← Тараджим

Тараджим · id 1045

الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (789 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

باب الميم (٣٧٠ - مبادر بن نجيب الأسوانىّ) مبادر (١) بن نجيب بن مربح، بن حسين بن جعفر بن أبى الفرج، بن علىّ ابن أحمد بن علىّ، بن هارون بن يحيى بن عبد الباقى، الغسّانىّ الأسوانىّ، الفقيه الطبيب. / توفّى ببلده فى يوم الأحد حادى عشر شعبان سنة ستّ وسبعين (٢) وخمسمائة، ودفن بمقبرة الرّبط، قرأت نسبه ووفاته من لوح بالكوفىّ على قبره. (٣٧١ - مبارك بن نصر، الفقيه الشافعىّ القوصىّ (¬*)) مبارك بن نصر (٣) الفقيه الشافعىّ، المعيد (٤) بالمشهد الجيوشىّ، كان من الصالحين المتواضعين، يخدم الطلبة بنفسه، ويعالج المرضى ويعمل لهم «المصلوقة» من عنده، ويقوم بالوظائف من الإعادة والإمامة والأذان، ولمّا ورد بعض القضاة إلى قوص وسأله قال: من هو القيّم؟ فقال: المملوك، ثمّ قال: ومن المؤذّن؟ فقال: المملوك، ثمّ قال: ومن الإمام؟ فقال: المملوك، [ثمّ] قال: ومن المعيد؟ فقال: المملوك … توجّه إلى الحجاز، فأخبرنى الفقيه العالم الثّقة زين الدّين عبد الله القمولىّ أنّه قال:

стр. 492

ما أظنّ أنّى أعود من هذه السّفرة، فغرق فى البحر فى سنة إحدى وسبعمائة، وكان أبوه فقيها معيدا بالمشهد أيضا. (٣٧٢ - مجلّى بن خليفة الأسنائىّ) مجلّى بن خليفة الأسنائىّ، المقيم بزرنيخ من ضواحى أسنا، كان من المطوّعة الصّلحاء السّاقطى الدّعوى (١)، من أصحاب الشّيخ مسلّم، قال لى الشّيخ ضياء الدّين منتصر (٢) خطيب أدفو: كان عمّك تقىّ الدّين ما يثبت شيئا من هذه الأحوال التى فيها خرق عادة، فخرجنا مسافرين إلى أسنا، وقلنا نبيت عند الشّيخ مجلّى، فقال عمّك: إن كان مكاشفا يعمل لنا شيئا للأكل، فقلت أنا- وعمّك يسمع- يا شيخ مجلّى نحن الليلة أضيافك، وسرنا إلى بعد العصر، أو قال قريب العصر، فنزلنا عنده فوجدناه يشكو عينه، فخرج إلينا وعليها خرقة، وفرش لنا شيئا وأحضر طعاما فقلت: يا سيّدى ما هذا الطعام وعينك وجعة؟ فقال: أنتم ما سكتّم قلتم: «نحن أضيافك الليلة»، فتعجب عمّك من ذلك … ! وذكره لى صاحبنا الشّيخ جمال الدّين أحمد (٣) بن هبة الله، بن الشّيخ شرف الدّين بن المكين، رحمه الله تعالى وقال: ومع ما فيه من الصّلاح رأيته وقد أنكر بعض مواليه الولاء، فشدّ على أكتافه بردعة، ومشى به فى الطريق على عادة العرب فى ذلك. وتوفّى قريبا من سنة تسعين وستّمائة، وحكى لى الخطيب جمال الدّين الحسن

стр. 493

خطيب أدفو: أنّه جرحت يده فدخل عليه، فبصق عليها وعركها بإصبعه، فبرأ من ساعته … ! (٣٧٣ - محفوظ بن حسب الله الأدفوىّ) محفوظ بن حسب الله بن جعفر الأدفوىّ، قرأ القراءات والعربيّة على الشّيخ الفاضل العالم جمال الدّين محمد (١) الدّندرىّ، وكان وهو صغير كفّ بصره بسبب الجدرىّ، وكان جيّد الفهم ذكيّا، يمشى ويفعل أفعال البصراء. توفّى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. (٣٧٤ - محفوظ بن محمد القمولىّ) محفوظ بن محمد بن محفوظ القمولىّ، كان يحفظ كتاب الله تعالى، كثير التّلاوة [له]، سمع الحديث من أبى العبّاس أحمد (٢) بن محمد بن أحمد القرطبىّ، واشتغل بالفقه. وتوفّى ببلده فى حدود العشرين وسبعمائة. (٣٧٥ - محمد بن إبراهيم بن أحمد الأسوانىّ) محمد بن إبراهيم بن أحمد بن نصر أبو (٣) الحسن، القاضى الأسوانىّ، كان حاكما بأسوان، سمع من أبى الحسن علىّ بن الحسين بن عمر الفرّاء،/ وأبى عبد الله

стр. 494

محمد بن بركات السّعيدىّ، وسمع من أحمد (١) بن علىّ بن إبراهيم بن الزّبير شيئا من شعره. سمع منه أبو البركات محمد بن علىّ بن محمد الأنصارىّ الحاكم بأسوان، ذكره الحافظ المنذرىّ (٢)، والشّيخ عبد الكريم الحلبىّ (٣)، وكان خطيب بلده وحاكمها سنة ثلاث وستّين وخمسمائة، وقفت على مكاتبته، وكنيته «رضىّ الدّولة»، وكانت ولايته من جهة العاضد، ولّاه أسوان وأسنا وأرمنت، ووقفت على مكتوب ولايته فى ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. (٣٧٦ - محمد بن إبراهيم أبو الطيّب السّبتىّ القوصىّ (¬*)) محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبى بكر السّبتىّ، أبو الطيّب المالكىّ نزيل قوص، كان من العلماء العاملين الفقهاء، الفضلاء الأدباء، سمع الحديث (٤) على الفقيه الحافظ أبى يعقوب يوسف ابن أبى عمران موسى ابن أبى عيسى، وقرأ عليه جملة من «التهذيب» للبرادعىّ، وجملة من كتب مذهب مالك [بسبتة (٥)] وقرأ النّحو بها على الأستاذ عبيد (٦) الله بن أحمد بن عبيد (٧) الله بن محمد ابن أبى الرّبيع، قرأ عليه شرح «الإيضاح (٨)» وغيره، و «كتاب» سيبويه، رأيت بخطّ شيخه على «كتاب» سيبويه:

стр. 495

«قرأ علىّ الفقيه النّحوىّ الأديب الزكىّ المجيد أبو الطيّب محمد بن إبراهيم أكثر هذا الجزء بلفظه، وسمع سائره بقراءة غيره فى دول شتّى وأوقات مختلفة، قراءة تفهّم لمعانيه، وتيقّظ لألفاظه، ووقوف على اعتراضاته، والانفصال إليها بحسب ما وفّق الله إليه، فليروه عنّى وليروه من شاء، وليقره إن شاء، فهو أهل لذلك». مؤرخة بذى الحجّة سنة خمس وستّين (١) وستّمائة. وقدم قوص وسمع بها العلّامة الحافظ أبى الفتح القشيرىّ سنة ثلاث وسبعين [وستّمائة]. وكتب أبو الطيّب هذا بخطّه «كتاب» سيبويه، وشرح ابن أبى الرّبيع للايضاح (٢)، واختصره فى مجلّدة، وكتب [شرح] «المحصول (٣)» للقرافىّ وكتبا كثيرة، وكان عالما بالهندسة والهيئة وعلوم كثيرة، وأقام بقوص سنين كثيرة، ووقف كتبه بخزانة بالجامع، وكان متورّعا، واشتغل عليه بقوص طلبتها فى النّحو وغيره. توفّى بقوص سنة خمس وتسعين وستّمائة فى جمادى الآخرة، وبنى حوض سبيل، ظاهر قوص، ووقف عليه وقفا. وحكى لى صاحبنا العدل ناصر الدّين محمود ابن العماد محمد: أنّه كان يجتاز بالفقيه عثمان، باليوم الذى مولد فيه النبىّ ﷺ فيقول: يا فقيه هذا يوم سرور، اصرف الصّبيان، فيصرفنا.

стр. 496

/ وحكى لى شيخنا أثير الدّين أبو حيّان أنّه اجتمع به فى قوص وقال: «لو وجدت بالقاهرة رغيفين ما خرجت منها» … ! وهو الذى أدخل شرح ابن أبى الرّبيع ديار مصر [رحمه الله تعالى]. (٣٧٧ - محمد بن إبراهيم بن خالد الأسوانىّ (¬*)) محمد بن إبراهيم بن خالد الأسوانىّ، أبو بكر، حدّث عن يونس بن عبد الأعلى وغيره، ذكره ابن يونس وقال: كان مقبول القول عند القضاة. توفّى يوم الثّلاثاء سلخ شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة. (٣٧٨ - محمد بن إبراهيم بن حيدرة القفطىّ (¬**)) محمد بن إبراهيم بن حيدرة بن الحاجّ القفطىّ، أخو الفقيه شيث (١)، ذكره الصّاحب القفطىّ (٢) فى كتاب «إنباه (٣) الرّواة» وقال (٤): «الفقيه المقرى، ممّن سلمت له صناعة القراءات (٥) فى الرّوايات، ولم يزل مفيدا للنّاس فى مسجد له بقفط، بحارة تعرف بابن الحاجّ». (٣٧٩ - محمد بن إبراهيم القزوينىّ الأسنائىّ (¬***)) محمد بن إبراهيم القزوينىّ، ثمّ الأسنائىّ الدّار والوفاة، ينعت بالشّمس، قدم من

стр. 497

قزوين (١) صحبة رسول، وكان فقيها [كبيرا] حنفىّ المذهب، وتزوّج بأسنا وأقام بها حتّى مات، وله بها ذرّية. (٣٨٠ - محمد بن إبراهيم، ابن الفهّاد القوصىّ (¬*)) محمد بن إبراهيم بن علىّ القوصىّ، ينعت فتح الدّين، يعرف بابن الفهّاد، فقيه حسن مشكور السّيرة، قرأ على أبيه (٢)، والشّيخ نجم الدّين الأسفونىّ، كان يحضر معنا الدّرس بقوص، وتولّى الحكم بسمهود (٣)، ثمّ استوطن القاهرة، وجلس بحانوت الشّهود، عاقدا للأنكحة، وعرف بها، ومضى على جميل، وتوفّى بها فى سنة أربع (٤) وثلاثين وسبعمائة. (٣٨١ - محمد بن إبراهيم بن عبد المجيد القوصىّ) محمد بن إبراهيم بن عبد المجيد ابن أبى البركات أبو عبد الله ابن أبى إسحاق ابن أبى المجد، اللخمىّ القوصىّ الشافعىّ، ذكره الشّيخ عبد الكريم (٥) بن عبد النّور الحلبىّ فى تاريخه فقال: ربّى فى حجر الشّيخ أبى الحسن ابن الصبّاغ (٦)، قال: وهو آخر من بقى من أصحابه. قرأ بالإسكندرية على أبى القاسم الصّفراوىّ، وسمع الحديث من أبى إسحاق إبراهيم ابن علىّ المحلّىّ.

стр. 498

(٣٨٢ - محمد بن إبراهيم ابن أبى المنى القنائىّ (¬*)) محمد بن إبراهيم ابن أبى المنى، عرف بابن صالح، بن محمد الهذلىّ القنائىّ، ينعت بالصّدر، سمع من الحافظ أبى الفتح القشيرىّ، وكان حاكما بقنا من جهة قاضى مصر، وكان كثير الصّدقة، وكانت له معصرة، وكان يرسل غلمانه يجعلون فى دهليز كلّ بيت من بيوت الفقهاء (١) قادوس محلب، وطنّ قصب فى ليلة عيد الفطر (٢)، قيل لى: إنّهم قوّموا ركيبة البغلة والبدلة وما معها بألف دينار. وكان عزيز النّفس [قيل] لمّا وصل ابن يشكور إلى قنا، نزل عند أولاد القرطبىّ- وكانوا يعادونه- فطلبه وقال: تحمل السّاعة/ مائة ألف درهم فقال: نعم، فخرج وحملها، ثمّ كتب إلى «أيبك» الخازندار نائب السّلطنة، والصّاحب بهاء الدّين، فكتبا بالإنكار على ابن يشكور، ورسما أن يردّ إليه ما أخذه، فردّه إليه وقال: لم لا أعلمتنى بهذا الجاه؟ لو كنت أعلمتنى (٣) بهذا الجاه ما كنت أتعرّض لك، فقال: خشيت أن تهيننى فى منزل أعدائى، ثمّ أخذ المال وأرسله إلى النّائب والصّاحب. توفّى ببلده فجأة بعد خروجه من الحمّام، سنة اثنتين (٤) وسبعين وستّمائة، فيما أخبرنى به ابنه جمال الدّين إسماعيل. وتولّى الحكم ببلده مدّة، ثمّ عزل نفسه وقال: أنا لى «دواليب (٥)»، وهذا يشغلنى عنها.

стр. 499

(٣٨٣ - محمد بن إبراهيم بن محمد القرشىّ القوصىّ (¬*)) محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ بن رفاعة، القرشىّ [القوصىّ]، ينعت بالكمال، ويكنى أبا الفتوح، عالم موصوف بمعرفة فنون من الفقه والأصولين (١) والنّحو واللغة والتّفسير، تولّى الحكم بالأعمال القوصيّة سنين كثيرة. ومدحه الأديب الفاضل علىّ بن صادق بن علىّ، بن محمد بن محمد الخزرجىّ بمدائح، جمعها فى كتاب وقفّاها على حروف المعجم، وعمل فيها مقدّمة وصفه فيها فقال: «إنّ القاضى أبا الفتوح، أطال الله بقاءه إطالة، تمدح بأصناف البلاغات، وتمنح بألطاف الكرامات، ويرقى سعدها فى أعلى المنازل، ويبقى مجدها فى أمنع المعاقل، متحوفة بتحقيق الآمال، محفوفة بتوفيق الأقوال والأفعال: لها فى ذرى العزّ المقيم إقامة … وبين بيوت المكرمات مجال يباكرها فى كلّ يوم سعادة … ويأتى لها فيما تريد وصال «فهو المولى الذى ملأ الوجود نيله، واستولى أدوات الكمال فضله، وحلّقت مكارمه فى سماء المفاخر، وطرّرت مآثره أعلام الكرم السّائر، واستنفدت فضائله أواخر المحابر، وزانت أوصافه متون الدّفاتر، وروى محاسنه كلّ باد وحاضر، واقتفى ميامنه كلّ ناه وآمر: فأصبح (٢) للكرم المستفا … ض وقد كاد يذوى من الذّل ناصر فكم كسر الدّهر من همّة … فكان لها بأياديه جابر

стр. 500

وكم مسرف بإساآته … تغمّده من أياديه غافر وكم أظلم الدّهر فى نفسه … فكان بصنع معاليه سافر / وكم منع السحب أمطاره … فأضحى بنائله الغمر ماطر فلم ير إلّا أخا مدحة … له ولجدواه فى النّاس شاكر فما مثله فى النّهى أوّل … وما مثله فى الذى جاد آخر «وأما علمه الثّاقب، فهو العلم الذى جمع أقاصى المعارف وأدانيها، وضمّ أقطار الفرائد والفوائد ونواحيها، استوعب أصولى الفقه والدّين استيعابا أفحم به فرسان الجدل، واستولى من علم مسائل الخلاف على ما أربى على الأمل، وفرّع من علم الفروع ما أعجز تفريعه السّابقين، ونوّع من المسائل ما يهمّ تنويعه الباحثين: فكلّ فقيه يقتدى بعلومه … لديه مقيم لا يطيق خطابا إذا جال فى علم رأيت هزبره … وإن قال أعطى حكمة وصوابا «وأمّا أبوّته فهى الأبوّة التى شرف غرسها، وكرم جنسها، واتّسق أنسها، وظهر قدسها، وطلعت فى برج الكمال شمسها: أبوّة خير أحرزت كلّ ماجد … حوى قصبات السّبق فى كلّ مفخر رجال محاريب (١) وأبطال غارة … وسادة أحكام وفرسان منبر إذا أبدت الأيّام يوما جهامة … يقابلها من فضلهم كلّ مسفر «وأمّا مروءته فهى المروءة التى أصبحت مرآة يطالع فيها محاسن الأمور، وينال بهمّة صفائها جوهر الصّنع المحبور المأثور، ويجتلى بها صورة الكمال الباهر، ويتجلّى فيها حقائق الكرم الذى أعجز الأوّل والآخر: غدت كسراج يهتدى بضيائه … وقامت مقام الشّمس فى كلّ مشهد

стр. 501

يقصّر عن أوصافها كلّ مسهب … ويعجز عن تقريضها (١) كلّ منشد «اقتحم فى تحصيلها عظائم الأمور، وجاب فى إحرازها مجاهل السّهول والوعور، وتحمّل فى اقتنائها أثقال المغارم، وأيقظ عزمه للاستيلاء عليها، والزّمان [عن] معاضدته نائم»، وهو كتاب كبير فى مدحه. توفّى بعد الستّمائة (٢) بمدينة قوص. (٣٨٤ - محمد بن أحمد ابن القرطبىّ القنائىّ (¬*)) محمد بن أحمد، المنعوت كمال الدّين ابن ضياء الدّين ابن القرطبىّ، نشأ بقنا وتوفّى بها، وكان فاضلا، سمع الحديث من الشّيخ شرف الدّين (٣) محمد بن عبد الله ابن أبى الفضل المرسى، وحدّث، سمع منه شيخنا العلّامة أبو حيّان/ الأندلسىّ وغيره، وألّف تاريخا فى مجلّدات، وكانت له رياسة ووجاهة، وكان مبخّلا (٤)؛ حكى لنا شيخنا أثير الدّين أبو حيّان قال: وردت قنا وسمعت عليه من أوّل «مسلم»، وامتدحته بقصيدة منها: وبيننا نسبة ترعى وإن بعدت … لكوننا ننتمى فيها لأندلس فلم يكسر فى وجهى كسرة. وكانت له مع أولاد ابن أبى المنى وقائع، وتوفّى سنة ثلاث وتسعين وستّمائة، وقد تقدّم ذكر والده (٥) وابنه (٦).

стр. 502

(٣٨٥ - محمد بن أحمد، أبو رجاء الأسوانىّ (¬*)) محمد بن أحمد بن الرّبيع بن سليمان ابن أبى مريم، أبو رجاء الأسوانىّ، الفقيه العالم الأديب الشّاعر، ذكره ابن يونس وقال: كتب عن (١) علىّ بن عبد العزيز، وكان فقيها على مذهب الشافعىّ، أديبا فصيح اللسان، وله نظم، ومن نظمه قصيدة ذكر فيها أخبار العالم، وذكر فيها قصص الأنبياء نبيّا نبيّا، قال: وبلغنى أنّه سئل قبل موته: كم بلغت قصيدتك؟ قال: ثلاثين ومائة ألف بيت، وقد بقى علىّ فيها أشياء تحتاج إلى زيادة … ، ونظم فيها كتاب المزنىّ، وكتب الطبّ والفلسفة، قال: وكان فيه سكون ووقار. توفّى فى ذى الحجّة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. (٣٨٦ - محمد بن أحمد بن إبراهيم القنائىّ (¬**)) محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عرفات، القاضى شرف الدّين ابن أبى المنى القنائىّ، كان من الفقهاء الشافعيّة، وكان أديبا [كريما]، حسن الشّكل (٢) والصورة قرأ الفقه على الشّيخ جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ وأجازه بالفتوى، وتولّى الحكم بقنا والخطابة بها. وله خطب ونظم حسن، منه ما أنشدنيه عنه الفقيه العدل كمال الدّين عبد الرّحمن ابن محمد بن أحمد الدّشناوىّ، من قصيدة أوّلها (٣).

стр. 503

إذا عرّض الحادى بطيبة أو غنّى … أحنّ إلى الوادى وأصبو إلى المغنى أهيم فما أدرى أسجع حمائم … أم الغيد بالألحان شنّفن (١) لى أذنا على نائبات الدّهر أرجو محمدا … يسارى فى اليسرى ويمناى فى اليمنى مناى من الدّنيا زيارة أحمد … وقصدى فى الأخرى شفاعته الحسنى وكان سريع الكتابة، ثبت عند القاضى [بقنا] أنّه كتب بمدّة واحدة مائة وعشرين سطرا، فى البيت الأوّل من قصيدة الحصرىّ (٢). [يا ليل الصب متى غده] … أقيام الساعة موعده وبلغنى من جماعة أنّه انتهى فى الكتابة بمدّة واحدة إلى ثلاثمائة سطر أو ما/ يقرب (٣) منها. وكانت وفاته ببلده فى ليلة الاثنين سابع عشر جمادى الأولى سنة اثنين وتسعين وستّمائة، وقد بلغ تسعا وثلاثين سنة، فيما أخبرنى به أحد بنيه. وتوفى والده ليلة الأحد ثانى جمادى الآخرة سنة اثنين وتسعين وستّمائة. (٣٨٧ - محمد بن أحمد بن إسماعيل النقّادىّ) محمد بن أحمد بن إسماعيل بن رمضان النقّادىّ، ينعت بالتّقىّ، رفيقنا فى الاشتغال، حفظ «المنهاج (٤)» للنّووىّ، واشتغل به على الشّيخ نجم الدّين الأسفونىّ مدّة [بقوص]، ثمّ أخذه الشّيخ عنده بنقّادة يشتغل عليه.

стр. 504

وكان فيه مكارم وعفّة وسكون، وتوفّى ببلده فى سنة ثمان عشرة أو سبع عشرة وسبعمائة. (٣٨٨ - محمد بن أحمد بن صالح الفيّومىّ القوصىّ (¬*)) محمد بن أحمد بن صالح بن صارم بن مخلوف الخزرجىّ، القوصىّ محتدا، الفيّومىّ مولدا، المنعوت بالتّقىّ، قرأ القراءات على عبد المنعم الفيّومىّ، وسمع الحديث من أبى عبد الله محمد بن إبراهيم ابن خلكان، المنعوت بالزّين، المدرّس- كان- بالفيّوم، ومن الرّضىّ [بن] راضى، وأبى عبد الله محمد بن توران شاه بن أحمد بن محمود، وسمع «المقامات» (١) و «الدّريديّة (٢)» من «الهزيع»، وذكر لى ابنه نور الدّين أنّه قرأ الفقه على مدرّس الفيّوم ابن واصل، وتفقّه عليه فى مذهب الشافعىّ، وأنّه تولّى الحكم ببعض نواحى الفيّوم، وأنّه حلّ «أوقليدس (٣)» على الزّين المعرّى، وأنّه توفّى بالفيّوم فى شوّال سنة إحدى عشرة وسبعمائة.

стр. 505

(٣٨٩ - محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن الكندىّ الدّشناوىّ (¬*)) محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن بن محمد الكندىّ، شيخنا تاج الدّين ابن الشّيخ جلال الدّين، الدّشناوىّ محتدا، القوصىّ مولدا ودارا ووفاة، نخبة الدّهر، ونزهة العصر، فقيه عالم فاضل، مقرى محدّث، أديب شاعر، كريم الأخلاق، طيّب الأصول والأعراق، ألطف من النّسيم، وأحسن محاسنا من الوجه الوسيم، ظريف لطيف خفيف، لا تملّ عشرته، ولا تترك صحبته، قوىّ الجنان، فصيح اللسان، حسن الإيراد، يعلق بالفؤاد، له صيت بإقليمه ليس له فيه من يدانى، وصوت يغنى عن المثالث والمثانى، ومقالات جمعت بين فصاحة الألفاظ وبلاغة المعانى، ونظم أحسن من عقد جوهر حليت به النّحور، ونثر أبهج من درّ فصّل بشذور، مع رياسة وجلالة وثقة وعدالة، وسؤدد وأصالة، تتجمّل به المجالس والدّروس، وتحيا به المعالم بعد الدّروس، وتتزيّن بذكره الدّفاتر وتتحلّى به الطّروس، وتنشرح برؤيته الصّدور وتسرّ بمفاكهته النّفوس. قرأ القراءات على الشّيخ نجم الدّين عبد السلام (١) بن حفاظ، وسمع الحديث على جماعة من الحفّاظ، منهم العلّامة عبد/ العظيم (٢) المنذرىّ، وكنّاه أبا الفتح، وسمع على الحافظ أبى الفتح محمد (٣) بن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ، والشّيخ الإمام مجد الدّين علىّ (٤) القشيرىّ، الشّهير بابن دقيق العيد، والشّيخ أبى عبد الله ابن النّعمان وجماعة كثيرة.

стр. 506

وحدّث بقوص ومصر (١) والقاهرة والإسكندرية، وسمع منه جماعة كثيرة، منهم الشّيخ عبد الكريم (٢) بن عبد النّور، والشّيخ أبو الفتح محمد بن سيّد النّاس، والشّيخ فخر الدّين عثمان النّويرىّ المالكىّ، وسراج الدّين عبد اللطيف ابن الكويك، والمعين الأسفونىّ (٣)، وخلائق. سمعت منه [الحديث] المسلسل بالأوّلية (٤)، والجزء الذى فيه موافقة السّنن العوالى، للحافظ عبد العظيم [المنذرىّ] وغير ذلك. وأخذ الفقه عن الشّيخ مجد الدّين القشيرىّ، وعن والده الشّيخ جلال الدّين الدّشناوىّ والشّيخ بهاء (٥) الدّين هبة الله القفطىّ ودرّس بالمدرسة الفاضليّة (٦) [بالقاهرة] نيابة عن الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، ودرّس بالمدرسة العزّية التى بظاهر مدينة قوص، والمدرسة النّجمية والمدرسة السّراجية، وأفتى وحدّث وأفاد وأجاد، فيما أبدى من المباحث وأعاد. حدّثنا شيخنا تاج الدّين محمد بن أحمد المذكور، حدّثنا الشّيخ الإمام الحافظ ندرة الوقت أبو محمد عبد العظيم المنذرىّ، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد العراقىّ- بقراءتى عليه بدمشق- وفاطمة بنت أبى الحسن- واللفظ لها- حدّثنا أبو القاسم

стр. 507

هبة الله بن أحمد بن عمر الحريرىّ (١)، قراءة عليه ونحن نسمع قال أبو حفص: فى شعبان سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وقالت فاطمة: غير مرّة أخراهنّ فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الفقيه، حدّثنا أبو عبد الله- يعنى إبراهيم بن جعفر- حدّثنا جعفر- يعنى ابن محمد بن الحسن- حدّثنا محمود ابن غيلان، حدّثنا النّضر بن إسماعيل، حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة عن أبى هريرة [رضى الله عنهما] قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه التّرمذىّ فى جامعه عن محمود بن غيلان وقال (٢): حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة. وأجاز لى ﵀، وسمعت منه كثيرا من شعره، وحضرت درسه، أنشدنى ﵀ [تعالى] قصيدته التى على حروف/ المعجم وأوّلها (٣): أبيت سوى مدح خير الورى … فأصبح نظمى وثيق العرا بروحى صفات تحلّى القريض … وتسبكه ذهبا أحمرا تعين القريحة أنّى ونت … وتبرز ألفاظها جوهرا ثراء الفقير امتداح البشير … فمهما اطّرا (٤) المدح فيه طرا

стр. 508

جمعت السّرور لسرّى به … فأضحى به العيش لى أخضرا حدوت به العيس نحو الحمى … فقصّرت بالمدح طول السّرى خليلى مناى وقوفى به … ترى أبلغ القصد منه ترى دعانى هواه فلبّيته … فها أنا أجذب جذب البرى (١) ذعرت بما قد مضى من جوى … وقد رجعت حالتى القهقرى رعى الله من غاب عن ناظرى … وما زال قلبى له مبصرا زهدت سوى فى اشتغالى به … على أنّه باشتغالى درى سل الليل هل غفلت مقلتى … يحدّثك صدقا بما قد جرى شغلت بوجدى عن العالمين … فلست سوى فى الهوى مفكرا صف الحال عنهم نسيم الصّبا … لأهل قبا وانثنى مخبرا ضمنت لك الفوز إن جئتهم … وبلّغت عنى الشّذا الأعطرا (٢) طردت همومى بمدح الذى … بدا وجهه بالهدى مسفرا ظفرت بمدحى هذا الرسول … ونلت به حظّى الأوفرا علىّ الجناب فصيح الخطاب … فسيح الرّحاب عظيم القرا غياث الوجود وكهف الوفود … أفاضت لنا كفّه أبحرا فحدّث وأطنب وقل ما تريد … فقد وسع الصّدر جوف الفرا قل الحقّ هل رأت العين فى … جميع الورى مثله أو ترى كتبت بدمعى على وجنتى … من الشّوق للمصطفى أسطرا

стр. 509

لئن جمع الله شملى به … سجدت لمن باللّقا قدّرا مرادى زيارته يقظة … فإن لم يكن فبطيف الكرى / نقمت على عزمة عاقها … إلى الهاشمىّ صعاب الذّرا هو المصطفى المجتبى المرتضى … يقينا وحقّا بغير امترا وصلت الثّريا بمدحى له … ومن قبل كنت لقى فى الثّرى لأوصافه أرج طيّب … يفوق النّسيم إذا ما سرى ينال الرّضا من يصلّى عليه … ويشرب إن كثّر الكوثرا عليه صلاة شذا عطرها … إذا ذكرت تفضح العنبرا وأنشدنى ابنه كمال الدّين عبد الرّحمن عنه هذه القصيدة، وأظنّ أنّى سمعتها منه: أبدا (١) تحنّ لقربك الأظعان … وتهيم إن ذكر الحمى والبان ويحثّها وجد بها لمنازل … قد حلّ فيها الأمن والإيمان يا سعد عرّج بالمطىّ لروضها … فبعرفه قد أرشد الظّعان وارفق بها فلقد غنيت بشوقها … عن سوقها لمّا بدت نعمان (٢) أو ما علمت بأنّ أحمد قصدها … من سيرها لا الروض والغدران يا زائرى قبر النبىّ محمد … بشراكم فقراكم الغفران هنّوا نواظركم بزورة قبره … ها أنتم لمحمد جيران طبتم وحقّ جماله بجواره … عيشا وزالت عنكم الأحزان يا محصرا عن سيره لجنابه … أين النّواح ودمعك الهتّان أمسيت مثلى عاصيا ومخلّطا … لا نستقيل وعاقنا العصيان

стр. 510

يا سيّد الأبرار أنت شفيعنا … وإليك يأوى الموجع الحيران دارك ببرّ منك من لا يرتجى … بشرا سواك إذا جفا الخلّان يا خاتم الرّسل الكرام وصاحب ال … آى العظام ومن له البرهان نلنا بمولدك الكريم كرامة … منها غدا الشّيطان وهو مهان وتزلزلت أركان كسرى كلّها … بوجوده وتفطّر الإيوان وأضاء بالشّام القصور وأخمدت … بعد الوقود لفارس النّيران ولطالما التهبت ولم يخمد لها … لهب خبا ومضت لها أزمان وتداعت الأصنام طرّا نكسا … بعد السموّ وخرّت الأوثان / والجنّ قد رجمت بشهب عند ما … استرقت لها نحو السّما آذان وبه البشائر قد توالت جمّة … وافت بها الأحبار والرهبان وبدا الهدى بوجوده لمّا بدا … والرّشد دان والضلال مبان يا خير من وطئ الثّرى وأجلّ من … فاضت له بالمكرمات بنان يا من سما قدرا على ملأ السما … يا من عليه نزّل القرآن أنت الوفىّ أمانة أنت التق … ىّ سلالة ولك العلا والشان ونعم لك الوجه البهىّ وكفّك الرّ … حب النّدىّ وخلقك القرآن حزت الجمال مع الجميل كلاهما … فإليك يعزى الحسن والإحسان فبمن عليك صلاته وسلامه … ولديك منه الرّوح والرّيحان لا تنسنا من فضل جاهك عند ما … تطوى السّماء وينشر الدّيوان صلّى عليك الله ما هطل الحيا (١) … وسرى النّسيم ومالت الأغصان وعلى صحابتك الذين أتاهم … من ذى الجلال النّصر والرّضوان

стр. 511

وأنشدنى أيضا لنفسه (١): قد كان حالى بكم حاليا … لكنّها العين أصابت فحال فلذّة العيش وقد بنتم … عن نظر المشتاق عين المحال والسّقم لا يبرح عن جسمه … كأنّه خصم بدين محال يا سادة ذبت عليهم أسى … لمّا حدا حاديهم بالرّحال وأوجبوا حزنى كما حرّموا … علىّ نومى والتّسلّى محال جودوا على صبّ معنّى بكم … باق على عهدكم ما استحال أضحى قوىّ العزم فى حبكم … لكن على الهجر ضعيف المحال وحاله أضحى يسرّ العدا … فالحمد لله على كلّ حال وأنشدنى (٢) أيضا ﵀ [تعالى]، قال: أنشدنى الشّيخ شمس الدّين التّونسىّ [لنفسه]: اصبر على حادثة أقبلت … فهى سواء والتى ولّت وأرهف العزم فليس الظّبا … تبرى وتفرى (٣) كالتى كلّت قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها الشّيخ تقىّ الدّين بن دقيق العيد،/ فاستحسنها، وهى (٤): ليت يدا صدّت حبيبا أتى … للوصل يشفى غلّتى غلّت قضيت قدما معه عيشة … يا ليت فيها مدّتى مدّت لو لم أرض نفسى بصبر غدا … ساعة صدّ جنّتى جنّت

стр. 512

وأنشدنى أيضا لنفسه (١): الشّين فى الشّيخ من شرب غدا كدرا … فلم تعفه نفوس الغانيات سدى والياء من يأس أن يصبو (٢) إليه وقد … بدت لها لحمة من شيبه وسدى والخاء من خوف أن يقضى (٣) له فترى … ما ابيضّ من شعره فى جيدها مسدا وممّا نظمته أنا فى ذلك [أقول (٤)]: الشّين فى الشّيخ من شين ألمّ به … والياء يأس من اللذات والهمم والخاء من خامر الجسم الصحيح أذى … يفصى (٥) قواه ويدنيه من العدم ورأيت (٦) بخطّه لنفسه هذين البيتين: ولولا رجائى (٧) أنّ شملى بعد ما … تشتّت بالبين المشتّ سيجمع لما بقيت منى بقايا حشاشة … تحال على طيف الخيال فتقنع ورأيت بخطّه (٨) أيضا لنفسه: عجزت عن قصّة الطبيب وعن … قصّة (٩) أخذ الشّراب إن وصفه والحال أبدت لمن تميّزها … تعجّبا ساء مصدرا وصفه ولمّا تزوّج زين الدّين محمد بن كمال الدّين محمد (١٠) بن الشّيخ تقىّ الدّين محمد (١١)

стр. 513

القشيرىّ بنت شرف الدّين ابن الأصيل الكارمىّ، كتب شيخنا تاج الدّين الصّداق، وأطنب فى المدح والوصف، ولمّا قرئ قال ابن الأصيل: «هذا فشار»، فبلغ ذلك شيخنا تاج، الدّين فنظم: جلبت أذى بتصنيفى صداقا … إلى نفسى فليس لى اعتذار ونادمت الأسى ندما على ما … نظمت فمغنمى فيه خسار وخلت ابن الأصيل به يكافى … ولكن بالذى منه الحذار وزيّن بنته منه شذور … بأحسن ما يزيّنها السّوار / وطاف عليه من نفسى بخور … فظنّ بأنّه منّى بخار عقدت سكنجبيل علا ومجد … فما استحلى مذاقته الحمار وعطّرت المجالس من ثنائى … فقال بجهله هذا فشار فبلغ ذلك شرف الدّين أبا بكر النّصيبينىّ (١) الأديب، فكتب إليه (٢): أسأت إلى الحمار بغير ذنب … لعمرى أين حلمك والوقار تشبهه بأغلظ منه طبعا … وعيشك ما بذا يرضى الحمار نسبت إليه معنى ليس فيه … وغاظك قوله هذا فشار وكان لشيخنا تاج الدّين يد جيّدة فى نظم الألغاز والأحاجى وحلّها، وورد إلى قوص شابّ ينعت بعلاء الدّين الدّمشقىّ، وكان فيه فضيلة وله ذهن جيّد، فأنشدنى الفقيه العدل كمال الدّين هذا اللغز، الذى كتبه للدّمشقىّ فى نملة، وهو قوله: يا من إذا قاصد أمّ له … تمّ له منه الذى أمّله ومن حوى الفضلين فضل النّدى … وفضل علم للهدى حصّله

стр. 514

ما اسم رشيق القدّ حلو الجنى … ذى فطنة ممزوجة بالبله ألمى دقيق الخصر قد زانه … ردف له يهتزّ ما أثقله إذا انتمى يعزى لواد غدا … وارده مستعذبا منهله حلّ به أسنى ملوك الورى … ومن غدا بالفضل والمعدله إن قلت صف لى حسنه واقتصد … [قلت مجيبا لك ما أجمله] [أو قلت صف لى ملكه واقتصر … قلت أجل جلّ الذى بجّله] أو قلت هل منّ لمسترفد … قلت وللمسكين والأرمله تصحيف ما ألغزته مودع … فى النّظم فافتح بالذّكا مقفله وعكسه أيضا بلغت المنى … مستودع فيه فما المسأله (١) وفضائله ﵀ [تعالى] كثيرة، ومآثره شهيرة، وكان ﵀ [تعالى] قد ضعف مدّة، ثمّ استقلّ ومشى بعكّازة يتكئ عليها، فوجدته فى الطريق فقلت له: ما أحسن قول ابن الأثير فى العصا: «وهذه العصا التى هى لمبتدا ضعفى خبر، ولقوس ظهرى وتر، وإذا كان وضعها دليلا على الإقامة كان حملها دليلا على/ السّفر»، فسكت لحظة مفكرا، ففطنت لفكرته وشرعت أغالطه فمشى، ثمّ بعد ذلك بأيّام لطيفة توفى. ولد شيخنا تاج الدّين فى رجب سنة ستّ وأربعين وستّمائة، وتوفّى ليلة الجمعة ثالث شوّال سنة اثنين وعشرين وسبعمائة. (٣٩٠ - محمد بن أحمد ابن الكمال القوصىّ) محمد بن أحمد بن عبد القوىّ، التقىّ ابن الكمال (٢) ابن البرهان القوصىّ، سمع

стр. 515

الحديث من العزّ الحرّانىّ، ومن ابن المليجىّ، ومن ابن الحامض وجماعة. ومولده بقوص سنة إحدى وستّين وستّمائة فى جمادى الآخرة، وتوفّى ببلده بعد العشرة وسبعمائة، وأظنّه فى سنة إحدى عشرة. (٣٩١ - محمد بن أحمد القشيرىّ) محمد بن أحمد بن علىّ، صدر الدّين ابن الشّيخ تاج الدّين القشيرىّ، سمع الحديث من الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ وغيره، وتفقّه وأجازه الشّيخ بهاء الدّين بالتّدريس، ودرّس عن أبيه بالمدرسة النّجيبية (١) بقوص، وكان عاملا متديّنا، واتّفق أنّه رأى فى منامه أنّه تصارع هو والشريف فتح الدّين، فصرع الشريف فتح الدّين، ثمّ قام الشريف فصرعه، ثمّ مات هو بعده بأيام قلائل فى سنة ثمان وسبعمائة. (٣٩٢ - محمد بن أحمد بن يوسف العطّار (¬*)) محمد بن أحمد بن يوسف، ينعت بالنّجم ويعرف بالعطّار، سمع الحديث من عبد الوهاب بن عساكر، والشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ وجماعة، وكان من الفقهاء الشافعيّة الأخيار، القضاة الحكّام، تولّى «هو» وفرجوط وسمهود (٢) وغير ذلك. وكان حسن السّيرة، مرضىّ الطريقة. توفّى سنة سبع وثمانين وستّمائة.

стр. 516

(٣٩٣ - محمد بن أحمد بن هبة الله بن قدس القوصىّ الأرمنتىّ (¬*)) محمد بن أحمد بن هبة الله بن قدس، القوصىّ المولد، الأرمنتىّ المحتد، ينعت بالتّاج، كان مقرئا فاضلا، وله نظم جيّد، وكان إماما بالمدرسة الظّاهرية (١) بالقاهرة. وتوفّى بالقاهرة فى حدود السّبعمائة. أنشدنى الفقيه الفاضل نور الدّين أبو الحسن علىّ بن يحيى المناوىّ، أنشدنا محمد ابن أحمد بن قدس لنفسه قوله: قد قلت إذ لجّ فى معاتبتى (٢) … وظنّ أنّ الملال من قبلى خدّك ذا الأشعرىّ حنّفنى … وكان من أحمد المذاهب لى حسنك ما زال شافعى أبدا … يا مالكى كيف صرت معتزلى؟!

стр. 517

وأنشدنا أقضى القضاة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة الشافعىّ، أنشدنا ابن قدس لنفسه: احفظ لسانك لا أقول فإن (١) أقل … ففضيحة تخفى على الجلّاس / وأعيذ نفسى من هجائك فالذى … يهجا يكون معظّما فى النّاس (٣٩٤ - محمد بن إدريس بن محمد القمولىّ (¬*)) محمد بن إدريس بن محمد القمولىّ، المنعوت بالنّجم، كان من الفقهاء الصّالحين، ما رأيت خيرا (٢) منه فى ظنّى (٣)، نبل فى الفقه حتّى كان يكاد يستحضر «الرّوضة (٤)»، وينقل من شرح مسلم للنّووىّ كثيرا، ويكاد يستحضر «الوجيز (٥)» للواحدىّ فى التّفسير، وتنبّه فى العربيّة والأصول والفرائض، والجبر والمقابلة، وكان لا يستغيب أحدا، ولا يستغاب بحضرته، قائما بالأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، مضبوط اللسان، ثقة صدوقا، خيّر الطّباع، محسنا بما تصل قدرته إليه، ملازما للعبادة والاشتغال بالعلوم، فهما جيّد الإدراك، قانعا باليسير، متقللا من الدّنيا، قليل المكافئ والنّظير، وأظنّه لو عاش ملأ الأرض علما.

стр. 518

حجّ وزار وعاد، فتوفّى فى قوص فى حادى عشر جمادى الأولى من سنة تسع (١) وسبعمائة. (٣٩٥ - محمد بن إسماعيل بن محمد القفطىّ (¬*)) محمد بن إسماعيل بن محمد بن نزار، أبو عبد الله القفطىّ، ذكره الشّيخ عبد الكريم (٢) الحلبىّ فى تاريخ مصر وقال: سمع أبا الحسن علىّ (٣) بن هبة الله ابن سلامة ابن بنت الجمّيزى بمدينة قوص، وسمع غيره، وحدّث بمصر، وقال: شيخ ثقة صحيح السّماع. وقد ذكر الشّيخ الحافظ أبو الفتح (٤) القشيرىّ «محمّد بن إسماعيل ابن أبى بكر القفطىّ» في جملة من سمع على ابن بنت الجمّيزى فى سنة خمس وأربعين وستّمائة، [ولعلّه هذا]. (٣٩٦ - محمد بن إسماعيل فتح الدّين السّفطىّ القوصىّ) محمد بن إسماعيل بن موسى بن عبد الخالق، السّفطىّ المحتد، المصرىّ المولد، القوصىّ الدّار والمنشأ والوفاة، فتح الدّين ابن القاضى زين الدّين السّفطىّ، كان شابّا صالحا، عفيفا ديّنا، سمع الحديث من شيخنا محيى الدّين أحمد (٥) بن محمد بن أحمد القرطبىّ، ومن أبى الرّبيع سليمان البوتيجىّ، ومن غيرهما، وجلس بحانوت الشّهود بمدينة قوص، وكان ثقة صدوقا.

стр. 519

جلس مرّة [مع] جماعة، يلعبون لعبة، ويكتبون ورقا، فى بعضها صورة شخص صاحب متاع، وفى أخرى صورة لصّ، فإذا حصلت الورقة التى فيها صاحب المتاع يقول: يا جماعة ضاع لى كذا وكذا، وأريد شخصا أو شخصين- على قدر ما يخطر له- يحضر لى اللص، وثمّ أوراق أخر فيها نقطة ونقطتان فأكثر على عدد الجماعة، فوقعت الرّقعة التى فيها صاحب المتاع له، فصار ساكتا، ونحن نقول له: ما تتكلّم، فيقول: حتّى أبصر شيئا ضاع لى فاقوله، وإلّا يبقى كذبا … ! وصرنا/ نقول: هذا لعب لا حقيقة له، وهو يفكّر … ! وحكى لى والده قال: أحضر لى نصف درهم وقال: هذا وجدته، وما علمت هل هو من دراهمى أو من دراهمك؟ خذه، وكان متحرّزا. خرج هو وإخوته إلى البحر، فنزلوا يسبحون فيه، فقوى عليه التيّار فغرق، وتوفّى ﵀ [تعالى]، وكان ذلك فى سنة سبع عشرة وسبعمائة. ورثاه الأديب الفاضل سديد الدّين محمد (١) بن فضل الله بمرثية جيّدة، أوّلها: أخلاص من قبضة الموت كلّا … فدع الفكر إنّه اليوم كلّا [منها]: فبدون الغايات لم يك يرضى … فلذا ما ارتضى سوى النّيل غسلا وتوفّى وسنّة اثنان وعشرون سنة. (٣٩٧ - محمد بن إسماعيل قطب الدّين السّفطىّ القوصىّ) محمد، أخوه، المنعوت قطب الدّين، سمع الحديث من شيخنا محيى (٢) الدّين المذكور، ومن أبى الرّبيع سليمان المذكور، ومن غيرهما، واشتغل بالفقه، وحفظ

стр. 520

«المنهاج (١)» للشّيخ أبى زكريا محيى الدّين يحيى النّووىّ، و «مقدّمة» ابن الحاجب (٢) فى النّحو، وكتب الخطّ الحسن، وتولّى الحكم بدمامين ثمّ بنقّادة، وكان حسن الشّكل كريما قليل الكلام. وتوفّى شابّا فى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بمدينة قوص، ومولده بقوص فى حدود السّبعمائة ظنّا. (٣٩٨ - محمد بن إسماعيل بن عيسى القفطىّ) محمد بن إسماعيل بن عيسى ابن أبى النّضر القفطىّ، ينعت بالتّقىّ، ويعرف بابن دينار، سمع الحديث من الحافظ المنذرىّ (٣)، والحافظ أبى الفتح القشيرىّ وغيرهما، واشتغل بالفقه على مذهب الشافعىّ، وناب فى الحكم بعيذاب، وتوفّى بها سنة إحدى (٤) وسبعمائة. (٣٩٩ - محمد بن إسماعيل بن رمضان النّقادىّ) محمد بن إسماعيل بن رمضان النّقّادىّ، الفقيه الشافعىّ، الخطيب بها، اشتغل بقوص وبمصر على الشّيخ نجم الدّين أحمد ابن الرّفعة، ونازعه بعض الحكام بنقّادة فى الخطابة، فخرج ولم يعرف له خبر.

стр. 521

(٤٠٠ - محمد بن بشائر القوصىّ الإخميمىّ (¬*)) محمد بن بشائر القوصىّ، ثمّ الإخميمىّ، اشتغل بالحديث وصنّف فيه، وبنى مكانا للحديث ووقف عليه وقفا، وكان فاضلا أديبا شاعرا، وباشر شاهدا عند بعض الأمراء، ولمّا تغلّب الشّريف ابن ثعلب (١) على الصّعيد الأعلى، ولّاه الوزارة عنه، فلمّا طلع الفارس «أقطاى (٢)» وهرب الشّريف، مسك ابن بشائر ورسم بشنقه، فدخلت أمّه على الوزير، فقال لهم: نحن نطلب منه أموالا ومتى شنق ضاعت، فأخّر وتناساه فسلم. أنشدنى الأديب العدل أبو عبد الله محمد بن عمر المعروف بابن الأحدب، أنشدنى الكمال ابن بشائر لنفسه: / حدّث فقد طاب ما تملى من السير … عنهم وقد صحّ ما تروى من الخبر وانظم يلح كلّ عقد مثمن بهج … وانثر يفح كلّ زهر طيّب عطر عن جيرة نزلوا بطحاء كاظمة … حسّا ومعنى سواد القلب والنّظر بوأتهم مهجتى دارا لحبّهم … فغير ذكرهم فى النّفس لم يدر وهى طويلة، وقد ذكرته فى «أنس المسافر»، وذكرت شيئا من نظمه. توفّى بالقاهرة سنة اثنتين وتسعين وستّمائة ظنّا.

стр. 522

(٤٠١ - محمد بن جعفر، ابن حجّون القنائىّ (¬*)) محمد بن جعفر بن محمد، بن عبد الرّحيم بن حجّون القنائىّ، الشّيخ الشريف تقىّ الدّين ابن الشّيخ ضياء (١) الدّين، كان فقيها شاعرا، كريما صالحا، سمع الحديث من أبى محمد عبد الغنىّ بن سليمان، وأبى إسحاق إبراهيم بن عمر بن نصر بن فارس. وحدّث بالقاهرة، سمع منه الشّيخ عبد الكريم (٢) بن عبد النّور وجماعة كثيرة، ودرّس بالمدرسة المسروريّة (٣)، وتولّى (٤) مشيخة خانقاه (٥) أرسلان الدّوادار، وانقطع بها، وتزوّج بعلما أخت الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، ورزق منها ابنين فقيهين، وكان لطيفا خفيف الرّوح، وله شعر: أنشدنى له بعض أصحابنا بقوص ممّا نظمه سنة اثنتين وسبعمائة، عند ما حصلت الزّلزلة، وأنشدنا قاضى القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن جماعة، أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه:

стр. 523

مجاز حقيقتها فاعبروا … ولا تعمروا هوّنوها تهن وما حسن بيت له زخرف … تراه إذا زلزلت لم يكن وأنشدنا العدل كمال الدّين عبد الرّحمن بن محمد الدّشناوىّ، أنشدنا الشّريف [لنفسه] هذا الدّوبيت: من بعد فراقكم جرت لى أشيا … لا يمكن شرحها ليوم اللّقيا كم قلت لقلبى بدلا قال بمن … والله ولا بكلّ من فى الدّنيا ولد بقوص ظنّا سنة خمس وأربعين وستّمائة، وتوفّى بظاهر القاهرة ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين (١) وسبعمائة. (٤٠٢ - محمد بن جعفر بن علىّ الأرمنتىّ (¬*)) محمد بن جعفر بن علىّ الجمحىّ، النّبيه الأرمنتىّ، كان فقيها شافعيّا، وناب فى الحكم بأرمنت عن قاضيها، وتوفّى بها سنة خمس عشرة وسبعمائة، ومولده سنة/ ثلاثين وستّمائة، وكان موفّقا، وتولّى الخطابة بالدّمقرات (٢)، وفيه معرفة، رأبته مرّات. (٤٠٣ - محمد بن جميع الأسوانىّ) محمد بن جميع الأسوانىّ، حدّث بأسوان عن أبى عمران محمد بن موسى، روى عنه العقيلىّ (٣).

стр. 524

(٤٠٤ - محمد بن مكىّ بن ياسين القمولىّ (¬*)) محمد بن مكّى بن ياسين، ينعت بالصّدر، الفقيه الشافعىّ القمرلىّ، والد القاضى نجم الدّين (١)، سمع الحديث من الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، وكان من الفقهاء المتعبدين المتورّعين، اشتغل هو وأخوه «القطب» بمدينة قوص، على الشّيخ الإمام أبى الحسن علىّ بن وهب القشيرىّ، وكان والدهما [قد] جعل عليهما وصيّا خالهما، فحكى لى بعض بنيهما أنهما أثبتا رشدهما، فأخذهما خالهما ودخل إلى منزله، وأخرج بنتيه وقال: خذاهما فإنّ مالكما أطعمته لهاتين، فسكتا زمانا، وأشهدا على أنفسهما أنّه لم يتأخر لهما عند خالهما الوصىّ شئ، وتوجّها إلى قوص، فطالبهما الطلبة بالشّكران، فخرجا إلى البحر مفكّرين فوجدا مركبا [ف] انحدرا فيها، ووصلا إلى القاهرة، وأقاما بالمدرسة الصالحيّة (٢) مدّة يشتغلان على الشّيخ الإمام أبى عبد الله ابن عبد السلام، وحضرا عند قاضى القضاة إذ ذاك وأعجباه، وقصد أن يقتطع لهما الوجه الغربى من عمل قوص، فذكرا ذلك للشيخ عزّ الدّين فقال: أتختاران أن تنتقلا فى البلاد أو تقيما ببلادكما؟ فقالا: نقيم ببلادنا، فقال: تولّيا من جهة قاضى قوص تدوم لكما الحال، فأخذا مرسوم قاضى القضاة بذلك، وتولّيا الكورة، وصار كلّ منهما ينوب عن أخيه فى ولايته، ومضيا على جميل، محمودى السيرة، رضيّى الطريقة. وتوفّى صدر الدّين هذا فى سنة ستّين أو إحدى وستّين وستّمائة. (٤٠٥ - محمد بن الحسن بن عبد الرّحيم القنائىّ (¬**)) محمد بن الحسن بن عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون، الشّيخ العالم العامل، السيّد

стр. 525

الشّريف محمد ابن سيّدى الشّيخ الحسن (١)، ابن سيّدى الشّيخ عبد الرّحيم (٢) القنائىّ، جمع بين العلم والعبادة، والورع والزّهادة، وحسن ألفاظ تفعل فى العقول ما لا تفعله العقار، مع سكون ووقار. سمع الحديث من العلّامة المفتى أبى الحسن علىّ بن هبة الله بن سلامة، والحافظ عبد العظيم المنذرىّ، وشيخ الإسلام، أبى محمد ابن عبد السلام بقراءته عليهم. وكان فقيها مالكيّا ويقرئ مذهب الشافعىّ، نحويّا فرضيّا حاسبا، محمود الطّرائق انتفع بعلومه وبركته/ طوائف من الخلائق، تنقل عنه كرامات، وتؤثر عنه مكاشفات، وكان ساقط الدّعوى، كثير الخلوة والانعزال عن الخلق، صائم الدّهر قائم الليل. حكى لى الشّيخ الصالح العدل الثّقة كمال الدّين الدّروىّ قال: كنت بمدرسة ابن الأسفونىّ بقوص أشتغل بها، وكان عندى كتاب كتبته بخطّى، فيه شرح الأسماء الحسنى وغيره، فثقل علىّ شخص وأخذه منّى، وأحضر لى ثلاثين درهما وأكثر، فجعلتها فى مكان مدّة، وكنت أتعبّد، فورد الشّيخ محمد (٣) ونزل المدرسة ومعه بعض فقراء، فوقفت أملأ إبريقا، وإذا بخادمه قال: ما تطلع تجلس تتحدّث معنا، فجلست معه أتحدّث، فجرى ذكر الزّهد فتكلمت فيه، وإذا بباب فتح وخرج الشّيخ محمد فقمت له فقال: اجلس، ثمّ قال: يا فقراء ما ينبغى للانسان أن يتكلّم فى الزّهد وعنده كذا وكذا درهما لها مدّة، وذكر ذلك القدر، قال: ثمّ دخل مكانه فسمعته يقول: «وما فعلته عن أمرى» … !

стр. 526

وحكى لى جمال الدّين علىّ بن عبد القوىّ الأسنائىّ قال: وجدته مرّة بالدّمقرات (١) ومعه فقراء- وكان الغلاء- فصحبتهم إلى أرمنت، فنزلوا المسجد الجامع، وإذا بعض الفقراء راح إلى السوق فلم يجد خبزا ولا شعيرا فرجع، وإذا بالشّيخ أخرج دراهم وأعطاها للفقير وقال له: رح من هنا واعطف من كذا إلى مكان كذا تجد الخبز، وأعطى لآخر دراهم وقال: توجّه إلى كذا تجد الشّعير، فتوجّها وأتيا بالخبز والشّعير واشتريا حمصا ولبنا، قال جمال الدّين: فنزلت السّوق وأخذت بويضات، فإنّى أعرف الشّيخ صائم الدّهر، وعملت شيئا وقلت يفطر الشّيخ عليه، فلمّا جاء وقت المغرب صلّى العشاء وقلت له، فقال: لا تعجل السّاعة يصل إلينا الطعام ويعتبونك، فجلست ساعة جيّدة، وإذا بغلمان ابن يحيى أحضروا طعاما واعتذروا، وحلفوا أنّهم ما علموا بوصول الشّيخ إلّا بعد العصر، وقالوا لى: الجماعة يعتبونك. وأصحابنا الأسنائيّة والأدفويّة يحكون عنه اشياء كثيرة ﵀. قال لى الخطيب حسن بن منتصر، خطيب أدفو، إنّه سمعه يقول: كنت فى بعض السياحات، فكنت أمرّ بالحشائش فتخبرنى بما فيها من المنافع … ! وتوفّى ليلة الاثنين العشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين (٢) وتسعين/ وستّمائة بقنا [رحمه الله تعالى]. (٤٠٦ - محمد بن الحسن القوصىّ) محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الظّاهر القوصىّ، يكنى أبا عبد الله، وينعت بالكمال، موصوف بفقه وعلم ورياسة وعدالة. توفّى بقوص فى سنة خمس (٣) وستّمائة، فى صفر.

стр. 527

(٤٠٧ - محمد بن الحسن بن هبة الله الأرمنتىّ) محمد بن الحسن بن هبة الله بن حاتم الأرمنتىّ، التّقىّ ابن الشّرف، سمع الحديث من شيخنا محمد (١) بن أحمد الدّشناوىّ، وشيخنا أحمد (٢) بن محمد القرطبىّ، ومحمد ابن أبى بكر النّصيبينىّ (٣)، ومحمد (٤) بن عثمان الدّندرىّ، وقرأ كثيرا، وقرأ البخارىّ وكتبه بخطّه، واشتغل بالفقه، وكان إنسانا حسنا متديّنا، سمعت بقراءته أكثر صحيح مسلم، ودرّس بالمدرسة السّقطية بمدينة قوص. وتوفّى بقوص سنة ثمان وسبعمائة. (٤٠٨ - محمد بن الحسين بن يحيى الأرمنتىّ (¬*)) محمد بن الحسين بن يحيى الأرمنتىّ، المنعوت جمال الدّين، كان ﵀ من الرؤساء الأعيان، أفراد الزّمان، لطيف الذّات، كامل الصّفات، نهاية فى الكرم، حتّى أفضت به مكارمه إلى العدم، فقيه فاضل، لبيب عاقل، أديب شاعر، ناظم ناثر، إن ذكرت المناصب الدّينية فله فيها رسوخ قدم، أو الرّئاسات الدّنيويّة فله فيها سالف قدم، أو الفضائل الأدبيّة فهو الموجد (٥) فيها نصّا كان فى حيّز العدم. أخذ الفقه عن الشّيخ بهاء الدّين هبة (٦) الله القفطىّ والشّيخ جلال (٧) الدّين

стр. 528

الدّشناوىّ، واشتغل بالأصول على الشّيخ شهاب الدّين أحمد القرافىّ، والشّيخ شمس الدّين محمد بن يوسف الخطيب الجزرىّ وقرأ أصول الدّين والمنطق على بعض العجم، اشتهر أنّه ذكر للشّيخ تقىّ الدّين أبى الفتح محمد القشيرىّ فقال: «الفقيه محمد بن يحيى ذكىّ جدّا، فاضل جدّا، كريم جدّا». وتولّى [الحكم] بأدفو بلدنا وقمولا، وناب فى الحكم بمدينة قوص، ثمّ لمّا مات قاضيها، ورد كتاب قاضى القضاة تقىّ الدّين عبد الرّحمن ابن بنت الأعزّ أن يستمرّ فى الحكم، إلى أن يتولّى العمل قاض، وكان خطيبا ببلده أرمنت، أجازه بالفتوى الشّيخ جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ. رأيته مرّات وقد ضعف حاله وقلّ ماله، ومع ذلك أضافنى ضيافة أهل الثروة. وحكى لى صاحبنا [الشّيخ] محمد ابن العجمىّ قال: وردت عليه مرّة بعد أن قلّ ما بيده فقال غلامه: «والله جئت جيّدا بسم (١) الله عند الجماعة» فقال: لا كيد ولا كرامة- وكان عنده القموليّة، وقد قدّم لهم خروف شواء- فلمّا علمت الحال قلت: يا سيّدى، دعنى آكل مع الجماعة، فقال: لا، وأرسل عمل لى دجاجا وأكل معى، وصار مفكرا فيما يعطينى، وإذا بغلام من غلمانه وضع بين يديه «خرجا» وأخرج منه قضيبين من الحديد للسّواقى، أخذهما له بثمن فى ذمّته فقال: والله جئت جيّدا، يا شيخ محمد خذهما، فقلت: يا سيّدى هؤلاء لكم بهم حاجة، وأنا ما لى بهم ضرورة، فحلف لا بدّ من أخذهما، فأخذتهما وركبت إلى «شطفنبة (٢)» بعتهما بأربعين درهما، قال: فاجتمعت به بعد ذلك مع الجماعة فقال: جاء الشّيخ محمد إلىّ وأسقيته قضيبين، فقلت: حديد يا سيّدنا …

стр. 529

وكان كثير البسط، عزيز النّفس؛ حكى لى صاحبنا علاء (١) الدّين الأسفونىّ قال: لمّا توفّى بدر الدّين ابن شمس الدّين ابن السّديد بأسنا، ركب جمال الدّين (٢) من أرمنت وورد أسنا، ليعزّى والده ويعود مخفّفا، فاتّفق أن أدركته الجمعة، فأرسل إليه شمس الدّين جبّة هنديّة تساوى مائتى درهم ليصلّى فيها، فلمّا خرج من الجامع، حلف عليه أنّه لا يعيدها، قال علاء الدّين: فقلت له: ما أحسن قول فلان: تجمّل أقواما سوانا ثيابنا … وتبقى لنا إن يلبسوها صنائع فقلعها ورمى بها إلىّ وقال: خذها لا جعل الله لك فيها بركة … ، فأخذتها … وله نظم سائر، منه ما أنشدنيه بعض أصحابنا عنه من قصيدة أوّلها: أنا العانى الكئيب المستهام … منامى بعد بعدكم حرام رشقتم مهجتى بسهام لحظ … أصابت مقلتى تلك السّهام تناءى الصّبر عنّى مذ رحلتم … وحالفنى لفقدكم السّقام ورام عواذلى سلوان قلبى … وذلك فى هواكم لا يرام أأسلوا حبّكم يا أهل نجد … وحشو جوارحى نار ضرام ترى ياسا كنى وادى المصلّى (٣) … أراكم قبل يفجئونى الحمام فبين قبابكم قلبى أسير … وبين خيامكم دمعى سجام أما ترثوا لعبدكم المعنّى … به زاد التشوّق والغرام ينوح إذا حدا حادى المطايا … ويندب كلّما ناحت حمام

стр. 530

وهى قصيدة طويلة. ومن مشهور شعره قصيدته التى أوّلها: / إذا ما سرت نحو الحجاز حمول … ولم أقض شوقا إنّنى لملول وإن عرّض الحادى بذكر أهيله … ولم أبكهم إنّى إذا لبخيل ألا يا حداة العيس بالله عرّجوا … على دار خير المرسلين وميلوا وإن تجدوا للقول وقتا فعرّضوا … بذكرى وزمّوا العيس ثمّ وقيلوا وحيّوه حيّوا لى بكلّ تحية … ففى حقّه ملء الوجود قليل ترى هل أراه قبل موتى بساعة … وأشكو له ما حلّ بى وأقول ويجمعنا بعد النّوى حرم الرّضا … وتذهب أيّام الجفا وتزول وأصفح للأيّام عما جنت به … ويخلص من أيدى السّقام عليل وأنشد قلبا ضاع فى عرصاتها … له الله دون العالمين كفيل وأنشد بيتا شاقنى حسن نظمه … وها هو ما بين الرّواة مقول وما عشت من بعد الأحبّة سلوة … ولكنّنى للنّائبات حمول ومن مشهور شعره أيضا قصيدته التى أوّلها: عريب النّقا (١) قلبى بنار الجوى يكوى … وجيدى (٢) عنكم دائم الدّهر لا يلوى ولى مقلة تبكى اشتياقا إليكم … ولى مهجة ليست على هجركم تقوى نشرتم بساط البعد بينى وبينكم … ألا يا بساط البعد قل لى متى تطوى ألا يا حداة العيس بالله عرّجوا … على منزل كانت تحلّ به علوى
следующие страницы →