← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تنفق نفقةً تبتغي بها وجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك " (١) وهو مقيَّدٌ بإخلاص النيَّة لله فتحْمَل الأحاديث المطلقة عليه. والله أعلم. * * * [والدليل]: • ويدلّ عليه أيضا قول الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) فجعل ذلك خيرًا واسم يرتبْ عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص. وأما إذا فعله رياءً، فإنه يعاقب وإنما محل (٣) التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا فاسدة. * * * [وقيل يكفيه نية الإسلام]: • وقد قال أبو سليمان الداراني: " من عَمِل عَمَلَ خيرٍ من غير نيّة كفاه نيّة اختياره للإسلام على غيره من الأديان". وظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية بالكلية؛ لأنَّه بدخوله في الإسلام مختارٌ لأعمال الخير في الجملة؛ فيتاب على كلّ عمل يعملُه منها بتلك النية. والله أعلم. [من قياسات النبوة]: • وقوله: " أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". هذا يسمى عند الأصوليين قياس العكس، ومنه قول ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ ، وقلتُ أنا أُخْرى: قال [رسول الله ﷺ ] (٤) " من يُشرك بالله شيئًا دخَل النار " وقلتُ: [أنا] من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخلَ الجنة (٥).

стр. 667

[النوع الثاني من الصدقة غير المالية]: • والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية ما نَفْعُهُ قاصرٌ على فاعله كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة، ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيامَ والحجّ والجهاد أنه صدقة. وأكثرُ هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية؛ لأنَّه إنما ذكر ذلك جوابًا لسؤال الفقراء الذين سألوه عما يُقاوِمُ تطَوُّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض فقد (١) كانوا كلُّهم مشتركين فيها. * * * [تفضيل الذكر على الصدقة]: • وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره عن الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكما من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكما من أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: " بلى يا رسول الله! " قال: " ذكر الله ". خرّجه الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣)، وذكره مالك في الموطأ موقوفًا على أبي الدرداء (٤). * * * • وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (٥) عن النبي ﷺ قال:

стр. 668

" من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عشر رقَابٍ، وكُتبت له مائةُ حسنة، ومُحِيتْ عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إلا أحدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِن ذلك ". • وفيهما أيضًا عن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: " مَن قالها عَشْرَ مِرَارٍ (١) كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل " (٢). • وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد (٣) أن النبي ﷺ سُئل: " أي العباد أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: " الذاكرون الله كثيرًا " قلت: " يا رسول الله! ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ " قال: " لو ضَرَبَ بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويخْتضِبَ دمًا لكان الذاكرون الله (٤) أفضل منه درجةً ". ويُرْوَى نحوُهُ من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله (٥). * * * • وخرّج الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى (٦)، عن

стр. 669

النبي ﷺ قال: " لو أنَّ رجلًا في حِجْرِه دراهم يُقَسّمها وآخر يذكر الله كان الذاكرُ لله أفضلَ ". قلت: الصحيح عن أبي الوازع عن أبي (١) برزة الأسلمي من قوله. خرجه جعفر الفِرْيابي. • وخرّج أيضًا من حديث أنس (٢) عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كبَّر مائةً وسبَّح مائةً، وهَلَّلَ مائةً، كانت خيرًا له من عَشْرِ رقبات (٣) يعتقها، ومن سبع بَدَنات يَنْحَرُهَا ". * * * • وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيلِ له: " إن رجلًا أعتق مائة نَسَمَة؟ " فقال: " إن مائةَ نَسَمَة من مال رجل كثيرٌ، وأفْضلُ من ذلك: إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدِكُم رَطْبًا من ذكر الله ". * * * • وعن أبي الدرداء أيضًا قال: "لأن أقول: الله أكبر مائة مرَّة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة دينار ". • وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: أن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال. * * * • وخرَّج الإمام أحمد (٤) والنسائي (٥) من حديث أم هانئ. أن النبي ﷺ قال لها:

стр. 670

"سبِّحي الله مائة تسبيحة؛ فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة؛ فإنها تعدل لك مائة فرسٍ مُلْجَمَةٍ مُسْرَجَةٍ تحملين عليهن في سبيل الله، وكبِّري الله مائة تكبيرة؛ فإنها تعدل لك مائة بَدَنَةٍ مُقَلَّدَة مُتَقَبَّلَة، وهلِّلي الله مائةَ تهليلة - لا أحْسبُهُ إلا قال -: تملأ ما بين السماء والأرض ولا يُرفع يومئذ لأحَدٍ مثلُ عَمَلِكِ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ". وخرَّجه أحمد أيضًا (١) وابن ماجه (٢)، وعندهما: "وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبًا ولا يسبقها العمل". • وخرَّجه الترمذي (٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ بنحوه. * * * • وخرَّج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا قال: "ما من (٤) صدقةٍ أفضلَ من ذكر الله " (٥). * * * • وخرَّج الفرْيابي بإسناد فيه نظر، عن أبي أمامة مرفوعًا: "مَن فاته الليل أن يكابده، وبَخلَ بماله أن ينفقه، وجَبُنَ من العَدُوِّ أن يقاتله فليكثر من: "سبحان الله وبحمده" فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أو جبل (٦)

стр. 671

فضة ينفقه في سبيل الله " (١). • وخرَّجه البزار بإسناد مقارب من حديث ابن عباس مرفوعًا وقال في حديثه: "فليكثر ذكر الله". ولم يزد على ذلك (٢). وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. * * *

стр. 672

الحديث السادس والعشرون عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ (١) صَدَقَةٌ، وتُعِينُ (٢) الرَّجُلَ في دَابَّتِه فَتَحْمِله (٣) عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ (٤) عَلَيْها مَتَاعَهُ صدَقةٌ. وَالكَلِمَة الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَبكُلِّ (٥) خُطْوَةٍ تَمْشِيها (٦) إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وَتُميِطُ (٧) الأذَى عَن الطَّرِيقِ صَدَقةٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. * * * [تخريج الحديث]: هذا الحديث خرَّجاه من رواية همام بن منبه عن أَبي هريرة (٨). • وخرَّجه البزار من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ قال: "للإنسان (٩) ثلاثُمِائَةٍ وسِتُّون عَظْمًا أو سِتّةٌ وثلاثون سُلامى: عليه في كُل يوم صدقةٌ" قالوا: "فمن لم يجد؟ " قال: "يأمُرُ بالمعروف وينهَى عن المنكر" قالوا: "فمن لم يَسْتطع؟ " قال: "يَرْفَعُ عَظْمًا عن الطريق" قالوا؟ "فَمَن لم يَسْتَطِعْ؟ " قال: "فلْيُعِنْ ضَعيفًا" قالوا: "فَمَن لم يَسْتَطِعْ ذلك؟ " قال: "فلْيدَع الناسَ من شَرِّهِ". • وخرج مسلم حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله (١٠) ابن آدم (١١) على ستين وثلاثمائة مَفْصِل فمن كَبَّر (١٢) الله وحَمِد الله

стр. 673

وهلّل الله وسبَّح الله [واستغفر الله] (١) وعزل حجرًا عن طريق المسلمين (٢) أو عزل شوكة أو عزل عظْمًا (٣) أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى (٤) أمسى (٥) من يومه وقد زَحْزَحَ نفسَهُ من النار" (٦). * * * • وخرَّج مسلم أيضًا من رواية أبي الأسود الدِّيليِّ (٧)، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: "يُصْبِح على كل سُلامَى أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ تهليلَةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزِئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" (٨). • وخرَّج الإمام أحمد (٩) وأبو داود (١٠) من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: • "في الإنسان ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّقَ عن كلِّ مَفْصِلٍ منه بصدقة"

стр. 674

قالوا: "ومن يطيق ذلك يا نبي الله! " قال: "النُّخاعةُ في المسجد تَدْفِنها، والشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تجِدْ فركعتا الضحى تجزئُكَ". * * * • وفي الصحيحين عن أبي موسى (١) عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلمٍ صدقةٌ" قالوا: "فإن لم يجد؟ " قال: "فيعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدَّق" قالوا: "فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ " قال: "يُعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: "فإن لم يفعل؟ " قال: "فليأمر بالمعروف" قالوا: "فإن لم يفعل؟ " قال: "فليُمْسِك عن الشر فإنه له صدقة". * * * • وخرَّج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "على كل مِيسَمٍ (٢) من ابن آدم صدقةٌ كلَّ يومٍ" فقال رجل من القوم: ومن يطيق هذا؟ قال: "أمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، والحمل على الضعيف صدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقةٌ" (٣). * * * • وخرجه البزار وغيره، وفي روايةٍ (٤). "على كُلِّ مِيسمٍ من الإنسان صدقةٌ كلَّ يوم أو صلاةٌ" فقال رجل: هذا من أشَدِّ ما أَتيْتَنَا بِهِ؟! فقال: "إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاةٌ أو صدقةٌ، وحملك عن

стр. 675

الضعيف صلاةٌ، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاةٌ، وكل خُطْوَة تَخْطُوها إلى الصلاة صلاة". • وفي رواية البزار: "وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقةٌ أو قال: صلاةٌ" (١). * * * • قال بعضهم: يريد بالميسَم كلَّ عضو على حدة، مأخوذ من الوَسْم، وهو العلامة؛ إذ ما من عظْمٍ ولا عِرْقٍ ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثرُ صُنْعِ الله ؛ فيجب على العبد الشكرُ على ذلك، والحمدُ لله على خلقه سويًّا صحيحًا. وهذا هو المراد بقوله ﵊: "كلَّ يوم" لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء. * * * • وخرَّج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس - رَفَعَ الحديثَ إلى النبي ﷺ قال: "على كلِّ سُلامَى أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتا الضحى" (٢). • ويروي من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "على كل (٣) نفس في كل يوم صدقة" قيل: فإن كان لا يجد شيئًا؟ قال: "أليس

стр. 676

بصيرًا شهمًا فصيحًا صحيحا؟ " قال: بلى قال: "فَيُعْطِي (١) من قليله وكثيره، وإنّ بَصرَك للمنقوص بصره صدقة، وإنّ سمعك للمنقوص سمعُه صدقة". • وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي حديث أبي ذر الذي خرّجه ابن حبان في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: "ليس من نفس ابن آدم؛ إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس" قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقةٌ نتصدَّقُ بها؟ قال: "إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيحُ، والتحميدُ، والتكبيرُ، والتهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميطُ الأذى عن الطريق، وتُسْمِعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدلّ المستدِلّ على حاجته، وتسعَى بشدَّة ساقَيْكَ مع اللَّهْفَان المستغيث، وتَحْمِلُ بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كلُّه صدقةٌ منك على نفسك" (٢). * * * [على كل سلامى صدقة]: فقوله ﷺ : "كل سُلَامَى من النَّاس عليه صدقة". • قال أبو عبيد: "السُّلَامَى في الأصل عظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير، قال: فكأن معنى الحديث: على كل عظْمٍ من عظام ابن آدم صدقة". يشير أبو عبيد إلى أن السُّلَامَى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل ثم عُبِّر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي وغيره. فمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن (٣) آدم صدقة. • وقال غَيْرُه: "السُّلامَى عظم في طرف اليد والرجل، وكنى (٤) بذلك عن جميع عظام الجسد". * * * [السلامى]: والسُّلَامَى جمع، وقيل: هو مفرد، وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن

стр. 677

مائتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى السمسمانيات (١) وبعضهم يقول: هي ثلاثمائة وستون عظمًا، يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظمًا، والباقية صغار لا تظهر، وتسمّى السُّمسُمانية. وهذه الأحاديث تصدق هذا القول. ولعل السُّلامَى عُبِّر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسمٌ لأصغر ما في البعير من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة (٢) تشهدُ لهذا؛ حيث قال فيها: "أو ستة وثلاثون سُلامَى". • وقد خرّجه غير البزار (٣) وقال فيه: "إن في ابن آدم ستمائة وستين عظمًا". وهذه الرواية غلط. وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاثمائة وستين مفصلًا. * * * [معنى الحديث ومغزاه]: • ومعنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده، فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه؛ ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٤). وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٥). وقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦). وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (٧).

стр. 678

[من مأثور السلف]: • قال مجاهد: هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها، كيما تشكُرَ. وقرأ الفضيل هذه الآية ليلة؛ فبكى فسئل عن بكائه فقال: هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك لسانًا تنطق به؟. وجعل يعدد من هذا الضرب. * * * • وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان الفارسي قال: إن رجلًا بُسِط له من الدنيا فانتُزع ما في يديه، فجعل يحمد الله ، ويُثْنِي عليه، حتى لم يكن له فراشٌ إلا بُورِي (١)، فجعل يَحْمَدُ الله، ويثني عليه - وبُسِط لآخر من الدنيا، فقال لصاحب البُوري: أرأيتك أنت علام تحمد الله ؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إيّاهُ؟! قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ (٢). * * * • وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول: الصحة غَنَاءُ الجسد (٣). * * * • وعن يونس بن عبيد أن رجلًا شكا إليه ضيقَ حاله، فقال له يونس: أيسرّك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: "لا" قال: "فبيديك مائة ألف درهم؟ " قال: "لا" قال: فرجليك؟ قال: "لا"، قال - فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفًا - وأنت تشكو الحاجة! (٤). * * * وعن وهب بن منبه قال: مكتوبٌ في حكمة آل داود: "العافية: الملك الخفي" (٥). * * *

стр. 679

• وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم! إن أردتَ أن تعلم قدْرَ ما أنعم الله عليك فغمِّضْ عينيك (١). • وفي بعض الآثار: كم من نعمة لله في عرق ساكن (٢)!. • وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ" (٣). [حق شكر هذه النعم]: فهذه النعم مما يُسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويُطالَب بها؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٤). • وخرَّج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن أولَ ما يُسأل العبدُ عنه يومَ القيامة من النعيم فيقال له (٥): ألم نُصِحَّ لك جسمك، ونرويك من الماء البارد؟ " (٦). * * * • وقال ابن مسعود ﵁: النعيم: الأمن والصحة. وروي عنه مرفوعًا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٧) قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يَسْأَلُ الله العباد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهما وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٨). * * * • وخرَّج الطبراني من رواية أيوب بن عتبة (٩) وفيه ضعف - عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ :

стр. 680

"من قال لا إله إلا الله كان له بها عهدٌ عند الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كُتِبَ له بها مائةُ ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة"، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا؟ يا رسول الله! قال: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضع على جَبَلٍ لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكادُ أن تستنفد ذلك كلَّه إلا أن يتطاولَ اللهُ برحمته" (١). [المقاصة بين الطاعة والنعمة]: • روى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضًا (٢) عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يؤتى بالنعم يوم القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة من نعمه: خُذِى حقكِ من حسناته، فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها". * * * • وبإسناده عن وهب بن منبه (٣) قال: عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عامًا، فأوحى الله : إني قد غفرتُ لك. قال: يا ربِّ! وما تغفرُ لي؟ ولم أذنبْ؟ فأَذن الله لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلّ، ثم سكن وقام فأتاه مَلَكٌ فشكا إليه ما لقِي من ضَرَبات العِرْق، فقال الملَك: إن ربكَ يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق. * * * • وخرج الحاكم هذا المعنى مرفوعًا من رواية سليمان (٤) بن هرم القرشي عن محمد

стр. 681

ابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ أن جبرائيل أخبره: "أن عابدًا عَبَد الله على رأس جبل في البحر خمسَمائة سنة، ثم سأل ربَّه أن يَقْبضه - وهو ساجد. قال: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرَّجنا ونجدُ في العلم أنه يبعث يوم القيامة، فيوقَفُ بين يدي الله فيقول الله : "أدخِلوا عبدي الجنة برحمتي" فيقول العبد: "يا ربّ! بعملي" ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: "قايسوا عبدي بنعمتي عليه، وبعمله" فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له فيقول: أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار، فينادي ربَّه: "برحمتك أدخلني الجنة! برحمتك أدخلني الجنة! " فيدخله الجنة - قال جبرائيل: "إنما الأشياء برحمة الله يا محمد" (١). وسليمان بن هرم، قال العقيلي: هو مجهول وحديثه غير محفوظ. وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يؤتى بالعبد (٢) يوم القيامة فيوقف بين يدي الله " فيقول للملائكة: "انظروا في عمل عبدي، ونعمتي عليه" فينظرون فيقولون: "ولا بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه" فيقول: "انظروا في عمله: سيئه وصالحِهِ" فينظرون فيجدونه كفافًا، فيقول: "عبدي قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ سيئاتِك، وقد وهبتُ لك نِعَمِي فيما بين ذلك". * * * [والمقصود من ذلك]: • والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: ﴿وَإِن

стр. 682

تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١) وطلب منهم الشكر ورضي به منهم. • قال سليمان التيمي: "إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلّفهم الشكر على قدْرهم، حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها". • كما خرجه أبو داود والنسائي (٢) من حديث عبد الله بن غنام ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال حين يصبح: اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي؛ أدى شكر ليلته". • وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ (٣). * * * • وخرّجَ الحاكم من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "ما أنعَمَ الله على عبدٍ نعمةً، فَعَلم أنها من عنْدِ الله؛ إلا كَتَبَ الله شُكْرَها قبل أن يَشْكُرَها، وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا فَنَدِمَ عليه؛ إلا كتَبَ الله له مغفرتَهُ قبْل أن يستغفره" (٤). * * *

стр. 683

[من المأثور في شكر النعمة]: • وقال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵊ يوم الطور: "يارَبِّ! إن أنا صلَّيتُ فمنِ قِبَلكَ، وإن أنا تصدقتُ فمنْ قِبَلكَ، وإن أبا بلَّغتُ رسالاتِك فمنِ قِبَلك فكيف أشكرك؟ " قال: "الآن شكرتني (١) ". * * * • وعن الحسن قال: قال موسى ﵇: "يا رب! كيف يستطيع آدم أن يؤدِّيَ شُكْرَ ما صنعت إليه؟ خلقْتَه بيدك، ونَفَخْت فيه من رُوحِكَ، وأسْكَنْتَه جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدُوا له؟ " فقال: "يا موسى! عَلِم أن ذلك مني فحَمدني عليه، فكان ذلك شُكْرًا لما صَنَعْتُه (٢) ". * * * • وعن أبي الجلْد، قال: قرأتُ في مسألة داود ﵇ أنه قال: "أي رب (٣)! كيف لي أن أشكُرَكَ وأنا لا أَصِلُ إلى شكرك إلا بنعمتك؟ " قال: فأتاهُ الوحي أن: "يا داودُ! ألَيْس تعلمُ أن الذي بك من النعم مِنّي؟ " قال: "بلى؛ يا رب! " (٤) قال: "فإني أرضى بذلك شُكْرًا" (٥). • قال: وقرأتُ في مسألة موسى ﵇ قال: ياربِّ! كيف لي أن أشَكرَك؟ وأصْغَرُ نعمة وضعتَها عندي من نعمك لا يُجَازِي بها عملي كلُّه. قال: فأَتاه الوحي أن: "يا موسى الآن شكرتني". • وقال بكر بن عبد الله: ما قال عبدٌ قطّ: "الحمد لله" مرةً؛ إلا وجبتْ عليه نعمةٌ بقوله "الحمد لله" فما جزاءُ تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: "الحمد لله" فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماء الله (٦). * * *

стр. 684

[هل الحمد أفضل من النعمة؟]: • وقد روى ابن ماجه من حديث أنس ﵁ مرفوعًا (١) إلى رسول الله ﷺ . "ما أنَعَمَ اللهُ على عبدٍ نعمة فقال: الحمدُ لله إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أَخَذَ". * * * • ورُوِّينَا نحوه من حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنتِ يزيدَ مرفوعًا أيضًا. • ورُوِي هذا عن الحسنِ البصريّ من قوله. * * * • وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: "إني بأرضٍ قد كَثُرَتْ فيها النّعم؛ حتى لقد أشفقْتُ على أهلها من ضَعْفِ الشُّكْرِ". فكتب إليه عمر: "إني قد كنتُ أراك أعْلَمَ بالله مما أنتَ. إن الله لم ينعمْ على عبدٍ نعمةً فحمد الله عليها إلا كان حَمْدُهُ أفضل من نعمِهِ لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٣). وأيُّ (٤) نعمة أفضل من دخول الجنة؟ ". * * * • وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في كتاب "الشكر"، عن بعض العلماء: أنه صوّب هذا القول. أعني قولَ مَنْ قال: إن الحمدَ أفضلُ من النعم. • وعن ابن عيينة أنه خَطَّأ قائله، وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الرب . * * *

стр. 685

[ابن رجب ينتصر لتفضيل الحمد]: • ولكن الصواب قول من صوَّبَهُ؛ فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية كالعافية والرزق والصّحة، وَدَفْعِ المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو من النعم الدينيّة وكلاهما نعمةٌ من الله لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده؛ فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر كانت بليّة، كما قال أبو حازم: "كل نعمة لا تقرّبُ من الله فَهي بليَّةٌ (١) ". * * * فإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النّعم، وأحبَّ إلى الله ؛ فإن الله يحبُّ المحامِد ويرضى عن عبده أن يأكل الأكْلةَ فيحْمَدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبة فيحمَدَهُ عليها (٢)، والثناءُ بالنعم، والحمدُ عليها، وشكرُهَا عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذُلونها طلبًا للثناء، والله أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نِعَمَه لعباده، ويَطْلُبُ منهم الثناءَ بها، وذِكْرَها، والحمدَ عليها، ويَرْضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شُكْرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده؛ حيث كان صَلاحُ العبد وفلاحُه وكماله فيه. ومن فضله سبحانه: أنه نسب الحمدَ والشُّكْرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمِهِ عليهم. وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثم استقْرَضَ منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه؛ والكل مِلْكه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك. * * * • ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا (٣). "الحمد لله حمدًا يُوافي نِعَمَهُ ويُكافئ مزيدَه".

стр. 686

[كل سلامى عليه صدقة]: • ولنرجع الآن إلى تفسير حديث "كلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقةٌ كلَّ يوم تَطْلعُ فيه الشّمسُ". * يعني أن الصدقة على ابن آدم عن (١) هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا؛ فإن اليوم قد يُعبَّر به عن مدة أزيد من ذلك كما يقال يوم صِفَّينِ، وكان مدةَ أيام، وعن مطلق الوقت كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (٢). * * * • وقد يكون ذلك ليلًا ونهارًا، فإذا قيل كل يوم تطلع فيه الشمس علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا. * * * [درجات الشكر]: • وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر بهذه الصدقة واجبٌ على المسلم كل يوم، ولكن الشكر على درجتين. [الدرجة الأولى]: • إحداهما واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويَجْتَنِبَ المحارم - فهذا لابد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي الأسود الدِّيلي قال كنا عند أبي ذر فقال: "يُصبحُ على كل سُلامَى من أحدِكم في كل يوم صدقةٌ؛ فله بكل صلاةٍ صدقةٌ، وصيامٌ صدقةٌ، وحجٌّ صدقةٌ، وتسبيحٌ صدقةٌ، وتكبيرٌ صدقةٌ، وتحميدٌ صدقةٌ. فعدَّ رسول الله ﷺ من هذه الأعمال الصالحات (٣)، ثم (٤) قال: "يجزئ أحَدكم من ذلك ركعتا الضحى" (٥). * * *

стр. 687

• وقد تقدم في حديث أبي موسى المخرَّج في الصحيحين: "فإن لم يفعل فلْيُمسكْ عن الشر؛ فإنه له صدقة" (١). وهذا يدلُّ على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئًا من الشر، وإنما يكون مجتنبًا للشر إذا قام بالفرائض، واجتنب المحارم؛ فإن أعظم الشر تركُ الفرائض. * * * • ومن هنا قال بعضُ السلف: "الشكر ترك المعاصي". * * * • وقال بعضهم: "الشكرُ أن لا يُسْتعان بشيء من النعم على معصيته". • وذكر أبو حامد الزاهد [أنّ] شُكر الجوارح كلها: أن (٢) تُكفَّ عن المعاصي وتُسْتَعْمَلَ في الطاعات، ثم قال: "وأمَّا من شكَرَ بلسانه، ولم يشكُرْ بجميع أعضائه، فمثَلُه كمثَل رجُلٍ له كِسَاء، فأَخَذَ بطرَفه، فلم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر". * * * • وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؟: "لينظر العبد في نعم الله عليه (٣) في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك. [و] ليس من هذا شيء؛ إلا وفيه نعمةٌ من الله حقٌّ على العبد أن يعمل بالنعمة التي (٤) هي في بدنه لله في طاعته، ونعمةٌ أخرى في الرزق حقٌّ عليه أن يعمل لله فيما أَنعمَ عليه من الرزق في طاعته؛ فمن عمل بهذا كان قد أخذ بحزم (٥) الشكر وأصله وفرعه". * * * • ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيته فقال: "لله في كل عضو منه نعمة: اللهم لا تجْعَلْنا ممن يتَقَوّى بنعمتك على معصيتك". * * *

стр. 688

[الدرجة الثانية]: • الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعملَ العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، بنوافل الطاعات. • وهذه درجةُ السابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليها النبي ﷺ في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك كان النبي ﷺ يجتهد في الصلاة، ويقوم حتى تتفطّر قدماه فإذا قيل: لم تَفْعَلُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " (١). • وقال بعض السلَف: لما قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٢): لم يأت عليهم ساعةٌ من ليل أو نهارٍ؛ إلا وفيهم مصلٍّ يصلّي. وهذا مع أن بعضَ هذه الأعمال التي ذكرها النبي ﷺ واجبٌ: إما على الأعيان كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوبَ الصلاة في الجماعات في المساجد، وإما على الكفاية؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة اللهفان، والعدل بين الناس، إما في الحكم بينهما، أو في الإصلاح؛ فقد رُوِي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أفَضَلُ الصّدقة إصلاحُ ذَاتِ البَيْنِ (٣) ". * * * [هذه الأنواع متعد وقاصر]: • وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي ﷺ من الصدقة منها ما نفعه متعدٍّ كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته بحمله عليها (٤) لرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخُلُ فيَها السلامُ، وتشميتُ العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمْرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ودفْنُ النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسْماع الأصم،

стр. 689

وتبصيرُ المنقوص بصرهُ (١)، وهداية الأعمى أو غيره الطريق. • وجاء في بعض روايات أبي ذر: "وبيانك عن الأرتَمِ (٢) صدقة" يعني من لا يطيق الكلام، إما لآفة في لسانه. أو لعُجْمَةٍ في لغته فيبيِّنُ عنه ما يحتاج إلى بيانه. • ومنه ما هو قاصر النَّفْع كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وصلاة ركعتي الضحى. وإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله؛ لأن في الصلاهَ استعمالًا للأعضاء كُلِّها في الطاعة والعبادة، فتكونُ كافيةً في شكر نعمة سلامى هذه الأعضاء (٣). وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامى البدن، وهي ثلاثمائة وستون كما في حديث عائشة ﵂ وعن أبويها (٤). وفي المسند عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أتدرون أي الصدقة أفضل أو أخير؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "المنيحة (٥) أن تمنح أخاك الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة، أو لبن البقرة" (٦). والمراد بمنيحة الدَّراهم قَرْضُها، ومنيحة ظهر الدابة إفقارها وهو إعارتها لمن يركبها، ومنيحة لبن الشاة أو البقرة أن يَمَنحَهُ بقرةً أو شاةً يشربُ لبنَها ثم يعيدها إليه. وإِذا أطلقت المنيحة لم تنصرف؛ إلا إلى هذا. • وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب ﵁، عن

стр. 690

النبي ﷺ قال: • "من منح منيحة لبن أو وَرِق أو هَدَى (١) زُقَاقًا كان له مثل عتق رقبة" (٢). • وقال الترمذي: معنى قوله: "من منح منيحة وَرِقٍ" إنما يعني به قرْض الدراهم، وقوله: أو هَدَى زُقَاقًا؛ إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل. * * * • وخرّج البخاري (٣) من حديث حسان بن عطية، عن أبي كبشة السَّلُولي، قال: سمعتُ عبدَ الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "أربعون خَصْلَةً أعلاها منيحةُ العَنْز ما من عامل يعمل بَخْصلهٍ منها رجاء ثوابها وَتَصْديِقَ مَوْعُودِها إلا أدخله الله بها الجنةَ". • قال حسان بن عطية: فعدَدْنا ما دُونَ منيحة العَنْز من رَدِّ السلام، وتَشْمِيتِ العاطِس، وإماطَةِ الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسَ عشرةَ خصلة (٤). * * * [من حق المجتمع في مال المسلم]: • وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "حَق الإبل حَلْبُها على الماء، وإعارةُ دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتُهَا، وحملٌ عليها في سبيَل الله" (٥).

стр. 691

وخرّج الإمام أحمد من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل معروفٍ صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُفْرِغ من دَلوك في إنائه" (١). [وكل نفقة فعلى الله خلفها]: وخرّجه الحاكم وغيره بزيادة وهي: "وما أنفقَ المرءُ على نفسه وأهله كُتِبَ له به صدقة، وما وَقَى به عِرْضَهُ كُتِبَ له به صدقة، وكلُّ نفقة أنفقها المؤمنُ فعلى الله خَلَفها ضامنٌ إلا نفقةً في معصية أو بنيان" (٢). وفي المسند عن أبي جُرَيّ (٣) الهُجَيْمي، قال: سألت النبي ﷺ عن المعروف فقال: "لا تحقِرَنَ من المعروف شيئًا ولو أن تُعطِيَ صِلَةَ الحبْل، ولو أن تُعْطِي شِسْعَ النَّعْلِ، ولو أن تُفْرِغَ من دَلْوك في إناء المستَسْقي، ولو أن تُنَحِّي الشيءَ من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاكَ ووَجْهكَ إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاكَ فتسلم عليه، ولو أن تؤنسَ الوَحْشَانَ في الأرض!! ". * * * [من الصدقة كف الأذى]: ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن الناس باليد واللسان؛ كما في الصحيحين (٤)، عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أي الأعمال أفضلُ؟ قال: "الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيل الله (٥) ". قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعينُ صانعًا

стр. 692

أو تصنعُ لأَخْرَقَ" قلتُ: أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: "فكُفُّ شَرَّك عن الناس؛ فإنَّها صَدَقة". [والشرط إخلاص النية لله ]: وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ قال: قلتُ: "يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عَمِلَ به العبد دخلَ الجنة، قال: "يُؤمِنُ بالله" قال: قلتُ: يا رسول الله! إن مع الإيمان عملًا؟ قال: "يَرْضَخُ (١) مما رَزَقهُ الله"، قلت: فإن (٢) كان مُعْدمًا لا شيء له، قال: "يقولُ معروفًا للسانه" قلت: فإن كان عَييًّا لا يُبْلغُ عنه لسانُه"؟ قال: "فيعينُ مغلوبًا" قلت: فإن كان ضَعيفًا لا قدرةَ له؟ قال: "فلْيَصْنع لأَخْرَقَ" (٣) قلت: فإن كان أخرقَ؟ فالتفت إليَّ فقال: "ما تريد أن تدَع في صاحبك شيئًا من الخير؟ فلْيَدع الناس من أذاه" قلت: يا رسول الله! إن هذا كلّه لِيَسير!؟ قال: "والذي نفسي بيده! ما من عَبْدٍ يَعملُ بخَصْلةٍ منها يريد بها ما عند الله؛ إلا أخَذَتْ بيده يوم القيامة حتَّى يدخُلَ الجنَّةَ" (٤). فاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو (٥) الذي فيه ذكر الأربعين خصلة. وهذا كما في قوله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٦). * * *

стр. 693

[وقيل يؤجر وإن لم يكن له نية]: وقد روي عن الحسن وابن سيرين: أن فعل المعروف يؤجَرُ عليه وإن لم يكن فيه نية. سئل الحسن عن الرجل يسأله آخر حاجة وهو يُبغضهُ؛ فيعطيه حياءً هل له فيه أجر؟ فقال: "إن ذلك لمن المعروف، وإن في المعروف لأجرًا". خرّجه حُميْدُ بن زنجويه. وسئل ابن سيرين عن الرجل يتبعُ الجِنازة لا يتبعها حِسْبَةً، يتبعها حياءً من أهلها، أله في ذلك أجر؟ فقال: أجر واحد؟ بل له أجران: أجر لصلاته على أخيه، وأجر لصلته الحيّ. خرَّجه أو نُعيم في الحِليَة (١). * * * [ومن الصدقة أداء حقوق المسلم]: ومن أنواع الصدقة: أداء حقوق المسلم على المسلم وبَعْضُها مذكورٌ في الأحاديث الماضية. ففى الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "حق المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ المريض، واتباعُ الجنائز، وإجابةُ الدعوة، وتَشْمِيتُ العاطس (٢) ". وفي رواية لمسلم: "للمسلم على المسلم ست". قيل: ما هُنَّ؟ يا رسول الله! قال: "إذا لقيته تُسَلم عليه، وإذا دعاكَ فأَجِبْه، وإِذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عطَس فحمِدَ الله فشمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْهُ" (٣).

стр. 694

وفي الصحيحين عن البراء بن عازِب (١) ﵁ قال: أمَرنَا رسولُ الله ﷺ بسبع: "بعيادة المريض، واتّباع الجنازة، وتَشْمِيت العاطس، وإِبرار القَسَم، ونصرِ المظلوم، وإِجابةِ الداعي، وإفشاءِ السلام". وفي رواية لمسلم (٢). "وإرشاد الضال" بدل "إِبرار القسم". [والمشي بحقوق الآدميين]: ومن أنواع الصَّدَقة المشْي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم؛ قال ابن عباس ﵄: "من مشى بحق أخيه إليه ليقْضِيهُ، فله بكُلِّ خُطْوةٍ صَدَقة". [وإنظار المعسر]: ومنها إِنظارُ المعْسِر. وفي المسنَد، وسُنن ابن ماجه (٣) عن بُرَيدَةَ مرفوعًا:

стр. 695

"من أنظر مُعْسرًا فله بكل يوم صَدَقةٌ قبل أن يَحُلَّ الدَّيْنُ؛ فإذا حَلَّ الدَّينُ، فأَنظَرَهُ فَله بكلِّ يوم مثْلُه صدقة". [والرفق بالحيوان]: ومنها: الإحسان إلى البهائم؛ كما قال النبي ﷺ لما سئل عن سقيها فقال: "في كل كَبِدٍ رَطْبةٍ أجر" (١). وأخبر النبيُّ ﷺ : أن بَغِيًّا سَقَت كلْبًا يلهَثُ من العطش فغُفِرَ لها (٢). * * * [من أمثلة الصدقة القاصرة]: • وأما الصدقة القاصرة على نفس العامل فمثل أنواع الذكرِ من التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهْليل، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ ، وكذلك تلاوة القرآن، والمشى إلى المساجد، والجلوس فيها لانتظار الصلاة أو لاستماع الذكر. • ومن ذلك: التواضع في اللباسِ والمشي والهدى والتبذل (٣) في المهنة، واكتسابُ الحلال، والتحرّي فيه. • ومنها أيضًا محاسبة النفس على ما سلفَ من أعمالها، والندمُ، والتوبةُ من الذنوب السالفة، والحزنُ عليها، واحتقار النفس والإزرَاءُ عليها، ومقتها في الله عز

стр. 696

وجل، والبكاءُ من خشية الله تعالى، والتفكرُ في ملكوت السموات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها من الوعد والوعيد، ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب؛ وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب كالخشيةِ والمحبةِ والرجاءِ والتوكّل وغير ذلك. • وقد قيل: إن هذا التفكّرَ أَفضَلُ من نوافلِ الأعمال البدنية. رُوي ذلك عن غير واحد من التابعين منهم: سعيدُ بن المسيَّب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز. وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه. • وقال كعب: "لأن أبكي مِنْ خَشية الله أحبُّ إليّ من أن أتصدق بوَزْني ذهبا (١) ". * * *

стр. 697

الحديثِ السابع والعشرون عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالِ: "الْبِرُّ حُسْنُ الخُلق، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في نَفْسكَ، وَكرِهْت أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * * * وَعَنْ وَابِصَةَ بن معبَد ﵁ قال: أَتَيتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: "جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثمِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطمَأَنَّتْ إِليهِ النَّفْسُ، واطمَأَنَّ إليهِ الْقَلْبُ. والإِثْم مَا حَاكَ في النَّفس وَتَرَدَّدَ في الصَّدْر، وَإِن أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ". قَالَ الشَّيخ ﵀: حَديثٌ حَسَنٌ رُوِّينَاهُ في مُسنَدَيِ الإِمامَينْ: أَحْمَدَ بِنِ حَنْبل، وَالدَّارمِيِّ بإسْنَاد حَسَنَ. * * * [تخريج الحديث]: • أما حديث النوَّاس بن سمعان فخرجه مسلم (١) من رواية معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جُبَير (٢) بن نفير عن أبيه (٣) عن النوَّاس. ومعاوية، وعبد الرحمن، وأبوه تفرَّد بتخريج حديثهم مسلم، دون البخاري. * * * • وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حَمّاد بن سَلَمهَ، عن الزبير أبي

стр. 698

عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن وابصة بن معبد (١) قال: "أتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنا أريدُ أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سأَلتهُ عنه فقال لي: "ادْنُ يا وابصةُ! " فدنوتُ منه حتى مَسَّتْ رُكْبتي ركبتَه؛ فقال: "يا وابصة! أُخبرك ما جئتَ تَسْأَلُ عنه أو تَسْألني؟ " قلتُ: يا رسول الله! أخبرني. قال: "جئتَ تسألُني عن البر والإثم"؟ قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث؛ فجعل يَنْكُتُ بِهَا في صدري، ويقول: "يا وابِصَة! استفت نَفْسَكَ: البر ما اطمأَنّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإِثم ما حاكَ في القلب، وتردَّد في الصَّدْرِ، وإن أفتاكَ النَّاسُ وأَفْتَوكَ!؟ ". * * * • وفي رواية أخرى للإمام أحمد: أن الزبير لم يسمعه من أيوب، وقال: حدثني جلساؤه، وقد رأيته. • ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كلُّ منهما ضعفه: أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب؛ فإنه رَوَاهُ عن قوم لم يسمعهم. والثاني: ضعف الزبير هذا. • قال الدارقطني: روى أحاديثَ مناكير، وضَعّفَهُ ابن حبان أيضًا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام؛ فأخطأ في أسمه. • وله طريق آخر عن وابصة، خرجه الإمام أحمد أيضًا، من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله السُّلَمِيّ، قال: سمعتُ وابصَةَ؛ فذكر الحديث مختصرًا، ولفظه قال: "البرُّ ما انشرح له صَدْرُك، والإِثم ما حاكَ في صدركَ، وإن أفتاكَ عنه النّاس" (٢).

стр. 699

والسُّلَمي هذا. قال عليُّ بن المديني: هو مَجْهول. وخرَّجه البزار والطبراني، وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدًا سمّاه. كذا قال: وقد سُمي في بعض الروايات محمدًا. • قال عبدُ الغني بن سعيد الحافظ: "لو قال قائل: إنه محمدُ بنُ سعيد المصلوب لَما دَفعتُ ذلك". والمصلوبُ هذا صلَبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع، ولكنه لم يُدْركْ وابصة، والله أعلم. * * * • وقد رُويَ هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجوه متعدِّدة، وبعض طُرُقهِ جيدة. • فخرّجه الإمام أحمد، وابنُ حبَّان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسولَ الله! ما الإِثم؟ قال: "إِذا حاكَ في صدرِكَ شيء فدَعْهُ" (١). وهذا إسنادٌ جيد على شرط مسلم فإنه خرج حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابنُ معينٍ. • وخرّج الإمام أحمد (٢) من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر، قال: سمعتُ مُسْلم

стр. 700

ابن مِشْكَم قال: سمعتُ أبا ثعلبة الخشنيّ يقول: قلت يا رسول الله! أخبرني ما يحل لي ويحرُم عليَّ. قال: "البِرُّ ما سكنَتْ إليه النفسُ، واطمأَنّ إليه القلبُ، والإِثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون". وهذا أيضًا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر ثقة مشهور (١). وخرَّج له البخاري (٢). ومسلم بن مشكم ثقة مشهور أيضًا. • وخرّج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ : أفتني عن أمرٍ لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك؟ قال: "استفْتِ نَفْسَك" قلت: كيف لي بذاك؟ قال: "تدعُ ما يَريبُك إلى مما لا يَرِيبُك، وإن أفتاك المفتون" قلت: وكيف لي بذاك؟ قال: "تَضعُ يَدَكَ على قلبك؛ فإنّ الفؤاد يسكُنُ للحلال، ولا يسكُنُ للحرام" (٣). • ويروَى نحوهُ من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا. • وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سُويْدَ بن قيس أخبره عن عبد الرحمن بن معاوية أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يحلّ لي وما يحرم عليَّ؟ - وردّدَ عليه ثلاث مرار كلُّ ذلك يسكت النبي ﷺ ثم قال: "أين السائل؟ " قال: أنا ذا يا رسول الله! فقال بأصابعه: "ما أنكر قلبك فدَعْه". • خرّجه أبو القاسم البغوي في معجمه وقال: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي ﷺ أم لا، ولا أعلم له غير هذا الحديث. قلت: هو عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، جاء منسوبًا في كتاب الزهد لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعيٌّ مشهور؛ فحديثه مرسل.

стр. 701

وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الإثم حوَّاز القلوب (١). • واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله: "إياكم وحَزَائزَ القلوب، وما حَزَّ في قلبك من شَيء فَدَعْهُ". • وقال أبو الدرداء: "الخير في طُمَأنينة والشَّر في ريبة". • وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئًا يَحيك في صدورنا، لا ندري: حلالُ هو أم حرام؟ فقال: "إياكم والحكَّاكات؛ فإنهن الإثم (٢) ". والحزّ والحكّ متقاربان في المعنى. والمراد ما أثر في القلب ضيقًا وحرَجًا ونفورًا وكراهَةً. * * * [هذه الأحاديث]: • فهذه الأحاديث اشتملت على تفسير البر والإثم. وبعضها فيه تفسيرُ الحلال والحرام. [تفسير البر وكيف اختلف]: فحديث النَّوَّاس بن سمعان فسّر النبي ﷺ فيه البرَّ بحسن الخلُق (٣). وفسّره في حديث وابصةَ وغيرِه بما اطمأنّ إليه القلب والنفس، كما فسّر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. [للبر معنيان]: • وإنما اختلف تفسيرُهُ للبرِّ لأن البر؛ يُطلَق باعتبارين على مَعْنَيَين:

стр. 702

• أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإِحْسَانِ إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين؛ فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخلق عموما. وقد صنَّف ابن المبارك كتابًا سماه: "كتاب البر والصلة" وكذلك في "صحيح البخاري" و "جامع الترمذي": "كتاب البر والصلة"، ويتضمن هذا الكتاب: الإحسانَ إلى الخلق عمومًا، ويقدَّمُ فيه برُّ الوالدين على غيرهما. • وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "أُمَّكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم أباكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم الأقربَ فالأقربَ" (١). • ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ : "الحجُّ المبرور ليسَ له جزاءٌ؛ إلا الجنة" (٢). وفي المسند أنه ﷺ : "سُئِلَ عن برّ الحج فقال: "إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السلام" (٣). • وفي رواية أخرى قال: "وطيبُ الكلام" (٤). • وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: "البِر شيء هيّن: وَجْهٌ طليقٌ، وكلامٌ ليّنَ" (٥). • وإذا قُرِنَ البرُّ بالتقوى كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦).

стр. 703

فقد يكون المراد بالبرّ: معاملةَ الخلق بالإحسان، بالتقوى: معاملة الحق؛ بفعل طاعته، واجتناب محرماته. * * * وقد يكونُ أريدَ بالبر فعلُ الواجبات، وبالتقوى اجتنابُ المحرمات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم ما هو محرَّمٌ في نفسه كالزنا والسرقة، وشُرْبِ الخمر، وبالعدوان تجاوزُ ما أُذِن فيه إلى ما نُهِي عنه، مما جنسه مأذونٌ فيه كقتل من أُبيح قتله لقِصاص، ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الحدّ الذي أُمِرَ به (٢) في الحدود، ونحو ذلك. * * * [المعنى الثاني للبر]: • والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣). • وقد روي أنّ النبي ﷺ سئل عن الإيمان فتلا هذهِ الآية (٤). [اتساع هذا المعنى للبر]: • فالبرّ بهذا المعنى يَدْخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأمْوَالِ فيما يحبُه الله، وإقامِ الصلاة،

стр. 704

وإيتاءِ الزكاة، والوفاءِ بالعهد، والصبرِ على الأقدار كالمرضِ، والفقرِ، وعلى الطاعاتِ، كالصّبرِ على لقاءِ العدُوِّ. * * * [بين جواب الرسول للنواس]: • وقد يكون جواب النبي ﷺ في حديث النوَّاس شاملًا لهذه الخصال كُلِّها؛ لأن حُسْنَ الخلق قد يُرادُ به التخلّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أَدّبَ بها عبادَه في كتابه. كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقالت عائشةُ ﵂: "كان خُلُقُهُ ﷺ القرآن" (٢). يعني أنه يتأدب بادابه (٣)، فيفْعَلُ أوامِرَه، ويتجنَّبُ نواهِيَهُ. فصارَ العملُ بالقرآن له خُلُقًا، كالجبِلّة والطبيعة لا يفارقه. وهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأَجْملُها. وقد قيل: إن الدينَ كلَّه خُلقٌ. [وجوابه لوابصة]: • وأما في حديث وابصة فقال: "البرُّ ما أطمأنّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس". • وفي رواية: "ما انشرَحَ له الصّدْرُ". وفسر الحلالَ بنحو ذلك، كما (٤) في حديث أبي ثعلبة وغيره. * * * [دلالة ذلك]: • وهذا يدل على أن الله فَطَرَ عَبادَهُ على معرفة الحق، والسُّكُونِ إليه، وقَبُولِه، وركَّز في الطباع محبَّةَ ذلك، والنفورَ عن ضِدِّهِ.

стр. 705

[البر والإسلام والفطرة والمعروف والطيِّب]: • وقد يدخل هذا في قولِهِ في حديث عياض بن حمار (١): "إني خلقت عبادي حُنَفَاءَ مسلمين فأتتهم الشياطينُ، فاجتالَتْهُمْ عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا". وقولِهِ: "كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة، فأبواهُ يُهَوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جَمْعَاءَ، هل تحسّون فيها من جدعاءَ. قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢). • ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفًا، وما نهى عنه مُنْكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٣). • وقال تعالى في صفة الرسول ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤). [طمأنينة القلب للحق]: • وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره؛ فالقلب الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به، وانفسح: يسكن للحق، ويطمَئنّ به، ويقبلُه. وينفرُ عن الباطل، ويكرهه ولا يقبله. [التحذير من زيغة الحكيم]: • قال معاذ بن جبل: "أحذركم زيْغَةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأَن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: [بلى] اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يَثْنينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا". • خرجه أبو داود وفى رواية له قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة. • فهذا يدلّ على أن الحقّ والباطِلَ لا يلتبِس أمرُهُمَا على المؤمن البصير، بل يَعْرف
следующие страницы →