• وخرَّج مسلم منه ذكر السمع والطاعة (١).
• وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا (٢) من حديث أبي أُمامة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول:
"اتَّقُوا الله، وصلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا شَهْرَكم، وأَدُّوا زكاةَ أموالكم، وأَطِيعوا ذا أَمْرِكم تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم".
وفي رواية أخرى أنه قال:
"أيها الناس! إنه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّة بَعْدَكُمْ" (٣).
وذكر الحديث بمعناه.
• وفي المسند عن أبي هريرة (٤) ﵁، عن النبي ﷺ : "مَن لقى الله لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأدَّى زكاهَّ ماله طيبةً بها نفسُه، محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة،
стр. 737
أو دَخل الجنّة".
* * *
[وإن تأمّر عليكم عبد]:
• وقوله ﷺ : "وإن تأَمَّرَ عليكم عبدٌ"، وفي رواية: "حبشي".
هذا ما تكاثرتْ به الرواياتُ عن النبي ﷺ ، وهو مما اطلع عليه النبي ﷺ من أمر أمته بعده وولايةَ العبيد عليهم.
• وفي صحيح البخاري عن أنس (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال:
"اسمعُوا وأطيعُوا وإن استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حَبشِيٌّ كأنّ رأْسَهُ زَبيبَةٌ".
• وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ (٢) قال:
"إنَّ خليلي ﷺ أَوصانِي أن أسمعَ وأُطيعَ ولو كان عبدًا حبَشِيًّا مُجَدَّع الأطراف".
* * *
[الأحاديث المعارضة]:
• والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
* * *
• ولا ينافي هذا قولُه ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى في الناس اثنان" (٣).
• وقوله ﷺ : "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ" (٤).
стр. 738
• وقوله: "الأئِمَّةُ من قُرَيْش".
لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي؛ ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث عليّ ﵁ (١) عن النبي ﷺ قال:
"الأئمةُ من قريش أبرارها أمراءُ أبرارِها، وفُجّارُها أمراءُ فُجّارِها، ولكلٍّ حقٌّ؛ فآتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه وإن أمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا؛ فاسمعوا له وأطيعوا".
وإسناده جيد، ولكنه رُوي عن عليّ موقوفًا.
• وقال الدأرقطي: هو أشبه (٢).
وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب الثل وإن لم يصح وقوعه؛ كما قال ﷺ : "مَن بَنَى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ" (٣).
* * *
[الاختلاف بعد الصدر الأول]:
• وقوله ﷺ : وإنَّهُ مَن (٤) يَعِشْ منكم بعدي فسَيَرَى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّينَ من بعدي؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ".
стр. 739
هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات.
وهذا موافق لما رُوِي عنه من افتراق أمته على بِضْعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلَّها في النار إلا فرقةً واحدةً، وهي من كان على ما كان هو عليه وأصحابه (١).
стр. 740
• وكذلك في هذا الحديث أَمَرَ عند الافتراق والاختلاف بالتمسّك بسُنَّته وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده.
[السُّنَّة]:
• والسُّنَّة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كلَّه.
• وروي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفُضَيل بن عياض.
وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم.
* * *
[لا طاعة في المعصية]:
وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمْرِ بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه ﷺ أنه قال:
"إنما الطاعة في المعروف" (١).
* * *
стр. 741
• وفي المسند عن أنس: أن معاذ بن جبل ﵁ قال: يا رسول الله! أرأيت إن كانت علينا أمراءُ لا يَسْتَنُّون بسنَّتك، ولا يأخذونَ بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا طاعة لمن لم يطع الله " (١).
وخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ (٢) أن النبي ﷺ قال: "سَيَلي أمورَكم بعدي رِجَالٌ يُطْفئُونَ السُّنَّة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله! إن أدركتُهم كيف أفعل؟ قال: "تسألنى يا ابن أم عبد! كيف تفعل؟ (٣) لا طاعة لمن عصى الله".
[أمره ﷺ باتباع الخلفاء وعلام يدل؟]:
وفي أمره ﷺ باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا دليل على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعةٌ كاتباع سنَّته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
• وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قَدْرُ بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي" وأشار إلى أبي بكر وعمر ﵄، وتمسكوا بعهد عمّار، وما حدّثكم [به] ابنُ مسعود فَصَدِّقُوهُ" (٤).
وفي رواية: "فتمسَّكوا بعهد ابن أم عَبْد، واهتدوا بِهَدْيِ عمّار" (٥).
فنص رسول الله ﷺ في آخر عمره على من يُقتدى به من بعده.
* * *
стр. 742
[الخلافة الراشدة]:
والخلفاء الراشدون الذين أمِرْنا بالاقتداء بهم هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ﵃؛ فإن في حديث سفينة عن النبي ﷺ : "الخلافَةُ بَعْدِى ثلاثون سنة، ثم تكون مُلْكًا" (١).
• وقد صححه الإمام أحمد، واحتج به على خلافه الأئمة الأربعة.
ونَصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا.
ويدلّ عليه ما خرّجه الإمام أحمد من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله [إذا شاء أن يرفعها]، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النُّبُوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها [إذا شاء الله أن يرفعها]، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفَعَهَا، ثم تكون مُلْكًا جَبْريةً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم دفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوّة" ثم سكت.
فلما ولي عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث فسُرَّ به وأعجبه (٢).
وكان محمد بن سيرين يُسأل أحيانًا عن شئ من الأشربة فيقول: نهى عنه إمامُ هُدًى: عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه.
* * *
стр. 743
[إجماع الخلفاء الأربعة]:
وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة: هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو حازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يَعْتَدَّ بمن خالف الخلفاء، ونَفذَ حُكْمُهُ في الآفاق.
[وماذا لو انفرد أحدهم برأي؟]:
ولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فهل يقدَّم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء.
[المنصوص عن أحمد وكثير من السلف]:
والمنصوص عن أحمد: أنه يقدَّم قولُه على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيرُه، وكلام أكثر السلف يدلّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه رُوي عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال:
"إنّ الله جعلَ الحقَّ على لسان عمرَ وقلبِه" (١).
[عمر بن عبد العزيز وحديثه عن عمر بن الخطاب]:
وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدلّ بقول النبي ﷺ : "إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه".
وقال مالك: "قال عمر بنُ عبد العزيز: سنَّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمر من بعده سُنَنًا: الأخذُ بها اعتصامٌ بكتاب الله، وقوةٌ على دين الله. ليس لأحد تبديلُها ولا تغييرُها، ولا النظرُ في أَمرٍ خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصَرَ بها فهو مَنْصُورٌ، ومن تركها واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولّى وأصلاه جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصيرًا" (٢).
стр. 744
وحكى عبد الله بن عبد الحكَم عن مالك أنه قال: "أعجبني عزمُ عمر على ذلك" يعني هذا الكلام.
وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر.
وقال خلف بن خليفة: شهدتُ عمرَ بنَ عبد العزيز يخطبُ الناسَ وهو خليفة فقال في خطبته: "ألا إن ما سَنَّ رسولُ الله ﷺ وصاحباه فهو وظيفةُ دِينٍ نأخذ به، وننتهي إليه" (١).
وروى أبو نُعيم من حديث عَرْزَب الكِنْدِي (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سَيَحْدُثُ بعدي أشياءُ فاجتهدوا أن تلزموا ما أحْدَثَ عمر".
وكان عليّ ﵁ يتَّبع أحكامه وقضاياه ويقول: "إنّ عمرَ كان رشيدَ الأمر" (٣).
وروى الأشعث عن الشعبي قال: "إذا اختلف الناسُ في شيء فانظر كيفى قضى فيه عمر؛ فإنه لم يكن يَقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور" (٤).
وقال مجاهد: "إذا اختلَفَ الناسُ في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به".
[ما اجتمعت عليه الأمة]:
وقال أيوب عن الشعبي: "انظروا ما اجتمعت عليه أمةُ محمد ﷺ . فإن الله لم يكن ليجمَعَها على ضلالة؛ فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب، فخذوا به".
وسئل عكرمة عن أم الولد فقال: تُعْتَقُ بموتِ سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ قال: بالقرآن، قيل: بأيّ القرآن؟ قال:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥).
وعمر ﵁ من أولي الأمر.
وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعليّ على شيء فهو الأمر.
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يحلفُ أن الصراطَ المستقيمَ هو الذي
стр. 745
ثبت عليه عمر ﵁ حتى دخل الجنة.
* * *
[ما جمع عمر عليه الصحابة]:
وبكل حال فما جمع عُمَرُ عليه الصحابةَ فاجتمعوا عليه في عصره؛ فلا شك أنه الحق، ولو خالفه فيه بعد ذلك من خالفه، كقضائه في مسائلَ من الفرائضِ كالعَوْل، وفي زوجٍ وأبوين، وزوجةٍ وأبوين: أن للأم ثُلُثَ الباقي.
وكقضائِه فيمن جامع في إحرامه: أنه يَمضي في نُسُكه، وعليه القضاء والهدي.
ومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا.
ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم مُتْعة النساء.
ومثل ما فعله من وضع الديوان، ووضع الخراج على أرض العَنْوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك.
ويشهد لصحة ما جمع عليه عمرُ أصحابَه، فاجتمعوا عليه ﵃، ولم يُخالَفْ في وقته: قولُ النبي ﷺ : "رأيتُني في المنام أنزِعُ على قليبٍ (١)، فجاء أبو بكر فنَزَعَ ذَنُوبًا أر ذَنُوبَيْن (٢)، وفي نزعه ضعف (٣)، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب
стр. 746
فاستحالت غَرْبًا (١)، فلم أرَ أحدًا يفْرِي فَرْيهُ (٢)، حتى رَوِيَ الناس، وضربوا بعَطَنٍ (٣) ".
وفي رواية: "فلم أرَ عبقريًّا من الناس ينزِعُ نزع ابن الخطاب" (٤).
стр. 747
وفي رواية أخرى: "حتى تَوَلّى والحوض يتفجّر" (١).
وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور [في] مواضعها، واستقامت الأمور، وذلك لطول مدته، وتفرغِه للحوادث، واهتمامِه بها، بخلاف مدة أبي بكر، فإنها كانت قصيرة، وكان مشغولًا فيها بالفتوح، وبَعْثِ البعوث للقتال، فلم يتفرغْ لكثيرٍ من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ولا يُرفع إليه؛ حتى رُفعت تلك الحوادث إلى عمرَ، فردّ الناسَ فيها إلى الحق، وحملَهم على الصواب، ﵁، وعن أبي بكر، وعن الصحابة أجمعين.
* * *
[ما لم يجمع عمر الناس عليه]:
وأما ما لم يَجْمَع عمر الناسَ عليه بل كان له فيه رأي وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيًا يخالف رأيه كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة. والله أعلم.
* * *
[لِمَ وصف الخلفاء بالراشدين؟]:
وإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحقَّ وقَضَوْا به.
стр. 748
فالراشد ضدُّ الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه.
[والمهديين]:
وفي رواية: "المهديين" يعني أن اللّه يهديهم للحق ولا يضلّهم عنه.
فالأقسام ثلاثة: راشدٌ وغاوٍ وضالّ، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغاوي عرفه ولم يتبعه، والضالّ لم يعرفه بالكلية.
فكل راشد فهو مهتدٍ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق، والعمل به أيضًا.
* * *
[عضوا عليها بالنواجذ]:
وقوله: "عضُّوا عليها بالنواجذ" كنايةٌ عن شدة التمسُّك بها، والنواجذ: الأضراس.
* * *
[وإياكم ومحدثات الأمور]:
وقوله: "وإيَّاكم ومُحْدثات الأُمور؛ فإنّ كل بِدْعَة ضَلالَة" تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعَة، وأكّد ذلك بقوله: "كلّ بِدْعَةٍ ضَلالة".
[البدعة]:
والمراد بالبِدْعَة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه.
[ما كان له أصل]:
فأما ما كان له أصلٌ من الشرع يدلّ عليه فليس بدعة شرعًا وإن كان بدعة لغةً.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "إنّ خيرَ الحديث كتابُ اللّه، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلالة" (١).
стр. 749
وخرّج الترمذي، وابن ماجه، من حديث كثير بن عبد اللّه المزني - وفيه ضعف - عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال:
"مَن ابتدع بِدْعَةً ضَلالة لا يرضاها اللّه [ولا] رسولُه كان عليه مثلُ آثام مَنْ عمل بها لا يَنقُصُ ذلك من أَوْزارهم شيئًا" (١).
وخرّج الإمام أحمد من رواية غُضَيْف بن الحارث الثُّمالى قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: [يا أبا أسماء] (٢) إنا قد جمعنا (٣) الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد (٤) الصبح والعصر؟ فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيء منهما، لأنّ النبي ﷺ قال: "ما أحدث
стр. 750
قومٌ بدعةً إلا رُفع مثلها من السُّنَّة فتمسُّكٌ بسُنَّة خير من إحداثِ بِدْعَة" (١).
وقد روي عن ابن عمر ﵁ من قوله نحوُ هذا.
* * *
[كل بدعة ضلالة]:
فقوله ﷺ : "كل بِدْعَةٍ ضَلالة" من جوامع الكلم لا يخرُج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "مَن أحْدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدُّ" (٢).
فكل مَن أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصلٌ من الدين يُرْجَعُ إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
* * *
[أساس استحسان بعض البدع]:
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية.
فمن ذلك قول عمر ﵁، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: "نعمت البدعة هذه" (٣).
وروي عنه أنه قال: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة".
стр. 751
وروي أن أبيّ بن كعب قال له: "إن هذا لم يكن" فقال عمر: "قد علمت ولكنه حسن".
[من أصول الاستحسان]:
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل من الشريعة يرجع إليها (١).
فمنها أن النبي ﷺ كان يحثُّ على قيام رمضان ويرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في السجد جماعاتٍ متفرقة وَوُحدانًا، وهو ﷺ صلّى بأصحابه في رمضان
стр. 752
غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معلًا بأنه خشى أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده ﷺ (١).
وروي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر (٢).
ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين. فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعليٍّ ﵃.
[أذان الجمعة الأول]:
ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره عليٌّ واستمر عمل المسلمين عليه.
وروي عن ابن عمر أنه قال: "هو بدعة" ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان.
[جمع المصحف في كتاب]:
ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد.
توقّف فيه زيدُ بنُ ثابت، وقال لأبي بكر وعمرَ ﵄: "كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ " ثم علم أنه مصلحة فوافق على جمعه.
وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي.
ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.
[جمع الأمة على مصحف واحد]:
وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لما خالفه؛ خشية تفرّق الأمة، وقد استحسنه عليٌّ وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عينَ المصلحة.
стр. 753
[قتال من منع الزكاة]:
وكذلك قتال مَن منع الزكاة، توقّف فيه عمر وغيره، حتى بينّ له أبو بكر أصله الذي يرجع إليه من الشريعة. فوافقه الناس على ذلك.
[والقصص]:
ومن ذلك القَصَص وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث إنه بدعة (١).
وقال الحسن: القصص بدعة، ونعمت البدعة!؟ كم من دعوةٍ مستجابةٍ، وحاجة مقضية، وأخٍ مستفاد!؟ وإنما عنى هؤلاء بأنه بدعة: الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين. فإن النبي ﷺ لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه فيه غيرَ خُطبه الراتبة في الجُمَع والأعياد، وإنما كان يذكِّرهم أحيانًا، أو عند حدوث أمرٍ يحتاج إلى التذكير عنده.
ثم إن الصحابة ﵃ أجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكِّر أصحابه كل يوم خميس (٢).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "حدّث الناسَ كلَّ جُمُعَةٍ مرَّةً، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكترت فثلاث [مرات]، ولا تُمِلَّ الناس" (٣).
وفي المسند عن عائشة ﵂ أنها وصّت قاصَّ أهلِ المدينة بمثل ذلك (٤).
وروي عنها أنها قالت لعُبَيد بن عمير: حدِّث الناس يومًا، ودَع الناسَ يومًا لا تُملَّهُمْ.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصَّ أن يقصَّ كل ثلاثة أيامٍ مرة.
وروي عنه أنه قال له: "روّح الناس، ولا تُثْقِل عليهما، ودَع القَصص يوم السبت، ويوم الثُّلاثاء".
* * *
[الشافعي وتقسيم البدعة]:
وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، قال: سمعت الشافعيَّ
стр. 754
يقول: "البدعة بدعتان: بدعةٌ محمودة، وبدعة مذمومة؛ فما وافق السنَّةَ فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذهوم".
واحتج بقول عمر ﵁: "نعمت البدعة هي".
ومرادُ الشافعي ﵁ ما ذكرناه من قبل، أن البدعة الذمومة ما ليس دها أصل من الشريعة ترجع إليه؛ وهي البدعة في أطلاق الشرع.
وأما البدعة المحمودة فما وافق السُّنَّة، يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغَةً لا شرعًا لموافقتها السنة.
وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنَّه قال: "المحدَثاتُ ضربان: ما أُحْدِثَ مما يخالف كتابًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أُحْدِث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدَثة غيرُ مذمومة".
[الاختلاف في الكثير من المحدثات]:
وكثير من الأمور التي أحدثت ولم تكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة ترجع (١) إلى السنة أم لا؟
فمنها كتابة الحديث: نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة، ورخَّص فيه الأكثرون؛ واستدلوا له بأحاديث من السنة.
ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء، ورخّص فيه كثير منهما وكذلك اختلافهما في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه.
وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب، التي لم تنقل من الصحابة والتابعين.
وكان الإمام أحمدُ يكره أكثر ذلك.
* * *
[وجوب ضبط ما نقل عن السلف، وتحقيق التراث]:
وفي هذه الأزمان التي بعُدَ العَهدُ فيها بعلوم السلف يتعيّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كلِّه؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث من ذلك بعدهم؛
стр. 755
فيعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحْدِثون ويُحْدَثُ لكم فإذا رأيتم مُحْدَثَةً فعليكم بالهدْي (١) الأول".
وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
[لم يكن شيء من الأهواء في الصدر الأول]:
وروى ابن مهدي (٢) عن مالك قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان".
وكأن مالكًا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمر الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تكلّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم، وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواصّ هذه الأمة أو عكس ذلك من زَعم أن المعاصيَ لا تَضُرُّ أهلها، أو أنه لا يدخل النارَ من أهل التوحيد أحدٌ.
* * *
وأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال اللّه تعالى، من قضائه وقَدَره، وكذّب بذلك من كذّب، وزعم أنه نزّه اللّه بذلك عن الظلم.
وأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللّه وصفاته مما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
* * *
[العلماء بإزاء ما استحدث]:
فقومٌ نَفَوْا كثيرًا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للّه عما تقضي العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيلٌ على اللّه .
وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا وإثباتًا دَرَجَ صَدْرُ الأمة عَلَى السُّكوتِ عنها.
* * *
стр. 756
[الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي]:
ومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي وردُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك، لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية.
* * *
[والكلام في الحقيقة بالذوق والكشف]:
ومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال أو أنها (١) حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوامّ.
* * *
[وفي الذات والصفات]:
وربما انضم إلى ذلك الكلامُ في الذات والصفات بما يُعْلَم قطعًا مخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
واللّه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
* * *
رواية معمر، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح.
* * *
[ابن رجب ينقد الترمذي]:
• وفيما قاله ﵀ نظر من وجهين:
• أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا.
وقد قال أبو حاتم الرازي، في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: "قد أدركه، وكان بالكوفة، وأبو الدرداء بالشام".
يعني أنه لم يصح له سماع منه.
وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.
• والثاني أنه قد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النّجُود، عن شَهْر بن حَوْشب عن معاذ.
• خرجه الإمام أحمد مختصرًا (١).
• وقال الدارقطني: "وهو أشبه بالصواب" لأن الحديث معروف، من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
• قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة، يقينًا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه.
• وقد خرجه الإمام أحمد من رواية شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ (٢).
• وخرجه الإمام أحمد أيضا من رواية عروه بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن (٣) معاذ.
ولم يسمع عروة ولا ميمون عن معاذ.
[عمل يدخل الجنة ويباعد من النار]:
• وقوله: "أخبرني بِعملٍ يُدْخلني الجنة ويُبَاعدني عن النار".
قد تقدم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبى هريرة، وأبي أيوب وغيرهما أن النبي ﷺ سئل عن مثل هذه المسألة فأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ (١).
• وفي رواية للإمام أحمد في حدثنا معاذ أنه قال: يا رسول الله! إني أريد أن
стр. 765
أسألك (١) عن كلمة قد أمرضَتْني، وأسْقَمتني، وأحزنتني (٢) فقال نبي الله ﷺ : سلني (٣) عما (٤) شئت: قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره (٥).
وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ ﵁ بالأعمال الصالحة.
وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
* * *
[كيف؟ ولن يَدْخُلَ أَحَدٌ الجنةَ بعمله؟]:
• وأما قوله ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله".
فالمراد - والله أعلم - أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله جعله بفضله ورحمته سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده؟ فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
* * *
[لقد سألت عن عظيم]:
• وقوله: "لقد سألتَ عن عَظيم" قد سبق في شرح الحديث المشار إليه (٧) أن النبي ﷺ قال لرجل سأله عن مثل هذا: "لئن كنتَ أوجزتَ المسألة لقد أعْظَمْتَ وأطْولتَ" وذلك لأن دخول الجنة، والنجاةَ من النار أمرٌ عظيمٌ جدًّا؛ ولأجله أنزال الله الكتب، وأرسل الرسل.
• وقال النبي ﷺ لرجل: "كيف تقولُ إذا صليتَ؟ " قال: أسألُ الله الجنة، وأعوذُ به من النار، ولا أحْسِنُ دَنْدَنَتَك، ولا دَنْدَنَةَ "مُعاذٍ".
يشير إلى كثرة دعائهما، واجتهادهما في المسألة.
• فقال النبي ﷺ : "حولَهُمَا نُدَنْدِن" (٨).
стр. 766
• وفى رواية: "هل تصير دَنْدَنَتي وَدَنْدَنَةُ مُعَاذٍ إلا أن نسألَ الله الجنة ونعوذَ به من النار" (١).
* * *
[وإنه ليسير على من يسره الله عليه]:
• وقوله ﷺ : "وإنه لَيَسِيرٌ على مَن يَسَّرَهُ اللهُ عليه" إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله . فمن يسَّرَ الله عليه الهُدَى (٢) اهتدى، ومَن لم ييسِّر عليه لم يتيسر له ذلك. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٣).
стр. 767
• وقال النبي ﷺ : "اعملوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه: أمّا أهلُ السَّعَادة فَيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ السَّعَادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوَةِ فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشَّقاوَةِ" ثم تلا ﷺ هذه الآية (١).
[من دعوات الرسول]:
• وكان ﷺ يقول في دعائه: "واهدِني وَيَسِّرْ الهُدَى لي" (٢).
стр. 768
• وأخبر الله عن نبيه موسى ﵇ أنه قال في دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (١).
[وابن عمر]:
• وكان ابن عمر ﵄ يدعو: اللهمَّ! يَسِّرْني لليسرى وجنِّبني العُسْرَى.
* * *
• وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه (٢) توجيه ترتيب دخول الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
[ألا أدلك على أبواب الخير؟]:
• وقوله: "أَلا أَدُلّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ" لمّا رتبَ دخولَ الجنة على واجبات الإسلام دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل؛ فإن أفضل أولياء الله هم المقرَّبون الذين يتقرَّبون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.
* * *
[الصوم جنة]:
• وقوله: "الصوم جُنَّة" هذا الكلام ثابت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وخرَّجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ (٣) عن النبي ﷺ .
• وخرَّجه الإمام أحمد بزيادة وهي: "الصيام جُنَّة، وحصن حصين من النار" (٤).
• وخرَّج من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، عن النبي ﷺ قال:
стр. 769
"الصوم جُنَّة من النار كَجُنَّة أحَدِكُم من القِتَالِ" (١).
ومن حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال ربنا : "الصيام جُنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النار" (٢).
• وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الصيامُ جُنَّةٌ ما لم يَخْرِقها" (٣) وقوله ما لم يَخْرِقها، يعنى بالكلام السَّيِّئ ونحوه؛ ولهذا في حديث أبي هريرة المخرّج في الصحيحين عن النبي ﷺ "الصيامُ جنّةٌ؛ فإذا كان يومُ صَوْمِ أحَدِكم فلا يَرْفُثْ [ولا يفْسُقْ] ولا يجْهَلْ فإن امرؤٌ سَابّهُ فليقل إني امرؤٌ صائمٌ" (٤).
* * *
[الغيبة والصوم]:
وقال بعض السلف: "الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقَعُه، فمن استطاعَ منكم أن لا يأتي بصوم مخرَّق فليفعلْ".
• وقال ابن المنكدر: "الصائم إذا اغتاب خرَّق، وإذا استْغَفَر رقَع".
• وخرَّج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "الصيام جُنَّة ما لم يخرِقْها" قيل: بِمَ يخرقُها؟ قال؟ "بكذبٍ أو غِيبَةٍ" (٥).
* * *
فالْجُنّة هي ما يَسْتجِنّ به العبد كالمجنّ الذي يقيه عند القتال من الضرب؛ فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 770
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) فإذا كان له جُنّةً من العاصي كان له في الآخرة جُنَّة من النار وإن لم يكن له جُنَّة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جُنَّةً في الآخرة من النار.
* * *
• وخرج ابن مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا قال: "بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله وفيه: وإن الله يأمركم أن تصوموا ومَثلُ ذلك كمثل رجل مشى إلى عَدُوِّهِ وقد أخذ للقتال جُنَّة فَلا يخافُ من حيث ما أُتِي".
• وخرجه من وجه آخر عن عليٍّ ﵁ موقوفًا وفيه قال: "الصيام مَثَلُهُ كَمَثَلِ رجل أبصره (٢) الناس فاستحدّ (٣) في السلاح حتى ظن أنه لن يصلَ إليه سلاحُ العدوّ؛ فكذلك الصيام جُنّة".
* * *
[الصدقة والخطيئة]:
وقوله ﷺ : "والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النّارَ".
هذا الكلام رُوي عن النبي ﷺ من وجوه أخر فخرجه الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥)
стр. 771
من حديث كعب بن عُجْرَةَ عن النبي ﷺ : "الصومُ جُنّةٌ حَصينَةٌ، والصَّدَقَةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماء النارَ".
* * *
• وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس بمعناه مرفوعًا.
وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "إن صدَقَةَ السر لتطفئُ غضب الربّ، وتدفعُ مِيتَةَ السُّوء (١) ".
* * *
• وروي عن عليّ بن الحسين ﵄ أنه كان يحملُ الخُبْزَ على ظهره بالليل يَتَتَبَّع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد (٢) الليل تطفئ غضب الرب ؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣) فدل على أن الصدقهّ تكفَّر بها السيئاتُ، إما مطلقًا، أو صدقة السر.
[الصلاة في جوف الليل]:
• وقوله ﷺ : "وصلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ الليل".
يعنى أنها تطفئُ الخطيئةَ أيضا كالصدقة؛ ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد من رواية عُرْوَة بن النَّزَّال، عن معاذ ﵁ قال: "أقبلْنَا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه: "الصوم جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ وقيامُ العبد في جوف الليل يكفِّر
стр. 772
الخطيئة" (١).
* * *
• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أفضَلُ الصلاة بعدَ المكتوبة قيامُ الليل" (٢).
وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقُون بالنهار بالذنوب (٣)، وكلما قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفأوا ذُنُوبَهُمْ.
وروي ذلك مرفوعًا من وجوه فيها نظر.
* * *
فكذلك فيام الليل يكفّر الخطايا؛ لأنه أفضلُ نوافِل الصلوات (٤).
• وفي الترمذي من حديث بلال ﵁، عن النبي ﷺ قال: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكُمْ، وإن قيامَ الليل قُرْبَةٌ إلى الله ، ومَنْهاةٌ عن الإثم وتَكْفِيرٌ للسيئات، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسَد" (٥).
• وخرّجه أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ بنحوه وقال: هو أصحُّ من حديث بلال.
стр. 773
• وخرّجه الحاكم وابنُ خزيمةَ في صحيحَيْهما من حديث أبي أُمامة أيضًا (١).
وقال ابن مسعود: "فضلُ صلاةِ الليل على صلاةِ النهار كفضلِ صدقةِ السِّرِّ على صدقةِ العلانية".
• وخرّجه أبو نعيم عند مرفوعًا، والموقوف أصح.
وقد تقدم أن صدقة السِّرِّ تُطْفِئ غضبَ الرَّبِّ (٢) فكذلك صلاة الليل.
* * *
• وقوله: ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
يعني أن النبي ﷺ تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضلَ صلاة الليل، لِيُبيِّن بذلك فضلَ الصلاة بالليل.
وقد روي عن أنس ﵁ أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء.
• خرّجه الترمذي (٤) وصححه.
* * *
ورُوي عنه أنه قال في هذه الآية: "كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء".
• خرّجه أبو داود (٥).
• وروي نَحْوُه عن بلال، وخرّجه البزار بإسناد ضعيف (٦).
стр. 774
[عموم الآية]:
وكل هذا يَدْخُل في عموم لفظ الآية؛ فإن الله مدح الذين تتَجافَى جُنوبُهُم عن المَضَاجع لدعائه، فيشمل ذلك كلَّ من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه، فيدخل فيه مَنْ صلَّى بين العِشاءَين، ومَن انتظر صلاةَ العشاء فلم ينم حتى يصليَها؛ لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداءِ الفريضة.
وقد قال النبي ﷺ - لمن انتظر صلاةَ العشاء -: "إنكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاة" (١).
• ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجُّد، وهو أفضل أنواع التطوّع بالصلاة مطلقًا.
• وربما دخل فيه من ترك النومَ عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح، لا سيَّما مع غَلَبة النوم عليه؛ ولهذا يُشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه: "الصلاة خير من النوم".
* * *
[وصلاة الرجل من جوف الليل]:
وقوله ﷺ : "وصلاة الرجل من جوف الليل".
ذكر أفضل أوقات التهجُّدِ باللَّيلِ وهو جوف الليل.
стр. 775
• وخرَّج النِّسائيُّ والتِّرمِذيُّ من حديث أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أَسْمعُ؟ قال: جوفَ الليل الآخرِ، ودُبُرَ الصَّلوات المكتوبات (١).
• وخرّجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيُ الصلاة أفضلُ؟ قال "جَوفَ الليل الأوسط"، وقال: أي الدعاء أسَمعْ؟ قال: "دُبُرَ المكتوباتِ".
• وخرّج النسائي من حديث أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أيُّ الليل خير؟ قال: "خيرُ الليل جوفُه" (٢).
• وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم، قال: قلت لأبي ذر: أَيُّ قيام الليل أفضلُ؟ قال: سألتُ النبي ﷺ كما سألتني فقال: جوفَ الليل الغابر، أو نصفَ الليل، وقليلٌ فاعله (٣).
• وخرَّج البزار والطبراني من حديث ابن عُمرَ ﵄ قال: سُئِلَ النبي ﷺ : أيُّ اللَّيْلِ أجوبُ دعوة؟ قال: "جوفَ الليل".
زاد البزار في روايته: "الآخرِ" (٤).
* * *