ودرّس بالمدرسة الفاضليّة (١)، والمدرسة الصالحيّة (٢)، نيابة عن أبيه، ودرّس بالمدرسة الكهاريّة (٣) والسّيفيّة (٤).
وكان عزيز النّفس مترفّعا، حكى لى القاضى سراج الدّين يونس (٥) بن عبد المجيد الأرمنتىّ قال: كنت حاكما بإخميم، عن أبيه الشّيخ تقىّ الدّين، فصحب محبّ (٦) الدّين شخص من أهلها، وطلب كتابا منه إلىّ فى حاجة لذلك الشّخص، فرسم بكتابته، فلمّا كتب قال له ذلك الشّخص: إن أراد سيّدنا أن تقضى حاجتى يكتب له «المملوك»، فلم يوافق، فحلف عليه ذلك الشّخص بالطّلاق لا بدّ أن تكتب، فكتب:
«المملوك لله».
وكان يقال عنه: إنّه يقبل الهديّة فى حال نيابته، ويأخذ (٧) معلوما على السّعى عند أبيه فى الحاجات، فأمّا الهديّة فإذا لم يكن للمهدى خصومة، أو كانت له عادة، فالمشهور عند الشّافعيّة جوازه، بشرط ألّا يزيد على ما كان قبل الولاية، وإن لم يكن عادة، وليس ثمّ خصومة، فالمعروف التّحريم، وفى كلام بعضهم الكراهة، وبالجملة فهى مسئلة خلاف.
стр. 422
وأمّا السّعى وأخذ الأجرة عليه، فالصّحيح جوازه، إذا كان الذى يسعى له أهلا لما طلبه، وجزم الماوردىّ أنّه إذا أخذ من غير شرط بعد قضاء الحاجة كره ولم يحرم، وبالجملة [فإنّ] مسائل الخلاف فيها اتّساع لا سيّما للمقلّد.
توفّى ﵀ [تعالى] بالقاهرة، قيل: ثانى عشر رمضان، وقال البرزاليّ (١):
يوم الاثنين تاسع عشر رمضان، قال: وقيل: العشرين، سنة ستّ (٢) عشرة وسبعمائة ومولده بقوص فى ثانى عشر صفر سنة سبع (٣) وخمسين وستّمائة.
(٣١١ - علىّ بن محمد بن علىّ القمولىّ (¬*))
علىّ بن محمد بن علىّ، المنعوت بنور الدّين القمولىّ، نزيل القاهرة، كان فقيها مالكيّا، وكان من الشّهود بالقاهرة، وكان إنسانا حسنا عفيفا متديّنا.
توفّى بالقاهرة بعد سنة عشرة وسبعمائة.
(٣١٢ - علىّ بن محمد ابن البرقىّ القوصىّ (¬**))
علىّ بن محمد، أبو الحسن المعروف بابن البرقىّ القوصىّ، ذكره العماد فى «الخريدة» (٤)
стр. 423
وأثبته أميّة ابن أبى الصّلت [فى رسالته] (١)، وكان بينه وبين ابن النّضر (٢) صداقة، وأورد له شعرا:
رمانى الدّهر منه بكلّ سهم … وفرّق بين أحبابى وبينى (٣)
/ ففى (٤) قلبى حرارة كلّ قلب … وفى عينى مدامع كلّ عين
وأنشد له ابن ميسّر، ممّا كتب به إلى ابن النّضر، لمّا كتب إليه يعنّفه، أبياتا منها:
لا تكذبنّ فما كنّا لنوجب من … حقّ وأنت تراه عنك قد سقطا
ولّيت عصر شبابى شاغلا أملى … بك اغتباطا وهافودىّ (٥) قد شمطا (٦)
أبياتا (٧) كثيرة جيّدة.
وأنشد له ابن سعيد فى «المغرب» وذكره فى شعراء أسوان، وذكر له قوله:
ولى سنة لم أدر ما سنة الكرى … كأنّ جفونى مسمعى (٨) والكرى عذل (٩)
وذكره غيره لغيره.
стр. 424
وذكر ابن الزّبير (١) فى «الجنان» (٢): توفّى فى ربيع الأوّل سنة اثنين وعشرين وخمسمائة (٣)، نقلته من خطّ الحافظ الرّشيد ابن الزّكىّ، وقال: «علىّ بن علىّ».
وذكره ابن ميّسر، وقال: «علىّ بن علىّ» أيضا، وقال: توفّى فى شهر ربيع الأوّل، وكذا ذكره الحافظ أبو الحسن علىّ ابن المفضّل المقدسىّ وقال: حدّثنا عنه العثمانىّ.
(٣١٣ - علىّ بن محمد بن علىّ الأسنائىّ)
علىّ بن محمد بن علىّ بن إسحاق بن علىّ بن محمد بن الحسن الأسنائىّ، ينعت بالبدر، القاضى أبو المظفّر ابن النّضر، كان رئيسا خطيبا ببلده، ناب فى الحكم بها فى سنة ستّ وعشرين وستّمائة.
وبنو النّضر بأسنا بيت رئاسة.
(٣١٤ - علىّ بن محمد بن نابت الفاوىّ (¬*))
علىّ بن محمد بن نابت الفاوىّ، ينعت نور الدّين، اشتغل بالفقه، على مذهب الشّافعىّ، على الشّيخ محيى الدّين يحيى بن زكير (٤)، وتولّى الحكم بالدّير والبلّاص، ثمّ بدمامين.
стр. 425
وتوفّى بقوص سنة سبع أو ثمان وسبعمائة، و «نابت» أبوه بالنّون.
(٣١٥ - علىّ بن محمد بن النّجيب الثّعلبىّ القوصىّ)
علىّ بن محمد بن النّجيب بن هبة الله، ينعت بالنّور الثّعلبىّ القوصىّ، سمع [الحديث] من الشّيخ تقىّ الدّين (١) كثيرا، وكان جدّه النّجيب رئيس قوص، وتولّى الحكم بها يوما واحدا وعزل نفسه، وهو الذى بنى المدرسة «النّجيبيّة» التى هى أصل الخير، وله آثار حسنة وحكايات فى الخير.
وتوفّى جدّه النّجيب المذكور فى ذى القعدة سنة اثنتين وعشرين وستّمائة بقوص.
(٣١٦ - علىّ بن محمد ابن النّضر الأسوانىّ (¬*))
علىّ بن محمد ابن النّضر، الفقيه العالم الأديب النّحوىّ روى عنه من شعره ابن برّى النّحوىّ وقال: أحد قضاة الصّعيد، وعلىّ بن هبة الله بن عبد الصّمد الكاملىّ، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقرئ الكيزانىّ، وأبو بكر محمد بن الحسن بن يحيى الدّانىّ (٢) الحافظ.
وذكره العماد فى «الخريدة (٣)» وقال: القاضى أبو الحسن، المعروف بالأديب، من الصّعيد الأعلى. اهـ.
стр. 426
ورأيت ما/ يدلّ على أنّه من أهل أسوان، فقد ذكره ابن عرّام (١) فى سيرة بنى الكنز (٢)، وأثنى العماد عليه وقال: من الأفاضل الأعيان، المعدودين من حسنات الزّمان.
وقال الحافظ ابن بشكوال (٣): أخبرنا (٤) أبو الوليد صاحبنا- وكتبه لى بخطّه، وقرأه لى من لفظه- أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الدّانىّ الحافظ، أخبرنى الإمام الأديب أبو الحسن المذكور قال: أملقت سنة، وكنت أحفظ كتاب سيبويه وغيره عن ظهر قلب، حتّى [قلت] إنّ حرفة الأدب أدركتنى، فعزمت على أن أقول شعرا فى والى «عيذاب» أمدحه وأستجديه، فأقمت إلى السّحر فلم يساعدنى القول، وأجرى الله القلم فكتب: (٥)
قالوا تعطّف قلوب النّاس قلت لهم … أدنى من النّاس عطفا خالق النّاس
ولو علمت لسعيى أو لمسألتى … جدوى أتيتهم سعيا على الرّاس
لكنّ مثلى فى ساحات (٦) مثلهم … كمزجر الكلب يرعى غفلة النّاسى (٧)
وكيف أبسط كفّى بالسّؤال وقد … قبضتها عن بنى الدّنيا على الياس (٨)
تسليم أمرى إلى الرّحمن أمثل بى … من استلامى كفّ البرّ والقاسى
стр. 427
قال: فقنعت نفسى، وما أقمت إلّا ثلاثة أيام وورد كتاب والى «عيذاب» يولّينى فيه خطّ (١) الصّعيد، وزادنى إخميم، ولقّبنى بقاضى القضاة.
وأنشد له العماد وغيره من شعره قوله (٢):
بين التعزّز والتذلّل مسلك … بادى المنار بعين كلّ موفّق
فاسلكه فى كلّ المواطن واجتنب … كبر الأبىّ وذلّة المتملّق
ولقد جلبت من البضائع خيرها … لأجلّ مختار وأكرم متّق (٣)
ورجوت خفض العيش تحت رواقه (٤) … لا بدّ إن نفقت وإن لم تنفق
ظنّا شبيها باليقين ولم أخل … أنّ الزمان بما سقانى مشرقى
ما ارتدت إلّا خير مرتاد ولم … أصل الرّجاء بحبل غير الأوثق (٥)
وإذا أبى الرّزق القضاء على امرئ … لم تغن فيه حيلة المسترزق (٦)
وله أيضا (٧):
يا نفس صبرا واحتسابا إنّها … غمرات أيام تمرّ وتنجلى
فى الله هلكك إن هلكت حميدة … وعليه أجرك فاصبرى وتوكّلى
/ لا تيأسى من روح ربّك واحذرى … أن تستقرّى بالقنوط فتخذلى
стр. 428
وله أيضا:
يا ليت شعرى هل الأيّام مسعفة … يوما فيجمعنا فى ظلّكم بلد
ما تفتؤا (١) الدّهر لى نفس بساحتكم … مقيمة ولديكم خالدا خلد
وما أعرّفكم ما تجهلون و ل … كن راحة القلب فى إبداء ما يجد
قال العماد: ولم يوجد له إلّا أبيات يسيرة فى التغزّل منها (٢):
وفتوك (٣) سحر المقلتين يصول من … لحظاتهنّ على القلوب بمرهف
حيّيت ندمانى بوردة خدّه … ورشفت من فيه مجاجة قرقف (٤)
وملام (٥) عاذلة قد ابتكرت به … سحرا إلى سجع الحمام الهتّف
يا هذه أسرفت فى عذلى وما … لعزيمتى عن حبّها (٦) من مصرف
فخذى إليك اللوم عنّى إنّ لى (٧) … نبأ سيعرف بعد هذا الموقف
لأصافحنّ يد الخطوب برحلة … تجلو دجنّتها بغرّة يوسف
وأنشد مرثية، رثى بها الرّشيد إبراهيم (٨) ابن الزّبير جدّ القاضى الرّشيد أوّلها (٩):
يا مزن ذا جدث الرّشيد فقف معى … نسفح بساحته مزاد الأدمع
وامسح بأردان الصّبا أركانه … كى لا يلمّ به شحوب البلقع (١٠)
стр. 429
وتودّ (١) نفسى لو سقيت ترابه … دم مهجتى ووقيته (٢) بالأضلع
[ومنها (٣) يخاطب القبر]:
عكفت (٤) عليك مراحم كفلت لمن … واريت جملته ببرد المضجع
وتنفّست فيك (٥) الصّبا مفتوقة … بنسيم مسك رياضها المتضوّع
[ومنها]:
أوما عجبت لطود عزّ شامخ (٦) … مستودع فى ذى الثلاث الأذرع (٧)
[ومنها]:
ولقد وقفت على ربوعك باكيا (٨) … وبها الذى بى من جوى (٩) وتوجّع
فحمدت طرفى كيف أنجدنى (١٠) بها … وذممت قلبى كيف لم يتقطّع (١١)
وهى طويلة رأيتها فى ديوانه.
وذكره الشّيخ قطب الدّين عبد الكريم (١٢) بن عبد النّور الحلبىّ، وقال: علىّ
стр. 430
ابن محمد بن محمد ابن النّضر، أبو الحسن القوصىّ، القاضى الأديب، له ديوان شعر، وقيل إنّه كان يحفظ كتاب سيبويه، قال: وتولّى قضاء الصّعيد وإخميم.
وذكره أيضا ابن سعيد وقال: كان أحد عمّال الدّيار المصرية، فى زمن/ الأفضل شاهنشاه، وذكره ابن الزّبير (١) فى «الجنان (٢)» وقال: هو من الرؤساء القضاة، ذوى النّباهة فيهم، وكان متصرّفا فى علوم كثيرة، وله من الأدب مادة غزيرة، قال:
وقد وقفت على ديوانه، وأكثر شعره فى تشكّى الزّمان والإخوان.
وذكره أيضا أميّة ابن أبى الصّلت فى رسالته (٣) وعظّمه، ووصفه بعلوم، وأنشد له قطعة من شعره، منها فى صدر رسالة له (٤):
وافى (٥) كتابك عن شحط (٦) فآنسنى … بما تضمّن أنس العين بالوسن
فضضته (٧) عن سموط من كلامك قد … فصلتهنّ بأنواع من المنن
قرأته فجرت فى كلّ جارحة … منّى معانيه جرى الماء فى الغصن
فما أقول بعثت الرّوح فيه إلى … قلبى ولكن بعثت (٨) الرّوح فى بدنى
وله أيضا: (٩)
إن تنأ (١٠) بى عنك أقدار مفرّقة … فإنّ لى فيك آمالا وأوطارا
وإن أسر عن بلاد أنت قاطنها … فالقلب فيها مقيم بعد ما سارا
стр. 431
وقد وقفت أنا على ديوانه، وفيه مدائح فى الأعيان، وفى جماعة من بنى الكنز (١)، وبنو النّضر بيت [رياسة] بأسنا، ولعلّه منهم، وفى ديوانه أنّه كتب إلى كنز الدّولة من أسنا، وفيه أيضا أنّه لمّا أمره كنز الدّولة بالارتحال عن أسوان، مدح ابن شيبان، وبالجملة فهو من أسوان أو أسنا، وقد ذكرت قطعة من شعره فى كتابى: «البدر السّافر عن أنس المسافر».
(٣١٧ - علىّ بن محمد، النّجم الدّندرىّ)
علىّ بن محمد بن عبد المنعم الدّندرىّ، ينعت بالنّجم، الفقيه الشّافعىّ، المعيد بالمدرسة العزّيّة بظاهر قوص، كان فقيها حسنا خيّرا عاقلا، حضرت عنده فى الإعادة مدّة، ومضى على جميل.
ولد بدندرا، وتوفى بهوّ سنة تسع عشرة (٢) وسبعمائة.
(٣١٨ - على بن محمد، أبو الحسن البلينائىّ)
علىّ بن محمد، يكنى أبا الحسن، ذكره أبو القاسم ابن الطحّان وقال: الإمام بالبلينا، يروى عن ذى النّون بن إبراهيم الإخميمىّ الزّاهد.
(٣١٩ - علىّ بن محمد بن سناء الملك الأسنائىّ)
علىّ بن محمد بن سناء الملك، الخطيب الأسنائىّ، ذكره صاحب (٣) كتاب
стр. 432
«الأرج الشّائق» فى جملة من مدح سراج الدّين (١) ابن حسّان الأسنائىّ وقال: له أدب بارع، وفضل رائع، لم يقل الشّعر إلّا لصلة أسباب المودّات، لا لمواصلة الإفادات، وأنشد له من قصيدة، فى ابن حسّان [الأسنائىّ] أوّلها:
/ ما غردت فى أعالى الدّوح أطيار … إلّا وهاج بقلب الصبّ تذكار
ولا تأوّد غصن ناعم سحرا … إلّا طرت لى أغراض وأوطار
وكنت أخفى الذى بالقلب من كلف … فكيف يخفى ولى بالدّمع إقرار
بان الخليط فبان الصّبر يتبعه … صبحا ففيه طلوع الفجر إنذار
[منها]:
إن قصّر النّيل فى ذا العام إنّ لكم … من سحب كفّ سراج الدّين أمطار
والبدر من وجهه والغيث من يده … فمنه للخلق أنواء وأنوار
(٣٢٠ - علىّ بن محمد، أبو الفضل الأسنائىّ)
علىّ بن محمد، أبو الفضل (٢) الأسنائىّ، ذكره مجد الملك (٣) أيضا فى «الأرج الشّائق» فيمن مدح (٤) ابن حسّان (٥)، وقال: ممّن قرأ كتاب الله العزيز فأحسن وأجاد، وانبعث طبعه إلى القريض فبلغ ما أراد، حتّى أربى على كثير من الشّعراء فى حسن الصّناعة، وبرّز سابقا فى ميدان البراعة، إن نسب أطرب، وإن تغزّل أعجب، وأنشد له من قصيدة أوّلها:
يمينا بمن أحيا المشوق محيّاها … ومن بذلت فى طاعة الحبّ محياها
стр. 433
[منها]:
وقد فاح عن أنفاسها أرج الصّبا … وأغنت عن الصّهبا نوافح ريّاها
ألا يا رعى الله الوصال وطيبه … وأسخن عين الهجر عنّا وأعماها
أخاف عليها من تضرّم مهجتى … حريقا وقد أضحت من الشوق سكناها
وإن رام قلبى الانقلاب عن الهوى … إلى النّسك إيمانا ثنته ثناياها
[ومنها]:
وقد وسوست تلك الغصون كأنّها … حبائب (١) نبت بعضها بعض شكواها
(٣٢١ - علىّ بن مقرّب، ابن الأثير الأرمنتىّ (¬*))
علىّ بن مقرّب بن عبد الرّحيم ابن الأثير الأرمنتىّ، ينعت بالقطب، اشتغل بالفقه على الشّيخ مجد الدّين (٢) القشيرىّ، وأجازه بالتّدريس، وتولّى الحكم بسمهود وغيرها، وكان يحضر معنا الدّرس، وهو شيخ حسن.
توفّى بقوص سابع عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وسبعمائة.
(٣٢٢ - علىّ بن مطهّر الثّعلبىّ الأدفوىّ)
علىّ بن مطهّر بن نوفل، بن جعفر بن أحمد، بن جعفر بن يونس، الثّعلبىّ الأدفوىّ، ينعت بالعلم، جدّ والدى، كان من الأعيان ببلده وعدولها، وفيه فضيلة وديانة، ومعرفة بالعلوم القديمة من فلسفة ونحوها، وكان كثير الانقطاع، قدّم أخاه
стр. 434
الضياء نوفل (١) لملاقاة النّاس، وانقطع فى سواقيه: بالصّيف بساقية الرّوزبىّ، وفى الشتاء/ بالسّاقية الجديدة (٢).
وتوفّى ببلده، أظنّه فى حدود الخمسين وستّمائة، وكان والده حاكما بأدفو، وتوفّى بها فى ثامن جمادى الأولى سنة ثنتين وثلاثين وستّمائة.
(٣٢٣ - علىّ بن منصور بن حاتم القيروانىّ الأسنائىّ)
علىّ بن منصور بن حاتم، بن أحمد بن علىّ بن منصور، بن حاتم بن أحمد ابن حديد، أصله من القيروان، وأقام بالصّعيد وتولّى القضاء بأسنا، كتب عنه ابن مسدىّ (٣) وقال: سمعته يقول: دخل النّبيه علىّ خطيب أرمنت على والدى، وكان والدى حاكما بأسنا وأعمالها، وقد ولّى أخى عليّا قضاء أرمنت، وكان هذا الخطيب يلقّب بزحل، فأنشد أبى- لمّا دخل عليه- هذا البيت:
ومن يربط الكلب العقور ببابه … فعقر جميع النّاس من ذلك الكلب
فقال لأبى: اسكت، وأنشده ارتجالا:
كذلك من ولّى ابنه وهو ظالم … فظلم جميع النّاس من ذلك الأب
فأشهد أبى على نفسه فى الحال بعزل ابنه علىّ، هكذا حكى عن ابن مسدىّ الشّيخ عبد الكريم (٤)، والذى رأيته من كلام ابن مسدىّ أنّ منصورا كان قاضى أسنا، وولّى ابنه عليّا.
стр. 435
(٣٢٤ - علىّ بن منصور، ابن شوّاق الأسنائىّ)
علىّ بن منصور بن محمد بن المبارك الأسنائىّ، ينعت بالشّمس، ويعرف بابن شوّاق، اشتغل بالفقه وناب فى الحكم بأسفون وغيرها، وأخذ الطبّ عن ابن بيان ومهر فيه، واشتهر فيه بالمعرفة والحذق، فيطلب من الأماكن البعيدة بسببه، وكان الحكيم المكرّم بأسنا دونه فى المعرفة، وكان يتبارك بطبّه دون الحكيم شمس الدّين، فقيل له فى ذلك فقال: المكرّم يطبّ فى ابتداء الأمراض والأمور سهلة، وأنا ما أطبّ إلّا إذا أيس من المريض، أو كان المرض مخوفا.
وكان حسن الخلق، له أصالة ورياسة، توفّى سنة ثمانين وستّمائة ببلده، فيما أخبرنى به العدل قطب الدّين ابن أخى الحكيم المذكور، والصّواب أنّه توفّى فى حدود السّتّين.
(٣٢٥ - علىّ بن منصور، الهواس الأرمنتىّ)
علىّ بن منصور الأرمنتىّ، ويعرف بالهواس (١)، كان أديبا فاضلا شاعرا، أنشدنى صاحبنا العدل الفقيه علاء الدّين علىّ ابن الشّهاب الأسفونىّ مرثية، رثى بها ابن يحيى، كبير أرمنت، أوّلها:
شقّت لأجل رحيلك الأكباد … ووهت لعظم مصابك الأطواد
وتعطّل الوادى فلا لنسيمه … أرج ولا لظلاله استمداد
/ وأنشدنى بعض الأرامنة له:
أهيل الحمى رقّوا لحالى والشّكوى … فإنّ فؤادى للصّبابة لا يقوى
стр. 436
وقلبى وطرفى فى اشتغال كلاهما … سفوح وذا من نار جمرته يكوى
وصبرى عزيز عن لقاء أحبّتى … وعيشهم لا أضمرت نفسى السلوى
[منها]:
أقول وقد لاحت بروق على قبا … وعنق اشتياقى عن رفاقى لا يلوى
وحادى المطايا بالرّكائب قد حدا … بسفح اللوى وهنا ترنّم بالشّكوى
أأحبابنا بالبيت بالرّكن بالصّفا … بزمزم زيحوا (١) ما بقلبى من بلوى
وهى طويلة، وله شعر جيّد أجود من هذا، لم يعلق بذهنى منه شئ.
وتوفّى بأرمنت فى سنة خمس وتسعين وستّمائة، فيما أخبرنى به بعض الأرامنة، وكان ينسب إلى التشيّع.
(٣٢٦ - علىّ بن نوبى أبو الحسن الأسنائىّ (¬*))
علىّ بن نوبى (٢) أبو الحسن الأسنائىّ، كان شاعرا أديبا، ذكره صاحب (٣) «الأرج الشّائق» وأنشد له:
ماذا أقاسى فى الغرام من القلا (٤) … لمّا برى جسمى السّقام وأنحلا
بمقبّل أحوى (٥) وثغر أشنب (٦) … ينسيك طعم رضابه طعم الطّلا (٧)
стр. 437
يرنو فيبدو من محاجر طرفه … سيف تفدّيه الجماجم والطّلا (١)
كم نظرة أهدت إلىّ لشقوتى … صرف الرّدى والعين من عينى طلا (٢)
فالحبّ نار والمحبّ متى يرد … إطفاءها فكأنّه قد أشعلا
وله شعر أجود من هذا.
(٣٢٧ - على بن هبة الله، الشّرف الأسنائىّ)
علىّ بن هبة الله بن علىّ السّديد، ينعت بالشّرف الأسنائىّ، كان من الرؤساء الأعيان، انتهت إليه رياسة بلده، سمع الحديث من الشّيخ تقىّ الدّين (٣) القشيرىّ بقوص، وحضر مجلس إملائه فى سنة تسع وخمسين وستّمائة، واشتغل بالفقه فى القاهرة مدّة، وتولّى الحكم بأسفون، وناب فى الحكم بأسنا، وكان متصدّقا، تصدّق مرّة فى العيد بتسعين أردب غلّة، ثمّ دخل فى الخدمة الدّيوانية، وباشر بأسنا وأدفو نظرا.
وتوفّى ببلده سنة ستّ وتسعين وستّمائة عاشر ذى القعدة، ومولده سنة ستّ وستّمائة، فيما أخبرنى به بعض أحفاده.
(٣٢٨ - علىّ بن هبة الله، ابن الشّهاب الأسنائىّ (*))
علىّ بن هبة الله بن أحمد بن إبراهيم بن حمزة الأسنائىّ [المنعوت بنور (٤) الدّين] ويعرف بابن الشّهاب، شيخنا، كان من الفقهاء المفتين، سمع الحديث على الشّيخ/
стр. 438
الإمام الحافظ أبى الفتح محمد بن علىّ بن وهب القشيرىّ، والشّيخ الحافظ عبد المؤمن ابن خلف الدّمياطىّ، وشيخنا قاضى القضاة أبى عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة الكنانىّ، وحفظ مختصر مسلم للشّيخ الحافظ عبد العظيم المنذرىّ، وأخذ الفقه عن الشّيخ بهاء الدّين هبة الله بن عبد الله بن سيّد الكلّ القفطىّ، والشّيخ جلال الدّين أحمد بن عبد الرّحمن الدّشناوىّ، وبرع فى الفقه، ولمّا حجّ كتب «الرّوضة» (١) بخطّه، بمكّة شرّفها الله تعالى، وهو أوّل من أدخلها قوص، وكان يستحضر نقلها أو غالبه، وتولّى الحكم بأدفو وقنا، وكانت طريقته حسنة، وسيرته مستحسنة، وكان يدرّس بالمدرسة العزّيّة بظاهر قوص، والمدرسة المجديّة، ورباط ابن الفقيه نصر، ودرّس بدار الحديث بقوص، ودارت عليه الفتوى، وكان (٢) مسدّدا فى الفتيا، صحبته مدّة طويلة، وحضرت درسه سنين كثيرة، وكان قوّاما بالأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر وله باللّيل تهجّد وكان مهيبا مع أنّه كان متواضعا، وكان قد تزوّج بأخت الصاحب نجم الدّين حمزة الأسفونىّ (٣)، ولمّا توفّى الصاحب وطلب أصحابه، هرب شيخنا نور الدّين سبعين يوما، حفظ فيها «المنتخب» (٤) فى الأصول.
ومن حكاياته ﵀ [تعالى] أنّه بلغه أنّ حرّاقة وبها خمر (٥)، فنزل إليها وأراق ما فيها، فقال له من بها: إنّها للأمير «طقصبا (٦)» والى قوص، وكان شديد البأس صعب المراس، فتوجّه إلى الأمير وقال: [يا] خوند بلغنى وصول خمر فى حرّاقة،
стр. 439
فتوجهت إليها، فقصد الريّس أن يتجوّه (١) وقال: هذا للأمير سيف الدّين، قلت:
حاشا، الأمير يكذّب البعيد (٢)، وأرقت الخمر، فقال الأمير: أفلحت.
وكان بعض النّصارى أسلم، وله ولد نصرانىّ وأولاد ولد أطفال، فقام فى إلحاقهم بجدّهم وأفتى به، متّبعا ما حكاه الرافعىّ عن بعضهم وقال إنّه الأقرب، وجرى فى ذلك صراع كثير، وألحق بعضهم بجدّه، فقيل إنّ النّصارى تحيّلوا حتّى سقوه سمّا، فحصل له ضعف وإسهال توفّى به.
حكى لى رحمه الله تعالى أنّ بعض أولاد الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، نقل عنه لجدّه الشّيخ تقىّ الدّين كلاما من جملته: أنّى قلت: أنا أفقه منه قال: وصرت أحضر عند الشّيخ الدّرس، وأرى فى نفسه منّى شيئا، فقال/ الشّيخ يوما فى الدّرس- وقد ذكروا موانع الميراث- ثمّ مانع آخر، وأمهلتكم فيه شهرا، قال: فأخذت فى استحضار القرآن الكريم، ثمّ فى الحديث النّبوىّ، فجرى على ذهنى قوله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، فقلت يا سيّدى وإن (٣) كان مفقودا فى زماننا، فشعر أنّى عرفته، فقال: قل، فقلت: النّبوّة.
وكنت أتنازع أنا وابن ابنه فى التّدريس فى مدرسته، فلم يساعد الشّيخ علىّ، وكان ﵀ فيه إحسان لطلبة العلم والتّقديم لهم، وكان يصحب قاضى القضاة شمس الدّين السّروجىّ الحنفىّ، فكان إذا سافر إلى القاهرة، يذكر له كلّ سفرة جماعة من الطلبة المعروفين بالخير، ويحضر سجالات لهم من غير أن يسألوه.
وكان- إذا كان بالقاهرة، وقصد شخصا من رؤسائها- يقول لغلامه: قل له:
стр. 440
مفتى قوص على الباب، فبلغ ذلك محيى الدّين يحيى (١) بن زكير، وكان قرينه فى التّدريس والفتوى، فقال [له]: يا نور الدّين كيف تقول كذا؟ فقال: إذا احتاج الإنسان عرّف بنفسه؛ قال الله تعالى، حكاية عن يوسف ﵇: «قال اجعلنى على خزائن الأرض إنّى حفيظ عليم»، وأنا فسّرت لمصلحتى، وإذا رحت أنت إلى مصر، فسّر أنت الآخر لمصلحتك.
ولمّا جئت إلى قوص مقيما للاشتغال، ذكرنى له الفقيه العالم نجم الدّين (٢) القمولىّ- وكان من الصّالحين- أنا وجماعة، فنزلنا فى مدرسته بغير طلب، وأكرمنا وأحسن إلينا، جزاه الله خير الجزاء.
وكانت وفاته بمدينة قوص سنة سبع (٣) وسبعمائة.
(٣٢٩ - علىّ بن هبة الله بن حسن الأرمنتىّ)
علىّ بن هبة الله بن حسن بن هبة الله بن جعفر الأنصارىّ الأرمنتىّ، الخطيب أبو الحسن، كان فاضلا أديبا، ناظما ناثرا رئيسا، رأيت بخطّه صداقا (٤) فيه أدب جيّد.
توفّى ببلده فى سادس عشرين ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين وستّمائة، نقلت وفاته من لوح على قبره.
стр. 441
(٣٣٠ - علىّ بن هبة الله بن محمد الأرمنتىّ)
علىّ بن هبة الله بن محمد الأرمنتىّ، ذكره صاحب (١) «الأرج الشّائق» وأنشد له من قصيدة، مدح بها ابن حسّان (٢) الأسنائىّ، أوّلها:
أرى الظّبى من بعد الزّيارة مزورا … وأبدى من الإعراض والصدّ ما ضرّا
وفوّق من قوس الحواجب أسهما … وجرّد للعشّاق من لحظه مبترّا
وقدّ بذاك القدّ قلبى تعمّدا … وبلبل لى البلبال إذ بلبل الشّعرا
ولمّا بدا لى أنّه غير منصفى … رأيت قصارى ما أفوز به نزرا
/ صرفت اهتمامى بالمديح لسيّد … يزيد امتداحى فى مناقبه فخرا
(٣٣١ - على بن وهب ابن دقيق العيد القشيرىّ (¬*))
علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ، الشّيخ مجد الدّين أبو الحسن المنفلوطىّ ثمّ القوصىّ، الشهير بابن دقيق العيد، جمع بين العلم والعمل والعبادة، والورع والتّقوى والزّهادة، والإحسان إلى الخلائق مع اختلافهم، وبذل المجهود فى اجتماع قلوبهم وائتلافهم، أتى إلى الصّعيد، فى طالع لأهله سعيد، فتمّت عليهم بركاته، وعمّتهم علومه ودعواته، وكان مذهب الشّيعة (٣) فاشيا فى ذلك الإقليم، فأجرى مذهب السّنّة على أسلوب حكيم، وزال الرّفض (٤) وانجاب، وثبت الحقّ حتّى لم يبق فيه شكّ
стр. 442
ولا ارتياب، وارتحل النّاس إليه من سائر الأقطار، وقصدوه من كلّ النّواحى والأمصار، وتخرّج عليه جماعة حتّى غدوا من أعيان الفقهاء [الأفاضل] الأماثل، وبرعوا فى الفضائل، حتّى لا يكاد يوجد لهم نظير ولا مماثل.
حكى لنا أنّ النّجيب بن هبة الله القوصىّ، لمّا بنى مدرسته التى بقوص فى سنة سبع وستّمائة، أشار عليه الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ (١) ابن الصبّاغ، أن يحضر إليها الشّيخ مجد الدّين (٢)، وأشار بإحضاره أيضا إلى قوص الشّيخ المقترح، (٣) فأرسل إليه فحضر، وجرى من الخير بسببه ما جرى به القدر.
سمع الحديث على شيخه أبى الحسن ابن المفضّل المقدسى الحافظ، وعنه أخذ الفقه على مذهب الإمام مالك والأصول، وسمع على الشّيخ بهاء (٤) الدّين ابن بنت الجمّيزى، وعنه أخذ الفقه على مذهب الإمام الشافعىّ، وحدّث عن شيخه المقدسىّ، وعن أبى روح عبد المعزّ بن محمد ابن أبى الفضل الأنصارىّ.
حدّث عنه ولداه الشّيخ تقىّ الدّين، والشّيخ سراج الدّين موسى، وتلميذه الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، والعلّامة جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، والحافظ منصور ابن سليم، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ، وشيخنا قاضى القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة، والشّيخ تاج الدّين محمد بن الدّشناوىّ، والشّيخ المعمّر المسند أبو نعيم أحمد ابن التّقىّ عبيد وغيرهم.
стр. 443
حدّثنا شيخنا تاج الدّين مفتى المسلمين محمد ابن الشّيخ الإمام العلّامة مفتى المسلمين جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، وهو أوّل/ حديث سمعته منه، حدّثنا شيخنا الإمام العالم الزّاهد مجد الدّين مفتى المسلمين أبو الحسن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ بن المفضّل المقدسىّ الحافظ مفتى المسلمين، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا شيخنا الحافظ مفتى المسلمين أبو الطّاهر أحمد السّلفىّ (١)، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا الشّيخ أبو محمد جعفر ابن الحسين بن السرّاج اللغوىّ ببغداد، وهو أوّل حديث سمعته منه، أخبرنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السّجزىّ الحافظ، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى، وهو أوّل حديث سمعته منه، حدّثنا عبد الرّحمن ابن بشر بن الحكم، وهو أوّل حديث سمعته منه، [أنبأنا (٢) سفيان بن عيينة، وهو أوّل حديث سمعته] عن عمرو بن دينار، عن أبى قابوس، مولى لعبد الله بن عمرو ابن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّ رسول الله ﷺ قال:
«الرّاحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء» هذا حديث حسن أخرجه التّرمذىّ وأبو داود، وقد اتّفق فيه تسلسل من وجهين، أحدهما بالأوّلية، والثانى أنّه وقع فيه أربعة من المفتيين، اثنان شافعيّان واثنان مالكيّان، شيخنا تاج الدّين والحافظ السّلفىّ شافعيّان، وشيخ شيخنا مجد الدّين وشيخه أبو الحسن المقدسىّ مالكيّان.
حدّثنا الشّيخ المسند المعمّر أبو نعيم أحمد ابن الحافظ عبيد (٣) الله بن محمد بن عبّاس الإسعردىّ، قراءة عليه وأنا أسمع، أنبأنا المجد ابن دقيق العيد، أخبرنا أبو روح عبد المعزّ بن محمد ابن أبى الفضل الأنصارىّ إجازة، [أخبرنا أبو القاسم تميم بن سعيد
стр. 444
ابن أبى العبّاس المقرى الجرجانىّ قراءة عليه وأنا أسمع] أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن أبى حفص بن مسرور، حدّثنا الشّيخ أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد ابن يوسف السّلمىّ، أخبرنا يوسف بن يعقوب ابن القاضى، أنبأنا حفص بن عمر، حدّثنا شعبة عن منصور عن أبى الضّحى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يقول فى ركوعه: «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لى»، هذا حديث صحيح، أخرجه البخارىّ فى صحيحه عن حفص ابن عمر.
حدّثنا شيخنا العلّامة أثير الدّين محمد بن يوسف/ الغرناطىّ، حدّثنا الشّيخ الفقيه الإمام العالم المتقن مفتى الفريقين الحافظ الناقد تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشّيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزّاهد مجد الدّين أبى الحسن علىّ ابن أبى العطايا وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة، إملاء من لفظه يوم الأحد ثانى شهر رمضان المعظّم سنة ستّ وثمانين وستّمائة، بمنزله من دار الحديث الكامليّة (١) بالمعزّية، أخبرنا والدى ﵀، أخبرنا الحافظ أبو الحسن علىّ بن المفضّل المقدسىّ، أخبرنا الشّريف أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن العثمانىّ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمىّ، أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن سعيد بن نفيس المقرى، أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد الجوهرىّ، أخبرنا أحمد بن محمد المكىّ، حدّثنا القعنبىّ عن مالك، عن خبيب (٢) بن عبد الرّحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب،
стр. 445
عن أبى هريرة- أو عن أبى سعيد الخدرىّ- أنّ رسول الله ﷺ قال:
«ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنّة، ومنبرى على حوضى (١)».
وبه إلى الجوهرىّ أخبرنا محمد بن أحمد الذهلىّ، أخبرنا أبو خليفة، عن عبد الله، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عبّاس «أنّ رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثمّ صلّى ولم يتوضأ».
وبه إلى الجوهرىّ أخبرنا أحمد بن محمد المكىّ، أنبأنا علىّ، أنبأنا القعنبىّ عن مالك عن زيد بن أسلم، عن أبى وعلة المضرىّ، عن عبد الله بن عبّاس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».
الحديث الأوّل أيضا وقع فيه أربعة علماء بعضهم عن بعض: شيخنا أثير الدّين، عن شيخه تقىّ الدّين، عن والده مجد الدّين، عن الحافظ المقدسىّ.
وللشّيخ مجد الدّين أحوال نشير إلى بعضها، كان ﵀ كثير الشّفاعة حتّى قيل إنّه تردّد إلى والى قوص مرّات كثيرة فى يوم وهو لا يقبل شفاعته، وأنّه فى آخر شفاعته قال: هذا الرّجل ما يشفع إلّا لله، رددت شفاعته مرّات وهو يعود، حتّى حكى بعض أصحابنا أنّ أولاد الشّيخ عزّ عليهم كثرة تردّده إلى الولاة فى الشّفائع وقالوا:
هذا فيه بهدلة، خذوا ثوبه الذى يخرج به أخبئوه، ففعلوا ذلك، فجاءه شخص وشكا/ له حاله وسأله أن يتوجّه معه إلى الوالى، فطلب ثوبه فلم يجده، وعرف الخبر، فتألّم ذلك الشّخص، فقال الشّيخ: أنت تعرف أنّه متى توجهت معك ينقضى شغلك؟ فقال:
والله يا سيّدى متى رحت معى حصل المقصود، فمشى معه بثوبه الذى هو عليه، فقال أولاده: هذا مالنا فيه حيلة، خلّوه على سجيّته.
стр. 446
وأخبرنا شيخنا تاج الدّين أبو الفتح محمد بن أحمد الدّشناوىّ قال: ورد إلى قوص ناظر الدّيوان السّلطانىّ، فكان الشّيخ مجد الدّين يتردّد إليه فى حوائج النّاس، فقال له مرّة: أشتهى أن انظر ابنك تقىّ الدّين، فأراد مرّة التوجّه إليه، فقال لابنه:
يا محمد هذا الرّجل تكرّر طلبه لك، امش معى فمشى ومشيت معهما، فدخلنا على النّاظر فسرّ بالشّيخ تقىّ الدّين، وكان يوما شاتيا شديد البرد، وكان أوّل النّهار، قال: فنحن فى الحديث والمقدّم دخل عليه، وقال عن بعض أصحاب المكوس إنّه ما يعطى شيئا، فقال النّاظر: خلّوا الوالى يضربه ويستخرج مال المقطعين، فبكى الشّيخ مجد الدّين وباس ركبة النّاظر وقال: بالله لا تضربوه فى مثل هذا الوقت البارد، فقال النّاظر:
لا تودّوه للوالى.
وحكى لى تقىّ الدّين عبد الملك (١) الأرمنتىّ أنّ شيخه مجد الدّين مرّ، وتقىّ الدّين عبد الملك هذا معه، فرأى كلبة قد ولدت وماتت فقال: يا تقىّ هات هذه السجّادة، فحمل الجراء وجعلها فى مكان قريب، ورتّب لها لبنا يسقيها حتّى كبرت.
وأخبرنى تقىّ الدّين أيضا أنّ الشّيخ خرج يوما وقال: يا تقىّ [الدّين] تعرف بيت المستوفى؟ وكان بقوص نصرانىّ مستوف له صورة وجاه، قال: فقلت: يا سيّدى أنت تريد تمشى إلى بيت نصرانىّ، أنا أروح أحضره إليك فقال: لا، فمشيت معه إلى بيت المستوفى، فطرقت الباب فخرجت جارية، فقلت لها: قولى إنّ الشّيخ المدرّس على الباب، فدخلت وإذا بالمستوفى قد خرج حافيا وقال: يا سيّدى كنت ترسل خلفى، فقال: جئتك فى حاجة، هذا فلان الشّنهورىّ عليه راتب فى الزّرع، وهو فقير وقد عجز عنه، فقال: يا سيّدى أمحو اسمه منه، وفعل ذلك.
стр. 447
وقال لى شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين [محمد] بن جماعة الكنانىّ رحمه الله تعالى:
دخلت عليه منزله بقوص فرأيت عليه قميص برد ثوب جندىّ، فسأله شخص عن ذلك فقال: دخل علىّ/ فلان ورأيت عليه ثوبا خلقا، عورته تبدو منه، فقلعت ثوبى أعطيته، وجعلت علىّ ملحفة، فدخل فلان صاحبنا الجندىّ، وأعطانى هذا الثوب فلبسته.
وحكى عنه تلميذه الإمام العلّامة بهاء الدّين (١) هبة الله القفطىّ أنّه كان فى سنة قد حصل فيها غلاء كبير، حتّى إنّ أكثر النّاس لا يجدون إلّا بعض البقول يقتات به قال: فسأل شيخنا مجد الدّين عن حال النّاس، فذكروا له أنّهم يقتاتون ببعض البقول فالتزم أنّه لا يأكل إلّا ممّا يأكل النّاس، وما زال يأكل منه حتّى ظهر الخبز فى السّوق، قال: وقال لى: يا بهاء الدّين رفعت عنّى شهوة المأكل فلا أبالى ما أكلت، وشهوة الملبس فلا أبالى ما لبست، وشهوة الجاه.
وكان ﵀ كثير الشّفقة على خلق الله [تعالى]، حكى أصحابنا أنّه كان عنده شخص يشفق عليه، فقال له بعض أصحابه: يا سيّدى هذا فيه قلّة دين- لينقصه عنده- فقال الشّيخ: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، كنّا نشفق عليه من جهة الدّنيا، صرنا نشفق عليه من جهة الدّين.
وكان ﵀ يسعى لطلبته على قدر استحقاقهم، فمن يصلح للحكم سعى له فيه، ومن يصلح للتّعديل سعى له فيه، ومن لم يصلح [لهما] سعى له فى إمامة أو فى شغل، وإلّا أخذ له على السّهمين راتبا، حتّى جاءه بعض النّاس وشكا له ضرورة، قال له:
اكتب قصة للقاضى فأنا أتحدث معه، فكتب: «المملوك فلان يقبّل الأرض،
стр. 448
وينهى أنّ المملوك فقير [الحال] ومضرور- وكتب (مظرور) بالظّاء- وقليل الحظّ- وكتبه بالضاد-»، وناولها للشّيخ، فتبسّم وقال: يا فقيه ضرّك قائم وحظّك ساقط.
وكان فيه مع تورّعه وتقشّفه بسطة، حكى لى صاحبنا القاضى الفقيه العالم ناصر الدّين عبد القادر (١) ابن أبى القاسم الأسنائىّ قال: حكى لى شيخنا بهاء الدّين القفطىّ قال: وجدت مسئلة خلافيّة فى كرّاسة، فغلقت بابى ونظرت فيها، وكان يوم النّوروز والطلبة يلعبون ويبتلّون بالماء، وطلبوا منّى الخروج إليهم وموافقتهم فامتنعت، واشتغلت بالمسألة، فصاروا يصبّون الماء فى منزلى حتّى خشيت من أن يصل الماء إلىّ، فكتبت ورقة للشّيخ وناولتها للجارية، فدخلت ثمّ رجعت إلىّ، وقد كتب الشّيخ:
«هذا جزاء من ترفّع على أصحابه»، وجاء بعض الطلبة/ إليه وقال: «يا سيّدى هؤلاء الفقهاء يلقّبونى (٢) بوجه سبع الحوض» فنظر إليه [الشّيخ] وقال: «ما أبعدوا … ».
وكان كثير الإحسان إلى الخلق، من عرف ومن لم يعرف، حكى الشّيخ عبد الغفّار (٣) بن أحمد بن نوح، أنّ صهر الشّيخ مجد الدّين، وهو جمال الدّين ابن التّيفاشى (٤)، قال له: جاء شخص للشّيخ وطلب منه شيئا ويعيده فى الحصاد- وكان النّاس يودعون عند الشّيخ- فأعطاه، فلمّا كان الميعاد لم يعط ذاك الشخص شيئا، فبعد مدّة سنة حضر ذاك الشّخص، وطلب منه شيئا ليعيده مع الماضى وفت الحصاد، واعتذر عن الأوّل، فقال صهره: قال لى الشّيخ: ادخل وأعطه، فقلت: يا سيّدى ما كفى ما اتّفق فى الماضى، فقال: سبحان الله! لو كانت الحاجة لك كنت تقول كذا … ؟! وأعطاه.
стр. 449
وكان مستغرقا فى الفكرة فيما ينفعه فى الآخرة: حكى التّقىّ عبد الملك (١) أنّه لمّا دخل الشّيخ على زوجته كان عندهم ملاهى، قال فتعجبنا من الشّيخ، فلمّا أصبحنا قلنا له عن ذلك فقال: كان عندهم شئ!؟ منذ دخلت أنا اشتغلت بقراءة القرآن، فقرأت كذا وما سمعت شيئا … !
ومناقبه كثيرة وموارده فى العلم غزيرة، وكان يقرئ المذهبين مذهب مالك والشافعىّ، والأصولين، واختصر «المحصول (٢)» اختصارا جيّدا، وحكى عنه أصحابه أنّه كان يحفظ فى الأدب «زهر الآداب (٣)».
وكان له شعر قدّمت منه شيئا فى ترجمة تلميذه الشّيخ جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، ورأيت بخطّه هذين البيتين، وأنشدنيهما الشّيخ أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف، أنشدنى أبو الفتح موسى (٤) بن علىّ بن وهب [بن مطيع] أنشدنا والدى لنفسه هذين البيتين:
وزهّدنى فى الشّعر أنّ سجيّتى … بما يستجيد النّاس ليس تجود
ويأبى لى الخيم (٥) الشّريف رديّه … فأطرده عن خاطرى وأذود
وأنشدنى شيخنا أثير الدّين أيضا، أنشدنا أبو الفتح موسى، أنشدنا والدى لنفسه:
أقول لدهر قد تناهى إساءة … إلىّ ولكن للأحبّة أحسنا
ألادم على الإحسان فيمن نحبّهم … فإنهم الأولى ودع عنك أمرنا
стр. 450
/ وله نثر جيّد، وقفت على عدة «أجائز» لطلبته نثر فيها [نثرا] جيّدا، ومن أحسنها إجازة شمس الدّين عمر (١) بن المفضّل بالفتوى والتّدريس، نقلتها من خطّه، ابتدأها بعد سؤال شمس الدّين له الإجازة فقال:
«استخير الله تعالى فى الإيراد والإصدار، وأعتصم به من آفتى التّقصير والإكثار، وأستغفر الله فيما فرط فى الجهر والإسرار، وأقول:
«إنّى ذاكرت فلانا زيّنه الله بالتّقوى، وحرسه فى السرّ والنّجوى، فى فنون من العلوم الشّرعية، العقليّة والنّقليّة، فألفيته يرجع إلى معقول صحيح، ومنقول صريح، واطّلاع على المشكلات، واصطلاع بحلّ المعضلات، لا سيّما فى فقه المذهب.
فإنّه أصبح فبه كالعلم المذهب، وقام بعلم العربيّة والتّفسير، فصار فيهما العالم النّحرير، وقد أجبته إلى ما التمس، وإن كان غنيّا بما حصّل واقتبس، فليدرس مذهب الإمام الشافعىّ رضى الله عنه لطالبيه، وليجب المستفتى بقلمه وفيه، ثقة بفضله الباهر، وورعه الوافر، وفطرته الوقّادة، وألمعيّته المنقادة، والله تعالى ينفعنا وإيّاه بما علمناه، ويرفعنا بذلك لديه فما القصد سواه».
وتخرّج عليه خلق كثير، منهم أولاده الشّيخ تقىّ الدّين، والشّيخ سراج الدّين موسى، والشّيخ تاج الدّين أحمد، وتلامذته الأئمة الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، والشّيخ جلال الدّين الدّشناوىّ، والشّيخ محبّ الدّين الطّبرىّ، والشّيخ ضياء الدّين جعفر (٢) بن محمد بن عبد الرّحيم الحسينىّ، والنّجيب (٣) بن مفلح، كلّ هؤلاء علماء فضلاء شيوخ، وتليهم جماعة [قضاة] كالقاضى شمس الدّين أحمد (٤) بن قدس، والقاضى
стр. 451
الفقيه سراج الدّين يونس (١) الأرمنتىّ، والقاضى نجم الدّين أحمد (٢) بن ناشى، كلّهم أيضا فقهاء مفتيون، ومن الغريب أنّه مالكىّ المذهب، والذين تخرّجوا عليه شافعيّة، لا نعرف مالكيّا انتفع به ذلك الانتفاع.
وكان ﵀ كثير الصّوم يصوم الدّهر، ملازما لقيام الليل، كثير التّلاوة حتّى حكى عنه تلميذه الشّيخ بهاء الدّين (٣) أنّه كان كلّ يوم يختم القرآن العظيم مرّتين مع شغله.
وتولّى الحكم بأسيوط ومنفلوط وعملهما، رأيت مكتوبا عليه فى سنة ثنتى عشرة وستّمائة، ولمّا ولّى السّبكىّ (٤) قضاء القضاة بالدّيار المصريّة، فوّض إلى الشّيخ ما فوّض إليه.
وصنّفت/ تلامذته فى حياته، وصنّف الشّيخ بهاء الدّين فى حياته «شرح الهادى» ورأيت خطّ الشّيخ على تصنيفه، ونفع الله به خلقا كثيرا، وأظهر به فضلا كبيرا، وكشف به غمّا، وأنار به أبصارا عميا، وأسمع به آذانا صمّا.
ولد بمنفلوط فى شهر رمضان المعظّم سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفّى بقوص يوم الأحد بعد الظّهر ثالث عشر المحرّم سنة سبع وستّين وستمائة، وقبره بظاهرها يزار، زرته مرّات والحمد لله.
стр. 452
وأخبرنى بعض الجماعة أنّه قبل موته بأيام، تذاكر هو وأصحابه جماعة ممّن مات، فلمّا بات تلك الليلة رأى قائلا ينشده:
أتعدّ كثرة من يموت تعجّبا … وغدا لعمرى سوف تحصل فى العدد
ولمّا مات قصدوا دفنه بقنا، فاجتمع النّاس بقوص على ألّا يخرج من عندهم، وصارت ضجّة، فدفن بظاهرها.
وسبب تسمية جدّه «دقيق العيد» أنّه كان عليه يوم عيد طيلسان شديد البياض، فقال بعضهم: كأنّه دقيق العيد، فلقّب به رحمه الله تعالى.
وكان من الأولياء، حكى تلميذه البرهان المالكىّ أنّه توجّه فى خدمته إلى الأقصر، لزيارة الشّيخ أبى الحجّاج (١)، فقدموا وقت المساء، فقال الشّيخ: ما نقدم على الفقراء عشاء، فنزلوا فى مكان، فلمّا كان بعد ليل طرق الباب فخرجوا فوجدوه الشّيخ أبا الحجّاج فقال: رأيت النبىّ ﷺ فقال: الفقيه أبو الحسن قدم، قم فسلّم عليه … ! وقد حكاها الشّيخ عبد الغفّار (٢) فى كتابه، وفضائله لا تحصر، ومناقبه أشهر من أن تذكر، رحمه الله تعالى.
(٣٣٢ - علىّ بن يحيى بن خير العباسىّ (¬*))
علىّ بن يحيى بن خير العبّاسىّ أخو المحيى سمع الحديث من الشّيخ بهاء الدّين ابن بنت الجمّيزى (٣) فى سنة خمس وأربعين وستّمائة، وجدّه [خير] بالخاء المنقوطة.
стр. 453
(٣٣٣ - علىّ بن يوسف ابن الخطيب القرشىّ الأسنائىّ)
علىّ بن يوسف بن علىّ المنعوت كمال الدّين الأسنائىّ القرشىّ، يعرف بابن الخطيب، قرأ الفقه على الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، وأعاد بالمدرسة المجديّة ببلده، وناب فى الحكم عن قاضى أرمنت، وكان فيه دين وعفّة وتحرّز، توجّه إلى الحجاز الشّريف فتوفّى بمكّة، فى ثامن عشر شوّال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وهو من بيت رياسة وعدالة وعلم بأسنا كما قدّمنا.
(٣٣٤ - علىّ بن يوسف الوزير جمال الدّين القفطىّ (¬*))
علىّ بن يوسف بن إبراهيم، بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد، بن محمد بن إسحاق ابن محمد بن ربيعة الشّيبانىّ القفطىّ، الوزير جمال الدّين أبو/ الحسن، سمع الحديث من أبى الطّاهر ابن بنان بمصر، وبحلب من جماعة، وروى عن الحافظ أبى الطّاهر (١) السّلفىّ بالإجازة، قال الحافظ أبو عبد الله محمد البغدادىّ: «اجتمعت به فوجدته جمّ الفضائل، ذا علوم غزيرة [وفواضل مستنيرة]، عظيم القدر، سخىّ الكف (٢)، طلق الوجه، حلو الشّمائل، مشاركا لأرباب كلّ علم من النّحو واللغة والفقه والحديث، وعلم القراءات والأصول والمنطق، والنّجوم والهندسة والتاريخ» انتهى.
стр. 454
قرأ النّحو على الشّيخ العالم صالح بن عادى (١)، وذكر فى كتابه «أنباه النّحاة» (٢) أنّه انتفع به، وله يد فى الأدب، وكان ممدّحا، مدحه ياقوت الحموىّ وغيره، وولى الوزارة بحلب فى أوائل سنة أربع عشرة وستّمائة، ثمّ عزل ثمّ أعيد، وله تصانيف فى فنون، منها: كتاب «أخبار المصنّفين وما صنّفوه»، وكتاب «إنباه (٣) الرّواة فى أنباه النّحاة»، وكتاب «تاريخ اليمن (٤)»، وكتاب «تاريخ مصر (٥) إلى أيام الملك النّاصر صلاح الدّين»، وكتاب «تاريخ بنى بويه» وكتاب «تاريخ الملوك السّلجوقيّة (٦)»، وكتاب «أشعار اليزيدين» وغير ذلك.
ولد بقفط سنة ثمان (٧) وستّين وخمسمائة، ومات بحلب سنة ستّ وأربعين وستّمائة.
وله شعر وأدب، ذكره الحافظ عبد المؤمن فيمن أجاز له، وذكره ابن سعيد، وقال: نظم بيتين فى جارية اشتراها وهما:
تبدّت فهذا البدر من كلف بها … وحقّك مثلى فى دجى الليل حائر
وماست فشقّ الغصن غيظا ثيابه … ألست ترى أوراقه تتناثر
стр. 455
قال: وزعم أنّه لا يؤتى لهما بثالث، فأنشدته فى الحال:
وعاجت فألقى العود فى النّار نفسه … كذا نقلت عنه الحديث المجامر
وقالت فغار الدّرّ واصفرّ لونه … لذلك (١) ما زالت تغار الضّرائر
(٣٣٥ - عمر بن إبراهيم بن عمران البهنسىّ (¬*))
عمر بن إبراهيم بن عمران البهنسىّ ثمّ الصّعيدىّ، ينعت بالنّجم، اشتغل بمصر مدّة، وحضر مع أخيه من أمّه عماد الدّين المهلّبىّ إلى قوص، وتولّى الحكم بهوّ وأسنا وأدفو (٢)، وكان فقيها فيه فضيلة وله أدب وخطّ حسن، وكان عاقلا ساكنا متديّنا، أقام قاضيا بأسنا وأدفو أكثر من سبع سنين على طريقة مرضيّة، [و] وقعت بأسنا تركة عبد الملك بن الجبان الأسنائىّ الكارمىّ وطلب بسببها إلى القاهرة فمرض بالبلينا، فرجع إلى قوص فتوفّى بها، سنة عشرة وسبعمائة، وقد بلغ ثمانيا/ وأربعين سنة.
(٣٣٦ - عمر ابن أبى الفتوح الدّمامينىّ (¬**))
عمر ابن أبى الفتوح الدّمامينىّ، ينقل عنه كرامات، ويذكر عنه مكاشفات، توفّى بالقاهرة فى العشرين (٣) من ذى القعدة سنة أربع (٤) عشرة وسبعمائة، ومولده
стр. 456
سنة سبع وأربعين وستّمائة، حكى لى الخطيب فتح الدّين بقوص قال: عمل الفخر ناظر الجيش قبرا ليدفن فيه، فقال الشّيخ عمر: ما هذا له، ما يدفن فيه إلّا أنا، فمات فدفن فيه.
وكان يسهر الليل لا ينام منه إلّا يسيرا، يقطعه بصلاة وذكر، ﵀ [تعالى].
(٣٣٧ - عمر بن أحمد، الحطّاب السّيوطىّ)
عمر بن أحمد، عرف بالحطّاب السّيوطىّ ثمّ القنائىّ، صحب الشّيخ أبا يحيى (١) ابن شافع- وهو أمرد- بسيوط، وحضر معه إلى قنا، وتزوّج بنته.
وكان من الصّالحين المشهورين بالكرامات، حكى لى ابنه الشّيخ محمد أنّ بنته وقعت من دارهم، وهى دار عالية، فدخلت إليه أمّها وهى تبكى، فقال: ما يصيبها شئ، وتكبر وتتزوّج، وتسمعى فى تزويجها كلام (٢)، فكان كذلك.
وحكى لى أيضا أنّه طلب ابن شيخه أبى يحيى إلى سماع، فجاء عمر إليه وقال:
لا ترح، فما قبل منه، فقال له: تموت، فتوجّه فدسّ على ابن شيخه سمّ فمات.
وسمّى الحطّاب لأنه كان [يخرج] يحتطب للرّباط، توفّى بقنا فى شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وستّمائة، ودفن بجبّانتها المباركة.
стр. 457
(٣٣٨ - عمر بن حامد بن عبد الرّحمن القوصىّ (¬*))
عمر بن حامد بن عبد الرّحمن، بن المرجّى بن المؤمّل، بن محمد بن علىّ بن إبراهيم، أبو الفتح وأبو حفص، الشّروطىّ القوصىّ الأنصارىّ، كنيته أبو حفص، ينعت بالبهاء، روى عن ابن طبرزد، وحنبل الكندىّ، وأجاز له جماعة، منهم [عفيفة] الفارقانيّة، وأسعد بن روح، والمؤيّد بن إخوة.
وحدّث، روى عنه الدّوادارىّ (١)، وسمع منه الحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ.
توفّى ليلة السبت الثانى عشر من ربيع الآخر سنة تسع وستّين وستّمائة بدمشق، ودفن بباب الفراديس، وقال الدّمياطىّ: خامس عشر ربيع الآخر، وقال: ليلة الثالث عشر، وتقدّم ذكر أخيه إسماعيل (٢).
(٣٣٩ - عمر بن عبد المجيد الشّوصىّ)
عمر بن عبد المجيد الشّوصىّ؛ قرأ القراءات، وكان إماما بجامع شوص، وتوفّى بها فى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
(٣٤٠ - عمر بن عبد العزيز الأسوانىّ (¬**))
عمر بن عبد العزيز بن الحسين، بن محمد بن إبراهيم بن نصر، ابن المفضّل الأسوانىّ الفرضىّ، القاضى شمس الدّين، كان من الفقهاء المفتيين، الفضلاء المعتبرين،
стр. 458
الرؤساء الأعيان، أحد كرماء الزّمان، رحل من بلده أسوان إلى قوص ثمّ إلى/ القاهرة للاشتغال، وأقام بالقاهرة سنين يشتغل على الشّيخ الإمام أبى محمد عبد العزيز ابن عبد السلام، وقرأ المعقول على الأفضل الخونجىّ (١)، وكانت تأتى إليه الكتب من أهله فلا يقرؤها، حتّى حصل مقصوده من العلم.
وكان فقيها نحويّا، أديبا شاعرا، كريما جوادا، تولّى الحكم بأسوان، ثمّ عزل وأقام بها، وكان قد استدان من شخص يقال له ابن المزوّق مبلغا له صورة، فحضر إليه [إلى] أسوان ليأخذ دينه، فنزل عنده وأقام مدّة، ثمّ فقد ووجد مقتولا، فاتّهم به شمس الدّين هذا، وشقّ عليه نسبة ذلك إليه، وطلب إلى القاهرة بسبب ذلك، وقام معه العلماء الأعيان، وأثنوا عليه وأبعدوا ذلك عنه، وحاله شاهد ببراءته.
وله نظم حسن: أنشدنى صاحبنا الشّيخ الصالح الفاضل الثّقة ضياء الدّين (٢) منتصر بن الحسن بن منتصر خطيب أدفو قال: أنشدنى القاضى الفقيه العالم، مفتى المسلمين، عمر بن عبد العزيز ابن المفضّل الأسوانىّ لنفسه، وقال لى: أنشدنى الشّيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام هذا البيت، وطلب من جماعة أن يكملوا عليه، والبيت الذى أنشده الشّيخ [هو] قوله:
لو كان فيهم من عراه غرام … ما عنّفونى فى هواه ولاموا
قال: فنظمت أنا:
لكنّهم جهلوا لذاذة حسنه … وعلمتها فلذا سهرت وناموا
لو يعلمون كما علمت حقيقة … جنحوا إلى ذاك الجناب وهاموا
стр. 459
أو لو بدت أنواره لعيونهم … خرّوا ولم تثبت لهم أقدام
ولحبّه عزّت مراتبى الّتى … ذلّت فعندى بالغرام غرام
فبقيت أنظره بكلّ مصوّر … وبكلّ ملفوظ له استعجام
وأراه فى صافى الجداول إن جرت … وأراه إن جاد الرّياض غمام
لم يثننى عمّن أحبّ ذوابل … سمر وأبيض صارم صمصام
مولاى عزّ الدّين عزّ بك العلا … فخرا فدون جداك منه الهام
لمّا رأينا منك علما لم يكن … فى الدّرس قلنا إنّه إلهام
جاوزت حدّ المدح حتّى لم تطق … نظما لفضلك فى الورى النّظّام
/ لولاك عزّ الدّين تنعش خاطرى … ما كان لى فى البلدتين مقام
فعليك يا عبد العزيز تحية … وعليك يا عبد السلام سلام
قال: وكان ذلك بمجلس الدّرس، فقال لى: أنت إذا فقيه وشاعر، فقلت: هذه الشهادة من مولانا أوفى جائزة.
ورأيت هذه القصيدة والحكاية بخطّ شيخنا تاج الدّين (١) الدّشناوىّ، فقال:
إنّه لم يعرف للشّيخ عزّ الدّين غير هذا البيت الأوّل.
ورأيت بخطّ [الشّيخ] شمس الدّين من نظمه قوله:
أصبح القلب سليما … فى هوى حسن سليمه
وغدا الحبّ مقيما … وسط قلبى وصميمه
يا ابنة العرب صلينى … أنت فى النّاس كريمه
لا جزى الله جميلا … كلّ من ينسى قديمه
стр. 460
ووقفت على سؤال له، سأل فيه الشّيخ أبا الحسن علىّ (١) بن وهب القشيرىّ أن يجيزه بالفتوى، فيه أدب جيّد، وأجاب الشّيخ سؤاله، ومدحه ووصفه بعلوم، وقال فى جملته: «فأجبته إلى ما التمس، وإن كان غنيّا بما حصّل واقتبس».
وقد تقدّم فى ترجمة الشّيخ.
وله وقد سأله الأديب الفاضل محمد ابن أبى بكر النّصيبينىّ عن حاله فأنشد [٥] ارتجالا:
إن كنت تسأل عن عرضى فلا دنس … أو كنت تسأل عن حالى فلا حال
قد ضيّع المجد مال ضيّعته يدى … ما أضيع المجد إن لم يحمه المال
توفّى سنة اثنين وتسعين وستّمائة، ومولده بأسوان سنة ثنتى عشرة وستّمائة، نقلته من خطّ أبيه (٢).
(٣٤١ - عمر بن عبد النّصير الزّاهد الحريرىّ القوصىّ (¬*))
عمر بن عبد النّصير بن محمد بن هاشم بن عزّ العرب، القرشىّ السّهمىّ القوصىّ، الإسكندرانىّ الأصل، يعرف بالزّاهد الحريرىّ، كان من أصحاب الشّيخ مجد الدّين علىّ ابن وهب [بن مطيع] وطلبته، وباشر مشارفة المدرسة النّجيبية (٣)، التى كان الشّيخ مجد الدّين مدرّسها وكان مؤدّبا بها (٤).