[السلوك الأمثل في هذا]:
وأَيضًا فإِن المؤمن إِذا استبطأَ الفرج، وأَيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أَثر الإِجابة - يرجع إِلى نفسه باللائمة، ويقول (١) لها: إنما أُتيت من قِبَلكِ ولو كان فيك خير لأُجِبْتُ.
وهذا اللوم أَحب إِلى الله من كثير منِ الطاعات؛ فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأَنه أَهل لما نزل من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاءِ؛ فلذلك تسرع إِليه حينئذ إِجابة الدعاءِ، وتفريج الكرب، فإِنه تعالى عند المنكسرة قلوبُهُم من أَجله.
* * *
قال وهب: تعبَّد رجل زمانا ثم بدت له إِلى الله حاجة فصام سبعين سبتا يأْكل في كل سبت إِحدى عشرة تمرة، ثم سأَل الله حاجته فلم يُعطَهَا، فرجع إِلى نفسه فقال: منكِ أُتيت، لو كان فيكِ خير أُعطِيتِ حاجتك. فنزل إِليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك (٢).
أخرجه ابن أَبي الدنيا (٣).
ولبعض المتقدمين في هذا المعنى:
عسى ما ترى أن لا يدومَ وأن تَرى … له فَرَجًا مما ألحّ به الدهْرُ
عصي فرَجٌ يأْتي به الله إِنه … له كلّ يَوْم في خَليقته أَمْرُ
إِذا لاحَ عُسْرٌ فارْجُ يُسْرًا فإِنه … قضَى الله أَن العُسْر يَتْبعُهُ اليُسْرُ (٤)
стр. 562
الحديث العشرون
عَنْ أَبي مَسعُود: عُقْبَة بْنِ عَمْرٍ والأَنصَاريِّ الْبَدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْت".
رَوَاهُ البُخاريُّ (١).
* * *
[تخريج الحديث]:
* هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي لن حُذَيفة، عن أَبي مسعود، عن النبي ﷺ .
* وأَظن أَن مسلمًا لم يخرجه؛ لأَنه قد رواه قوم فقالوا: عن ربعي، عن حُذَيفة، عن النبي ﷺ ؛ فاختلف في إِسناده، لكن أَكثر الحفاظ حكموا بأَن القول قول من قال: عن أبي مسعود؛ منهم البخاري، وأبو زُرْعة الرازي، والدارقطني، وغيرهم.
ويدل على صحة ذلك أَنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (٢).
* وخرجه الطبراني من حديث أَبي الطفيل عن النبي ﷺ أيضًا (٣).
* * *
[من المأثور عن الأنبياء]:
فقوله ﷺ : "إن مما أَدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى" يشير إلى أن هذا مأَثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأَن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل
стр. 563
على أَن النُّبُوَّات المتقدمة جاءَت بهذا الكلام، وأنَّه اشتُهِر بين الناس حتى وصل إلى أول هذ الأَمة.
وفي بعض الروايات قال: "لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِلا هذا".
خرجها عبيد بن زَنْجَوَيْه، وغيرُهُ.
* * *
[معنى إِذا لم تستح فاصنع ما شئت]:
* وقوله: "إِذا لم تستحي فاصنع ما شئت" في معناه قولان (١):
أحدهما: أَنه ليس بمعنى الأَمر أن يصنع ما شاءَ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه. وأَهل هذه المقالة لهم طريقان:
* أحدهما: أَنه أمر بمعنى التهديد والوعيد.
والمعنى إذا لم يكن لك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ :
"من باع الخمر فلْيُشَقِّصِ الخنازير" (٤).
يعني ليقطعها إِما لبيعها أَو لأَكلها" (١).
وأَمثلته متعددة. وهذا اختيار جماعة منهم أَبو العباس: ثعلب (٢).
* * *
* والطريق الثاني: أنه أَمر، ومعناه الخبر. والمعنى: أَن من لم يستحي صنع ما شاءَ، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياءُ، فمن لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاءَ ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياءٌ على حد قوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار" (٣).
стр. 566
فإِن لفظه لفظ الأَمر ومعناه الخبر، وأَن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار.
وهذا اختيار أبي عبيد: القاسم بن سلام ﵀، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم.
وروى أَبو داود عن الإِمام أَحمد ما يدل على مثل هذا القول.
[من نزع منه الحياء فهو شيطان مريد]:
* وروى ابن لهيعة، عن أبي قِبيلٍ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إِذا أَبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء، لم تلقه إلا بغيضًا مُبَغَّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأَمانة نزع منه الرحمة، وإِذا نزع منه الرحمه نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإِذا نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام لم تلْقَه إِلا شيطانًا مَريدًا".
* خرجه حميد بن زنجويه، وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أَيضًا (١).
[من أقوال السلف في هذا]:
* وعن سلمان الفارسي قال:
* إِن الله إِذا أراد بعبدٍ هَلاكًا نزع منه الحياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إِلا مَقيتًا مُمقَّتًا، فإِذا كان مقيتًا ممقتا نزع منه الأمانة، فلم تلقه؛ إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونا نزع منه الرحمة، تلقه؛ إلا فظًّا غليظًا، فإذا كان فظًّا غليظًا نزع رِبْقَةَ الإيمان
стр. 567
من عنقه، فإذا نزع رِبْقَةَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينا ملعَّنا.
* وعن ابن عباس ﵄ قال:
"الحياءُ والإيمان في قَرَن، فإِذا نزع الحياءُ تبعه الآخر".
خرجه كلَّه حميد بن زنجويه في كتاب الأَدب.
* * *
* وقد جعل النبي ﷺ الحياءَ من الإيمان كما في الصحيحين، عن ابن عمر ﵄:
"أَن النبي ﷺ مر على رجل وهو يعاتب أَخاه بالحياء يقول: إنك لَتستحي؟! حتى كأَنه يقول: قد أَضرّ بك؟ فقال رسول الله ﷺ : "دعه؛ فإن الحياءَ من الإيمان" ولفظه للبخاري (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
"الحياء شعبة من الإِيمان" (٢).
* وفي الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "الحياء لا يأْتي إِلا بخير". وفي رواية لمسلم قال: "الحياءُ خير كله، أو قال: الحياءُ كله خير (٣) ".
* وخرج الإِمام أَحمد والنسائي من حديث الأشج العَصَري قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِن فيك لخصلتين يحبهما الله" قلت: ما هما؟ قال: "الحلم والحياء"، قلت: أَقديما كان أَو حديثا؟ قال: "بل قديما". قلت: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله (٤).
стр. 568
* وقال إِسماعيل بن أَبي خالد: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ وعنده رجل فاستسقى فأُتي بماءِ فشرب فستره النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: "الحياءُ [والإيمان]، أوتوهما وَمُنِعْتُمُوهُما" (١).
* * *
[الحياء نوعان]:
* واعلم أَن الحياءَ نوعان:
[النوع الأول]:
* أحدهما: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو من أَجلِّ الأَخلاق التي يمنحها الله العبد، ويجبله عليها، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "الحياءُ لا يأْتي إِلا بخير" (٢) فإِنه يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءَة الأَخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأَخلاق ومعاليها؛ فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.
* وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال:
"من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي! ".
* * *
* وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أَهل الشام -:
"تركتُ الذنوبَ حياءً أَربعين سنة، ثم أَدركني الورَع".
* * *
* وعن بعضهم قال: "رأَيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءَة، فاستحالت ديانة".
* * *
стр. 569
[النوع الثاني]:
* النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأَعين، وما تخفي الصدور، فهذا من أَعلى خصال الإيمان، بل هو من أَعلى درجات الإحسان وقد تقدم (١) أَن النبي ﷺ قال لرجل: "استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالح عشيرتك".
* وفي حديث ابن مسعود: "الاستحياءُ من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء".
* خرجه الإمام أحمد (٢)، والترمذي (٣) مرفوعًا.
وقد يتولَّد الحياءُ من الله من مطالعة نعمِه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلب العبد الحياءَ المكتسَب والغريزي لم يبق ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأَخلاقِ الدنيئة؛ فصار كأَنه لا إيمان له.
* * *
* وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ قال: الحياءُ حياءان: طرف من الإِيمان، والآخر عجز.
ولعله من كلام الحسن.
* وكذلك قال بشر بن كعب العدوي لعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف. فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه (٤)؟!.
والأمر كما قاله عمران ﵁؛ فإِن الحياءَ الممدوح في كلام النبي ﷺ : إنما يريد به الخلق الذي يحثُّ على فعل الجميل، وترك القبيح.
стр. 570
فأَما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أَو حقوق عباده - فليس هو من الحياء؛ فإنما هو ضعف وخور، وعجز (١) ومهانة. والله أَعلم.
* * *
[القول الثاني في معنى فاصنع ما شئت]:
* والقول الثاني في معنى قوله: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" أَنه أمر بفعل ما يشاءُ على ظاهر لفظه (٢). وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحيا من فعله، لا من الله ولا من الناس لكونه من أَفعال الطاعات، أَو من جميل الأَخلاق والآداب المستحْسَنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت.
* * *
* وهذا قول جماعة من الأَئمة منهم: أَبو إسحاق المروزي الشافعي.
* وحكي مثله عن الإمام أَحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أَبي داود المختصرة عنه، والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخَلَّال في كتاب الأدب.
* * *
* ومن هذا قول بعض السلف، وقد سئل عن المروءة فقال: أَن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.
* وسيأتي قول النبي ﷺ : "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" في موضعه من هذا الكتاب. إن شاءَ الله تعالى.
* وروى عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل من مُزَينة قال: قيل: يا رسول الله! ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: الخلق الحسن. قال: فما شر ما أُوتي الرجل المسلم؟ قال: "إذا كرهت أَن يرى عليك شيء في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت".
* وفي صحيح ابن حبان عن أُسامة بن شريك، قال: قال رسول الله ﷺ .
стр. 571
"ما كره [الله]، منك شيئًا فلا تفعله إِذا خلوت" (١).
* وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال:
"أن تعمل في السر عمل العلانية" (٢).
* وخرجه أيضًا من حديث أَبي عامر السّكوني قال: قلت: يا رسول الله! فذكرهُ (٣).
* وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدَّث بإِسناده عن حرملة بن عبد الله، قال:
أَتيت النبي ﷺ لأَزداد من العلمِ فقمت بين يديه فقلت: يا رسول الله! ما تأمُرني أَن أَعمل به؟ قال: "ائْتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكَرَ، وانظر الذي سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أَن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه".
قال: "فنظرت فإِذا هما أَمرأن لم يتركا شيئًا: إتيان المعروف، واجتناب المنكر". * وخرجه ابن سعد في طبقاته بمعناه (٤).
* وحكى أَبو عبيد (٥) في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير (٦)، قال: معناه
стр. 572
أَن يريد الرجل أَن يعمل الخير فيدعه حياءً من الناس كأنه يخاف الرياءَ. يقول فلا يمنعك الحياءُ من المضي لما أَردت، كما جاءَ في الحديث: إذا جاءَك الشيطان وأَنت تصلى فقال: إِنك ترائي فزدها طولًا. ثم قال أَبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سيافه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس.
قلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إِذا استحييت مما لا يُستحيا منه فافعل ما شئت. ولا يخفى بُعد هذا من لفظ الحديث ومعناه. والله أَعلم
стр. 573
الحديث الحادي والعشرون
عَنْ أَبي عَمْرِو، وَقِيلَ أَبِي عَمْرَةَ: سُفْيَانَ بْن عبد الله ﵁ قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُول الله؛ قُلْ لِي في الإِسْلام قَولًا، لا أَسأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثمَّ استَقمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم (١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان. ومصفيان: هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بنِ الخطاب على الطائف.
وفد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَرَ بزيادات.
فخرّجه الإمام أحمد (٢)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٤)، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز.
وعند الترمذي من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيانَ بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أَعْتَصمُ به. قال: "قل: رَبِّيَ الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله: ما أَخوفُ ما تخافُ عليّ؟ فأخذ بلسان نَفْسِه ثم قال: "هذا".
стр. 574
وقال الترمذي: حسن صحيح.
* وخرّجه الإمام أحمد، والنسائي (١) من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أَبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام ولا أسأَل عنه أحدًا بَعْدَك؟ قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم" قلت: فما أَتقي؟ قال: فأَومأ إلى لسانه (٢).
* وقال سفيان بن عبد الله ﷺ : "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك" طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا؛ حتى لا يحتاج - بعده - إلى غيره؛ فقال له النبي ﷺ : "قل: آمنت بالله ثم استقم".
وفي الرواية الأخرى: "قل ربي الله ثم استقم".
[علاقة الحديث بالقرآن]:
* هذا منتزعٌ من قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣) وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
* وخرّج النَّسَائِي في تفسيره من رواية سهيل بن أَبي حزم (٥)، حدثنا ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: قالها الناس ثم كفروا؛ فمن مات عليها؛ فهو من أهل الاستقامة.
وخرّجه الترمذي ولفظه: فقال: "قد قال الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها؛ فهو ممن استقام" وقال: حسن غريب (٦).
وسهيل تُكُلِّم فيه من قِبل حفظه.
стр. 575
وقال أَبو بكر الصديق في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: قال: لم يشركوا بالله شيئًا.
* وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ربُّهم (١).
* وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أَرْخَصُ آية في كتاب الله ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله (٢).
* وروي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أَسلم، والسّدِّي، وعِكرمة، وغيرهما.
* وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر ﴿إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: لم يروغوا روغان الثعلب (٣).
* وروى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه (٤).
* وعن أبى العالية قال: أَخلصوا له الدين والعمل (٥).
وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله.
وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم! أنت ربنا فارزقنا الاستقامة (٦).
* ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد؛ إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله" فإِن الإِله هو المعبود الذي يُطاع فلا يُعْصى؛ خشيةً، وإِجلالًا، ومهابة، ومحبةً، ورجاء، وتوكُّلًا، وَدُعَاءً. والمعاصي كلُّها قادِحةٌ في هذ التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٧).
* قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه (٨).
стр. 576
فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
* وأما على رواية من رَوَى: "قل: آمنت بالله، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومَن تابعَهُم من أهل الحديث، وقال الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) فأمره أن يستقيم ومن تاب معه، وأن لا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالهما (٢) مطّلع عليها؛ قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٣).
وقال قتادة: أُمِر محمد ﷺ أن يستقيم على أمر الله (٤).
وقال الثوري: على القرآن (٥).
وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية شمّر رسول الله ﷺ فما رُئي ضاحكًا.
خرجه ابن أبي حاتم.
وذكر القشيري وغيره عن بعضهم: أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: يا رسول الله! قلتَ شيَّبتني هُودٌ وأَخواتُها فما شيَّبَك منها؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٦).
وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (٧).
وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عمومًا كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
стр. 577
الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١).
* وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تينك (٢) الآيتين.
والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم (٣) من غير تَعريج (٤) عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها: الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك؛ فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.
[حكمة اقتران الاستقامة بالاستغفار]:
* وفي قوله : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي ﷺ لمعاذ: "اتَّق الله حيثُما كُنْتَ، وأتْبع السيئةَ الحسنةَ تَمحُها (٥).
* وقد أَخبر النبي ﷺ أن الناس لن يُطيقوا (٦) الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "استقيموا ولن تُحصُوا (٧)، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٨).
* وفي رواية للإمام أحمد ﵀: "سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن" (٩).
стр. 578
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سدِّدُوا وقاربوا" (١) فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإِصابة في جميع الأقوال والأَعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه (٢).
* وقد أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ أن يسأل الله السداد والهدى، وقال له: "اذكر بالسَّداد تَسْدِيدَك السهم، وبالهدى هدايتَك الطريق" (٣).
* والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السّداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد، ويدل عليه قول النبي ﷺ في حديث الحكم بن حَزْن (٤) الكُلَفي: "أيها الناس إِنكم لن تعملوا أو لن تطيقوا كلَّ ما أمرتكم ولكن سدَّدوا وأَبشروا" (٥).
والمعنى: اقصدوا التسديد والإِصابة والاستقامة، فإِنهم لو سددوا في العمل كلِّه لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كلَّه.
[أصل الاستقامة]:
* فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق وغيره
стр. 579
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) بأنهما لم يلتفتوا إلى غيره (٢).
* فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته ومحبته وإِرادته، ورجائه ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه: استقامت الجوارح كلُّها على طاعته؛ فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإِذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه.
* وكذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٣) بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.
[ماذا بعد استقامة القلب]:
* وأعظم ما يُراعَى استقامَتُهُ بعد القلب من الجوارح: اللسان؛ فإِنه تَرْجُمَان القلب، والمعَبِّرُ عنه.
ولهذا لما أمر النبي ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي (٤) بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه (٥)؛ وفي (٦) مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يستقيم إِيمانُ عبد حتى يَسْتَقَيمَ قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (٧).
стр. 580
وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد الخُدْريّ مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابنُ آدم فإِن الأعضاء كلَّها تُكفِّر (١) لِلِّسان، فتقول: اتق الله فينا؛ [فإنما نحن (٢) بك]؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوجَجْنا" (٣).
стр. 581
الحديثِ الثاني والعشرون
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: [جَابِر بْنِ عَبْد الله الأَنْصَاريّ ﵄]: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ:
أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيتُ المكتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلتُ الحلال، وَحَرَّمتُ الحرَام، وَلَم أَزِدْ عَلى ذَلك شَيْئًا، أَدْخُلُ الجْنَّة؟ قَالَ: "نَعَمْ". رَوَاهُ مُسْلم (١).
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي الزبير، عن جابر، وزاد في آخره: "قال: والله لا أزيدُ على ذلك شيئًا" (٢).
وخرجه أيضًا (٣) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله! أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرَمتُ الحرام، وأحللتُ الحلال، ولم أزِد على ذلك شيئًا أدخلُ الجنة؟ قال النبي ﷺ : "نعم".
* * *
[تحليل الحلال وتحريم الحرام]:
وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه.
ويُحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلال هاهنا عبارة عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب، والمستحب، والمباح، ويكون المعنى: أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.
وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود، وابن عباس في قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (٤) قالوا: يُحِلُّون
стр. 582
حلاله، ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه (١).
* * *
[المراد بالتحليل والتحريم]:
والمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٢).
والمراد: أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلُّونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرمونه بذلك.
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٣).
وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تَناول بعض الطيبات، زُهْدًا في الدنيا؟ وتَقشُّفًا، وبعضهم حرَّم ذلك على نفسه (٤)، إِما بيمين حَلف بها أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم أمتنع منه من غير يمين ولا تحريم،
стр. 583
فسمي الجميع تحريم حيث قصد الامتناع منه؛ إضرارا بالنفس وكفًّا لها عن شهواتها.
[فلان لا يحلل ولا يحرم]:
ويقال في الأمثال: "فلان لا يحلل، ولا يحرم" إذا كان لا يمتنع هن فعل حرام، ولا يقف عندما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجْعلون مَنْ فَعل الحرام ولم يتحاش (١) منه مُحلَّلا له وإن كان لا يَعْتقد حِلَّه.
وبكل حال فهذا الحديث يدلُّ على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة.
[تواتر الأحاديث بهذا المعنى]:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بهذا المعنى أو ما هو قريب منه، كما خرج (٢) النَّسَائِي، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "ما من عَبْد يُصلّي الصلواتِ الخمس، ويصوم رمضان، ويُخرِجُ الزكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبع؛ إلا فُتِّحَتْ له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣).
وخرج الإِمام أحمد: والنسائي، من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ
стр. 584
قال: " مَنْ عَبَدَ الله لا يُشرك به وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصَام رمضانَ، واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة " (١).
وفي المسند عن ابنِ عباس ﵄ أن ضِمام بن ثعلبة وفد على النبي ﷺ فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلَّها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص. فقال [رسول الله ﷺ ]: " إن صَدَقَ دَخَلَ الجنَّة " (٢).
وخرجه الطبراني من وجه آخر؛ وفي حديثه قال: والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأَعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله ﷺ : " لئن صدق ليدخلن الجنة ".
وفي صحيح البخاري (٣) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: " تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصل الرحم ".
وخرجه مسلم (٤). إلا أن عنده أنه قال: " أخبرني بعمل يُدنيني من الجنة،
стр. 585
ويباعدني من النار ".
وعنده في رواية (١) فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : " إِن تَمَسَّك بما أُمِرَ به دخل الجنة ".
وفي الصحيحين (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا قال: يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عملتُه دخلت الجنة. قال: " تعبدُ الله لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاة
стр. 586
المكتوبة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان" قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقص منه. فَلما ولَّى قال النبي ﷺ : " مَن سرَّه أن يَنْظر إلى رجل مِن أهل الجنة فلينظر إلى هذا ".
وفي الصحيحين (١) عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَلاة (٢). فقال: "الصلوَاتِ الخمسَ إلا أن تطوَّع شيئًا" فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام. فقال: " شهْرَ رمضان إلا أن تطوَّع شيئًا " فقال: أخبرني بما فَرَض الله عليَّ من الزكاة. فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أَكْرمَك بالحق لا أَتطوَّع شيئًا ولا أَنقُصُ ممّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "أَفلحَ إن صَدَقَ " أو (٣) " دخل الجنة إن صَدقَ ".
ولفظه للبخاري.
وفي صحيح مسلم (٤) عن أنس ﵁ أن أعرابيا سأل النبي ﷺ فذكره بمعناه وزاد فيه: " حج البيت عن استطاع إليه سبيلًا " فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد
стр. 587
عليهن، ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ : " لئن صَدَق ليدْخُلَنَّ الجنة ".
* * *
[مراد اية عرابي]:
ومراد الأعرابي أَنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك.
* * *
[لماذا لم يذكر اجتناب المحرمات؟]:
وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة،
* * *
[وهذه هي الأعمال]:
وخرج الترمذي (١) من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: " أيها الناس! اتقوا الله، وصَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شَهرَكُم، وأَدّوا زَكاة أموالِكُم، وأطيعوا ذَا أَمْركم، تدخُلوا جنَّة ربكم ".
وقال حسن صحيح.
وخرجه الإمام أحمد (٢) وعنده: " اعبدوا ربكم. بدل قوله: " اتَّقُوا الله "،
وخرجه بَقيّ بن مَخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه: " صَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شهرَكُم، وحُجُّوا بيتَكُم، وأَدوا زكاة أموالكم طيبةً بها أنفسُكُم، تدخلوا جَنَّةَ رَبِّكم ".
стр. 588
وخرج الإمام أحمد (١) بإسناده عن ابن المنتفق قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألك عنهما: ما ينجّيني من النار، وما يُدْخِلُني الجنة؟ فقال: " لئن كنتَ أَوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطْوَلتَ، فاعْقِل عنّي إِذًا، اعْبُدِ الله لا تشركْ به شيئًا، وأَقمِ الصلاةَ المكتوبة، وأدّ الزكاةَ المفروضة، وصم رمضان، وما تحبُّ أَنْ يَفعلَهُ بِكَ النّاسُ فَافْعَلْهُ بِهِمْ، وما تكره أن يأتيَ إلَيْكَ الناسُ (٢). فذَرِ الناسَ منه ".
وفي رواية له (٣) أيضًا قال: " اتق الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتِي الزكاةَ، وتحجُّ البيتَ، وتصومُ رمضان ".
ولم يزد على ذلك.
وقيل إنَّ هذا الصحابي: هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (٤).
فهذه ا الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة.
* * *
[ارتكاب المحرم قد يمنع من دخول الجنة]:
وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع! ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد (٥) من حديث عمرو بن مُرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وصَليت الخمس، وأديتُ زكَاة مالي، وصُمْت شَهْر رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ : " من مات على هذا كان مع النبيين
стр. 589
والصديقين والشهداء يوم القِيامة هكذا " ونصب أصبعيه " ما لم يعقَّ والديه ".
* * *
[النص على دخول الجنة ببعض الأعمال]:
وقد وَرَد ترتب (١) دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة؛ ففي الحديث المشهور "من صَلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عَهَدٌ أَن يدخله الجنة " (٢).
وفي الحديث الصحيح: " من صلى البَرْدَين دخل الجنة " (٣).
[أعمال لا تكفي بدون أعمال أخرى]:
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يَعمل عمله إِلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدل على هذا ما خرجه الإِمام أحمد (٤) عن بشير بن الخصاصية (٥)
стр. 590
قال: أتيت النبي ﷺ لأُبايِعَهُ فَشَرط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيم الصلاة، وأن (١) أُوتي الزكاة، وأن أحجَّ حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهدَ في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله ﷺ ! أَمَّا اثنتان فوالله ما أطيقهما: الجهاد، والصدَقة [فإنهم زعموا أنه مَن وَلَّى الدُّبُرَ فقد باءَ بغضب من الله، فأخاف إن حَضَرْتُ تلك جَشِعَتْ نفسي، وكرهت الموت، والصدقة فوالله مالي إِلا غُنَيْمةٌ وعشرُ ذَوْدٍ هُنَّ رِسْلُ أَهْلي وَحَمُولتهم] فقبض رسول الله ﷺ يَدَه ثم حركها، وقال (٢): " فلا جهاد ولا صدقة، فَبمِ تَدخلُ الجنة إِذًا؟ " (٣) قلت: إذا (٤) يا رسول الله! أنا أبايعك. فبايَعته عليهن كُلِّهِنَّ.
* * *
[كبائر مانعة من دخول الجنة]:
ففي هذا الحديث: أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الزكاة والجهاد وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع" (٥).
وقوله: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبر " (٦).
стр. 591
وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا" (١).
* * *
[وبالدين]:
والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقْضَى (٢).
[وبالمظالم]:
وفي الصحيح: أن المؤمنين إذا جَازُوا على الصراط حُبِسُوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا) (٣).
[وبالذنب]:
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا.
فهذه كلها موانع.
* * *
стр. 592
[ظهور معنى الأحاديث الأخرى]:
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتُّبِ دخول الجنة على مجرد التوحيد؛ ففي الصحيحين (١) عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قَال: "وإن زنى وإن سرق" قالها: ثلاثا ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" فخرج أبو ذرّ يقول: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذر.
* * *
وفيهما عن عبادة بن الصامت (٢) عن النبي ﷺ قال: "مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأن عيسى عَبدُ الله ورسوله، وكلمتهُ ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقٌّ، أدخلهُ الله الجنة - على ما كان من العمل".
وفي صحيح مسلم (٣) عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشك - عن النبي ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسولُ الله لا يلقى الله - بهما عبدٌ غيرَ شاكّ فيهما فَيُحجبَ عن الجنَّة".
* * *
وفيه (٤) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال له يوما: "مَنْ لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مُسْتَيقنًا بها قَلْبُه فبشّرهُ بالجنة".
* * *
стр. 593
وفي المعنى أحاديث كثيرةٌ جدًّا.
* * *
وفي الصحيحين: عن أنس (١) أن النبي ﷺ قال يومًا لمعاذ: "ما مِنْ عَبْدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمهُ الله على النار".
وفيهما (٢) عن عِتبانَ بنِ مالك عن النبي ﷺ قال: "إن الله قد حرّم على النار مَنْ قال لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله".
[المراد بهذه الأحاديث]:
فقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة: والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع، وهي اجتناب الكبائر.
[شرط النجاة بكلمة التوحيد]:
• قال الحسن للفرزدق: "إنّ للا إله إلَّا الله شروطًا فإِياك وقذفَ المحصنة".
• وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطُّنُب (٣)، يعني أن كلمة التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنا به، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات،
• وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة؟ فقال: "مَنْ قال: لا إله إلا الله، فأدى حقّها وفرضها: دخل الجنة".
* * *
стр. 594
• وقيل لوهب بن مُنَبِّه: أَليس لا إله إلا الله مفتاحَ الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإِلا لم يفْتح لك (١).
ويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن "لا إله إلا الله" هل يضرُّ معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: " عَشِّرْ (٢) ولا تغترَّ".
[تفسير آخر للمراد]:
وقالت طائفة منهم الضحاك، والزهْري، كان هذا قبل الفرائض والحدود. فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروط زيدت عليها، وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين.
وفي هذا كلّه نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
وقال الثوري: "نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة.
ومثل هذه البيان وإزالة الإيهام كان السَّلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور.
[تفسير ثالث]:
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار معها على معصية (٣).
وجاء في مراسيل الحسن عن النبي ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مخلصًا، دخل الجنة": قيل: وما إخلاصها. قال: "أن تَحجُزك عما حرم الله".
وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة (٤).
стр. 595
[تفسير كلام الحسن البصري]:
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عَنْه - من قبل - إلى هذا، فإنَّ تحقُّق القلب بمعنى لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يُرَسَّخَ فيه تألُّهُ الله وحده؛ إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبّه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووساوسُ الشيطان؛ فمن أحب شيئًا أوّ أطاعه، وأحب عليه، وأبغض عليه، فهو إلهه.
فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له (١)، فالله إلهه حقا.
[من اتخذ إلهه هواه]:
ومن أحب لهواه (٢)، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] (٣).
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة: هو الذي كلما هوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُه عن ذلك وَرَعٌ، ولا تقوى.
ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا "ما تحت ظل السماء [من] إله يُعبد [من دون الله] أعظم عند الله من هوى متبع" (٤).
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده؛ كما قال الله ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٥).
[متى يتحقق معنى كلمة التوحيد؟]:
فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: "لا إله إلا الله" إلا لمن لَمْ يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب
стр. 596
شيء من ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي.
ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) قال: "لا تحبوا غيري"، وفي صحيح الحاكم (٢) عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "الشرك أخفى من دبيب الذّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجوْرِ، وتُبغضَ على شيء من العَدْل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
[محبَّة ما يكرهه الله شرك]:
وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه، متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه - من الشرك الخفي.
وخرّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله" تمنع العباد من سُخْط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإِذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا: "لا إله إلا الله" ردّها الله (٤) عليهم، وقال الله: كذبتم.
[وضوح معنى كلمة التوحيد]:
فتبين بهذا معنى قوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرمه الله على النار" وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فَلِقلّة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدَقت طهَّرَت من القلب كُلَّ مَا سوى الله؛ فَمَنْ صدق في قوله "لا إله إلا الله" لم يحبَّ سواه، ولم يرجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه.
ومتى بقى في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها.
стр. 597
[من آثار التوحيد]:
نار جهنم تنطفئ (١) بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور "تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورُك لَهَبِي" (٢).
وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى إن للنار ضجيجًا من بَرْدهم" (٣).
فهذا ميراث ورثه المؤمنون (٤) من حال إبراهيم ﵊، فَنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جَهَنَّم.
قال الجنيد ﵀: قالت النار: يا رب لو لم أُطِعكَ هل كنتَ تعذبني بشيء هو أشدّ منّي؟ قال: "نعم كنت أسلّطُ عليكَ ناري الكبرى" قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ قال: "نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين" وفي هذا يقول بعضهم:
ففي فؤاد المحبِّ نارُ هوىً … أَحرُّ نارِ الجحيمِ أَبْرَدُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٥).
فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم (٦) على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله.
ورجَّح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّف له مُفْرَدٍ في التوحيد، وهو حَسن.
* * *
стр. 598
الحديث الثالث والعشرون
عَنْ أبي مالِك: الحارث بنْ عاصم الأشْعَري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان. والحْمدُ للّهِ تَمْلأ الْميزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحْمدُ للّه، تَملآن أَوْ تَملأَ مَا بَيْنَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو: فَبَائعٌ، نَفْسهُ فَمُعتقُها أَو مُوبقُهَا". رَواة مُسْلمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم (١) من رواية يحيى بن أبي كثير، أن زيد بن سلام حدثه أن أبا سلام (٢) حدثه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث.
وفي أكثر نسخ صحيح مسلم (١) "والصَّبرُ ضِيَاءٌ".
وفي بعضها: "والصيام ضياء". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد ابن سلام، فأنكرهُ يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد. وفي هذه الرواية: التصريح بسماعه منه.
وخرّج هذا الحديثَ النسائِىُّ (٣) وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد ابن سلام؛ عن جده: أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك؛ فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بنَ غَنْم.
ورجَّح هذه الروايةَ بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد؛
стр. 599
من يحيى بن أبي كثير؛ ويقوي (١) ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة (٢).
وفي حديث معاوية بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير؛ فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه "إسباغ الوضوء شَطْر الإِيمان، والحمد الله تملأ الميزان، والتسبيح والتكبير ملء (٣) السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك. كل الناس يَغْدُو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعتمَها أو مُوبقُها" (٤).
وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير (٥) الذي خرجه مسلم، ولفظ حديثه: "الوضوء شطْر الإِيمان" وباقي حديثه مثلُ سياق مسلم.
وخرج الإِمام أحمد والترمذي (٦) من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن رسول الله ﷺ في يدي أو في يده: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تَملؤه، والتكبير يَمْلأُ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان".
* * *
стр. 600
[الطهور شطر الإيمان]:
فقوله ﷺ : "الطُّهور شَطر الإيمان" فسر بعضهم الطُّهورَ ها هنا بترك الذنوب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١)، وقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣).
وقال: "الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفَس بترك المعاصي".
وهذا القول محتَملٌ. لولا أن رواية: "الوضوء شَطْرُ الإيمان" تردُّه، وكذلك رواية: "وإسباغ الوضوء".
وَأيضًا ففيه نظر من جهة المعنى. فإن كثيرًا من الأعمال تُطَهر النفس من الذنوب السابقة كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور؟.
ومتى دخلت الأعمال أو بعضها في اسم الطُّهُور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطرَ الإِيمان.
* * *
[الصحيح في معنى الجملة]:
والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطُّهور هاهنا: التطهر بالماء من الأحداث.
ولذلك (٤) بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء.
وكذلك خرّجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما (٥).
* * *
[الاختلاف في معنى: الطهور بالماء شطر الإيمان]:
وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان:
* * *