← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تحتي" (١). ومن حفظ الله في صباه وقوّته حفظه الله في حال كِبَرِه، وضعْف قوّته، ومتَّعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله. * * * [حفظ العبد جوارحه في صغره]: • وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. [وعكسه]: • وعكس هذا: أَن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: "إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره". [حفظ الله العبد في ذرِّيَّتِهِ]: وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (٢) الآية: إِنهما حفظا بصلاح أبيهما. [من أقوال السلف في ذلك]: • قال سعيد بن المسيب لابنه: "لأَزيدنّ في صلاتي من أَجلك رجاء أَن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (٣).

стр. 527

• وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقّب عقبه". • وقال ابن المنكدر: "إِن الله ليحفظ بالرجل الصالح وَلَده وولد وَلَدِه والدُّوَيْرَات (١) التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وسِتر". [القاعدة في ذلك]: ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإِن الله يحفظه في تلك الحال. • وفي مسند الإمام أَحمد (٢) عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأَة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزًا وصيصيِّتَهَا كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيَصيِّتَهَا فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإِني قد فقدت عنزا من غنمي وصِيصيَّتي، وإني أَنْشُدُكَ عَنْزِي وصِيصِيَّتي. قال: وجعل النبي ﷺ يذكر شدة مناشدتها ربَّها ﵎، قال رسول الله ﷺ : فأَصبحت عنزها ومثلُها وصِيصِتُها ومثلها. والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وَيُنْسَج (٣). فمن حفظ الله حفظه الله من كل أَذى. * * * • قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه؛ فقد ضيع

стр. 528

نفسه، والله الغني عنه. [من عجيب حفظ الله للعبد]: • ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أَن يجعل الحيوانات المؤذيةَ بالطبع حافظةً له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي ﷺ (١) حيث كُسر به المركب، وخرج إِلى جزيرة فرأَى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أَوقفه عليها جعل يُهَمهِم كأَنه يودعه! ثم رجع عنه!. • ورؤي إِبراهيم بن أَدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذُبُّ عنه حتى استيقظ. [وعكس هذا]: • وعكس هذا: أَن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعَه من أهله وغيرهم. كما قال بعض السلف: "إِني لأعصي الله، فأَعرفُ ذلك في خُلُق خادمي ودابتي". * * * [النوع الثاني من الحفظ]: • النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله لِلْعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينَه عند

стр. 529

موته، فيتوفاه على الإِيمان. قال بعض السلف: إِذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك: شُمَّ رأْسَهُ قال: أَجد في رأسه القرآن، قال: شُمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام. قال: شُمَّ قدميه. قال: أَجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه، فحفظه الله. [دعاء المؤمن بالحفظ]: • وفي الصحيحين عن البراءِ بن عازب (١) عن النبي ﷺ : أَنه أَمره أَن يقول عند منامه: إِن قبضتَ نفسي فارحمها، وإن أَرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين (٢). • وفي حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ علمه أن يقول: "اللهم احفظني بالإِسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسدا". خرجه ابن حبان في صحيحه (٣).

стр. 530

وكان النبي ﷺ يودع من أراد سفرا فيقول: "أَستودع الله دينك وأَمانتك وخواتيم عملك" (١). وكان يقول: "إن الله إِذا استُودع شيئًا حَفِظَهُ". خرجه النَّسَائِي وغيره (٢). * * *

стр. 531

[من هو المحفوظ بعناية الله ؟]: • وفي الجملة فإن الله يحفظ على المؤمن الحافظ لحدوده دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه - بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارها له، محما قال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١). [من المأثور عن السلف]: • قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢) قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرهُ إلى النار (٣). * * * • وقال الحسن، وذكر أَهلَ المعاصي: "هانوا عليه، فعَصوُه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم!؟ ". * * * • وقال ابن مسعود: "إن العبد ليَهُما بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيَسَّرَ له فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإني إِن يسرته (٤) له أَدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبقني (٥) فلان، دهاني (٦) فلان، وما هو إلا فضل الله !؟ ". * * * • وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي ﷺ : يقول الله : "إن من عبادي من لا يُصلح إِيمانَهُ إِلا الفقر (٧)، وِإن بسطتُ عليه أَفسده ذلك. وإن من عبادي من لا يُصْلحُ إِيمانَهُ إِلا الغنى، ولو أَفقرتُه لأفسده ذلك. وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إِيمانَهُ إِلا الصحة، ولو أَسقَمْتهُ لأَفسده ذلك. وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إِلا السُّقْم، ولو أَصححته لأَفسده ذلك

стр. 532

وِإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأَكُفُّهُ عنه لكيلا يَدْخُلَهُ العُجْبُ. إني أُدبِّر [أمر] (١) عبادي بعلمي بما في قلوبهم. إِني عليم خبير". * * * [احفظ الله تجده تجاهك]: • وقوله ﷺ : احفظ الله تَجِدهُ تُجَاهَكَ" وفي رواية "أمامك" معناه: أَن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أَحواله حيث توجه، يحوُطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده؛ فإِن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون. [من مأثور السلف]: • قال قتادة: "من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل! " (٢). * * * • كتب بعض السلف إِلى أَخ له: "أَما بعد! فإِن كان الله معك فَمَنْ تَخَافُ؟ وِإن كان عليك فَمنْ تَرْجُو؟ ". وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣) وقول موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٤) وفي قول النبي ﷺ لأبي بكر وهما في الغار: "ما ظنك باثنين: الله ثالثهما؛ لا تحزن إِن الله معنا" (٥). * * * [بين المعيتين: الخاصة والعامة]: • فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا

стр. 533

هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١). • وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم؛ فهي مقتضية لتخويف العباد منه. • والمعية الأولى: تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أَمامه وتجاهه على كل حال فاستأْنسَ به، واستغنى به عن خلقه. كما في حديث: "أَفضل الإِيمان أَن يَعْلَمَ العَبْدُ أَن الله معه حَيْثُ كان" وقد سبق (٣). • وروي عن بُنان الجمال أَنه دخل البرِّيَّةَ وحده على طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: " لم تستوحش؟! أَليس حبيبك معك (٤)؟ ". • وقيل لبعضهم: " أَلا تستوحش وحدك؟ فقال: كيف أَستوحش وهو يقول: أَنا جليس من ذكرني؟ ". • وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: " من يكن الله معه كيف يكون وحده؟ ". • وقيل لآخر: "أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أَين هو؟ قال؟ أَمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي!؟ ". • وكان الشِّبْلي يُنْشِد: إِذا نحن أَدلجنا وأَنت أَمامَنَا … كفى لمطايانا بذكركَ هَاديا * * * [المعرفة بين العبد وربه]: • فقوله ﷺ : "تعرَّف إلى الله في الرخاءِ يعرفك في الشدة" يعني أَن العبد إِذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إِلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، وراعى له تعرُّفه إِليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة.

стр. 534

وهذه معرفة خاصة تقتضي (١) قرب العبد من ربه، ومحبته له، وِإجابته لدعائه. [معرفة العبد لربه نوعان]: • فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرارِ به، والتصديق والإِيمان. وهذه عامة للمؤْمنين. • والثاني معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنسَ به، والطمأنينة بذكره، والحياءَ منه، والهيبةَ له. وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: "مساكين أَهلُ الدنيا خرجوا منها ما وما ذاقوا فيها". قيل له: وما هو؟ قال: "معرفة الله !؟ ". • وقال أَحمد بن عاصم، الأَنطاكي: "أحب أَن لا أَموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرارَ به، ولكن المعرفة التي إِذا عرفته استحييتَ منه! ". [معرفة الله لعبده نوعان]: ومعرفة الله [أيضًا] لعبده نوعان: • معرفة عامة، وهي علمه بعباده واطلاعه على ما أَسرَّوهُ وما أَعْلَنُوه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٢) وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٣). • والثاني معرفة خاصة، وهي تقتضي محبتَه لعبده، وتقريبَه إِليه، وإِجابة دعائه وِإنجاءَهُ من الشدائد. وهي المشار إِليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ فإِذا أَحْبَبْتُه كنت سمعَه الذي يسمعِ به، وِبصَرَه الذي يُبِصرُ به، ويدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه (٤).

стр. 535

وفي رواية: " ولئن دعاني لأُجِيبَنَّهُ". * * * [من مواقف السلف]: • ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إِلى بيت حبيب: أَبي (١) محمد فقال له حبيب: يا أبا سعيد! أَليس بينك وبين ربك ما تدعوه به (٢) فَيَسْتُرَك من هؤلاء؟ ادخل البيت فدخل ودخل الشُّرَط على أَتره فلم يروه. فذكر ذلك للحجاج. فقال: بل كان في البيت إلا أَنَّ الله طمس أَعينهم فلم يروه. * * * • واجتمع الفضيل بن عياضِ بشعوانة العابدة فسألها الدعاءَ فقالت! " يا فضيل! وما بينك وبينه؟ ما إِن دعوتَه أجابك؟ " فغشي على الفضيل (٣). * * * • وقيل لمعروف: " ما الذي هيجك إِلى الانقطاع والعبادة، وذكر له (٤) الموتَ والبرزخَ والجَنَّةَ والنَّارَ؟ فقال معروف! إِن مَلِكًا هذا كلُّه بيده إِن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا!؟ ". [وفي الجملة]: • وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإِعانة في حال شدته. * * * [والدليل]: • وخرج الترمذي من حديث أَبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله له عند الشَّدَائد فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخَاء" (٥)

стр. 536

• وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية يزيدَ الرقَاشي عن أَنس يرفعه أن يونس ﵊ لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة: يا رب! هذا صوت معروف من بلاد غريبة؟ فقال الله : أَما تعرفون ذلك؟ قالوا: من هو؟ قال: عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عمل متقبَّلٌ، ودعوةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قال: نعم قالوا: يا رب! أَفلا ترحم ما كان يصنع في الرخَاء فتنجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمر الله الحوت فطرحه بالعراءِ (١). * * * • وقال الضحاك بن قيس: "اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إِن يونُسَ ﵊ كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢). • وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أَدركه الغرق قال: آمنت فقال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣). * * * • وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجُلُ دَعَّاءً في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف؛ فشفعوا له. وإِذا كان ليس بدعَّاءٍ في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله قالت الملائكة: صوتٌ لَيْسَ بمعروف، فلا يشفعون له. • وقال رجل لأَبي الدرداءِ: أَوصني فقال: " اذكُرِ الله في السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ في الضَّراءِ (٤) ". وعنه أَنه قال: "ادْعُ اللهَ في يوم سرَّائكَ لعله أَن يستجبَ لك في يوم ضَرّائك (٥)!؟ ". * * *

стр. 537

[أعظم الشدائد]: وأَعظم الشدائد اليَ تنزل بالعبد في الدنيا: الموت، وما بعده أَشَد منه. [وجوب الاستعداد]: • إِن لم يكن مصير العبد إلى خير. فالواجب على المؤمن: الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). [وأثر ذلك]: • فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله بالموت وما بعده - ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأَعانه وتولاه وَثبَّتَهُ على التَّوحِيد، فلقيه وهو عنه راض. ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعدَّ حينئذ للفائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض (٢) عنه وأَهمله. فإِذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءَته البشرى من الله فأحب لمَاء الله: وأَحب الله لقاءَه. والفاجر بعكس ذلك. وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (٣). [من مأثور السلف]: • قال أَبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: " كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان؟ ". * * * • وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: " أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم

стр. 538

القرآن كل ليلة؟ ". • وختم آدم بن أبي إِياس القرآن وهو مسجي للموت ثم قال: " بِحُبِّي لك إِلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤَمّلُكَ لهذا اليوم، كنت أرجو: " لا إله إلا الله! " ثم قضى. • ولما احْتُضِرَ زكرياءُ بن عدي رفع يديه وقال: "اللهم إِني إليك لمشتاق! ". * * * • وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: "سيدي لهذه الساعة خَبَأتُك، فلهذا اليوم اقتنيتُكَ، حَقِّقْ حُسْنَ ظنِّي بك!؟ ". * * * • وقال قتادة في قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) قال: من الكرب عند الموت. * * * • وقال علي بن أَبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: ينجِّيه من كل كرب في الدنيا والآخرة (٢). * * * • وقال زيد بن أَسلم في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣). قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه (٤). * * *

стр. 539

• وقال ثابت البناني في هذه الآية: " بلغنا أَن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاهُ اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشي الناس يوم القيامة إِلا هي للمؤمن قرة عين لا هداه الله [﵎]، ولما كان يعمل [له] في الدنيا (١). * * * [إذا سألت فاسأل الله]: • وقوله ﷺ : " إِذا سأَلت فاسأل الله وإِذا استعنتَ فاستعن بالله ". هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فإِن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إِليه. والدعاءُ هو العبادة. كذا روي عن النبي ﷺ حدثِ النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣). • خرجه الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤). وخرج الترمذي من حديث أَنس بن مالك عن النبي ﷺ : " الدعاءُ مخُّ العبادة " (٥). فتضمن هذا الكلام: أَن يُسأَلَ الله ، ولا يُسألَ غيره، وأَن يُستعانَ بالله دون غيره. فأَما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا:

стр. 540

"سلوا الله من فضله؛ فإِن الله يُحب أَن يُسأَل" (١). • وفيه أَيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا: " من لا يسأَلِ الله يغضَبُ عليه " (٢). وفي حديث آخر: " ليسأَلْ أَحدُكم ربَّهُ حَاجَتَهُ كلَّها، حتى يَسْألَهُ شِسْعَ نعله إِذا انقطع " (٣).

стр. 541

[النهي عن سؤال المخلوقين]: • وفي النهي عن مسألة المخلوقين أَحاديث كثيرة صحيحة.

стр. 542

وقد بايع النَّبيَّ ﷺ جماعةٌ من أَصحابه على أَن لا يسأَلوا الناس شيئًا، منهم: أَبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثَوْبَانُ: وكان أَحدهم يسقط سوطه أَو خطام ناقته فلا يسأل أَحدا أَن يناوله إِياه. • وخرَّج ابن أَبي الدنيا من حديث أَبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أَن رجلا جاءَ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إِن بني فلان أَغاروا عليّ فذهبوا بابني وإِبلي؟ فقال له النبي ﷺ : إن آل محمد كذا وكذا أَهل بيت مالهم مدٌّ من طعام أَو صاع فاسأَل الله فرجع إِلى امرأته فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعْمَ مَا رَدَّ عليك!؟. فما لبث أَن رد الله عليه ابنه وإِبله أَوفر ما كانت، فأَتى النَّبيَّ ﷺ فأَخبره، فصعد المنبر، فحمد الله وأَثنى عليه، وأَمر الناس بمسألة الله ، والرغبة إِليه، وقرأَ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١). وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أَن الله يقول: "هل من داع فأَستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه سُؤْلَهُ؟ هل من مستغفر فأَغِفرَ له؟ " (٢).

стр. 543

* وخرج المحاملي وغيره من حديث أَبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "من ذا الذي دعاني فلم أُجبهُ؟ وسألني فلم أُعطِه؟ واستغفرني فلم أَغفِر له، وأَنا أَرْحَمُ الراحمِينَ؟ ". [سؤال الله هو الواجب المتعين]: * واعلم أَن سؤال الله (١) دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار

стр. 544

الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر، ونَيْل المطلوب، وجلب المنافع، ودرءِ المضارّ، ولا يصلح الذل والافتقار إِلا للهِ وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة. [دعاء الإِمام أحمد]: * وكان الإمام أَحمد يدعو ويقول: "اللهم! كما صُنْتَ وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك". [هو القادر وحده]: * ولا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع سواه كما قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (١)، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢) والله سبحانه يحب أَن يُسأَلَ ويُرغبَ إِليه في الحوائج. وَيُلَحَّ في سؤاله ودعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤالَهُ وهو قادِر على إِعطاءِ خلقه كلِّهم سُؤْلَهم من غير أَن ينقص من ملكه شيء. والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أَن يُسْأَلَ، ويحب أَن لا يُسْأَل: لعجزه وفقره وحاجته. [من مأثورات السلف]: * ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: "ويحك! تأْتي من يغلق عنك بَابَهُ؟ ويُظْهِر لك فَقْرَة؟ ويواري عنك غِنَاهُ؟ وتدع مَنْ يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار؟ ويظهر لك غناهُ؟ ويقول: ادعني أستجبْ لك؟ ". * وقال طاووس لعطاء: "إِياك أَن تطلب حوائجك إِلى من أَغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أَمرك أَن تسأَله، ووعدك أَن يجيبك". [حكمة الاستعانة بالله وحده]: * وأَما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق فلأَن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إِلا الله ،

стр. 545

فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول. * وهذا تحقيق معنى قول: "لا حول ولا قوة إِلا بالله" فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إِلا بالله. * وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت وبعده من أَهوال البرزخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإِعانة على ذلك إِلا الله ؛ فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه أَعانه. * وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجِزْ" (١). [من استعان بغير الله]: * ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به؛ فصار مخذولا. * * * [من المأْثور في ذلك]: * كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "لا تستعن بغير الله فيكِلَكَ الله إليه". * ومن كلام بعض السلف: "يا ربِّ! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟ وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟ ". [جف القلم]: * قوله ﷺ : "جفّ القلَم بما هو كائن" وفي رواية أُخرى "رُفِعَت الأَقلام وجَفَّت الصُّحُف" هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أَمد بعيد؛ فإِن الكتاب إِذا فرغ منِ كتابته، ورفعت الأَقلام عنه، وطال عهده - فقد رفعت عنه الأَقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب فيها.

стр. 546

وهذا من أَحسن الكنايات وأَبلغها. [دلالات الكتاب والسنة]: * وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١). * وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن الله كتَبَ مقادير الخَلائِقَ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بخَمسين أَلفَ سَنَةٍ" (٢). * وفيه أَيضًا عن جابر: "أن رجلا قال: يا رسول الله! فيم العمل اليوم؟ أَفيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير؟ أَم فيما يستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير". قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلق له" (٣). * وخرج الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "إِن أَول ما خلق الله: القلمُ ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" (٤).

стр. 547

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول ذكرها.

стр. 548

* قوله ﷺ : "فلو أَن الخلق جميعًا أَرادوا أَن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك (١) - لم يقدروا عليه، وإِن أَرادوا أَن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك (٢) - لم يقدروا عليه". هذه رواية الإمام أَحمد (٣). ورواه الترمذي بهذا المعنى أَيضًا (٤). والمراد أنَّ ما يصيب العبدَ في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدّر عليه، ولا يصيب العبدَ إِلا ما كُتبَ له من ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا. وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٥). وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٦).

стр. 549

وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (١). وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أَن ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأَه لم يكن ليصيبه" (٢). وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ معنى ذلك أَيضًا (٣). [مدار الوصية]: واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأَصل. وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إِليه؛ فإِن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له (٤) من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلقَ كلِّهم على خلاف المقدور غيرُ مفيد أَلبتة - علم حينئذ أَن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع؛ فأَوجب ذلك للعبد توحيدَ ربه ، وإفرادَه بالطاعة، وحفْظَ حدودِهِ؛ فإِن المعبود إِنما يُقصد بعبادته جَلْبُ المنافع، ودَفْعُ المضار؛ ولهذا ذَمَّ الله من يعبد من لَا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده (٥) شيئًا. [مقتضى عقيدة التوحيد]: * فمن عَلِم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غيرُ الله، أوجب ذلك إفراده بالخوفِ والرجاءِ، والمحبةِ والسؤال، والتضرُّع والدعاء، وتقديمَ طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأَن يُتَّقَى سُخْطُه ولو كان فيه سَخَطُ الخْلق جميعًا، وإفرادَه بالاستعانة به، والسؤال له، وإِخلاصِ الدعاء له، في حال الشدة، وحال الرخاءِ، خلافَ ما كان

стр. 550

المشركون عليه من إِخلاص الدعاءِ له عندَ الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودُعاء مَنْ يَرْجُونَ نَفْعَه مِنْ دونه قال الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١). * * * [في الصبر على ما تكره خير كثير]: * قوله ﷺ : "واعلم أَن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرًا" (٢) يعني أَن ما أَصاب العبدَ من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إِذا صبر عليها كان له في الصبر خير كثير. * وفي رواية عمر مولى غُفْرة (٣)، وغيره، عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام وهي: "فإن استطعت أَن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل. وإن لم تستطع فإِن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا". * وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه: لكن إسنادها ضعيف، زيادة أُخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله! كيف أَصنع باليقين؟ قال: "أن تعلم أَن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. فإذا أنت أحكمت باب اليقين (٤) ". * ومعنى هذا: أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق، والتقدير الماضي - يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أَصابه. فمن استطاع أَن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل، فإن لم يستطع الرضا فإِن في الصبر على المكروه خيرًا كثيرًا. [درجتان للمؤمن]: فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب: إِحداهما: أَن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدًّا، قال : ﴿مَا

стр. 551

أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١). قال علقمة: "هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أَنها من عند الله فيسلِّم لها ويرضى". * وخرج الترمذي من حديث أَنس عن النبي ﷺ قال: "إِن الله إِذا أَحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخْط" (٢). * وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "أسأَلكَ الرضا بعد القضاء" (٣). * ومما يدعو المؤمنَ إِلى الرضا بالقضاءِ تحقيقُ إِيمانه بمعنى قول النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إِلا كان خيرًا له: إِن أَصابته سراءُ شكر، كان خيرا له، وإِن أَصابته ضراءُ صبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (٤). وجاءَ رجل إلى النبي ﷺ فسأله أَن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال: "لا تتهم الله في قضائه" (٥).

стр. 552

[من أقوال السلف]: * قال أَبو الدرداءِ: "إن الله إذا قضى قضاءً أَحب أَن يُرضى به". * * * * وقال ابن مسعود: إِن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزَن في الشك والسُّخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء (١). كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. * * * * وقال عمر بن عبد العزيز: أَصبحت ومالي سرور إِلا في مواضع القضاءِ والقدر. * * * [من وصل إلى هذه الدرجة]: * فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٢). * قال بعض السلف: "الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة (٣) ". * وقال عبد الواحد بن زيد: "الرضا باب الله الأَعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين". [أهل الرضا]: * وأَهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلِي، وخيرتَه لعبده في البلاءِ، وأَنه غير متهم في قضائه. * وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم أَلم المقضيّ به. * وتارة يلاحظون عظمة المبتلِي وجلالَه وكمالَه فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالأَلم. وهذا يصل إليه خواص أَهل المعرفة والمحبة؛ حتى ربما تلذذوا بما أَصابهم لملاحظتهم صدورَه عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أَوجدهم في عذابه عُذُوبَةً.

стр. 553

وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه؟ فقال: أحبُّه إِليه أحبُّه إليّ! ". وسئل سَرِيّ: هل يجد المحب أَلم البلاءِ؟ فقال: لا. * * * وقال بعضهم: عذابه فيك عَذْبُ … وبُعْده فيكَ قُربُ وأَنتَ عندي كَرَوحي … بل أَنتَ منها أَحبُّ حسبى من الحبّ أَني … لما تحِبُ أحِبُّ (١) * * * * والدرجة الثانية أَن يصبر على البلاءِ. وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاءِ؛ فالرضا فضل مندوب إِليه مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير؛ فإن الله أَمر به ووعد عليه جزيل الأَجر. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن. * والفرق بين الرضا والصبر: أَن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط (٤) مع وجود الأَلم وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع. * والرضا: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم (٥) وإِن وجد الإِحساس بالألم؛ لكن الرضا يخففه؛ لما يباشر القلبَ من رَوْح اليقين والمعرفة. وإِذا قوي الرضا (٦) فقد يزيل الإِحساس بالأَلم بالكلية، كما سبق. * * * [واعلم أن النصر مع الصبر]: قوله ﷺ : "واعلم أَن النصر مع الصبر" هذا موافق لقول الله : ﴿قَالَ

стр. 554

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). * * * [من المأثور في هذا]: * وقال عمر لأَشياخ من بني عبس: "بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إِلا صبرنا لهم، كما صبروا لنا". * وقال بعض السلف: "كلنا نكره الموت، وأَلَم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر". * وقال البطال: "الشجاعة: صبر ساعة". * * * [من هو المجاهد]: * وهذا في جهاد العدُوِّ الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدُوِّ الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإِن جهادهما من أَعظم الجهاد كما قال النبي ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه في الله" (٣). * وقال عبد الله بن عمر ﵄ لمن سأله عن الجهاد: "ابدأ بنفسك

стр. 555

فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها". * * * * وقال بقية بن الوليد: أَخبرنا إِبراهيم بن أدهم قال: حدثنا الثقة، عن علي بن أبي طالب، قال: "أوّل ما تنكرون من جهادِكم جهادُكم أنفسَكم". * وقال إِبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: "قد جئتم من الجهاد الأَصغر، فما فعلتم في الجهاد الأَكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأَكبر قال: جهاد القلب" ويروى هذا مرفوعًا من حديث جابر بإِسناد ضعيف ولفظه: "قدمتم من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر قالوا: وما الجهاد الأَكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه" (١). ويروى من حديث سعد بن سنان عن أَنس عن النبي ﷺ قال:

стр. 556

"ليس عدوُّك الذي إِذا قتلك أَدخلك الجنة، وِإذا قتلته كان لك نورًا، أَعدى عدوّك نفسُك التي بين جنبيك" (١). * * * * وقال أَبو بكر الصديق ﵁ في وصيته لعمر حين استخلفه: "إِن أَوَّلَ ما اُحَذِّرك نفسُك التي بين جنبيك". * * * [الصبر في مجاهدة النفس]: * فهذا الجهاد يحتاج أيضًا إِلى صبر. فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه - غلب وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه فصار عزيزًا ملكا (٢). ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك - غُلب وَقُهِرَ وأُسِرَ وصار عبدًا ذليلا أسيرًا في يد شيطانه وهواه، كما قيل: إِذا المرءُ لم يغلبْ هواه أَقامهُ … بمنْزِلةٍ فيها العزيزُ ذليلُ

стр. 557

* قال ابن المبارك ﵀: "من صبر فما أَقل ما يصبر، ومن جزع فما أَقل ما يتمتع؟! ". [إن النصر مع الصبر]: * فقوله ﷺ : "أَن النصر مع الصبر". يشمل النصر (١) في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن؛ فمن صبر فيهما نُصِرَ وَظفِر بعدوّه، ومن لم يصبر فيهما وجزع قُهر وصار أَسيرًا لعدوه أَو قتيلا له. * * * [وإِن الفرج مع الكرب]: وقوله ﷺ : "وأَن الفرَج معَ الكَرْب": هذا يشهد له قولُه : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (٢). وقول النبي ﷺ : "ضَحِكَ ربُّنَا من قُنوُطِ عباده وقُرْبِ غيره". خرجه الإِمام أَحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل وفيه: علم الله يوم الغيث أَنه ليُشْرِف عَليكم أَزِلِينَ (٣) قَنِطين فيظل يضحك قد علم أَن غيركم إلى قرب" (٤).

стр. 558

والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطْر عنهم، وقنوطهم ويأْسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرَجه، ورحمته لعباده؛ بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣). وقال تعالى حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (٤). ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك. وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب! كإنجاء نوح ومن معه في الفُلْكِ، وإِنجاءِ إِبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أُمر بذبحه، وإِنجاء موسى وقومه من الْيَمِّ، وإِغراقِ عَدُوِّهم، وقصص أَيوب، ويونس، وقصص محمد ﷺ مع أعدائه، وإِنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويوم حُنَينْ، وغير ذلك. [إن مع العسر يسرا]: * وقوله ﷺ : "وأن مع العسر يسرا" هو منتزع من قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٥) وقوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٦).

стр. 559

[لن يغلب عسر يسرين]: * وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم، واللفظ له، من حديث أَنس عن النبي ﷺ ، قال: لو جاء العسر فدخل هذا الجُحْرَ لجاءَ اليسر حتى يدخل عليه فيُخْرِجَه، فأنزل الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١). * وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه. وفي حديثه فقال النبي ﷺ : "لن يغلبَ عُسرٌ يُسرَين". * وروى ابن أبي الدنيا لإِسناده عن ابن مسعود قال: لو أَن العسر دخل في جُحْر لجاءَ اليسر حتى يدخل معه. ثم قال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وبإِسناده أَن أَبا عبيدة حُصر فكتب إِليه عمر ﵄ يقول: مهما ينزل بامرئ شدةٌ يجعل الله بعدها فرجا، وإِنه لن يغلب عسر يسرين، وإِنه سبحانه يقول: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). [من أسرار اقتران الفرج بالكرب]: ومن لطائف أَسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أَن الكرب إِذا اشتدّ وعظم وتناهى - حصل للعبد الإياسُ من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده. وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أَعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. فإِن الله يكفي من تو كل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣).

стр. 560

وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاءَ مالك الأَشجعي إِلى النبي ﷺ فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل إليه أَن رسول الله ﷺ يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فأَتاه الرسول، فأخبره، فأَكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إِلا بالله. وكانوا قد شدّوه بالقِد (١) فسقط القِدُّ عنه؛ فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها فأقبل فإذا هو بِسَرْحِ (٢) القوم الذين كانوا شدوه، فصاح بهم، فأَتبع آخرَها أَولَها، فلما يفجأ أَبويه إِلا وهو ينادي بالباب، فقال أَبوه: عوف وربِ الكعبة! فقالت أُمه: واسوأَتاه! وعوف كئيب يأَلم لما هو فيه من القِدِّ، فاستبق الأب والخادم إليه، فإِذا عوف قد ملأَ الفناءَ إِبلًا، فقصّ على أَبيه أمره وأَمر الإبل، فأَتى أَبوه رسولَ الله ﷺ فأَخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ : اصنع بها ما أَحببت، وما كنت صانعًا بإِبلك، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٣). [من المأثور في ذلك]: * قال الفضيل: "والله لو يئستَ من الخلق حتى لا تريدَ منهم شيئًا لأَعطاكَ مولاكَ كَلَّ ما تُرِيدَ". * وذكر إِبراهيم بن أدهم، عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي أَلْحَفُ (٤) من أَن يقول العبد: ما شاء الله! قال: يعني بذلك التفويضَ إِلى الله . * وقال سعيد بن سالم القدَّاح: "بلغني أَن موسى ﵊ كانت له إلى الله حاجة فطلبها فأَبطأَتْ عليه. فقال: ما شاء الله! فإِذا حاجته بين يديه، فعجب، فأَوحى الله إِليه: أَما علمتَ أَن قولك: "ما شاءَ الله" أَنجح ما طلبتَ به الحوائجُ؟!.

стр. 561

[السلوك الأمثل في هذا]: وأَيضًا فإِن المؤمن إِذا استبطأَ الفرج، وأَيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أَثر الإِجابة - يرجع إِلى نفسه باللائمة، ويقول (١) لها: إنما أُتيت من قِبَلكِ ولو كان فيك خير لأُجِبْتُ. وهذا اللوم أَحب إِلى الله من كثير منِ الطاعات؛ فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأَنه أَهل لما نزل من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاءِ؛ فلذلك تسرع إِليه حينئذ إِجابة الدعاءِ، وتفريج الكرب، فإِنه تعالى عند المنكسرة قلوبُهُم من أَجله. * * * قال وهب: تعبَّد رجل زمانا ثم بدت له إِلى الله حاجة فصام سبعين سبتا يأْكل في كل سبت إِحدى عشرة تمرة، ثم سأَل الله حاجته فلم يُعطَهَا، فرجع إِلى نفسه فقال: منكِ أُتيت، لو كان فيكِ خير أُعطِيتِ حاجتك. فنزل إِليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك (٢). أخرجه ابن أَبي الدنيا (٣). ولبعض المتقدمين في هذا المعنى: عسى ما ترى أن لا يدومَ وأن تَرى … له فَرَجًا مما ألحّ به الدهْرُ عصي فرَجٌ يأْتي به الله إِنه … له كلّ يَوْم في خَليقته أَمْرُ إِذا لاحَ عُسْرٌ فارْجُ يُسْرًا فإِنه … قضَى الله أَن العُسْر يَتْبعُهُ اليُسْرُ (٤)

стр. 562

الحديث العشرون عَنْ أَبي مَسعُود: عُقْبَة بْنِ عَمْرٍ والأَنصَاريِّ الْبَدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْت". رَوَاهُ البُخاريُّ (١). * * * [تخريج الحديث]: * هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي لن حُذَيفة، عن أَبي مسعود، عن النبي ﷺ . * وأَظن أَن مسلمًا لم يخرجه؛ لأَنه قد رواه قوم فقالوا: عن ربعي، عن حُذَيفة، عن النبي ﷺ ؛ فاختلف في إِسناده، لكن أَكثر الحفاظ حكموا بأَن القول قول من قال: عن أبي مسعود؛ منهم البخاري، وأبو زُرْعة الرازي، والدارقطني، وغيرهم. ويدل على صحة ذلك أَنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (٢). * وخرجه الطبراني من حديث أَبي الطفيل عن النبي ﷺ أيضًا (٣). * * * [من المأثور عن الأنبياء]: فقوله ﷺ : "إن مما أَدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى" يشير إلى أن هذا مأَثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأَن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل

стр. 563

على أَن النُّبُوَّات المتقدمة جاءَت بهذا الكلام، وأنَّه اشتُهِر بين الناس حتى وصل إلى أول هذ الأَمة. وفي بعض الروايات قال: "لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِلا هذا". خرجها عبيد بن زَنْجَوَيْه، وغيرُهُ. * * * [معنى إِذا لم تستح فاصنع ما شئت]: * وقوله: "إِذا لم تستحي فاصنع ما شئت" في معناه قولان (١): أحدهما: أَنه ليس بمعنى الأَمر أن يصنع ما شاءَ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه. وأَهل هذه المقالة لهم طريقان: * أحدهما: أَنه أمر بمعنى التهديد والوعيد. والمعنى إذا لم يكن لك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : "من باع الخمر فلْيُشَقِّصِ الخنازير" (٤).

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 565

يعني ليقطعها إِما لبيعها أَو لأَكلها" (١). وأَمثلته متعددة. وهذا اختيار جماعة منهم أَبو العباس: ثعلب (٢). * * * * والطريق الثاني: أنه أَمر، ومعناه الخبر. والمعنى: أَن من لم يستحي صنع ما شاءَ، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياءُ، فمن لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاءَ ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياءٌ على حد قوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار" (٣).
следующие страницы →