← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بالصراط المستقيم الذي على جَنْبَتَيْهِ سوران، قال: والسوران حدود الله. وقد سبق ذكره بتمامه (١) فكل من أَصاب شيئًا من محارم الله فقد أَصاب حدوده، وركبها وتعدي بها. وعلى تقدير أن يكون الحد الذي أَصابه كبيرة فهذا الرجل جاءَ نادما تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر بغير تردد (٢). [ما ورد عن تكفير الكبائر ببعض الأعمال]: وقد روي ما يستدل به على أَن الكبائر تكفَّر ببعض الأَعمال الصالحة. فخرج (٣) الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر ﵄ أَن رجلا أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إِني أَصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أُمّ؟ قال: لا. قال: "هل لك من خالة؟ " قال: نعم. قال: "فبرها". • وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: على شرط الشيخين (٤) لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلًا، وذكر أَن المرسل أَصح من الموصول. وكذا قال

стр. 492

علي بن المديني والدارقطني (١). • وروي عن عمر أن رجلا قال له! قتلتُ نفسا؟ قال: "أُمك حية؟ " قال: لا قال: فأَبوك؟ قال: نعم. قال: "فبره وأَحسن إليه" ثم قال عمر: "لو كانت أُمُّهُ حية فَبَرَّها وأَحسَنَ إليها رجوت أَن لا تَطْعَمُه النار أبدًا". • وعن ابن عباس بمعناه أَيضًا (٢). • وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدُومة الجندل (٣) وقدمت المدينة تسأل عن توبتها فوجدت النبي ﷺ قد توفي فقال لها أصحابه: "لو كان أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك". • خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول ﷺ على أَن الأَبوين يكفيانها (٤).

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 494

وقال مكحول والإِمام أَحمد: بر الوالدين كفارة الكبائر. * وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أَنه يحط الكبائر. وروي مرفوعًا من وجوه لا تصح (١). * وقد صح من رواية أَبي بردة: أَن أَبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني! اذكروا صاحب الرغيف: كان رَجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام، وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتُصدق عليهم برغيف رغيف، فأَعطوه رغيفًا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك أَعطاه الرغيف وأَصبح ميتا. فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال [فرجحت الليالي، ووزن الرغيف بالسبع] (٢) ليال فرجح الرغيف (٣). * وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب "البر والصلة" عن ابن مسعود ﵁ قال: عبد الله رجلٌ سبعين سنة، ثم أَصاب فاحشة فأحبط الله عمله، ثم أَصابته زَمَانَةٌ وأُقْعِدَ فرأَى رجلا يتصدّق على مساكين فجاءَ إليه فأخذ منه رغيفًا فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين سنة. [هل في ذلك دلالة على تكفير الكبائر؟]: * وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل؛ لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أَثر الذنوب بالكلية، فإن الله شرط في قبول التوبة، ومغفرة الذنوب بها: العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٥) وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦).

стр. 495

[من أحوال الخائفين وأقوالهم]. * وفي هذا متعلَّق لمن يقول: إِن التائب بعد التوبة في المشيئة. وكان هذا حالَ كثير من الخائفين من السلف. * وقال بعضهم (١) لرجل: هل أَذنبت ذنبًا؟ قال: نعم. قال: فعلمتَ أَن الله كتبه عليك؟ قال: نعم. قال: فاعمل حتى تعلم أَن الله قد محاه. * ومنه قول ابن مسعود: "إِن المؤمن يرى ذنوبه كأَنه في أصل جبل يخاف أَن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أَنفه فقال به هكذا". خرجه البخاري (٢). * وكانوا يتهمون أَعمالهم وتوباتهم ويخافون أَن لا يكون قد قبل منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصَّالحة (٣). * قال الحسن: أَدركت أَقواما لو أَنفق أحدهم ملء الأَرض ما أَمِنَ؛ لِعظِم الذنب في نفسه. وقال ابن عون: لا تثق لكثرة العمل؛ فإِنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأَمَنْ من ذنوبك؛ فإِنك لا تدري كفِّرت عنك أَم لا؛ لأن عملك مغيب عنك كله. * والأَظهر - والله أَعلم - في هذه المسألة - أَعني مسألة تكفير الكبائر بالأَعمال - أنه (٤) إن أُريد أَن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل. * وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له (٥) عنه ثواب فهذا قد يقع. * وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أَعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من الأجر

стр. 496

شيء؛ حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر فكيف بما كان من الأعمال مكفرًا للكبائر؟. * وسبق أَيضًا قول من قال [من السلف: إن] (١) السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل. فإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر؟ فإِن بعض الكبائر قد يُحبط بعض الأعمال المنافية (٢) لها كما يبطل المن والأذى: الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا: الجهاد كما قالت عائشة. * وقال حذيفة: قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وروى عنه مرفوعًا، خرجه البزار (٣). * * * * وكما يبُطل تركُ صلاة العصر العملَ فلا يُستنكر أَن يُبْطِل ثوابَ العمل الذي يكفر الكبائر. * * * * وقد خرج البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: * يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقص أو يُقضَى بَعْضُها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة" (٤).

стр. 497

وخرج ابن أَبي حاتم من حديث ابن لهيعة قال: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد ابن جبير في قول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (١) قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أَعطوه فيجيء المسكين، فيستقلون أَن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إِنما نؤجر على ما نُعطِي ونحن نُحبه؟!. * * * * وكان آخرون يرون (٢) أنهم لا يلامون على الذنب اليسير. مثل الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأَشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم الله في القليل من الخير أَن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أَن يكثر فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وزن أَصغر النمل: ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويسرّه ذلك. قال: يكتب لكل برّ وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمن أَيضًا بكل وأحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة (٣). * * * [كيف تكون المقاصة؟]: * وظاهر هذا أَنه تقع المقاصة بين الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات، وينظر إِلى ما يفضل منها بعد المقاصة. وهذا يوافق قول من قال: بأَن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافا لمن قال يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأَنها لم تكن. وهذا في الكبائر. * * * * أَما الصغائر فإِنه قد تمحى بالأَعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال ﷺ : "أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره،

стр. 498

وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" (١) فأَثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات. * * * * وكذلك قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شَريك له - مائة مرة - كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشرِ رقاب" (٢) فهذا يدل على أَن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا. [سيئات التائب ما مصيرها؟]. * وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تُكفَّر عنه وتبقى له حسناته كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإِحسان دل على أَنهم ليسوا بمصرين على الذنوب بل هم تائبون منها. وقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يدخل فيه الكبائر؛ لأنها أسوأ الأعمال. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٥) فرتب على التقوى المتضمنة لفعل الواجبات، وترك المحرمات - تكفير السيئات وتعظيم الأجر، وأَخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السموات والأرض أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ

стр. 499

عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (١) فأخبر أَنه استجاب لهم ذَلِكَ، وأَنه كفُّر عنهم سيئاتهم، وأَدخلهم الجنات، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخص الله الذنوب بالمغفرة، والسيئات بالتكفير فقد يقال: السيئات تخص الصغائر، والذنوب يراد بها الكبائر؛ فالسيئات تكَفَّر؛ لأَن الله جعل لها كفارات في الدنيا شرعية وقدريةً، والذنوب تحتاج إِلى مغفرة تقي صاحبها من شرها، والمغفرة والتكفير يتقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إِنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر الذنب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأْس ووقاهُ في الحرب مِغْفَرا، ولا يسمى كل ساتر للرأس مِغفرا. * وقد أَخبر الله عن الملائكة أَنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس، لأَن أَصل الكُفْر: السترُ والتغطية أَيضًا. [بين التكفير والمغفرة]: * وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأَن التكبير: محو أَثر الذنب حتى كأَنه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إِفضال الله على العبد وِإكرامه. وفي هذا نظر. * وقد يفسر بأَن مغفرة الذنوب بالأَعمال الصالحة تقلبها حسنات، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط. * وفيه أيضًا نظر. فإِنه قد صح أَن الذنوب المعاقب عليها بدخول النار تبَدل حسنات، فالمُكفَّرة بعمل صالح يكون (٢) - كفارة لها - أَولى. [معنيان آخران]: * ويحتمل معنيين آخرين: * أَحدهما: أَن المغفرة لا تحصل إِلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة؛ لأَنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإِن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها وكذلك الرحمة. * والثاني: أَن الكفارات من الأَعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفَّرة بها، ويكون ذلك (٣) هو ثوابها ليس لها ثواب غيره، والغالب عليها أَن تكون من جنس مخالفة هوى النفس، وتجشم المشقة فيه؛ كاجتناب الكبائر الذي جعله الله كفارة

стр. 500

للصغائر. * وأَما الأَعمال التي تغفر بها الذنوب فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها، كالذكر الذي تكتب به الحسنات، وتمحى به السيئات. وعلى هذا الوجه فيفرَّق بين الكفارات من الأَعمال وغيرها. وأَما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أُضيف ذلك إلى الله فلا فرق بينهما. وعلى الوجه الأول يكون بينهما فرق أَيضًا. * ويشهد لهذا الوجه الثاني أَمران: * أحدهما قول ابن عمر لا أَعتق العبد الذي ضربه: "ليس لي في عتقه من الأَجر شيء" (١) واستدل لأَنه كفارة. * والثاني: أَن المصائب الدنيوية كلَّها كفاراتٌ للذنوب (٢) وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف: إِنه لا ثواب فيها مع التكفير وإِن كان بعضهم قد خالف في ذلك. ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث النام بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات وقال: من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أُمه (٣). وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات تَرفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب. * لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأَحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوءُ نفسه يثاب عليه لكن إِسباغه في شدة البرد من جنس الآلام المَي تحصل للنفوس في الدنيا فيكون كفارة في هذه الحال، وأَما في غير هذه الحال فتغفر به الخطايا كما يغفر بالذِّكْر وغيره. * وكذلك المشي إِلى الجماعات هو قُربة، وطاعة، ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة.

стр. 501

وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مأْلوفها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إِليها إِما لكسب الدنيا أَو للتَنّزُّهِ - هو من هذه الجهة مؤلم للنفس فيكون كفارة. * وقد جاءَ في الحديث "أَن إِحدى خطوتي الماشي إِلى المسجد تَرفع له درجة والأخرى تَحط عنه خطيئة (١) " وهذا يقوي ما ذكرناه، وأن ما حصل به التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات. والله أَعلم. * وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة، وبين الإِخبار عنه بمضاعفة الثواب به (٢) ووصفه برفع الدرجات، ولهذا قال ﷺ : * "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر" (٣). فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها، وكفَّها عما تميل إليه - ما يوجب ذلك تكفيرَ الصغائر. * وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الأَلم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن. فيتبين (٤) بهذا أَن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات، وتكفيرَ السيئات من جهتين (٥) ولا يكون بينهما منافاة. وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب. * وأَما الكبائر فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأَجر للشهيد، لكنِ الشهيدُ ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء. * كذا روي عن النبي ﷺ من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإِمام أَحمد

стр. 502

والترمذي (١). * وأَما مغفرة الذنوب ببعض الأَعمال مع توفير أَجرها وثوابها، ففد دلت عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر. وقد قيل: إِن تلك السيئات تكتب حسنات أَيضًا، كما في حديث أَبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره (٢). وذكرنا أيضًا عن بعض السلف أَنه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحد من أضعاف ثواب الحسنة وتبقى له تسع حسنات. * والظاهر أَن هذا مختص بالصغائر، وأَما في الآخرة فيُوازَن بنِن الحسنات والسيئات ويُقَصُّ بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته فقد نجا، ودخل الجنة. وسواء في هذا الصغائر والكبائر. وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته وبقى له حسنة دخل بها الجنة. * قال ابن مسعود ﵁: "إِن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملَك: رب! فنيت حسناته وبقى له طالبون كثير. قال: خذوا من سيئاتهم فَأضيفوها إِلى سيئاته صُكُّوا له صكًّا إِلى النار. خرّجه ابن أَبي حاتم وغيره (٣). [التفضيل بمثقال الذرة كيف يتم]. والمراد أَن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إِنما هو بفضل الله لمضاعفته

стр. 503

لحسنات المؤمن وبركته فيها. وهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات وأَراد الله رحمته فَضَل له من حسناته ما يدخله به الجنة، وكلُّه من فضل الله ورحمته؛ فإِنه لا يدخل أَحد الجنة إِلا بفضل الله ورحمته. * وخرَّج أَبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي ﵁ مرفوعًا: "أَوحى الله إِلى نبي من أَنبياء بني إِسرائيل قل: لأَهلِ طاعتي من أُمتك: لا يتكلوا علِى أَعمالهم؛ فإِني لا أُقاصّ عبدًا الحساب يوم القيامة أشاءُ أَن أعذبه إِلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من أمَّتك: لا يلقوا بأَيديهم فإني أَغفر الذنب العظيم ولا أبالي" (١). * ومصداق هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "مَنْ نُوقِش الحِسابَ عُذِّب" وفي رواية: "هَلَكَ" (٢). [هل تجب التوبة من الصغائر]: * والمسألة الثانية: أَن الصغائر هل تحب التوبة منها كالكبائر؟ أَم لا؛ لأَنها تقع مُكَفَّرَةً باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣). * هذا مما اختلف الناس فيه: فمنهم من أَوجب التوبة منها، وهو قول أَصحابنا، وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ

стр. 504

وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾: إلى قوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). * * * • ومن الناس من لم يوجب التوبة منها. • وحكي عن طائفة من المعتزلة. ومن المتأَخرين من قال: يجب أَحد أَمرين: إما التوبة منها، أو الإتيان بعض المكفرات للذنوب من الحسنات. • وحكى ابن عطية في تفسيره (٣) في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين: • أَحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث - أنه يُقْطَع بتكفيرها بذلك قطعًا؛ لظاهر الآية والحديث. • والثاني - وحكاه عن الأُصوليين - أَنه لا يُقَطع بذلك بل يحمل على غلبة الظن، وقوة الرجاء وهو في مشيئة الله ؛ إذ لو قطع بتكفيرها لكانت الصغائر في حكم المباح الذي لا تَبعة فيه، وذلك نقضٌ لِعُرَى الشريعة. * * * [تعقيب لابن رجب]: • قلت: قد يقال: لا يقطع بتكفيرها؛ لأَن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة. وحينئذ فلا (٤) يتحقق وجود حسن العمل الذي يوجب التكفير. وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر. * * *

стр. 505

[ويستدل لذلك]: • وقد خرَّج ابن جرير من رواية الحسن أن قومًا أتوا عمر ﵁ فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يعمل بها؟ فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أَحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أَحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أَثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتي على آخرهم، ثم قال: ثكلت عُمَرَ أُمُّهُ، أَتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات. قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١). • وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال: لم أَر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى (٢): لم نخرج له عن كل أهل ومال ثم سكت [هُنَيهة] (٣) ثم قال: والله لقد كلفنا (٤) ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عمَّا دون الكبائر فمالنا ولها؟ ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.

стр. 506

• وخرجه البزار في مسنده مرفوعًا، والموقوف أصح (١). وقد وصف الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٢). [تفسير اللمم]: • وفي تفسير اللمم قولان للسلف: • أحدهما: أَنه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة. وعن ابن عباس هو ما دُون الحدَّين: وعيدُ الآخرة بالنار، وحدُّ الدنيا (٣). • والثاني: أَنه (٤) الإلمام بشيءِ من الفواحش والكبائر مرة واحدة ثم يتوب منه. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة. • وروي عنه مرفوعًا بالشك في رفعه قال: "اللَّمَّة [هي] (٥) من الزنا ثم يتوب فلا يعود، واللَّمَّة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللّمّة من السرقة ثم يتوب فلا يعود" (٦).

стр. 507

ومن فسر الآية بهذا قال: لا بد أن يتوب منه بخلاف من فسره بالمقدمات، فإنه لم يشترط توبة. [تصحيح ابن رجب للقولين]: • والظاهر أَن القولين صحيحان، وأَن كليهما مرادٌ من الآية، وحينئذ فالمحسن هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرًا ثم يتوب منها، ومن إذا أَتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة لها، ولا بد أن لا يكون مصرًّا عليها كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). * * * وروي عن ابن عباس أَنه قال: ولا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار" (٢). وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (٣). * * * وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلا بد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر؛ حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش. وقال الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). * * * • فهذه الآيات تضمنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل، وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش. فهذا هو تحقيق التقوي.

стр. 508

وَوَصفَهُمْ في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح. * * * [الانتصار للنفس وهل ينافي قيمة العفو؟]: • وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فليس منافيا للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتمَّ وأكمل. • قال النخَعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أَن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا (١). • وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أَن يُذل نفسه فيجترئ عليه الفساق (٢). فالمؤمن إذا بُغي عليه يُظْهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك. • وقد جرى مثلُ هذا الكثير من السلف منهم: قتادة وغيره. [آيات جامعة]: • فهذه الآيات تتضمن جميعَ ما ذكره النبي ﷺ في وصيته لمعاذ؛ فإنها تضمنت حصول (٣) خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات، ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو ولازم هذا أنه إن وقع منهم شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش يكون مغمورًا بخصال التقوى المقْتَضية لتكفيرها ومحوها. [آيات سورة آل عمران]: وأما الآيات التي في سورة آل عمران فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش، وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك. وهذا هو الأكمل، وهو إحداث التوبة والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرًا كان أو كبيرًا. كما روي أن رسول الله ﷺ وصى بذلك معاذا، وقد ذكرناه فيما سبق (٤).

стр. 509

[لماذا بسط القول في هذا]: • وإنما بسطنا القول في هذا لأَن حاجة الخلق إليه شديدة وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه. والله الموفق والمعين. * * * [وأتبع السيئة الحسنة]: • فقوله ﷺ : "وأتبع السيئة الحسنةَ تمحها": ظاهره أَن السيئات تُمْحَي بالحسنات. وقد تقدم ذكر (١) الآثار التي فيها أَن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها (٢). * * * [من آثار السلف]: • قال عطية العَوْفِي: بلغني أَنه من بكى على خطيئته مُحيت عنه، وكتبت له حسنة. * * * • وعن عبد الله بن عمرو قال: "من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله لم يحبسها شيء حتى يمحُوها عنه الرحمن". • وقال بِشْر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ الليل يمحو ذنوب السر. * * * • وقد ذكرنا قول النبي ﷺ : "ألا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " الحديث (٣). [قول آخر]: • وقال طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأَعمال بتوبة ولا غيرها، بل لا بد

стр. 510

أنَّ يوقف صاحبها عليها، ويقرأَها يوم القيامة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١). [رد ابن رجب]: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر؛ لأَنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أَو المغمورةُ ذنوبهم بحسناتهم. وأَظهر من هذا: الاستدلالُ بقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). • وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين. * * * • وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي. * * * • قال الحسن في (٣) العبد يذنب ثم يتوب ويستغفر: يغفر له ولكن لا يُمحاه من كتابه دون أَن يقف عليه، ثم يسأَله عنه. ثم بكى الحسن بكاءً شديدًا وقال: لو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي. * * * • وقال بلال بن سعد: "إن الله تعالى يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب". • وقال أبو هريرة: "يُدْني الله العبد يوم القيامة فيضع عليه كَنَفَه فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك. فيقرأ فيَمُرُّ بالحسنة فيبْيَضُّ لها وجهه، ويسر بها قلبه، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم. فيقول: إني قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسك، وعد في كتابك، فيمر

стр. 511

بالسيئة فيسْودُّ لها وجهه ويوجَل منها قلبه، وترتعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره. فيقول الله: أَتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول: إني قد غفرتها لك، فيسجد فلا يرى منه الخلائق إلا السجود حتى ينادي بعضُهم بعضا: طوبي لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه مما قد وقَفَه عليه". • وقال أبو عثمان النَّهدِي، عن سلمان: يُعطَى الرجل صحيفته يوم القيامة فيقرأُ أَعلاها، فإذا سيئاته! فإذا (١) كاد يسوءُ ظنه نظر في أَسفلها فإذا حسناتُه، ثم نظر في أَعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات. • وروي عن أَبي عثمان عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أَصح (٢). • وروى ابن أَبي حاتم بإسناده عن بعض أَصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهَلُ الجَنَّة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. * * * • قيل: لم سموا أَصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات فأُعطوا كتبهم بأَيمانهم فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، قالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأَين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٣) فهم أكثر أهل الجنة. • وأَهل هذا القول قد يحملون أَحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف. والله أَعلم. * * * [وخالق الناس بخلق حسن]: • وقوله ﷺ : "وَخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ": هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أَفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ فإن كثيرًا من الناس يظن أَن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده؛ فنص له على الأَمر بإِحسان العشرة للناس؛ فإنه

стр. 512

كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا. ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره ممّن لا حاجة للناس به ولا يخالطهم. وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكلية، أَو التقصيرُ فيها. والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا لا يقوى عليه إلا الكُمَّلُ من الأنبياء والصديقين. * * * [من آثار السلف في هذا]: • وقال الحارث المُحَاسبي: "ثلاثة أَشياءَ عزيزة أَو معدومة: حُسن الوجه مع الصيَانة، وحُسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأَمانة!. * * * • وقال بعض السلف: جلس داود ﵊ خاليا فقال الله : "مالي أراك خاليا؟ " قال: "هجرت الناس فيك يا ربَّ العالمين! ". قال: "يا داود أَلا أَدلك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاي؟ خالق الناس بأَخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك". * * * [حسن الخلق مع الناس من أركان التقوى]: • وقد عَدَّ الله في كتابه مُخَالقة الناسِ بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري قال: "بلغنا أَن رجلا جاءَ إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة (٢) والسلام، فقال: يا معلم الخير، كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له؟.

стр. 513

قال: "بيسير من الأمر: تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك؟ " قال: من ابْنُ جنسي؟ يا معلم الخير؟. قال: "ولد آدم كلهم". "وما لا تحب أن يؤتَى إليك فلا تَأته إِلى أَحد، وأَن تَتَّقيَ الله كما ينبغي له". * * * [حسن الخلق أكمل خصال الإيمان]: وقد جعل النبي ﷺ حسن الخلق أكمل (١) خصال الإيمان. • كما خرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود من حديث أَبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خُلُقًا" (٢). • وخرجه محمد بن نصر المروزي وزاد فيه: "وإن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئًا فينقص ذلك من إيمانه (٣) ". • وخرج الإمام أَحمد وأَبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أُسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أَفضلُ ما أعطي المرءُ المسلم؟ قال: "الخلقُ الحسن (٤) ".

стр. 514

[حسن الحلق وكيف يبلغ بصاحبه؟]: وأخبر النبي ﷺ أَن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم لِئَلا

стр. 515

يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة ويظنَّ أَن ذلك يقطعه عن فضلهما. * فخرج الإِمام أَحمد، وأَبو داود من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "إِن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم" (١). وأَخبر أَن حُسنَ الخلق أَثقل ما يوضع في الميزان، وأَن صَاحِبَهُ أَحبُّ الناس إِلى الله وأقربُهم من النبيين مجلسا. • فخرج الإِمام أحمد، وأَبو داود، والترمذي من حديث أَبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من شيء يوضع في الميزان أَثقلَ من حسن الخلق، وِإن صاحِبَ حُسْنِ الخلق ليبلغ به درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ" (٢). • وخرَّجَ ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بأحبكم إلى الله، وأَقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ قالوا: بلى. قال:

стр. 516

أَحسنكم خلقا" (١). • وقد سبق حديث أَبي هريرة عن النبي ﷺ : "أَكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله، وحسن الخلق" (٢). * * * • وخرج أَبو داود من حديث أَبي أُمامة عن النبي ﷺ قال: "أَنا زعيم ببيت في أَعلى الجنة لمن حَسن خلقه" (٣). وخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه من حديث أَنس (٤). * * * [تفسير السلف لحسن الخلق]. وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق. فعن الحسن قال: حسن الخلق: الكرم والبِذْلَةُ والاحتمال. * * * • وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة، والعطية، والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك. * * *

стр. 517

• وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأَذى (١). * * * • وسئل سلام بن أبي مطيع، عن حسن الخلق فأَنشد: تراه إذا ما جئته متهلِّلًا … كأنَّكَ تُعطيه الذي أَنت سائلهْ ولو لما يكن في كفه غيرُ روحه … لجادَ بها فلْيتَّق الله سائلُهْ هو البحر من أَيّ النواحي أَتيتَه … فلُجَّته المعروف والجود ساحلهْ * * * • وقال الإِمام أَحمد: "حسن الخلق: أَن لا تغضب ولا تحتد". • وعنه أَنه قال: "حسن الخلق: أَن تحتمل ما يكون من الناس". * * * • وقال إسحاق بن راهويه: "هو بسط الوجه، وأَن لا تغضب ونحو ذلك". • قال محمد بن نصر: وقال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إِلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزالِّين إِلأ تأديبا، أو إقامة حد، وكف الأَذى عن كل مسلم، أو معاهَد، إِلا تغيير منكر، وأَخذا بمظلمة لمظلوم من غير تعد. * * * • وفي مسند الإِمام أَحمد من حديث معاذ بن أَنس الجهني عن النبي ﷺ قال: "أفضل الفضائل أَن تصلَ من قطعك، وتعطى من حرمك، وتصفحَ عمن شَتَمكَ" (٢). • وخرج الحاكم عن حديث عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله ﷺ :

стр. 518

"يا عقبة! أَلا أُخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (١). • وخرج الطبراني من حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَلا أَدلك على أَكرم أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أَن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (٢). * * *

стр. 519

الحديث التاسع عشر عَنْ أَبي الْعَبَّاسِ: عَبد الله بْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله تعَالَى عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ خَلْف النَّبيّ ﷺ يَومًا، فَقالَ: "يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلّمُك كَلَمات: احفْظَ الله يَحْفَظك، احْفَظ الله تَجدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل الله، وَإذَا اسْتعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَم أَن الأُمة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفعُوكَ بِشَيء، لَمْ يَنْفعوكَ إِلَّا بِشْيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله تَعَالَى لَكَ، وِإنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيء قَدْ كَتَبهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رَوَاهُ التِّرمِذِي وَقالَ: حَديِثٌ حَسن صَحِيحٌ. • وَفي رِوَايَة غَيْرِ التِّرْمِذي: "احفْظ الله تَجِدْهُ أَمامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى الله في الرَّخاء، يَعْرفْكَ في الشّدَّةِ، وَاعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَم يَكُنْ لُيِصيِبَكَ، وَما أَصَابَك لَم يَكُنْ لِيُخْطئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبر، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرًا". * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس. • وخرجه الإِمام أَحمد من حديث حنش أيضًا جمع إِسنادين آخرِين منقطعين، ولم يميز لفظ بعضها من بعض. ولفظ حديثه: "يا غلام! أو يا غُلَيِّم! ألا أُعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ " فقلت: بلى. فقال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إِلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفَّ القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلَّهم جميعًا أَرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءِ، لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أنِ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا (١) ".

стр. 520

وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ ﵀ وعزاه إِلى غير الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عَبْدُ بن حُمَيْد في مسنده بإِسناد ضعيف، عن عطاء، عن ابن عباس. وكذلك عزاه ابن الصلاح في الأَحاديث الكلية التي هي أَصل أَربعين الشيخ ﵀ إلى عبد بن حميد وغيره. • وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أَبى رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أَبي مُلَيكة وغيرهم. وأَصح الطرق كلها: طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي - كذا قاله ابن منده وغيره. • وقد روي عن النبي ﷺ أَنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أَبي طالب وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر. وفي أَسانيدها كلها ضعف. وذكر العقيلي (١) أَن أَسانيد الحديث كلها لينة. وبعضها أَصلح من بعض. وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. [هذا الحديث]: • وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أُمور الدين حتى قال بعض العلماء (٢): تدبرت هذا الحديث فأَدهشني وكدت أَطيش؛ فوا أَسفا من الجهل بهذا الحديث، وقَلَّةِ التفهُّم لمعناه؟!.

стр. 521

• قلت: وقد أَفردت لشرحه جزءًا كبيرًا. ونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه الاختصار، إِن شاءَ الله تعالى. * * * [احفظ الله]: فقوله ﷺ : "احفظ الله" يعني احفظ حدودُه، وحقوقَه، وأوَامِرَهُ ونواهيَه. • وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أَوامره بالامتثال، وعند نواهيه، بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه، إلى ما نُهي عنه. فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه. وقال : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ (١) وفُسِّر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها. ومن أَعظم ما يجب حفظه من أَوامر الله: الصلاة، وقد أَمر الله تعالى بالمحافظة عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) ومدح المحافظين عليها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٣). • وقال النبي ﷺ : "من حافظ عليها كان له عند الله عهدٌ أَن يُدْخلَه الجنةَ" (٤).

стр. 522

وفىِ حديث آخر: "من حافظ عليهن كنّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة" (١). • وكذلك الطهارة؛ فإِنها مفتاح الصلاة وقال النبي ﷺ : "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٢). [ومما يؤمر بحفظه]: • ومما يؤمر بحفظه: الأَيمان، قال الله : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٣) فإِن الأَيمان يقع الناس فيها (٤) كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه. * * * • ومن ذلك: حفظ الرأْس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع. "الاستحياءُ من الله حقَّ الحياء: أَن تحفَظَ الرَّأْسَ وما وَعَى، وتَحْفَظَ البَطْنَ وما حَوَى". خرجه الإِمام أَحمد والترمذي (٥).

стр. 523

[ما الذي يدخل في حفظ الرأس؟]: • وحفظ الرأْس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظَ القلب عن الإِصرار على مُحَرَّم، قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (١) وقد جمع الله ذلك كلَّه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). ويتضمن أَيضًا حفظ البطن من إِدخال الحرام إِليه من المآكل والمشارب. * * * • ومن أَعظم ما يجب حفظه من نواهي الله : اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حفظ ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رجليه دخل الجنة". خرجه الحاكم (٣).

стр. 524

وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حفظ ما بين فُفْمَيْه (١) وفرجه دخل الجنة" (٢). وأمر الله بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٥) إِلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦). • وقال أبو إِدريس الخَوْلاني: أَوّل ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظه فرجه وقال: لا تضعه إِلا في حلال. [قوله ﷺ : يحفظك]: • وقوله ﷺ : "يحفظك" يعني: أَن من حفظ حدود اللَّه، وراعى حقوقَه - حفظه الله؟ فإِن الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٨). وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٩).

стр. 525

• وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أَحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأَهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). [من أقوال السلف]: • قال ابن عباس: هم الملائكة؛ يحفظونه بأَمر الله (مما لم يقدَّر) فإذا جاءَ القدر خَلَّوْا عنه (٢). * * * • وقال عليّ ﵁؟ "إِن مع كل رجل مَلَكَيِنْ يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بيْنَهُ وبينه، وإِن الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ" (٣). • وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ يحفظهُ في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما من شيء يأتيه إِلا قال له: وَرَاءَكَ، إِلا شيئا أَذن الله فيه فيصيبه" (٤). * * * [من الدعاء لذلك]: • وخرج الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى، وحين يصبح: "اللهم! إِني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم! إني أَسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأَهلي ومالي، اللهم! استُرْ عوراتي، وآمنْ رَوْعاتي (٥)، واحفظني من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني وعن شِمالي ومن فوقي، وأَعوذ بعظمتك أَن أغتالَ من

стр. 526

تحتي" (١). ومن حفظ الله في صباه وقوّته حفظه الله في حال كِبَرِه، وضعْف قوّته، ومتَّعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله. * * * [حفظ العبد جوارحه في صغره]: • وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. [وعكسه]: • وعكس هذا: أَن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: "إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره". [حفظ الله العبد في ذرِّيَّتِهِ]: وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (٢) الآية: إِنهما حفظا بصلاح أبيهما. [من أقوال السلف في ذلك]: • قال سعيد بن المسيب لابنه: "لأَزيدنّ في صلاتي من أَجلك رجاء أَن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (٣).

стр. 527

• وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقّب عقبه". • وقال ابن المنكدر: "إِن الله ليحفظ بالرجل الصالح وَلَده وولد وَلَدِه والدُّوَيْرَات (١) التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وسِتر". [القاعدة في ذلك]: ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإِن الله يحفظه في تلك الحال. • وفي مسند الإمام أَحمد (٢) عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأَة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزًا وصيصيِّتَهَا كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيَصيِّتَهَا فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإِني قد فقدت عنزا من غنمي وصِيصيَّتي، وإني أَنْشُدُكَ عَنْزِي وصِيصِيَّتي. قال: وجعل النبي ﷺ يذكر شدة مناشدتها ربَّها ﵎، قال رسول الله ﷺ : فأَصبحت عنزها ومثلُها وصِيصِتُها ومثلها. والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وَيُنْسَج (٣). فمن حفظ الله حفظه الله من كل أَذى. * * * • قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه؛ فقد ضيع

стр. 528

نفسه، والله الغني عنه. [من عجيب حفظ الله للعبد]: • ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أَن يجعل الحيوانات المؤذيةَ بالطبع حافظةً له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي ﷺ (١) حيث كُسر به المركب، وخرج إِلى جزيرة فرأَى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أَوقفه عليها جعل يُهَمهِم كأَنه يودعه! ثم رجع عنه!. • ورؤي إِبراهيم بن أَدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذُبُّ عنه حتى استيقظ. [وعكس هذا]: • وعكس هذا: أَن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعَه من أهله وغيرهم. كما قال بعض السلف: "إِني لأعصي الله، فأَعرفُ ذلك في خُلُق خادمي ودابتي". * * * [النوع الثاني من الحفظ]: • النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله لِلْعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينَه عند

стр. 529

موته، فيتوفاه على الإِيمان. قال بعض السلف: إِذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك: شُمَّ رأْسَهُ قال: أَجد في رأسه القرآن، قال: شُمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام. قال: شُمَّ قدميه. قال: أَجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه، فحفظه الله. [دعاء المؤمن بالحفظ]: • وفي الصحيحين عن البراءِ بن عازب (١) عن النبي ﷺ : أَنه أَمره أَن يقول عند منامه: إِن قبضتَ نفسي فارحمها، وإن أَرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين (٢). • وفي حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ علمه أن يقول: "اللهم احفظني بالإِسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسدا". خرجه ابن حبان في صحيحه (٣).

стр. 530

وكان النبي ﷺ يودع من أراد سفرا فيقول: "أَستودع الله دينك وأَمانتك وخواتيم عملك" (١). وكان يقول: "إن الله إِذا استُودع شيئًا حَفِظَهُ". خرجه النَّسَائِي وغيره (٢). * * *
следующие страницы →