← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10443

جامع العلوم والحكم - ت أبي النور

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الإثم حوَّاز القلوب (١). • واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله: "إياكم وحَزَائزَ القلوب، وما حَزَّ في قلبك من شَيء فَدَعْهُ". • وقال أبو الدرداء: "الخير في طُمَأنينة والشَّر في ريبة". • وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئًا يَحيك في صدورنا، لا ندري: حلالُ هو أم حرام؟ فقال: "إياكم والحكَّاكات؛ فإنهن الإثم (٢) ". والحزّ والحكّ متقاربان في المعنى. والمراد ما أثر في القلب ضيقًا وحرَجًا ونفورًا وكراهَةً. * * * [هذه الأحاديث]: • فهذه الأحاديث اشتملت على تفسير البر والإثم. وبعضها فيه تفسيرُ الحلال والحرام. [تفسير البر وكيف اختلف]: فحديث النَّوَّاس بن سمعان فسّر النبي ﷺ فيه البرَّ بحسن الخلُق (٣). وفسّره في حديث وابصةَ وغيرِه بما اطمأنّ إليه القلب والنفس، كما فسّر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. [للبر معنيان]: • وإنما اختلف تفسيرُهُ للبرِّ لأن البر؛ يُطلَق باعتبارين على مَعْنَيَين:

стр. 702

• أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإِحْسَانِ إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين؛ فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخلق عموما. وقد صنَّف ابن المبارك كتابًا سماه: "كتاب البر والصلة" وكذلك في "صحيح البخاري" و "جامع الترمذي": "كتاب البر والصلة"، ويتضمن هذا الكتاب: الإحسانَ إلى الخلق عمومًا، ويقدَّمُ فيه برُّ الوالدين على غيرهما. • وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "أُمَّكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم أباكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم الأقربَ فالأقربَ" (١). • ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ : "الحجُّ المبرور ليسَ له جزاءٌ؛ إلا الجنة" (٢). وفي المسند أنه ﷺ : "سُئِلَ عن برّ الحج فقال: "إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السلام" (٣). • وفي رواية أخرى قال: "وطيبُ الكلام" (٤). • وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: "البِر شيء هيّن: وَجْهٌ طليقٌ، وكلامٌ ليّنَ" (٥). • وإذا قُرِنَ البرُّ بالتقوى كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦).

стр. 703

فقد يكون المراد بالبرّ: معاملةَ الخلق بالإحسان، بالتقوى: معاملة الحق؛ بفعل طاعته، واجتناب محرماته. * * * وقد يكونُ أريدَ بالبر فعلُ الواجبات، وبالتقوى اجتنابُ المحرمات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم ما هو محرَّمٌ في نفسه كالزنا والسرقة، وشُرْبِ الخمر، وبالعدوان تجاوزُ ما أُذِن فيه إلى ما نُهِي عنه، مما جنسه مأذونٌ فيه كقتل من أُبيح قتله لقِصاص، ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الحدّ الذي أُمِرَ به (٢) في الحدود، ونحو ذلك. * * * [المعنى الثاني للبر]: • والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣). • وقد روي أنّ النبي ﷺ سئل عن الإيمان فتلا هذهِ الآية (٤). [اتساع هذا المعنى للبر]: • فالبرّ بهذا المعنى يَدْخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأمْوَالِ فيما يحبُه الله، وإقامِ الصلاة،

стр. 704

وإيتاءِ الزكاة، والوفاءِ بالعهد، والصبرِ على الأقدار كالمرضِ، والفقرِ، وعلى الطاعاتِ، كالصّبرِ على لقاءِ العدُوِّ. * * * [بين جواب الرسول للنواس]: • وقد يكون جواب النبي ﷺ في حديث النوَّاس شاملًا لهذه الخصال كُلِّها؛ لأن حُسْنَ الخلق قد يُرادُ به التخلّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أَدّبَ بها عبادَه في كتابه. كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقالت عائشةُ ﵂: "كان خُلُقُهُ ﷺ القرآن" (٢). يعني أنه يتأدب بادابه (٣)، فيفْعَلُ أوامِرَه، ويتجنَّبُ نواهِيَهُ. فصارَ العملُ بالقرآن له خُلُقًا، كالجبِلّة والطبيعة لا يفارقه. وهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأَجْملُها. وقد قيل: إن الدينَ كلَّه خُلقٌ. [وجوابه لوابصة]: • وأما في حديث وابصة فقال: "البرُّ ما أطمأنّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس". • وفي رواية: "ما انشرَحَ له الصّدْرُ". وفسر الحلالَ بنحو ذلك، كما (٤) في حديث أبي ثعلبة وغيره. * * * [دلالة ذلك]: • وهذا يدل على أن الله فَطَرَ عَبادَهُ على معرفة الحق، والسُّكُونِ إليه، وقَبُولِه، وركَّز في الطباع محبَّةَ ذلك، والنفورَ عن ضِدِّهِ.

стр. 705

[البر والإسلام والفطرة والمعروف والطيِّب]: • وقد يدخل هذا في قولِهِ في حديث عياض بن حمار (١): "إني خلقت عبادي حُنَفَاءَ مسلمين فأتتهم الشياطينُ، فاجتالَتْهُمْ عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا". وقولِهِ: "كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة، فأبواهُ يُهَوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جَمْعَاءَ، هل تحسّون فيها من جدعاءَ. قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢). • ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفًا، وما نهى عنه مُنْكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٣). • وقال تعالى في صفة الرسول ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤). [طمأنينة القلب للحق]: • وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره؛ فالقلب الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به، وانفسح: يسكن للحق، ويطمَئنّ به، ويقبلُه. وينفرُ عن الباطل، ويكرهه ولا يقبله. [التحذير من زيغة الحكيم]: • قال معاذ بن جبل: "أحذركم زيْغَةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأَن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: [بلى] اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يَثْنينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا". • خرجه أبو داود وفى رواية له قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة. • فهذا يدلّ على أن الحقّ والباطِلَ لا يلتبِس أمرُهُمَا على المؤمن البصير، بل يَعْرف

стр. 706

الحقَّ بالنور الذي عليه. فيقبله قلبُه، وينفرُ عن الباطل، فينكُره ولا يعرفه (١). [وممن يحدث بما لم يُسمَعْ]: • ومن هذا المعنى قولُ النبي ﷺ : "سيكونُ في آخر الزمان قومٌ يحدِّثونَكُم بما لم تَسْمَعُوا أنتُم ولا آباؤكُم، فإياكُمْ وإياهُم" (٢). يعني أنهم يأتون بما تستنكره قلوب المؤمنين، ولا تعرفه. • وفي قوله: "أنتم ولا آباؤكم" إشارة إلى أن ما استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادُم العهد، وتطاوُل الزمان؛ فهو الحق. وأنّ ما أُحدِث بعد ذلك مما يُستنكَرُ؛ فلا خير فيه. [حديث وابصة والرجوع إلى القلب]: • فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه؛ فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان بخلاف ذلك فهو الإثم والحرام. * * *

стр. 707

[الإثم ما حاك في الصدر]: • وقوله في حديث النواس بن سمعان "الإثم ما حاكَ في الصَّدْرِ وكرِهْتَ أن يَطّلعَ عليهِ النّاسُ" (١). إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرَجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصَّدر - ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكَرَهُ الناسُ (٢): فاعلُه، وغيرُ فاعِلِه. [ما رآه المسلمون حسنًا]: • ومن هذا المعنى قول ابن مسعود ﵁: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح (٣) ". [وإن أفتاك المفتون]: • وقوله في حديث وابصة، وأبي ثعلبة "وإن أفتاك المفتون" يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيرُه بأنه ليس بإثم. فهذه مرتبة ثانية وهي أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضًا إثْمًا. [معيار ذلك]: • وهذا؛ إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرِحَ صدرُه للإيمان، وكان المفتى له يفتى بمجرد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوًى من غير دليل شرعيّ. • فأما إن كان مع المفتَى به دليل شرعي فالواجب على المستفتى الرجوعُ إليه وإن لم ينشرح له صدره. وهذا كالرُّخَصِ الشرعية مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به. * * *

стр. 708

[أحداث تؤكد ذلك]: • وقد كان النبي ﷺ أحيانًا يأمر أصحابَه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك. كما أمرهم بفَسخ الحج إلى العمرة. فكرهه من كرهه منهم (١)، وكما أمرهم بنَحْر هديهم، والتحلُّل من عُمرهَ الحديبية فكرهوه، وكما كرهوا مفاوضته لقريش - على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يردُّه إليهم (٢). * * * [ما ورد النص فيه]: • وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣). [كيف ينبغي تلقي ذلك؟]: • وينبغي أن يَتَلَقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا؛ فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمانُ [به] والرضا به، والتسليم له. كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). * * * [ما ليس فيه نص]: • وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ولا رسوله، ولا عمن يُقتدى بقوله من الصحابة وسلفِ الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبُه بالإيمان المنشرح صَدْرُه بنور المعرفة واليقين منه شيءٌ وحاك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يُفتي فيه بالرخصة إلا مَن يُخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتباع الهوى، فهنا

стр. 709

يرجع المؤمن إلى ما حاك (١) في صدره إن أفتاه هؤلاء المفتون. • وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا. • قال المروزي في كتاب الورع: قلت لأبي عبد الله: إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيء. • فقال: أمرها أمرٌ قذِرٌ متلوث. قلت: فتكرهُ العملَ فيها؟ قال: دع ذا عنك. إن كان لا يقع في قلبك شيءٌ. قلت: قد وقع في قلبي منها. فقال: قال ابن مسعود: الإثْمُ حَوَّازُ القلوب. قلت: إنما هذا على المشاورة. قال: أي شيء يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطربَ عليَّ قَلْبِي. قال: الإثمُ حَوَّازُ القلوب. * * * [سبق شيء مما يتعلق بتفسير هذه الأحاديث]: • وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير ﵁: "الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّنٌ" (٢). • وفي شرح حديث الحسن بن علي ﵄: "دَع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ" (٣). • وشرح حديث: "إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ" (٤) شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا. * * *

стр. 710

[والإلهام هل هو حجة؟]: • وقد ذكر طوائفُ من فقهاء الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه مسألةَ الإلهام هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافًا بينهما، وذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبُو يَعْلَى من كلام أحمد في ذمّ المتكلمين في الوساس والخطرات، وخالفهم طائفةٌ من أصحابنا في ذلك. وقد ذكرنا نَصَّ أحمد ههنا بالرجوع إلى حوازِّ القلوب. * * * [لماذا كان ذم التكلمين؟]: • وإنما ذم أحمد وغيره: المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية. حيث كان كلامُهُمْ في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق. كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الراقي من غير دليلٍ شرعي. [الرجوع في الشتبهات إلى حواز القلوب]: • فأما الرجو في الأمور المشتبهة إلى حَوّاز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد لص على الرجوع إليه موافقة لهم؟!. * * * [الصدق طمأنينة]: • وقد سبق حديث "إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة" فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، زمعرفته، وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خُثَيْم: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار، تعرفه، و [للكذب] ظُلْمَةً كظلمة الليل، تنكِرُه". • وخرج الإمام أحمد (١) من حديث ربيعة عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي

стр. 711

حُمَيد، وعن أبي أُسَيد (١) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سَمِعْتُمُ الحديثَ عَنِّي تَعرفُهُ قُلوبكُمْ وتَليِنُ له أَشْعَارُكم وأَبْشَارُكُمُ وتُرَوْن أنه منكم قريب فأنا أوْلاكم به، وإذا سمعتم الحديثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمُ وتَنْفِرُ [منه] (٢) أَشْعارُكُم وأبشارُكُم وَتُرَوْن أنه مِنْكُمْ بعِيدٌ فأنا أَبْعَدُكُم مِنْهُ" (٣). • وإسناده أنه قد قيل على شرط مسلم؛ لأنه خرَّج بهذا الإسناد بعينه حديثًا - لكن هذا الحديث معلول؛ فإنه رواه بكير بن الأشجّ، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبيّ بن كعب من قوله. • قال البخاري: هو أصح. * * * • وروى يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا حُدِّثْتم عني حديثا تعرفونه ولا تُنكرونه فصدِّقوا به، فإني أقول ما يُعرف ولا يُنكر، وإذا حُدثتم عني حديثًا تُنكرونه ولا تَعرفونه، فلا تُصَدقوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرَف". • وهذ الحديث معلولٌ أيضًا.

стр. 712

• وقد اخْتُلِفَ في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه، عن سعيد مرسلًا. والمرسَل أصح عند أئمة الحفاظ منهم: ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وقال: "ما رأيت أحدًا من علماء الحديث يثبت وصله (١) ". * * * [علام تحمل على تقدير صحتها؟]: وإنما تحملُ مثلُ هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقَّاد الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي ﷺ وكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونَقَلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم، وحفظهم وضبطهم؛ فإن هؤلاء لهم نقدٌ خاص في الحديث يختصُّون بمعرفته، كما يختصّ الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود: جيدِها وردِيئها، وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر؛ بانتقاد الجواهر. * * * [علم الحديث إلهام]: • وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره، وآية ذلك أنه يُعْرَض الحديث الواحد على جماعة ممن يَعلم هذا العلم فيتّفقون على الجواب فيه من غيرِ مُواطأة. • وقد امتُحِن هذا منهم غيرَ مرة في زمن أبي زُرْعة، وأبي حاتم. فوجِدَ الأمر على ذلك، فقال السائل: أشهدُ أن هذا العلمَ إلهامٌ. * * * [المحدثون صيارفة الحديث]: • قال الأعمش: "كان إبراهيم النخَعي صَيْرَفيًّا في الحديث، كنت أسمع من الرجال فأعرضُ عليه ما سمعته" (٢).

стр. 713

• وقال عمرو بن قيس: "ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثلَ الصَّيرَفِيّ الذي ينتقد الدراهم؛ فإن الدراهم فيها الزائف (١) والبهرج (٢) وكذلك الحديث". * * * • وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا، كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة. فما عرفوا أخَذْنَا، وما أنكروا تَرَكْنَا. * * * • وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمَّن ققول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقدَ فأَريتَه دراهمك فقال: هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عمّن ذلك أو تسلّم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنتُ أسلّم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك؛ لطول المجالَسَةِ والمناظرة والخُبْرِ به. • وقد رُوي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله! تقول: "هذا الحديث منكَر" فكيف علمتَ ولم تكتب الحديث كله؟ قال: "مَثَلُنا كَمَثَلِ ناقد العَيْنِ" (٣). لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنّهُ جيّد، وأنه رديء". * * * • وقال ابن مهدي: "معرفة الحديث إلهام". وقال: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة". * * * • وقال أبو حاتم الرازي: "مَثَل معرفة الحديث كمَثَل فَصٍّ ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمُنُه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يُخبِر بسبب نقده فكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف عَلِمْنا بأن هذا حديثٌ كذِبٌ، وأن هذا حديث منكَرٌ إلا بما نعرفه". • قال: "وتُعرَف جودةَ الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلّف عنه في الحمرة

стр. 714

والصفاء عُلِم أنه مغشوش، ويُعلَم جِنْس الجوهر بالقياس إلى غيرِه. فإن خالفه في المائية والصَّلابة عُلِم أنه زجاج. ويُعْلُم صِحَّةُ الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكونَ كلامًا يَصلُح مثلُه أن يكون كلامَ النبوة، ونَعرِف سُقْمه وإنكاره لتفرد من لم تصحَّ عدالته بروايته والله أعلم". * * * وبكل حال فالجهابذة النّقادُ العارفون لعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًّا. وأول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث: ابنُ سيرين (١)، ثم خلفه أيوب

стр. 715

السَّخْتياني (١)، وأخذ ذلك عنه ..................................................

стр. 716

شُعبة (١)، .....................................................................

стр. 717

وأخذ عن شُعبة يحيى القطّان (١)، ............................................

стр. 718

وابن مهدي (١)، .......................................................

стр. 719

وأخذ عنهما أحمد (١)،

стр. 720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 721

وعلي بن المديني (١)،

стр. 722

وابن معين (١)، وأخذ عنهم مثل البخاري، وأبي داود وأبي زُرْعة، وأبي حاتم. وكان أبو رزعة في زمانه يقول: "قَلَّ مَن (٢) يفهم هذا وما أعزه إذا (٣) دفعت هذا

стр. 723

عن واحد أو اثنين؛ فما أقل من تجد مَنْ يُحْسِنُ هذا!؟ ". ولما مات أبو زرعة، قال أبو حاتم: "ذهب الذي كان يحسن هذا (١) - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق واحدٌ يُحْسِنُ هذا". وقيل له، بعد موت أبي زُرْعة: "تَعرِف اليوم أحدًا يَعْرِفُ هذا؟ " قال: "لا". * * * وجاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي، والعُقَيلي، وابن عدي، والدارقطني. وقَلَّ مَن جاء بعدهم مِمَّنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك؛ حتى قال أبو الفرج بن الجوزي في أول كتابه "الموضوعات": قد قَلَّ من يفهم هذا: بل عُدِم. والله أعلم.

стр. 724

الحديث الثامن والعشرون عَنْ أَبِي نَجِيحٍ: العِرْبَاضِ بْنِ سَاريَةَ ﵁ قَالَ: "وَعَظَنَا رَسُولُ الله ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلَنا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ؟ فَأَوْصِنا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُمْ عَبْدٌ؛ وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتلافًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (المهْدِيِّينَ) عَضُّوا عَلَيها بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ وَقال: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيِحٌ. * * * [تخريج الحديث]: • هذا الحديث خرّجه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذى (٣) وابن ماجه (٤) من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبد الرحمن بن عَمْرِو السُّلمي ﵁. زاد أحمد في رواية له وأبو داود (٥): وحُجْر بن حُجْر الكَلَاعي كلاهما عن العرباض بن سارية ﵁. • وقال الترمذى: حسن صحيح. • وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين. قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكارٍ منهما له. • وزعم الحاكم (٦) أن سبب تركهما له أنهما توّهما أنه ليس له راو عن خالد بن

стр. 725

معدان، غير ثور بن يزيد. • وقد رواه عنه أيضًا بَحِير بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما. • قلت: ليس الأمر كما ظنّه، وليس الحديث على شرطهما. فإنهما لم يخرّجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلَمِي، ولا لحُجْر الكلاعي شيئًا، وليسا ممن اشتهرا بالعلم والرواية. • وأيضًا فقد اختُلف فيه على خالد بن مَعْدان؛ فروى عنه كما تقدم. • ورُوي عنه، عن ابن أبي بلال، عن العِرْباض. • وخرّجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا (١). * * * • وروي (٢) عن ضمرة بن حبيب (٣)، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، عن العِرْباض خرّجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه (٤)، وزاد في حديثه: "فقد تركْتُكُم (٥) على البيضاء: ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ" وزاد في آخر الحديث: "فإنَّما المؤمن كالجمل الأَنِف (٦) حيثما قِيدَ انقادَ".

стр. 726

• وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مُدْرَجَةٌ فيه، وليست منه قاله: أحمد بن صالح المصري وغيره. • وقد خرّجَهُ الحاكم وقال في حديثه: وكان "أَسَدُ بن وداعة" (١) يزيد في هذا الحديث: "فإنّ المؤمن كالجمل الأَنِف، حيثما قِيدَ انقادَ". • وخرّجه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر (٢): حدثني يحيى بن أبي المطاع: سمعت العِرْباض، فذكره. [إسناد الحديث]: • وهذا في الظاهر إسنادٌ جَيِّدٌ متصل، ورواتُهُ ثقاتٌ مشهورون، وقد صرح فيه بالسماع. • وقد ذكر البخاري في تاريخه: أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرْباض، اعتمادًا على هذه الرواية؛ إلا أن حفّاظَ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاعَ لم يسمع من العِرْباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلط. • وممن ذكر ذلك أبو زُرْعَةَ الدّمشقيِّ، وحكاه عن دُحَيْمٍ، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام. • وقد رُوي عن العِرْباض من وجوه أُخَر. • ورُوي من حديث بُرَيدة عن النبي ﷺ إلا أن إسناد حديث بُرَيدة لا يثبت، والله أعلم. [وعظنا رسول الله ﷺ موعظة]: فقول العِرْباض: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة".

стр. 727

• وفي رواية الإمام أحمدَ وأبي داودَ والترمذي: "بليغة"، وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاته الصبح، وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يعظ أصحابه في غير الخطَب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد؛ وقد أمره الله بذلك فقال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢)، ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخوَّلُهم بها أحيانًا؛ كما في الصحيحين عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يذكِّرنا كلَّ يومِ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولودِدْنا أنك حدثتنا كلّ يوم؟ فقال: "ما يمنعني أن أحدِّثكم [كلّ يوم] إلا كراهةُ أن أُمِلَّكُم، إن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلُنَا بالموعظة؛ كراهةَ السآمة علينا" (٣). * * * [البلاغة في الموعظة]: • والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقربُ إلى قبول القلوب واستجلابِها، والبلاغة هي التوصُّلُ إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالُهَا إنى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصَحِها، وأحلاها للأسماع، وأوقعِهَا في القلوب. [السنة تقصير الخطبة]: • وكان النبي ﷺ يُقَصِّرُ خطَبهُ ولا يُطيِلُهَا، بل كان يُبْلِغُ ويُوجِزُ. • وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرةَ ﵁ قال: "كنتُ أُصلِّي مع النبي ﷺ فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخطبتُه قَصْدًا" (٤). • وخرّجه أبو داود، ولفظه: كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هي كلمات يسيرات (٥). وخرّج مسلم من حديث أبي وائل قال:

стр. 728

• خطبنا عمار ﵁، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان (١) لقد أبلغت وأوجزتَ فلو كنت تَنَفَّسْتَ (٢)؟ فقال: إنى سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل وقِصرَ خطبته مَئِنَّةٌ (٣) من فقهه؛ فأطيلُوا الصلاةَ واقْصرُوا الخطبة (٤)؛ فإنَّ من البيان سِحْرًا" (٥). * * * • وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحكَم بن حَزْن (٦) ﵁ قال: شهدتُ مع رسول اللّه ﷺ الجمعة؛ فقام متوكّئًا على عصًا أو قوسٍ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه: كلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ (٧). • وخرَّج أبو داود عن عمرو بن العاص ﵁: أن رجلًا قام يومًا فأكثر القول؛ فقال عمرو: لو قَصَد في قوله لكان خيرًا له؛ سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول:

стр. 729

"لقد رأيتُ أو أُمِرْتُ أن أتجوَّز في القول؛ فإن الجواز هو خير" (١). * * * [ذرفت منها العيون ووجلت القلوب]: • وقوله: "ذَرَفتْ منها العيونُ ووَجِلتْ منها القلوب" هذان الوصفان بهما مدَح الله المؤمنين عند سماع الذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢). وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣). وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥). • وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ (٦). • وكان النبي ﷺ يتغيّر حاله عند الموعظة كما قال جابر: "كان النبي ﷺ إذا خطب، وذكر الساعة؛ اشتد غَضبُه، وعَلا صوتُه، واحْمَرَّت عيناه، كأنه مُنذِرُ جَيْشٍ يقول: صبَّحكم ومسَّاكم". خرّجه مسلم بمعناه (٧). • وفي الصحيحين عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بن يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "مَن أَحبَّ أن يَسْأَلَ عن شيء فلْيَسْأَل عنه؛ فواللّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكُم به في مَقَامي هذا". قال أنس: فأكثَر الناسُ البكاءَ وأكثر رسول

стр. 730

اللّه ﷺ أن يقول: "سلوني". فقام إليه رجلٌ فقال: أين مُدْخَلي يا رسول اللّه؟! قال: "النار": وذكر الحديث (١). • وفي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ﵁ أنه خطب فقال: سمعت رسول اللّه ﷺ يخطبُ يقول: "أنذرتُكم النار" حتى لو أن رجلًا كان بالسُّوق لسمعه من مُقامي هذا. قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه (٢). • وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ "اتقوا النار"، قال: ثم أعرض وأشاح (٣)، ثم قال: "اتَّقُوا النار". قال: ثم أعرض وأشاح (٤) ثلاثًا حتى ظننَّا أنه ينظر إليها، ثم قال: "اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبَةٍ" (٥).

стр. 731

• وخرّج الإمامُ أحمد (١) من حديث عبد اللّه بن سلمة عن عليّ أو عن الزبير بن العوّام قال: كان رسول اللّه ﷺ يخطبنا فيذكرنا بأيام اللّه حتى يُعْرفَ ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يُصَبِّحُهُمُ الأمرُ غُدْوَةً، وكان إذا كان حديثَ عهْدٍ بجبرئيل لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يَرْتَفِعَ عَنْهُ. • وخرّج الطبراني والبزار من حديث جابر (٢) قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذيرُ قوم أتاهم العذابُ؛ فإذا ذهب عنه ذلك رأيتُه أطلَقَ الناسِ وجهًا، وأكثرَهم ضحكًا، وأحسنَهم بِشْرًا ﷺ . [طلب الصحابة لوصية الرسول في حجة الوداع]: • وقولهم: "يا رسولَ اللّه! كأنها موعِظَةُ مودِّع فأَوْصِنَا". يدلُّ على أنه كان ﷺ قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغْ في غيرها؛ فلذلك فهمُوا أنها موعظةُ مودِّع؛ فإن المودِّعَ يستقصي ما لا يستقْصي غيْرُه في القول والفعل؛ ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلّي صلاة مودِّع (٣)؛ لأنَّ من استشعر أنه مودِّعٌ بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، ولَرُبَّما كان قد وقع منه ﷺ تعريضٌ في تلك الخطبة بالتوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أَدْرِي لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" وطفق يودّع الناس فقال: هذه حجة الوداع. * * *

стр. 732

[وصيته بالقرآن وبأهل بيته عند غدير خُمٍّ]: • ولما رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خُمًّا وخطبهم فقال: "أيها الناس إنما أنا بَشَرٌ، يوشك أن يأتيني رسولُ ربّي فَأُجِيبَه". ثم حضَّ على التمسّك بكتاب اللّه، ووصَّى بأهل بيته. خرّجه مسلم (١). * * *

стр. 733

[وصيته عقب غزوة أحد]: • وفي الصحيحَيْن (١) ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلّى رسول اللّه ﷺ على قَتْلَى "أُحُدٍ"، ثم صَعِد المنبر (٢) كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوض وإنَّ (٣) عَرْضَهُ كما بين أيْلَةَ إلى الجُحْفَة؛ إني (٤) لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكنّي (٥) أخشى عليكم الدنيا أن تَنَافَسُوا (٦) فيها وتقتتلوا (٧) فتهلِكُوا كما هلك مَنْ كان قبلَكُم". قال عقبة ﵁: فكانت (٨) آخرَ ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ على المنبر. • وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: صلّى رسول اللّه ﷺ على قَتْلَى "أحُدٍ" بعد ثمانِ سنين؛ كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني فَرَطكم، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدَكُم الحوضُ، وإني لأنظُرُ إليه، ولست أخشى عليكم الكُفرَ، ولكنِ الدنيا أن تَنَافَسُوهَا" (٩). * * * • وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد اللّه بن عمرو (١٠) ﵄ قال: خرج علينا رسول اللّه ﷺ يومًا - كالمودِّع فقال: "أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرات - ولا نبيَّ بعدي، أُوتيتُ فواتحَ

стр. 734

الكَلِم وخواتمه، وجوامعَه، وعلمتُ كَم خَزنةُ النار، وحَملةُ العَرْش، وتجوَّز لي ربِّي، وعُوفِيَتْ أُمَّتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دُمْتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي فعليكُم بكتاب الله أَحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه". فلعل الخطبة التي أشار إليها العِرْباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطبة (١) أو شبيهًا بها مما يشعر بالتوديع. * * * [ماذا يعني قولهم: أوصنا؟]: • وقولهم: "فأوْصِنَا" يعنون: وصية جامعة كافية. فإنهما لما فهموا أنه مودِّع استوصَوْهُ وصيةً ينفعهم التمسك بها بعده، ويكونُ فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والآخرة. * * * [وصيته ﷺ بتقوى اللّه والسمعِ والطاعة]: وقوله ﷺ : "أوصِيكُم بتَقْوَى اللّه والسَّمْعِ والطَّاعَة". فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة. أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لِمَنْ تمسَّك بها، وهي وصيةُ اللّه للأوّلين والآخِرين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). وقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصيَّة النبي ﷺ لمعاذ ﵁ (٣). [السمع والطاعة]: • " وأما السمعُ والطَّاعةُ لولاة أمورِ المسلمين، ففيها سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينُون على إظهار دينهم، وطاعةِ ربّهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "إنّ الناس لا يُصْلِحُهم إلا إمامٌ بَرٍّ أو فاجر. إن كان

стр. 735

فاجرًا عَبدَ المؤمن فيه ربَّه، وحَمَل الفاجِرَ فيها إلى أجله". وقال الحسن - في الأمراء: "هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، واللّه ما يستقيمُ الدِّيُن إلا بهم، وإن جارُوا وظلموا؛ واللّه لَمَا يُصْلِحُ اللّه بهم أكثرُ مما يُفْسِدُون، مع أن واللّه إن طاعتَهم لغيظٌ، وإنَّ فُرْقَتَهُمْ لكُفْرٌ؟! ". [من وصاياه الجامعة]: • وخرَّج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أُمامة قال: أَمَرَ رسولُ اللّه ﷺ أصحابه حين صلَّوا العشاء أن احشُدوا؛ فإن لي إليكم حاجةً، فلما فرغ من صلاة الصبح قال: "هل حشَدْتُم كما أمرتُكم؟ " قالوا: نعم، قال: "اعبدوا اللّه ولا تُشْرِكوا به شَيئًا. هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: "أقيموا الصَّلاةَ وآتُوا الزكاةء. هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا - ثلاثًا - هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا. قلنا: نعم. قال: فكنَّا نُرَى أن رسولَ اللّه ﷺ سيتكلَّمُ كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كله (١). * * * [التوصية بالسمع والطاعة]: • وبهذين الأصلين وصَّى النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع أيضًا كما خرَّج الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية (٢) قالت: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يخطب في حجة الوداع فسمعتُه يقول: "يا أيها الناس! اتَّقوا الله وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ مُجدَّعٌ؛ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كِتَابَ اللّه" (٣).

стр. 736

• وخرَّج مسلم منه ذكر السمع والطاعة (١). • وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا (٢) من حديث أبي أُمامة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتَّقُوا الله، وصلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا شَهْرَكم، وأَدُّوا زكاةَ أموالكم، وأَطِيعوا ذا أَمْرِكم تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم". وفي رواية أخرى أنه قال: "أيها الناس! إنه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّة بَعْدَكُمْ" (٣). وذكر الحديث بمعناه. • وفي المسند عن أبي هريرة (٤) ﵁، عن النبي ﷺ : "مَن لقى الله لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأدَّى زكاهَّ ماله طيبةً بها نفسُه، محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة،

стр. 737

أو دَخل الجنّة". * * * [وإن تأمّر عليكم عبد]: • وقوله ﷺ : "وإن تأَمَّرَ عليكم عبدٌ"، وفي رواية: "حبشي". هذا ما تكاثرتْ به الرواياتُ عن النبي ﷺ ، وهو مما اطلع عليه النبي ﷺ من أمر أمته بعده وولايةَ العبيد عليهم. • وفي صحيح البخاري عن أنس (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اسمعُوا وأطيعُوا وإن استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حَبشِيٌّ كأنّ رأْسَهُ زَبيبَةٌ". • وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ (٢) قال: "إنَّ خليلي ﷺ أَوصانِي أن أسمعَ وأُطيعَ ولو كان عبدًا حبَشِيًّا مُجَدَّع الأطراف". * * * [الأحاديث المعارضة]: • والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا. * * * • ولا ينافي هذا قولُه ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى في الناس اثنان" (٣). • وقوله ﷺ : "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ" (٤).

стр. 738

• وقوله: "الأئِمَّةُ من قُرَيْش". لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي؛ ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث عليّ ﵁ (١) عن النبي ﷺ قال: "الأئمةُ من قريش أبرارها أمراءُ أبرارِها، وفُجّارُها أمراءُ فُجّارِها، ولكلٍّ حقٌّ؛ فآتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه وإن أمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا؛ فاسمعوا له وأطيعوا". وإسناده جيد، ولكنه رُوي عن عليّ موقوفًا. • وقال الدأرقطي: هو أشبه (٢). وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب الثل وإن لم يصح وقوعه؛ كما قال ﷺ : "مَن بَنَى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ" (٣). * * * [الاختلاف بعد الصدر الأول]: • وقوله ﷺ : وإنَّهُ مَن (٤) يَعِشْ منكم بعدي فسَيَرَى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّينَ من بعدي؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ".

стр. 739

هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات. وهذا موافق لما رُوِي عنه من افتراق أمته على بِضْعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلَّها في النار إلا فرقةً واحدةً، وهي من كان على ما كان هو عليه وأصحابه (١).

стр. 740

• وكذلك في هذا الحديث أَمَرَ عند الافتراق والاختلاف بالتمسّك بسُنَّته وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده. [السُّنَّة]: • والسُّنَّة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كلَّه. • وروي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفُضَيل بن عياض. وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم. * * * [لا طاعة في المعصية]: وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمْرِ بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" (١). * * *
следующие страницы →