← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

شيء من ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) قال: "لا تحبوا غيري"، وفي صحيح الحاكم (٢) عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "الشرك أخفى من دبيب الذّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجوْرِ، وتُبغضَ على شيء من العَدْل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). [محبَّة ما يكرهه الله شرك]: وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه، متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه - من الشرك الخفي. وخرّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله" تمنع العباد من سُخْط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإِذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا: "لا إله إلا الله" ردّها الله (٤) عليهم، وقال الله: كذبتم. [وضوح معنى كلمة التوحيد]: فتبين بهذا معنى قوله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرمه الله على النار" وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فَلِقلّة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدَقت طهَّرَت من القلب كُلَّ مَا سوى الله؛ فَمَنْ صدق في قوله "لا إله إلا الله" لم يحبَّ سواه، ولم يرجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه. ومتى بقى في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها.

стр. 597

[من آثار التوحيد]: نار جهنم تنطفئ (١) بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور "تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورُك لَهَبِي" (٢). وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى إن للنار ضجيجًا من بَرْدهم" (٣). فهذا ميراث ورثه المؤمنون (٤) من حال إبراهيم ﵊، فَنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جَهَنَّم. قال الجنيد ﵀: قالت النار: يا رب لو لم أُطِعكَ هل كنتَ تعذبني بشيء هو أشدّ منّي؟ قال: "نعم كنت أسلّطُ عليكَ ناري الكبرى" قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ قال: "نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين" وفي هذا يقول بعضهم: ففي فؤاد المحبِّ نارُ هوىً … أَحرُّ نارِ الجحيمِ أَبْرَدُهَا ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٥). فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم (٦) على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله. ورجَّح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّف له مُفْرَدٍ في التوحيد، وهو حَسن. * * *

стр. 598

الحديث الثالث والعشرون عَنْ أبي مالِك: الحارث بنْ عاصم الأشْعَري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان. والحْمدُ للّهِ تَمْلأ الْميزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحْمدُ للّه، تَملآن أَوْ تَملأَ مَا بَيْنَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو: فَبَائعٌ، نَفْسهُ فَمُعتقُها أَو مُوبقُهَا". رَواة مُسْلمٌ. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرجه مسلم (١) من رواية يحيى بن أبي كثير، أن زيد بن سلام حدثه أن أبا سلام (٢) حدثه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث. وفي أكثر نسخ صحيح مسلم (١) "والصَّبرُ ضِيَاءٌ". وفي بعضها: "والصيام ضياء". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد ابن سلام، فأنكرهُ يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد. وفي هذه الرواية: التصريح بسماعه منه. وخرّج هذا الحديثَ النسائِىُّ (٣) وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد ابن سلام؛ عن جده: أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك؛ فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بنَ غَنْم. ورجَّح هذه الروايةَ بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد؛

стр. 599

من يحيى بن أبي كثير؛ ويقوي (١) ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة (٢). وفي حديث معاوية بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير؛ فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه "إسباغ الوضوء شَطْر الإِيمان، والحمد الله تملأ الميزان، والتسبيح والتكبير ملء (٣) السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك. كل الناس يَغْدُو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعتمَها أو مُوبقُها" (٤). وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير (٥) الذي خرجه مسلم، ولفظ حديثه: "الوضوء شطْر الإِيمان" وباقي حديثه مثلُ سياق مسلم. وخرج الإِمام أحمد والترمذي (٦) من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن رسول الله ﷺ في يدي أو في يده: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تَملؤه، والتكبير يَمْلأُ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان". * * *

стр. 600

[الطهور شطر الإيمان]: فقوله ﷺ : "الطُّهور شَطر الإيمان" فسر بعضهم الطُّهورَ ها هنا بترك الذنوب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١)، وقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣). وقال: "الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفَس بترك المعاصي". وهذا القول محتَملٌ. لولا أن رواية: "الوضوء شَطْرُ الإيمان" تردُّه، وكذلك رواية: "وإسباغ الوضوء". وَأيضًا ففيه نظر من جهة المعنى. فإن كثيرًا من الأعمال تُطَهر النفس من الذنوب السابقة كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور؟. ومتى دخلت الأعمال أو بعضها في اسم الطُّهُور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطرَ الإِيمان. * * * [الصحيح في معنى الجملة]: والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطُّهور هاهنا: التطهر بالماء من الأحداث. ولذلك (٤) بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء. وكذلك خرّجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما (٥). * * * [الاختلاف في معنى: الطهور بالماء شطر الإيمان]: وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان: * * *

стр. 601

[١] فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء، لا أنه النصف بعينه؛ فيكون الطُّهورُ جزءا من الإيمان. وهذا فيه ضعف؛ لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ولأن في حديث الرجل من بني (١) سليم "الطهور نصف الإيمان" كما سبق. * * * [٢] ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعَف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإِيمان لكن من غير تضعيف. وفي هذا نظر وضعف وبُعْد. * * * [٣] ومنهم من قال: الإيمان يكفر الكبائرَ كلها، والوضوء يكفر الصغائر؛ فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار. وهذا يرده حديث "من (٢) أساء في الإسلام أُخذ بما عَمِلَ في الجاهلية". وقد سبق ذكره (٣). * * * [٤] ومنهم من قال: الوضوء يكفر الذنوب مع الإِيمان، فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف. [٥] ومنهم من قال: المراد بالإيمان هاهنا الصلاة كما في قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤) والمراد صلاتكم إلى بيت القدس، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة، فالصلاة لا تقبل إلا بطُهور، فصار الطُّهور شَطْرَ الإيمان (٥) بهذا الاعتبار. وحَكى هذا التفسيرَ محمدُ بن نصر المروزي في كتاب الصلاة (٦)، عن إسحاق بن

стр. 602

راهويه، عن يحيى بن آدم، وأنَّه قال في معنى قولهم: "لا أدري: نصفُ العلم" إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر. * * * [ابن رجب يوضح ويرجح ويستشهد]: قلت: كل شيء كان تحته نوعان؛ فأحدهما نصفٌ له. وسواء كان عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر؛ ويدل على هذا حديث: "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين (١) " والمراد: قراءة الصلاة، ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب، والمسألة حق العبد، وليس المرادُ قسمةَ كلماتها على السواء. وقد ذكر هذا: الخطَّابيُّ (٢)، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حضر، قال: وليس على تساوى الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما وإن تفاوتت مُدَّتاهُما. ويقول شُرَيحٌ - وقد قيل له (٣): "كيف أصْبَحْتَ؟ " قال: "أصبحتُ ونصفُ الناس عليّ غضبان؟! ". يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليه (٤)، والمحكوم له راض عنه؛ فهما حِزْبان مختلفان، ويقول الشاعر:

стр. 603

إذا مِتُّ كان الناس نصفين: شَامِتٌ … بموتي، ومُثْنٍ بالذي كُنْتُ أَفْعَلُ ومراده أنهم ينقسمون قسمين. • قلت: ومن هذا المعنى: حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض أنها نصف العلم، أخرجه ابن ماجه (١). فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض. • وقال ابن مسعود: الفرائض ثلث العلم، ووجه ذلك: الحديث الذى خرجه أبو داود وابن ماجه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سُنَّةٌ قائمة، أو فريضةٌ عادلة". • وروي عن مجاهد أنه قال: "المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء" ولعله أراد أن الوضوء: قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذ من السنة، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهر (٣) باطن الجسد، وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار. • ومنه قول ابن مسعود: "الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله". • وجاء من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا "الإيمان نصفان نِصْفٌ في الصبر،

стр. 604

ونصفٌ في الشكر" (١). * * * فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات. ولا يُنَالُ ذلك كلُّه؛ إلا بالصبر: كان الصبرُ نصفَ الإيمان؛ فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصفُ الصلاة. وأيضًا فالصلاة تكفِّر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شَطْرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا؛ كما في صحيح مسلم (٢) عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يتطهر، فَيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتبَ عليه؛ فيصلي هذه الصلواتِ الخمسَ إلا كانت كفارةٌ لما بينهنَّ". وفي رواية له (٣): "من أَتَمَّ الوضوء كما أمره الله؛ فالصلوات المكتوبات كفاراتٌ لما بينهنَّ". وأيضًا فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما خرجه الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥) من حديث جابر مرفوعًا، وكلُّ من الوضوء والصلاة موجب لفتح أبواب الجنة، كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر (٦) سمع النبي ﷺ يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيُحِسنُ وضوءه (٧) ثم يقوم فيصلي ركعتين يُقبل (٨) عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". * * *

стр. 605

• وعن عقبة عن عمر (١) عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيُبْلِغُ أو يُسْبِغُ الوضوء ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِّحَتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أَيِّها شاءَ". "وفي الصحيحين (٢) عن عبادة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أَمَتِه وكلمتهُ ألقاها إلى مريمَ وَرُوحٌ منه، وأن الجنَّةَ حق، وأَنَّ النارَ حقٌّ، أدخله الله من أيّ أبواب الجنة الثمانية شاءَ". * * * "فإذا كان الوضوء مع الشهادتين مُوجِبًا لفتح أبواب الجنة صار الوضوء نصفَ الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار. [الوضوء والتطهر من الإيمان]: وأيضًا فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي ﷺ : "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٣). والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خمسٌ مَنْ جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنة: مَنْ حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن، وسجودهن

стр. 606

ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيّب النفس بها"، قال وكان يقول: "وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصيامُ رمضان، وحجُّ البيت مَن استطاع إليه سبيلًا، وأداءُ الأمانة" قالوا: "يا أبا الدرداء: وما أداء الأمانة؟ " قال: "الغُسل من الجَنَابَة، فإن الله لما يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها (١) ". • وخرّج ابن ماجه من حديث أبي أيوب (٢) عن النبي ﷺ قال: "الصلواتُ الخمس، والجُمُعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفَّارهٌّ لما بينهن" قيل: "وما أداء الأمانة؟ " قال: "الغسل من الجنابة؛ فإن تحتَ كل شعرة جنابةً". • وحديث أبي الدرداء الذي قبله: جَعل فيه الوضوء، من أجزاء الصلاة. • وجاء في حديث خرجه البزار من رواية شبابة بن سَوّار: حدثنا المغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصلاة ثلاثة أثلاث: الطُّهور ثلُث، والركوعُ ثُلُث، والسجود ثلُث؛ فمن أداها بحقها قُبلت منه، وقُبل منه سائِرُ عمله. ومَن رُدَّتْ عليه صلاتُه رُدَّ عليه سائِرُ عمله" (٣). وقال: تفرّد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي صالح عن كعب من قوله. فعلى هذا التقسيم: الوضوء ثُلُثُ الصلاة، إلا أن تجعل الركوعَ والسجودَ كالشيء الواحد؛ لتقاربهما في الصورة؛ فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضًا.

стр. 607

[واحتمال آخر]: ويحتمل أن يقال: خصِالُ الإيمان من الأعمال والأقوالِ كلِّها تطهر القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختصُّ بتطهيرِ الجسد وتنظيفِه؛ فصارت خصالُ الإيمان قسمين: أحدهما يطهر الظَّاهر، والآخر يطهر الباطن؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار. والله أعلم بمراده، ومراد رسوله في ذلك كله. * * * [والحمد لله تملأ الميزان]: وقوله ﷺ : "والحمد لله: تملأُ الميزانَ وسبحان الله والحمد لله: تملآن أو تملأُ ما بين السّمواتِ والأرضِ". فهذا شك من الراوي في لفظه. وفي رواية النَّسَائِي (١)، وابن ماجه: "والتسبيح والتكبير مِلْءُ السماء والأرض". • وفي حديث الرجل من بني سليم (٢): "التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض". • وخرّج الترمذي من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دونَ الله حجاب؛ حتى تَصِل إليه". وقال: ليس إسناده بالقوي (٣). قلت: "اختلف في إسناده على الإفريقي، فَرُوي عنه، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وفيه زيادة: "والله أكبر ملءُ السموات والأرض". • وروى جعفر الفريابي في كتاب "الذكر" وغيره من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الحمد لله ملءُ الميزان، وسبحان الله نصفُ الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملءُ السَّماوات والأرض وما بَيْنَهُنَّ".

стр. 608

• وخرّج الفريابي أيضا من حديث معاذ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كلمتان إحداهما مَن قالها لم يكن لها (١) ناهِيَةٌ دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر". * * * [ما تضمنته هذه الأحاديث]: فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". * * * [الحمد لله]: فأما "الحمد لله" فاتفقت الأحاديث كلُّها على أنه يملأ الميزان (٢)، وقد قيل إنه ضرب مثل، وإن المعنى: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله يمثل أعمال بني آدم، وأقوالَهم صُوَرًا تُرَى يوم القيامة، وتُوزَنُ كما قال النبي ﷺ : "يأتي القرآن يوم القيامة تَقْدُمُهُ "البقرة" و"آل عمران" كأنهما غَمامتان أو غَيَايَتَان (٣) أو فِرْقَان (٤) من طير صَوَافَّ" (٥).

стр. 609

• وقال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (١). • وقال: "أثقل ما يوضع في الميزان: الخلق الحسن" (٢). وكذلك المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة؛ والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة (٣). • وروي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه (٤).

стр. 610

وأن القرآن يَصْعَدُ فيشفع له (١). [سبحان الله]: وأما سبحان الله ففي رواية مسلم: "سبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض". فضك الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض - هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ • وفي رواية النَّسَائِي، وابن ماجه: "التسبيح والتكبير ملء (٢) السماء والأرض". وهذه الرواية أشبه (٣). وهل المراد أنهما معًا يملآن ما بين السماء والأرض؟، أو أن كُلًّا منهما يملأ ذلك؟ هذا محْتَمل. • وفي حديث أبي هريرة ﵁ والرجل الآخر: أن التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض (٤). * * * [بين التسبيح والتحميد]: • وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل، كما جاء صريحًا في حديث عليّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سليم ﵃: "أن التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه" وسبب ذلك: أن التحميدَ إثباتُ المحامد كلها لله، فدخل خل في ذلك إثباتُ صفات الكمال، ونعوتِ الجلال كلها. • والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات، والإثباتُ أكملُ من السَّلْب. ولهذا لم يَردِ التسبيح مجردًا، لكن مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال؛ فتارة يقرن بالحمد كقوله: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله، والحمد لله".

стр. 611

وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله: "سبحان الله العظيم". فإن كان حديث أبي مالك يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير، فالأمر ظاهر. وإن كان المراد أن كُلًّا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان أَوْسَع (١) مما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكثر (٢) مما يملأ ما بين السماء والأرض. ويدل عليه أنه صح عن سلمان ﵁ أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزن فيه السماوات والأرض لوَسِعَتْ (٣) فتقول الملائكة: " ياربّ! لمن تَزِنَ هذا". فيقول الله تعالى: "لمن شئتُ من خلقي"، فتقول الملائكة: "سبحانك! ما عبدناك حقَّ عبادتك؟! ". وخزجه الحاكم مرفوعًا وصححه (٤). ولكن الموقوف هو المشهور. [التكبير]: • وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه - وحده - يملأ ما بين السماء (٥) والأرض. وفي حديث علي: أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات (٦) والأرض وما بينهنّ. * * * [التهليل وحده]: وأما التهليل وحده؛ فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبينه. • وخرج الترمذي (٧) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 612

"ما قال عبد: "لا إله إلا الله" قط (١) مخلصًا إِلا فُتِّحَتْ له أبوابُ السماء حتى تُفْضِىَ إلى العرش ما اجْتُنِبَت الكبائرُ". وقال أبو أمامة: "ما من عبد يهلل تهليلة فَيُنَهْيهُهَا (٢) شيء دون العرش". وورد أنه: لا يَعْدِلُهَا شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور (٣). • وقد خرّجه أحمد والترمذي (٤) والنسائي، وفي آخره عند الإمام أحمد: ولا يثقل شيء "بسم الله الرحمن الرحيم" (٥). • وفي المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ (٦) عن النبي ﷺ أنه قال: "إن نوحًا ﵇ لا حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بـ "لا إله إلا الله"، فإن السموات السبع، لو وضعت في كِفَّة ووضعت "لا إله إلا الله" في كفّة رجحت بهنّ: "لا إله إلا الله". • وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ (٧) عن النبي ﷺ قال: "إن

стр. 613

موسى ﵊ قال: "يارب! عَلِّمْني شيئًا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله قال: كل عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئًا تخصُّني به؟ قال: يا موسى! لو أن السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامرَهُنَّ غَيْرِي والأَرْضيَن السبعَ في كِفَّة و "لا إله إلا الله" في كِفّة مَالَتْ بِهِنَّ "لا إله إلا الله". [بين الحمد والتهليل]: وقد اختلف في: أي الكلمتين أفضَل؟ أكلمةُ الحمد أم كلمةُ التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البر وغيره. • وقال النَّخعي: "كانوا يَروْن أن الحَمد أكثرُ الكلام تضعيفًا". • وقال الثوري: "ليس يضاعَف من الكلام مثلُ "الحمد لله". والحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد، وأبي هريرة (١) عن النبي ﷺ قال: "إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: "سبُحان الله" و "الحمدُ لله" و "لا إله إلا الله" و "الله أكبر" فمن قال: "سبحان الله" كُتِبَت له عشرون حسنة، أو حُطّتْ عنه عشرون سيئة، ومن قال: "الله أكبر" مثلُ ذلك، ومن قال: "لا إله إلا الله" مثلُ ذلك، ومن قال: "الحمد لله رب العالمين" من قِتل نفسه كتِبَت له ثلاثون حسنة، أو حُطَّت عنه ثلاثون سيئة". وقد روي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصحُّ من المرفوع (٢). [والصلاة نور … إلخ]: • وقوله ﷺ : "والصَّلاة نورٌ، والصَدَقة بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضياءٌ". وفي بعض نسخ صحيح مسلم: "والصيام ضياء". • فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها، لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور مطلق.

стр. 614

ويروى بإسنادين فيهما نظر، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "الصلاة نورُ المؤمن (١) ". فهي للمؤمنين في الدنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم". • ولهذا كانت قرةَ عين التقين؛ كما كان النبي ﷺ يقول: "جُعِلت قرة عيني في الصلاة". أخرجه أحمد والنسائي (٢). • وفي رواية: "الجائع يشبع، والظمآن يُروى، وأنا لا أشبع من حبّ الصلاة". • وفي المسند عن ابن عباس ﵄ قال: قال جبريل للنبي ﷺ : "إن الله قد حبب إليك الصلاة. فخذ منها ما شئت" (٣). • وخرج أبو داود من حديث رجل من خُزَاعة أن النبي ﷺ قال: "يا بلال! أقم الصلاة وأَرِحْنَا بِها" (٤). * * * • قال مالك بن دينار: "قرأت في التوراة: يا ابن آدم! لا تَعْجِز أن تقوم بين يدَيّ في صلاتك باكيًا، فأنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري (٥) ". يعني ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء. • وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا (٦): إذا حافظ العبد على صَلاته فأقام وضوءَها وركوعَها وسجودَها والقراءةَ فيها قالت: حفظك الله كما حفظتني، وصُعِد بها إلى السماء ولها نُورٌ حتى (٧) تنتهي إلى الله ، فتشفع

стр. 615

لصاحبها. • وهي نور للمؤمنين (في قبورهم) (١) ولا سيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء: "صلّوا ركعتين في ظُلَمِ الليل، لظلمة القبور". • وكانت "رابعة" قد فَتَرت عن ورْدِها بالليل مدة، فأتاها آتِ في منامها، فأنشدها: صلاتُكِ نورٌ والعبادُ رقُودُ … ونومُكِ ضِدٌّ للصلاةِ عَنِيدُ؟! • وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط؛ فإن الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم. • وفي المسند وصحيح ابن حبان (٢) عن عبد الله بن عمرو (٣)، عن النبي ﷺ : أنه ذكر الصلاة فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً". وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ : "من صلى الصلوات الخمسَ في جماعة جاز على الصراط كالْبَرْق اللامع في أول زُمْرة من السابقين، وجاء يوم القيامة ووجْههُ كالقمر ليلة البدر (٤) ". وأما الصدقة فهي برهان. والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى: "إن روح المؤمن تخرج من جسده، لها بُرْهانٌ كبرهان الشمس" (٥). ومنه سميت الحجة القاطعة برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دلت عليه فكذلك: "الصدقة" برهانٌ على صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضري (٦) عن النبي ﷺ : "ثلاث مَنْ فَعلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وأنّه لا إله إلا الله،

стр. 616

وأدّى زكاة ماله طَيّبَةً بها نفسُه، رافِدًة (١) عليه في كل عام". وذكر الحديث، خرجه أبو داود. وقد ذكرنا قريبًا (٢) حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيّبةً بها نفسُه. قال: وكان يقول: "لا يفعل ذلك إلا مؤمن". * * * وسبب هذا: أن المال تحبه النفوس، وتبخل به، فإذا سَمحَت بإخراجه لله دلّ ذلك (٣) على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده: ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي ﷺ ، وقاتلهم الصّدّيق على منعها. * * * والصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام. وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجْرة عن النبي ﷺ قال: "الصلاة برهان" (٤). وقد ذكرنا في شرح حديث "أمرت أن أقاتل الناس (٥) حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" أَن الصلاة هي الفارقة

стр. 617

بين (١) الكفر والإسلام (٢). وهي أيضًا: أول ما يحاسَب به المرء يوم القيامة، فإن تمَّت صلاته، فقد أفلح وأنجح (٣). وقد سبى حديث عبد الله بن عمرو (٤) فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة. وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء هو النور الذي يحصل منه (٥) نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر؛ فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (٦). [شريعة موسى وكيف أنها ضياء؟!]: ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنهما صاءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، وإن كان قد ذكر أن في التوراة نُورًا كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور﴾ (٨) لكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال. [شريعة محمد وكيف أنها نور؟!]: ووصف شريعة محمد ﷺ بأنها نورٌ لا فيها من الحنيفية السمحة قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٩). وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠). ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قتلُ الصَّبْر، وهو: أن يُحْبس الرجل حتى يُقتَلَ.

стр. 618

[الصبر المحمود]: والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله ، ومنه صبر عن معاصي الله ، ومنه صبر على أقدار الله عز رجل. والصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرَّح بذلك السلفى منهم: سعيد بن جبير، وميمونُ بن مِهْران، وغيرهما. وقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ مرفوعًا أن الصبر على المصيبة يكتَبُ به للعبد ثَلَثُمائة درجة، وأن الصبر على الطاعة يُكتب به له ستمائة درجة، وأن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة. وقد خرّجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبري (١). * * * [أفضل أنواع الصبر]: وأفضل أنواع الصبر: الصيام؛ فإنه يجمع الصبرَ على الأنواع الثلاثة؛ لأنَّه صَبرٌ على طاعة الله ، وصَبْرٌ عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواتِهِ لله ونَفْسُه قد تُنازِعُه إليها؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله يقول: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه (٢) ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي (٣). • وفيه أيضًا: صَبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش. وكان النبي ﷺ يُسمي شهْرَ الصيام: شهْرَ الصبر (٤). وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم عن النبي ﷺ : أن الصوم نصف الصبر (٥).

стр. 619

وربما عَسُرَ الوقوفُ على سر كونه نصف الصبر أكثرَ من عُسْر الوقوف على سر كون الطُّهور شَطْرَ الإيمان. والله أعلم. [والقرآن حجة لك أو عليك]: وقوله ﷺ : "والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك": قالما الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١). • قال بعض السلف: "ما جالس أحدٌ القرآن فقام عنه سالمًا بل إما أن يربح أو أن يَخْسَرَ" - ثم تلا هذه الآية. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "يمثل القرآن يوم القيامة رجلًا فيؤتى بالرجل قد حَمَله فخالفَ أمَره، فَيتَمَثَّلُ له خصْمًا فيقول: يارب حَمَّلتَه إياي فبئس حاملي، تعدّى حدُودي، وضيّع فرائضي وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج، حتى يقال: شأنَك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبّه على مِنْخَرِه في النار، ويؤُتَى بالرجُلِ الصَّالح كان قد حمله، [وحفظ أمره] (٢) فيتمثل خصمًا دونه، فيقول: يارب! حمَّلتَه إياي فخيرُ حامل، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنَك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يُلْبِسه حُلّة الإستبرق، ويعقدَ عليه تاجَ الملك، ويسقِيَهُ كأسَ الخمر" (٣). • وقال ابن مسعود ﵁: "القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ (٤) مُصدَّق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلْف ظهره قاده إلى النار". وعنه قال: "يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدًا إلي الجنة، أو يضهد عليه فيكون سائِقًا إلى النار".

стр. 620

• وقال أبو موسى الأشعري: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزْرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يَتَّبِعُكُمُ القرآن، فإنه من اتّبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتَّبَعَهُ القرآنَ زَخَّ في قفاه فقذفه في النار" (١). * * * [كل الناس يغدو وأقسامهم]: قوله ﷺ : "كلُّ الناسِ يَغْدُو فبائعٌ نفسهَ فمعتقُها أو مُوبِقُها". * * * وخرّج الإمام أحمد (٢)، وابن حبان، من حديث كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ قال: "الناس غاديان: فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو مُوبِقُها" (٣).

стр. 621

وفي رواية أُخرى خرّجها الطبراني: "الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، وفادٍ نفسَه فمعتقها" (١). وقال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢). والمعنى: فد أفلح من زكّى نَفْسه بطاعة الله، وخاب مَن دسَّاها بالمعاصي. فالطاعة تُزَكّى النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّى النفس، وتَقْمَعُهَا فتنخفض: وتصير كالذي يُدَسُّ في التراب. * * * [دلالة هذا الحديث]: ودلّ الحديث على أن كل إنسان فهو إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكَاكِهَا؛ فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله تعالى فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٥). • وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: فال رسول الله ﷺ - حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٦) - "يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنْفسَكُم مِن الله،

стр. 622

لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلب! لا أُغْني عنكم من الله شيئًا" (١). • وفي رواية للبخاري (٢): "يا بني عبد مناف! اشَتُروا أنفسكم من الله، يا بني عبد الطلب! اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عمة رسول الله! يا فاطمة بنت محمد! اشتريا أنفسكما مِن الله لا أملك لكما من الله شيئًا". وفي رواية لمسلم: أنه دعا قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ فقال: "يا بني كَعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني هاشم أنفذوا أنفسكم النار، يا بني عبد المطلب] (٣)! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا" (٤). * * * [من وسائل شراء النفس]: • وخرّج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمدهِ ألفَ مرّة فقد اشترى نفسَه من الله تعالى، وكان مِن آخر يومه عتيقًا من النار" (٥). [كيف اشتروا أنفسهم؟]: • وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله بأموالهم، فمنهم من تصدّق بماله كله كحبيب بن أبي محمد!؟. • ومنهم من تَصدَّقَ بوزنه فِضّةً ثلاث مرات أو أربعًا كخالد بن الطحّان!؟. • ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة، ويقول: "إنما أنا أسيرٌ أسعى في

стр. 623

فِكاك رقبتي" منهم: عمرو بن عُتْبة!؟. • وكان بعضهم يسبّح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدرِ دِيتَهِ، كأنه قد قتل نَفْسَه فهو يَفْتكها بديتها!؟. • قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعي في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله . • وقال: "ابنَ آدم! إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح؛ فليكن هَمُّك نفسَك، فإنك لن تربح مثلَها أبدًا"؟!. • قال أبو بكر بن عياش: "قال لي رجل مرة - وأنا شاب: خلّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رِقِّ الآخرة؛ فإن أسير الآخرة غيرُ مفكوكٍ أبدًا". قال: فوالله ما نسيتها بعد!؟. • وكان بعض السلف يبكي ويقول: "ليس لي نَفْسَان، إنما لي نَفْسٌ واحدة إذا ذَهَبَتْ لم أجد أخرى". • وقال محمد بن الحنفية: "إن الله جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوهَا بغيرها". • وقال أيضًا: "مَن كَرُمَتْ نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدْر". • وقيل له: "مَنْ أعظما الناس قدرًا؟ " قال: "مَنْ لم ير الدنيا كُلَّها لنفسه خطرًا" * * * • وأنشد بعض المتقدمين: أثَامِن بالنفس النفيسة رَبَّها … وليس لها في الخلْق كلّهمُ ثَمْنُ بها تملك الأخرى فإن أَنَا بِعْتُها … بِشَيءِ مِنَ الدنيا فَذاكَ هُوَ الغَبْنُ لئن ذهبَتْ نَفْسِي بِدُنيا أُصِيبُها … لقدْ ذهبَتْ نَفْسِي وقد ذَهَب الثَّمْنُ * * *

стр. 624

الحديث الرابع والعشرون عَنْ أَبِي ذَر الغِفَارِيِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ - فِيمَا يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّالَمُوا. يَا عبادي! كلّكُمْ ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه؛ فاستهدوني أَهْدِكُمْ. يَا عِبادِي! كُلُّكُمْ جائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُها. يَا عِبادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاستَكسُونِي أَكسُكُمْ. يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِر لَكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَتْقى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ فيِ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وإنْسَكُمْ وَجِنّكُمْ، قَامُوا فيِ صَعِيدٍ واحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كل وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يَا عَبِادِي! إِنَّمَا هيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصيِهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فمن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ. رواه مُسْلِمٌ. * * * [تخريج ابن رجب للحديث]: هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد (١)، عن

стр. 625

أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ - وفي آخره قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثَا على ركبتيه (١). وخرجه مسلم أيضًا من رواية قتادة (٢)، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ - ولم يسقه بلفظهم، ولكنه قال: "وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتم". وخرجه الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: "يا عبادي! كلُّكُم ضالّ إلا من هديتُه، فسلُوني (٦) الهدى أهدكم". "وككم فقير إلا من أغنيتُه، فسَلُوني أرزقكم". "وكلكم مذنبٌ إلا من عافَيتُه؛ فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة؛ فاستغفرني غفرت له، ولا أبالي". "ولو أن أولَكم وآخركم وحيّكم وميّتكم ورَطْبكُم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زادَ ذلك في ملكي جناح بعوضة". ["ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي ما نقص ذلك من مُلكي جناحَ بَعوضة"] (٧). "ولو أن أولكم وآخركم وحيّكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد وأحد فَسأل كَل إنسان منكَم مأ للغت أمنيته، لأعطيتُ كَلَّ سائل منكَم [ما سأل] (٨) ما نقص ذلك من مُلْكِي إلا كما لو أن أحَدَكم مرَّ بالبحر فغمس فيه إبرةً ثم رفعها إليه:

стр. 626

"ذلك بأني جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أفعل ما أريد؛ عَطَائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إدا أردتُه أن أقولَ له: كن، فيكون". وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن. وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ ؛ إلا أن إسنادَهُ ضعيف (١). [حديث أبي ذر]: وحديث أبى ذر قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام. * * * [تحريم الله الظلم]: فقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: "يا عبادي! إني حَرّمتُ الظلْمَ على نفسي". يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده كما قال : ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ (٥) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٧) وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٨) والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن يعاقَبَ بذنوب غيره. ومثل هذا كثير في القرآن، وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا يفعله؛ فضلًا منه وجُودًا وكَرَمًا وإحسانًا إلى عباده. * * * [معنى الظلم]: وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها. وأما من فسره بالتصرف في مِلْك الغير لغير إذنه - وقد نُقِل نحوه عن إياس بن

стр. 627

معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغيره متصوَّر في حقه؛ لأن كلَّ ما يفعله فهو تصرف في مُلْكه. وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمرانَ بنِ حُصَين حين سأله عن القدَر (١). وخرج أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) من حديث أبي سنان: سعيد بن سنان عن وهب ابن خالد الحمصى عن ابن الديلمي: أنه سمع أبيّ بن كعب يقول: [لو عذب الله خلقه لما كان ظالمًا]: " لو أن الله تعالى عذّب أهلَ سمواتِه وأهل أرضه لعذّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم". وأنَّه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت؛ فحدثه عن النبي ﷺ بمثل ذلك. وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالد ليس بذاك المشهور بالعلم (٤).

стр. 628

وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبَهمْ لقدّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذ [خلق الله للظلم لا يقتضي وصفه به]: • وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد وهي خلْقهُ وتقديرهُ، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، ولا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم. * * * [وجعلته بينكم محرمًا]: وقوله تعالى: "وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا". يعني أنه تعالى حرّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع الظلم في نفسه محرّم مطلقًا وهو نوعان: [الظلم نوعان]: • أحدهما: ظلما النفس وأعْظمُه: الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعَبدَه وتألّهه فهو وضع الأشياء في غير مواضعها. وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين؛ إنما أريد به المشركون كما قال الله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ. • والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكُم وأعراضكم عليكُم حرامٌ كحُرْمة يومِكم هّذا في شَهْركم هذا في بلَدِكم هذا" (٣).

стр. 629

وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق (١). وفي رواية: ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يَحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه". • وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الظلم ظلماتٌ يَوْمَ القيامَةِ" (٢). • وفيهما عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، فال: "إن الله لَيُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ " (٣). • وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "مَن كانت عنده مظلمة لأخيه فَلْيتَحَلَّلْ منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم مِن قَبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات أخيه فَطُرِحَتْ عليه" (٤). * * * [كلكم ضال إلا من هديته … إلخ]: • قوله: "يا عبادى! كلُّكم ضال إلا من هديْتُهُ فاسْتَهْذوني أَهْدِكُم. يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلا مَن أطْعَمتُهُ، فاسْتَطعِموني أْطْعِمْكم. يا عبادي! كلُّكم عارٍ إلا مَن كسوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أَغْفِرْ لكُمْ". • هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلْب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله،

стр. 630

وأن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يُحرَمُهُما في الدنيا، ومَن لمن يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبَقَتهُ خطاياه في الآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١). • ومثل هذا كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣). وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٥). • وقال تعالى - حاكيًا عن آدم وزوجه ﵉ أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦). وعن نوح ﵊ أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧). * * * [كيف استدل إبراهيم ﵇ بهذا على التوحيد]: • وقد استدل إبراهيم الخليل ﵇ بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أشرك معه فباطل، فقال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٨)، فإن من تفرّد بخلْقِ العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، ومغفرة ذنوبه في الآخرة - مستحقُّ أن يُفْرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع إليه والاستكانة له، قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ

стр. 631

يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). [من دلالات الحديث]: • وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة. [ودليل ذلك]: • وفي الحديث: "ليسأل أحدكم ربّه حاجَتَه كُلَّها حتى (٢) شِسعَ نعله إذا انقطع" (٣). • وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كُلَّ حوائجه، حتى ملحَ عجينه، وعلَفَ شاته. • وفي الإسرائيليات: "أن موسى ﵊ قال: "يارب! إنه لَتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك؟ " قال: "سلني حتَّى: مِلحَ عجينك، وعلف حِمَارك، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله: فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يُحَبِّبُهُ إلى (٤) الله". • وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا. • والاقتداء بالسنة أَولى. * * * [هل المرء يولد ضالًا أم مهتديًا]: • وقوله: "كلُّكُم ضالٌّ إلا مَن هَدَيته". قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حِمَار (٥) عن النبي ﷺ : "يقول الله

стр. 632

عز وجل: خلقتُ عبادي حُنَفَاء"، وفي رواية: "مُسلِمين فاجْتَالَتْهُم الشياطين" (١) وليس كذلك؛ فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل فإنه قبل التعلُّم جاهلٌ لا يَعلَمُ شيئًا؛ كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٢)، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (٣) والمراد: وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤). • فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق؛ فإن هداه الله تعالى سبّب له مَن يعَلِّمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل - بعد أن كان مهتديًا بالقوة، وإن خذله الله قَيَّضَ له من يُعَلِّمه ما يغيِّر فطرته، كما قال ﷺ : "كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرَانهِ ويُمجِّسانِهِ" (٥). * * * [كيف يسأل المؤمن الهداية إذا كان مهتديًا؟]: • وأما سؤال المؤمن من الله الهداية؛ فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصلة وهي هدايته إلى معرفة

стр. 633

تفاصيل [أجزاء] الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك. وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلًا ونهارًا؛ ولهذا أمر الله عباده أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١). • وكان النبي ﷺ يقول في دعائه بالليل: "اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مُستقيم" (٢). ولهذا يُشَمَّت العاطس فيقال له: "يهديكم الله". كما جاءت السنَّة بذلك (٣).

стр. 634

وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق؛ ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدعَى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء اتباعًا للسنة في ذلك. • وقد أمر النبي ﷺ عليًّا: أن يسأل الله السداد والهدى (١)، وعلَّم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت" (٢). * * * • وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة. والعبدُ أحوج شيء إليه؛ لأنَّه يخطئُ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما والحثُّ عليهما. وخرّج الترمذي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل بني آدم خَطَّاءُ وخير الخطَّائين التَّوَّابُون". • وخرّج البخاري (٥) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "والله إني لأستغفرُ الله وأتوب إليه [في اليوم أكثَرَ من سبعين مرة - وخرجه النَّسَائِي (٦) وابن ماجه (٧) ولفظه: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه] (٨) كل يوم مائة مرة".

стр. 635

• وخرّج مسلم (١) من حديث الأغر المزني سمع النبي ﷺ يقول: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة، وخرجه النَّسَائِي ولفظه: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة" (٢). وخرج الإمام أحمد (٣) من حديث حذيفة قال: كان في لساني ذَرَبٌ (٤) على أهلي لم أعدُهُ إلى غيره فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أين أنت من الاستغفار يا حذيفة! إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة؟ ". ومن حديث أبي موسى (٥) عن النبي ﷺ قال: "إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وأتوب إليه". وخرج النَّسَائِي (٦) من حديث أبي موسى قال: "كنا جلوسًا فجاء النبي ﷺ فقال: "ما أصبحت غداة قط؛ إلّا استغفرت الله فيها مائة مرة". * * * • وخرج الإمام أحمد (٧) وأبو داود (٨) والترمذي (٩) والنسائي (١٠) وابن ماجه (١١) من حديث ابن عمر قال:
следующие страницы →