم بأنهم: إِذا فَعَلُوا فاحشةً أَو ظلموا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا الله فاسْتغَفرُوا لذنُوبهم، ولم يُصِرُّوا عليها، فدل على أَن المتقين قد يقع منهم أَحيانًا كبائر، وهي الفواحش، وصغائر، وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها يستغفرون، ويتوبون إليه منها. والتوبة هي ترك الإِصرار. • ومعنى قوله ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذكروا عظمته، وشدة بطشه وانتقامه، وما توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال، والاستغفارَ وتركَ الإِصرار. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٣).

стр. 457

[سعة المغفرة]: • وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ قال: " أَذنب (٢) عبد ذنبا فقال: رب! إِني عملتُ ذنبا فاغفر لي. فقال الله: " علم عبدي أَن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي! " ثم أَذنب ذنبًا آخرَ إلى أَن قال في الرابعة: " فليعمل ما شاءَ " (٣). يعني ما دام على هذه الحال كلما أَذنب ذنبا استغفر منه. [نفي الإصرار عن المستغفر]: • وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما أَصرّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (٤). * * * [المغفرة وتكرارها]: • وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر: أَن رجلا أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أَحدنا يذنب؟ قال: " يُكتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه؟ قال: " يُغفر له، ويُتاب عليه " قال: فيعود فيذنب؟ قال: " يُكْتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: " يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملُّ الله حتى تملُّوا " (٥). * * * [عفو الله أكبر]: • وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عائشة، ﵂ قالت: جاءَ حَبيب بن الحارث إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إِني رجل مِقْرافٌ للذنوب؟ قال: " فتب إِلى الله " قال: أَتوب ثم أَعود. قال: " فكلما أَذنبتَ

стр. 458

ذنبا فتُب ". قال: يا رسول الله! إذا تكثُر ذنوبي؟ قال: " فعفو الله أَكثر من ذنوبك يا حبيبُ بنَ الحارث " (١). • وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيف (٢). وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها فوجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله لم يُحسَبها (٣) بشيء حتى يُمحاها. [خياركم كل مُفْتَنٍ توّاب]: • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي ﵁ [أن النبي ﷺ ] قال: " خياركم كل مُفْتَن تواب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور " (٤). • وخرج ابن ماجه (٥) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". • وقيل للحسن: أَلا يستحي أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: " ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار ". • وروى عنه أَنه قال: " ما أرى هذا إلا من أَخلاق المؤمنين ".

стр. 459

يعني أَن المؤمن كلما أَذنب تاب. • وقد روى: " المؤمن مُفتن تواب " (١). • وروى من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: " المؤمن واهٍ راقع فسعيدٌ مَن هَلَك على رَقْعِه " (٢). [من أذنب فليستغفر]: • وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: " من أَحسن منكم فليحمد الله، ومن أَساءَ فليستغفر الله، وليتب؛ فإنه لابد لأَقوام من (٣) أن يعملوا أَعمالا وظفها الله في رقابهم (٤)، وكتبها عليهم ". • وفي رواية أخرى عنه أنه قال: "أيها الناس! من أَلم بذنب فليستغفر الله وليتب؛ فإِن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كلَّ الهلاك في الإصرار علمِها ". [الذنوب من القدر]: • ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدّر عليه من الذنوب كما قال النبي ﷺ : " كُتب على ابن آدم حظُّه من الزنا، فهو مدركٌ ذلك لا محالة " (٥).

стр. 460

[والمخرج]: ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنب، وإن أَصر على الذنب هلك. [الويل لأقماع القول والمصرين]: • وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ارحموا تُرحَمُوا، واغفروا يُغفر لكم، ويل لأَقْماع القول، ويلٌ للمُصرِّين [الذين يصرون] (١) على ما فعلوا وهم يعلمون (٢) ". وفسر أقماع القول بمن كانت أُذناه كالقِمْع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل لشيء من ذلك في أُذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع. * * * [معنى الجملة الثانية في الحديث]: • وقوله ﷺ : " وأَتْبع السيِّئة الحسَنَة " قد يراد بالحسنة: التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير: أَن النبي ﷺ لما بعث معاذا إِلى اليمن قال: " يا معاذ اتق الله ما استطعت، واعمل بقوتك لله ما أَطَقت، واذكر الله عند كل شجرة وحجر، وإن أحدثت ذنبا فأَحدث عنده توبة: إِن سرًّا فسرٌّ، وإن علانيةً فعلانية ". • وخرجه أَبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ (٣).
следующие страницы →