← Тараджим

Тараджим · id 1045

الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (789 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ها قد محضت لك النصيحة طائعا … وأعدت نفسى بعد طول نفار الدّهر أقصر أن تفرّق بيننا … أيّامه بالعتب وهى عوارى لا كانت الدّنيا إذا هى لم تفد … إسداء معروف إلى الأحرار ولئن جنحت لما يكدّر بعدها … حسبى وحسبك عالم الأسرار ومن نثره فى جوابه (١): «لا زالت محامدها فى محافل الفضائل مجلوّة، وممادحها فى البكر والأصائل بألسنة الأثنية والأدعية متلوّة، وتأمّله بعين المقة (٢) والإغضاء، وتحقّق ممّا تضمّنه فى جميع الأنحاء، ومولانا لا يذكر (٣) هذه الأمور الماضية وينبذها ظهريّا، ويمحو آثارها لتصبح بالصّفا نسيا منسيّا». وله أيضا ممّا قرأته بخطّ الشيخ تاج الدّين الدّشناوىّ (٤)، وقد أجاز لى: لك الفضل فى شكر امرئ لم يكن له … إليك من الإحسان ما يوجب الشّكرا ولكنّ أفعال الكريم كريمة … إذا صدرت تستعبد العبد والحرّا وهو الذى بنى على الضّريح النّبوىّ هذه القبّة الموجودة الآن، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقصد خيرا وتحصيل ثواب، وقال بعضهم: أساء الأدب، بعلوّ النّجّارين ودقّ الحطب، وفى تلك السنة حصل بينه وبين بعض الولاة كلام، فوصل مرسوم بضرب الكمال فضرب، فكان من يقول: إنّه أساء الأدب، وإنّ هذا مجازاة له.

стр. 107

وصادره الأمير علم الدّين الشّجاعىّ، وخرّب داره وأخذ رخامها وخزائنها، ويقال إنّها بالمدرسة المنصوريّة (١). وكان يقع منه عجائب، فيظنّ بعضهم أنّ له رئيا من الجنّ يخبره؛ حكى لى [صاحبنا الشيخ محمد بن نجم الدّين حسن بن السّديد العجمىّ، قال: قال لى أبى]: إنّى كنت فى طريق عيذاب (٢)، ومعنا شخص من المغاربة فمات، ففتّشته (٣) فوجدت معه

стр. 108

فى «دفاسه» ذهبا، فأخذته ولم يعلم به أحد، ثمّ وصلت إلى قوص، فتوجهت إلى الكمال فسلّمت عليه، فقال لى: ذاك الذهب الذى عدّته كذا وكذا/ الذى أخذته من المغربىّ، أحضره وأنا أعوّضك، فأحضرته إليه … وحصل للشيخ تقىّ الدّين أبى الفتح (١) محمد بن دقيق العيد ألم، فقال الشيخ عبد الغفّار (٢) بن نوح: قال لى الشيخ: دعوت عليه، ففارقته وتوجّهت إلى البلاد، فأخبرت بوفاته، وكان قد مات فجأة فى سنة ستّ وثمانين (٣) وستّمائة فى ذى الحجّة، وقيل: خمس (٤) فى ثانى عشر ذى الحجّة. ولمّا وصل إلى المدينة [المنوّرة] النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، نظم هذه القصيدة [التى أوّلها (٥)]: أنخ هذه والحمد لله يثرب … فبشراك قد نلت الذى كنت تطلب فعفّر بهذا الترب وجهك إنّه … أحقّ به من كلّ طيب وأطيب وقبّل عراصا حولها قد تشرّفت … بمن جاورت والشئ للشئ يحبب وسكّن فؤادا لم يزل باشتياقه … إليها على جمر الغضى يتقلّب وكفكف دموعا طالما قد سفحتها … وبرّد جوى نيرانها تتلهّب وهى طويلة. وكانت له يد جيدة فى الأدب؛ أخبرت أنّ الشيخ تقىّ الدّين كان ينظم الشعر (٦)،

стр. 109

ثمّ يقول للشّرف (١) النّصيبىّ: اعرضه على الكمال، فيعرضه [عليه]، فيقول: شعر فقيه، حتّى نظم قصيدة فعرضت عليه، فقال مثل ذلك، فقال الشيخ: يفشر ما يعمل مثلها، وذلك شاهد بعلمه بالأدب ﵀ [تعالى]. (٤٥ - أحمد بن عبد القوىّ القرشىّ الأسنائىّ (¬*)) أحمد بن عبد القوىّ بن عبد الرّحمن القرشىّ، ينعت ضياء الدّين، ويعرف بابن الخطيب الأسنائىّ، كان فقيها اشتغل بأسنا ثمّ بالقاهرة، ودخل دمشق وقرأ على الشيخ محيى الدّين النّووىّ وسمع الحديث، ثمّ صحب الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبرىّ واعتزل، ثمّ أقام ببلده سنين منقطعا متعبّدا ملازما للخير. وتوجّه إلى الحجاز فمرض بأدفو وحمل إلى أسنا، فمات بها فى شوّال سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، وكان الشيخ مجد الدّين السّنكلونىّ (٢) يذكر عنه كرامات.

стр. 110

(٤٦ - أحمد بن عبد الكافى الشهاب البلينائىّ (¬*)) أحمد بن عبد الكافى بن عبد الوهاب الهمدانىّ، ينعت بالشّهاب البلينائىّ (١)، الفقيه الشافعىّ القاضى، كان فاضلا، وتولّى الإعادة (٢) بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعىّ، وناب فى الحكم بالقرافة وبالحسينية، وكان ينسب إلى الصلاح والدّيانة. توفّى بالقاهرة سنة ستّ وسبعمائة، وكان أبوه قاضيا فيما أخبرنى به بعض أصحابنا بالقاهرة. (٤٧ - أحمد بن عبد المحسن المكتب القوصىّ) أحمد بن عبد المحسن بن إبراهيم بن فتّوح، المكتب (٣) القوصىّ، سمع الحديث من أبى عبد الله محمد بن عبد الحميد بن صالح/ الهشكورىّ، روى عنه الشيخ الإمام الحافظ أبو الفتح (٤) محمد بن علىّ القشيرىّ، وإبراهيم بن محمد بن عبد الله الظاهرىّ سنة ثلاث وستّين وستّمائة، فيما ذكره الشيخ عبد الكريم الحلبىّ، وأظنّه وهم (٥)؛ فإنّى [رأيت] هذه التّرجمة بكمالها لأبى أحمد المذكور.

стр. 111

(٤٨ - أحمد بن عبد المجيد الدّروىّ القوصىّ) أحمد بن عبد المجيد [بن عبد الحميد] القاضى معين الدّين بن نوح الدّروىّ ثمّ القوصىّ، اشتغل بالفقه على الشيخ مجد الدّين (١) القشيرىّ المنفلوطىّ، وولى القضاء بأدفو وأسوان والأقصر، وكان حسن السّيرة، مرضىّ الطريقة. توفّى بأسوان بعد الثمانين وستّمائة بقليل. (٤٩ - أحمد بن عبد الوارث الأسوانىّ (¬*)) أحمد بن عبد الوارث بن حريز (٢) بن عيسى العسّال (٣)، كنيته أبو بكر، دعوتهم فى موالى عثمان بن عفان، وهو أسوانىّ، ذكره ابن يونس وقال: [كان] ثقة، حدّث عن عيسى بن حمّاد زغبة وغيره، روى عنه أحمد بن القاسم الميمون وغيره، قال: وكانت كتبه احترقت، وبقى منها أربعة أجزاء، وهو آخر من حدّث عن محمد بن رمح، وعاش بعد احتراق كتبه سنة واحدة، وتوفّى يوم الجمعة (٤) لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. حدّثنى الفقيه المفتى أبو العباس أحمد بن أبى الحسن بن عبد العزيز الكنانىّ الإسكندرانىّ بها، أخبرنا أبو الفتح عثمان (٥) بن عوف القرشىّ الزّهرىّ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن

стр. 112

ابن مكىّ بن حمزة بن موقا السّعدىّ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرّازىّ، أخبرنا أبو إبراهيم أحمد بن القاسم الميمون بمصر، حدّثنا جدّى أبو القاسم الميمون إملاء، حدّثنا أحمد (١) بن عبد الوارث بن حريز العسّال (٢)، حدّثنا عيسى بن حمّاد زغبة، أخبرنا اللّيث عن يزيد بن أبى حبيب، أنّ ابن شماسة حدّثه أنّ عقبة بن عامر قام فى صلاته، وعليه جلوس، فقال النّاس: سبحان الله، فعرف الذى يريدون، ثمّ لمّا أتمّ صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثمّ قال: إنّى سمعت قولكم، وهذه السّنّة. (٥٠ - أحمد بن عبد الوهاب الأسنائىّ (¬*)) أحمد بن عبد الوهاب بن حريز- بالحاء المهملة والرّاء والياء آخر الحروف والزّاى- التاجر الكارمىّ، الشاعر الأسنائىّ، له ديوان شعر، وكان لا يتكلم إلّا مقفّى. أخبرنى بعض الجماعة أنّه حضر مرّة إلى قوص، فسأله قاضيها شرف الدّين إبراهيم ابن عتيق عن قاضى عيذاب، فقال: قلمه لا يجفّ، وعلامته الحمد لله وبه أسفّ … ومدح بهاء الدّين قراقوش (٣) والى قوص بقصيدة أوّلها: يا قراقوش يا بهاء الدّين … يا ملاذ الفقير والمسكين / توفّى فى حدود السبعمائة.

стр. 113

(٥١ - أحمد بن عبد الوهاب النّويرىّ القوصىّ (¬*)) أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم (١) البكرىّ (٢)، ينعت بالشّهاب، النّويرىّ (٣) المحتد، القوصىّ المولد والمنشأ، سمع الحديث على الشريف موسى بن علىّ بن أبى طالب، وعلى يعقوب بن أحمد بن الصابونىّ، وأحمد الحجّار، وزينب بنت يحيى (٤)، وقاضى القضاة أبى عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة وغيرهم. وكتب كثيرا، كتب «البخارىّ» مرّات، وجمع تاريخا كبيرا فى ثلاثين

стр. 114

مجلدا (١)، وحصل له قرب من السّلطان الملك النّاصر، ووكّله فى بعض أموره، وعمل (٢) عليه حتى رافع ابن عبادة، وهو الذى قرّبه من السّلطان فضربه بالمقارع، ثمّ عفا عنه ابن عبادة. وتقلّب فى الخدم الدّيوانية، وباشر نظر الجيش بطرابلس، وتولّى نظر الدّيوان بالدّقهليّة والمرتاحيّة (٣)، وكان ذكىّ الفطرة، حسن الشّكل، وفيه مكرمة وأريحيّة، وفيه ودّ لأصحابه، وصام رمضان سنة وفاته، وحصل له أنّه واظب على القراءة، فكان كلّ يوم بعد العصر يستفتح قراءة القرآن إلى قريب (٤) المغرب، ثمّ حصل له وجع فى أطراف أصابع يديه، وكان [ذلك] سبب وفاته. توفّى يوم الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وله نظم يسير، ونثر لا بأس به، وكان صاحبنا ﵀.

стр. 115

(٥٢ - أحمد بن علىّ الرّشيد الأسوانىّ (¬*)) أحمد بن علىّ بن إبراهيم بن علىّ بن الزّبير، أبو الحسن (١) القرشىّ الأسدىّ الأسوانىّ، ينعت بالرّشيد، ذكره غير واحد، منهم العماد الأصبهانىّ وقال (٢): كان ذا علم غزير، وفضل كبير، شاعر وله رسالة أودعها من كلّ علم مشكله، ومن كلّ فنّ أفضله، وكان عالما بالهندسة والمنطق وعلوم الأوائل، وفد اليمن رسولا، وأراد أن يدّعى الخلافة. وسمع باليمن والإسكندرية من السّلفىّ، وقرأ على القاضى الأديب ابن النّضر (٣)، وبأسوان على ابن موقن، وعلى ابن بركات السّعيدىّ، وابن القطّاع، وأبى الفتح الجيش (٤)، وقرأ على الحافظ السّلفىّ كثيرا، وكان يحضر درسه، قال السّلفىّ: كان يقول لى: قد هان علىّ ما أنا فيه من المكوس بما آخذه عنك من الحديث. وقد وقفت أنا على رسالته (٥). وهى تدلّ على جودة معرفته بالفقه والنّحو واللغة والتّصريف والأنساب، والكلام والمنطق والهيثة والموسيقى والطبّ وأحكام النّجوم وغير ذلك.

стр. 116

روى عنه السّلفىّ شيئا من شعره، وقال محمد بن عيسى اليمنىّ (١): كان الرّشيد أستاذى فى الهندسة. أنشد له العماد فى الخريدة (٢) / قوله: إذا ما نبت بالحرّ دار يودّها … ولم يرتحل عنها فليس بذى حزم وهبه بها صبّا ألم يدر أنّه (٣) … سيزعجه عنها الحمام (٤) على رغم ولم تكن (٥) الدّنيا تضيق على فتى … يرى الموت خيرا من مقام على هضم وأنشد له أيضا: لئن خاب ظنّى فى رجائك بعد ما … ظننت بأنّى قد ظفرت بمنصف فإنّك قد قلّدتنى كلّ منّة … ملكت بها شكرى لدى كلّ موقف لأنّك قد حذّرتنى كلّ صاحب … وأعلمتنى أن ليس فى الأرض من يفى وله قصيدة يمدح بها ابن فريج (٦)، منها: [ولمّا تناءت (٧) أرضنا وديارنا … وخان زمان ناقض العهد غدّار كفانا معالى كلّ أمر أهمّنا … وحكّمنا فيما نحبّ ونختار وأنزلنا من ربعه الرّحب حسنه … يفيض بها من رحب كفّيه أنهار لنعم الذّرى يلقى به الجار رحبه … إذا ما نبت بالجار عن أهله الدّار فظلنا كأنّا نازلون بأهلنا … ولم تنأ أوطان علينا وأوطار]

стр. 117

وصنّف كتاب «الجنان (١) ورياض الأذهان»، ذيّل به على «اليتيمة» (٢)، وذكره ابن خلّكان وغيره، وأنشدوا له: جلّت لدىّ الرّزايا بل جلت هممى … وهل يضرّ جلاء الصّارم الذّكر غيرى يغيّره عن حسن شيمته … صرف الزّمان وما يلقى (٣) من الغير لو كانت النّار للياقوت محرقة … لكان يشتبه الياقوت بالحجر لا تغررنّ (٤) بأطمارى وقيمتها … فإنّما هى أصداف على درر ولا تظنّ خفاء النّجم عن (٥) صغر … فالذنب فى ذاك محمول على البصر وذكره الحافظ أبو الطّاهر أحمد السّلفىّ (٦) وقال: كان من أفراد الدّهر فضلا فى فنون كثيرة، ولّى نظر الدّواوين بالإسكندرية بغير اختياره [فأرضى النّاس وخصوصا الفقهاء]، ثم قتل ظلما فى شهر المحرّم سنة ثلاث وستّين وخمسمائة. أخيرنا الفقيه المفتى أبو العبّاس [أحمد بن المصفى] الإسكندرانىّ، أخبرنا الحافظ منصور بن سليم إجازة، أخبرنا عبد الوهاب بن ظافر الرّواجىّ، أخبرنا الحافظ السّلفىّ، فيما كتب به إلىّ، أنبأنى غير واحد عن الحافظ المنذرىّ، قرأت على ابن الصابونىّ عن

стр. 118

الحافظ السّلفىّ، أنشدنا القاضى أبو الحسين (١) الأسوانىّ [له] (٢). سمحنا لدنيانا بما بخلت به … علينا ولم نحفل بجلّ أمورها فيا ليتنا لمّا حرمنا سرورها … وقينا أذى آفاتها وشرورها وله [أيضا] من قصيدة: فإنّ التّدانى ربّما أحدث القلا … وإنّ التّنائى ربّما زاد فى الودّ / فإنّى رأيت السّهم ما زاد بعده … عن القوس إلّا زيد فى الشّكر والحمد ولن يستفيد البدر أكمل نوره … من الشّمس إلّا وهو فى غاية البعد ونسب إليه أنّه [كان] شارك «شيركوه» فى قصده؛ فكان سبب قتله؛ وقال المنذرىّ عنه: كانت فى نفسه عظمة؛ دخل مع «النّاصر» الإسكندرية؛ وكتب فى أمور؛ فأخذه «شاور» وعذّبه عذابا شديدا؛ فبلغه أنّه قال: الهوان والعذاب من الملوك فى طلب الملك ليس بعار؛ فأمر به فضربت عنقه. وقال أبو عبد الله محمد بن شاكر الحموىّ فى مشيخته: كان الرّشيد عالى الهمّة، سامى القدر، عزيز النّفس، يترفّع على الملوك ويرقى بنفسه عنهم. وذكره ابن سعيد فى «المغرب» وقال: قال ابن أبى المنصور فى كتاب «البداية»: كان قد اجتمعت فيه صفات وخلائق تعين على هجائه، منها أنّه كان أسود، ويدّعى الذّكاء وأنّ خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس: إن قلت من نار خلق … ت وفقت كلّ النّاس فهما

стр. 119

قلنا صدقت فما الذى … أطفاك حتّى صرت فحما (١) ولمّا توجّه رسولا إلى اليمن (٢)، داعيا للخليفة الحافظ، فى شهر ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، تلقّب بعلم المهتدين، فقال فيه بعض شعراء اليمن، من قصيدة بعث بها إلى صاحب مصر: بعثت لنا علم المهتدين ولكنّه علم أسود قلت: وقد وقفت على محضر كتبه باليمن، فيه خطّ جماعة كثيرة، أنّه لم يدّع الخلافة، وأنّه مواظب على الدّعوة للخليفة، رأيت المحضر بأسوان. وكان من محاسن الزّمان. (٥٣ - أحمد بن علىّ الأسنائىّ (¬*)) أحمد بن علىّ بن هبة الله بن السّديد الأسنائىّ، ينعت بالشّمس؛ اشتغل بالفقه- على مذهب الشافعىّ- على الشّيخ بهاء الدّين هبة (٣) الله القفطىّ. وتولّى الخطابة بأسنا، وناب فى الحكم بها، وبأدفو وبقوص، ودرس بقوص، وبنى [بها]

стр. 120

مدرسة، اشتغلت (١) بها، وكنت مقيما بها، ووقف عليها أملاكا جيّدة، ووقف على الفقراء بأسنا أملاكا جيّدة، وانتهت إليه الرّئاسة بالصّعيد. وكان قوىّ النّفس، كثير العطاء، محافظا على رياسة دنياه، واقفا مع هواه، وكان مقصودا ممدّحا مهيبا يخاف منه، يعطى الآلاف فى الأمر اللّطيف (٢)، حتى يقهر معانده، قال لى القاضى سراج (٣) الدّين الأرمنتىّ: إنّه انصرف منه/ على نيابة الحكم (٤) بقوص ثمانون ألف درهم، وكان يجلس بكرة النّهار فلا يكاد أن يبقى بأسنا أحد ممّن له عدالة أو رياسة إلا ويأتى إليه. وصادره الأمير سيف الدّين كراى المنصورىّ فى آخر عمره، وأخبرنى بعض العدول أنّه أخذ منه مائة ألف وستّين ألف درهم، وحصل له من ذلك نكاية، وتوجّه إلى مصر، فتمارض فمرض، فتوفّى فى رجب سنة أربع وسبعمائة، ومولده سنة أربع (٥) وأربعين [وستّمائة]. فيما أخبرنى به بعض أقاربه، وسأذكره فى مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. (٥٤ - أحمد بن علىّ بن وهب القشيرىّ (¬*)) أحمد بن علىّ بن وهب [بن مطيع] القشيرىّ، الشّيخ تاج الدّين ابن الشّيخ مجد الدّين (٦) أبى الحسن بن دقيق العيد، القوصىّ المولد، المنفلوطىّ المحتد، اشتغل بالفقه

стр. 121

بالمذهبين- مذهب مالك والشافعىّ- على أبيه، ودرس بالمدرسة النّجيبيّة (١) بقوص مكان والده، وكان يلقى درسا فى المذهبين ودرس بدار الحديث السّابقيّة. وسمع الحديث من الشّيخ بهاء الدّين أبى الحسن ابن بنت الجمّيزى (٢)، ومن أبى محمد عبد الوهاب بن رواج، وأبى المكارم أحمد بن محمد بن عبد الله بن نقّاش السكّة، ومن الحافظ أبى الحسين يحيى بن علىّ الرّشيد العطّار، والحافظ عبد العظيم بن عبد القوىّ المنذرىّ، وأبى علىّ الحسن بن محمد البكرىّ وغيرهم. وحدّث بقوص والقاهرة، سمع منه جماعة منهم: قاضى القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن قاضى القضاة بدر الدّين محمد بن إبراهيم [بن سعد الله] بن جماعة الكنانىّ، والشّيخ فتح الدّين [محمد] اليعمرىّ، والقاضى تاج الدّين عبد الغفّار السعدىّ، وغيرهم. وكان قليل العلم والمعرفة بالمذهبين، وتولّى الحكم بغرب قمولا وبقوص، عن قاضى القضاة الحنفىّ، وكان كثير التعبّد يصوم [الدّهر] ويتصدّق ويكفل الأيتام وكان يتساهل فى الشّهادة وفى الكلام، حكى لى قاضى القضاة عزّ الدّين عبد العزيز قال: كنّا نسمع عليه فلم يحضر يوما، فسألته عن سبب تأخيره فقال: النائب «أرغون» طلبنى طلعت إليه، سمعوا علىّ شيئا، فاتّفق حضورى عند النائب، وسألت عن ذلك فلم يتّفق ذلك. وجاء مرّة ابن الرّيشة (٣) المستوفى إلى قوص، فتوجّه إليه وقال: أنا أعرف لك

стр. 122

شهادة، فأرسل إلى قاضى قوص زين (١) الدّين إسماعيل السّفطىّ، فأرسل إليه نائبه شرف الدّين يونس، وادّعى عنده، وشهد له [شاهد] وحلف معه، وحصل تعب، فقال له السّفطىّ إذ جاءه: يا شيخ تاج الدّين، أشتهى ألّا ترجع قطّ تفتكر لنا شهادة … وله فى ذلك حكايات. واختلط بأخرة، وتوفّى/ فى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، [ومولده فى أحد الربيعين سنة ستّ وثلاثين وستّمائة]. (٥٥ - أحمد بن علىّ بن عبد الوهاب الأدفوىّ (¬*)) أحمد بن علىّ بن عبد الوهّاب بن يوسف بن منجّا الأدفوىّ، صاحبنا شهاب الدّين، كان من الأذكياء العقلاء المتدينين، نشأ فى الخير والدّيانة والصّيانة، وكان ثقة صدوقا، اشتغل بالفقه على مذهب [الإمام] الشّافعىّ ﵀ [تعالى]، وتفقّه وقرأ النّحو وفهم وأعرب، وكان له صدقات (٢) وتلقّ للنّاس وإكرام للواردين من الطلبة والفقراء وغيرهم. وكان بينى وبينه قرابة من النّساء، فإنّ والدتى ووالدته بنتا (٣) خالة، وكان أخى

стр. 123

من الرّضاعة، وكان محسنا إلىّ محبّا لى، وحضر إلى القاهرة وخطرت (١) له الإقامة بها للاشتغال بالعلم، وشرع يحفظ «التّسهيل (٢)» فقرأ منه قليلا ثمّ مرض. وتوفّى عندى بمسكنى بالمدرسة الصالحيّة (٣) بالقاهرة، فى ليلة الجمعة حادى عشر صفر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وصلّى عليه قاضى القضاة بدر الدّين بن جماعة، ودفن خارج باب النّصر، بمكان الشّيخ نصر. ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وستّمائة ظنّا، وكان أحسن النّاس ذهنا، سريع الفهم، وكان يشتهى الانقطاع للاشتغال بالعلم، وأن يتزوج بامرأة جميلة، عوّضه الله خيرا. (٥٦ - أحمد بن عمر الأسنائىّ (¬*)) أحمد بن عمر بن هبة الله بن أحمد، ينعت بالشّمس الأسنائىّ، ويعرف بابن صاحب الزّكاة، اشتغل بالفقه، وتعدّل بأسنا، وكان عفيفا، وله نظم أنشدنى منه. وتوفّى بأسنا مستهلّ المحرّم سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة (٤).

стр. 124

(٥٧ - أحمد بن عيسى القوصىّ) أحمد بن عيسى بن جعفر، ينعت بالشّهاب، ويعرف بابن الكنانىّ القوصىّ، كان فقيها رئيسا كريما، سمع الحديث من الحافظ المنذرىّ، وأبى عبد الله بن النّعمان، والشّيخ تقىّ (١) الدّين القشيرىّ، وعبد المحسن (٢) المكتب، وتولّى وكالة بيت المال بالأعمال القوصيّة. وتوفّى بقوص سنة إحدى- أو اثنين- وتسعين وستّمائة، وصلّى عليه قاضيها ابن عتيق. وأصله من إخميم، وكان له تصدّر بجامع قوص. (٥٨ - أحمد بن عيسى الأرمنتىّ) أحمد بن عيسى بن جعفر الأرمنتىّ، ينعت بالشّهاب، ويعرف بابن الكمال، سمع الحديث من الأبرقوهىّ وغيره بالقاهرة، وكان كثير المكارم، حسن الشّكل، عدلا ثقة، متصدّيا ببلده للوارد، حتى أوجب له فاقة. توفّى ببلده فى شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمائة. (٥٩ - أحمد بن كامل الثعلبىّ القوصىّ) أحمد بن كامل بن الحسن الثّعلبىّ القوصىّ، ينعت بالصّلاح، تأدّب على أدباء قوص: النّصيبىّ (٣) وغيره، وله نظم ويعرف شيئا من الموسيقى.

стр. 125

/ أنشدنى الشّيخ علىّ ابن الحريرىّ، أنشدنا صلاح الدّين لنفسه [هذه الأبيات] ولحّنها وغنّى بها، وأوّلها (١): منّى إليك تحية وسلام … ما ناح قمرىّ وفاح خزام (٢) وتأرّجت فى أيكها قمريّة … وشدا على أعلى الغصون حمام فلئن عدانى عن زيارة داركم … عاد وحالت بيننا اللّوّام فأنا محبّكم (٣) الذى ما غيّرت … عهدى اللّيالى لا ولا الأيّام وأنشدنى أبو الحسن علىّ ابن بنت الحنبلىّ (٤)، أنشدنا صلاح الدّين المذكور لنفسه هذه الأبيات ولحّنها أيضا وغنىّ بها، وأوّلها: خاننى الصبر حين وافى الغرام … ليت شعرى ما يصنع المستهام رشقت مهجتى بأسهم لحظ … فاترات على الفؤاد السلام يا لقومى لقد أنحلنى (٥) الوج … د وأضنانى الهوى والهيام من مجيرى من حرّ نار بقلبى … بدخان منها تذاب العظام خيّمت مذ ناءوا (٦) أهيل ودادى … ليتها لو ترحّلت وأقاموا توفّى بقوص سنة تسع وتسعين وستّمائة ظنّا. (٦٠ - أحمد بن محمد بن علىّ القوصىّ) أحمد بن محمد بن علىّ بن يحيى القوصىّ، ينعت بالنّجم، ويعرف بابن الجلال،

стр. 126

ابن أمين الحكم، سمع الحديث من شيخنا محيى الدّين أبى العبّاس أحمد (١) بن القرطبىّ، واشتغل بالفقه على شيخنا الأسفونىّ، وتنبّه وولّى الحكم بالمرج. ولمّا ولّى أبو عبد الله محمد (٢) بن السّديد الأسنائىّ قوص، كان فى نفسه منه [شئ]، فظهر لنجم الدّين ذلك، فسافر إلى مصر، وأقام بها يشتغل مدّة، وظنّ ابن السّديد أنّه يتكلم عليه، فأمر نائبه سعد الدّين السّمهودىّ أن يكتب محضرا عليه، فكتبوه وجازفوا [فيه] ولم يلبث إلّا مدّة لطيفة حتى توفّى بمصر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. وكان ساكنا متعفّفا، حسن الصّورة، عارفا بأمر دنياه. (٦١ - أحمد بن محمد بن عبد الله الدّندرىّ (¬*)) أحمد بن محمد بن عبد الله، صدر الدّين الدّندرىّ، قرأ القراءات السبع على الشّيخ نجم الدّين عبد السلام (٣) بن حفاظ، فى سنة ثلاث وثمانين وستّمائة وأجازه، وقرأ الفقه على الشّيخ بهاء الدّين هبة (٤) الله بن عبد الله بن سيّد الكلّ القفطىّ، وعلى غيره فيما أخبرنى به ابن عمّه الفقيه العالم العدل الثّقة الضّابط تقىّ الدّين،/ ابن شرف الدّين محمد (٥) بن عثمان الدّندرىّ. وحضر معنا الدّرس سنين، ولم نر فيه إلّا الجميل، وتصدّر بدار الحديث بقوص للقراءة عليه، وكان منقطعا وكفّ بصره فى آخر عمره. وتوفّى ليلة الجمعة ثامن شهر جمادى الآخرة سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.

стр. 127

(٦٢ - أحمد بن محمد بن أحمد القرطبىّ القنائىّ (¬*)) أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عبد المنعم الأنصارىّ النّجّارىّ (١) القنائىّ، محيى الدّين بن كمال الدّين بن ضياء الدّين، القرطبىّ المحتد، القنائىّ المولد والمنشأ والوفاة، كان شيخنا (٢) ثبتا عاقلا ساكنا عدلا، له رياسة ببلده قنا، سمع الحديث من الشّيخ الإمام شرف الدّين محمد بن عبد الله بن أبى الفضل المرسىّ وغيره، وحدّث بقوص. حدّثنا الشّيخ المسند المعمّر العدل محيى الدّين أحمد (٣) بن محمد بن أحمد، قراءة عليه وأنا أسمع، فى شوّال سنة خمس وسبعمائة، حدّثنا الشّيخ الإمام العالم شرف الدّين محمد بن عبد الله بن أبى الفضل المرسىّ، حدّثنا الشّيخ أبو الحسن (٤) المؤيّد بن محمد بن علىّ الطّوسىّ، حدّثنا الشّيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن صاعد الفراوىّ، حدّثنا الشّيخ أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسىّ، حدّثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودىّ، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدّثنا مسلم بن الحجّاج القشيرىّ النّيسابورىّ، حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر.

стр. 128

[و] حدثنا عبد الله بن معاذ العنبرىّ، وهذا حديثه: حدّثنا أبى، حدّثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: «كان أوّل من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهنىّ، فانطلقت، أنا وحميد بن عبد الرّحمن [الحميرىّ] حاجّين أو معتمرين، قلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألناه عما يقول هؤلاء فى القدر، فوفّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبى، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، وظننت أنّ صاحبى سيكل الكلام إلىّ فقلت: يا أبا عبد الرّحمن، إنّه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفّرون (١) العلم، وذكر من شأنهم، وأنّهم يزعمون ألّا قدر وأنّ الأمر أنف (٢)، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّنى برئ منهم، وأنّهم برآء منّى، والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أنّ لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثمّ قال: حدّثنى أبى عمر بن الخطّاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ / ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشّعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتى جلس إلى النّبىّ ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرنى عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدّقه، قال: فأخبرنى عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر

стр. 129

خيره وشرّه قال: صدقت، قال: فأخبرنى عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال: فأخبرنى عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السّائل، قال: فأخبرنى عن أمارتها (١)، قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطاولون فى البنيان، قال: ثمّ انطلق، فلبث مليّا ثمّ قال: يا عمر أتدرى من السّائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم» (٢). وأجاز لى هذا الشّيخ، وسمعت عليه كتاب «صحيح» مسلم بن الحجّاج، وتوفّى ببلده قنا، فى سنة تسع وسبعمائة، رابع عشر ذى القعدة. (٦٣ - أحمد بن محمد أبو العباس القرطبىّ القنائىّ (¬*)) أحمد بن محمد، جدّ شيخنا المذكور، أحد الرؤساء الأعيان الأكابر، أرباب المناقب الجمّة والمآثر، وأصحاب علوّ الهمّة، ونفاذ الكلمة، المشهورين بمكارم الأخلاق، المقصودين من الآفاق، عالم فاضل، وأديب كامل، وناظم ناثر، تنطق بفضله ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. سمع الحديث بمكة ومصر وغيرهما، فسمع من زاهر بن رستم الأصبهانىّ، وأبى عبد الله محمد بن إسماعيل بن أبى الصّيف اليمنىّ، ومن أبى محمد يونس بن يحيى بن أبى الحسين الهاشمىّ، ومن القاضى أبى محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله [بن] المحلىّ، وأبى عبد الله محمد بن عبد الله بن البنّا، وأبى القاسم حمزة بن علىّ بن عثمان المخزومىّ؛ ومن

стр. 130

الحافظ أبى الحسن (١) بن المفضّل المقدسىّ، ومن أبى عبد الله الحسين بن المبارك بن الزّبيدىّ. وحدّث سمع منه جماعة؛ منهم السيّد الشريف أبو القاسم [أحمد] بن محمد بن عبد الرّحمن، المنعوت عزّ الدّين الحسينىّ النّقيب، وقاضى القضاة سعد الدّين مسعود ابن أحمد الحارثىّ الحافظ الحنبلىّ، وأبو الفتح محمد بن محمد بن أبى بكر الأبيوردىّ، وأبو الطّاهر أحمد بن يونس بن أحمد الإربلىّ، وعبد الغفّار/ بن محمد بن عبد الكافى السّعدىّ وغيرهم. قال الشّريف: كان أبو العبّاس فاضلا؛ وله النّظم الجيّد والنّثر الحسن، مع ما كان عليه من الكرم والإيثار، والإحسان إلى من يرد عليه. وقال قاضى القضاة سعد الدّين الحارثىّ: كان أحد الأعيان النّبلاء، والشّيوخ الفضلاء، وقال: قرأت عليه كتاب التّرمذىّ كلّه، وكان ثقة مرضيّا. وذكره شيخ شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير وقال: رحل مع أبيه من الأندلس

стр. 131

فى سنّ الصّغر، وكان بالبلاد يشار إليه فى البلاغة والتقدّم فى علم الحديث والفضل التّام، وأخذ النّاس عنه بالمشرق والمغرب. وهو وهم من الأستاذ، فإنّه ولد بمصر، ولم يكن فى علم الحديث كما وصف، وقد نبّه على الوهم الحافظ أبو الفتح (١) القشيرىّ، وقد وهم فيه أيضا جماعة من المتأخرين، وقالوا فيه: يعرف بابن المزيّن .. ، وشبيه (٢) الوهم أبو العبّاس أحمد القرطبىّ مختصر «صحيح» مسلم، و «صحيح» البخارىّ، وصاحب كتاب «المفهم (٣)»، فهو كبير فى العلم، ومقدّم فى علم الحديث، وهو يعرف بابن المزيّن. والقرطبىّ القنائىّ هذا مقدّم فى الأدب، متمسك منه بأقوى سبب، وأكثر مقامه بقنا، وتوفّى بها، وله بها ذرّيّة. وكان يكاتب الرؤساء الأعيان من الأمراء والوزراء والقضاة، وله ترسّل، جمع منه مجلدة وقفت عليها، وأخبرنى من يوثق به أنّه لمّا تزوّج بقنا عمل شيئا كثيرا، فقال له أبوه، وكان من العلماء الصالحين: أرسلت إلى الشّيخ الحسن (٤) بن عبد الرّحيم شيئا؟ فقال: لا، فقال: ما يحمله إلّا أنت، فأخذ طبقا على رأسه، وحمله إلى الشّيخ الحسن؛ وأخبر أباه بذلك، فدعا له أن يرفع الله قدره. وكتبت من ترسّله هذا الكتاب، جواب كتاب الشّيخ تقىّ (٥) الدّين بن دقيق العيد، لما تضمّنه من البلاغة، وأوّله بعد البسملة:

стр. 132

«يخدم المجلس العالى العالمى صفات، يقف الفضل عندها، ويقفو الشّرف مجدها، وتلتزم المعالى حمدها، وسمات يبسم ثغر الرّئاسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها، الصّدرىّ الرئيسىّ المفيدى، معان استحقّها بالتمييز، واستوجبها بالتّبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته (١) خالص الإبريز، ومغان أقرّته فى سويدائها، وأطلعته فى سمائها، العلّامىّ الفاضلىّ، التقوى نسب اختصّ بها اختصاص التّشريف، لا تشريفا له فالشّمس تستغنى عن التّعريف، لا زالت إمامته كافلة بصون/ الشّرائع، واردة من دين الله وكفالة رسول الله أشرف الموارد وأعذب الشّرائع، آخذة بآفاق سماء الشّرف فلها قمراها والنّجوم الطّوالع، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله، وما زالت تقطع أعناق الرجال المطامع، صارفة عن جلالته مكاره الأيّام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع. «وينهى ورود عذرائه التى لها الشّمس خدر والنّجوم ولائد، وحسنائه التى لها اللفظ درّ والدّرارىّ قلائد، ومشرفته التى لها من براهين البيان شواهد، وكريمته التى لها الفضل ورد والمعالى موارد، وبديعته التى لها بين أحشائى وقلبى معاهد. وآيته الكبرى التى دلّ فضلها … على أنّ من لم يشهد الفضل جاحد وأنّك سيف سلّه الله للورى … وليس لسيف سلّه الله غامد فامثلها يحسن صوغ السّوار، ولفضلها يقال: أناة أيّها الفلك المدار، وإنّها فى العلم أصل فرع نابت، والأصل عليه النّشأة والقرار، وفرع أصل ثابت، والفرع [فيه] الورق والثّمار، هذه التى وقفت قرائح الفضلاء عند استحسانها، وأوقفتنى على قدم التعبّد لإحسانها، وأيقنت أنّ مفترق الفضائل مجتمع فى إنسانها، وكنت أعلم علمها بالأحكام الشّرعيّة، فإذا هى فى النّثر ابن مقفّعها، وفى الفضائل أخو حسّانها. «هذه وأبيك أمّ الرّسائل المبتكرة، وبنت الأفكار التى هذّبتها الآداب فهى

стр. 133

فى سهل الإيجاز البرزة، وفى صون الإعجاز المخدّرة، والملّية (١) ببدائع البداية فمتى تقاضاها متقاض لم تقل: فنظرة إلى ميسرة، والبديعة التى لم توجّه إليها الآمال فكرها استحالة غير مسبوق بالشعور، ولم تسم إليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصّدور قبل الصّدور (٢)، والبديهة التى فصّل البيان كلماتها تفصيل الدّرّ بالشّذور، وإنّ كلمتها (٣) لتميس فى صدورها وأعجازها، وتختال فى صدودها بين بديعها وإعجازها، وتنثال عليها أعراض المعانى بين إسهابها وإيجازها، فهى فرائد ائتلفت من أفكار الوائلىّ (٤) والإيادىّ، وقلائد انتظمت انتظام الدّرر أو الدّرارىّ، ولطائف فضّت (٥) عن العنبر الشّحرىّ (٦) أو المسك الدّارىّ (٧)، لا جرم أنّ غوّاصى الفضائل ضلّوا فى غمراتها خائضين، وفرسان الكلام أصبحوا فى حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها، فظلّت أعناقهم لها/ خاضعين: ما إن لها فى الفضل مثل كائن … وبيانها أجلى البيان وأمثل فالعجز عنها معجز متيقّن … ونبيّها فى الفضل فينا مرسل ما ذاك إلّا أنّ ما يأتى به … وحى الكلام على اليراعة ينزل بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طائعة لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الأفكار ولا تخاف دركا، وبدت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون (٨) شركا:

стр. 134

فللأفاضل فى عليائها سمر … إنّ الحديث عن العلياء أسمار وللبصائر هاد من فضائلها … يهدى أولى العزم إن ضلّوا وإن حاروا بادى الأمانة لا يخفى على أحد … كأنّه علم فى رأسه نار أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظّلال على سماء الأنهار، وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطّلّ (١) على خدود البهار (٢)، وتجلّت كوجه الحسناء فى فلك الأزرار، وأهدت نفحة الرّوض متأوّدة الغصن بليلة الإزار، حبتنا بذلك النّفس المعطار، وحيّتنا بأحسن من كأسى لمى (٣) وعقار، وآسى ريحان (٤) وعذار، ولؤلؤى حبب (٥) وثغر، وعقيقى شفة وخمر، وربيعى زهر ونهر، وبديعى نظم ونثر. «ولم أدر ما هى؟ أثغور ولائد (٦)، أم شذور قلائد (٧)، أم توريد خدود، أم هيف (٨) قدود، أم نهود صدور أم عقود نحور، أم بدور ائتلقت فى أضوائها، أم شموس أشرقت فى سمائها؟

стр. 135

جمعن شتيت الحسن من كلّ وجهة … فحيّرن أفكارى وشيّبن مفرقى (١) وغازلها قلبى بودّ محقق … وواصلها ذكرى بحمد مصدّق وما كنت عشّاقا لذات محاسن … ولكنّ من يبصر جفونك يعشق ولم أدر والألفاظ منها شريفة … إلى الشّمس تسمو أم إلى البدر ترتقى إنّما هى جملة إحسان، يلقى الله الرّوح من أمره على قلبها، أو روضة بيان تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أو ذات فضل اشتملت على أدوات الفضائل، وجنت ثمار العلوم فاجتنتها بالضّحى والأصائل، أو نفس زكت فى صنيعها، فنفث روح القدس فى روعها، فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأصبحت لأبناء المعالى مثلا، أو سرت إلى جوز (٢) المعانى فقسم لها واهب النّعم أشرف الأقسام/ فجادت فى الإنفاق، ولم تمسك خشية الإملاق، وقيّدت نفسها فى طلق الطّاعة فجاءها توقيع التّفضيل على الإطلاق: ابن لى معزاها (٣) أخا الفهم إنّها … إلى الفضل تعزى أم إلى المجد تنسب؟ هى الشّمس إلّا أنّ فكرك مشرق … بإبدائها عندى وصدرى مغرب وقد أبدعت من فضلها وبديعها … فجاءت إلينا وهى عنقاء (٤) مغرب فأعرب عن كلّ المعانى فصيحها … بما عجزت عنه نزار ويعرب

стр. 136

ومذ أشرقت قبل التّناهى بأوجها (١) … عفا فى سناها بدر تمّ وكوكب تناهت علاء والشباب رداؤها … فما ظنّكم بالفضل والرأس أشيب لئن كان ثغرى بالفصاحة باسما … فثغرك بسّام الفصاحة أشنب (٢) وإن ناسبتنى بالمجاز بلاغة … فأنت إليها بالحقيقة تنسب ومذ وردت سمعى وقلبى فإنّها … لتوكل حسنا بالضمير وتشرب وإنّى لأشدو فى الورى ببيائها … كما ناح فى الغصن الحمام المطرّب وتشهد أبناء البيان إذا انتدوا … بإنّى من قسّ الأيادى أخطب وإنّى لتدنينى إلى المجد عصبة … كرام حوتهم أوّل الدّهر يثرب وإنّى إذا خان الزّمان وفاءه … وفىّ على الضرّاء حرّ مجرّب وإن (٣) أبت نفس وفاء وشيمة … قضى لى بها فى المجد أصل مهذّب ونفس أبت إلّا اهتزازا إلى العلا … كما اهتزّ يوم الرّوع رمح ومقضب (٤) ولى نسب فى الأكرمين تعرّقت … إليه المعالى وهو غرثان مخصب نمته أصول فى العلاء أصيلة … لها المجد خدن والسّيادة مركب تلاقى عليه المطعمون تكرّما … إذا احمرّ أفق بالمجرّة مجدب من اليمنيّين الذين سما بهم … إلى العزّ بيت فى العلاء مطنّب (٥)

стр. 137

قروا تبّعا (١) بيض المواضى ضحاءة (٢) … وكوم عشار (٣) بالعشيّات (٤) تهضب (٥) فرحّله الجود العميم ومنصل (٦) … له الغمد شرق والذّوائب (٧) مغرب هم نصروا والدّين قلّ نصيره (٨) … وآووا وقد كادت يد الدّين تقضب (٩) وخاضوا غمار الموت فى حومة الوغى … فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب (١٠) / أولئك قومى حسبى الله مثنيا … عليهم وآى الله تتلى وتكتب

стр. 138

«هذه اليتيمة أيّدك الله ملحة الإمحاض (١)، وتحكيم الألفاظ فى أبعاض الأغراض، لتسرح مقل الخواطر فى مختلفات الأنواع، ويتنوّع الوارد على القلوب والأسماع، وإلّا فلا تقابل فى الأدوات، وإن وقع التّماثل فى الذّوات، فكالجمع فى التّورية بين السّراج والشّمس، واشتمال الإنسانيّة على القلامة والنّفس، والتّوارد الإدراكىّ بين كلّىّ العقل وجزئىّ الحسّ، وكالعناصر فى افتقار الذّوات إليها، وإن تميّزت الحرارة منها عليها، وكالمشاركة الحيوانيّة فى البضعة اللّسانيّة، واختصاص النّاطقيّة بالذات الإنسانيّة … «فسيّدنا ثمر الرّوض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وهو زهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه (٢)، والبدر نوره وإشراقه، وسواه هلال ليلته ومحاقه، اشتراك فى الأشخاص، وامتياز فى الخواص، ومشابهة فى الأنواع والأجناس، ومغايرة فى العقول والحواس، كالورد والشقيق (٣)، والبهرمان (٤) والعقيق (٥)، تماثلا فى الجوهر والأعراض، وتغايرا فى تمييز الأغراض، فسيّدنا فى كلّ جنس رئيسه، ومن كلّ جوهر نفيسه … وأمّا حسناء العبد- على مذهبهم فى تسميتهم القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح،

стр. 139

والضّرير بالبصير، والأخرس بالفصيح- فما صدت ولا صدّت عن كاسها، ولا شذّت فى مذهب ولائه عن اطّراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنّه فى العلوم الشّرعيّة ابن أنسها، وفى المعانى الأدبيّة أبو نواسها، ولا خفى عنها أنّ سيّدنا مجرى اليمين (١)، وأنّه فى وجه السّيادة إنسان المقلة وغرّة الجبين، والدّرّة فى تاج الجلالة والشّذرة فى العقد الثمين، وأنّه الصّدر الذى يأرز (٢) العلم إلى صدره، وتفترع عقائل المعانى من فكره، ويأتمّ الهدى ببدره، وتنتهى الهداية إلى سرّه، وأنّها فى الإيمان بمحمّديّته لأمّ عمارة (٣) لا أمّ عمره (٤)، وأنّه غاية فخارها، ونهاية إيثارها، وآية نهارها، ومستوطن إفادتها بين شموس فضائلها وأقمارها، فكيف يصدّ وفيه كلّيّة أغراضها، ومنه وعليه جملتها وأبعاضها، وفى محلّه قامت حقائق جواهرها وأعراضها، لكنّها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب، وقرّت بمجلس الكمال، ليكمل ما بها من نقص كمال وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتى الشهادة والغيب، وتعرض على الرأى التّقوى سليمة الصّدر/ نقيّة الجيب، وأشهد أنّها جاءت تمشى على استحياء وليست كبنت شعيب …

стр. 140

«هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة حسنه وهند أسمائه، ولا قابلت نثر فضله وبدر سمائه [أقسم] لقد كاد يصرفها الوجل، ويصدّها الخجل، عالمة أنّ البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل، والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن، والأسد لا يكعم (١) والطّود لا يزحم، والسحاب لا يبارى، والبحر (٢) لا يجارى، وأنّى تبلغ الفلك هامة المتطاول، وأين الثريّا من يد المتناول .. «تلك معارف استولت على المعالى استيلاءها على المعالم، وشهدت له الفضائل بالسّيادة، شهادة النبوّة بسيادة قيس بن عاصم، ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابله البداية بالجواب … «أقتصر وللبيان فى بحر فضائله سبح طويل، وللسّعى فى غاياته معرّس (٣) ومقيل، وللمحامد بتشبيه محاسنه صبابة جميل، وإنّى وإن كنت كثيّر عزّة ودّها إلّا أنّى فى حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرّعيل (٤)، لا سيّما وقد وردت مشرع (٥) ألفاظه التى راقت معانيها، ورقّت حواشيها، فأدنت ثمرات الفضائل من يمين جانيها، فجاءت كالنّسيم العليل، والشّذا من نفحة الأصيل، والمشرع البارد والظلّ الظّليل: طبع تدفّق رقة وسلاسة … كالماء عن متن الصفاء يسيل والمقلة الحسناء زان جفونها … كحل وأخرى زانها التّكحيل والرّوضة الغنّاء يحسن عرفها … ويزاد حسنا والنّسيم عليل والخاطر التّقوّي كمّل ذاته … علما وليس لكامل تكميل

стр. 141

«والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الرّاحة بنانها، رافعا لها رفع القناة سنانها، حافظا لها حفظ العقائد أديانها والقلوب إيمانها: ليضحى نديما للمعالى كأنّه … نديم صفاء مالك وعقيل (١) ويصبح ظلّ الفضل من فئ ظلّه … على كنف الإسلام وهو ظليل وينشأ أبناء العلوم وكلّهم … لحسنائه فى العالمين جميل دلالتها فى الفضل من ذات نفسه … وليس على شمس النّهار دليل». وله من رسالته (٢) إلى الصاحب شرف الدّين الفائزى من قصيدة أوّلها: يقبّل أرضا طالما لثم الورى … ثراها وحلّ المجد أكنافها الخضرا / أعارت لواء الرّوض بهجة حسنها … وأهدت إلى المسك الزّكىّ به عطرا إذا أنا بشّرت الأمانى بقربها … تقول هنيئا لى به ولك البشرى وأنّى تذاكرنا صنائع ربّها … يقول النّدى منها: قفا نبك من ذكرى ومهما طوت أيّامه نشر فضله … فلله سرّ يحمد الطىّ والنّشرا وأخبرت أنّه كان له راتب بقوص، وأنّه تأخّر وأنّ الدّيوان السّلطانىّ أرسلوا حملا [من المال] ولمّا جاء مركب الحمل إلى قنا، نزل أخو الشّيخ ضياء الدّين وأخذ راتبهم من الحمل، فلمّا وصلوا بالحمل إلى مصر وجد ناقصا، فأخبر ديوان الباب بما فعل

стр. 142

أخو الشّيخ، فجاء كتاب بالإنكار على والى قوص والدّيوان الذين أخّروا راتب الشّيخ، وأحوجوهم أن فعلوا ذلك (١). ولد رحمه الله تعالى فى رابع عشرى رجب سنة اثنين (٢) وستّمائة بمصر، وكانت وفاته بقنا سنة اثنين وسبعين وستّمائة، كذا أرّخ عبد الغفّار بن عبد الكافى، وقال الشّريف عزّ الدّين: توفّى فى النصف الأوّل من شوّال، وذكر البرزاليّ أنّه توفّى وهو ساجد. (٦٤ - أحمد بن محمد القمولىّ (¬*)) أحمد بن محمد بن أبى الحزم (٣) مكىّ بن ياسين القمولىّ نجم الدّين، كان من الفقهاء الأفاضل، والعلماء المتعبدين، والقضاة المتّقين، وافر العقل حسن التصرّف محفوظا، قال لى ﵀ يوما: لى قريب من أربعين سنة أحكم، ما وقع لى حكم خطأ، ولا أثبت مكتوبا تكلم فيه أو ظهر فيه خلل. سمع الحديث على شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين بن جماعة وغيره، واشتغل بالفقه بقوص ثمّ بالقاهرة، وقرأ الأصول والنّحو (٤) وحصّل وصنّف، وشرح «الوسيط»

стр. 143

فى الفقه فى مجلّدات كثيرة، وفيه نقول عزيزة ومباحث مفيدة، وسمّاه «البحر المحيط (١)»، ثمّ جرّد نقوله فى مجلّدات وسمّاه «جواهر البحر (٢)»، وشرح «مقدّمة (٣)» ابن الحاجب فى النّحو فى مجلّدين، وشرح أسماء الله الحسنى فى مجلّد، وكمّل تفسير ابن الخطيب، وكان ثقة صدوقا. تولّى الحكم بقمولا عن قاضى قوص شرف الدّين إبراهيم بن عتيق، ثمّ تولى الوجه القبلىّ من عمل قوص، فى ولاية قاضى القضاة عبد الرّحمن بن بنت الأعزّ، وكان قد قسم العمل بينه وبين الوجيه عبد الله السّمربائىّ (٤)، ثمّ ولّى إخميم مرتين، وولّى سيوط والمنية والشرقيّة والغربيّة، ثمّ ناب بالقاهرة ومصر، وولّى الحسبة (٥) بمصر، واستمرّ فى النيابة بمصر والجيزة والحسينيّة إلى أن توفّى، ودرّس بالمدرسة (٦) الفخريّة بالقاهرة، وما/ زال يفتى ويدرّس ويكتب ويصنّف، وهو مبجّل معظّم إلى حين وفاته. وكان الشّيخ صدر الدّين ابن الوكيل الدّمشقىّ يقول: ما فى مصر أفقه منه، وكذلك

стр. 144

كان يقول قاضى القضاة السّروجىّ الحنفىّ، وكان حسن الأخلاق كبير المروءة والفتوّة، حفوظا لود أصحابه ومعارفه، محسنا إلى أهله وأقاربه وأهل بلاده، صحبته سنين، وكنت أبيت عنده فى كثير من الأوقات فى أيام الصّيف، فكان منزله كأنّه منزلى، يراعى خاطرى ويكرمنى هو وأولاده وخدّامه وحواشيه، وكان له قيام باللّيل، ولسانه باللّيل والنّهار كثير الذّكر، ﵀ [تعالى] وجزاه عنّى خيرا (١)، رأيته فى مرضه الذى مات فيه وهو يلازم (٢) وظائفه، وكلّ يوم يزداد، وأقول له أن يترك بعضها فلا يفعل، و [كان] يكتب إلى أن عجز. وتوفّى رحمه الله تعالى (٣) بمصر فى شهر رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وخلّف ثلاثة ذكور وبنتين، فتوفّى بعده اثنان منهم (٤) فى جمعة واحدة، وبقى له ذكر وبنتان. و «قمولا» (٥) بلده فى البرّ الغربىّ من عمل قوص، بينها وبين أرمنت (٦) قرية يقال لها «شطفنبة» (٧)، ويقال إنّ أصله من أرمنت. (٦٥ - أحمد بن محمد البعلبكىّ الأسنائىّ) أحمد بن محمد بن إسماعيل بن علىّ، البعلبكىّ المولد التّدمرىّ (٨) المحتد الأسنائىّ الوفاة، الفقيه الشّافعىّ، [كان] ينعت بالشّرف.

стр. 145

اشتغل ببلده، ودخل بغداد فاشتغل بالنّظاميّة (١)، وقدم القاهرة فولّاه قاضى القضاة بدر الدّين السّخاوىّ من غربيّة قمولا إلى أدفو، واستمرّ سنين فى الحكم، واستوطن أسنا، وتوفّى بها فى شهر رمضان سنة سبعين وستّمائة، ورزق أولادا بها (٢). وابنه عزّ الدّين علىّ تولّى الأحكام، وأعاد (٣) بالمدرسة الغربيّة بأسنا، رحمه الله تعالى. (٦٦ - أحمد بن محمد الرّوزبىّ الأسوانىّ) أحمد بن محمد الرّوزبىّ، أبو جعفر الأسوانىّ، الأديب الشاعر، ذكره ابن عرّام (٤) فى سيرة بنى الكنز (٥)، وقال: لم يقرض الشعر فى ريّق عمره وإقباله، وإنّما واتاه بعد اكتهاله، قال: وكان لذيذ المحاضرة، حسن المحاورة، قال: ومن جيّد شعره فى الغزل والنّسيب، ولم يبق لغيره فى الإحسان نصيب، قوله:
следующие страницы →