← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

• وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أَن رجلا أَصاب من امرأة قُبْلةً ثم أَتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فسكت النبي ﷺ ، حتى نزلت هذه الآية؛ فدعاه، فقرأَها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: " بل للناس عامة " (١). * * * [من وصف القرآن للمتقين]: • وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبيُّ ﷺ في هذه الوصية في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢). فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإِحسان إِليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأَذَى. وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي ﷺ لمعاذ. • ثم وصفهم بأنهم: إِذا فَعَلُوا فاحشةً أَو ظلموا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا الله فاسْتغَفرُوا لذنُوبهم، ولم يُصِرُّوا عليها، فدل على أَن المتقين قد يقع منهم أَحيانًا كبائر، وهي الفواحش، وصغائر، وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها يستغفرون، ويتوبون إليه منها. والتوبة هي ترك الإِصرار. • ومعنى قوله ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذكروا عظمته، وشدة بطشه وانتقامه، وما توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال، والاستغفارَ وتركَ الإِصرار. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٣).

стр. 457

[سعة المغفرة]: • وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ قال: " أَذنب (٢) عبد ذنبا فقال: رب! إِني عملتُ ذنبا فاغفر لي. فقال الله: " علم عبدي أَن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي! " ثم أَذنب ذنبًا آخرَ إلى أَن قال في الرابعة: " فليعمل ما شاءَ " (٣). يعني ما دام على هذه الحال كلما أَذنب ذنبا استغفر منه. [نفي الإصرار عن المستغفر]: • وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما أَصرّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (٤). * * * [المغفرة وتكرارها]: • وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر: أَن رجلا أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أَحدنا يذنب؟ قال: " يُكتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه؟ قال: " يُغفر له، ويُتاب عليه " قال: فيعود فيذنب؟ قال: " يُكْتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: " يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملُّ الله حتى تملُّوا " (٥). * * * [عفو الله أكبر]: • وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عائشة، ﵂ قالت: جاءَ حَبيب بن الحارث إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إِني رجل مِقْرافٌ للذنوب؟ قال: " فتب إِلى الله " قال: أَتوب ثم أَعود. قال: " فكلما أَذنبتَ

стр. 458

ذنبا فتُب ". قال: يا رسول الله! إذا تكثُر ذنوبي؟ قال: " فعفو الله أَكثر من ذنوبك يا حبيبُ بنَ الحارث " (١). • وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيف (٢). وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها فوجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله لم يُحسَبها (٣) بشيء حتى يُمحاها. [خياركم كل مُفْتَنٍ توّاب]: • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي ﵁ [أن النبي ﷺ ] قال: " خياركم كل مُفْتَن تواب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور " (٤). • وخرج ابن ماجه (٥) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". • وقيل للحسن: أَلا يستحي أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: " ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار ". • وروى عنه أَنه قال: " ما أرى هذا إلا من أَخلاق المؤمنين ".

стр. 459

يعني أَن المؤمن كلما أَذنب تاب. • وقد روى: " المؤمن مُفتن تواب " (١). • وروى من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: " المؤمن واهٍ راقع فسعيدٌ مَن هَلَك على رَقْعِه " (٢). [من أذنب فليستغفر]: • وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: " من أَحسن منكم فليحمد الله، ومن أَساءَ فليستغفر الله، وليتب؛ فإنه لابد لأَقوام من (٣) أن يعملوا أَعمالا وظفها الله في رقابهم (٤)، وكتبها عليهم ". • وفي رواية أخرى عنه أنه قال: "أيها الناس! من أَلم بذنب فليستغفر الله وليتب؛ فإِن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كلَّ الهلاك في الإصرار علمِها ". [الذنوب من القدر]: • ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدّر عليه من الذنوب كما قال النبي ﷺ : " كُتب على ابن آدم حظُّه من الزنا، فهو مدركٌ ذلك لا محالة " (٥).

стр. 460

[والمخرج]: ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنب، وإن أَصر على الذنب هلك. [الويل لأقماع القول والمصرين]: • وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ارحموا تُرحَمُوا، واغفروا يُغفر لكم، ويل لأَقْماع القول، ويلٌ للمُصرِّين [الذين يصرون] (١) على ما فعلوا وهم يعلمون (٢) ". وفسر أقماع القول بمن كانت أُذناه كالقِمْع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل لشيء من ذلك في أُذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع. * * * [معنى الجملة الثانية في الحديث]: • وقوله ﷺ : " وأَتْبع السيِّئة الحسَنَة " قد يراد بالحسنة: التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير: أَن النبي ﷺ لما بعث معاذا إِلى اليمن قال: " يا معاذ اتق الله ما استطعت، واعمل بقوتك لله ما أَطَقت، واذكر الله عند كل شجرة وحجر، وإن أحدثت ذنبا فأَحدث عنده توبة: إِن سرًّا فسرٌّ، وإن علانيةً فعلانية ". • وخرجه أَبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ (٣).

стр. 461

• وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأْت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية فأَحسن حسنة في علانية، لكي تكون هذه بهذه. وهذا يحتمل أنه أَراد بالحسنة: التوبة أَو أَعمَّ منها. [حديث القرآن في التوبة والمغفرة]: • وقد أَخبر الله في كتابه أَن من تاب من ذنبه فإنه يُغفر له ذنبه، أَو يُثاب عليه في مواضع كثيره، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤). وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٥). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦). الآيتين. * * * • قال عبد الرزاق: أَخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: بلغني أَن إِبليس حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا﴾ الآية بكى (٧). [ويروى عن ابن مسعود قال: هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها] (٨). * * *

стр. 462

[هذه الآية منحة إلهية]: • وقال ابن سيرين: " أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لِبَنيِ إسرائيل في كفارات ذنوبهم ". • وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: قال رجل: يا رسول الله! لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ : " اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أَعطاكم الله خير مما أَعطى بني إسرائيل: كانت بنو إِسرائيل إذا أَصاب أَحدُهم الخطيئةَ وجدَها مكتوبةً على بابه وكفارتَها فإِن كفَّرَها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له (١) خزيا في الدنيا والآخرة؛ فما أَعطاكها الله خير مما أَعطى بني إِسرائيل؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) قال: " هو سعة الإسلام، وما جعل لأمة محمد ﷺ من التوبة والكفارة (٤) ". [ما الذي يفاد من هذه النصوص؟ وهل يقطع بقبول التوبة؟]: • وظاهر هذه النصوص يدل على أَن من تاب إلى الله توبة نصوحا، واجتمعت شروط التوبة في حقه - فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول إسلام الكافر إِذا أَسلم إِسلامًا صحيحًا. وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البرِّ يدل على أنه إِجماع. •ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبها تحت المشيئة وإِن تاب، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته. وربما استدل بمثل فوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى

стр. 463

رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١) وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤). والظاهر أن هذا في حق التائب، لأَن الاعتراف يقتضي الندم. وفي حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: " إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " (٥). [والصحيح: القطع بالقبول متى استوفت التوبة شرائطها]: والصحيح قول الأكثرين. • وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع؛ فإن الكريم إذا أَطمع لم يقطع من رجائه المطمع؛ ومن هنا قال ابن عباس: إنَّ " عسى " من الله واجبةٌ. نقله عنه علي بن أبي طلحة (٦). • وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ عسى أيضًا ولم يدل ذلك على أَنه غير مقطوع ول كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٧). وأَما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨) فإِن التائب ممن يشاء أَن يَغفِر

стр. 464

له، كما أَخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه. [معنى آخر للحسنة]: • وقد يراد بالحسنة في قول النبي ﷺ : "أتبع السيئة الحسنة" ما هو أَعم من التوبة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). وقد روى من حديث معاذ أَن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي ﷺ أن يتوضأَ ويصلي (٢). [المغفرة بالطهارة والصلاة]: • وخرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من رجل يُذنِبُ ذنبًا ثم يقوم فيتطهَّرُ ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له.

стр. 465

ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١).

стр. 466

• وفي الصحيحين عن عثمان ﵁ أَنه توضأَ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأَ نحو وضوئي هذا ثم قال: "من توضأَ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبه" (١).

стр. 467

• وفي مسند الإِمام أَحمد عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأَ فأَحسن الوضوءَ، ثم قام فصلَّى ركعتين أَو أَربعا يُحْسِن فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفر الله غفر له" (١). • وفي الصحيحين عن أنس قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءَه رجل فقال: يا رسول الله! إِني أَصبت حدًّا فأَقمه علىّ. قال: ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إِليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأَقم فيَّ كتابَ الله. قال: "أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك. أو قال: حَدَك" (٢).

стр. 468

• وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أُمامة (١). • وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد. وأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢). • وفى الصحيحين عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أَحدكم يَغْتَسِلُ فيه - كل يوم خمسَ مرات هل يبقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء". قال: "فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا" (٣). • وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من توضأَ فأَحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أَظفاره" (٤).

стр. 469

وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إِسباغ الوضوء على المكاره (١) وكثرة الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط (٢) ". * * * [المغفرة بالصوم وقيام رمضان وليلة القدر]: • وفى الصحيحين عن أَبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣).

стр. 470

[المغفرة بالحج]: • وفيهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفْسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه" (١). [المغفرة بالإسلام]: • وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "إن الإِسلامَ يهدِمُ ما كان قبله، وإِن الهجرةَ تهدمُ ما كان قبلَها، وإِن الحجَّ يهدِمُ ما كان قبله" (٢).

стр. 471

[وبصوم عاشوراء وعرفة]: • وفيه من حديث أبى قتادة عن النبي ﷺ قال في صوم عاشوراء: "أَحتسب على الله أَن يكَفِّر السنة التي قبله". وقال في صوم يوم عرفة: "أحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنةَ التى قبله والتى بعده" (١). * * * [وبالحسنات]: • وخرج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ ثم يعمَل الحَسَنَاتِ، كمثل رجل كانت عليه دِرعٌ ضيقة قد خَنَقَتْهُ، ثم عمل حَسَنَةً؛ فانْفكَّتْ حَلْقةٌ ثم عمل حَسَنَةً أُخرى فانفكت [حلقة] أُخرى؛ حتى يخرج إلى الأَرض" (٢). * * * [وذكر الله ]: ومما يكفر الخطايا: ذكر الله . وقد ذكرنا فيما تقدم (٣) أَن النبي ﷺ سئل عن قول: "لا إله إِلا الله" أَمِن الحسنات؟ قال: "هي أَحسن الحسنات". وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قال سبحان الله وبحمده" في يوم مائة مرة حطت [عنه] خطاياه، وإن

стр. 472

كانت مثلَ زَبَد البحر" (١). * * * وفيهما عنه عن النبي ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير" في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أَحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إِلا أَحدٌ عَمِلَ أَفضلَ مِنْ ذَلِكِ" (٢). * * * • وفي المسند وكتاب ابن ماجه عن أُم هانئ عن النبي ﷺ قال:

стр. 473

"لا إِله إِلا الله لا تترك ذنبا، ولا يسبقها عمل" (١). • وخرج الترمذي عن أنس عن النبي ﷺ أَنه مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق فقال: "إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إِله إلا الله، والله أَكبر - لتُسَاقِطُ من ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة" (٢). • وخرجه الإِمام أَحمد بإِسناد صحيح عن أَنس أَن رسول الله ﷺ قال: "إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، تنفُضُ الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها" (٣).

стр. 474

• والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، ويطول الكتاب بذكرها. * * * [من آثار السلف]. • وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أن لسانه لا يفتر عن ذكر الله؟ فقال: "إن ذلك لعَونٌ حَسَن". • وسئل الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة صلاته وتسبيحه تحطّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقال: إن صلي وسبح يريد به ذلك فأرجو؛ قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). • وقال مالك بن دينار: "البكاءُ على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس" (٢). • وقال عطاء: من جلس مجلسا من مجالس الذكر كفر به عشرة مجالس من مجالس الباطل (٣). • وقال شويس العدوي - وكان من قدماء التابعين - إن صاحب اليمين أَمير - أَو قال أَمين - على صاحب الشمال، فإذا عمل ابن آدم سيئة فأَراد صاحب الشمال أَن يكتبها قال له صاحب اليمين: "لا تعجل لعله يعمل حسنة، فإن عمل حسنة أَلقي واحدة بواحدة وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم؟ (٤). • وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأَشعري عن النبي ﷺ قال: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أَعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أَن ينام أَحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد الله أربعا وثلاثين تحميدة،

стр. 475

ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة". هذا غريب ومنكر (١). * * * • وروى وكيع: حدثنا الأعمش، عن أَبي إسحاق، عن أَبِي الأحوص، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: "وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة". • وهذا إشارة منه إلى أَن الحسنة يمحى بها التسع خطيئات ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة فيكتفي به. والله أعلم. * * * [ماذا تكفر الأعمال الصالحة؟]: وقد اختلف الناس في مسألتين، إحداهما: هل تكفر الأَعمال الصالحة الكبائر والصغائر أَم لا تكَفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر. • وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أَنه يكفر الصغائر. • وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أَكبر من ذلك، والصلاة تكفر أَكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي (٢). [ماذا يكفر الكبائر؟]: • وأَما الكبائر فلابد لها من التوبة؛ لأن الله أَمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالما. واتفقت الأُمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدَّى إلا بنية وقصد. ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأَداء بقية أركان الإِسلام - لم يحتج إلى التوبة. وهذا باطل بالإجماع.

стр. 476

وأَيضًا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأَحد ذنب يدخل به النار إذا أتي بالفرائض. وهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل. هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه التمهيد، وحكى إجماع المسلمين على ذلك. واستدل عليه بأحاديث منها: قول النبي ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر". وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة (١) ﵁. [الكبائر لا تكفرها الفرائض]: وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: • أحدهما وحكاه عن جمهور أَهل السنة: أَن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب لم تكفِّر هذه الفرائض شيئًا بالكلية. • والثاني: أَنها تكفر الصغائر مطلقًا ولا تكفر الكبائر وإن وجدت لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها. ورجح هذا القول وحكاه عن الحُذَّاق. • وقوله: "بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها" مراده أَنه إذا أَصر عليها صارت كبيرة فلا (٢) تكفرها الأَعمال. • والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد (٣) حكى عن أبي بكر: عبد العزيز ابن جعفر من أصحابنا مثله. * * * • وفي صحيح مسلم عن عثمان، عن النبي ﷺ قال:

стр. 477

"ما من امرئ مسلم تَحْضُرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحْسِنُ وُضُوءَها، وخشوعَها وركوعَها، إلا كانت كفارةٌ لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ كبيرةٌ، وذلك الدَّهْرَ كلَّه" (١). * * * • وفي مسند الإمام أحمد عن سلمان عن النبي ﷺ قال: "لا يتطهر الرجل - يعني يوم الجمعة - فيحسن طُهُورَهُ ثم يأَتي الجمعة فيُنصِتُ حتى يقضيَ الإمامُ صلاتَهُ إلا كان كفارةً [له] ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجْتُنبت المقْتَلَة" (٢). • وخرج النَّسَائِي وابن حبان والحاكم من حديث أَبي سعيد وأَبي هريرة عن النبي ﷺ قال:

стр. 478

"والذي نفسي بيده ما من عبدٍ يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ويصومُ رمضانَ، ويُخْرجُ الزكاةَ، ويجْتَنِبُ الكبائرَ السَّبْعَ، إلا فُتّحَتْ له أبوابُ الجنة ثم قيل له: ادخُلْ بسلامِ" (١). • وخرج الإمام أَحمد والنسائي من حديث أبي أَيوب عن النبي ﷺ معناه أيضًا (٢). وخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير (٣) عن أبيه عن النبي ﷺ .

стр. 479

ويروي من حديث ابن عمر مرفوعًا: يقول الله : "ابنَ آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة أَغِفْر لك ما بين ذلك إلا الكبائر أَو تتوب منها" (١). * * * • وقال ابن مسعود: "الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر (٢) ". • وقال سلمان: "حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارات لهذه الجراح (٣) ما لم تصب المقتلة". * * * • وقال ابن عمر لرجل: أَتخاف النار أَن تدخلها وتحب الجنةَ أن تدخلَها؟ قال: نعم. قال: "بِرَّ أُمَّكَ فوالله لئن أَلَنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبْت الموجبات". * * * • وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن أجتنب الكبائر، وذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا الكبائر وسددوا وأَبشروا (٤) ". [وقيل إنها تكفر الكبائر]: • وذهب قوم من أَهل الحديث وغيرهم إِلى أن هذه الأَعمال تكفر الكبائر. • ومنهم "ابن حزم الظاهري" وإياه عني ابن عبد البر في كتاب "التمهيد" بالرد عليه، وقال: قد كنت أَرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل،

стр. 480

وخشيت أَن يغترَّ بِه جاهل، فينهمك في الموبقات: اتكالا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة. والله نَسأَله العصمة والتوفيق. * * * [تحليل هذا الاتجاه في كلام بعض المحدثين]: قلت: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أَهل الحديث: في الوضوء ونحوه. ووقع مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يرجى لمن قامها أَن يُغْفَر له جميعُ ذنوبه: كبيرها وصغيرها. فإن كان مرادهم أن من أَتى بفرائض الإسلام وهو مصرٌّ على الكبائر تُغْفرُ له الكبائر قطعًا؛ فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه. وقد سبق قول النبي ﷺ : "من أَساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأَول والآخِر" (١). يعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أَظهر من أَن يحتاج إلى بيان. * * * وإن أَراد هذا القائل أَن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه - كُفّرت ذُنوبُه كلها بذلك، واستدل بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢). وقال: السيئات تشمل الكبائر والصغائر، فكما أَنَّ الصَّغائرَ تكفَّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نية فكذلك الكبائر. وقد يستدل لذلك بأَن الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السيئات. وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتقين. فإِنه فعل الفرائض، واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نية وقصد؛ فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة. [الصحيح في القولين]: • والصحيح قول الجمهور: إِن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدون التوبة؛ لأَن التوبة فرض على

стр. 481

العباد، وقد قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). • وقد فسَّر الصحابة - كعمر، وعلي، وابن مسعود - التوبة بالندم، ومنهم من فسرها بالعزم على أن لا يعود. • وقد روي ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف، لكن لا يُعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا. • وكذلك التابعون ومن بعدهم كعمر بن عبد العزيز والحسن وغيرهما. [معني ترتب المغفرة على التقوى]: وأَما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٤) فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح. ومن جملة ذلك التوبة النَّصوح؛ فمن لم يتب فهو ظالم غير متق. [خصال التقوى منها التوبة]: • وقد بين في سورة آل عمران خصال التقوى التي يَغْفِرُ لأَهلها، ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار؛ فلم يضمن تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، إلا لمن كان على هذه الصفة (٥) والله أعلم. [من أدلة أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة]: • ومما يستدل به على أَن الكبائر لا تكفَّر بدون التوبة منها، أَو العقوبة عليها - حديث عبادة بن الصامت قال: "كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "بايعوني على أَن لا تُشْركوا بالله شيئًا ولا تشرقُوا ولا تَزْنُوا - وقرأ عليهم الآية - فمن وفي منكم فأَجره على الله، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاءَ عَذّبه، وإن شاءَ غَفَر له".

стр. 482

خرجاه في الصحيحين .. [الحدود كفارة]: وفي رواية لمسلم: "من أَتي منكم حدًّا فأُقيم عليه فهو كفَّارته" (١).

стр. 483

وهذا يدل على أن الحدود كفارات. • قال الشافعي ﵁: لم أَسمع في هذا الباب أَن الحد يكون كفارة لأَهله شيئًا أَحسن من حديث عبادة بن الصامت. * * * [معنى قوله: فعوقب به]: وقوله: "فعوقب به" يعم العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدرة أَو غير المقدرة كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والأسقام والآلام (١)؛ فإِنه صح عن النبي ﷺ أَنه قال: "لا يصيب المسلم نَصبٌ ولا وصَبٌ ولا هَمٌّ ولا حَزَنٌ حتى الشوكةِ يُشَاكُها - إِلا

стр. 484

كفَّر الله بها من خطاياه" (١). وروي عن علي ﵁: أَن الحد كفارة لمن أُقيم عليه. [وفي ذلك خلاف]: • وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسأَلة اختلافًا بين الناس، ورجح أَن إِقامة الحد بمجرده كفارة، ووهن القول بخلاف ذلك جدًّا. قلت: وقد روي عن سعيد بن المسيب، وصفوان بن سُلَيم: أَن إِقامة الحد ليس بكفارة ولا بُدَّ معه من التوبة. ورجحه طائفة من المتأَخرين منهِم: البغوي، وأَبو عبد الله بن تيمية في تفسيريهما، وهو قول ابن حزم الظاهري. والأوّل قول مجاهد، وزيد ابن أَسلم، والثوري، وأَحمد. [حديث أبي هريرة: "لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ "]: وأَما حديث أَبي هريرة المرفوع: "لا أدري: الحدود طهارة لأَهلها أَم لا؟ " فقد خرجه الحاكم (٢) وغيره، وأَعَلَّه البخاري (٣)، وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري، وهي ضعيفة، وغلط (٤) عبد الرزاق فوصله (٥). قال: وقد صح عن النبي ﷺ : أَن الحدود كفارة (٦).

стр. 485

[ومن أدلة أن الحد ليس بكفارة]: ومما يَستدل به من قال إن الحد ليس بكفارة قوله تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١). وظاهره أَنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة. [ويجاب عنه]: ويجاب عنه بأَنه ذكر عقوبتهم في (٢) الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما. وأَما استثناءُ من تاب فإِنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة فإِن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل القدرة ولعدها. [ومن أصاب من ذلك شيئًا]: • وقوله ﷺ : "ومن أَصاب شيئًا من ذلك. فستره الله عليه، فهو إِلى الله إِن شاءَ عذبه، وإِن شاءَ غفر له" (٣)، صريحٌ في أَن هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته. وهذا يدل على أَن إِقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها؛ فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من بَايعهم النبي ﷺ . وخرج من ذلك مَن لقي الله وقد تاب عنها، بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إِلى الله تاب الله عليه، وغفر له فبقي من لما يتب داخلًا تحت المشيئة. [ومن أدلة أن الكبائر لا تكفرها الأعمال]: • وأَيضًا فيدل على أَن الكبائر لا تكفّرها الأَعمال: أَن الله لم يجعل للكبائر في الدنيا كفارة واجبة، وإِنما جعل الكفارة للصغائر، ككفارة وطء الظاهر، ووطء المرأة في الحيض، على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام أَحمد وغيره (٤)، وكفارة من

стр. 486

ترك شيئًا من واجبات الحج وارتكب بعض محظوراته، وهي أَربعة أَجناس: هَدْي، وعِتْقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ؛ ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمد عند جمهور العلماءِ، ولا في اليمين الغموس أيضًا عند أَكثرهم، وِإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابًا كما في حديث واثلة بن الأسقع أَنهم جاءوا إلى النبي ﷺ في صاحب لهم قد أَوْجَبَ فقال: "أَعتِقوا عنه رقبة يعتقه الله بها من النار (١) ". ومعنى أَوْجَبَ: عَمل عَمَلًا يجب له به النار، ويقال: إِنه كان قتل قتيلًا. • وفي صحيح مسلم عن ابن عمر: أَنه ضرب عبدًا له فأَعتقه، وقال: ليس لي فيه من الأجر مثل هذا - وأَخذ عودًا من الأرض - إني سمعت النبي ﷺ يقول.

стр. 487

"مَنْ لَطَمَ مَمْلوكَه أَو ضَرَبَهُ فإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعْتِقَهُ" (١). [هل كفارة المجامع في رمضان للفطر وهو من الكبائر؟]: فإن قيل: فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة. والفطرُ في رمضان من الكبائر؟. قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عند الأَكثرين على كل مفطر في رمضان عمدا، وإِنما هي لهتك حرمة نهار رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطرًا فطرًا لا يجوز له في نهار رمضان ثم جامع لزمته الكفارة عند الإِمام أَحمد لما ذكرنا. [الكفارات مختصة بالصغائر]: • ومما يدل على أَن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما خرجه البخاري عن حذيفة قال: بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال: "أَيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال: قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره: تكفرها الصلاة والصدقة والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أَسأَلُكَ (٢).

стр. 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 489

• وخرجه مسلم (١) بمعناه. وظاهر هذا السياق يقتضي رفعه.

стр. 490

• وفي رواية للبخاري أَن حذيفة قال: سمعته يقول: فتنة الرجل، فذكره (١) وهذا كالصريح في رفعه. وفي رواية لمسلم أَن هذا من كلام عمر (٢). وأما قول النبي ﷺ للذي قال له: أَصَبتُ حدًّا فأَقمه عليَّ فتركه حتى صلى ثم قال له: "إِن الله غفر لك حدك" فليس صريحًا في أَن المراد به شيء من الكبائر؛ لأن حدود الله محارمه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣). وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٤). وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). • وفي حديث [النواس بن سمعان] (٦) عن النبي ﷺ في ضرب مثل الإسلام

стр. 491

بالصراط المستقيم الذي على جَنْبَتَيْهِ سوران، قال: والسوران حدود الله. وقد سبق ذكره بتمامه (١) فكل من أَصاب شيئًا من محارم الله فقد أَصاب حدوده، وركبها وتعدي بها. وعلى تقدير أن يكون الحد الذي أَصابه كبيرة فهذا الرجل جاءَ نادما تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر بغير تردد (٢). [ما ورد عن تكفير الكبائر ببعض الأعمال]: وقد روي ما يستدل به على أَن الكبائر تكفَّر ببعض الأَعمال الصالحة. فخرج (٣) الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر ﵄ أَن رجلا أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إِني أَصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أُمّ؟ قال: لا. قال: "هل لك من خالة؟ " قال: نعم. قال: "فبرها". • وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: على شرط الشيخين (٤) لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلًا، وذكر أَن المرسل أَصح من الموصول. وكذا قال

стр. 492

علي بن المديني والدارقطني (١). • وروي عن عمر أن رجلا قال له! قتلتُ نفسا؟ قال: "أُمك حية؟ " قال: لا قال: فأَبوك؟ قال: نعم. قال: "فبره وأَحسن إليه" ثم قال عمر: "لو كانت أُمُّهُ حية فَبَرَّها وأَحسَنَ إليها رجوت أَن لا تَطْعَمُه النار أبدًا". • وعن ابن عباس بمعناه أَيضًا (٢). • وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدُومة الجندل (٣) وقدمت المدينة تسأل عن توبتها فوجدت النبي ﷺ قد توفي فقال لها أصحابه: "لو كان أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك". • خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول ﷺ على أَن الأَبوين يكفيانها (٤).

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 494

وقال مكحول والإِمام أَحمد: بر الوالدين كفارة الكبائر. * وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أَنه يحط الكبائر. وروي مرفوعًا من وجوه لا تصح (١). * وقد صح من رواية أَبي بردة: أَن أَبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني! اذكروا صاحب الرغيف: كان رَجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام، وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتُصدق عليهم برغيف رغيف، فأَعطوه رغيفًا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك أَعطاه الرغيف وأَصبح ميتا. فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال [فرجحت الليالي، ووزن الرغيف بالسبع] (٢) ليال فرجح الرغيف (٣). * وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب "البر والصلة" عن ابن مسعود ﵁ قال: عبد الله رجلٌ سبعين سنة، ثم أَصاب فاحشة فأحبط الله عمله، ثم أَصابته زَمَانَةٌ وأُقْعِدَ فرأَى رجلا يتصدّق على مساكين فجاءَ إليه فأخذ منه رغيفًا فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين سنة. [هل في ذلك دلالة على تكفير الكبائر؟]: * وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل؛ لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أَثر الذنوب بالكلية، فإن الله شرط في قبول التوبة، ومغفرة الذنوب بها: العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٥) وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦).

стр. 495

[من أحوال الخائفين وأقوالهم]. * وفي هذا متعلَّق لمن يقول: إِن التائب بعد التوبة في المشيئة. وكان هذا حالَ كثير من الخائفين من السلف. * وقال بعضهم (١) لرجل: هل أَذنبت ذنبًا؟ قال: نعم. قال: فعلمتَ أَن الله كتبه عليك؟ قال: نعم. قال: فاعمل حتى تعلم أَن الله قد محاه. * ومنه قول ابن مسعود: "إِن المؤمن يرى ذنوبه كأَنه في أصل جبل يخاف أَن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أَنفه فقال به هكذا". خرجه البخاري (٢). * وكانوا يتهمون أَعمالهم وتوباتهم ويخافون أَن لا يكون قد قبل منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصَّالحة (٣). * قال الحسن: أَدركت أَقواما لو أَنفق أحدهم ملء الأَرض ما أَمِنَ؛ لِعظِم الذنب في نفسه. وقال ابن عون: لا تثق لكثرة العمل؛ فإِنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأَمَنْ من ذنوبك؛ فإِنك لا تدري كفِّرت عنك أَم لا؛ لأن عملك مغيب عنك كله. * والأَظهر - والله أَعلم - في هذه المسألة - أَعني مسألة تكفير الكبائر بالأَعمال - أنه (٤) إن أُريد أَن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. * وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له (٥) عنه ثواب فهذا قد يقع. * وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أَعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من الأجر
следующие страницы →